وتركت ما قد كان فيه لازما ... هلا عكست فجئت بالقول السدى
كدرت منه بما ضعت بحوره ... فغدت مشارع١ ليس ينحوها الصدى٢
فإذا نظمت فكن لنظمك ناقدا ... نقد البصير بذهنك المتوقد
أولا فدع تكليف نفسك واسترح ... من قولهم ما شعره بالجيد
ولئن عنفت عليك فيما قلته ... فلقد بذلت النصح للمسترشد
فلما قرأ صاحب الديوان هذه الأبيات ضحك، ولم يزد على أن قال: "أنت في حل"، وكان "محمد بن الحسن" قد علق غلاما، فكتب إليه الخشاب.
إني أجلك أن تصبو بمبتذل ... على تسنمك العلياء من صغر
أمسك عليك وحاذر من إخاء فتى ... قميصه مذ نشا ينقد من دبر
وهذه قطعة رائعة تزخر بالمعاني الكريمة، وتفيض سلاسة ولطافة فلا ينبو منها لفظ، ولا يقلق فيها تعبير وتطرد أجزاؤها، وتتسلسل حتى لتكون كالعقد انتظمت
حباته قالها يرثي بها المرحوم الشيخ "أحمد بن موسى بن داود" المتوفى سنة ثمان ومائتين وألف من الهجرة.
تغير وجه الدهر وازور حاجبه ... وجاءت بأشراط المعاد عجائبه
وكدر صفو العيش وقع خطوبه ... وقد كان وردا صافيات مشاربه
فمالي لا أذري المدامع حسرة ... وأفق سطء المجد تهوي كواكبه٣
وما لي لا أبكي على فقد ذاهب ... موصلة لله كانت مذاهبه
أغرسنا شمس الضحى دون وجهه ... وفوق مناط الفرقدين مراتبه
حليف ندى كالسيل سيب يمينه ... وكالبحر تجري للعفاة مواهبه
له عفو ذي حلم ورأي أخي نهى ... يضيء لدى محلولك الخطب ثاقبه
على نهج أهل الرشد عاش وقد مضى ... مطهرة أردانه وجلاببه
стр. 527
فمن ذا الذي ندعو لكل ملمة ... وترجو إذا ما الأمر خيفت عواقبه
لقد هد ركن الدين حادث فقده ... وشابت له من كل طفل ذوائبه
وغادر ضوء الصبح أسود حالكا ... كأن الدجى ليست تزول غياهبه
ألم تر أن الأرض مادت بأهلها ... وأن الفرات العذب قد غص شاربه
سطت نوب الأيام بالعلم الذي ... تزال به عن كل شخص نوائبه
عجيب لهم أنى أقلوا سريره ... وفد ضم طودا أي طود يقاربه
وكيف ثوى البحر الخضم بحفرة ... وضاق بجداره الفضا وسباسبه
خليلي قوما فابكيا لمصابه ... بمنهل دمع ليس ترقا سواكبه
لقد آد١ إذا أودى٢ وأعقب مذ مضى ... أسى يجعل الأحشا جذاذا٣ تعاقبه
وأي شهاب ليس يخبو ضياؤه؟ ... وأي حسام لا تفل مضاربه؟
وأي فتى أيدي المنية أفلتت؟ ... وأي فتى وافته يوما مآربه؟
وماذا عسى نبغي من الدهر بعد ما ... أصمت٤ وأصمت٥ كل قلب مصائبه؟
فانظر كيف جاءت هذه القصيدة سهلة مشرقة لم تعكرها صنعة، ولم يذهب بروائها تكلف.
نقاء شعره من التاريخ:
ومما امتاز به "الخشاب" أنه لا يميل إلى التاريخ الشعري، ولا يتصل بل
стр. 528
في قليل أو كثير، وعلى رغم أنه أقرب شعراء العصر الحاضر إلى العصر السالف، وكان مقتضى ذلك أن ينحو منحى الشعراء في ذلك العصر فيفتن في التاريخ
الشعري، ويولع به كما أولعوا ويستعمله في الشطر أو البيت، أو القصيدة على رغم من معاصرته لهؤلاء الذين كلفوا به خلا شعره منه، فلا تكاد تعتر على تاريخ له في حادث أو أمر ذي بال، وإن هذه لحسنة من حسنات "الخشاب"، فقد نجا من قيوده وأغلاله، وكم طغت هذه الصناعة على الشعر، فذهبت بجماله
وكسبته الغموض والتعقيد، والالتواء واستبدت بالشاعر فصرفته عن روعة
التصوير وجمال المعنى، وحسن الأداء، ولكن "الخشاب" نجا من هذا، وكره هذه الطريق الملتوية فحاد عنها، وسلك مسلك السهولة والإشراق والوضوح.
стр. 529
الشيخ حسن العطار:
المتوفى سنة "١٢٥٠هـ-١٨٣٤م"
نشأته وحياته:
ولد بالقاهرة سنة نيف وثمانين ومائة وألف من الهجرة، ونشأ بها في ظل أبيه الشيخ "محمد كتن"، ويمت بنسبه إلى أسرة مغربية، وفدت إلى مصر وكان أبوه رقيق الحال "عطارا"، ملما بالعلم كما يدل عليه ما يقوله في بعض كتبه "ذاكرت بهذا الوالد ﵀"، وكان يستصحبه إلى متجره، ويستعين به في صغار شئونه -نشأ حاد الذكاء قوي الفطنة، إلى التعليم هواه، شديد الغيرة والتنافس، إذ يرى أترابه يترددون على المكاتب، ومن ثم يتسلل إلى الجامع الأزهر مستخفيا من أبيه، وقد عجب والده إذ رآه يقرأ القرآن في زمن وجيز، فشجعه ذلك على أن يدع ابنه الذكي الفطن المحب للعلم يختلف إلى العلماء، وينهل من وردهم ما يشاء، فجد في المثابرة والانتفاع من الفحول أمثال الشيخ "محمد الأمير"، والشيخ "الصبان"، وغيرهما حتى بلغ من العلم والتفوق فيه ما أهله للتدريس بالأزهر على تمكن وجدارة.
ولكن نفسه لم تقنع بهذه الغاية، بل مال إلى التبحر في العلوم، واشتغل بغرائب الفنون، والوقوف على أسرارها.
وكان منذ صباه ذا شغف بالأدب، جادا في مطالعته والتزود منه حتى أجاد النظم، والنثر في ريعان صباه وبواكير حياته.
وعني بالأدب الأندلسي عناية فائقة فأخذ يدرسه ويحاكيه، وكثيرا ما كان يأسف على انحطاط الأدب في عصره، ويصف شعراء زمانه بأنهم "اتخذوا الشعر حرفة، وسلكوا فيه طريقة متعسف، فصرفوا أكثر أشعارهم في المدح والاستجلاب والمنح، حتى مدحوا أرباب الحرف الجمع الدراهم، وكان منهم
стр. 530
من كان يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص، ثم يغيرها في مدح آخر، وهكذا حتى يمتدح بها كثيرًا من الناس، وهو لا يزيد على أن يغير الاسم والقافية، وما أشبهه في ذلك إلا بمن يفرق أوراق الكدية١ بين صفوف المصلين في المساجد، وهكذا كان حال الرجل، فلا يكاد يتخذ وليمة أو عرسا أيبني بناء أو يرز بموت محب إلا بادره بشيء من الشعر قانعا بالشيء النزر".
ولما كانت تلك نظرته إلى الشعر والشعراء رأيناه قد أغفل شعره، ولم يحتفظ بما قاله في المدح، والهجاء اضطرارًا ورجا ألا يحفظ عنه، إلا ما لطف من النسيب"، مما ولع به "أيام الشباب حيث غض الشبيه، والزمن من الشوائب محض، ولأعين الملاح سهام بالفؤاد راشقة، وتثني قدود الغيد تظل له أعين الأحبة وامقة.
ذاك وقت قضيت فيه غرامي ... من شبابي في ستره بالظلام
ثم لما بدا الصباح لعيني ... من مثيبي ودعته بسلام"
ولما اضطربت الفتن بدخول الفرنسيين مصر رحل إلى الصيعد، ومعه جماعة من العلماء، ثم عاد إلى مصر بعد أن استقرت الأمور، وقد أداه حبه الحياة الاجتماعية وميله إلى المخالطة، وما عرف به من خفة الروح، وطيب المعاشرة، إلى الاتصال بالفرنسيين العلماء فاستفاد من فنونهم، وأفادهم اللغة العربية وكان يقول: "إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها"، وكان يتعجب مما وقف عليه من علوم الفرنسيين، ومن كثرة كتبهم وتحريرها وقربها من العقول وسهولة الاستفادة منها، وقد تحدثنا عن ذلك في صلة الأزهر بالحملة الفرنسية.
