والتوحد ووحَّد وتَوحَّد راجعة إلى أصل واحد، وهو الوحدة، فالحادي على وزن العالِف؛ فجعل الفاء موضع اللام، واللام موضع العين.
والقِسِيّ: مقلوبة من "قُوُوس" على وزن "فِليع" لا على وزن فِعِيل١، وأصله، قُوُوس على وزن فُعُول٢؛ فنقلت الواو إلى آخر الكلمة، ثم قلبتا ياءين، وأدغمت الياء الأولى في الياء الثانية للتخفيف على ما يجيء، وكسرت السين للياء التي بعدها والقاف للتبعية كراهة للانتقال٣ من الضمة إلى الكسرة.
والذي يدل على كون القِسِي مقلوبة من قُوُوس أن القسيَّ والأقواس والتقوس والتقويس وقوّس وتقوَّس راجعة إلى أصل واحد،
стр. 177
وهو القوس، فعلمنا أنه جعلت العين في القسي موضع اللام، واللام موضع العين.
ولقائل أن يقول: معرفة القلب بأمثلة الاشتقاق راجعة إلى المعرفة بالأصل١.
وثالثها: أنه يعرف القلب بصحة حروف٢ العلة مع تحركها وانفتاح ما قبلها، نحو: أَيِسَ يَأْيَسُ، فإنه مقلوب من يَئِسَ؛ لأنه لو كان أَيِسَ هو الأصل لوجب أن يقال: آس؛ لتحرك الياء٣ وانفتاح ما قبلها، ولما لم يقل كذلك علم أن أَيِسَ٤ مقلوب من: يئس؛ فوزن أَيِسَ غَفِلَ لا فَعِلَ.
ورابعها: أنه يعرف القلب بقلة استعماله٥، نحو آرام، وآدُر: جمع رِئْم ودار؛ فإنهما أقل استعمالا من أرآم وأدْؤُر؛ فالأولى أن يجعل ما هو أكثر استعمالا، وهو أرآم وأدؤر، هو الأصل، فعلم أن آراما على وزن "أعفال" لا "أفعال" وأن أدؤرا على وزن "أعْفُل".
стр. 178
لا "أَفْعُل".
ولقائل أن يقول: هذا القسم والذي قبله راجعان إلى القسم الأول؛ لأنه يعرف القلب فيهما بأصلهما، وهو: الرِّئْم، والدار، واليأس١.
ويمكن أن يجاب عنه بأن معرفتها بأصلها لا يمنع معرفتها بصحة حروف علته وبقلة استعماله؛ لأن المعرف ههنا أمارة، ويجوز اجتماع أمارات كثيرة على شيء واحد٢.
وخامسها: أنه يعرف القلب بأن عدم القلب يؤدي إلى الجمع بين همزتين عند الخليل وأتباعه٣ وهو غير جائز، نحو "جاء"؛ فإنه اسم فاعل، وأصله: جائي، بلا خلاف؛ لأنه من المجيء، فلو بقيت الياء التي بعد الألف غير مقلوبة٤؛ أي: غير منقولة اللام إلى
стр. 179
العين وبالعكس لوجب أن تقلب الياء التي بعد الألف همزة مثلها في "سائر وسائل"١ من: سار وسال، لقاعدة كلامهم، فيصير جائئا، بهمزتين مجتمعتين، فلذلك قال الخليل: لا تقلب الياء همزة لكن ترد الهمزة التي هي لام إلى موضع العين، فصار٢ "جائي" على وزن: فَالِع، ثم أعل إعلال قاض٣.
وإنما قلنا عند الخليل، لأن سيبويه وأتباعه لا يقولون بالقلب، بل يقولون: إذا اجتمعت همزتان في مثلها قلبت الثانية ياء ثم أعلت إعلال قاض، ولا يهربون عن توالي إعلالين هما قلب العين همزة وقلب اللام ياء٤.
стр. 180
وقد أورد عليهم سؤال، وتقرير: أنه لو كانت الياء في "جاء" مقلوبة عن الهمزة الثانية أثبتت ولم تعل إعلال ياء قاض ووقف عليها على الأفصح كما أن الياء في "داري" و"مُسْتَهْزِيينَ"١ لما كانت مقلوبة عن الهمزة أثبتت ولم تعل إعلال ياء "قاض" ووقف عليها على الأفصح. وكما أن الياء المبدلة عن الهمزة في "رئيا" للتخفيف في قوله تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ ٢ [لما كانت] ٣ مبدلة عن الهمزة أثبتت ولم تدغم في الياء الثانية على الأفصح ولما لم تثبت الياء في "جاء" ولم يوقف عليها علم أنها ليست مبدلة عن الهمزة٤.
