اعلم أن هذا الاشتقاق بعيد لا يقوى "٩٧" بمفرده, وإنما يقوى١ ههنا بكثرة زيادة الواو والتاء في آخر مثله، نحو: رَغَبُوت وجبروت ورَحَمُوت ورهبوت٢.
وغير سيبويه يقول: تَرَبُوت فَعَلُول٣.
وقال سيبويه: "سُبْرُوت فُعْلُول"٤، وهو كالمناقض لما ذكر، وهو أن تربوتا الذي هو الذلول٥ جعله فَعَلُوتا, مشتقا من التراب مع ما بينهما من البعد، وسبروت أولى أن تكون فُعْلُوتا من تربوت؛ لأن سبروتا اسم الدليل٦ الحاذق في الطرقات وسَبْرها٧، فهو ظاهر في أنه السبر؛ لأنه موافق إياه في اللفظ والمعنى٨.
стр. 597
وغير سيبويه١ يقول: سُبْرُوت فُعْلُوت٢؛ لما ذكرناه.
وقال سيبويه: تِنْبَالة -وهو الرجل القصير- فِعْلَالة٣, مع ظهور اشتقاقها من النَّبَل, والنبل: الصِّغَار٤.
وإنما لم يقل سيبويه: إنها٥ تِفْعَالة٦؛ لأنه رأى أن تفعالة بعيدة عن الأوزان، وفعلالة كثيرة, والاشتقاق بعيد.
واختلفوا في اشتقاق سُرِّيَّة٧؛ فقال بعضهم٨: "إنها من السر الذي هو الجماع أو الذي يُكتَم؛ لأنها توافق معنى الجِمَاع ومعنى الذي يكتم؛ لأن الغالب في السرية الإسرار عن حُرَّته, وهي فُعْلِيَّة منسوبة إلى السر بمعنى الجماع٩ و١٠ الإخفاء. وإنما ضُمت سينها؛ لأن
стр. 598
الأبنية قد تغير في النسب خاصة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دُهْري، وإلى١ الأرض السهلة: سُهْلي والجمع السَّرَاري؛ فالياءان زائدتان".
وقال بعضهم: وزنها فعلولة, سرورة من السر أيضا؛ أبدلوا من الراء الأخيرة ياء للتضعيف, ثم أدغموا.
وقال بعضهم: إنها من السراة وهي الخيار؛ لأنه لا يجعل الأمة سُرية إلا بعدما اختارها لنفسه ولا يختارها٢ لنفسه إلا إذا كانت سرية, فوزنها عند هؤلاء فُعّيلة؛ فتكون الراء الواحدة زائدة، وكذا الياء الواحدة٣.
وكونها من السر أنسب من كونها من السراة؛ لقوة المعنى واللفظ.
أما قوة المعنى؛ فلما تقدم, وأما قوة اللفظ؛ فلكثرة فُعْلِية وعدم فُعِّيلة.
وقال الأخفش: إنها مشتقة من السرور؛ لأنه يسر٤ بها، فوزنها فعلولة٥، إلا أنهم أبدلوا من الراء الأخيرة ياء لكثرة التضعيف, ثم قلبت الواو ياء وأدغمت [الياء] ٦ في الياء.
стр. 599
واختُلف في مئُونة؛ فقال بعضهم: إنها مشتقة من: مان يمون؛ لموافقتها: مان يمون، لفظا وهو ظاهر, ومعنى لأن معنى مانه قام بمئُونته. ووزنها عندهم فَعُولة؛ أصلها: موونة؛ قلبت الواو الأولى همزة١.
وقال بعضهم: إنها مشتقة من الأون -وهو الثقل-[لاستلزام المئونة الثقل] ٢، فوزنها عندهم مَفْعُلة. وأصلها: مَأْوُنة؛ فنقلت حركة الواو إلى الهمزة على مقتضى القياس, فصار مئونة٣.
وقال الفراء: إنها مشتقة من الأَيْن -وهو التعب- بناءً على أصله, وهو أن الياء إذا وقعت عينا وكان ما قبلها مضموما؛ قلبت الياء واوا ليسلم ضم ما قبلها٤ [و] ٥ لم تبدل الضمة كسرة لتسلم الياء، كما هو مذهب سيبويه. فأصل مئونة على مذهب الفراء: مَأْيُنة على وزن مَفْعُلة؛ فنقلت حركة الياء إلى الهمزة، ثم قلبت الياء واوا لضمة ما قبلها فصار مَئُونة.
والأول هو الوجه؛ لدلالة مئونة على مدلول مان يمون مباشرة, وعدم دلالتها على الثقل والتعب لا مباشرة ولا لزوما، بل "٩٨" اتفاقا؛ لأنه يمونه من غير ثقل ولا تعب في بعض الصور. ولئن سلمنا دلالتها
стр. 600
على الثقل والتعب لزوما، لكن لا نسلم دلالتها عليهما مباشرة.
وأما١ مذهب الفراء فأبعد المذاهب، لأنه إذا وقعت ياء قبلها ضمة كان الأولى، بل الواجب أن تبدل الضمة كسرة ليسلم الياء، كما في أدل جمع دلو. قوله٢: "وما منجنيق....." إلى آخره٣، ٤.
