← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1174

جزء في بيع أمهات الأولاد

ابن كثير

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الثالث: أنه حُجَّة، ولا يُسمَّى إجماعًا (١). والرابع: إن كان صادِرًا من مُفْتٍ فهو حُجَّة، وإن كان من حاكم فليس بحُجَّة؛ لأنهم كانوا لا يرون الخروجَ عليهم، والإنكار عليهم فيما رأوه (٢) لا وَجْه له، وهذا اختيار ابن جرير (٣). وقيل: عكسه. وهو بعيدٌ، والله أعلم. الخامس: أنه حُجَّة بشرط انقراض العصر، وهو اختيارُ أبي علي الجُبَّائي (٤)، وهو قويٌّ؛ لاحتمال أن بعض المجتهدين لما بَلَغَه ذلك لم يكن نَظَرَ في المسألة، أو نَظَرَ ولكنه يحتاج إلى تَرَوٍّ، أو أدَّاه اجتهادُه إلى الوقف، أو خالف؛ ولكنه هابَ القائلَ لذلك، كابن عباسٍ مع عُمرَ في تَرْكِ العَوْلِ، وقد كان ابنُ عباس بعد ذلك يُبَاهِلُ على أنه لا يعال الفرائض، وهذا هو الأظهر في هذه المسألة، والله أعلم. والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقوله:

стр. 72

﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ فلو كان منكَرًا لا متنع سكوتُهم كلِّهم مع انقراضِ عصرهم، ولَمَّا سكتوا عن آخرهم دَلَّ على رضاهم به، وتسويغهم له. فأما مسألة أمهات الأولاد: فليست كذلك؛ لأنهم قد خالفوه فيها، كما سيأتي (١) عن عليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأبي سعيدٍ، وغيرِهم. وهذا عليٌّ ﵁ خَطَبَ الناسَ، وذكر أنه كان هو وعُمرُ قد رأيا أنَّ أُمَّهاتِ الأولاد يَعْتِقنَ بموت السَّادات، ثم رأى عليٌّ -لما وُلِّيَ- إرقاقَهنَّ، فلو كان ما تقدَّم في زمان عُمرَ ﵁ حُجَّةً لما خالفه عليٌّ، وهو أَحدُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين ﵁ ودَلَّكَ هذا على أنَّه وعُمرَ لم يَريا ذلك عن نصٍّ بلغهما عن النبيِّ ﷺ كما قاله البيهقيُّ (٢)، وإنما كان ذلك رأيًا رأوه مِنْ عند أنفسهم؛ ولهذا استجاز (٣) عليٌّ الرجوعَ عنه. وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خَلَف الباجي (٤): «مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وجماعة الفقهاء من الصحابة والتابعين: أن أُمَّ الولد لا يجوز أن يملكها غير سيدها ببيعٍ ولا هِبةٍ، ولا غير ذلك، ولا تُسلَّم في جِناية، ويضمن سيدُها الجِنايةَ.

стр. 73

والدليل على ذلك: إجماعُ الصحابة ﵃؛ روى الشَّعبيُّ عن عَبيدة السَّلماني، قال: خطبنا عليٌّ فقال: رأى أبو بكر وعُمرُ عِتْقَ أُمهات الأولاد حتى مضيا، ثم رأى عُثمان ذلك، ثم رأيتُ أنا -بَعْدُ- أن يُبعنَ في الدَّين. قال عَبيدة: فقلتُ لعليٍّ: رأيُكَ ورأيُ أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمان في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك في انفرادك في الفرقة. فقَبِلَ منِّي وصدَّقَني». كذا نقل هذا الأثر! وقد رواه الشافعي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسعيد ابن منصور من طُرق عن عَبيدة (١)، وليس في شيءٍ منها ذِكْرُ أبي بكر، بل ولا تُعرف في شيءٍ من الروايات، وكذا زيادة قول عَبيدة: «فقَبِلَ منِّي وصدَّقني» لا يُعرف أيضًا. وأما حكايته عن الشافعي أنها لا تُباع، فعن الشافعي في هذه المسألة أربعة أقوال، قال المُزني في «مختصره» (٢): «قَطَعَ الشافعيُّ في خمسةَ عَشَرَ كتابًا بعِتق أُمَّهاتِ الأولاد، ووقف في غيرها». هذان قولان، وحكى الغزاليُّ (ق ١٩٨/ أ) وغيرُه عن القول القديم أنها تُباع مطلقًا، وعن كتاب «المَنَاصيص» (٣) أنها تُباع حياةَ سيدِها، وتَعْتِق بموته.

стр. 74

وحكايتُهُ الإجماعَ على أن جنايتها مضمونةٌ على سيدِها غيرُ مُسَلَّم؛ فقد حكى القاضي عبدُ الوهَّاب في كتاب «الإشراف» (١) الخلافَ في ذلك عن أبي ثَور. وقال الغزاليُّ في «الوسيط» (٢): «مذهب العلماء قاطبةً في هذه الأعصار أنَّ مَنْ استولد جاريتَهُ عَتَقَتْ عليه بموته، ولم يجز بيعُها قبل الموت، وللشافعي قولٌ قديم -وهو مذهب عليٍّ-: أنه يجوز البيعُ، فإن لم يتَّفق عَتَقَتْ بالموت. وقيل: معنى قول (٣) القديم: أنها لا تَعْتِق، بل الاستيلاد كالاستخدام بإرضاع الولد. لكنِ اختلف الأصحابُ في أنه لو قضى قاضٍ ببيع أُمَّهات الأولاد هل يُنْقَضُ قضاؤه؟ وكأنهم يرون الاتفاقَ بعد الاختلاف قاطعًا أثرَ الخلاف (٤)». هذا كلامه! وهو ظاهرٌ في حكاية إجماعٍ بعد خلافٍ، وفيه نِزاع لو كان الإجماع قوليًّا، والصحيحُ أنه لا يُعدُّ إجماعًا، بل الغزاليُّ ممن اختار امتناعَ ذلك (٥) تَبَعًا للإمام أحمد (٦)، وأبي الحسن الأشعري (٧)؛ كذا حكاه عنه الإمامُ