стр. 181
وأجيب عنه بمنع الملازمة وبالفرق بين "جاء" وبين "داري" ومستهزيين و"رِيِيا"١، وهو أن إبدال الياء عن الهمزة في "جاء" واجب، فيكون حكمها حكم الياء الأصلية وإبدال الياء عن الهمزة في "داري ومستهزيين ورييا" جائز غير واجب فيكون كالعارض، فلا اعتداد بها٢.
وأورد على هذا الجواب بأنه قد تُبْدَل الياء عن الهمزة وجوبا مع أنه لا يكون حكمها كحكم٣ الياء الأصلية، وقد تبدلت عنها جوازا مع أنه يجعل حكمها كحكم٤ الياء الأصلية ويعتد بها.
стр. 182
أما الأول فلأن الياء في أئمة مبدلة عن الهمزة وجوبا كما في "جاء" مع أنه ليس حكمها حكم١ الياء الأصلية، وإلا وجب أن تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيقال "آمة". وأما الثاني؛ فلأن إبدال الياء أو الواو عن٢ الهمزة في "خَطيّة ومَقْروّة" ليس بواجب كما في "رِيْيا"٣ مع أنه يعتد بها، ولهذا يجب الإدغام عند المبدلين.
وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم أنه لو كان حكم٤ "الياء" المبدلة عن الهمزة وجوبا حكم الأصل٥ لوجب أن تقلب الياء ألفا في "أئمة"، وإنما وجب أن٦ لو لم تكن حركة الياء عارضة لكن حركتها عارضة؛ لأن أصل "أئمة": "أأمِمَة" على وزن "أَفْعِلة"؛ فانقلبت٧ حركة الميم الأولى إلى ما قبلها للإدغام ثم أدغمت٨ الميم في الميم فصار "أإمة"، ثم أبدلت الياء عن هذه الهمزة٩ فصار "أئمة"؛ فالحركة على١٠ الياء عارضة لكونها عارضة على الهمزة
стр. 183
وإذا كانت عارضة لا يعتد بحركتها كما لا يعتد بحركة الياء في: اخْشَيِ القومَ١.
وأجيب عن الثاني بأنه لا يعتد بالياء أو الواو المبدلة عن الهمزة إبدالا غير واجب إذا كان إبدالها عن الهمزة لغير الإدغام كجاء، أما إذا كان إبدالها عنها لإدغام فإنه يعتد بها في خطيّة ومقروَّة، ولهذا لا يجوز إبدالها عنها في مثل "خطيّة" و"مقروَّة" من غير إدغام٢.
وسادسها: أنه يعرف القلب بأن عدم القلب يؤدي إلى منع صرف الاسم بغير علة٣، كأشياء؛ فإنه غير منصرف٤ بالاتفاق؛ فقال الخليل وسيبويه وأتباعهما: وزنه لفعاء، وأصله: شيئاء، على وزن: فعلاء، فمنع صرفه لألف التأنيث ثم تقلب اللام إلى موضع الفاء، فصار أشياء على وزن لفعاء٥.
стр. 184
وقال الكسائي: وزنه أفعال؛ لأن فَعْلا معتل العين يجمع أفعال، كقَيل وأقيال١.
وقال الفراء٢: وزنه أَفْعَاء٣، وأصله "أَشْيئاء" على وزن "أَفْعِلاء" فخفف٤ بحذف الهمزة٥ الأولى، ورأى أن شيئا أصله "شيئ" على وزن "فَيْعِل" ثم خفف كما خفف "ميت"، ثم جمع على "أشيئاء" كما جمع "نبي" على "أنبياء"، ثم حذفت الهمزة التي هي لام الفعل تخفيفا، كراهة٦ اجتماع همزتين بينهما ألف فصار وزنه "أفعاء"٧، ٨.
стр. 185
ومذهب الخليل وسيبويه أصح من مذهبي الكسائي والفراء١.
أما كونه أصح من مذهب الكسائي؛ فلأن مذهب الكسائي مستلزم لمنع صرف الاسم بغير علة، وانتفاؤه معلوم من لغتهم، والقلب الذي هو مذهب الخليل وسيبويه كثير شائع، فارتكابه أولى من ارتكاب ما لا نظير له في كلامهم٢.
وأما كونه أصح من مذهب الفراء؛ فلأن مذهب الخليل وسيبويه يستلزم خلاف الظاهر بوجه -أعني القلب- وهو كثير شائع، [ومذهب الفراء يستلزم خلاف الظاهر بوجهين٣: أحدهما غير شائع] ٤ والآخر غير جائز٥.