أي: وأما منجنيق٥ فإن اعتد بجنقونا -أي: رمونا بالمنجنيق كان وزنه منفعيلا؛ لأن أصوله حينئذ: الجيم والنون والقاف. والنون الأولى زائدة، لكنه اعتد به؛ لأنه قال السيرافي: أخبرنا ابن دريد عن أبي عبيدة أنه حكى عن بعض العرب أنه قال: "ما زلنا نجنق" وحكم غيره "كنا نجنق مرة ونرشق أخرى"٦. وحكى الفراء "جنقناهم"٧، وإن لم يعتد به؛ لقلة استعماله، ولقول٨ الفراء: إنه
стр. 601
مُولَّد من لفظ المنجنيق, لا إنه موضوع في لغة العرب؛ فإن اعتد بجمعه على مجانيق كان وزنه فَنْعَليلا، كما هو مذهب سيبويه١؛ لأن النون الأولى حينئذ زائدة؛ لأنها لو كانت أصلية لحذف في الجمع الحرف الأخير أو الياء التي٢ قبل الحرف الأخير -لا النون- فينبغي أن يجمع على مناجيق٣ أو مناجق، فلما قيل: مجانيق، علم أن النون الأولى زائدة. وإن كانت النون الأولى زائدة كانت الميم أصلية؛ لئلا يجتمع زائدتان في أول الاسم الرباعي٤، و٥ لأنه لو لم تكن الميم أصلية كان وزنه مَنْفَعِيلا، وهو معدوم في أبنيتهم وإن لم يعتد بمجانيق؛ فإن اعتُدّ بسلسبيل كما هو عند الأكثرين٦ فإن وزن سلسبيل عند الأكثرين فَعْلَلِيل [وإذا كان وزنه فَعْلَلِيلا، وقد اعتد به جاء في أبنيتهم فعلليل] ٧ فوجب أن يكون وزن منجنيق فَعْلليلا؛ لعدم دلالة الدليل على زيادة٨ ميم "منجنيق" ونونه. وإن لم يعتد بشيء مما ذكرناه, كانت النون الأولى زائدة، فيكون وزنه حينئذ٩ فَنْعَليلا.
стр. 602
والذين لا يعتدون بسلسبيل يقولون: وزن سلسبيل فَعْفَعِيل، وحينئذ لا يحملون منجنيقا على سلسبيل.
و١ لا يقال: كلام المصنف يقتضي أن من يرى أن فَعْلليلا موجود في الكلام لا يحكم على منجنيق بأنه فنعليل, وهو ممنوع؛ لأن سيبويه يرى أن فنعليلا موجود في الكلام مع أن منجنيقا عنده فنعليل؛ لأنا نقول: لا نسلم أن كلام المصنف يقتضي ذلك؛ لأنه قال في الأول: إن اعتد بمجانيق كان وزنه فنعليلا. ثم قال: فإن لم يعتد بمجانيق؛ فإن اعتد بسلسبيل كان وزنه فَعْلَلِيلا وإلا فوزنه فَنْعَلِيل، فجاز أن يكون سيبويه جعله فنعليلا للاعتداد بمجانيق، لا لعدم الاعتداد بسلسبيل.
اعلم أني وجدت نسخة الأصل٢ هكذا: "أما منجنيق, فإن اعتد بجنقونا فمنعليل، وَإلاَّ فإنِ اعْتُدَّ بِسَلْسَبِيلٍ عَلَى الأَكْثَرِ فَفَعْلَليلٌ وإلا ففنعليل".
وعلى هذه الرواية يتوجه الإيراد المذكور، إلا أن شرح المصنف٣ موافق لما ذكرته أولا٤, فلا يتوجه الإيراد٥ المذكور على مقتضى شرحه, وعلى مقتضى الرواية يتوجه.
قوله٦: "ومجانيق يحتمل ثلاثة".
стр. 603
اعلم أن مجانيق على النسختين١ يحتمل ثلاثة أوزان هي: مفاعيل، وفلاليل، وفعاليل؛ لأنا إن قلنا: منجنيق٢ على وزن منفعيل -وذلك عند الاعتداد بجنقونا- كان مجانيق على وزن مفاعيل؛ لكون الميم والنون الأولى زائدتين. وإن قلنا: إنه على وزن فَعْلَليل؛ وذلك عند الاعتداد بسلسبيل، كان مجانيق على فلاليل٣؛ لأن الميم والنون أصليتان حينئذ, والعين محذوفة. وإن قلنا: إنه على وزن فنعليل؛ وذلك "٩٩" عند الاعتداد بمجانيق، كان حينئذ على وزن فعاليل؛ لأن الميم حينئذ أصلية والنون زائدة.
قوله٤: "وَمَنْجَنُونٌ مِثْلُهُ، لمجيء مَنْجَنِينٍ، إلاَّ في مَنْفَعِيلٍ"٥.
أي: ومنجنون -وهو الدولاب التي يستقى٦ عليها٧- مثل منجنيق في٨ أوزانه؛ لمجيء "منجنين" بمعناه، إلا في وزن منفعيل٩؛ لأنه إن اعتد بمجانين فمنجنين على وزن فنعليل لما ذكرناه في منجنيق.
стр. 604
ومنجنون فنعلول، وإن لم يعتد بمجانين لقلته، فإن اعتد بسلسبيل فهو على وزن فعلليل، ولا يجوز أن يكون على وزن منفعيل؛ لعدم الدليل؛ لأنه لم يستعمل جَنَّنونا كما استعمل جَنَّقونا، ولولا وجود "منجنين" كان "منجنون" على وزن فعللول١؛ لمجيء هذا الوزن في كلامهم كعَضْرَفُوط, لذكر العظاء٢، ٣.
اعلم أن من جعل النون الأولى في "منجنون" و"منجنين" أصلية جمعه على "مناجين"٤ [وكذا يجمعه عامة العرب، ومن جعلها زائدة جمعها على مجانين] ٥.
واعلم أيضا أن لو قال: ومنجنين مثله كان أولى؛ لأن صورة "منجنين" مثل صورة "منجنيق" لا صورة "منجنون".
قوله: "وخَنْدَرِيس كمنجنين"٦.