وهو الذي وقف في امتحان مدرسة الطب خطيبا يشيد بفائدة الطب في تقدم الإنسانية، ويفخر بأن أتيح للأزهر في تاريخ مدرسة الطب أول نشأتها
стр. 531
أثر جليل إذ كان جل تلامذتها الأول من الأزهر، وكان لهم في مدرسة الطب من الذكاء، وحسن الاستعداد ما راع وبهر.
والشيخ "حسن العطار" هو الذي قدم الشاب الشيخ "رفاعة رافع" "لمحمد علي"، ليكون إماما للبعث الذي أرسل إلى فرنسه في سنة ١٨٢٦م.
وهو الذي أوصى "رفاعة" أن يقيد مشاهداته في بلاد الغرب من الأمور التي يرى فيها فائدة لبني وطنه، كي يظهرها على النواحي المختلفة للحضارة الأوروبية، حتى إذا أطاع "رفاعة" أستاذه، وأتم رحلته "تخليص الأبريز في تلخيص باريز" أوصى العطاء بها حتى قامت الحكومة على طبعها ونشرها.
تنقله:
ثم إنه ارتحل إلى الشام، وأقام بدمشق زمنا كان يقرض فيه الشعر حينا بعد حين، قال: "وقلت وأنا بدمشق هذه القصيدة، وسببها أن صاحبنا العلامة محمد المسيري كان قدم من بيروت لدمشق، فأقام بالمدرسة البدرية حيث أنا مقيم، ومكث نحو شهرين فوقع لي به أنس عظيم".
ثم عاد إلى بيروت وأرسل مكتوبا لبعض التجار فيه قصيدة تتضمن مدح دمشق، وعلمائها وتجارها الذين صاحبوه مدة إقامته، فكان جزاء تلك القصيدة أنها لم تقع منهم موقع القبول، وساروا يهزأون بكلماتها، وقوافيها فانتدبت لنظم هذه القصيدة على بحرها، ورويها انتصار للشيخ "المسيري"، وقد ذكرت بعض متنزهات دمشق في أول قصيدتي، وأتيت فيها بفنون من الغزل، والهجاء وغيرها، فقلت:
بوادي دمشق الشام جزبي أخا البسط ... وعرج على باب السلام ولا تخطي
ولا تبك ما يبكي امرؤ القيس حوملا ... ولا منزلا أودى بمنعرج السقط
стр. 532
هنالك تلقى ما يروقك منظرا ... ويسلي عن الأخوان والصحب والرهط
عرائس أشجار إذا الريح هزها ... تميل سكارى وهي تخطر١ في مرط٢
كساها الحيا أثواب خضر تدثرت ... بنور شعاع الشمس والزهر كالقرط٣
ومنها:
وقف بي بجسر الصالحة وقفة ... لأقضى لباتات الهوى فيه بالبسط
وعرج على باب البريد تجد به ... مراصد للعشاق في ذلك الخط٤
وحاذر سويقات العمارة أنها ... مهالك للأموال تأخذ لا تعطى
فلو أن قارونا تبايع بينهم ... لعاد فقيرًا للخلائق يستعطي
ولست لما أنفقت فيها بآسف ... ولا بالرضا مني أمازج بالسخط
وجاء في بعض كتبه أنه أدى فريضة الحج، واتفق له بعد أدائه أن توجه مع الراكب الشامي إلى معان تم بلدة الخيل فأقام بها عشرة أيام، ثم ارتحل يمم القدس فنزل دار نقيبها، وهنأه بعودته إلى منصبه بعد عزله منه، ثم ارتحل إلى بلاد الروم وأقام بها طويلا، وسكن بلدًا من بلاد الأرنأود، وتأهل بها وأعقب، ولكن لم يعش عقبه.
стр. 533
عودته إلى مصر:
ولما عاد إلى مصر تولى تحرير الوقائع المصرية، فكان أحد الأزهريين الأدباء الذين نهضوا بها، وكانت له شهرة علمية أدبية، ومكانة أذعن لها معاصروه من العلماء، والأدباء، والأفذاذ.
كان يعقد مجلسا لقراءة تفسير البيضاوي، فيتوافد الشيوخ عليه تاركين حلق دروسهم، وقد أهلته هذه المكانة العلمية والأدبية، وما اتسم به من النبوغ، وما طار من شهرته، وبعد صيته أن يكون شيخا للأزهر بعد وفاة الشيخ "أحمد الدمهوجي الشافعي".
ولما قدم إلى مصر عام سبعة وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة كبير الدروز، وكانوا قد انتقضوا عليه ملتجئا إلى "محمد علي باشا"، وكان في صحبته "بطرس النصراني" اجتمع به، وكان بينهما اتصال ومودة ورأى المترجم فيه تمكنا من الأدب والمحاضرة، ومعرفة بالتواريخ والأنساب وعلوم العربية، وقد حدث١ بذلك، وبأن "بطرسا" امتدحه بقصيدة منها:
أما الذكاء فإنه ... أذكى وأبرع من إياسه
في أي فن شئته ... فكأنه باني أساسه
أضحى البديع رفيقه ... لما تفرد في جناسه
مواهبه:
كان ﵀ طموحا محبا للاجتماع والتنقل، ومشاهدة الحضارات المختلفة، وكان معروفا بالجد والذكاء معًا، حدث عنه معاصره المحروم الشيخ "محمد شهاب الدين المصري"، الشاعر بأنه كان آية في حدة النظر وشدة
стр. 534
الذكاء، وأنه ربما استعار منه الكتاب في مجلدين، فلا يلبث عنده الأسبوع، أو الأسبوعين ثم يعيده إلي وقد استوفى قراءته، وكتب في طرره١ على كثير من مواضعه٢، ومما عرف عنه أنه كان يرسم بيده المزاول النهارية.
آثاره:
له تآليف عدة منها حاشيته على جمع الجوامع نحو مجلدين، وحاشية على الأزهرية النحو، وحاشية على مقولات الشيخ "السجاعي"، وحاشية علي السمرقندية، ورسائل في الطب والتشريح "والرمل"، "والبازرجة" وغير ذلك، وقد شرح جزءًا من الكامل للمبرد.
شعره:
لم يجمع شعر العطار في ديوان، وقد أراد هو كما قلنا ألا يحتفظ بشعره الذي نظمه في المدح والهجاء، ورغب ألا يحفظ عنه إلا ما كان غزلًا رقيقا نظمه في صباه حيث العيش غض، والزمن من الشوائب محض، وأن مما يؤسف له أن يفقد كثير من ثروة العطاء الشعرية النفيسة، ولو توفر جميع شعره لارتسمت فيه صورة ناطقة لشاعريته، ومواهبه وشخصيته، ووضحت هذه القصائد مجتمعة كثيرا من أحوال العصر إذ الشعر مرآته المجلوة.
ومهما يكن من شيء ففي القصائد المتناثرة التي وقعنا عليها ما يعين -ولو في جهد- على دراسة شعره، وطريقته واتجاهه الشعري.
يدل ما بين أيدينا من شعر "العطار" على السهولة، ووضوح الغرض وإشراق المعنى وسعة الأفق، وغزارة مادة التشبيه، ولعل مما بسط في أفقه الشعري، ومد في خياله، ومال به في الشعر إلى الوضوح والرقة والسجاحة
стр. 535
ما تهيأ له من مخالطة الكبراء والعظماء، وما كلف به من حب الحياة الاجتماعية وغشيانها في شتى مجاليها، ومختلف ميادينها وما اجتلاه في الممالك التي ارتحل إليها وجال في ربوعها من مشاهد وحضارات، وأخلاق وعادات، وما اطلع عليه من ألوان الحياة المتقاربة والمتباينة، فإن كل ذلك من مقومات الشعر، ومن أسباب بسيطه وتلوينه، على أن هذه المخالطات، وتلك الاتصالات التي وثق "العطار" أسبابها صرفت شعره عن التعقيد، والغموض والالتواء.
ويظهر أن العطاء يميل بطبعه إلى السلاسة، وينحرف بفطرته إلى الإشراق والسهولة، وإذا رجعت إلى أقدم ما عثر عليه من شعره لم تفتك منه هذه الصفات، وطالعتك منه صفحة نقية من الغموض والالتواء.
فمن أقدم شعره قصيدته التي رواها "الجبرتي"١ يمدح بها الشيخ "شامل أحمد بن رمضان" المتوفى سنة خمسة عشر ومائتين وألف من الهجرة، حينما ولى مشيخة رواق المغاربة إذ يقول:
انهض فقد ولت جيوش الظلام ... وأقبل الصبح سفير اللئام
وغنت الورق على أيكها ... تنبه الشرب لشرب المدام
والزهر أضحى في الربا باسما ... لما بكت بالطل عين الغمام
وللغصن قد ماس بأزهاره ... لما غدت كالدر في الانتظام
وعطر الروض مرور الصبا ... على الرياحين فأبرا السقام
كأنما الورد على غضنه ... تيجان إبريز على حسن هام
كأنما الغدران خلجان أغصـ ... ـان النقا والنهر مثل الحسام٢
كأن منظوم الزراجين بها ... قوت غدا من نظمه في انسجام٣
стр. 536
كأنما الآس١ عذار٢ على ... وجنته وقد علاها ضرام
كأنما الورقاء لما شدت ... تتلو علينا فضل هذا الإمام
بشراك مولاي على منصب ... كان له فيك مزيد الهيام
وافاك إقبال به دائما ... وعشت مسعودا بطول الدوام
فقد رأينا فيك ما نرتضي ... لازلت فينا سالما والسلام
هذه الأبيات من أقدم شعره الذي عثرنا عليه، وهي متسعة بالسهولة ووضوح الغرض ومجافاة الغموض، مع حسن صياغتها وتسلسلها، وكثرة تشبيهاتها المحكمة السائغة.
