أسمائهم, على ما مر في أمثلة١ الثلاثي.
قوله: "ويقال هذا الرِّدُو، ومن٢ البُطِي".
أي: ويقال في الردء والبطء -عند الوقف عليهما: الرِّدُو ومن البُطِي، ينقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى ما قبله وقلب الهمزة حرفا من جنس حركتها، وإن لم يقل: هذا حِبُرْ، ومن قُفِل بنقل الحركة لوجود التخفيف بالنقل وإبدال الهمزة حرفا من جنس حركتها فيما آخره همزة وعدم التخفيف بالنقل في مثل: هذا حِبُرْ، ومن قُفِل، بل حصول الثقل به.
قوله: "ومنهم من يَفِرُّ فيُتْبِع"٣
أي: و٤ منهم من يفر عن الزنة المستكرهة -أعني: فِعُل وفُعِل، بضم العين وكسر الفاء وبالعكس- إلى نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها وجعل الحركة المنقولة تابعة لحركة ما قبل الساكن من الكسرة و٥الضمة، لقوة كراهة الهمزة الساكنة بعد الساكن فيحصل التخفيف بالنقل والفرار عن الزنة المستكرهة بالاتباع، فيقولون:
стр. 562
هذا الرِّدِيْ، ومررتُ١ بالبُطُوْ، فيتبعون الحركة المنقولة حركة ما قبل الساكن من الكسرة والضمة. وهؤلاء لا ينقلون مع الاتباع في باب حبر وقفل؛ لأن سكون الحرف الموقوف عليه مع سكون ما قبله ليس بمستكره؛ لأنه ليس بثقيل بخلاف ما إذا كان الحرف الموقوف عليه همزة ساكنة، ما قبلها ساكن.
стр. 563
[المقصور والممدود] :
قوله١: "المقصور ما آخره ألف مفردة ... " إلى آخره٢.
الاسم المقصور: اسم [معرب] ٣ آخره ألف مفردة، أي: ليس بعدها همزة، كالعصا والرَّحى والاسم الممدود اسم [معرب] ٤ في آخره ألف بعدها همزة؛ كالكساء والرِّدَاء.
وإنما سُمي المقصور مقصورا؛ لأنه قُصِر منه الإعراب لفظا -أي: مُنع- لأن الألف لا تقبل الحركة أو لأنه لا يمد إلا مقدار ما في ألفه من المد.
وإنما سُمّي المدود ممدودا؛ لأن ألفه تمد، لأجل وقوع الهمزة بعد ألفه.
ولا يُشْكَل تعريف المقصور بمثل: إلى وحَتّى، لأنهما ليسا باسم بل يشكل أما أولا: فيمثل: إذا ومتى، مع أنه لا يسمى مقصورا إلا الاسم المعرب إذا كان في آخره ألف. وأما ثانيا؛ فلأنه لا حاجة إلى تقييد الألف بالمفردة، لأنه ليس في آخر الممدود ألف، بل همزة، فإن التزم بأن الهمزة ألف أيضا دخل في حده الخطأ والفَرَأ٥.
стр. 564
ولا يُشكل تعريف الممدود بمثل جاء وشاء؛ لأنه ليس باسم.
وتسمية الفراء مثل جاء وشاء ممدودا١ إنما هي على مقتضى اللغة لا الاصطلاح. بل٢ يشكل: أما أولا: فلأنه ليس آخر الممدود ألف٣ بعدها همزة بل آخره همزة. وأما ثانيا فلأنه يدخل في تعريفه ما آخره همزة بعد ألف بدل عن أصل، نحو: ماء وراي؛ أصلهما: مَوَهٌ وروى من رَوَيْتُ الحديث؛ قلبت الواو ألفا، وهاء ماء وياء راي همزة، مع أنه لا يسمى ممدودا، نص عليه أبو علي الفارسي٤، ٥ لعروض المد فيه؛ لأن ألفها واو في الأصل. فلو قيل: الممدود ما في آخره همزة بعد ألف زائدة كان أولى٦.
стр. 565
قوله: "والقياسي من المقصور أن يكون ما قبل آخر نظيره من الصحيح ... "١ إلى آخره.
اعلم أن كل واحد من الاسم "٨٩" المقصور والممدود إما قياسي وإما سماعي. فالقياسي ما عرف بقاعدة معلومة من استقراء كلامهم يرجع إليها فيه، والسماعي ما ليس كذلك بل يفتقر معرفة قصر كل كلمة ومدها إلى السماع٢.
فالقياسي من المقصور ما تكون حركة ما قبل آخر نظيره من الصحيح فتحه. والقياسي من الممدود وما يكون ما٣ قبل آخره ألِفاً.
فَالْمُعْتَلُّ اللاَّمِ مِنْ أسْمَاءِ الْمَفَاعِيلِ مِنْ غير الثلاثي المجرد مقصور، نحو: مُعَطيٌ ومُشْتَرَيٌ: قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وكذلك المعتل اللام من أسماء الزمان والمكان والمصدر من الأفعال التي يكون قياس أسماء الزمان والمكان والمصدر منها على وزن مُفْعَل -بضم الميم وفتح العين- أو على وزن مَفْعَل -بفتح
стр. 566
الميم والعين -كمُغْزًى ومُلْهًى، وكمَغْزًى ومَلْهًى يجب أن تكون مقصورة؛ لأن نظائرها من الصحيح على وزن: مَفْعَل ومُفْعَل، نحو مَقْعَد ومُخْرَج.