стр. 186
والأول تقديره: شيئاء، [وأنَّ] ١ شَيِّئا على وزن فَيْعِل، فإنه خلاف الظاهر مع أنه لم يسمع "شيِّء"، فلو كان هو الأصل لكان هو الكثير الشائع "كما أنه لما كان ميت وبيّن أصل مَيُت وبَيُن"٢ كان أكثر من "مَيْت وبَيْن" لكنه ليس كذلك.
والثاني: حذف الهمزة التي هي لام الفعل مع أن الهمزة٣ التي وقعت بعدها همزة بينهما ألف لا يجوز حذفها٤.
قوله: "وَكَذِلِكَ الْحَذْفُ٥ كَقَوْلِكَ فِي قَاضٍ فَاعٍ، إِلاَّ أن يبين فيهما"٦.
أي: وكالقلب الحذف في الزنة؛ فإنه إذا كان في الموزون حذف حُذف في الزِّنة ما حذف في الموزون، لما ذكرناه في القلب، فقاض على وزن فاع، ويَمُت على وزن يَعُل، وقل على وزن فل إلا إذا أريد أن يبين وزنها في الأصل، فإنه لا يقلب ولا يحذف في الزنة، فيقال أيس في الأصل على وزن: فَعِل، وأشياء في الأصل على وزن: فَعْلاء، وقاض في الأصل على وزن: فاعِل، وقل في الأصل على وزن: افْعُل.
стр. 187
[الصحيح والمعتل] :
قوله: "وَتَنْقَسِمُ إلى صَحيح وَمُعْتَلٍّ؛ فَالْمُعْتَلُّ: مَا فِيهِ حَرْفُ عِلَّةٍ، وَالصَّحِيحُ بِخِلاَفِهِ؛ فَالْمُعْتَلُّ بِالْفَاءِ مِثَالٌ، وَبِالْعَيْنِ أَجْوَفُ وذو الثلاثة١، وَبِاللاَّم مَنْقُوصٌ وذو الأربعة، وَبِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ أَو بِالْعَيْنِ وَاللاَّمِ لَفِيفٌ مقرون، وبالفاء واللام لفيف مفروق".
يجوز تذكير "ينقسم" وتأنيثه"٢.
أي: وينقسم البناء أو الأبنية إلى صحيح ومعتل، فالمراد "٦" بالصحيح عند التصريفيين٣: ما ليس في أصوله حرف علة، أعني الواو والياء والألف كـ"ضرب".
وإنما قال: "في أصوله" [لجواز أن يكون في غير أصوله حرف علة، نحو: يَضْرِب وضارِب. والمراد بالمعتل: في أصوله] ٤ حرف علة.
وقد يكون حرف العلة فاء، نحو: وعد ويسر. وقد يكون عينا، نحو: قال وباع، وقد يكون عينا، نحو: قال وباع، وقد يكون لاما نحو: غزا ورَمى.
ويسمى المعتل الفاء في اصطلاح المتقدمين مثالا؛ لمماثلته الحرف الصحيح في صحته وعدم إعلاله، كما ذكرناه، بخلاف
стр. 188
المعتل العين واللام. وإنما قال في اصطلاح الأولين١ لأن المتأخرين تركوا ذلك الاصطلاح.
ويسمى المعتل العين أجوف؛ لكون حرف العلة وسطه الذي هو كالجوف، وذا الثلاثة لكونه مع ضمير الفاعل المتحرك على ثلاثة أحرف في المتكلم والمخاطب المذكر والمخاطب المؤنث٢ نحو: قلت وبعت، بضم التاء وفتحها وكسرها.
ويمسى المعتل اللام منقوصا لنقصان الحركة منه حالة الرفع، نحو: يعزو ويرمي ويخشى، أو لنقصان اللام منه في الاسم [كقاص في الرفع والجر] ٣ والمضارع جزما، وذا الأربعة لكونه مع ضمير الفاعل المتحرك على أربعة أحرف في المتكلم والمخاطب المذكر والمؤنث، نحو: غزوت وشريت٤ بضم التاء وفتحها وكسرها.
ويسمى المعتل الفاء والعين نحو يَيَّتُ، أي: كتبت الياء، وكيوم ويَيَن -اسم موضع- أو بئر٥، في الاسم.
стр. 189
والمعتل العين واللام نحو: طوى ولوى لفيفا مقرونا، لالتفاف أحد حرفي العلة بالآخر واقترانه من غير فصل.
ويسمى المعتل الفاء واللام، نحو: ولى وورى لفيفا مفروقا؛ لالتفاف أحد حرفي العلة بالآخر والتفرق بينهما.