ومما قاله متغزلا:
إلى متى أشكو ولم ترث لي ... أما كفى أن رق لي عذلي؟
يا باخلا بالوصل عن عاشق ... بعسجد الأجفان لم يبخل
أنفق في حر الهوى عمره ... وعن أمانيه فلا تسأل
لم يبق في الصب سوى مهجة ... أمست بنيران الهوى تصطلي
ومقلة ترعى نجوم الدجى ... شقيقك الزاهر عنها سل
تبيت تبكي شجوها كلما ... هاج بذكراك فؤاد بلي
ما أطول الليل على عاشق ... فارق محبوبا عليه ولي
كأنما الصبح اتقى سطوه ... من كافر الليل فلم ينجل
فهذه القطعة من أرق أبيات الصبابة وأعذبها، أودعها الشاعر عواطفه وشجونه فعبرت عنها أصدق تعبير، فهو يعتب على محبوبه عتاب الشاكي، ويسائله إلام يغضي من شكواه، وقد رثى العذل لحاله؟ ثم يتجه إليه فيخاطبه قائلا متى بخل بالوصل على عاشق جاد بعسجد أجفانه لطول بكائه، وأنفق
стр. 537
عمره في حر الهوى، وأنت معرض لا تسأل عن أمانيه، لم يبق في محبك إلا مهجة تصطلي بنار الهوى، ومقلة تبيت ساهرة ترعى النجوم، فسل شقيقك ينبئك عن حالها، إنها تبيت تبكي كلما هاج بذكراك الفؤاد البالي، ثم ينتقل الشاعر إلى التبرم من طول الليل على العاشق الذي فارق محبوبا ولى عليه، وينتظر الصبح فلا يطلع، فيخيل إليه أنه يخشى سطوة الليل الكافر، فمن ثم لم ينجل، وهو مسبوق إلى هذا المعنى يقول البهاء زهير:
لي فيك أجر مجاهد ... إن صح أن الليل كافر
المحسنات في شعره:
والمحسنات البديعية تبدو في شعر "العطار"، وتبدو أنواعها في شعره كما تدور في شعر أقرانه المعاصرين.
ففي شعره الطباق كقوله:
أسروني وأطلقوا دمع جفني ... وأثاروا في القلب نار الجحيم
وهو بين "أسروا" و"أطلقوا".
والتقسيم كقوله:
فطرفي إلى رؤياكم متشوف ... وقلبي إلى لقياكم متشوق
مع ما في البيت من الجناس بين متشوف ومتشوق.
وتجد في شعره الاقتباس كقوله:
مرج البحرين فيضا دمعه ... إذ رأى جفنيه لا يلتقيان
وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ .
ويستعمل الثورية في شعره، وتطالعك كثيرًا كما في قوله:
حلمه الروض جناه يجتني ... ويرجي العفو منه كل جان
فقد روي بلفظ "جان" بين معنيه الآثم والقاطف.
стр. 538
وكما في قوله:
وكيف أجوز في ميدان قوم ... حقيقة فضلهم أرجو مجازه
فقد روي بلفظ "مجاز" المضاف إلى الضمير يبين معنيه مقابل الحقيقة، والمصدر الميمي الذي هو بمعنى الاجتياز.
وكما في قوله:
كسر القلب وما كان التقى ... فيه من حين هواه ساكنان
فلفظ "ساكنان" مورى به بين مثنى اسم الفاعل من سكن بمعنى حل، أو سكن بمعنى لم يتحرك، ويحسن أن نشير إلى أن "العطار" أخذ هذا المعنى من قول الشاعر:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثان
بأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
أما الجناس فإنه مولع به، مفتون بفنونه، يستعمل منه في شعره ألوانا مختلفة ويدور في شعره في صور شتى، وكأن "بطرسًا" الذي قدم إلى مصر ضيفا مع كبير الدروز لم يقل في "العطار".
أضحى البديع رفيقه ... لما تفرد في جناسه
إلا حيث كانت "العطار" شهرة بإدمان الجناس والافتتان فيه، وتلوينه بألوان مختلفة، فقد يعمد إلى الجناس في الكلمة الواحدة، فيوردها ذات معان شتى وفي صور متغايرة قد تصل أحيانا إلى أربع كقوله يمدح "إبراهيم باشا":
سمهري١ ينثني أم غصن بان ... أم قوام دونه صبري بان
صان بالعسال٢ معسول اللمي ... وتهادي هادما ما أنا بان
стр. 539
يا مليك الحسن رفقا بشبح ... كلما حاول كتم الشجو١ بان
فكلمة "بان" في هذه الأبيات كررها الشاعر أربع مرات، وهي على ترتيبها "اسم" للشجر، وفعل ماض بمعنى تعد، واسم فاعل من بني بمعنى أقام وشيد، وفعل ماض بمعنى ظهر، وولوعه بالجناس هذا هو الذي أوقعه في هذا التكرار الذي غاض معه جمال الشعر وبهاؤه، وجاء متكلفا لا تنفتح الأسماع له، وهو لا ينسى في غمار هذه الضجة التي أثارها بجناسه، "وبان" تكلفها في شعره أن يسوق جناسات أخرى في سياق هذه الأبيات، كما بين "العسال" "ومعسول" اللمي "وتهادى" و"هادما" و"شج" و"شجو".
وهذا الجناس الذي يغرق "العطار" في تناوله، ويسرف في استعماله يحلو أحيانا، فيكون مقبولا سائغا لا نبو فيه كقوله:
وصفا لي زمان أنس صفا لي ... بحبيب غض وراح قديم
وقوله:
وما لي إن منعتكها اقتدارا ... وما لي إن منحتكها إجازة
وقوله:
يمم اليم ورد ما تشتهي ... وعلى المورد يا صاح الضمان
وقوله:
وغنت الورق على أيكها ... تنبه الشرب لشرب المدام
وقوله:
همم فوق السموات سمت ... ومعال دونهن الصعب هان
فالجناس بين "صفا" و"صفا" و"منعتكها"، و"منحتكها" و"يمم" و"اليم" و"الشرب" جمع شارب و"الشرب" مصدر شرب و"السموات"، و"سمت" و"دونهن" و"هان"، وهذه جناسات سائغة لا تمجها النفس
стр. 540
ولا تتكره لها ومن جناسه ما يسمح، وينسبو وتسمعه الآذان بغضاضة، وتسخط لما يبذله له من التكلف والتعسف كقوله:
وحلى حلت وجلت غاية ... أيجاري من له سبق الرهان
وقوله:
فهو كالشمس سمت آفاقها ... وسناها كان في كل مكان
هذه جناسات موسومة بطابع التكلف ارتصد لها الشاعر، فلم تخف على الأسماع.
حسن الانتقال في شعره:
والشاعر يحسن الانتقال من معنى إلى معنى، فلا تحس بقلق بين المعنيين أو اقتضاب، أو تنقل من الأول إلى الثاني بل نجد تمام الالتئام، وحسن السبك وأحكام التآخي كقوله:
يا نديمي قم وباكرها وطب ... هذه الجنة والحور الحسان
وأدر لي بنت كرم عتقت ... نورها الباهر يحكي البهرمان
بالنهى قد فعلت كاساتها ... فعل إبراهيم سلطان الزمان
فقد انتقل من أثر الكؤوس في النهى، وما تفعل به إلى أثر إبراهيم الممدوح في نفوس الناس دون مجافاة بين المعنى الأول والثاني، أو تعثر أو فجوة بينهما.
أغراض شعره:
هو واسع الأفق في شعره يتناول فيه جميع الأغراض الشعرية من غزل، ومدح وهجاء وفخر ورثاء، ووصف وتهنئة وحكم وغير ذلك.
ومن حكمه قوله:
قد يطلب الحسناء من لم يكن ... كفؤًا لها للحمق في عقله
стр. 541
قد يتساوي اثنان في منصب ... وإنما التفريق في سبله
ويفخر المرء بأفعاله ... لا بالذي قد مات من أهله
المصطلحات العلمية في شعره:
تبدو المصطلحات العلمية في شعره، ولكن على قلة فمن ذلك قوله:
فمنصب المرء قرين له ... والشكل مجذوب إلى شكله
وقد ترى فرعين من دوحة ... تخالفا في الحكم مع شكله
التاريخ الشعري وبراءته منه:
أما التاريخ الشعري الذي تهافت عليه الشعراء المعاصرون له، فختموا به قصائدهم وسجلوا به كل حادث، وافتنوا في تناوله، فقد تحرر "العطار" منه ولم نعثر فيما وقع بين أيدينا من شعره على استعماله هذا النوع.