وكذلك المعتل اللام من المصادر التي من فِعل -بكسر العين- فهو أَفْعَل أو فَعْلان أو فَعِل؛ لأن قياس مصدرها: فَعَل كالعَشَى والصَّدَى والطَّوَى؛ فإن العَشَى من: عَشِي -بالكسر- يَعْشَى عَشًى فهو أَعْشَى -وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار١.
وإنما قلنا: إنه مقصور؛ لأن نظيره: حَوِل يَحْوَل حَوَلا، فهو أَحْوَل. وأصله٢: عَشَي؛ قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
والصَّدَى: العَطَش، من صَدِيَ يَصْدَى صَدًى٣، فهو صَدٍ وصَدْيَان٤. وإنما قلنا إنه مقصور؛ لأن نظيره عَطِشَ يَعْطَشُ عَطَشًا فهو عَطْشان. وأصله: صَدَي؛ قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ونظيره أيضا: فَرِقَ يَفْرَقُ٥ فَرَقًا، فهو فَرِق.
والطَّوَى: الجوع، من: طَوِي -بالكسر- يَطْوَى طَوًى، فهو طيَّان٦.
стр. 567
وإنما قلنا إنه مقصور؛ لأن نظيره: عَطِش -بالكسر- يَعْطَشُ عَطَشا، فهو عَطْشان.
والمصنف جعل في الشرح نظير الطَّوَى الفَرَق -وهو الخوف- وكذا ينبئ١ المتن. وفيه نظر؛ لأن فَرِق وطَوِي ليسا نظرين في اسم الفاعل؛ لأن اسم فاعل طَوِي -بالكسر- طاو وطيَّان، واسم فاعل فَرِق -بالكسر- ليس على وزن فاعل وفَعْلان، بل فَعِل -بكسر العين.
وجعل في شرح المفصل نظير الطَّوَى: عَطِشَ يَعْطَش، فهو عَطْشان٢. ونظير الصَّدَى -من صَدِي يَصْدَى، فهو صَد, الفَرِق من: فَرِق يَفْرَق، فهو فَرِق٣- وهو صحيح ظاهر.
والغَرَاء -بفتح الغين والمد- للذي يُلْزَق به الشيء يكون من السمك،٤ شاذ؛ لأن القياس القصر كما يقول الأصمعي٥؛ لأنه من غَرِي -بالكسر- فهو غَرٍ كصَدِيَ فهو صَدٍ٦.
стр. 568
بالمد نقله سيبويه١ والفراء٢، ٣.
وكذلك جمع فُعْلَة وفِعْلَة إذا كان معتل اللام مقصور، نحو عُرًى جمع عُرْوَة٤ وجِزًى جمع جِزْية؛ لأن نظيرهما قُرْبَة وقُرَب وقِرْبَة وقِرَب.
أصل عُرَّى وجِزًى: عُرَوٌ وجِزَيٌ؛ قلبت الواو والياء ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما.
قوله: "ونحو الإعطاء والرِّماء ... "٥ إلى آخره.
أي: القياس من الممدود، كمصدر: أعطَى ورامَى واشترى واحْبَنْطَى فهو إعطاء ورِماء واشْتِرَاء واحْبِنْطَاء٦.
وإنما قلنا إنها ممدودة؛ لوقوع "٩٠" الألف قبل الأواخر في نظائرهن٧ من الصحاح٨؛ لأن نظير الإعطاء من الصحيح الإكرام،
стр. 569
ونظير١ الرِّماء٢ الطِّلاب، ونظير الاشتراء الافتتاح ونظير الاحبنطاء الاحْرِنْجام.
وأصلها: إعطاي، ورِمَاي واشْتِراي واحْبِنطاي؛ قلبت الياء همزة لوقوعها طرفا قبلها ألف زائدة.
وكأسماء الأصوات المضموم أوائلها كالعُواء -صوت الذئب٣ والثُّغاء -صوت الغنم٤ والرُّغاء٥؛ لأن نظائرها من الصحاح الأصوات: النُّباح، والصُّراخ، والضُّبَاح وهو صوت الثعلب٦.
وحكم الداء٧ حكم الصوت نحو النُّزاء -بالضم- وهو داء يقع في الشاة٨، وهو ممدود؛ لأن نظيره من الصحيح٩ من الداء١٠ القُمَاص وهو داء يقع في الغنم والإبل١١.
стр. 570
وكمفرد١ أَفْعِلَة إذا كان ذلك المفرد معتل اللام فإنه ممدد، نحو: كِسَاء وأَكْسِيَة، وقَبَاء وأَقْبِية؛ لأن نظير كِساء وأَكْسِيَة من الصحيح: حمار وأحمرة، ونظير قَبَاء وأَقْبِيَة قَذَال وأَقْذِلَة، فعلم أن٢ قبل آخرها ألف. أصلها: كِسَاو وقَبَاي؛ قلبت الواو والياء ألفا لوقوعهما طرفا قبلهما ألف زائدة٣.
قوله٤: "وأندية شاذ". جواب عن سؤال [مقدر] ٥. وتقدير السؤال: أنكم قلتم: مفرد أفعلة إذا كان معتل اللام ممدود، وهو منقوص بندًى؛ فإنه مفرد "أَنْدِية" مع أنه معتل اللام ليس بممدود، بل مقصور.
والنَّدَى: المطر، والبلل. ويجمع على: أَنْدَاء وأَنْدِية، لقوله٦:
٢٣-
في ليلة من جُمادى ذات أَنْدِية
لا يبصر الكلب من ظَلْمائها الطُّنُبا٧
стр. 571
وأجاب عنه بأنه شاذ، لا يعوَّل عليه؛ أي: جمع نَدًى على أَنْدِية شاذ، كما أن جمع نَجْد على أَنْجِدَة شاذ١.