стр. 190
[أبنية الاسم الثلاثي] :
قوله: "وللاسْمِ الثُّلاثِيِّ الْمُجَرَّدِ عَشَرَةُ أَبْنِيَةٍ١، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي اثني عشر: سقط منها فُعِل وفِعُل٢ استثقالا وَجُعِلَ الدُئِلُ مَنْقُولاً، والحِبُكُ إن ثَبَتَ فَعَلَى تَدَاخُل اللُّغَتَيْنِ في حَرْفَي الْكَلِمَةِ, وَهِيَ فَلْسٌ وفَرَسٌ وكَتِفٌ وعَضُدٌ وحِبْرٌ وعِنَبٌ وإبِلٌ وقُفْلٌ وصُرَدٌ وعُنُقٌ"٣، ٤.
إنما ابتداء بالثلاثي؛ لأنه أكثر استعمالا لكثرة أبنيته، بخلاف أخويه؛ ولأنه أخف.
اعلم أن للاسم٥ الثلاثي المجرد عن الزوائد عشرة أبنية، لكن القسمة العقلية تقتضي أن يكون اثني عشر؛ لأن الفاء إنما يكون مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، ولا يمكن أن يكون ساكنا لامتناع الابتداء بالساكن. وعلى كل واحد من التقادير الثلاثة إما أن يكون العين مفتوحا أو مكسورا أو مضموما أو ساكنا؛ فتكون اثني عشر حاصلة من ضرب ثلاثة في أربعة، لكن عُدم منها بناءان وهما فُعِل وفِعُل٦ لاستثقالهم الانتقال من الضمة إلى الكسرة ومن الكسرة إلى الضمة٧
стр. 191
لكون الضمة والكسرة ثقيلتين متضادتين في المخرج١. ولم يستثقلوا في الفعل البناء الأول نحو ضُرِب لحاجتهم إليه، ولعروض ضم الفاء وكسر العين في الأفعال، والبناء الأول أخف من البناء الثاني؛ لأن الانتقال من الضمة إلى الكسرة انتقال من أثقل إلى ما دونه في الثقل، والانتقال من الكسرة إلى الضمة انتقال من ثقيل إلى ما هو أثقل منه، بناء على أن الضمة أثقل من الكسرة. وقد أورد على البناء الأول "دُئِل"٢.
وأجيب عنه بأنه اسم قبيلة لأبي الأسود٣؛ فهو علم، والأعلام لا يعول عليها في الأبنية لجواز أن تكون منقولة كـ"ضُرِب" إذا سمّي به.
стр. 192
ولئن سُلّم أنه اسم لدويّبة شبيهة بابن عِرْس١ كما قاله الأصمعي٢، ٣ في قوله٤:
٢-
جاءوا بجيش لو قيسَ مُعْرَسُه ... ما كان إلا كمُعرس الدُّئِلِ٥ "٧"
و [والمُعْرَس: موضع نزول القوم] ٦.
فلا نسلم أنه غير منقول من الفعل إلى تلك الدويبة، سلمنا ولكنه شاذ لا يعتد به٧.
стр. 193
وقيل: جاء رِئم -للاست١. ووُعِلَ- لغة في الوَعْل٢.
وأجيب عنه بأنه من الأجناس المنقولة من الأفعال كـ"تُنَوِّط"٣ وتُنَثِّر٤ -لطائرين- ولذلك لم يعتد بهما سيبويه٥.
وقد أورد على البناء الثاني الحِبُك٦، بكسر الحاء وضم الباء، وهو بعيد عن لغتهم.
وأجيب عنه بأنه من تداخل اللغتين؛ لأنه يقابل [حُبُك كعُنُق٧ و] حِبِك كإبل فالمتكلم بـ"حِبُك" بكسر الحاء وضم الباء, كأنه قصد "حِبِك" بكسر الحاء والياء. أولا، فلما تكلم بالحاء مكسورة
стр. 194
غفل عن ذلك فقصد اللغة الأخرى وهي "حُبُك" بضم الحاء والباء١ وهذا التداخل في كلمة لكن التداخل أكثر ما يكون من كلمتين؛ فإنهم يقولون "قنِط يقنِط" بكسر النون في الماضي والمضارع، ولا يجيء "يَقْنُطُ" من "قَنِط" وكذا يقولون: "قنَط يقنَط" بفتح النون فيهما"٢ [ولا يجيء يَقْنَطُ من قنَط بفتح النون] ٣ بل يجيء من قنِط -بكسر النون- يقنَط -بفتح النون- كعلِم يعلَم٤، ويجيء من "قنّط" بفتح النون "يقنِط" بكسر النون٥، كضرَب يضرِب؛ فأخذ الماضي من إحدى اللغتين والمضارع من اللغة الأخرى فقيل "قنط يقنط" بكسر النون وبفتحها فيهما٦. وهذا التداخل شائع كثير، بخلاف الأول.