نثره:
جرى "العلطاء" في إنشائه على طريقة عصره، وخاصة في أوائله فالتزم السجع حتى لم تفلت منه جملة، وتكلف الصنعة ما طاوعه جهده، فكان نثره عكس شعره قيودا، والتزامات في النثر وسهولة وانطلاقا في الشعر في أغلب الأمر، وقد أودع ما كتبه في كتاب سماه "إنشاء العطار"، وقسمه قسمين "كتابة الشروط والصكوك، وإنشاء المراسلات الواقعة بين السوقة والمملوك، وأثبت في هذا الكتاب" من كل فن منهما قدرا به اللبيب عن غيره يستغني، فهو لكل كاتب عن الافتقار لسواه مغني".
وكان له في صباه أغراض دونها في أوراق تلاعبت بها الأيدي، ولم يبق منهما إلا النزر القليل، فلخص منها ما يحسن إيراده في "المخاطبات"، وترك "ما لا يتعلق به غرض في المكاتبات".
стр. 542
ولما كانت الأقلام في هذه الفترة متقاصرة عن تصوير المشاعر، وتسجيل الخواطر، وتدوين الرسائل في مختلف الأغراض، وضع "العطار" لشتى المناسبات إنشاء مختلفا يستعمله كل كاتب في غرضه، مراعيا مقام المكتوب إليه، فإن كتب رسالة ترفع إلى أمير، أو سلطان حشن له المدح والثناء، أو لمرجو في حاجة بسط إليه أكف الضراعة والاستجداء، واستدر عطفه ونداه، وإن خاطب عالما كان خطابه متسقا مع ما عرف به المخاطب من نوع علمه، وراعى في رسالته إليه ما يناسب من العبارات، والتراكيب مستشهدا بالشعر حينا من نظمه، وحينا آخر من محفوظه.
وبعد أن حشد في القسم الأول من هذه المخاطبات طائفة من الرسائل المتنوعة، عقب بخاتمة "تشتمل على أبيات تورد في أوائل الصدور، ويستشهد بها في أثناء السطور"، وبطائفة أخرى من "شطور أبيات تحلى بها السجعات".
ثم كتب في القسم الثاني ما يلائمه من رسائل أعدها لمن يعجز عن الكتابة، فيستعين بها من صور مبايعات، وصلح وحوالة وشركة وشفعة، ووكالة ونحو ذلك.
نماذج من إنشائه:
مما كتبه في رسائل الإخوان:
"الإخاء بيننا أدام الله سعدك وأثل مجدك، وأورى زندك، وأهلك ضدك، وأجرى على الألسنة شكرك وحمدك.
فالناس أجدر من أن يمدحوا رجلًا ... حتى يروا عنده آثار إحسان
стр. 543
قوى الارتباط بعيد الانحطاط، متزايد متصاعد، عتيد أكيد، لا يطمع واش في نثر عقده، ولا يوجب طول التباعد تناسى عهده، كيف وأنت الجليل الذي عليه المعول، والحبيب الذي آخر شوقي إليه أول، لي بلقياك أنس وارتياح، وبدارك غدو ورواح، ومبيت ومقيل، في ظل عيش ظليل قوبل بإجلال، وعومل بإفضال:
وقيل له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مكان صالح ومقيل
يجد منك القاصد إليك، والمستقر لديك، ما تقر به عينه، ويستقر أينه من نفيس كتاب، ولذيذ خطاب، وجليس أنيس، ونديم نفيس.
مجلس تكثر الفوائد فيه ... وتسر العيون والأسماع
وكتب لعالم نحوي
"يقبل الأرض إجلالًا ويشرح ما ... يحس من حرق الأشواق والقلق
ويشتكي بعض ما يلقى وأعجب ما ... رأيت أن تخمد النيران بالورق
ويبدي غراما تحرك سواكنه عوامل الاشتياق، وحبا أضرمت ناره في الضمير فكاد يشعله الاحتراق، وينعت ودا ممتزجا بتوابع الثناء والمدح، ويرفع أدعية صارت بها الأكف مبنية على الفتح، ويصف أشواقا سكنت في صميم الضمير، وسلم جمعها من التكسير، بعد دعاء إذا قصد باب القبول قيل: ادخلوها بسلام، وسلام أعطر من حديث النسيم بأخبار زهر الكمام، وينهى بعد بث أشواق أصبحت بها الدموع في محاجر العين معثرة، ولو لم يقرأ إنسانها بمرسلات الدمع لقلقت في حقه قتل الإنسان ما أكفره.
إنه إن تفضل المولى بالسؤال عن حال هذا العبد المخلص، والمحب المتخصص، فهو باق على ما تشهد به الذات العلية، من صدق المحبة ورق العبودية، ويخبركم بكذا وكذا ... إلخ".
стр. 544
السيد على درويش المصري
...
السيد علي الدرويش المصري:
المتوفى سنة "١٢٧٠هـ-١٨٥٣م"
نشأته وحياته:
هو، "السيد علي الدرويش" بن "حسن" بن "إبراهيم الأنكوري"، ولد بالقاهرة في غرة شهر المحرم سنة ١٢١١هـ، ولما شب ألحق بالأزهر، فتلقى علومه على جلة من شيوخه، وكان منذ صباه ميالا إلى الأدب وفنونه، فأقبل على كتبه يغذي ملكته بقراءتها ويرتوي من محاسنها، ويستظهر ما يستطيبه منها، وقلب في كتب اللغة فعرف أسرارها، ووقف على مكنونها، وكان هواه إلى الهندسة والحساب أيضا فأجال فيهما نظره، ثم تفرغ للكتابة وقرض الشعر، وحرر الرسائل ونظم جمهرة من الأصوات "أدوار الغناء"، واشتهر بصناعة المواليا والموشحات، وتهيأت له بأدبه وشهرته منزلة رفيعة لدى الوجوه، وأمراء العصر حتى أصبح شاعر المرحوم "عباس الأولى".
وكان غنيا بماله وعقاره عن التكسب بشعره معروفا بميله إلى اللهو، والطرب غزير المدح لمن يحبه لاذع الهجاء لمن يبغضه، ولعله امتاز بهذين من الشعراء الأزهريين الذين لم يكونوا في ذلك مسرفين، كما كان حاضر البديهة عذب المفاكهة، حلو المنادرة، كانت وفاته في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين وألف من الهجرة.
شعره:
عصر الدرويش عصر صناعة وزخرف وطلاء، وتعمل وكلف بالبديع وإغراق فيه على تفاوت الشعراء في ذلك، ولو أن الدرويش اقتصر في شعره على الحظ الذي تناوله المعاصرون له من الصناعة، والمحسنات لكان من أجودهم شعرًا إلا أنه أغرق في البديع، وكلف بالزخرف يحشده حشدا، ويشده شدا،
стр. 545
ويسرف فيه إسرافا، ويتصيده بسهولة ويرتقبه رضيه الذوق أو أباه، وبذلك استغلق شعره، والتوى قصده، وانحط نسجه، وضت معانيه فيما أغرى به من صنعة، وما سهر عليه من زينة.
فمن جناسه الذي يستعمله في شعره قوله:
أيام أفراح هي الحسن ... صدق اليمين بأنها يمن
فالجناس بين اليمين واليمن، وهو متكلف إلا أنه غير موغل في الثقل.
وقوله:
كالروض مختلف الثمار مهذبا ... أفنانه من عنده فن
فالجناس بين أفنان جمع فنن "وفن".
وقوله:
أملي وعلم مآله أعياني ... أو لم تكن منقولة أعياني
فالجناس بين أملي ومآله، وبين "أعياني" بمعنى أثقلني و"أعيان" المضافة إلى ياء المتكلم جمع عين.
وقوله:
صفو الليالي أحسنا ... يمن تراهم أحسنا
فالجناس بين أحسن ضد أساء وأحسن وصفا من الحسن.
هذه الجناسات ليس فيها ما واتاه عفوا، أو انساق إليه دون استكراه بل احتفل الشاعر بها، فشدها شدا أضاع المعنى الشعري، وجرد الشعر من الجمال والروعة.
ومما أسرف فيه من الجناس، وكان غاية في الثقل والتعمل والنبو والقلق قوله:
جسمي لعري غدا بالبرد مكتسيا ... ليلا وشمس نهاري بردي الثاني
بردان لا نفع "للبردان عندهما ... وجبة البرد تكو كل عريان
أخاف أطلب بردا أستغيث به ... يرده بردا بالغيث حرماني
стр. 546
لا أسأل الحظ بردا أن يحرقه ... والبرد والبرد في التحرير سيان
فإنه ما زال يكرر لفظ "البرد"، ويديره في شعره في أوضاع مختلفة طلبا للجناس حتى قبح نسج الشعر وسمح نظمه، وأصبح غاية في السخف و"البرودة"، ولعل كلفه بالجناس أوقعه في الخطأ باستعمال كملة بردان العامية، وفصيحها بارد وبُراد وبَرُود وبَرْد.