قوله٢: "والسَّماعي ... " إلى آخره٣، ٤.
أي: والمقصور السماعي، نحو: الرَّحَى والعَصَا٥، والممدود السماعي، نحو: الخَفَاء والأَبَاء مما ليس له نظير في الصحيح ليحمل عليه فيعلم من نظيره قصره أو مده، وحينئذ لا يعلم قصره ومده إلا بالسماع؛ لعدم الطريق للقياس فيه.
والخَفَاء من خَفِي.
والأَبَاء بفتح أوله: القَصَب، والواحدة أَباءَة، وقيل هو٦ أَجَمَة الحَلْفاء والقصب خاصَّة٧.
стр. 572
المجلد الثاني
تابع النص المحقق
[حروف الزيادة] :
[قوله: "وذو الزيادة: حروفها...." إلى آخره١] .
اعلم أنه قد تقدم كيفية الوزن فيما فيه زيادة. وحروف الزيادة عشرة يجمعها قولك: الْيَوْمَ تَنْسَاهُ، أوْ سَأَلْتُمُونِيهَا٢، أو السِّمان هويتُ٣. وليس المراد بكونها٤ حروف الزيادة أنها لا تقع إلا زوائد، بل إنه لا يزاد حرف لغير الإلحاق وغير التضعيف إلا أن يكون منها.
стр. 573
وإنما قلنا: لغير الإلحاق وغير١ التضعيف؛ لأنه يزاد من٢ غير هذه الحروف للإلحاق، نحو: جَلْبَب وقَرْدَد, وللتضعيف نحو: كَرَّم.
والغرض من الإلحاق أن يجعل مِثَالٍ عَلَى [مِثَالٍ] ٣ أزْيَدَ مِنْهُ لِيُعَامَلَ مُعَامَلَتَهُ؛ فيجعل ذلك الحرف الزائد للإلحاق في المزيد فيه مقابلا للحرف الأصلي في الملحق به؛ فنحو٤ قردد٥ ملحق بجعفر لأنهم يعاملونه معاملته، فيقولون في جمعه: قَرَادِد، كما يقولون: جَعَافِر.
ونحو "مقتل" غير ملحق مع أنه يقال في جمعه: مقاتل؛ لما ثبت من أن زيادة الميم ههنا للإلحاق, وهو الدلالة على المصدر والزمان والمكان "٩١" في المفعل.
وإذا كانت زيادة الميم لمعنى امتنع أن تكون مزيدة للإلحاق؛ لأن الزائد للإلحاق لا يفيد أكثر من جعل مثال على وزن مثال آخر, ومساويا له في الحكم، ولأنه لو كان المفعل ملحقا بجعفر لما أدغم في نحو "مَرَدّ" كما لم يدغم في نحو "قردد" ولما أعل ما عينه واو في نحو "مقام" كما لم يعل في نحو "عِثْوَلّ" لرجل عيي مسترخ ثقيل٦، لكنه أدغم نحو "مرد" وأعل نحو "مقام". ولأنه حرف الإلحاق
стр. 574
لا يكون في أول الكلمة. والزيادة في نحو أفعل وفعّل وفاعل ليست للإلحاق بالرباعي؛ لأنه ثبت أن هذه الزيادات في هذه الأفعال١ لمعنى غير الإلحاق، ولأن مصادرها مخالفة لمصدر الرباعي، ومن شرائط الإلحاق أن يتوافق مصدر الملحق والملحق به، مع أن الألف في أفعل وقعت في أول الكلمة، وحرف الإلحاق لا يكون في أول الكلمة.
وقوله: "كذلك".
أي: ونحو: أفعل وما بعده غير ملحق [به] ٢ وقوله "لذلك" أي: لما ثبت٣ من أن هذه الزيادة لغير الإلحاق.
قوله: "ولا يقع الألف للإلحاق ... "٤ إلى آخره.
اعلم: أن الألف لا تقع للإلحاق في أول الكلمة وهو ظاهر, ولا في وسطها؛ لأنه لو وقع حشوا للإلحاق لزم تحريكها؛ لأنها إن كانت ثانية وجب تحريكها في التصغير، وإن كانت ثالثة وجب تحريكها بعد ياء التصغير، وإن كانت [رابعة كانت آخرا] ٥ في التصغير والجمع؛ لأنها إذا كانت رابعة حشوا، وهي للإلحاق، فلا
стр. 575
تكون إلا للإلحاق بالخماسي, فيجب١ حذف الآخر ليمكن جمعه وتصغيره كما مر، وإذا كان كذلك لم يقع الألف للإلحاق إلا آخرا لإمكان بقائها غير محركة, هذا تقرير ما ذكر المصنف.
وقيل: فيه نظر: أما أولًا: فلأنه يقتضي جواز زيادة الألف للإلحاق حشوا في الأفعال، وطرفا في الأفعال والأسماء, وهو ممنوع؛ لأنه لا خلاف في أن الألف لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة ولا في الأفعال، بل٢ تكون زائدة فيهما أو بدلا من أصل، وكما لا تكون الألف أصلا لا تكون بإزاء أصل، ولا يزاد للإلحاق أصلا لا حشوا ولا طرفا، وإنما يكون بدلا مما زيد للإلحاق طرفا، كما في عَلْقَى لنبت٣ وسَلْقَى؛ فإنها بدل عن ياء وكذلك في اسْلَنْقَى٤.