وإذا سقط بناءان من اثني عشر بقي عشرة أبنية، وأشار إلى عدها بقوله: "وهي فَعْل ... إلى آخرها".
стр. 195
فبدأ بالمفتوح الفاء، وله أربعة أبنية:
- أحدها: فَعْل -بفتح الفاء وسكون العين- ويكون اسما كفَلْس، وصفة كصَعْب.
- وثانيها: فَعَل -بفتح الفاء والعين- ويكون اسما كفَرَس، وصفة كبَطَل.
- وثالثهما: [فَعِل] ١ -بفتح الفاء وكسر العين- ويكون اسما ككَتِف، وصفة كحَذِر.
- ورابعهما: "فَعُل"٢ -بفتح الفاء وضم العين- ويكون اسما كعَضُد٣، وصفة كطَمُع، من: طمع طمعا، فهو طَمُع وطَمِع.
وثنى بمكسور٤ الفاء، وله ثلاثة أمثلة:
- أحدهما: [فِعْل] ٥ بكسر الفاء وسكون العين -ويكون اسما كحِبْر، وصفة كنِضْو- لجمل هزيل٦.
- وثانيها: "فُعَل"١ -بضم الفاء وفتح العين، ويكون اسما كصُرَد٢، وصفة نحو لُكَع، يقال: رجل لُكَع، أي: لئيم٣.
- وثالثها: [فُعُل] ٤ -بضم الفاء والعين، ويكون اسما كعُنُق، وصفة كسُرُح يقال: ناقة سُرُح أي: سريعة.
стр. 198
[رد بعض الأبنية إلى بعض] :
قوله: "وَقَدْ يُرَدُّ بَعْضٌ إلَى بَعْضٍ؛ ففَعِل مِمَّا ثانيه حرف حلق كـ"فَخِذ" يجوز فيه فَخْذ وفِخْذ وفِخِذ"١.
أي: وقد يرد بعض هذه الأبنية إلى بعض، ففَعِل, بفتح الفاء وكسر العين مما ثانيه حرف حلق كـ"فَخِذ" يرد إلى "فَعْل" بفتح الفاء وسكون العين؛ للخفة ويرد إلى "فِعْل" بكسر الفاء وسكون العين، كـ"فِخْد" بنقل كسرة العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء للتخفيف. ولم يقتصروا على سكون الخاء لقوة كسرة الخاء؛ فأرادوا أن يبقى لها أثر فنقلوا٢ حركتها "٨" إلى ما قبلها. ويرد أيضا إلى "فِعِل" بكسر الفاء والعين؛ كـ"فِخِذ"، لكون كسرة حرف٣ الحلق قوية، فناسب٤ أن٥ يكسر ما قبلها لقوتها. وإذا عرفت ذلك لا يكون "فِخْذ" بكسر الفاء وسكون الخاء؛ كـ"حِبْر" لفرعية "فِخْذ" وأصلية "حِبْر"، وكذلك الوزنان الآخران٦، ٧.
стр. 199
قوله: "وكذلك الفعل كـ: شَهِد"١.
أي: وكذلك الفعل الذي أوله مفتوح٢ وثانيه حرف حلق مكسور كـ"شهد" يرد إلى "شَهْد" بفتح الشين وسكون الهاء، وإلى "شِهْد" بكسر الشين وسكون الهاء٣، وإلى "شِهِد" بكسر الشين والهاء، لما ذكرناه في "فَخِذ".
وإنما ذكر حكم [هذا الفعل] ٤ ههنا وإن لم يكن موضع ذكر أحكام الفعل لاتحادهما في هذا الحكم.
قوله: "ونحو كَتِف يجوز فيه: كَتْف وكِتْف"٥.
أي: ونحو "فَعِل" مفتوح الفاء مكسور العين، مما ليس ثانيه حرف حلق نحو: "كَتِف" يجوز أن يرد إلى "كَتْف" بفتح الفاء وسكون العين؛ طلبا للتخفيف، وإلى "فِعْل" بكسر الفاء وسكون العين
стр. 200
بنقل حركة العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء للتخفيف والتنبيه على كسر العين في الأصل, ولا يرد إلى "كِتِف" بكسر الفاء والعين؛ لأن كسرة التاء ليست بقوية مثل قوة كسرة حرف١ الحلق.
قوله: "ونحو عَضُد يجوز فيه عَضْد"٢.
