وأما إبدال الهاء من التاء١ ففي الوقف على الأسماء المؤنثة بالتاء، نحو "رحمة"؛ فإنها تقلب هاء٢ في الوقف مطلقا، كما مر في الوقف٣.
стр. 877
[إبدال اللام] :
قوله١: "واللام من النون والضاد ... "٢ إلى آخره٣.
أي: وإبدال٤ اللام من النون لقرب المخرج بينهما، نحو: أُصَيْلَال والأصل: أُصَيْلَان٥, قليل.
وأُصَيْلَان: تصغير أُصْلان [وأُصْلان: جمع الأصيل] ٦ فإن الأصيل يجمع٧ على أُصْلان؛ مثل: بعير وبُعْران، فأبدلت اللام من النون٨.
стр. 878
والأصيل: وقت مقارنة الغروب١.
وإبدال اللام من الضاد٢، نحو: الْطَجع, في٣: اضْطَجع٤ رديء٥.
стр. 879
[إبدال الطاء] :
قوله: "والطاء من التاء لازم ... "١ إلى آخره.
أي: وإبدال الطاء من التاء٢ فيما وقعت فيه تاء الافتعال بعد الضاد٣، لازم، نحو "اصطبر". أصله: اصتبر. وفي "فعلتُ" إذا كانت التاء بعد الصاد أو الضاد أو الطاء، نحو: حُصْطُ، وحُضْطُ، وخَبَطّ في: حصتُ، وحضتُ، وخبطتُ، شاذ, وهو لغة بني تميم٤.
[حصت، من: حاص يحيص حَيْصًا، إذا عدل وحاد٥. وحضت من: حاض الماء] ٦ يحوض حَوْضًا٧. وخبطت من: خبط البعير الأرض بيده، خَبْطًا، إذا ضربها٨.
стр. 880
[إبدال الدال] :
قوله: "والدال من التاء ... "١ إلى آخره٢.
أي: وإبدال الدال من التاء لازم في كل موضع وقعت فيه تاء الافتعال بعد الزاي٣ أو الذال، نحو: ازدجر، وادّكر. في: ازتجر واذتكر من الزجر، والذكر. وسيأتي في باب الإدغام٤.
وشاذ في نحو قولهم: "فُزْد"٥ في: فُزْتُ، وفي "اجدمعوا" في: اجتمعوا، و"اجْدَزَّ" في: اجْتَزَّ، و"دَوْلِج" -لكناس الوحش الذي يلج فيه٦- في: تَوْلِج. والتاء في تولج بدل من الواو؛ لأنه من الولوج٧.
стр. 881
[إبدال الجيم] :
قوله: "وَالْجِيمُ مِنَ الْيَاءِ الْمُشدَّدَةِ...."١ إلى آخره٢.
أي٣: والجيم تبدل من الياء المشددة في الموقف، وهي لغة قوم من بني سعد من تميم٤.
وإنما جاز إبدال الجيم من الياء لاشتراكهما في المخرج؛ لكونهما من وسط, واشتراكهما في الجهر.
وإنما اختص هذا الإبدال بالوقف٥؛ لأن الوقف يزيدها خفاء وهو شاذ، نحو٦: فُقَيْمِجّ، أي: فُقَيْمِيّ٧.
فالجيم أبدلت من الياء المشددة للنسبة في حال الوقف.
стр. 882
وقد أجرى الوصل مجرى الوقف من قال:
"٤٠"
خالي عويف وأبو عَلِجّ ... المطعمان اللحم١ بالعَشِجّ٢
أي: وأبو عليّ، وبالعشيّ.
وهذا الإبدال أشذ؛ لعدم الوقف.
وتبدل أيضا من الياء غير المشددة٣، كقولهم٤:
стр. 883
"٤١"
لاهُمّ إن كنت قبلت حجتِجْ ... فلا يزال شاحج يأتيك بِجْ
أي: حجتي، وبي. وهذا الإبدال أشذ من إبدالها من الياء المشددة لعدم التشديد.