ومن الطباق الذي يستعمله قوله:
بيت جديد قديم المجد عن سلف ... بسعد أنجالهم قد شرف السكن
فقد طابق بين جديد وقديم وقوله:
فكم قالت لها الأخرى هلمي ... وكم قالت لها الدنيا تأني
فقد طابق بين الأخرى والدنيا:
ومن أنواع البديع التي يستعملها في شعره مراعاة النظير كقوله:
لهم جامع من غير باب فكم عوت ... عليهم من المحراب في الصبح جرذان
إذا سجدت حيطانه فهي ركع ... وتسمع تسبيح الحصا منه سقفان
وقد أخطأ إذ جمع سقف على سقفان، والصحيح سقف وسقوف.
ومما أولع به من التورية في شعره قوله في مليح اسمه رضوان.
قد أكثر البعض في إنكاره سفها ... يوم القيامة جنات ونيرانا
فأبطل الله في الدنيا أدلتهم ... لما أراهم من الجنات رضوانا
فيحتمل أن يكون أراد "رضوان" خازن الجنة، أو المليح المسمى "رضوان"، أو الرضوان مصدر كالرضا من رضى "ورضوان من الله أكبر".
ويروى في كتاب اسمه "مراتع الغزلان" فيقول:
يا واردا سلسال ذا البستان ... منك الدعاء لصادر ظمآن
стр. 547
واسمع قمارى الحب في أقمارها ... فلقد سقاها كأسه وسقاني
واسترحم المولى شهيدا في الهوى ... أبدا صريع "مراتع الغزلان"
فالتورية في قوله "مراتع الغزلان"، إذ يحتمل أن يكون اسم الكتاب أو مواطن النساء الشبيهات بالغزلان.
وهو يغرى بالبديع أيضا في الموشحات و"الأدوار" الغنائية، فتراه يلتزم الجناس فيها، ويستعمل التورية ما استطاع، كقوله:
بافاتك الفتان ... ناسي ناسي أهواء
وخده النعمان ... كاسي كاسي آه ... وآه
فقد أوقع الجناس بين ناسي اسم فاعل و"ناسي" بمعنى أهلي، وأوقعه بين كاسي اسم فاعل من كسا و"كاسي" التي هي إناء الخمر مضافة إلى ياء المتكلم، كما أوقعه بين أهواه، فعلًا بمعنى أحبه، وآه، وواه اسمي فعل بمعنى أتألم، وفي ذلك من التكلف والتشدد ما فيه، ويقول:
يا من على خده دينار ... صرفت فيه فضة دمعي
جد لي ببوسه قال دي نار ... والبوس محرم في شرعي
ففي كلمة "دينار" الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون مكونة من "دي" اسم الإشارة بالعامية "ونار" أي هذه نار لا تطيقها، وأن تكون النقد المعروف من المذهب، والمعنى هات دينارا إن أردت القبلة.
ولوعه بالتاريخ الشعري:
وهو مفتون بالتاريخ الشعري، وما زال يستعمله في شعره حتى عرف به، ومهر فيه حتى ما كانت تمر به حادثة إلا أرخها عفو الساعة١.
стр. 548
فمن ذلك ما قاله يؤرخ به إنشاء قنطرة:
إنشاء ممدوح الملا ... من عدله الدنيا ملا
أعني الوزير محمدا ... رب المحامد والولا
لقبوله قد أرخوا ... إنشاء قنطرة العلا
٣٥٢ ٧٥٩ ١٣٢ ... سنة ١٢٤٣هـ
ويؤرخ لتجديد القصر العالي، فيقول:
قصر به نور السعادة آهل ... إسعاد منشئه به متواصل
فكأنه الفردوس في أوصافه ... ظل وفاكهة وماء هاطل
وبلابل الأغصان فيه ترنمت ... فرحا فنقطها اللجين الوابل
والسعد نادي بالسرور مؤرخا ... قصر به نور السعادة آهل
............................... ... ٣٩٠ ٧ ٥٢٦ ٥٦٨ ٣٦
سنة ١٢٥٧هـ
ومما كتبه ليؤرخ به
تاريخه كمولد السيد أباظه حسن
١٠٠ ١٠٥ ١٠٥ ١٠٩ ١١٨
سنة ١٢٣٢هـ.
وهو يستعمل الشعر في التاريخ للمناسبات التافهة، فإذا مات حماره قال:
الدرويش مات حماره
سنة ١٢٤٦هـ.
وإذا مات حمار "خليل" قال:
قد نفق حمار خليل
سنة ١٢٥٣هـ.
стр. 549
ويموت خادمه في ذلك العام الذي مات فيه حماره، فيؤرخ كما أرخ له فيقول:
قد مات خادمي أحمد
سنة ١٢٥٣
وإذا جدد منظرته كان تجديدها عمارة تستحق التاريخ، فيقول:
جدد أحمد منظرة
سنة ١٢٥٩
هذا وسنورد أبياتا متصلة من شعره لتكون أنطق دلالة على مذهبه في الشعر، وأكثر توضيحا لمسلكه فيه، مما هو من أغراض شعره المختلفة.
فمما قاله يمدح المرحوم "محمدا عليا"، ويؤرخ لامتحان المدارس.
أيجهد في سوى العلم المعاني ... ومعنى الأنس إدراك المعاني؟
كفاني أن رب العلم باق ... على الدنيا وهل باق كفاني؟
فلو عرف الكمي مجال علم ... لزاجمنا عليه باليماني
وسن يراعه بسمت بنجح ... متى عبس البنان من الطعان
بديوان المدارس نعم يوم ... ولا أنساه يوم المهرجان
بأنجاب جميعهم تحلى ... بعقد النجم مسعود القران
وقال لهم نزال لدى المعاني ... وراهنهم فجالوا في الرهان
ترى شجعانهم بثبات جأش ... إذ عرف الجبين من الجبان١
وهم يتنافسون بكل فضل ... ليمتحنوا وعند الامتحان
كأن جوابهم لمغالطيهم ... "عتاب بين جحظة والزمان"
فهم سادوا بمسودات فضل ... بها قد بيضوا وجه الزمان
стр. 550
معانيهم تصرف نحو فقه ... ومنطقهم بديع في البيان
ولا عجب إذا كان المربي ... مربي الروح بالعقل المصان
خديو عدله في كل دان ... وفضل علائه في كل آن
معان من معالي أريحي ... أريح من زهور في جنان
به الأوطان مثل الروض أضحت ... وفيها مدحه كالأقحوان
قد اكسب هيئة الدنيا جمالا ... وجمل مصر منه بامتنان
بترجمة العلوم وكن عجما ... وتأليف اللآلى والجمان
ينظم فوق صدر الفضل عقد ... ونثر ذاك منه النيران
بلين تمدن وشديد دين ... فريد ما له مثل يداني
به الإفضال نادي الفضل أرخ ... أجل كرامة للامتحان
......................... ... ٣٤ ٦٦١ ٥٦٠
سنة ١٢٥٥هـ.
فهذه الأبيات حشد الشاعر فيها ما قدر عليه من أنواع البديع المشدود، وألوان الصنعة المتكلفة المستكرهة حتى لكأنها مقصده الأول، وغرضه الأسمى فجاءت فجة مقفرة من جمال الشعر، لا تتنسم منها روح الشاعرية الخصبة، بل لعلي لم أهتز لبيت واحد منها بخيال يطرب، أو تصوير يعجب.
ودعاه صديقه "السيد أباظه" لمقابلته أحد الأمراء، فكتب إليه:
غيري تلفته تلك الخيالات ... فهل لخطك فوق الماء إثبات
لا تحسب الفضل عند الكل منقبة ... إحسان قوم لدى قوم إساءات
وحاسب النفس عن ساعات ما اشتغلت ... في أي نفع مضت تلك السويعات
стр. 551
قرب صديقك وابعد عن عدوك في ... سر إذا منعتك الجهر حاجات
الناس بحر فمن والى سباحته ... لا بد يعيا وفي البر السلامات
فوحشة الناس أنس أو يمازجهم ... فتى بضاعته في الناس مزجاة
إن عاتب الدهر غيري لا أعاتبه ... إذ موجب العتب في دهري سجيات
فأكثر الناس لم أفرح لعيشتهم ... في أي حال ولم أحزن إذا ماتوا
ولا أضر إذا غابوا وإن حضروا ... فلا أسر ولم أنظر إذا فاتوا
فللدراويش حالات مناقضة ... وللمجانين أوقات وساعات
وفي الحق أن هذه الأبيات لم تخل من المعاني الشعرية، ففيها دلالة على مذهب الشاعر في الحياة، وأنه لا يعبأ بكبار الناس، ولا يتهافت عليهم فما ذلك في رأيه إلا خيالات، هي أشبه عنده بخطك فوق الماء لا ثبات له ولا أثر، وأنه لا يحمل لأكثر الناس فرحا إذا عاضوا في أي حال، ولا يحزن عليهم إذا رحلوا عن الحياة، وإن غابوا فلا يضره غيابهم، وإن حضروا لا يسره حضورهم، وإن فاتوا لم يكلف نفسه نظرًا.