стр. 605
أي: وزن "خندريس" للخمر١ كوزن "منجنين"؛ لأنه إن اعتد بسلسبيل فخندريس على وزن فعلليل، وإن لم يعتد به فهو على وزن فنعليل؛ لأن كل حرف لزم من أصليته بناء ليس في الأصول, ولزم من زيادته أيضا بناء٢ ليس في كلامهم, كان جعله زائدا هو الوجه.
قوله: "فإن فقد....٣ إلى آخره"٤.
أي: فإن فُقد الاشتقاق لمعرفة الوزن, يعرف الزائد بخروج الوزن عن الأصول على تقدير الحرف أصلا.
يعني: إن قٌدِّر الحرف أصلا خرج الوزن عن الأصول, فحكم بزيادة ذلك الحرف كتاء تَتْفُل -بفتح التاء- لولد الثعلب٥؛ فإنه لو حكم بأصالة التاء الأولى لخرج الوزن عن الأصول؛ لأنه على وزن فَعْلُل -بفتح الفاء وضم اللام- وليس في أبنيتهم، فكان "تتفل" على وزن "تَفْعُل".
стр. 606
بزيادة ذلك الحرف كتاء "تتفل" -بفتح التاء- لولد الثعلب١؛ فإنه لو حكم بأصالة التاء الأولى لخرج الوزن عن الأصول؛ لأنه على وزن فعلل -بفتح الفاء وضم اللام- وليس في أبنيتهم، فكان "تتفل" على وزن "تفعل".
فإن قلت: ليس في أبنيتهم تفعل أيضا، فحمله على الزائد دون الأصل ترجيح بغير مرجح.
قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن حمله على الزائد أولى؛ لكثرة الزائد بالنسبة إلى الأصول. على أنا لا نسلم أنه ليس في أبنيتهم "تفعل".
وكتاء "ترتب" -بضم التاء الأولى وفتح [التاء] ٢ الثانية وسكون الراء- فإنه لو حكم بأصالة التاء الأولى لكان على وزن "فُعْلَل" بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام، و٣ هو ليس في أبنيتهم فالتاء الأولى زائدة، وهو على وزن "تُفْعَل".
يقال: أمر ترتب؛ أي: راتب٤.
[ولقائل أن يمنع فقدان الاشتقاق منه؛ لأنه من: رَتَبَ؛ أي: ثبت] ٥.
стр. 607
وكنون "كُنْتَأل" مهموزا وغير مهموز، بضم الكاف -اتفاقا للقصير١- فإنه لو حكم بأصالة النون فيه٢ لكان على وزن "فُعْلَلّ" أو "فُعْلَأْل" وكلاهما ليس في كلامهم؛ فوزنه "فُنْعَلّ" أو "فُنْعَأْل".
وكنون "كَنَهْبُل" -بضم الباء- لنوع من الشجر٣؛ لأنه لو حكم بأصالة النون لكان على وزن "فَعَلّل" -بضم اللام- وهو ليس في أبنيتهم, ولأنه جاء فيه كَهْبَل٤؛ فالنون زائدة؛ فهو على وزن "فَنَعْلُل"٥، بخلاف كَنَهْوَر -للسحاب الأبيض أو العظيم٦- لأنه لو حكم بأصالة نونه لكان على وزن فَعَلّل -بفتح اللام- وهو موجود في أبنيتهم، إلا أن الواو فيه للإلحاق، فوزنه حينئذ فَعَلْوَل٧.
وكنون "خنفساء" بفتح الفاء، و"قُنْفَخْر" بضم القاف٨، وهو عظيم الجثة من الرجال٩ أو الشيء الفائق في١٠ نوعه١١؛ فلو
стр. 608
حكم بأصالة نون "خنفساء" كان وزنه "فُعْلَلاء" بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام، وهو ليس في أبنيتهم، فحكم بزيادتها "١٠٠" فوزنه "فَنْعَلاء" ولو حكم بأصالة نون "قُنْفَخْر" كان وزنه "فُعْلَلّ" بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام، وهو ليس في أبنيتهم فحكم بزيادتها، فوزنه "فُنْعَلّ".
قوله١: "وبخروج زنة أخرى...."٢ إلى آخره٣.
عطف على: فبخروجها، أي: فإن فقد الاشتقاق ولم يخرج بالحكم بأصالة الحرف عن الأصول بتلك الزنة في كلمة, وخرج بالحكم بأصالته بزنة أخرى عن الأصول في تلك الكلمة, حكم بزيادته أيضا في الزنة التي لم تخرج بالحكم بأصالته فيها عن الأصول, لكون إحداهما هي الأخرى في اللفظ والمعنى، كتاء "تُتْفُل" بضم التاء، فإنه لو حُكم بأصالة التاء الأولى لم يخرج حينئذ عن الأصول؛ لمجيء "بُرْثُن"، لكنا نحكم بزيادتها؛ لأنه يجب زيادتها في "تتفل" بفتح التاء الأولى؛ لما ذكرنا، فتجب زيادتها ههنا لأنها هي هي. وكتاء "تُرْتُب" بضم التاء الأولى والثانية؛ فإنه لو حكم بأصالة التاء الأولى فيه لم يخرج عن الأصول؛ لمجيء "برثن". لكن لما كانت التاء الأولى زائدة في ترتب، بضم التاءين؛ لأنه هو اللفظ والمعنى.
стр. 609
وكذا لو حكمنا١ بأصالة نون "كنهبل" -بفتح الباء- لم يخرج عن الأصول لمجيء مثل سفرجل، لكن لما كانت زائدة في "كنهبل" -بضم الباء "لما ذكرناه كانت زائدة في كنهبل -بفتح الباء- لأنه هو في اللفظ والمعنى"٢.