وإبدالها من الياء في قوله:
"٤٢"
حَتَّى إذَا مَا أمسجَتْ وأمسجَا١
"١٥٧"
أي: أمْسَيَتْ، وأمسيا أشذ؛ لأن حق هذه الياء أن تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
اعلم أن صاحب المفصل [لم يتعرض لشذوذ هذا الإبدال٢, وذكر الموفق٣ الأندلسي٤ في شرح المفصل٥] ٦ أن هذا الإبدال حسن بشروط ثلاثة: تشديد الياء، والوقف، والشعر. فإن اختل أحدها٧ فهو قليل٨.
стр. 884
[إبدال الصاد] :
قوله١: "والصاد تبدل من السين٢...." إلى آخره٣.
أي: وتبدل الصاد من السين الذي٤ بعدها غين أو خَاءٌ أَوْ قَافٌ أَوْ طَاءٌ، جَوَازاً، نَحْوُ: أَصْبَغ، وصَلَخ، ومسّ صَقر, وصِرَاط, في: أسبغ, وسلخ، ومس سقر، وسراط٥.
وإنما أبدلوا الصاد من السين بعد هذه الحروف٦؛ لموافقة الصاد هذه الحروف في الاستعلاء، ومنافرة السين حروف الاستعلاء، مع موافقة السين الصاد في المخرج والصفير والهمس٧.
اعلم أن إبدال الزاي من السين قبل القاف في نحو: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ٨ لغة بني كلب٩.
стр. 885
[إبدال الزاي] :
قوله: "والزاي من السين ... "١ إلى آخره٢.
أي: والزاي تبدل من السين٣ والصاد الساكنتين٤ الواقعتين قبل٥ الدال؛ لأن الزاي حرف مجهور٦ كالدال ويوافق الصاد والسين في المخرج والصفير نحو: يَزْدُل، وكقول حاتم٧:"هكذا فَزْدِي أَنَهْ"٨، أي: يَسْدُل، وهكذا فَصْدي أنا٩.
стр. 886
وهذا الإبدال قليل.
قوله: "وقد ضُورع بالصاد والزاي دونها ... "١ إلى آخره٢.
أي: و [قد] ٣ ضُورع بالصاد الساكنة الزاي، ولم يضارع بالزاي الصاد؛ يعني يقولون: "يصدق" بإشمام الصاد الزاي؛ لإمكان ذلك فيها، ولا يقولون: يَزْدُل, بإشمام الزاي٤ الصاد؛ لعدم إمكان ذلك فيها.
وضُورع بالصاد المتحركة أيضا الزاي٥، فيقولون في صَدَرَ، وصَدَفَ: صدر وصدف، بإشمام الصاد الزاي، ولم يقولوا بإشمام الزاي الصاد. ولم يقولوا: زَدَرَ، بإبدال الزاي عن الصاد؛ لقوة الصاد بالحركة.
والمضارعة أكثر من الإبدال, والبيان أكثر من المضارعة والإبدال.
стр. 887
وأما١ أجدر٢، بمضارعة الجيم الشين, وأشدق، بمضارعة الشين الجيم, فقليل٣ يتعسر ذلك في النطق؛ ولهذا لم يأت في القرآن والكلام الفصيح٤.
стр. 888
الإدغام:
قوله: "الإدغام: أن تأتي بحرفين...."١ إلى آخره٢.
اعلم أن الإدغام في اللغة: الإخفاء والإدخال. قال ابن دريد٣: "أدغمت اللجام الفرس، إذا٤ أدخلته في فيه٥"٦.
وفي الاصطلاح: أنْ تَأْتِي بِحَرْفَيْن، سَاكِنٍ فَمُتَحَرِّك، مِنْ مُخْرَجٍ واحد، من غير فصل٧.
وقوله: "ساكن فمتحرك" بمنزلة جنسه، وباقي قيوده كالفصل.
وإنما قال: "فمتحرك" -بالفاء- ولم يقل بالواو؛ ليعلم الترتيب, ولم يقل٨ بثم؛ ليعلم انتفاء المهلة والتراخي.
стр. 889
وقوله: "من مخرج واحد" احتراز به عن مثل فَلْس؛ فإن اللام ساكنة١ والسين متحركة، لكنهما ليسا٢ من مخرج واحد.