وهو يلتمس لنفسه العذر بأنه من "الدراويش"، "وفي ذلك تورية باسمه لطيفة"، وللدراويش حالات مناقضة، ويحسب نفسه في المجانين ليقوم جنونه عذرا عند صاحبه، وذلك عدا ما في الأبيات من حكم جرت على لسان مجرب خبر الحياة وعرف الناس، وأنه وإن لم يدع في هذه الأبيات ما جبل عليه من حب الزخرف، والطلاء كان غير مسرف، وذلك مما أبقى لها كثيرا من الجمال وأهلها لغير قليل من التقدير، وحسن الوزن.
ومن شعره الذي فيه شيء من الطرافة، وحسن السبك ما قاله من قصيدة يعتذر بها للشيخ "البديري":
بدر صفا بعد تكدير النوى فيه ... وجاد لي بعد أن زالت نوافيه
فروح الروح وأغنم نور بهجتها ... بمفرد قد سما عمن يحاكيه
قل "للبديري" واستعطف أصالته ... فإن عوني عليه في معاليه
стр. 552
قد يهمل النقع في البيدا لخسته ... ويرجم الغصن إن طابت مجانيه
فإذا أغضيت عن الجناس في البيتين الأولين، أعجبك من الشاعر تعبيره "استطف أصالته"، وأنه جعل عونه عليه في معاليه، وراقك تشبيهاه المحكمان في البيت الأخير.
وقال مضمنًا:
وغادة غار مني زوجها فسعى ... يريد قتلي وفي أحشائه ضرم
يا زوجها كف عن قتلي مسامحة ... بيني وبينك لو أنصفتني رحم
وقال مضمنا أيضًا:
قد قلت لما بدا يختال في خفر ... وهز عطفا كغصن البان ممشوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
ومما قاله متغزلًا:
تعالى من أعار الغصن لينا ... وأحرم من جناه العاذ لينا
يهنأ العاشقون بطيب عيش ... فما أحلى عذاب العاشقينا
سعدنا بالتواصل بعد هجر ... وقد كنا بجفونه شقينا
فقل للصابرين على هواه ... دعوا العذال فيما يفترونا
"سيخزيهم وينصركم عليهم ... ويشف صدور قوم مؤمنينا"
أرى لي في محبته يقينا ... فهل من لحظه شيء يقينا
إذا ما كنت تهوى البحر فينا ... فدع هذا لقوم آخرينا
فمن هدب ومن شعر وخال ... يوالي المسلمون الكافرينا
فإنا في هواك عبيد رق ... على حب وما كنا سبينا
فإن تمنن بإحسان علينا ... "فإن الله يجزي المحسنينا"
فقل للجاهلين بجاه حسن ... لظبي لم يضف للجاه لينا
رأيتم طرة سلبت فؤادي ... بصفراء تسر الناظرين
стр. 553
وهذه أبيات تمثل غزل العلماء الجاف، فليس فها من لوعة ولا صبابة، وإنما هي شعر جدب لا تهتز له نفس، ولا يمس عاطفتك أثر منه، عدا ما فيها من الجناس الذي حرص عليه، والاقتباس الذي سعى إليه وساقه في غير موضعه "سيخزيهم وينصرهم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنينا"، و"إن الله يجزي المحسنينا".
ولكن شعر الدرويش لا يخلو أحيانا من شعر مقبول، ونظم على طرف من الجمال والحسن، ويظفر بذلك كلما تحرر من قيود التكلف، وآثر السهولة والتطلق.
ومن ذلك قوله:
ألا محب يلاقيني أطارحه ... هوى حبيب منيع الدار نازحه
رأيت في الغصن شيئا من رشاقته ... فكدت من فرط أشواقي أصافحه
حتى يؤجج نار الحب في كبدي ... ظلما وقلبي مع هذا يسامحه
كأن شمس الضحى من طوقه شرقت ... لنا ومن فرعه عادت بوارحه
وإن جفاني لبعدي عن منازله ... واعتاض بي مائقا يهجوه مادحه
فطالما قصرت أوقاتنا معه ... في ظل بان يثير الوجد صادحه
ورب ماض من الأعراب ذي شرف ... تصافح الهام في الهيجا صفائحه
سابقته للمعاني ثم قدمني ... قلب إلى الذروة العليا مطامحه
وبات يسري إلى شأو ليدركه ... كالوعل يمشي إلى طود يناطحه
ومهمه نازح الأرجاء ذي محن ... كأنما لجج خضر مناوحه
قطعته وركاب الركب واقفة ... سيان سانحه عندي وبارحه
стр. 554
حيا العقيق من الوسمي صوب حيا ... وجاد مغناه غاديه ورائحه
فكم فؤاد أبى فيه منطرح ... وعاشق سفحت فيه سوافحه
فما من ريب في أن في هذه الأبيات غير قليل من الرصانة، وجمال الشعر وقوة التصوير، ولم يتهيأ ذلك الشاعر إلا بتخلصه شيئا من الأغلال التي كان يرسف فيها من التعسف، وكريه الصناعة.
ومن أبياته الرقاق ما قاله في الهرمين:
أنظر إلى الهرمين واعلم أنني ... فيما أراه منهما مبهوت
رسخا على صدر الزمان وقلبه ... لم ينهضا حتى الزمان يموت
ديوان شعره:
وقد جمع تلميذه "مصطفى سلامة النجاري" شعره ونثره في كتاب سماه "الإشعار بحميد الأشعار"، وطبعه على مطبعة الحجر سنة ١٢٨٤هـ، ورتب الديوان على ثلاثة أبواب -الأول: في الصناعات مرتبة على السنين، والثاني: في غير المصنع مرتبا على حروف الهجاء، والثالث: في الثنر والأدوار، وقد نظم الدرويش جملة متون، وأراجيز منها متن التنوير ومنظومتان في العروض والقوافي افتتح الأولى بقوله:
إلهي لك الحمد فصل مسلما ... على المصطفى والآل والصحب تفضيلا
واستهل الثانية بقوله:
لك الحمد فاللهم صل مسلما ... لطه وآل فضلهم مد أبحرا
وبعد ففي نظم عروضا قوافيا ... على هو الدرويش وازن أسطرا
وهو نظم ضعيف منحل السبك كما ترى:
стр. 555
نثره:
أما نثره فهو صورة من شعره في التكلف والتعسف، يلتزم فيه السجع حسن أو ساء، "ولولا ما كانت تجره إليه الأسجاع من الحشو والخروج لعد من كتاب الطبقة الأولى في منشئ ذلك العصر١".
وقد تضمن نثره الباب الثالث من كتاب "الإشعار بحميد الأشعار"، وله مقامات ورسائل فيها روعة ورصانة، فمن نثره ما كتبه أحد أصدقائه، وقد دعاه للحضور.
"سيدي كان مأمولي الحضور، لأحظى بالحبور، لكن قابلني القدر بنحسه وحضر لي من قد بناه بنفسه، فكادت النفس تحس لي أن أقتله بسيف علي ولو كنت من شيعته، لحضر لأعتابكم العبد من ساعته، ولما لم تكن لي وسيلة حتى أشاهد بطرفكم كل حيلة، قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، واعتكف على إسماعيل.
ومن مقامة الفضيلة والرذيلة قوله:
"وفقك الله لما يرضاه، وعصمك من موجب الذم ومن لا يتحاشاه، وإن الفضيلة والرذيلة صفتان متضادتان، ونوع الإنسان مجبول على الميل للأولى والفرار من الأخرى على حسب آراء العباد وعوائد البلاد، فربما كانت الفضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين، وكانت الرذيلة عند أمم فضيلة عند غيرهم من المتأخرين، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، مع تفاوتهم في طبائعهم وأشكالهم وصنائعهم، فمنهم ذو الطبع السليم، ومنهم الذميم، ولا سبيل إلى ترغيب الأول ليجتهد في الازدياد، والترهيب للثاني ليتطبع على أن يتحاشى بالاعتياد، إلا باللسان الآتي بسحر البيان، فقد جاء في الحديث أن إيمان المرء ليربو إذا مدح، وربما يصح الجسم إذا جرح".