وأما ثانيًا: فلأنا لا نسلم عدم تحريك الألف، فإن الألف كثيرا ما يعرض لها التحريك في التصغير وغيره, فتقلب واوا أو ياء، نحو: كويتب في كاتب, وكتيب في كتاب, وحينئذ لو صح زيادة الألف للإلحاق لجاز أن يعرض لها التحريك فتقلب واوا أو ياء كما تنقلب الألف التي لغير الإلحاق، ولأنه لما جاز قلب واو الإلحاق ياء
стр. 576
لوقوعها بعد١ ياء التصغير في نحو: قسور وقُسَيّر، جاز قلب الألف للإلحاق ياء أو واوا.
قوله: "ويُعرَف الزائد بالاشتقاق...."٢ إلى آخره.
أي٣: اعلم أن هذا الباب موضوع لمعرفة الحرف الزائد من الحروف الأصلية في الأسماء والأفعال. ويعرف الزائد من الأصلي بالاشتقاق، وهو اشتراك لفظين مختلفي المعنى متفقين في المعنى٤ الأصلي والحروف الأصول، أو رد كلمة إلى كلمة لنوع من الاشتراك بينهما "٩٢" في اللفظ والمعنى، فإذا كان حرف موجودا في المشتق ولم يكن موجودا في المشتق منه، نحو: الألف في ضارب, الذي هو مشتق من الضرب أو ضَرَبَ؛ حكم بزيادة ذلك الحرف.
ويعرف بعدم النظير؛ أي: لو حكم بأصالته لم يوجد له نظير في لغتهم، فيحكم بزيادته على ما يجيء.
ويعرف أيضا بغلبة الزيادة في ذلك الحرف؛ أي: بأن يقع ذلك الحرف زائدا غالبا, كما يجيء.
ويعرف الزائد أيضا بترجيح أسباب معرفة الزائد من الأصلي
стр. 577
عند تعارض أسباب الزائد وأسباب الأصلي، والاشتقاق المحقق مقدم على عدم النظير وغلبة الزيادة وعلى سائر ما يعرف به الزائد من الأصلي في معرفة الزائد من الأصلي, وهو ظاهر.
والاشتقاق المحقق إنما يكون فيما دلالته على المعنى١ المشترك مقطوع بها كعَنْسَل للذئب٢, فإنه يدل على معنى العَسَلان -وهو العَدْو- قطعا.
والاشتقاق غير المحقق إنما يكون فيما دلالته على المعنى المشترك غير مقطوع بها كهَِجْرَع٣ -للطويل٤- عند من يرى زيادة هائه، وأنه مأخوذ من الجرع٥ -وهو ما استوى من الرمل- فإنه يحتمل أن يكونوا سموا الرجل المستوي جَرْعا؛ لأنه مستطيل فيكون بين الهجرع٦ والجرع٧ قدر مشترك، فتكون الهاء فيه
стр. 578
ذزائدة. ويحتمل أن يكونوا سموا الرجل المستوي جرعا لغير معنى الطول؛ فلا يكون بين هجرع وبينه قدر مشترك -وهو الأقرب- فلهذا كان الأخذ بالاشتقاق غير المحقق ضعيفا دون الأخذ بالاشتقاق المحقق.
قوله: "فلذلك حكم بثلاثية عَنْسَل...."١ إلى آخره.
أي: ولأجل أن الاشتقاق المحقق مقدم على ما عداه, حكم بثلاثية عنسل وما بعده إلى قوله: "وتَرْنَمُوت".
اعلم أن العنسل هو الذئب السريع السير، أو الناقة السريعة السير؛ حكم فيه بزيادة النون٢؛ لأنه موافق لعسل -إذا أسرع- في المعنى الأصلي والحروف الأصول, وأن الشَّأْمَل، والشَّمْأَل٣ وهو الريح التي تهب من ناحية القطب, حكم فيه بزيادة الهمزة لاشتقاقها من: شملت الريح٤, إذا هبت من ناحية القطب٥, وأن النّيدل والنَّيْدُلان٦ -وهو الكابوس٧- حكم فيه بزيادة الياء لاشتقاقه من
стр. 579
النَّدْل١, وأن الرَّعْشَن وهو المرتعش٢, حكم فيه بزيادة النون لظهور اشتقاقه من الرعش -بالتحريك- وهو الرِّعْدَة٣, وأن الفرسن -بكسر الفاء والسين وسكون الراء- قال في الصحاح: وهو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة، وربما استعير في الشاة٤.
قال ابن السراج: النون زائدة [فيه] ٥ لأنها من فرست٦.
وأن البَلْغَن -وهو البلاغة- حكم فيه بزيادة النون؛ لاشتقاقه٧ من البلوغ, وأن حُطَائِط -بالضم- وهو الرجل القصير٨ حكم فيه بزيادة الألف والياء؛ لاشتقاقه من: حط, وأن الدلامص -وهو من الدرع البرَّاق٩- حكم فيه بزيادة الميم والألف؛ لاشتقاقه من١٠ دَلَصَت الدرع -بالفتح- إذا برقت١١, والدَّلِيص والدِّلاص: اللين البراق١٢, وأن القُمارِص بمعنى القارص, وهو اللبن الشديد
стр. 580
الحموضة- حكم فيه بزيادة الألف والميم؛ لاشتقاقه من القَرْص١.