أي: ويجوز في٣ نحو عَضُد بفتح الفاء وضم العين فرع واحد وهو "عَضْد" بفتح الفاء وسكون العين، للتخفيف، ولا يجوز عِضْد، بكسر العين وسكون الضاد٤؛ لأن ضمة الضاد مرادة، فيؤدي إلى تقدير "فِعُل" بكسر الفاء وضم العين لعروض٥ سكون الضاد؛ ولأن جواز "كِتْف" بكسر الكاف٦ وسكون التاء، بنقل كسرة التاء إلى الكاف وليست على ضاد "عضد" كسرة لتنقل إلى الفاء.
ويظهر منه أنه لا يجوز "عِضِد" بكسر العين والضاد. لا يقال: ينبغي أن يجوز في عَضُد عُضْد، بضم العين وسكون الضاد؛ لأن الضمة في "عضُد" كالكسرة في "كتِف"؛ لأنا نقول: نعم٧ يجوز
стр. 201
ذلك عند بعضهم على أنه لا يلزم ذلك١؛ لأن الضمة أثقل من الكسرة ولا يلزم من جواز كتف بكسر الفاء وسكون العين جواز عضد، بضم الفاء وسكون الضاد.
قوله: "ونَحوُ عُنُق يَجُوزُ فِيهِ عُنْق، وَنَحوُ إبِل وبِلِز ويجوز فِيهِما إبْل وبِلْز، وَلاَ ثَالِثَ لَهُمَا، وَنَحْوُ قُفْل يَجُوزُ فِيهِ قُفُل عَلَى رَأْيٍ؛ لِمَجِيءِ عَسُر ويُسُر"٢.
أي: ويجوز في نحو [عُنُق: عُنْق] ٣ بضم العين وسكون النون٤ طلبا للتخفيف، لاستثقال ضمة بعد ضمة.
ويجوز في نحو٥ إبِل وبِلِز: إبْل وبِلْز، بكسر الفاء وسكون العين، لاستثقال الكسرة بعد الكسرةن كاستثقال ضمة بعد ضمة في
стр. 202
عنق، إلا أن إسكان العين في "عنق" أفصح من إسكانها في إبل وبِلِز١ لزيادة استثقال الضمة على استثقال الكسرة. قال: وليس في كلام العرب فِعِل بكسر الفاء والعين إلا إبل في الأسماء٢، وبِلِز في الصفات٣.
وفيه نظر؛ لأنه جاء "إبِد" للأتان الوحشية والولود من النساء٤ والإِبِد نحو: "لا أفعلُ أبَدَ الإبِدِ" حكاه ابن دريد٥، وحِبِرٌ لِقَلَحِ
стр. 203
الأسنان١، وبِلِصُ لطائر٢ وعِبِلُ اسم بلد٣، وجِلِخْ جِلِبْ لعبة للصبيان، وجِحِط زَجْر للغنم، وخِدِجْ. وإِجِدْ٤ زَجْر للغنم خاصة وجِحِض زَجر للكبش، وجِطِخ زجر للعَنز وتِغِز، تِفِز حكاية الضَّحك وتِفِزْ تِفِزْ كذلك٥. ودِبِس لغة في الدِّبْس٦، ووِتِد في الوتد، ومِشِط في المُشْط، وإِثِر لغة في الأَثَر وإطِل لغة في الأَطِل٧ وهو الخصر، وإِجِد لغة في أُجُد، يقال: ناقة أُجُد؛ أي: قوية٨. وأيضا أُجُد٩ زجر للإبل١٠.
стр. 204
ويجوز في نحو "قُفْل" بإسكان العين "قُفُل" بضم العين "٩" عند بعضهم١ والأكثرون على عدم جوازه٢. واستدل المجوزون ذلك بقولهم: عُسُر ويُسُر [في عُسْر ويُسْر] ٣. وليس "عُسُر ويُسُر" هما الأصل "وليس"٤ عُسْر ويُسْر٥ بسكون العين فرعين عن "عُسُر ويُسُر" بضم العين؛ لأنه لو كان "عُسُر ويُسُر" هما الأصل لكانا هما الأكثر كـ"عُنُق" بضم العين وسكونه٦ ولما لم يكن "عُسُر ويُسُر" هما٧ الأصل دل على أنهما فرعا٨ "عُسْر ويُسْر" بسكون العين فظهر أن مثل "قُفْل" يجوز فيه "قُفُل" بضم الفاء والعين. وفيه نظر لجواز أن لا يكون أحدهما فرعا للآخر، بل كل واحد منهما أصل إلا أن أحدهما أكثر استعمالا٩.