وكذا لو حكمنا بأصالة٣ النون في خُنْفُساء -بضم الفاء- لم يخرج عن الأصول؛ لمجيء قُرْفُصاء بضم الفاء. لكن لما كانت النون زائدة في خنفساء -بفتح الفاء- لما ذكرناه, حكمنا بزيادتها في خنفساء بضم الفاء؛ لأنها هي في اللفظ والمعنى.
وكذا لو حكم بأصالة٤ الهمزة في "ألنجج" وهو العود الذي يتبخر به٥، لم يخرج عن الأصول لمجيء مثل سفرجل، لكن لما ثبت زيادة الهمزة في "ألنجوج" لعدم نظيره في الأصول حكم بزيادة [الهمزة في] ٦ "ألنجج"؛ لاتحادهما في المعنى والأصول. وكذلك اليَلَنْجَج بمعناهما٧.
стр. 610
قوله١: "فإن خرجتا [معا...."٢ إلى آخره٣] .
أي: وإن خرجت الكلمة مع الحكم بأصالة الحرف عن الأصول, وخرجت الكلمة أيضا مع الحكم بزيادة ذلك الحرف عنها, حكم بزيادة الحرف؛ لكثرة أوزان الزوائد وقلة أوزان الأصول كنون "نرجس"؛ فإنه لو حكم بزيادتها كان٤ نرجس على وزن "نفعل"، ولو حكمنا بأصالتها كان على وزن "فعلل" ولا نظير لكل واحد منهما في أبنيتهم. وكنون "حِنْطَأو" -وهو الرجل القصير٥، وقيل: هو العظيم البطن٦- فإنها زائدة؛ لأنه لا نظير له في كلامهم على تقدير أصالة النون؛ لأنه ليس في كلامهم "فِعْلَأْو" ولا "فِعْلَلْو".
وإنما أوردنا٧ المثالين؛ لأنه على تقدير أصالة النون احتمل أن يكون الحرف الذي قبل الواو زائدا, واحتمل أن يكون أصليا ولا نظير له أيضا على تقدير زيادة النون. قيل عليه: لا نسلم أن٨ حنطأوا لا
стр. 611
نظير له١ على تقدير زيادة نونه؛ لأن٢ وزنه حينئذ "فِنْعَلْو"؛ من: حَطَأ به الأرض، إذا ضربها به٣. ونظيره "كِنْثَأْو" -لعظيم اللحية٤- من: كَثَأَت لحيته, أو أوبار الإبل إذا نبتت٥. وقال بعضهم: كِنْتَأْو بالتاء٦.
وعِنْزَهْو٧؛ يقال: رجل عنزهو، وعِزْهَاة، وعِزْهى، وعِزَه للذي لا يحدث النساء ولا يلهو, وفيه غفلة٨.
وسِنْدَأْو٩ -من السدو- مصدر: سدت الإبل في سيرها: مدت أيديها، وسدى الرجل إلى الشيء: مد يده١٠.
ويمكن أن يجاب عنه بأنا لا نسلم تحقق المعنى المشترك بين الحنطأو -بمعنى القصير- وبين حطأ به الأرض, إذا ضربها به "١٠١".
стр. 612
نعم, لو كان مشتقا من حطأ به الأرض، كما ذكر١ صاحب الصحاح٢ توجه ما ذكره ولزم الخلف أيضا٣؛ لأن الكلام فيما فقد فيه الاشتقاق.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه٤ لا نظير لحِنْطَأْو على تقدير أصالة النون، فإن نظيره حينئذ جِرْدَحْل.
وأجيب عنه بأنه حكم بزيادة النون فيه لأمرين:
أحدهما: التزام كون الثاني من هذا النحو حرفا من حروف الزيادة دون ما سواها؛ فإن التزام ذلك أمارة على أنها مزيدة.
والثاني: أن أكثر ما جاء من ذلك قد دل فيه الاشتقاق على زيادة النون مع الواو كما في الأمثلة المذكورة من قبل، أو على زيادة النون مع الهمزة كما في نحو سندأو؛ لأنه من السدو، وما لم يعلم اشتقاقه من ذلك يحمل على ما علم اشتقاقه.
ولقائل أن يقول: لو كان الأمر كما ذكره, لا يعلم زيادة النون في حنطأو بما ذكره.
اعلم أنه ذكر المصنف في الشرح٥ أن نون "كُنابيل" لاسم البلد٦، وبَرْنَاساء زائدة كنون نرجس.
стр. 613
البرناساء والبراساء هو الناس١، ٢.
وكنون "جندب" -لضرب من الجراد٣- عند من لا يثبت جخدبا٤، فإنها زائدة على وزن "فنعل"٥, ومن أثبته فنونه أصلية وهو على وزن "فعلل".
اعلم أنه أُورِد عليه بأن قوله هذا يوهم الاختلاف في قبول روايته فتح الثالث من جُخْدُب، لكن لا خلاف فيه؛ لأنه لم٦ يرد أحد على الأخفش والفراء ما روياه من فتح ثالث جُخْدَب وطُحْلَب وبُرْقَع٧ وجُرْشَع٨، ولكن منهم من اعتد به واستدركه على سيبويه؛ لأنه لم يثبت فُعْلَلا٩.
ومنهم من لم يعتد به؛ لأنه ليس أصلا بل مخففا من فعلل بضم الثالث؛ لأن كل ما سمع فيه الفتح سمع فيه الضم من غير عكس.
стр. 614
وهذا الإيراد ضعيف؛ لأن مراد المصنف من قوله: "من أثبته١" من اعتد به وجعله أصلا، ومن قوله: "من لم يثبته" من لم يعتد به ولم يجعله أصلا.