وقوله: "من غير فصل" احتراز به عن مثل "رِيْيًا"٣ [فإن٤ الياءين ههنا ساكنا فمتحركا، من مخرج واحد] ٥، لكن فصل بينهما بنقل اللسان؛ فإن الفصل قد يكون بحرف وقد يكون بنقل اللسان من محل إلى محل آخر، ومن محل ثم إلى ذلك المحل، بخلاف النطق بهما دفعة؛ ولهذا يوجد الفرق "١٥٨" بين قولنا: قَدَّ، وقَوَّلَ بالإدغام، وبين قولنا: قَدْدَ وقَوْوَلَ بفك الإدغام، فإنه يتلفظ بالدالين والواوين في الأول برفع اللسان دفعة، وفي الثاني برفعه مرتين.
لا يقال: لا حاجة إليه لأنه يعلم ذلك من الفاء في قوله: "فمتحرك" لأنا نقول: لا نسلم ذلك؛ لأن الفاء تدل على التعقيب عادة، نحو: مررت بمراغة٦ فتِبْرِيز٧. ولا يلزم منه ألا يكون التلفظ بحرفين يفصل بينهما بنَفَس٨ أو غيره.
стр. 890
لا يقال: يشكل بمثل قولنا: قُلْ لزيد، وقُلْ لنا بالإظهار؛ فإن التعريف المذكور ينطبق عليه مع أنه ليس بإدغام.
لأنا نقول: لا نسلّم انطباق التعريف عليه؛ لوجود الفصل فيه بين الحرفين.
[لا يقال: الإدغام واجب في هذه الصور، فلا يجوز الإظهار، فلا يتوجه النقض١؛ لأنا نقول: لا نحتاج توجه هذا النقض على جواز هذا الإظهار؛ فإن الحد المذكور يتوجه عليه٢ هذا الإظهار، مع أنه ليس بإدغام، سواء يجوز هذا الإظهار أو لا يجوز] ٣.
قوله: "ويكون في المثلين٤ ... "٥ إلى آخره٦.
أي: الإدغام٧ قد يكون في المثلين، وقد يكون في المتقاربين لكن بعد أن يصيرا مثلين ليمكن الإدغام, وقد يجيء تعريف المتقاربين.
ثم اعلم أن الإدغام يجب، ويمتنع، ويجوز جوازا مستحسنا وجوازا مستقبحا. ويكون في كلمة و [في] ٨ كلمتين، ويكون بين
стр. 891
متماثلين ومتقاربين١. [لكنه في كلمة أولى منه في كلمتين، وفي مثلين أكثر منه في المتقاربين] ٢، وفي حروف الضم أولى منه في حروف الطرفين, وفيما سكونه لازم أولى منه فيما سكونه غير لازم.
стр. 892
[إدغام المثلين] :
قوله: "فالمثلان واجب ... "١إلى آخره٢.
اعلم أن الإدغام في المثلين واجب٣ عند سكون الأول وتحرك٤ الثاني، نحو: "لم يبرح حَّاتم"، و"لم يذهب بَّكر"، إلا إذا كان الساكن الأول والمتحرك الثاني همزتين، نحو: املأ إجابة؛ فإنه لا يدغم؛ للاستثقال، إلا إذا كانتا في كلمة وبعد الهمزة الثانية ألف،
стр. 893
نحو: سأَّال، والدَّأَّاث -اسم داء١- من: دأث الطعام دَأْثًا: أكله, والشيء: دنسه٢.
وإلا إذا كان المثلان المذكوران ألفين؛ فإنه لا يدغم لتعذر الإدغام.
وإلا في مجهول فاعَل معتل العين، نحو: قُووِلَ؛ لئلا يحصل الالتباس؛ لأنه لو أدغم لقيل: قُوِّل، فلم يعلم٣ أنه مجهول فاعل٤ أو مجهول فَعَّل. وكذا٥ في بُويِعَ.
وإلا في٦ نحو "تُووِي"، من الإيواء، من: آويته: أنزلته وضممته٧. وفي "رِييا"٨، للمنظر الحسن، على المختار، إذا خففت همزته؛ لأن الواو الأولى في "تووي"، والياء الأولى في "رييا" بدل عن٩ الهمزة، فتكون الواو والياء عارضتين١٠،
стр. 894
فلم يلزم الإدغام؛ لأنه ليس مما اجتمع فيه المثلان، لمراعاة الهمزة الأصلية.