стр. 205
[أبنية الرباعي المجرد] :
قوله: "وللرباعي المجرد١ خمسة: جَعْفَر وزِبْرِج وبُرْثُن، ودِرْهَم وقِمَطْر وَزَادَ الأَخْفَشُ٢ نَحْوَ جُخْدَب، وَأَما جُنَدِل وعُلَبِط فَتَوَالي الحَرَكَاتِ حَمَلَهُمَا عَلَى بَابِ جَنادِل وعُلابِط"٣.
اعلم أن للرباعي خمسة أبنية بالاستقراء:
- أحدهما٤: فَعْلَل بفتح الفاء وسكون وفتح اللام نحو "جعفر" للنهر الصغير -في الأسماء- "وسَلْهَب" للطويل٥ في الصفات٦.
- والثاني: فِعْلِل بكسر الفاء واللام وسكون العين نحو "زِبْرِج" في الأسماء للسحاب الرقيق، وللذهب، ولزينة السلاح والوشي. ذكره في المجمل٧ ودِفْنِس٨ للحمقاء من النساء، في الصفات.
стр. 206
- والثالث: فُعْلُل -بضم الفاء واللام وسكون العين- نحو: بُرْثُن لمخلب الأسد١ في الأسماء، وجُرْشُع للطويل٢ في الصفات.
- والرابع: فِعْلَل -بكسر الفاء وسكون العين وفتح اللام- نحو: درهم في الأسماء وهِبْلَع للأكول٣، في الصفات٤.
- والخامس: فِعَلّ٥ -بكسر الفاء وفتح العين وسكون اللام- نحو: قِمَطْر، في الأسماء لوعاء السكر، ولما يصان فيه الكتب، وللتشديد ومنه: ﴿عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ ٦.
- ذكر الأخير في المجمل٧.
стр. 207
وسِبَطْر للطويل الممتد١، في الصفات.
وزاد الأخفش سادسا هو فُعْلَل٢ -بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى-نحو: جُخْدَب- لنوع من الجراد وللجمل٣ الضخم، وقيل لدابة كالحِرباء٤. فإنه يرويه بفتح الدال. وسيبويه لا يرويه إلا بضمها٥ وكذا يروي الفراء٦ في: بُرْقَع وطُحْلَب وجُؤْذَر بفتح الثالث٧ فيها، وإن كان الأجود فيها "عند الفراء"٨ ضمها٩.
стр. 208
ويدل على صحة المثال السادس وجهان: أحدهما: رواية الأخفش والفراء، وهما ثقة والثاني: أنه جاء عُنْدَد، قال أبو زيد١: ما لي عنه عُنْدَد وعُنْدُد، أي: بُدّ٢. والدال الثانية فيه٣ للإلحاق، بدليل فك الإدغام؛ فلو لم يكن للإلحاق لقيل عُنَدّ٤. وإذا كان للإلحاق علمنا أن هذا المثال موجود في الراباعي ليلحق به؛ لأن الإلحاق يستدعي مثالا يلحق به٥.
وأما نحو جُنَدِل٦، وعُلَبِط للضخم٧، وهُدَبِد -للبن الخاثر٨- فلا يعتد به، لكونه نادرا وللعلم -بالاسقراء٩ في١٠ كلامهم- بأنه لا يجتمع أربع حركات متواليات١١ في كلمة واحدة؛ فتوالي الحركات الأربع المتوالية حملهم على أن حكموا فيها بأنها محذوفات من "جَنادِل
стр. 209
وعُلابِط١ وهُدابِد". ولا يمكن أن يقال: جخدَب -بفتح الدال- محذوف من جُخادب لسكون الخاء من جُخْدب، ولو كان محذوفا منه لقيل: جخَدب، يفتح الخاء.
اعلم أن القسمة تقتضي أن يكون للرباعي ثمانية وأربعون٢ مثالا؛ لأن الفاء لا تحتمل إلا الحركات الثلاث، والعين تحتمل الحركات الثلاث والسكون. ومضروب الثلاثة في الأربعة اثنا عشرة "١٠" واللام الأولى تحتمل الحركات الثلاث والسكون ومضروب الاثني عشر في الأربعة ثمانية وأربعون٣، إلا أنه يمتنع منها ثلاثة٤ أمثلة. فتح الفاء مع سكون العين واللام، وضمها مع سكونها، وكسرها مع سكونهما والبواقي منها غير الخمس٥ أو الست غير مستعمل، لاستثقال الرباعي وللاستغناء بغيرها٦ عنها.