стр. 75

جمال الدين أبو عَمرو بن الحاجب في «مختصره» (١)، وقال هو في هذه المسألة: «والحق أنه بعيد إلا في القليل؛ كالاختلاف في أُمِّ الولد، ثم زال». هذا لو كان الإجماعُ المحكيُّ قوليًّا، فكيف وما هو إلا سُكوتي؟! والغزاليُّ ممن اختار أنه لا يُعدُّ إجماعًا، ولا حُجَّةً، كما تقدَّم (٢)، وقد قال الإمام أبو عبد الله الشافعيُّ في «رسالته المِصرية» (٣): «ما لم يُعلم فيه خِلاف فليس إجماعًا». وقال في «مختلف الحديث» (٤): «لم يدَّعِ الإجماعَ -فيما سوى جمل الفرائض التي كُلِّفَتْهَا العامَّةُ- أحدٌ من الصحابة ولا التابعين، ولا القرنِ الذين بعدهم، ولا القرن الذين يلونهم، ولا عالمٌ علمته على ظهر الأرض، ولا أحدٌ نسبته عامَّةٌ إلى عِلم، إلا حديثًا من الزمان».

стр. 76

وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل فيما حكاه ولده عبد الله عنه: «من ادَّعى الإجماعَ فهو كذب، لعلَّ الناس قد اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بِشْرٍ المَرِّيسي والأَصَمِّ، ولكن يقول: لا نعلم الناسَ اختلفوا، ولم يبلغني ذلك» (١). فهذان إماما الفقهاء والمحدِّثين قد زَجَرا عن حكاية الإجماع عن عدم العِلْم بالخِلاف، مع أنَّ الخلاف في هذه المسألة لم يزل مِنْ صَدْر الصحابة إلى يومنا هذا، فلا إجماع فيها من الطرفين؛ فإنه قد حكى مَنْ جوَّز البيعَ أيضًا الإجماعَ على ذلك، كما سيأتي بيانه (٢)، إن شاء الله. وأما المعنى: فقالوا: إنَّ الأَمَةَ إذا حملت بالولد من سيدِها فإنه ينعقد حُرًّا، وفيه جزءٌ منها، فقد عَتَقَ بعضُها، ومتى عَتَقَ البعضُ سرى إلى جميعها؛ لحديث أبي هريرة: «مَنْ أعتق شِقْصًا مِنْ مملوكٍ فعليه خلاصُه في ماله» (٣)، ولِمَا رواه الإمام أحمد: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا همَّام، عن قتادة، عن أبي المَليح، عن أبيه قال: أعتق رجُلٌ من هُذيلٍ شِقْصًا له مِنْ مملوك، فقال

стр. 77

النبيُّ ﷺ : «هو حُرٌّ كلُّه، ليس لله شَريك» (١).

стр. 78

وقد احتجَّ بهذا المعنى عُمرُ بن الخطاب ﵁ فيما رواه وكيع، عن عُمر ابن ذَرٍّ، عن محمد بن عبد الله بن قارب الثقفي، عن أبيه: أنه اشترى مِنْ رجُل جاريةً بأربعة آلاف قد كانت أسْقَطَتْ من مولاها سِقْطًا، فبلغ ذلك عُمرَ فأتاه، فعلاه بالدِّرَّة ضربًا، وقال: «بعدما اختلطتْ لحومُكم بلحومِهنَّ، ودماؤكم بدمائهن، تبيعوهن (١)؟! لُعِنَ اليهودُ؛ حُرِّمتْ عليهم الشحوم

стр. 79

فباعوها، وأكلوا أثمانها» (١). وأيضًا: (ق ١٩٨/ ب) فبيعُ أُمِّ وَلَدِه مَعرَّةٌ يُدْخِلُها عليه، وليس ذلك من مكارم الأخلاق، وقد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ مِنْ طريق جابرٍ، وأبي هريرة، ومعاذ: «إنَّ الله بعثني لأُتمِّمَ محاسنَ الأخلاق» (٢).

стр. 80

وفي رواية: «مكارم». ولهذا تقدَّم (١) عن عُمرَ أنه لمَّا سَمِعَ صَوْتَ المرأةِ من قريشٍ التي تُباع أُمُّها؛ نهى عن بيعهنَّ، وتلا قولَه تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٣]. وأُجيب عن الأول: بأن الولد ليس جُزْءًا من أُمِّهِ بمنزلة أعضائها. وعن الثاني -إنْ صحَّ عن عُمرَ- بأنه أشار به عليهم؛ ولهذا قال: «وقد وَسَّعَ اللهُ»؛ ولا يمتنع بيع أُمِّ الحُرِّ في صُوَرٍ عديدة. فهذه وجوهُ الاحتجاج لهذا القول، والأجوبةُ عنها على سبيل الاختصار، ولله الحمدُ والمِنَّة. وأما القول الثاني: وهو جواز بيع أُمَّهات الأولاد مطلقًا؛ فهو مذهب جماعة من الصحابة: كأبي بكر، وعُمرَ في أول قوليه، وعليٍّ في آخرهما، وابنِ مسعود، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابنِ الزبير، وجابر.