ولقائل أن يمنع أن جُنْدَبًا فُعْلَل عند من أثبته٢؛ لأن الاشتقاق يدل على زيادة نونه؛ لأن الجندب٣ ضرب من الجراد، فهو من الجدب؛ لأن الأرض تجدب مع الجراد غالبا, وأن يمنع أن جندبا من باب نرجس؛ لأنه لا يلزم من أصالة نوعه عدم النظير؛ لوجود نظيره قطعا، وهو مثل جخدب، إما بالأصالة أو بالفرعية على غيرها, والأقرب الثاني.
قوله٤: "إلا أن تشذ [الزيادة ... "٥ إلى آخره٦] .
أي: فإن خرجت الكلمة بتقدير زيادة الحرف, وبتقدير أصالته عن الأصول إلا أن تشذ تلك٧ الزيادة؛ أي: إلا أن تكون زيادة ذلك
стр. 615
الحرف مستبعدة في ذلك المحل في لغتهم, فيحكم حينئذ بأصالته، كميم مَرْزَنْجُوش١؛ فإنه حكم بأصالة الميم؛ لأنه لم يثبت زيادة الميم في أول الكلمة حال كونها خامسة إذا ابتدئ من آخر الكلمة, وحكم بزيادة النون لتعذر كونها أصلية لعدم "فعللول".
قوله: ونون برناساء, معطوف على: نونها, أي: دون نون مرزنجوش ودون [نون] ٢ برناساء؛ فإنهما زائدتان٣، لما ذكرناه في "مرزنجوش".
وأما "كُنَأْبِيل" فهو "فُعَلِّيل" لمجيء خُزَعْبِيل؛ فلا تكون النون زائدة. وهو منافٍ لما ذكرناه٤ من قبل بسطور في الشرح.
والمصنف لم يتعرض لشرح برناساء وكنأبيل ههنا, وهو٥ غير خالٍ من الخَبْط.
قوله: "فإن لم يخرج فَبِالْغَلَبَةِ، كَالتَّضْعِيفِ فِي مَوْضِعٍ أوْ مَوْضِعَيْنِ مَعَ ثلاثة أصول ... "٦ إلى آخره.
стр. 616
أي: فإن لم يكن اشتقاق ولم تخرج عن الأصول بنفسها ولا بزنة أخرى, حكم بالزيادة بغلبة الزيادة في ذلك المحل "١٠٢" كغلبة١ الزيادة في صورة التضعيف فِي مَوْضِعٍ أوْ مَوْضِعَيْنِ مَعَ ثَلاَثَةِ أُصُولٍ للإلحاق وغير الإلحاق، كقَرْدَد لأرض صلبة٢, ومَرْمَرِيس لرجل داهية٣, وعَصَبْصَب للشديد٤, وهَمَّرِش للعجوز الكبيرة, والناقة الغزيرة اللبن٥، ٦, فإنه حكم بزيادة دال "قردد" وهو مثال ما يكون التضعيف فيه, أي: التكرير في موضع, وحكم بزيادة الميم والراء في "مرمريس" والصاد والباء في "عصبصب"، وهو مثال ما يكون التضعيف فيه في موضعين؛ فإنه كرر الفاء والعين في "مرمريس" والعين واللام في "عصبصب" فوزن "مَرْمَرِيس": فَعْفَعِيل, ووزن "عَصَبْصَب" فَعَلْعَل.
стр. 617
وكذا كرر اللام في علّم والراء في احمرّ واحمارّ، ومثله كثير معلوم بالاشتقاق، فحمل عليه ما لم يعرف له اشتقاق.
واختُلف في "همرش" على قولين:
أحدهما، وهو قول الأكثرين: بتضعيف١ لعينه -أي: تكرير الميم- فالميم الثانية٢ زائدة٣.
والثاني, وهو قول الأخفش٤: ليس بتضعيف عينه؛ بل أصله: هَنْمَرِش؛ فقلبت النون ميما وأدغمت الميم في الميم؛ فلهذا توهم التضعيف وليس بتضعيف، فوزنه فَعْلَلِل٥ كجحمرش, ويؤكد عدم كونه تضعيفا عدم مجيء فَعّلِل. ولعدم مجيء٦ فعلل لم يظهروا النون؛ لأنه حينئذ لا يحصل الالتباس؛ لتعيين كونه فَعْلَلِلًا، فلو التبس وجب الإظهار؛ لئلا يلتبس المثالان، كما فعل في غيره٧.
стр. 618
[تعيين الزائد من حرفي التضعيف] :
قوله: "والزائد في نحو كَرَّم....."١ إلى آخره.
اعلم أنهم اختلفوا في الزائد في التضعيف نحو كرَّم؛ فقال الأكثرون: هو الثاني, وقال الخليل: هو الأول, وجوز سيبويه الأمرين٢.
والصحيح أن يكون الزائد هو الثاني؛ لأنا نعلم بأن الدال في "قردد" إنما٣ جعلت بإزاء الراء في جعفر، والدال التي بإزاء راء جعفر هي الثانية. وإذا كان في "قردد" كذلك كان الزائد هو الثاني في غير قردد؛ لأنه مثله.
стр. 619
[بيان ما يضعف, وما لا يضعف من الأصول] :
قوله١: "ولا تضاعف الفاء [وحدها....."٢ إلى آخره] ٣.
اعلم أنه لا تضاعف فاء الفعل وحدها -أي: من غير تكرير العين مع الفاء- عند البصريين٤, وإذا كان كذلك فنحو: زلزل، وصِيصِية للحصن٥, وقَوْقَيْتُ من: قوقى الديك، قوقأة "وقوقأة وقيقاء"٦: إذا صاح٧، وضَوْضَيت من: ضَوْضَى٨ الرجال ضوضاة وضوضأة: سمعت أصواتهم, رباعي وليس بتكرير لفاء الفعل ولا لعين الفعل٩.