مؤلفاته:
من مؤلفاته كتاب الدرج والدرك، وهو كتاب وضعه في مدح من
стр. 556
اشتهر في أيامه بكريم الصفات وجميل المزايا، وذم ذوي الدنايا والمثالث على ما هداه ميله وأوحى إليه عقله، جعل الدرج للممدوحين والدرك للمذمومين روى تلميذه "مصطفى النجاري" أن هذا الكتاب استعاره منه صديقه "حافظ بك مصطفى"، ولم يرده.
وله كتاب آخر اسمه "تاريخ محاسن الميل لصور الخيل"، وهو كتاب وضعه تلبية لرغبة الخديو "عباس الأول" ذكر فيه محاسن الخيل، ومساوئها وله رحلة لم تطبع ولم يتيسر الاطلاع عليها، وله سفينة الآداب، استعارها منه صديقه "على أغا الترجمان"، ولم يردها.
стр. 557
الشيخ محمد شهاب الدين المصري:
المتوفى سنة "١٢٧٤هـ-١٨٥٧م"
نشأته وحياته:
هو، "محمد" بن "إسماعيل" بن "عمر المصري" الشهير بشهاب الدين، ولد بمكة سنة ١٢١٠هـ، ثم وفد إلى القاهرة صبيا، ونشأ بها والتحق بالأزهر، فطلب العلم على شيوخه، واختصر منهم بالشيخ "حسن العطار" والشيخ "العروسي"، وكان مفطورا على حب الأدب، بارع النظر في فنونه دائم التوفر على مطالعته، ونال حظا وافرا من علوم الرياضة كالهندسة والحساب والموسيقى والألحان، وكاتب أدباء عصره، ويعمه الطلاب للاقتباس من أدبه، والانتفاع بمعارفه، وممن تخرج عليه في فقه اللغة والبيان الأديب المعروف المرحوم الشيخ "أحمد فارس الشدياق".
وقد تولى "شهاب الدين" تحرير الوقائع المصرية، فكان أحد من رفعوا شأنها، وهذبوا لغتها، حيث كان الشيخ "حسن العطار" رئيس تحريرها، فلما تولى الأخير مشيخة الأزهر، وترك رياسة التحرير أسندت إلى "شهاب الدين"، فأطلق يد الشيخ "أحمد فارس الشدياق" في إنشاء الفصول وتحبير الرسائل، وظل هو مشرفا على تحريرها حتى سنة "١٢٥٢هـ-١٨٣٦م"، ثم جعل مصححا بالمطبعة ببولاق.
وكان مداخلا للكبرار موصولا بالعظماء نديما مسامر فكها، ومحاضرا ذا نكتة بارعة وبديهة مساعفة، وحديث طلبي، وقد تسامع الناس بهذه المواهب، ونمى للخديو "عباس الأول" براعته وسعة روايته وخفة روحه فقربه وأدناه من مجلسه، وجعله صاحب أسماره وكبير ندمائه، وأباح له الدخول دون إذن عليه، وبلغ من الخطوة والمكانة ما لم يبلغ شاعر معه "إذ جعل في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين والثلاث إذا طلبه
стр. 558
للمجالسة والمنادمة١"، فأفاض عليه من نعمه وأغدق عليه من كرمه، وصار شفيعا لديه فيما جل من الأمور.
وكانت له مع "عباس" نوادر ومفاكهات منها ما رواه صاحب أعيان القرن الثالث عشر، وذلك أن "شهاب الدين" كان جالسا في حجرته بأحد القصور، ومعه بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول عليه، فقال في عرض الكلام.
يقولون: إن البغلة لا تحمل أفلا يكون ذلك بسبب رطوبة، أو ما أشبهها مما يمنع الحمل، وعند الأمير أطباء كثيرون فلو أنه أطال الله بقاءه أمر بعضهم بالبحث عن سبب هذه العلة وإزالتها، فلست أشك في أنها تحمل بعد ذلك وأسرع بعض العيون، فأبلغ عباسا كلامه فجاء بعد هنيهة أحد رجال القصر، وقال له: يا أستاذ يقول لك "أفندينا" أننا سنأمر بعض الأطباء بما أشرت، ولكن إذا لم تحمل البغلة ماذا يكون؟ فبهت القوم لنقل الحديث بهذه السرعة إلا شهابا، فإنه وقف وقال: أبلغ مولاي أن شهابا له كذبتان كل سنة أيام الباذنجان هذه إحداهما١.
ويرجع اتصال "شهاب الدين" "بعباس الأول" إلى ما قبل ولايته على مصر حيث كان "كتخدا" لجده، فقد كانت للشاعر تهان متعاقبة لفتت نظر "عباس" إليه، حتى إذا ما صارت الولاية إليه قربه وأدناه.
ولما صارت الولاية "لسعيد باشا" اتصل الشاعر به، وأجزل له المدح، وأزجى له التهاني في كل مناسبة إلا أنه لم يجد من خصب جنابه ما وجده من "عباس"، فقد كان الثاني أشد حدبا عليه، وتكريما له وبرًّا به.
ثم بدأ المترجم ينقطع للدرس، ويعكف على التأليف، وينشر أدبه على الناس حتى استأثر الله به.
стр. 559
وكان ذكيًّا عبقريًّا ممتازًا بقوة المناظرة، ورصانة الجدل وقدرته على الحوار راوية كثير الإنشاء يتنادر في مجالسه بطرائف من شعره، ويطرف مجالسيه بألوان فاتنة من أدبه، فلا يمل له حديث ولا يغمض عنه جفن.
شعره:
شعر "شهاب الدين" من أجود الشعر في هذا العصر، وهو صورة صادقة للحياة الاجتماعية في زمنه، ومرآة صافية تتمثل فيها حياته وصفاته، وهو يقول الشعر غير مستعص عليه، وإنما يواتيه طيعا وينقاد إليه غير متأب.
وأكثر ما في شعره إنما هو المدائح التي وجهها "لمحمد علي ولعباس" الذي كان شاعره، ثم "لسعيد" من بعده، بل إنه ليمدح كثيرًا ممن لهم مقام كريم وجاه رفيع، فيمدح "أدهم باشا" و"مختار بك" ناظري المعارف، ومديري إدارة المدارس، ويمدح "عارفا بك" شيخ الإسلام بتركية، والشريف "محمد بن عوان" وأستاذيه الشيخ "حسن العطار"، والشيخ "محمد والعروسي"، كما يمدح الشيخ "أحمد الصائم"، والشيخ "محمد العباسي المهدي" المفتي والشيخ "محمد عليش" شيخ المالكية، "والسيد محمد البكري" نقيب الأشراف وغيرهم، ولعل لرقة حاله سببا يتصل بإفراطه في المدائح، فقد نشأ وزانا صغيرا يزاول ذلك في أسواق البيع، فاتخذ من هذه المدائح عنوانا له ليحيا حياة رغد وكرامة.
وقد كانت له مدائح نبوية إلا أنها لم تبلغ شيئًا من شعره بجانب ما بلغه المدح الآخر.
فمما قاله يمدح به "محمدا عليا"، وليكتب على مسجد القلعة الذي أنشأه سنة ١٢٦١هـ.
مليك جليل الشأن ليس كمثله ... جليل بعلياه اقتدى كل مقتدي
محمد آثار على مآثر ... عزيز افتخار ساد كل مسود
هو المنهل العذب الذي دون ورده ... تزاحمت الأقدام في كل مورد
стр. 560
هو الغيث يحيي كل قطر بجوده
فيخضل من قطر الندى وجهه الندى
هو الشمس لم تحجب سناها غمامة
ولا أنكرت أضواءها عين أرمد
له همم تسمو إلى هامة العلا
إذا حددت لا تنتهي بالتحدد
مبان إذا أمعنت فيها مؤرخًا
تريك على قدر العزيز محمد
٦٣٠ ١١٠ ٣٠٤ ١٢٥ ٩٢
سنة ١٢٦١هـ.