ويظهر منه أن المراد بنحو "تووي" أن تكون الواو الأولى١ بدلا من الهمزة.
ومنهم٢ من قرأ: "ورِيَّا" بالإدغام٣. وفيه قولان:
أحدهما٤: أن أصله: "رئيا"، فخففت٥ همزته٦, واعتد فيه بالعارض فأُدغم٧.
والثاني: أنه -فعّل- من: رَوِي؛ لأن للريان نضارة٨ وحسنا٩.
وإلا في نحو: ﴿قَالُوا وَمَا﴾ ١٠, وفي نحو: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ ١١ فإنه لا تدغم واو ﴿قَالُوا﴾ في واو ﴿وَمَا﴾ ، ولا ياء ﴿فِي﴾ ؛ في
стр. 895
ياء ﴿يَوْمٍ﴾ ؛ لأنه لا يجوز حذف المد الذي بين الحرفين؛ لأن هذا المد من صفة الواو والياء "١٥٩" في هذا المحل، ومع بقائه يمتنع الإدغام لوجود الفصل بين الحرفين المدغم أحدهما في الآخر.
ولقائل أن يقول: كان من الواجب على المصنف أن يقول: وفي نحو: ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ﴾ ١؛ فإن هاء السكت لا تدغم٢ لأنه إما٣ موقوف عليه، أو منويّ به الوقف عليه. ثم يقول: وعند تحركهما في كلمة.
قوله: "عند تَحَرُّكِهِمَا فِي كَلِمَةٍ, وَلاَ إِلْحَاقَ٤ وَلاَ لَبْس".
هذا معطوف على: "عند سكون الأول".
أي: الإدغام واجب عند سكون الأول، وعند تحرك المثلين في كلمة واحدة، والحال أن الحرف الثاني لا يكون للإلحاق، وأنه٥ لا يحصل اللبس بالإدغام إلا في نحو: حيي؛ فإن الإدغام فيه جائز لا واجب؛ لأن وجوبه مستلزم٦ وجوب الإدغام في مضارعه وهو يُحيي، مع ضم الياء في المضارع، وهو مرفوض في كلامهم غير جائز.
стр. 896
ولقائل أن يقول: لو جاز الإدغام في حيي لجاز في مضارعه مع ضم الياء فيه, وهو مرفوض.
وإلا في نحو: اقْتَتَلَ، وتَتَنَزَّل، وتَتَبَاعَد؛ فإن الإدغام فيه لا يجب.
وإنما لم يجب الإدغام فيهما؛ لأن الإدغام يؤدي إلى قوة ليس صيغة بصيغة؛ لأنه لو أدغم اقتتل لنقل حركة التاء الأولى إلى القاف، فأدغمت في الثانية، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها حينئذ، وقيل: قتَّل، فهو في قوة الالتباس بقتَّل الذي هو ماضي التقتيل, ولو أدغم: تتنزل، وتتباعد لقيل: اتَّنَزل، واتَّبَاعد؛ لوجوب إسكان التاء الأولى، والإتيان بهمزة الوصل. واتنزل في قوة الالتباس في الكتابة بمضارع: نَزَّل، وتَنَزَّل ماضي: يَتَنَزَّل؛ لاحتمال أن تكون الهمزة فيه همزة الاستفهام.
واتَّباعد في قوة الالتباس في الكتابة بماضيه وهو تباعد؛ لاحتمال أن تكون الهمزة فيه همزة الاستفهام, بل يجوز فيه الإدغام لما في "حَيَّ".
ولقائل أن يقول: جواز الإدغام مستلزم لجواز الإدغام المقتضي للالتباس, فينبغي ألا يجوز.
ويمكن أن يجاب عنه بأن جواز الإدغام لا يقتضي إلا جواز الالتباس، ووجوب الإدغام يقتضي وجوب الالتباس, وهو أقبح.
واعلم أنه لو قال: إلا في نحو: حي، واقتتل، وتتنزل، وتتباعد فإنه جائز، لكان أولى؛ لأن الكل يشترك في جواز الإدغام, أو
стр. 897
عدم وجوب الإدغام.