وكذا قَرْقَفٌ للخمر١٠, وحَدْرَدٌ للقصير١١؛ لأنه لم يثبت في لغة العرب تكرير يراد به الزيادة مع وجود الفصل بحرف أصلي مغاير لما زيد
стр. 620
ولا يرد عليه النقض١ بنحو مرمريس؛ لأنه ما زيد الفاء وحدها, بل زيدت الفاء والعين بعد الفاء والعين من غير فصل بينهما, وكذا ما أشبهه، فلما جاء زلزل مع فصل العين بين الزايين٢ وجب أن تكون الزاي الثانية لغير تكرير الفاء؛ لوجود فصل العين من غير تكرير العين بعد؛ لأن اللام الثانية لام الفعل لا عين الفعل، لعدم مجيء لام الفعل بعدها لا لفظا ولا تقديرا، فمن ثم حكم بأن زلزل فَعْلَلَ لا فَعْفَلَ، وكذا حكم ما أشبهه. وبالدليل الذي عرفناه، أن الفاء غير مكررة، يعرف أن العين غير مكررة في الآخر، بوجود الفصل بينهما بحرف أصلي وهو الزاي. فكما أن زلزل ليس وزنه فَعْفَل [كذلك٣] ليس وزنه فَعْلَع.
ونحو وزن "صيصية" فِعْلِلَة لا فِعْفِلَة؛ لأن الصاد الثانية ليست بتكرير الفاء, ولا فِعْلِعَة؛ لأن الياء الثانية ليست بتكرير العين.
قوله٤: "ولا بذي زيادة [لأحد حرفي اللين] ٥" أي: وليس بتكرير الفاء [ولا بتكرير العين] ٦, ولا بذى زيادة لأحد حرفي اللين في مثل صيصية، وقوقيت، وضوضيت، مع أن الياء لا تقع مع
стр. 621
ثلاثة أصول إلا زائدة.
اعلم أنه لا يجوز الحكم بزيادة الياءين لوجوب كون إحداهما أصلية١؛ لامتناع كون الأصل على حرفين، ولا الحكم "١٠٣" بزيادة إحدى الياءين دون الأخرى؛ للزوم التحكم والترجيح بغير مرجح لكونهما متساويين، ولأنه لو جعلت الأولى زائدة صار مثل "صيصية" من باب "يَيَن"، أي: من باب ما يكون فاؤه وعينه من حرف واحد؛ لأن الصاد الأولى فاء والصاد٢ الثانية عين حينئذ, وباب "يَيَن" قليل, واليين٣: اسم مكان٤.
ولو جعلت الياء الثانية زائدة صار من باب سلس، أي: من باب ما يكون فاؤه ولامه من حرف٥ واحد؛ لأن الصاد الأولى فاء والياء الأولى عين والصاد الثانية لام حينئذ، وباب سلس أيضا قليل. ولأجل هذا حكم على "صيصية" بأنها٦ فِعْلِلَة، وعلى قوقيتُ وضوضيتُ بأنهما فَعْلَلْتُ٧ لا فَعْلَيْتُ ولا فَعْلَوْتُ, وأن اللام الثانية واو قلبت ياء لوقوعها رابعة.
стр. 622
قوله١: "وكذلك سلسبيل" أي: وكما أن نحو: زلزل وصيصية رباعي, كذلك نحو٢ سلسبيل -لعين في الجنة٣- خماسي؛ لأنه لا يحكم٤ بتكرير الفاء بعد العين للزيادة لوجود الفصل المذكور، ولا بتكرير العين بعد السين الثانية للفصل المذكور, فوزنه: فَعْلَلِيل لا فَعْفَلِيل ولا فَعْلَلِيع.
قوله٥: "وقال الكوفيون [زلزل...."٦ إلى آخره] ٧.
[أي] ٨: قال الكوفيون: تكرير٩ الفاء وحدها١٠؛ أي: من غير تكرار العين للزيادة؛ فهي١١ مكررة في زلزل وصيصية وقوقيت وضوضيت؛ لأن زلزل بمعنى زَلَّ، وصرصر بمعنى صَرَّ يقال: صرصر أو صر الجندب أو البازي: إذا صَوَّت. وريح صرصر
стр. 623
وصَر أي: باردة١, ودَمْدَم بمعنى: دَمَّ, ودمدمه ودمه: أهلكه, فوجب أن يكون المكرر زائدا كغيره؛ لأن الاشتقاق أوضح الدلائل، كما مر.
وهو ضعيف لما ذكرناه؛ وهو أنه لم يثبت في لغة العرب تكرير يراد به الزيادة مع الفصل بحرف أصلي مغاير لما زيد.
قوله: "وكالهمزة [أولًا مع ثلاثة أصول فقط] "٢، أي: ما كان أوله همزة مع ثلاثة أصول فقط، فتلك الهمزة زائدة وإن لم يدل عليه الاشتقاق؛ لكثرة وقوع الهمزة زائدة [في أول الكلمة مع ثلاثة أصول فقط] ٣؛ فأَفْكَل٤ -وهو الرِّعْدة- أفعل، والمخالف -وهو القائل: إنها أصلية ووزنه فَعْلَل- مخطئ؛ لكثرة وقوع الهمزة زائدة فيما كانت أولًا بعدها ثلاثة أحرف أصول فقط، يدل عليه فيما له اشتقاق كأحمر وأسود وأبيض وأرنب, وفي كون الأرنب مشتقا نظر.
وإن كانت الهمزة أولًا مع أكثر من ثلاثة أصول فهي أصلية٥, إن كان لذلك الاسم الذي فيه هذه الهمزة نظير في الأصول، كإصطبل فإنه فِعْلَلّ؛ لمجيء٦ مثل قِرْطَعْب.