ومما امتاز به شعر "شهاب الدين" السلاسة والسهولة، وخضوعه للشاعر يصرفه في كل أمر، ويطوعه لكل غرض فينساب بين يديه عذاب رقيقا، ويشف عن المعنى الذي سيق له بلطف وسلاسة، وذلك الذي جعل "شهابا" يستخدم شعره في التعبير عن رغائبه، والإفصاح عن آماله ومطالبه، وهو في هذه الأغراض لا تعقيد فيه ولا غموض، يحتاج إلى بغلة يركبها وله على "عباس" دالة، فيرفع إليه هذه الأبيات الطريفة، فيهتز لها ويجيب رغبته، وذلك حيث يقول:
تبت عن مدح غير بابك يا من ... أنت ذخري وموئلي وثمالي
وتجردت عن سواك لعلي ... أكتسي خلعة ألسنا المتلالي
وترجيت من جميل العطايا ... بغلة حالها يليق بحالي
أن بدا لي ركوبها تهت عجبا ... في ازدهار وبهجة واختيال
أو بدا لي ارتباطها فاجتلاها ... في مجالي الجمال زين مجالي
فتفضل وامنن وأنعم على من ... هو عبد من بعض بعض الموالي
وترق حاله، ويشتد عسره فيكتب إلى "عبد الباقي بك" خازن خزينة الخديو، فيقول:
أصبحت في مضايق ... من فاقة وعطب
وصرت محتاجا إلى ... نوالك المستعذب
стр. 561
وأنت باقي الكرما ... وخير سامي الرتب
فاصرف إلى ما تشا ... من فضة أو ذهب
حتى أعود ساعيا ... في جمع شمل الحسب
ويكتب إلى "أدهم باشا" يشكو إليه ضيق يده، فيقول من قصيدة طويلة:
فبادر إلى الشكوى وقل: إن صاحبي ... محا رسمه عصف الرياح الروامس
وقد ضاقت الدنيا عليه وأظلمت ... وكان شهابا في الدياجي الدوامس
فوسع عليه بالذي أنت أهله ... وخلصه من أشراك ضيق المنافس
ولم يكن "شهاب" يقرض الشعر يطلب به بغلة، أو ينشد فضة أو ذهبا فحسب بل كان ينظمه كلما عرضت له حاجة أو دفعته مسألة، فإنه لينظمه ملتمسا به من أمين "جمرك" بولاق "علي بك حسيب" شيئا من السمن لندرته، فيقول له:
ألية بالسمن أو بزبدة ... لله در أصلها الحليب
لأعرضن الحال للفتى الذي ... رجاء من يرجوه لا يخيب
وهكذا طوع الشعر فنظمه في حاجته ومسألته، وعبر به عن شكايته وأمله وأودعه مطامح نفسه جلت أو هانت.
"وشهاب الدين" يخضع في شعره لما شاع في عصره من طلب الزينة، ونشدان الصنعة والجرى وراء الطلاء، فيغرى بالجناس وخاصة في مطالع القصائد، فيقول في مطلع قصيدة يوجهها إلى "عباس" ويستهديه "بغلة":
أكؤس تجلي ببنت "الدوالي" ... أم شهي الرضاب فيه "الدوالي"
فيوقع الجناس بين "الدوالي" بمعنى العنب، وكلمة "الدوالي" الثانية المركبة من "الدوا" مقصورا مضافا إلى اللام المقرونة بياء المتكلم.
стр. 562
ويقول في مطلع قصيدة يهنئ بها عباسا بنجاته من مرض.
تاب الزمان وقال: إني "نادم" ... فادعوا الندامى والمدام و"نادمو"
فقد أوقع الجناس بين "نادم" من الندم، وفعل الأمر "نادموا" من المنادمة.
ويقول أيضا في مطلع قصيدة يهنئه بها على أثر عودته من الأستانة.
شرح الصدور قدوم أعدل "وال" ... فأدر مدام الإنس صاح و"وال"
فالجناس بين "وال" الأولى بمعنى راع، والثانية فعل أمر من الموالاة.
ويولع بالتورية لا سيما في "شهاب" كنيته، فيستعملها في شعر طبعة حينا وعصية حينا، ومن ذلك قوله:
هاك مني وصيفة بنت فكر ... مثلها خادم ومثلك يخدم
حرست في سماء حسن حلاها ... "بشهاب" به الشياطين ترجم
ويقول في مدحه "عباسًا الأول".
هاك مني فريدة بنت فكر ... ما اعترتها يد الخنا بمساس
لو أتاها الشيطان يسترق السـ ... ـمع رماها "شهابها" بانتكاس
ويقول إذ يمدح الشيخ "أحمد الصائم" أحد شيوخ الأزهر.
هذا شهابك بالمرصاد يثقب من ... يسمعون وترديهم قوافيه
فقد استعمل كلمة "شهاب" موربا بها بين معنييها "كنيته"، "والشهاب الذي ترجم الشياطين به المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ .
ويتناول المصطلحات العلمية متأثرا بها، فيقول:
رطيب قوام أهيف القد لم تدع ... ليانة عطفيه قياسا لقائس
فإن قسته بالبان فالفرق ظاهر ... وإن بالعوالي فهي غير موائس
стр. 563
فالقياس هنا من مطصلح علم المنطق.
ويشير إلى علل الصرف، فيقول:
علل الصرف في الضرورة تلغي ... كيف ذو الصحة اختيارًا يعل
ويغرق في مصطلحات علم النحو فيوري بها ويقول:
رأيت "حالا" "مضى" "فعل" ... "أبرز" في شأنه "الضمير"
فكل هذه الكلمات مصطلحات نحوية ودى بها الشاعر عن معانيها النحوية وغير النحوية.
ولشهاب الدين كتابا لطيفة يعبر بها مبتكرا لها، فهو يكنى عن المطر "بابن السحاب"، فيقول:
زوجوها "بابن السحاب" فجاءت ... من دراري حبابها بذراري
ويكنى عن "الخمر" ببنت الكرم" فيقول:
"بنت كرم" عذراء شهد لماها ... كشذا المسك في مذاق العقار
وعن القصيدة "ببنت فكر" و"وليدة فكر" و"وصيفة"، فيقول:
هاك مني خريدة "بنت فكر" ... ما اعترتها يد الخنا بمساس
ويقول خدا "وليدة فكر" راق منظرها ... كأن ريقتها ضرب من الضرب
ويقول أرجو قبول "وصيفة" قد قلدت ... بحلاك عقدا لم تنله وصائف
وشعر "شهاب الدين" من أوضح الشعر في هذا العصر وأسهله طريقا وأرقه حاشية، وهو أقل متكلفي الصنعة وطلاب المحسن تعقيدا وغموضا، وهذه المحسنات التي تشيع في شعر "شهاب الدين" لا تؤثر في جمال شعره كثيرا، فتراه على غير قليل من السلاسة والوضوح، وجمال المعنى -ومن رقيق شعره ما قاله متغزلا.
стр. 564
بروحي من لغصن البان شابه ... ومشروب الطلاب بلماه شابه
مليح لم يخط له عذار ... وفي رقي له أبدا كتابه
بدا العقد الفريد بفيه نظما ... وحكم في ديوان الصبابة
ومر فلم أجد صبرا عليه ... وأحشائي ترى عذابا عذابه
رمى قلبي بسهم قد مضى في ... رميته ولم يخطئ مصابه
وراح وقد بدا برق الثنايا ... ودمعي هاطل يبدي انسكابه
يلوح وجهه بدر ولكن ... عليه من ذوائبه سحابه
بخد روضة يرعاه طرفي ... وقلبي بالجوى يصلي النهاية
يدير من الحديث عتيق خمر ... فيسكرني ولم أطعم شرابه
أراه في محاسنه عليا ... ولكن ما تنزل للصحابة
سعيت فزرته فازاداد تيها ... وولى معرضا يولي اجتنابه
أنا الجاني على نفسي لأني ... دخلت على عزيز الغاب غابه
فبدلني بنوم الليل سهدا ... وعوضني الشجون على الدعابة
سألقى منه غايات الأماني ... وسوف تكون عقباها عتابه
ولا شك أن هذه الأبيات على حظ غير قليل من الجودة والرقة، والوضوح وخصب المعاني.
ونظم الأبيات الآتية لترسم على مائدة الطعام:
أيها السيد الكريم تكرم ... وتنازل ما شئت أكلا شهيا
وتفضل بجبر خاطر من هم ... أتقنوا صنعه وخذ منه شيا
وتحدث على الطعام وآنس ... واحدا واحدا بشوش المحيا
واستزدهم أكلا وقل: إن هذا ... طاب نضجا وصار غضا طريا
стр. 565
فهلموا بنا ومدوا إليها ... أيديا باعها ينال الثريا
ثم قل: يا أحبتي هل لكم في ... بعض شيء من النبيذ المهيا
ولئن ساغ شربه للتمري ... وكلوا واشربوا هنيئا مريا
وإذا ما أكلت ضيفا فأرخ ... أن هذا لرزقنا كل هنيا
................................ ... ٥١ ٧٠٦ ٣٨٨ ٥٠ ٦٦
سنة ١٢٦١هـ.
وهذه الأبيات متوسطة الجودة إلا أنها طريفة الموضوع.
آثاره:
ديوان شعره:
ديوان شعره الكبير الحجم الواقع في ٣٨٠ صفحة المشتمل على شعره الرقيق بالنسبة لعصره، وهو مرتب على حروف المعجم طبع بمصر سنة ١٢٧٧هـ.
سفينة الملك ونفيسة الفلك:
وهو كتاب جليل اشتهر الشهاب به أودعه كثيرا من الموالي والموشحات والأهازيج، والأزجال التي يتغنى بها، وقد جدد بهذا الكتاب دارس الغناء العربي، "وافتتح مغالقه بعد إيصادها من عهد الأصبهاني، ومن سار على نهجه ممن جاء بعده، وأوضح معالمه وأبان ما استعجم من آياته، فكان فيه المبرز من بين أدباء المتأخرين والمعلم الأخير الذي لم يأت مثله إلى الآن١، وهو مرتب