стр. 81

وحَكَمَ به الوليدُ بن عُقبة أيام عُثمان بالكوفة. قال عبد الرزاق بن همام في «مصنَّفه» (١): حدَّثنا ابن جُريج، أخبرني عبد الرحمن بن الوليد، أن أبا إسحاق الهمْداني أخبره أنَّ أبا بكر الصِّديق كان يبيع أُمَّهاتِ الأولاد في إمارته، وعُمرُ في نصف إمارته. وقال شُعْبة: عن الحكم، عن زيد بن وهب قال: انطلقتُ إلى عُمرَ بن الخطَّاب أسأله عن أُمِّ الولد؟ فقال: مالُكَ، إنْ شئتَ بِعْتَ، وإنْ شئتَ وَهبْتَ. ثم ذهبتُ إلى ابنِ مسعودٍ فقال: تَعْتِقُ مِنْ نصيب ولدها (٢). وقد تقدَّم (٣) قولُ عليٍّ أنه رأى هو وعُمر أنْ يَعْتِقْنَ، ثم رأى هو أن يُبعن. وقال ابن عُيينة، عن عَمرِو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ في أُمِّ الولد، قال: ما هي -والله- إلا بمنزلة شاتِكَ أو بعيرِكَ (٤). وقال ابن جُريج: أخبرني عطاء أنَّ ابن عباس قال: لا تَعْتِقُ حتى يتكلَّم

стр. 82

بعِتْقِها (١). وقال أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢): حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، أخبرني نافع: أنَّ رُجلين من أهل العراق سألا ابن عُمر بالأَبْوَاءِ وقالا: إنا تركنا ابنَ الزبير يبيع أُمَّهات الأولاد بمكَّة، فقال: لكن أبو حفص أعتقهنَّ. وسيأتي (٣) قولُ جابر وأبي سعيد. فهذه أسانيد صحيحة عن هؤلاء الصحابة ببيعِهنَّ، وهو قولٌ قديمٌ عبد الله الشافعي (٤)، وروايةٌ عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀، واختيار داود الظاهري، وابنه أبي بكر، وأبي الحسن عبد الله بن المُغَلِّس، وأكثر الظاهرية (٥). واختاره من المتأخِّرين العلامةُ أبو بكر، محمد بن أحمد بن سيِّد الناس، اليَعمرَي الأندلسي، خطيب تونس، وصنَّف في ذلك مجموعًا مفيدًا، أجاد فيه وأتقن، وحرَّر فأحسن، وقد احتجَّ لهذا القول: بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس:

стр. 83

أما الكتاب: فعمومُ قولِهِ تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ولم يأتِ دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في إخراج أُمِّ الولد من ذلك. وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٥] وأُمُّ الولد يجوزُ وطؤها بالإجماع، وقد سمَّاها اللهُ مملوكةً، وهو المدَّعى، ولم يأتِ ما يخصِّصُ البيعَ مِنْ وَجْهٍ يثبت كونه (١٩٩/ أ) حُجَّة. وأما السُّنة: فقال الإمام الشافعيُّ (١): حدَّثنا عبد المجيد، عن ابن جُريج، أخبرنا أبو الزبير أنه سمِع جابرَ بن عبد الله يقول: «كُنَّا نَبيعُ سَرارينا أُمَّهاتِ الأولاد، والنبيُّ ﷺ فينا، لا نرى (٢) بذلك بأسًا». وأخرجه النسائيُّ (٣)، من حديث مكِّي بن إبراهيم، عن ابن جُريج، ولفظه: «كنَّا نبيعُ أُمَّهات الأولاد والنبيُّ ﷺ حَيٌّ فلا يُنْكِرُ علينا» (٤).

стр. 84

ورواه ابن ماجه (١) من حديث عبد الرزاق (٢)، عن ابن جُريج. ورواه أبو بكر البزَّار عن عَمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «كُنَّا نبيعُ أُمَّهات الأولاد على عَهْد رسول الله ﷺ ، فيبلُغُهُ فلا يقولُ شيئًا». وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولا تضرُّ عنعنةُ أبي الزبير عن جابر؛ لأن مسلمًا أخرجها في «صحيحه». وقد رواه الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤيُّ، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. لكن قال أبو حاتم الرازي في كتاب «العلل» (٣): هذا منكرٌ؛ والحسن بن زياد ضعيفُ الحديث، ليس بثقة، ولا مأمون. وقد روى أبو داود (٤) هذا الحديث مِنْ وَجْهٍ آخر عن جابرٍ فقال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن جابر بن

стр. 85

عبد الله قال: «بِعْنَا أُمَّهاتِ الأولاد على عَهْدِ رسول الله ﷺ [وأبي بكر] (١)، فلما كان عُمرُ نهانا فانتهينا». وهذا أيضًا على رَسْمِ مسلمٍ؛ لأن حمادًا -هو ابن سَلَمة- انفرد به مسلم، وقيس -هو ابن سعد المكي- ثقةٌ أَخرج له أيضًا. وقد رُوي من وجهٍ آخر عن جابر، فقال أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢): حدَّثنا معاوية بن هشام، حدَّثنا أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن جابر قال: «كُنَّا نبيع أُمَّهاتِ الأولادِ على عَهْدِ رسول الله ﷺ [والنبيُّ ﷺ بين أظهرنا] (٣)، ثم ذكر أنه زجر عن بيعهنَّ، وكان عُمر يشتدُّ في بيعهنَّ». أيوب بن عتبة: يمامي ضعيف (٤). وقوله: «ثم ذكر أنه زجر عن بيعهنَّ» الظاهرُ أنه من كلام جابر (٥)؛ لأن