وأن الهِرْمَاس -للأسد٢- حكم فيه٣ بزيادة الميم والألف؛ لظهور اشتقاقه من الهَرْس؛ يقال: أسد هَرِس, أي: شديد٤, وأن الذُّرْقُم هو٥ الأزرق٦؛ فالميم زائدة, وأن القِنْعَاس من الإبل عظيم٧ الخَلْق، حكم فيه بزيادة النون والألف؛ لظهور اشتقاقه من القَعَس٨, وأن الفِرْناس -للأسد٩ الغليظ الرقبة١٠- حكم١١ فيه بزيادة الألف والنون؛ لاشتقاقه من "فَرَسَ الفريسة"١٢: دَقّ عنقها, وأن
стр. 581
ترنموت، وهو الترنّم١ -رنم وترنّم: رَجَّع صوته٢- زادوا فيه الواو والتاء بعد حذف إحدى النونين، كما زادوا في مَلَكُوت.
قوله: "وكان أَلَنْدَدُ أَفَنْعَلا...." إلى آخره٣.
عطف على حكم؛ أي: ولذلك كان ألندد -للشديد٤ الخصومة- على وزن أفنعل؛ لأنه من اللَّدَد، فزادوا فيه النون؛ ليلحقوه ببناء سَفَرْجَل، فحكم على الهمزة والنون بالزيادة وإن كان٥ وزنه غريبا لظهور الاشتقاق.
والألندد واليَلَنْدد: شديد الخصومة مثل الأَلَدّ٦.
وكان مَعَدّ؛ وهو أبو العرب -وهو معد بن عدنان- على وزن فَعَلّ؛ لمجيء تَمَعْدَدَ على وزن تفعلل, أي: انتسب إلى معد، أو تزيَّا بزيهم، أو تصبر على عيش معد من الخشونة، فحُكم على الميم بالأصالة وعلى الدال بالزيادة، مع كثرة زيادة الميم٧.
стр. 582
قوله١: "ولم يُعتد بتَمَسْكَنَ...." إلى آخره٢.
جواب عن سؤال مقدر، وتقدير السؤال: أنه لا يجوز أن يكون تمعددوا تفعللوا؛ فإنه جاء "تَمَفْعَل" نحو تمسكن وتمدرع٣ وتمندل؛ مع أنه لم يحكم فيه٤ بأصالة الميم، بل بزيادتها.
وأجاب عنه بأنه لم يعتد بتمسكن وتمدرع وتمندل؛ لقلته وظهور شذوذه٥.
وإنما حكم فيه بزيادة الميم بالاشتقاق؛ لأن تمسكن من السكينة، وتمندل من النَّدْل، وتمدرع من الدرع٦.
قوله: "ومراجل....." إلى آخره٧.
стр. 583
أي: ولذلك حكم بأن "مراجل" -وهو ثياب الوشي- على وزن "فَعَالِل" لا على وزن "مَفَاعِل" وأن الميم فيها أصلية لمجيء: ثوب ممرجل١.
والممرجل: ضرب من ثياب الوَشْي٢، والميم الثانية في ممرجل أصلية؛ لأنها لو كانت زائدة كان وزنه مُمَفْعَلًا، وليس في كلامهم ممفعل، بل وزنه "مفعلل"٣.
وإذا كانت الميم في "ممرجل" أصلية كانت في "مَرَاجل" أصلية، ومن ثمة حكم أن ضهيأ -وهي المرأة التي تشبه الرجل في أنه لا يتدلى ثديها ولا تحيض٤، ٥- على وزن فعلأ٦ لا فَعْيَل٧ لمجيء "ضهياء" على وزن فعلاء.
وإذا كانت الياء أصلية في "ضهياء" كانت أصلية في ضهيأ٨؛ لأنهما بمعنى واحد من باب واحد.
стр. 584
هذا على أنهم يقولون: ضاهيت به١ من المضاهاة، بمعنى المشاكلة -ضهيأ بمعنى ضاهيت٢- والياء في ضاهيت أصلية، وكذلك في ضهيأ.
لا يقال: إنهم قالوا: ضاهأت -بالهمزة- فإن قلنا٣: ضهيأ منه, كان وزنه فَعْيَلا. وجعله من "ضاهيت" ليس أولى من جعله من "ضاهأت" فيتعارضان؛ لأنا نقول: لا نسلم أن جعله من "ضاهيت" ليس أولى من جعله من "ضاهأت"، بل أولى. ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن فَعْلَأ أقرب من فَعْيَل.
والثاني [٩٤] : أن ضاهيت أكثر من ضاهأت.
والثالث: أن ضهيأ متعين أن يكون من "ضاهيت"؛ لوجوب زيادة الهمزة فيه, وضهيأ مثل ضهياء؛ فلهذا حكمنا بأن وزنه فعلأ لا فعيل.
وفَيْنَان وزنه "فَيْعَال" لا فَعْلَان؛ لموافقته فَنَنًا في الاشتقاق وهو الغصن٤.
وكان جرائض فعائلا؛ لمجيء "جِرواض" بمعناه، وهو الضخم٥ العظيم البطن٦. ومعلوم أن أصول جرواض: جيم وراء وضاد، فكذلك أصول جُرائض؛ لكونه بمعناه.
стр. 585
وكان وزن مِعْزى فِعْلى؛ لمجيء مَعَز١ بمعناها٢، وليس في معزى إلا الألف.
وكان وزن سنْبتة فعلتة؛ لمجيء سنب بمعنى سنبتة -وهو برهة من الدهر-٣ وقد جاء سنبت, بزيادة تاء واحدة.
وكان وزن بلهنية فعلنية, من قولهم: عيش أبله. ولا شك أن حروفه الأصلية: باء ولام وهاء؛ فوجب أن يكون النون والياء في بلهنية زائدتين٤.