وإنما قال: "ولا إلحاق ولا لبس" لأنه لو كان إلحاق نحو: قَرْدَد١، واقْعَنسَسَ٢، لم يدغم؛ لما مر من أن الإدغام يقضي إلى عدم المقصود.
ولقائل أن يقول: لا حاجة حينئذ إلى قوله: "وإلا في نحو اقتتل" وما بعده؛ لأن عدم وجوب الإدغام فيه للالتباس.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الالتباس لم يحصل ههنا في اللفظ.
والمراد بقوله: "ولا لبس" هو اللبس لفظا، لما مر.
ولعدم حصول اللبس ههنا لفظا جاز الإدغام، وأيضا -كما مر- جاز الفك.
وإنما قال: "في كلمة"؛ لأنه لو "١٦٠" كان في كلمتين نحو: ضرب بكر، لم يجب الإدغام؛ لأنه لا يلزم٣ أن يلقى أول الكلمة الثانية آخر الكلمة الأولى متماثلين, وفيه نظر٤.
قوله: "وتنقل حركته إن كان قبله ساكن ... "٥ إلى آخره.
стр. 898
أي: في صورة يجب الإدغام عند [اجتماع المثلين المتحركين بنقل١ حركة المثل الأول إلى ما قبله, إن كان ما قبله٢ ساكنا] ٣ غير حرف من حروف اللين، نحو: يَرْدّ, أصله: يَرْدُدُ؛ فإنه تنقل حركة الدال الأولى إلى الراء٤ ليمكن الإدغام، ثم تدغم في الدال الثانية.
وكذا يَعَضّ، ويَجِدّ. أصلهما: يَعْضُض ويَجْدِد، وسكون الحرف الثاني للوقف كحركته في عدم منع الإدغام.
ولو كان قبله متحرك٥، نحو: رد، أو ساكن٦ هو حرف لين، نحو: تُمُودّ الثوب، لم تنقل حركة الحرف الأول إلى ما قبله, بل تُحذف وتُدغم.
قوله: "ومكَّنني ويمكنني...."٧ إلى آخره٨.
هذا جواب عن سؤال مقدر, وتقدير السؤال: أنه اجتمع مثلان متحركان على الوجه الموجب للإدغام، وهما: النونان في
стр. 899
"مَكَّنَنِي"١، ويمكِّنني، والكافان في: ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٢ و ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ٣ مع عدم وجوب الإدغام فيه.
وأجاب عنه بمنع اجتماع المثلين المتحركين على الوجه الموجب للإدغام؛ لكون المثلين ههنا من كلمتين، وإن كانا في الصورة من كلمة واحدة؛ لأن إحدى٤ النونين لام الفعل الماضي، والأخرى ليست٥ منه؛ لأنه مع ياء المتكلم بمنزلة كلمة أخرى, وإحدى٦ الكافين من تتمة الاسم أو الفعل والأخرى٧ من الضمير المخاطب.
ونحن قلنا: يجب الإدغام إذا كانا من كلمة واحدة؛ ولهذا كان الإدغام فيه جائزا لا واجبا.
قوله: "وممتنع [في] ٨ الهمزة...."٩ إلى آخره.
стр. 900
أي: ويمتنع الإدغام في الهمزتين في غير نحو١، ٢: سأّال وجأّار والدأّاث عند الأكثرين٣؛ لزيادة الثقل، والمطلوب من الإدغام التخفيف.
والمراد بـ "سأّال وجأّار" أن يكون بعد الهمزتين ألف نحو فعّال.
وإنما جاز إدغام الهمزتين فيه لوجود الألف بعدهما، والألف مسهلة من٤ أمره، فيحصل تخفيف ما.
والمراد بغير "سأال" ألا يكون بعد الهمزتين ألف.
ويمتنع الإدغام أيضا في الألفين؛ لتعذر الإدغام لتعذر حركتهما, ووجوب حركة المدغم فيه٥.