стр. 86

مِنْ مذهبه أنهن بُيعنَ (١)، والله أعلم. وقد رُوي هذا عن أبي سعيد أيضًا؛ فقال الإمام أبو عبد الرحمن النَّسائيُّ (٢) ﵀: ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد -هو ابن الحارث- ثنا شُعبة، عن زيد العَمِّي، عن أبي الصِّديق النَّاجي، عن أبي سعيد الخدري في أُمَّهات الأولاد قال: «كُنَّا نبيعهنَّ على عَهْدِ رسول الله ﷺ ». ورواه عن شُعْبة: غُنْدَر، وعَمرُو بن مرزوق. ولكنْ زيدٌ العَمِّي فيه ضَعْف، قال ابن عَدي (٣): لم يروِ شُعْبةُ عن

стр. 87

أضعفَ منه. قالوا: فهذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، صريحُ الرَّفْع في رواية النَّسائي والبزَّار، وهي على شرط مسلم، وظاهرٌ في الرفع من رواية الباقين؛ لأنَّ الصحابي إذا قال: «كُنَّا نفعل»، أو «كانوا»، فالأكثرُ من أهل العِلْم على أنه حُجَّة، فأما إذا قيَّده بزمان النبيِّ ﷺ -كما في هذا الحديث- فلم يُخالِف في كونه حُجَّة إلا شذوذٌ من الناس (١). وليس في الأحاديث شيءٌ يَنسخُ هذا الحديثَ، ونَهْيُ عُمرَ ﵁ إن سُلِّم أنه على التحريم منه، وليس على الكراهية؛ فليس بمُجْمَعٍ عليه ليتضمَّن ناسخًا كما تقدم، فقضاء رآه أنه مذهب صحابي، وهو لا ينسخ الحديث الصحيح بالإجماع. فأما قولُ البيهقي (٢) وغيره: «يحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يشعر بذلك، ويحتمل أن ذلك كان قبل (ق ١٩٩/ ب) النَّهي، أو قبل (٣) ما استدلَّ به عُمرُ أو غيرُه مِنْ أَمْرِ النبي ﷺ على عِتقهن، ومَن فعله منهم لم يبلغه ذلك، والله أعلم». فَبَرِدُ عليه أشياء منها:

стр. 88

أنَ يَرُدَّ حديثَ أبي سعيد في زكاة الفِطر: «كُنَّا نُخْرِجُ في زمانِ النبيِّ ﷺ صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا … » إلى آخره (١). وقد احتجَّ به الجمهورُ على إجزاء غير التَّمْر والشَّعير في زكاة الفِطْر. وحديث ابن عُمر: «كنا نُفاضِلُ في عَهْدِ النبيِّ ﷺ فنقول: أبو بكر، ثم عُمر، ثم عُثمان». وقد أخرجه البخاريُّ (٢)، واحتجَّ به أهلُ السُّنة والجماعة (٣)، ونحوَ ذلك من الأحاديث. وقوله (٤): «أو كان ذلك قبل النَّهي»؛ فأين النهيُ؟! ثم لو ثَبَتَ نهيٌ؛ فأين بيان تأخُّره لمدَّعي النَّسخ؟! وقد تقدَّم (٥) تضعيفُ حديث أيوب بن عُتبة الذي قال فيه: «ثم ذكر أنه زَجَرَ عن بيعهن». ثم لو ثَبَتَ؛ ليس هو صريحً ولا ظاهرً (٦) أنه من كلام جابر، بل الظاهرُ خِلافه؛ لقول جابر: «ثم نهانا عُمرُ؛ فانتهينا» (٧).

стр. 89

فإنْ قيل: فانتهاءُ جابر يدلُّ على أنه ثَمَّ شيءٌ مرفوعٌ؟ فالجواب: لا يلزمُ ذلك؛ لأن أمير المؤمنين عُمر ﵁ رأى في ذلك المصلحةَ، ولهذا قال لهم: «وقد وسَّعَ اللهُ» (١). وكان ﵀ رَجُلًا مَهيبًا، ولهذا لمَّا نهاهم عن مُتَّعة الحجِّ؛ انتهوا (٢)، مع أنها ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة. وله ﵁ الاجتهادُ الحميد، والرأيُ السَّديد، ولم يكن معه في أُمَّهات الأولاد نصٌّ عن رسول الله ﷺ قطعًا؛ لِمَا تقدم (٣) من قول عليٍّ: «استشارني عُمرُ في أُمَّهاتِ الأولاد، فرأيتُ أنا وهو ألَّا يُبعْنَ»، ومن استجازة عليٍّ مخالفة ذلك الرأي، والله أعلم. واحتجُّوا أيضًا بحديث عُمر ﵁ في القَدَر؛ لما سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن أشراط الساعة؟ فقال: «أن تَلِد الأَمَةُ ربَّتَها» (٤). قالوا: فإذا كانت مربوبة -وهي المملوكة- جاز بيعُها. والحديث في «الصحيح»، ومن رواية أبي هريرة أيضًا. وأما الإجماع: فحكاه أبو عُمر بن عبد البَرِّ عمَّن قال بهذا القول. وهو بعيدٌ جِدًّا؛ إذ

стр. 90

قد صحَّ عن عُمر وعُثمان ومن تقدَّم ذِكْرهم المنعُ من ذلك، وحاول بعضُهم حكايةَ الإجماع في عهد أبي بكر، وهو بعيدٌ أيضًا؛ لأنه يستحيل أن يكون لفظيًّا مع مخالفة عُمر له بعد ذلك، وغايته أنه سكوتي إنْ وُجِدَتْ شروطه من: الاشتهار، وعدمِ الإنكار، وانقراضِ العصر. ولم يوجد حتى خالف عُمر، وإن لم يشترط فخِلاف عُمر يدلُّ على أن الإجماع السُّكوتي (١) [ليس بحُجة]. واستدلَّ بعضُهم بالاستصحاب: فقال: كانت قبل أن تَحمِل يجوز بيعُها بالإجماع، فبعد الوضع يجوز استصحابُ ما كان على ما كان؛ إذ لم يمنع من ذلك مانعٌ. وهذا قد تقدم معارضتُه، بأنه كان يمتنع بيعُها حالَ حملِها بالإجماع فبعده بطريق الاستصحاب، وقد تقدم الكلام عليه (٢)، والله أعلم. وأما القول الثالث: وهو جواز بَيْعِها حياةَ سيدِها، فإذا مات عَتَقَتْ، فهو محكيٌّ عن عُمر، وعلي بن أبي طالب، وهو قولٌ لأبي عبد الله الشافعي، وحكاه سيفُ [٢٠٠/ أ] ابن عُمر التميمي في كتاب «وفاة النبي ﷺ » إجماعًا؛ فإنه قال:

стр. 91

«وأجمع عُمرُ والمسلمون أن أُمَّ الولد كالمُدَبَّرَة، أنها مملوكة حياة مولاها، ثم هي حُرَّة بعده؛ حِفظًا للفُرُوج» (١). وسيفُ بن عُمر هذا؛ عَليم بالسِّير والتواريخ وأيام الإسلام؛ إلا أنه ضعيفٌ عند الأئمة بمرَّة، وقال أبو داود: ليس بثقة (٢). وقال أبو حاتم: متروك (٣). فلو صحَّ حكايته هذا الإجماع؛ لكان حُجَّةً في المسألة كافيةً. ويُحتجُّ لهذا القول بما احتُجَّ به للمذهب الذي قبلَهُ من عموم: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون: ٥]، وحديثِ جابر وأبي سعيد. ويُخصُّ بحديث ابن عباس المتقدم (٤) مرفوعًا: «أيما رُجل وَلَدَتْ أَمَتُه منه؛ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه». هذا بتقدير صحته، وإلا فهو من كلام عُمر بن الخطَّاب، فإنه قال: «لا يبيعها سيدها، ولا يهبها، ولا يورثها، وهو يستمتع منها، فإذا مات فهي حُرَّة»، ندع ما عدا قوله: «فإذا مات فهي حُرَّةٌ»؛ لمضادته حديث جابر وأبي سعيد، وبقي قوله: «فإذا مات فهي حُرَّة»، يصلح تخصيص الحديثين به؛

стр. 92

لأن مذهب الصحابي يُخصُّ به العمومُ عند من يراه حُجَّة؛ كالحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعي في قوله القديم؛ بلا خِلاف عنه، واختُلف عليه: هل يراه حُجَّة في الجديد أم لا؟ على الطريقين: فالبيهقي وغيره: على أنه حُجَّة في الجديد أيضًا. قلت: وهو ظاهر كلامه في آخر «الرسالة» (٣)، وهي من كُتُبه الجديدة؛ لأنها من رواية الربيع عنه؛ فإنه قال ﵀: «الأصلُ: كتابٌ، أو سُنة، أو إجماع الناس، أو قول بعض أصحاب النبي ﷺ ». وقال الشيخ أبو حامد الإسفَراييني وجماعة من الفقهاء (٤): بل مذهبه في الجديد أن مذهب الصحابي ليس بحُجَّة (٥).

стр. 93

ولتقرير هذه المسألة موضع آخر (١)، والله أعلم. واحتُجَّ لهذا القول أيضًا بالإجماع على ما حكاه سيفُ بن عُمر. وبالقياس، ونظمُهُ: أنها مملوكةٌ انعقدَ سببُ عتقها بعد موت سيدِها؛ فجاز بيعُها في حياته؛ قياسًا على المُدَبَّر، والله أعلم. وأما القول الرابع: وهو أنها تُباع في الدَّين، ولا تُباع في غيره، فَلِما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب «المغازي»، عن خطَّاب بن صالح مولى الأنصار، عن أُمِّه، عن سَلَامة بنت مَعْقِل امرأة من خارجةِ قيسِ عَيْلان قالت: قَدِمَ بي عمِّي في الجاهلية؛ فباعني من الحُباب بن عَمرو؛ أخي أبي اليَسَر بن عَمرو، فولدتُّ له عبدَ الرحمن بن الحُباب، ثم هلك. فقالت امرأتُه: الآن -والله- تُباعِين في دَيْنه!! فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: يا رسولَ الله، إني امرأةٌ من خارجةِ قيسِ عَيْلان (٢)، قَدِم بي عمِّي المدينةَ في الجاهلية؛ فباعني من الحُباب بن عَمرو أخي أبي اليَسَر بن عَمرو، فولدتُّ له عبدَ الرحمن، فقالت امرأتُه: الآن -والله- تُباعين في دَيْنه!! فقال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ وليُّ الحُباب؟» قيل: أخوه أبو اليَسَر بنُ

стр. 94

عَمرو، فبعث إليه، فقال: «أعْتِقوها، فإذا سمعتم برقيقٍ قَدِم عليَّ فأتوني أعوِّضْكم منها»، قالت: فأعتقوني، وقَدِم على رسولٍ الله ﷺ رقيقٌ فعوَّضهم [مني] (١) غلامًا (٢). هذا لفظ أبي داود. زاد الإمام أحمد: قالت: فاختلفوا [فيما] (٣) بينهم (٢٠٠/ ب) بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فقال قومٌ: أُمُّ الوَلَد مملوكة، لولا ذلك لم يُعوِّضكم رسولُ الله ﷺ [منها] (٤). وقال بعضهم: هي حُرَّة، قد أعتقها رسولُ الله ﷺ . فَفِيَّ كان الاختلاف (٥).

стр. 95

هذا حديث غريبٌ، وخطَّاب وأُمُّه لا يُعرفان إلا بهذا الحديث (١). قال الطبراني (٢): لا يُروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وخطَّاب هذا هو ابن صالح بن دينار الأنصاري المدني، أخو داود ومحمد، وثَّقه ابن إسحاق (٣)، وابن حبان (٤). وقال أبو سليمان الخَطَّابي (٥): ليس إسناده بذاك. وقال الحافظ أبو بكر اليَعمَري في «كتابه»: وإسناد هذا الحديث لا بأس به عند بعضهم.