стр. 210
[أبنية الخماسي] :
قوله: "وللخماسي أربعة: سَفَرْجَل وقِرْطَعْب وجَحْمَرِش وقُذَعْمِل، وللمزيد فيه أبنية كثيرة، ولم يجئ في الخماسي إلا عَضْرَفُرط وخُزَعْبِيل وقِرْطَبُوس وقَبَعْثَرَى وخَنْدَرِبس، على الأكثر"١.
اعلم أن للخماسي أربعة أمثلة:
- "أحدهما"٢: فَعَلّل -بفتح الفاء والعين وسكون اللام الأولى وفتح اللام الثانية- نحو "سفرجل" في الأسماء، و" هَمَرْجَل" لواسع الخطو، في الصفات٣.
- والثاني: فِعْلَلّ٤ -بكسر الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى وسكون اللام الثانية نحو: قِرْطَعْب، للخرقة- في
стр. 211
المجمل١، أو لشيء حقير٢، في الأسماء، وجِرْدَحْل للإبل: الضخم٣ في الصفات.
- والثالث: فَعْلَلِل -بفتح الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى وكسر اللام الثانية- نحو قَهْبَلِس، للأفعوان العظيم والرجل المسن٤ وجَحْمَرِش، للمرأة المسنة، وللأفعى العظيمة٥ وقال أبو العباس٦: لا يكون فَعْلَلِل إلا صفة٧. وجعل بعضهم القَهْبَلِس من الأسماء٨. ولم أعرف معناه
стр. 212
بمعنى١ الاسم.
- والرابع: فُعَلِّل -بضم الفاء، وفتح٢ العين وسكون اللام الأولى وكسر اللام الثانية- نحو: "قُذَعْمِل" في الأسماء ولشيء يقال: "ما له قُذَعْمِل"، أي: ليس له شيء، وقيل: لضخم من الإبل٣، و"خُبَعْثِن" للشديد، في الصفات٤.
وقد ذكر ابن السراج٥ مثالا خامسا وهو: "هُنَدْلِع" لبقلة٦. وفيه نظر؛
стр. 213
لاحتمال أن يكون رباعيا ونونه زائدة ووزنه فُنْعَلِل١.
اعلم أن القسمة تقتضي أن يكون للخماسي مائة واثنان وتسعون مثالا؛ لأن الفاء لا تحتمل إلا الحركات الثلاث، لامتناع الابتداء بالساكن والعين تحتمل الحركات الثلاث والسكون، ومضروب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر، واللام الأولى تحتمل الحركات الثلاث والسكون، ومضروب الاثنى عشر في الأربعة ثمانية وأربعون، واللام الثانية تحتمل الحركات الثلاث والسكون، ومضروب الثمانية والأربعين في الأربعة مائة واثنان وتسعون٢. إلا أن بعضها ممتنع وبعضها غير مستعمل إلا الأربعة المذكورة.
اعلم أن للثلاثي٣ والرباعي المزيد فيهما أمثلة كثيرة تعرف٤ في باب زيادة الحروف وللخماسي المزيد خمسة أبنية لا أكثر٥،
стр. 214
وهي: عَضْرَفُرط -لذكر العِظاء١ في المجمل٢، وقال ابن جني في غريب تصريف المازني إنه: "العِظاية الضخمة العريضة٣, وخُزَعْبِيل للباطل٤، وقَرْطَبُوس للداهية٥، أو ناقة شديدة أو عظيمة٦، وقَبَعْثَرَى٧ لفصيل مهزول وقيل لجمل ضخم٨, وخَنْدَرِيس٩ للخمر القديمة١٠.
стр. 215
وإنما قال "على الأكثر" لأن أكثر الناس على أن النون أصلية؛ فوزنه فَعْلَلِيل١ وذهب الأقلون إلى أن النون زائدة؛ فوزنه فَنْعَلِيل؛ فعلى هذا يكون رباعيا لا خماسيا. والحق هو الأول؛ لأن الحرف إذا تردد بين أصلي وزائد فالأصل أن يكون أصليا٢.
وقد عورض بأنه إذا ترددت الكلمة بين وزن -إذا فرض الحرف٣ المحتمل للزيادة أصليا- وبين وزن آخر -إذا فرض ذلك الحرف فيه٤ زائدا- ولم يكن مثال ذينك الوزنين٥ "١١" في أبنيتهم كان جعل ذلك الحرف زائدا أولى من جعله أصليا٦.
وأجيب عنه: أما أولا: فبأنا لا نسلم أن جعله زائدا أولى على إطلاقه حينئذ، بل أولى فيما يكون أمثلة المزيد فيه كثيرة كما في الثلاثي والرباعي، لا فيما يكون أمثلة المزيد فيه قليلة، كما في الخماسي٧.