ويمتنع أيضا عند سكون المماثل الثاني لغير الوقف، سواء كان في كلمة نحو: "ظَلِلْتُ"، أو في كلمتين نحو: "رَسُول الحَسَن"؛ لأنه لو أدغم لوجب تحريك المماثل الثاني، وذلك يمتنع في نحو: ظَلِلْتُ؛ لأنه لا يكون قبل ضمير الفاعل المتحرك إلا ساكن. وكذلك في نحو: "رسول الحسن"؛ لأنه لا يحرك لام التعريف للإدغام.
стр. 901
وأما بنو تميم فيدغمون فيما وقع السكون في ثاني المثلين عارضًا، ولم يعتدوا بالسكون العارض، نحو: رُدَّ، ولم يَرُدَّ١, فإن "١٦١" أصل "رُدَّ": ارْدُدْ، وأصل "لم يَرُدّ": لم يَرْدُدْ٢.
فسكون الثاني عارض في "لم يرد" للجزم, وفي "اردد" للجزم٣ عند الكوفيين، أو لأن حكمه٤ حكم المجزوم عند البصريين٥.
لا يقال: سكون اللام في "ظللت" عارض، فينبغي أن يجوز فيه الإدغام عند بني تميم، كما جاز في: رُدّ، ولم يَرُدّ.
فإن قلت: يزول السكون في "لم يرد" بزوال الجازم, قلنا: يزول السكون في "ظللت" بزوال ضمير الفاعل المتحرك، فهما
стр. 902
متشاركان١ في امتناع زوال السكون مع وجود الجازم والفاعل المذكور, وجواز زوال السكون مع زوال الجازم وزوال الفاعل المذكور؛ لأنا نقول: الفرق بينهما أن التاء في "ظللت" كالجزء من الكلمة، والجازم كلمة مستقلة. فالسكون في "ظللت" كاللازم، وفي نحو٢: "لم يرد" عارض؛ ولهذا لم يدغم أحد في "ظللت" إلا في شذوذ رديء.
ويمكن أن يقال: لم يدغم في "رد"، و"لم يرد" إلا بعد أن٣ أسكن المثل الأول، ثم حرك الثاني٤ لالتقاء الساكنين.
وهو الجواب فيما نقل عن بكر بن وائل٥ من "مرت" و"ردت" في: مررن ورددن, ولاحتمال أنهم قدروا [انفصال ضمير] ٦ الفاعل [فأدغموه ثم ألحقوا به, أو٧ لأنهم أجروا ضمير الفاعل مثل الفاعل] ٨ مظهرا، نحو: رد زيد.
стр. 903
قوله: "وعند الإلحاق واللبس ... "١ إلى آخره.
أي: ويمتنع٢ الإدغام عند الإلحاق، كقَرْدَد، [وجَلْبَب؛ فإنه ألحق: قردد بجعفر، بزيادة الدال] ٣, وجلبب بدحرج؛ بزيادة الباء, فلو أدغم لبطل هذا الغرض؛ ولذلك لا يدغم قَرَادِد.
ويمتنع الإدغام عند لبس زنة بزنة أخرى، نحو "سُرُر" بضمتين جمع سرير، و"سُرَر" -بضم الفاء وفتح العين- جمع سُرَّة؛ لأنه لو أدغم "سُرُر" جمع سرير مثلا, لالتبس فُعُل بفُعْل, ساكن العين.
ولا يقال: الالتباس حاصل في "رَدَّ"؛ لأنه لا يعلم أنه فَعَل أو فَعُل؛ لأنا نقول: يزول٤ الالتباس عند الفك، نحو: رددتُ, ونحو: ظللتُ٥؛ فإنه لا يدغم؛ لأنه لو أدغم لالتبس بفِعْل كالظِّلّ.
ويعلم من قوله: "وعند الإلحاق واللبس" وشرحه كميةُ الاحترازات في قوله: "وَعِنْدَ تَحَرُّكِهِمَا٦ فِي كَلِمَةٍ, وَلاَ إِلْحَاقَ وَلاَ لبس".
стр. 904
واعلم أنه لو قال: "ولا عروض لحركة الثاني" لكان أولى؛ لأنها إذا كانت عارضة لا يجب الإدغام، نحو: ارْدُدِ القوم.