стр. 96

قالوا: ففي هذا إقرارُه ﷺ على جواز بَيْعها في الدَّين، وحديث ابن عباس: «فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه» (١) عامٌّ؛ فيُخصُّ بهذا؛ فتَعْتِقُ بموته؛ إلا أن يكون عليه دَيْنٌ فتُباع فيه. وهذا المذهب مفرَّع على صحة هذين الحديثين، وفيهما نظر، والله أعلم. وأما القول الخامس: وهو أنها تُحسَبُ من نصيب ولِدها، فهو مذهبُ ابنِ مسعود (٢)، وابنِ عباس (٣)، وابنِ الزبير (٤)، وقد رُوي عن عُمرَ أيضًا. وكأنه يرجع إلى المذهب الثاني، وهو أنها رقيقةٌ فإذا مات سيدُها فإن ولدها يرثُها مع الورثة، فَيَعْتِقُ منها ما ملكه ولدها، ويسري العتق في الباقي كما تقدَّم في الحديث؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي شيبة (٥): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن زيد بن وهب قال: مات رجُلٌ مِنْ الحَيِّ وترك أُمَّ ولدٍ، فأمر الوليدُ بنُ عُقبة ببيعِها، فأتينا ابنَ مسعود فسألناه؛ فقال: إنْ كنتم لا بُدَّ فاعلين فاجعلوها مِنْ نصيب وَلَدِها. وقال عبد الرزاق (٦): حدثنا ابن عُيينة، عن الأعمش، عن زيد: مات

стр. 97

رجُلٌ مِنَّا وتَركَ أُمَّ ولدٍ، فأراد الوليدُ بيعَها في دَيْنه، فأتينا ابنَ مسعود فقال: إنْ كنتم لا بُدَّ فاعلين فاجعلوها من نصيب ولدها. وأما القول السادس: وهو أنه يجوز بيُعها بشرط العِتق، فقد حكاه الحافظُ أبو بكر اليَعمَري في غبون (١) كلامه على أنه لم يُصرِّحْ به في صَدْر كتابه، ولم يَحْكِ في كتابه سوى أربعة أقوال: القولان الأولان. وأنها تَعتِقُ من نصيب ولدها. والرابع: التفريق بين أن تَبَرَّ وتتقي فلا تُباع، وبين أن تفجُرَ وتزني فتُباع. وهذا القول السابع في هذه المسألة: وهو قولٌ ثالث عن عُمرَ في أُمِّ الولد، قال أبو بكر بن أبي شيبة (٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن مالك بن أبي عامر الهَمْداني، قال: قال عُمرُ في أُمِّ الولد: «إنْ هي أحصَنتْ وأسلمت وعفَّت؛ عَتَقَتْ، وإنْ هي فَجَرَتْ وكَفَرتْ وزَنَتْ؛ رقَّتْ».

стр. 98

وقال معمر (١): عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء، عن عُمر: «أنها إذا زَنَتْ؛ رقَّتْ». وقال أبو بكر (٢): حدَّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: كان الحسن وإبراهيم لا يريان أن تُباع أُم الولد، وإنْ بغتْ. وكان ابن سيرين يرى أن تُباع. وهو محكيٌّ عن الزُّهري أيضًا، وهو يُشبه قولَهُ في أُمِّ ولد النصراني (٢٠١/ أ) إذا أسلمتْ أنها تَعْتِقُ، كما سيأتي ذلك في موضعه (٣)، إن شاء الله. ويُحتجُّ لهذا القول بمِثلِ ما احتُجَّ به لقول مَنْ جَوَّز بيعَها حياةَ سيدِها مِنْ تخصيص حديثِ جابر-: «كنَّا نبيعُ أُمَّهات الأولاد» (٤)، وحديثِ ابن عباس: «فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه» (٥) - بقولِ عُمرَ ﵁. وأما القول الثامن: وهو الوقف في المسألة فقد تقدَّم (٦) حكاية المُزني عن الشافعي ﵀ أنه قَطَعَ في خمسةَ عَشَرَ كتابًا ببيع أُمَّهات الأولاد، ووقف في غيرها. وإلى هذا مال بعضُ أهل العِلم مِنْ المتأخِّرين.

стр. 99

ووجهه: تعارض الأدلة مِنْ الطَّرفين، والله أعلم بالصواب.

стр. 100

فصل وأُمُّ الولد هي التي مَلَكَها السيدُ ملكاً شرعيًّا، وحَمَلتْ منه في ملكه حملاً تخلَّق بخَلْق آدمي، سواءٌ أسقطتْهُ، أو وضعتْهُ لوقته في ملكه. فلو أولدها في ملك غيره، ثم مَلَكها، فهل تصير أُمَّ وَلَدٍ له؟ فيه أربعة أقوال للعلماء، هي أربع روايات في مذهب الإمام أحمد بن حنبل (١) ﵀: أحدها: أنها تصير أُمَّ ولدٍ له؛ وهو مذهب أبي حنيفة (٢). الثاني: لا تصير؛ وهو مذهب الإمام الشافعي (٣)، لا خِلاف عنه في ذلك. وهو قول عَبيدة السَّلْماني. الثالث: إنْ ملكها حاملاً صارت أُمَّ ولدٍ، وإلا فلا؛ وهو قول مالك (٤) بن أنس، والمُزني (٥) من أصحابنا. الرابع: أنها لا تصير بمجرَّد الملك أُمَّ ولدٍ، بل إن وطِئها في ملكه صارت

стр. 101

أُمَّ ولدٍ له؛ وإلا لم تصِرْ، والله أعلم. مسألة: وأولاد أُمِّ الولد الذين حَدَثوا بعد ولادتها لسيِّدها من غير [هـ] حكمُهم كحكمها في الرِّق والحرية (١)؛ صحَّ ذلك عن: ابن عُمر (٢)، والشَّعبي (٣)، والنَّخَعي (٤)، وعُمر (٥) بن عبد العزيز، والحسن (٦) البصري. مسألة: واختلف مَنْ مَنَعَ مِنْ بيع أُمِّ الولد في إجارتها: فقال الجمهور بجواز ذلك؛ وهو مذهب الثلاثة (٧).