стр. 624
قوله١: "والميم كذلك" أي: و٢ الميم كالهمزة فيما ذكرناه, فإنها إذا وقعت أولا مع ثلاثة أصول فقط نحو مقعد, كانت زائدة؛ لكثرة وقوعها زائدة، وإن كانت أولا مع أكثر من ثلاثة أصول فهي أصلية إن كان لذلك الاسم الذي فيه هذا الميم نظير في الأصول؛ كمَرْزَنْجُوش.
وزيادة الميم في أول الكلمة التي بعد ميمها أربعة أصول مطردة فيما يجري على الفعل؛ أي: فيما يكون مشتقا من الفعل؛ كاسمي الفاعل والمفعول، نحو: مدحرِج ومدحرَج, ومعرفة زيادة الميم حينئذ تكون في باب الاشتقاق.
ومما يعرف زيادته بالغلبة الياء مع ثلاثة أصول فصاعدا، أولا أو غير أول؛ فإنها حينئذ تكون زائدة، إلا في أول الرباعي؛ فإنها تكون أصلية، [نحو] ٣: يَسْتَعْوِر، إلا إذا كان الرباعي جاريا على الفعل "١٠٤" فإنها زائدة حينئذ كـ "يدحرج".
وإنما كانت الياء في "يستعور" أصلية؛ لأنها وقعت أول الرباعي الذي ليس بجار٤ على الفعل؛ فهو على وزن فَعْلَلُول كعَضْرَفُوط٥.
стр. 625
والياء في سُلَحْفِيَة١ -لسُلَحْفاة- زائدة، ووزنها فُعَلِّيَة؛ لأنها مع أربعة أحرف غير أول الرباعي.
ويستعور: ضرب من الشجر، أو بلد تسكنه الجن، أو كساء مخطط، أو الباطل٢.
قوله٣: "والواو والألف [زيدتا...."٤ إلى آخره] ٥.
أي: و٦ مما يعرف زيادته بالغلبة الواو والألف مع ثلاثة أصول فصاعدا، نحو: كَنَهْوَر، وصَلْصَال للطين الحرّ، وجَحْجَبَى لقبيلة٧, وقَمَحْدُوَة٨، إلا إذا كانت الواو في أول الكلمة فإنها
стр. 626
حينئذ١ أصلية كوَرَنْتَل للشر٢؛ ولذلك حكم على "كَنَهْوَر" بأنه فَعَلْوَل، وعلى "صَلْصال" بأنه فَعْلال، وعلى جَحْجبى بأنه فَعْللى, وعلى قَمَحْدُوَة بأنها فَعَلُّوَة٣، وحكم على "ورنتل" بأنه كجَحَنْقَل للغليظ الشفة٤, أي: فَعَنْلَل، فحكم بأصالة الواو وزيادة النون؛ لأنها وقعت أول الكلمة وهي لا تزاد أولا.
وما يعرف زيادته بالغلبة النون بعد الألف آخرا كسكران, أو ثالثة ساكنة٥ نحو٦ "شَرَنْبَت" لجاف غليظ٧, و"عُرُنْد"٨ للوتر الغليظ٩.
واطردت زيادة النون في أول المضارع، نحو: "نفعل"، وفي أول المطاوع١٠ نحو "انفعل".
стр. 627
واطردت زيادة التاء في تفعيل ونحوه١ [كتفعل وتفاعل وتفعال] ٢ [وتفعلل] ٣.
[ومعنى اطراد زيادة التاء في تفعل وتفاعل أنها تكون زائدة في كل ما كان على هذا الوزن, وفي كل ما كان مشتقا منهما٤، كالماضي والمضارع والأمر والنهي واسمي الفاعل والمفعول.
ومعنى "اطراد التاء"٥ في تفعيل وتفعال أنها٦ تكون زائدة في كل ما كان على هذا الوزن, لا٧ فيما كان مشتقا منها.
واطردت زيادة التاء] ٨ في آخره٩ نحو١٠ رغبوت للرغبة١١, ورهبوت للرهبة١٢, ورحموت للرحمة١٣
стр. 628
وجبروت للتجبر, والمُلْك العظيم، وملكوت للتملك١، وخَلَبُوت٢ للخائن الخداع٣.
ومعنى اطراد التاء فيها اطراد زيادتها في هذا البناء بالاستقراء.
واطردت زيادة السين في استفعل. ومعنى اطراد زيادة السين في استفعل أنها زائدة في كل فعل كان وزنه وفيما كان ملتبسا به كالمصدر وأسماء الفاعل والمفعول وغيرها٤.
وشذت زيادتها في "أسطاع"٥. قال سيبويه: أسطاع هو أطاع، زيدت السين تعويضًا عما فات الفعل من التصحيح فصار أسطاع، ومضارعه حينئذ٦ يسطيع٧ بضم الياء٨. ولا اعتداد بالسين عند سيبويه؛ لأنها زائدة عنده٩.
وقال الفراء: الشاذ فتح الهمزة وقطعها في أسطاع، وحذف١٠ التاء؛ لأن أصله: استطاع؛ فحذفت التاء للتخفيف، فبقي اسطاع
стр. 629
بكسر الهمزة على القياس ثم فتحت الهمزة على غير القياس، فمضارعه على هذا: يَسْطيع -بفتح الياء- ولا شذوذ في المضارع بفتح الهمزة؛ لأنه الأصل١.
وقول سيبويه أشد وأقيس؛ لأنه لم يرتكب شذوذا.
قوله٢: "وعدّ سين الكَسْكَسَة...."٣ إلى آخره٤.
أي: وعدهم٥ سين الكسكسة في قولهم: أكرمتُكس، ومررت بكس من حروف الزيادة غلط لوجهين:
أحدهما: أنه لو عد سين الكسكسة من حروف الزيادة لعد شين الكشكشة في قولهم: أكرمتُكش، ومررت بكش من حروف الزيادة
стр. 630
والجامع كون كل واحد منهما حرفا جاء لمعنى. ولا قائل "١٠٥" يقول: شين الكشكشة من حروف الزيادة.