وكان وزن "عِرَضْنة -بكسر العين وفتح الراء- فِعَلْنة؛ لأنه من الاعتراض٥؛ يقال: ناقة عرضنة، إذا كان من عادتها أن تمشي معترضة للنشاط٦, فالنون زائدة٧.
وكان وزن أول أفعل؛ لمجيء مؤنثه على الأولى وجمع مؤنثه على٨ الأول, وظاهر أنهما الفعلى والفعل، فيكون أول أفعل. والصحيح أنه من وول؛ أي: حروفه الأصول: واو وواو ولام٩. فأصله على هذا
стр. 586
أَوْوَل؛ فأدغمت الواو في الواو فصار أول.
وقال بعضهم: إنه من وأل، أي: حروفه الأصلية: واو وهمزة ولام. فأصله على هذا: أَوْأَل؛ فقلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو والتزم ذلك؛ لكثرته واستثقال الهمزة بعد الواو١.
وقال بعضهم: من أَوَل؛ أي: حروفه الأصول: همزة وواو ولام. فأصله على هذا أَأْوَل؛ قلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو٢, والصحيح الأول؛ لمخالفة غيره القياس.
وقال بعضهم: ليس أول على وزن أفعل, بل على وزن فَوْعَل -من أول٣- فزيدت عليه٤ واو فوعل وأدغمت في الواو التي هي عين, فصار أول٥.
ويدل على بطلانه مجيء الأولى والأول؛ فإنه لا يجيء من فوعل مثل ذلك.
وكان إِنْقَحْل -وهو المسن جدا٦- إنفعلا؛ لأنه من قحل -إذا يبس؛ لأن في المسن يبسا- فحكم فيه بزيادة الهمزة والنون.
стр. 587
وكان وزن أفعوان -وهو ذكر الأفاعي١- أفعلانا؛ لمجيء مؤنثه أفعى؛ ولهذا حكم فيه بزيادة الألف والنون. لا يقال: مجيء أفعى لا يدل على أنه أفعل وأن الهمزة زائدة؛ لجواز أن يكون فَعْلَى، وتكون الألف مزيدة للإلحاق في لغة من صرفه، وللتأنيث في لغة من لم يصرفه.
وكان وزن إضحيات إفعلانا؛ لكونه من الضحى. وفي الصحاح٢: ليلة إضحيانة بالكسر: مضيئة لا غيم فيها. وفي غير الصحاح: يوم إضحيان: لا غيم فيه٣.
وكان حنفقيق -للداهية "٩٥"، وللخفيفة من النساء الجريئة- فَنْعَلِيلا؛ لأنه من خفق؛ فحكم بزيادة النون فيه٤.
وكان عفرنى -للأسد- فَعَلْنى؛ لكونه٥ من العفر وهو التراب؛ زيدت٦ الألف والنون للإلحاق بسفرجل٧.
стр. 588
قوله١: "فإن رجع إلى اشتقاقين [واضحين....."٢ إلى آخره] ٣.
أي: فإن رجع الاسم إلى اشتقاق من شيء وإلى اشتقاق من شيء آخر, ويكون٤ كل واحد من الاشتقاقين واضحا، جاز الأمران؛ أي: جاز أن يكون مشتقا من هذا الشيء, وجاز أن يكون مشتقا من ذلك الشيء؛ نحو: أَرْطى وأَوْلَق؛ فإنه يقال: بعير آرِط: إذا أكل الأَرْطَى٥.
وأديم مَأْرُوط: إذا دُبغ بالآرط -وهو القرط- فإن "آرط" يدل على أن الألف في أرطى زائدة، وأن وزنه فاعل مركب من: همزة وراء وطاء. فأرطى على فعلى٦.
стр. 589
ويقال: بعير راطٍ، وأديم مَرْطِيّ بمعنى: آرط ومأروط.
وراط فاعل؛ مركب من: راء وطاء وياء، مثل: قاضٍ؛ فتكون الهمزة في أرطى زائدة, وأرطى أفعل١.
ويقال: رجل مألوق ومَوْلوق، إذا أخذه الأَوْلق وهو الجنون٢، فإن قلنا: إن الأولق من: أَلِق الرجل فهو مألوق، كان أولق على وزن فَوْعل، والواو فيه زائدة٣؛ لأن تركيب أُلق ومألوق من همزة ولام وقاف.
وإن قلنا: إنه من: وُلق الرجل فهو مولوق, كانت همزة أولق زائدة، وتركيبه من: واو ولام وقاف فيكون أولق على وزن أفعل، فجاز أن يكون أولق أفعل، وجاز أن يكون فوعلا.
وكحسّان، وحمار قبّان؛ [فإن الحسّان جاز أن يكون من الحسّ] ٤ فيكون فعلان غير منصرف, وجاز أن يكون من الحسن فيكون فعَّالا منصرفا. وإن القبان جاز أن يكون من القب٥ فيكون فعلان غير منصرف وأن يكون من "القَبْن"، يقال: قبن في الأرض: ذهب٦, فيكون فَعّالا منصرفا.
стр. 590
و١ ذكر في الصحاح٢: أن قبان في: حمار قَبَّان: دويبة، وهو فَعْلاَن من قَبَّ؛ لأن العرب لا تصرفه، وهو معرفة عندهم٣، ولو كان فعالا لصرفته٤, ٥.
وذكر ابن مالك٦ أن المسموع في "حسان" منع الصرف لا غير٧.
وكلام المصنف يدل على أن في٨ كل واحد منهما الصرف٩ ومنع الصرف؛ إلا أنه قال: ويترجح اشتقاقهما من الحس والقب؛ لكون١٠ فعلان في الأسماء الأعلام أكثر من فعال.