стр. 102

وقال مالك (١): لا يجوز إجارتها. حكاه القاضي عبدُ الوهاب (٢) عنه. مسألة: لو أسلمتْ أُمُّ وَلَدِ الكافر؛ ففيه أربعة أقوال للعلماء: أحدها: أنه يُحال بينه وبينها ما دام كافرًا، وينفِق عليها إلى أن تموت، فتَعْتِق، أو يُنْجِزُ عتقها في حال حياته؛ وهو قول الإمام أبي عبد الله الشافعي وأصحابه قاطبةً (٣). الثاني: أنها تَعْتِق عليه بمجرَّد إسلامها؛ وهو مذهب الزُّهري، ورواية في مذهب مالك (٤) وأحمد رحمهما الله. الثالث: أنها تَستسعي في ثمنها؛ وهو رواية عن الإمام أحمد (٥).

стр. 103

الرابع: أنها تُباع عليه؛ وهو رواية في مذهب مالك بن أنس ﵀؛ حكاها القاضي عبد الوهاب في «إشرافه» (١) وهي غريبة جدًّا!! وقال مَعمَرٌ، عن عَمرو بن ميمون: كتب عُمر بن عبد العزيز في مَنْ أسلم من رقيق [أهل] (٢) الذِّمَّة أن يُباعوا، ولا يُتركوا يَسترقونهم، ويدفع الثمن إليهم (٣). وكأنَّ وَجْهَ هذا القول: أنه إذا لم (٤) تُباع وُقِفَ الأمر، فيبقى ملكه مستمِرًّا عليها، وذلك محذور؛ لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ولما روى ابنُ أبي ذئب، عن الزُّهري قال: مَضَتِ السُّنة ألَّا يَسترِقَّ كافرٌ

стр. 104

مسلمًا (١). والعتق (٢٠١/ ب) متعذِّر؛ لئلا يَضِيع ماله، ولأنه لا دليلَ عليه، وكذا الاستسعاء، فيتعيَّنُ القولُ بالبيع. وأعجب من هذا: ما روى عبد الرزاق (٢)، عن ابن جُريج قال: أخبرني رجُلٌ أنَّ نصرانيًّا أعتَقَ مسلِمًا، فقال عُمر بن عبد العزيز: «أعطوه قيمته من بيت المال، وولاؤه للمسلمين، هذا الرَّجُلُ منهم». مسألة: واختلفوا: بماذا تتربَّص أُمُّ الولد إذا مات عنها سيدُها؟ فقيل: بحيضة إن كانت ممن تحيض، أو بشهر، أو ثلاثة أشهرٍ إن كانت ممن لا تحيض لإياسٍ. قال مالك (٣)، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه قال في أُمِّ الولد يُتوفَّى عنها

стр. 105

سيدها: «تَعتدُّ بحيضة». وهو قول الجمهور ممن أجاز بيعَها وممن منعه؛ لأن المراد براءة الرَّحِم، وذلك حاصلٌ بحَيضة. وقيل: تَعتدُّ بأربعة أشهر وعشر؛ وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀؛ حكاها الشيخ الموفَّق (١) عنه وغيره. واستدلَّ على ذلك: بما قال الإمام أحمد في «مسنده» (٢): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن رجاء بن حَيوة، عن قَبيصة ابن ذؤيب، عن عَمرِو بن العاص ﵁ قال: «لا تَلْبِسُوا علينا سُنَّةَ نبينا، عِدَّة أُمِّ الولد -إذا تُوفِّي عنها سيدُها- أربعة أشهرٍ وعشرًا»؛ هكذا رواه الإمام أحمد. وأخرجه أبو داود في «سننه» (٣) عن قُتيبة، عن غُنْدَر. وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجه (٤) عن علي بن محمد، عن وكيع. ثلاثتهم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن مَطَر، عن رجاء بن حَيوة، عن قَبيصة بن ذؤيب، عن عَمرِو بن العاص قال: «لا تَلْبِسوا علينا سُنَّة نبينا،

стр. 106

عِدَّة المتوفَّى عنها أربعة أشهرٍ وعشرًا. يعني: أُمَّ الولد». وهكذا رواه الحاكم أبو عبد الله في كتابه «المستدرك» (١)، وقال: صحيح الإسناد، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال شيخنا أبو الحجَّاج المِزِّي: رواية أبي داود وابن ماجه أقربُ إلى الصحة من رواية أحمد؛ حيثُ قال: «عن سعيد، عن قتادة»، ويحتمل أن يكون الوَهَم من يزيد بن هارون؛ لأنه سلك المَجَرَّةَ: «سعيد عن قتادة»، أو من سعيد بن أبي عَرُوبة؛ فإنه اختلَطَ في آخر عُمُرِه؛ وعلى التقديرين فكلٌّ من قتادة ومطر: ثقة، لا يضرُّ الحديث. وقد رواه بعضُهم عن سعيد عن قتادة ومطر جميعًا، كما ذكره البيهقي (٢)؛ فعلى هذا: هذا حديث صحيح مرفوع عند الجمهور؛ لأن الصحابي إذا قال: من السُّنة كذا؛ فالصحيح رَفْعُه، لا سيما وقد صرَّح هنا بقوله: «سُنَّة نَبيِّنا»، فتعيَّن الرفعُ. لكن قال البيهقي (٣): قال أحمد: هذا حديث مُنكَر. وحكى الإمام أبو محمد المقدسي (٤) عن الإمام أحمد أنه قال: لا يصح هذا الحديث.