والثاني: أنه لو كان سين الكسكسة١ من حروف الزيادة لكانت الحروف التي جاءت لمعنى من حروف الزيادة, وهو باطل؛ لأنهم يريدون بحروف الزيادة حروفا تزاد لم تكن لمعنى، أي: حروف الهجاء.
وأما اللام فزيادتها قليلة، نحو: زيدل وعبدل، في: زيد وعبد.
ولقلة زيادة اللام حكم بعضهم٢ بأصالتها في فَيْشَلة لرأس الذكر٣, وهيقلة لذكر النعام٤,وطيسل للعدد الكثير٥، وفحجل لمتباعد٦ ما بين الرجلين٧, وقال: إنها فيعلة مع وجود فَيْش بمعنى٨ الفيشلة، ومع وجود هَيْق بمعنى الهيقلة، ووجود
стр. 631
طَيْس١ بمعنى٢ طيسل٣ ووجود أفحج بمعنى فحجل، فيكون الفيش والفيشلة لفظين مختلفين موضوعين لمعنى واحد, ولا يكون أحدهما متفرعا على الآخر، وكذا غيرهما، وليس اللام في: ذلك وهنالك وأولئك هذه اللام؛ لأنها من حروف المعاني، كهاء السكت.
[قوله: "وأما الهاء" أي] ٤: وأما الهاء فالمبرد٥ لا يعدها من حروف الزيادة, ولا يلزم المبرد نقضا، نحو: اخشه، مع زيادة الهاء على اخش٦؛ لأن الهاء في نحو اخشه حرف معنى، وهو الوقف كالتنوين وياء الجر ولام الجر، ولا يلزم من زيادة الهاء إذا كان لمعنى إذ لم تكن لمعنى، وهو أن يكون كحرف الهجاء.
وإنما يلزم المبرد٧ نقضا، نحو: أمهات, ونحو قول الشاعر:
٢٤"
أمهتي خِنْدِف وإلياس أبي٨
стр. 632
لأن الهاء ههنا زائدة لا لمعنى, وأُمّ فُعْل؛ بدليل مجيء الأمومة من غير الهاء؛ فالهاء زائدة.
وأجيب عن هذا الإلزام بجواز أصالة الهاء بدليل تأمهت؛ فيكون وزن "أُمَّهَة" فُعَّلَة كأُبَّهَة، ثم حذفت الهاء فبقي أُمَّت، ثم حذفت التاء فبقي أم؛؛ فوزن أم "فُعّ" واللام محذوفة١.
وأجيب بأن كل واحد من أم وأمهة٢ أصل وليس أحدهما فرعا للآخر٣، نحو: ثرة وثرثارة للغزيرة, قال: عين ثرة وثرثارة٤ أي: غزيرة [الدموع] ٥.
стр. 633
ودَمِث ودِمَثْر للين الخُلُق، أو للمكان السهل١, من قولهم: دمث المكان دمثا فهو دمث دمثر، أي: سهل٢.
ولؤلؤ ولآّل٣ -لبائع اللؤلؤ- فإن لآلا لبائع اللؤلؤ ليس من لؤلؤ الرباعي؛ لأن فَعَّالا للنسبة لا يجيء إلا من الثلاثي، كما هو معلوم من قاعدتهم؛ فاللآل من ثلاثي لم يستعمل ذلك الثلاثي٤.
وإذا كان كل واحد منهما أصلا لا يرد النقض؛ لأن الهاء في أمهات وأمهة لا تكون زائدة.
قوله٥: "ويلزمه نحو٦ أهراق إهراقة"٧ أي: ويلزم المبرد نقضا، نحو: أهراق إهراقة، إذا٨ صب؛ لأن الهاء زائدة ههنا٩، لأن أصله: أراق إراقة، فزِيدت١٠ الهاء.
стр. 634
ولا جواب عنه إلا دعوى الغلط عمن قاله؛ لأنه لما أبدل الهمزة هاء فقيل: هراق، توهم أن الهاء فاء, فأدخلت١ الهمزة على الفاء وأسكنت الهاء٢.
وقال أبو الحسن الأخفش: هجرع٣ -للطويل- وإنه مشتق من الجرع٤، والجرع: اسم للمكان السهل، أو لما استوى من الرمل, فالهاء زائدة في "هجرع"٥.
وهو بعيد٦؛ لعدم المناسبة بين الطويل والمكان السهل، وما استوى من الرمل.
стр. 635
وقال أبو الحسن أيضا: هِبْلَع -للأكول- من البلع١.
وهو الأقرب من القول بأن الهِجْرَع من الجَرَع؛ لوجود المناسبة ههنا وعدم المناسبة ثَمَّت، على أنه خُولف فيهما الأصل مع عدم الحاجة لمجيء "درهم"٢.
[و] ٣ قال الخليل "١٠٦": الهِرْكَوْلة للجارية الضخمة، أو العظيمة الوركين٤, وزنها: هِفْعَوْلة؛ من الركل -وهو الضرب بالرجل الواحدة٥- لأنها تركل في مشيها؛ "لاستلزام الضخمة الركل"٦ عند مشيها.
وهو أيضا بعيد؛ لأنها قد تمشي من غير ركل، ولأنه خلاف الظاهر مع عدم الحاجة إليه لمجيء مثل قِرَطْعَب٧.
فالتاء في "هركولة" للتأنيث، والواو للإلحاق، مثل "البِرْذَوْن والبرذونة" ولهذا خولف الخليل في هذا القول، وحكم بأصالة الهاء في "هركولة٨".