стр. 591
قوله: "وإلا فالترجيح" أي: وإن لم يكن الاشتقاقان واضحين، بل كان أحدهما أوضح وأرجح فالترجيح للاشتقاق الراجح نحو: ملأك، قيل: إنه مَعْفَل؛ لأنهم قالوا في جمعه: ملائكة، وهذا يدل على إرادة الهمزة في واحده, فوجب أن يكون ملأك معفلا، من الألوكة وهي الرسالة، والمُلك فيه معنى الرسالة؛ لأن الملك مرسل, فوجب أن يكون أصله مألكا فقلب؛ أي: نقل الفاء إلى موضع العين, والعين إلى موضع الفاء ليمكن تخفيفه بنقل "حركة الهمزة"١ إلى اللام [بعد حذف الهمزة] ٢، وقيل: ملأك ثم خفف بحذف الهمزة ونقل حركتها "٩٦" إلى اللام فقيل: ملك٣.
وقال ابن كيسان٤: مَلْأَك فَعْأَل, من المُلك؛ لأن المَلَك يملك من الأمور ما لا يملكه الإنسان٥.
وهو بعيد, والأول أولى؛ لأن "فعألا" نادر، و"مفعلا" كثير، وليس في المذهب الأول إلا القلب، وارتكاب القلب لفائدة أسهل من
стр. 592
ارتكاب نظير شمأل؛ لأن القلب -وهو معفل- شائع كثير في كلامهم, ومثل فعأل نادر.
وقال أبو عبيدة١: ملأك مفعل من لأك بمعنى أرسل٢. وقال المصنف: إنه بعيد من حيث المعنى؛ لأن المعنى في الملك أنه رسول لا مُرسِل، فإن كان من لأك كان٣ معناه مرسِلا لا مرسَلا؛ لجواز أن يكون مُفْعِلا من لاك بمعنى موضع الرسالة، أو٤ بمعنى المرسَل عبر٥ عن الموضع أو٦ عن المفعول [بالمُفْعَل] ٧؛ لأن المفعل لا يمتنع وقوعه في موضع اسم المفعول, كما لا يمتنع وقوعه في موضع اسم الفاعل.
والحق أنه إن ثبت أن لأك بمعنى أرسل كان جعل ملأك من لأك أولى؛ لسلامته عن القلب وعن مثال نادر٨.
وقوله: "وكموسَى" أي: وكموسَى الحديد؛ فإنه على وزن
стр. 593
مُفْعَل١، من: أوسيتُ رأسه: إذا حلقته٢.
وقال الكوفيون: إنه على وزن "فُعْلَى" من ماس رأسه يموسه٣: إذا حلقه٤.
والأول هو الحق؛ لأنا لا نسلم مجيء ماس بمعنى حلق، بل [ماس يميس] ٥ بمعنى تبختر٦, ونسبة موسى الحديد إلى الحلق أكثر من نسبتها إلى الميس الذي هو التبختر. سلمنا مجيئه بمعنى حلقه لكنه يجب أن يكون مفعلا لا فعلى؛ لأنه لو كان فعلى لما صرف٧؛ لأن ألف فُعْلى لا يكون إلا للتأنيث لكن موسى صرف [
стр. 594
بكرة, وفعلى لا ينصرف لكل حال] ١ فلا يكون فُعْلَى بل مُفْعَلا، فالميم فيه زائدة لا٢ الألف٣.
فإن قيل: لا نسلم أن ألف فعلى لا يكون إلا للتأنيث؛ فإنه قال بعضهم: دنيًا بالتنوين.
قلنا: إن هذا القول نادر, لا نظير له في كلام العرب.
قوله٤: "وإنسان" أي: وكإنسان.
اختُلف في إنسان؛ فقال٥ بعضهم: إنه فعلان, من الأُنس٦.
وقال بعضهم: إِفْعَان -من نسي٧- لمجيء تصغير إنسان على أُنيسيان، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها؛ فأصل٨ إنسان: إِنْسِيان٩؛ فحذفت الياء على غير قياس، فبقي إنسان على وزن إفعان.
والأول هو الصواب؛ لأن الإنسان موافق لأنس وأنيس في اللفظ
стр. 595
والمعنى, فيكون الألف والنون زائدتين، والإنسان ليس بموافق لنسي لا في اللفظ, ولا في المعنى.
أما عدم موافقته إياه في اللفظ؛ فلأنه ليس في الإنسان ياء، وفي نسي ياء، وهو لامه.
وأما عدم موافقته إياه في المعنى؛ فلأن الإنسان لا دلالة له على نسيان بوجه.
وأما استدلالهم بالتصغير فضعيف١؛ لجواز مجيء التصغير على خلاف القياس، ولأنه لو كان مشتقا منه لكان فيه دلالة عليه [بوجه٢] لكن لا دلالة فيه عليه بوجه.
قوله: "وتَرَبُوت" أي: وكتربوت. يقال: جمل تربوت، وناقة تربوت؛ أي: ذلول٣.
و٤ قال سيبويه: "وزنه فَعَلُوت٥؛ من التراب؛ لأن المذلة تناسب التراب، فحكم بأن تربوتا مشتق من التراب٦, والواو والتاء زائدتان.
стр. 596
اعلم أن هذا الاشتقاق بعيد لا يقوى "٩٧" بمفرده, وإنما يقوى١ ههنا بكثرة زيادة الواو والتاء في آخر مثله، نحو: رَغَبُوت وجبروت ورَحَمُوت ورهبوت٢.