стр. 107

وقال الدارقطني (١): قَبيصة لم يسمع من عَمرو، والصوابُ: «لا تلبسوا علينا» موقوف (٢). وفي هذا نظر (٣)؛ لأن قَبيصة كبيرٌ في التابعين، وأبوه صحابي مات عام حجَّة الوداع، والشهادة على نفي سماعه من عَمرو صعبة؛ لأن عمرًا مات سنة ثلاث وأربعين، وقَبيصة كان إذ ذاك كبيرًا. وقال البيهقي (٤): «روى هذا الحديث سليمانُ بن موسى، عن رجاء بن حَيْوة، عن قَبيصة، عن عَمرو بن العاص أنه قال: «عِدَّةُ أُمِّ الولد عِدَّةُ الحُرَّة». وقيل: عن الزُّهري، عن قَبيصة، عن عَمرو: مثل ذلك. وقيل غير هذا، والله أعلم». قلت: إنْ صحَّ رَفْعُ هذا الحديث؛ ففيه دلالةٌ لمن يرى أنَّ أُمَّ الولد تَعْتِقُ بموت السيد (٥)، والله أعلم. (٢٠٢/ أ).

стр. 108

مسألة: في قَرْض الإماء خمسةُ أقوالٍ للعلماء: أحدها: أنه حرام؛ لما يؤدِّي إليه من وَطْءِ الأَمَةِ، ثم ردِّها؛ فتكون كالمستعارة. أو لأنه عَقْد جائزٌ من الطرفين؛ فالملك فيه مزلزل، والفُرُوجُ لا تُستباح بذلك؛ كوَطْءِ الأَمَة المُشتراة في مدة الخيار؛ فإنه لا يجوز؛ لَمَّا كان كلٌّ من البائع والمشتري متمكِّنً (١) من فَسْخ العقد. وكذا كلٌّ من المُقْرِض والمُقْرَض له أن يفسخ العقد ما دامت العين باقية، وللمُقرِض المطالبةُ متى شاء، سواء كانت العينُ باقية أم لا، هذا في القرضِ الغيرِ المؤجَّلِ. هذا الذي ذكرتُهُ: مذهب مالك (٢)، وأبي حنيفة (٣)، ووجهٌ في مذهب أحمد (٤)، ﵏. الثاني: أن ذلك مكروه؛ وهو وجه في مذهب أحمد، فإنه قال: «أكرَه قَرْضَ بني آدم»، فحُمِل على الكراهة التنزيهيَّة. وقيل: على التحريم كما

стр. 109

تقدَّم؛ حكاه الإمام موفَّق الدِّين (١). الثالث: أن ذلك جائز مطلقًا من غير كراهة؛ وهو قول المُزَني، وداود، وابن جرير، وابن حزم (٢)، والإمام موفَّق الدين (٣)؛ لأنَّ المقترض يملك العين ملكًا صحيحًا؛ فجاز وَطْءُ الأَمَة فيه، كسائر الأملاك، والَوْطءُ لا يَمْنَعُ الردَّ كوَطْءِ المَعيبة؛ فإنه لا يمنع على قول الجمهور. الرابع: أنه يجوز قرضهنَّ لمن لا يملك وَطْأهُنَّ؛ وهو مذهب الشافعي (٤)؛ لزوال المحذور. الخامس: أنه يجوز قرضهنَّ لمن يملك ولمن لا يملك، إلا أنه لا يحل لمن يملك وَطْؤهُنَّ ذلك بهذا العقد؛ لضعف الملك فيه؛ وهو وَجْهٌ في مذهب الشافعي. مسألة: إذا أسلم أحدُ أبوي الطفل؛ تبعه في الدِّين، هذا قول الشافعي (٥)، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور. وقال مالك: إنما يتبع الأبَ فقط.

стр. 110

وقال بعضُ أهل المدينة: إنما يتبع الأمَّ فقط؛ لأنه يرقُّ برقِّها، ويتحرَّرُ بعتِقها. وروى ابنُ جُريج، عن سليمان بن موسى أنه قال: «إذا مات طِفلٌ لنصرانيينِ، وله أخٌ من أُمِّهِ مسلمٌ، أو أختٌ مُسلمِة، فإنه يرث منه ما فَرَضَ الله له، والباقي للمسلمين». وهذا يقتضي أنه يتبعه في الدِّين؛ لأنهم أجمعوا على أنه إذا مات الطفل الذِّميُّ أنَّ أبويه يرِثانه. واستدلُّوا في المسألة بحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفِطْرة؛ فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه» (١). قالوا: فإذا أسلمَا أو أحدهما فقد فُقِدَ ذلك؛ فنحكم بإسلامه لذلك، وقد قال الإمام أحمد بإسلام الطفل إذا مات أبواه؛ أخذًا بهذا الحديث (٢). ويلزم على هذا: إسلامُ الطفل إذا مات أحد أبويه أيضًا. على أنه قد حُكي الإجماعُ من الصحابة وغيرهم على خِلاف ذلك؛ فإنه قد كان يقعُ مثلُ ذلك ضرورةً في عصر الصحابة؛ لكثرة أهل الذِّمَّة، ولم يُنقَل أنَّ أحدً (٣) من الصحابة حَكَمَ بإسلام أولادِهم الصِّغارِ لهذا (٤).
следующие страницы →