وغير سيبويه يقول: تَرَبُوت فَعَلُول٣.
وقال سيبويه: "سُبْرُوت فُعْلُول"٤، وهو كالمناقض لما ذكر، وهو أن تربوتا الذي هو الذلول٥ جعله فَعَلُوتا, مشتقا من التراب مع ما بينهما من البعد، وسبروت أولى أن تكون فُعْلُوتا من تربوت؛ لأن سبروتا اسم الدليل٦ الحاذق في الطرقات وسَبْرها٧، فهو ظاهر في أنه السبر؛ لأنه موافق إياه في اللفظ والمعنى٨.
стр. 597
وغير سيبويه١ يقول: سُبْرُوت فُعْلُوت٢؛ لما ذكرناه.
وقال سيبويه: تِنْبَالة -وهو الرجل القصير- فِعْلَالة٣, مع ظهور اشتقاقها من النَّبَل, والنبل: الصِّغَار٤.
وإنما لم يقل سيبويه: إنها٥ تِفْعَالة٦؛ لأنه رأى أن تفعالة بعيدة عن الأوزان، وفعلالة كثيرة, والاشتقاق بعيد.
واختلفوا في اشتقاق سُرِّيَّة٧؛ فقال بعضهم٨: "إنها من السر الذي هو الجماع أو الذي يُكتَم؛ لأنها توافق معنى الجِمَاع ومعنى الذي يكتم؛ لأن الغالب في السرية الإسرار عن حُرَّته, وهي فُعْلِيَّة منسوبة إلى السر بمعنى الجماع٩ و١٠ الإخفاء. وإنما ضُمت سينها؛ لأن
стр. 598
الأبنية قد تغير في النسب خاصة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دُهْري، وإلى١ الأرض السهلة: سُهْلي والجمع السَّرَاري؛ فالياءان زائدتان".
وقال بعضهم: وزنها فعلولة, سرورة من السر أيضا؛ أبدلوا من الراء الأخيرة ياء للتضعيف, ثم أدغموا.
وقال بعضهم: إنها من السراة وهي الخيار؛ لأنه لا يجعل الأمة سُرية إلا بعدما اختارها لنفسه ولا يختارها٢ لنفسه إلا إذا كانت سرية, فوزنها عند هؤلاء فُعّيلة؛ فتكون الراء الواحدة زائدة، وكذا الياء الواحدة٣.
وكونها من السر أنسب من كونها من السراة؛ لقوة المعنى واللفظ.
أما قوة المعنى؛ فلما تقدم, وأما قوة اللفظ؛ فلكثرة فُعْلِية وعدم فُعِّيلة.
وقال الأخفش: إنها مشتقة من السرور؛ لأنه يسر٤ بها، فوزنها فعلولة٥، إلا أنهم أبدلوا من الراء الأخيرة ياء لكثرة التضعيف, ثم قلبت الواو ياء وأدغمت [الياء] ٦ في الياء.
стр. 599
واختُلف في مئُونة؛ فقال بعضهم: إنها مشتقة من: مان يمون؛ لموافقتها: مان يمون، لفظا وهو ظاهر, ومعنى لأن معنى مانه قام بمئُونته. ووزنها عندهم فَعُولة؛ أصلها: موونة؛ قلبت الواو الأولى همزة١.
وقال بعضهم: إنها مشتقة من الأون -وهو الثقل-[لاستلزام المئونة الثقل] ٢، فوزنها عندهم مَفْعُلة. وأصلها: مَأْوُنة؛ فنقلت حركة الواو إلى الهمزة على مقتضى القياس, فصار مئونة٣.
وقال الفراء: إنها مشتقة من الأَيْن -وهو التعب- بناءً على أصله, وهو أن الياء إذا وقعت عينا وكان ما قبلها مضموما؛ قلبت الياء واوا ليسلم ضم ما قبلها٤ [و] ٥ لم تبدل الضمة كسرة لتسلم الياء، كما هو مذهب سيبويه. فأصل مئونة على مذهب الفراء: مَأْيُنة على وزن مَفْعُلة؛ فنقلت حركة الياء إلى الهمزة، ثم قلبت الياء واوا لضمة ما قبلها فصار مَئُونة.
والأول هو الوجه؛ لدلالة مئونة على مدلول مان يمون مباشرة, وعدم دلالتها على الثقل والتعب لا مباشرة ولا لزوما، بل "٩٨" اتفاقا؛ لأنه يمونه من غير ثقل ولا تعب في بعض الصور. ولئن سلمنا دلالتها
стр. 600
على الثقل والتعب لزوما، لكن لا نسلم دلالتها عليهما مباشرة.
وأما١ مذهب الفراء فأبعد المذاهب، لأنه إذا وقعت ياء قبلها ضمة كان الأولى، بل الواجب أن تبدل الضمة كسرة ليسلم الياء، كما في أدل جمع دلو. قوله٢: "وما منجنيق....." إلى آخره٣، ٤.
أي: وأما منجنيق٥ فإن اعتد بجنقونا -أي: رمونا بالمنجنيق كان وزنه منفعيلا؛ لأن أصوله حينئذ: الجيم والنون والقاف. والنون الأولى زائدة، لكنه اعتد به؛ لأنه قال السيرافي: أخبرنا ابن دريد عن أبي عبيدة أنه حكى عن بعض العرب أنه قال: "ما زلنا نجنق" وحكم غيره "كنا نجنق مرة ونرشق أخرى"٦. وحكى الفراء "جنقناهم"٧، وإن لم يعتد به؛ لقلة استعماله، ولقول٨ الفراء: إنه