واعلم أيضا أنه يمتنع الإدغام فيما شذ فكه، نحو: قَطِط الشعر: اشتدت جعودته١, ودَبِبت المرأة: نبت الشعر على جبينها٢, ولححت العين ولخخت: التصقت٣, وصَكِك٤ الفرس: صك أحد عرقوبيه الآخر٥، ٦.
واعلم أيضا أنه يجوز فك الإدغام للضرورة فيما يجب إدغامه، كقوله:
"٤٣"
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضَنِنُوا٧، ٨
стр. 905
قوله: "وعند ساكن صحيح قبلهما"١.
أي: يمتنع الإدغام إذا وقع قبل المثلين ساكن صحيح من كلمتين نحو: قَرْمُ مَالك, بالراء.
والقرم: السيد٢، وهو في الأصل اسم للفحل من "١٦٢" الإبل٣.
لأنه لو أدغم، فإذا سكن الميم الأول، فإن لم تنقل حركته إلى القاف وأدغم٤ لزم التقاء الساكنين في آخر الكلمة، وذلك لا يجوز إلا عند الوقف، ومع الإدغام لا يكون الوقف و٥ إن نقل حركته٦ إلى القاف٧ تغير بناء الكلمة.
وكذا٨ في نحو٩: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ ١٠، وأَنْتَ تُكْرِهُ، و ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ١١.
стр. 906
اعلم أن المراد بالصحيح في قوله: "ساكن صحيح" حرف المد، وحينئذ لا يدغم في: دَلْو وَالد١، وظَبْي يَاسر، وقرمِ مَالك لما ذكرناه.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز الإدغام في نحو: عدوّ وَليد، ووليّ يَزيد لوجود المدة قبلهما مع أنه لا يدغم أيضا؛ لأن الواو الأولى من عدو والياء الأولى من ولي بمنزلة الواو٢ من دلو والياء من ظبي؛ فإذا سكن الحرف الثاني للإدغام، فإما أن تنقل حركة الواو إلى الواو الأولى وحركة الياء الأولى أو لا تنقل، فإن نقل تغير بناء الكلمة، وإن لم ينقل لزم التقاء الساكنين في آخر الكلمة، وهو لا يجوز إلا للوقوف.
قلنا: لا نسلم وجود المدة ههنا؛ لأنه لم تبق المدة عند الإدغام؛ لأنها تذهب بالإدغام، فصارت الواو والياء بمنزلة غيرهما من الحروف التي لا تكون للمدة.
وقد أورد ههنا سؤالا، تقديره: إن النحاة قالوا: لا يجوز الإدغام في المثلين٣ المتحركين في كلمتين إذا كان قبل الأول ساكن غير مدة، والقراء أطبقوا على جواز الإدغام في مثله, والجمع بين قولهما متعذر٤؟
стр. 907
وأجاب عنه الشاطبي١ في قصيدته٢ بأنه يمكن الجمع بينهما, وذلك بأن يحمل قول النحاة على الإدغام المحض الصريح٣، وقول القراء على الإخفاء الذي هو قريب من الإدغام. فعلى هذا لا يلزم التناقض٤.
وقال المصنف في شرح المفصل٥: "هذا الجواب، وإن كان جيدا على ظاهره، إلا أنه لم يثبت أن القراء امتنعوا من الإدغام الصريح، بل ثبت أنهم أدغموا الإدغام الصريح".
وهذا المجيب -وهو الشاطبي- يقرأ به في نحو: ﴿الْعِلْمِ مَا لَكَ﴾ ٦.
وقال المصنف: "والأولى أن يمنع إجماع النحاة [حينئذ] ٧ على امتناع الإدغام؛ لأن من٨ القراء جماعة من النحاة، وهم يقولون بالإدغام الصريح, فلا يكون إجماع النحاة حينئذ٩ حجة؛ لأنه ليس
стр. 908
إجماعهم إجماعا لجميع النحويين مع مخالفة القراء. ولئن سلمنا أنه ليس في القراء نحاة، إلا أن القراء ناقلون لهذه اللغة، فهم مشاركون للنحاة في نقل اللغة, فلا يكون إجماع النحاة وحدهم حجة.
وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلون القرآن عمن ثبتت عصمته من الغلط في مثله؛ لأن ما نقله القراء من القراءات تواتر، وما نقله النحاة آحاد, فقولهم أرجح.
ولئن سلمنا أنه ليس تواترا، لكن القراء أكثر وأعدل، فكان الرجوع إلى قولهم١ أولى"٢.
стр. 909
[الإدغام الجائز] :
قوله: "وجائز فيما سوى ذلك".
اعلم أنك إذا عرفت أن الإدغام [في أي موضع واجب] ١ وأنه في أي موضع ممتنع, فاعلم أن الإدغام فيما سواهما٢ جائز "١٦٣".
وفيه نظر؛ لأن المثلين المتحركين إذا كان أولهما كلمة يصح الابتداء به نحو: جادَ بِبَدره، غير القسمين المذكورين، مع أن الإدغام فيه ممتنع، لا يقول أحد بجوازه، بخلاف المثلين اللذين أولهما كلمة لا يصح الابتداء به، نحو: اخشَوْا وَاقدا، واخشَيْ يَاسرا, فإن إدغامه جائز؛ لأنه بمنزلة جزء كلمة, فصحّ فيه الإدغام.
стр. 910
[إدغام المتقاربين] :
قوله: "المتقاربان ... "١ إلى آخره٢.
المتقاربان: حرفان متقاربان في المخرج وفي صفة تقوم مقام تقاربهما في المخرج، على ما يجيء٣.
فإذا كان الإدغام يقع في المتقاربين كما يقع في المتماثلين, فلا بد من ذكر مخارج الحروف لتتميز الحروف المتقاربة المخرج من الحروف المتباعدة المخرج.
стр. 911
[مخارج الحروف الأصلية] :
ومخارج الحروف ستة عشر تقريبا١.
وإنما قلنا: "تقريبا" لأن مخارجها بالتحقيق أكثر من ذلك؛ لأن لكل واحد من الحروف مخرجا بالتحقيق٢.
الأول: مخرج الهمزة والهاء والألف، على الترتيب٣ وهو أقصى الحنك.
стр. 912
والثاني: مخرج العين والحاء، وهو وسط الحلق.
والثالث: مخرج العين والخاء، وهو أدنى الحلق, وتسمى هذه الحروف حروف الحلق.
والرابع١: مخرج القاف، وهو أقصى اللسان وما فوقه من الحنك [الأعلى] ٢.
والخامس٣: مخرج الكاف، وهو ما يلي مخرج القاف من اللسان والحنك. ويعرف ذلك بأن تقف على القاف والكاف نحو: ثوبك؛ فإنك تجد القاف أدخل إلى الحلق.
والسادس٤: مخرج الجيم والشين والياء, وهو وسط اللسان وما يحاذيه من وسط الحنك الأعلى, وهي مترتبة في النطق على الوجه الذي ذكرناه.
والسابع: مخرج الضاد، وهو أول أحد طرفي اللسان وما يليه من الأضراس, والأكثر على إخراجها من الجانب الأيسر. وقد يتيسر لبعض من الجانب الأيمن, وقد يستوي الجانبان عند بعض.
والثامن: مخرج اللام، وهو ما دون أول طرف اللسان إلى
стр. 913
منتهى طرفه وما يحاذي ذلك من أدنى الحنك الأعلى فُوَيْق الثنية.
فأُخِّرت عن الضاد؛ لأن مخرجها يشترك فيه طرف اللسان١ إلى منتهاه, والضاد لا تصل٢ إلى منتهاه.
والتاسع٣: مخرج الراء.
والعاشر: مخرج النون٤.
وأشار إلى تعريفهما بقوله: وَلِلرَّاءِ مِنْهُمَا مَا يَلِيهِمَا، وَلِلنُّونِ مِنْهُمَا مَا يليهما٥.
والظاهر أن ضمير المثنى يعود إلى ما دون أول٦ طرف اللسان وما يحاذيه من أدنى الحنك الأعلى، أي: وللراء والنون [منهما] ٧ ما يلي٨ ما دون أول طرف اللسان وما يحاذيه, ولم يظهر من بين مخرجيهما فرق على ما ذكر.
стр. 914
[لكن ذكر] ١ في المفصل: وللنون ما بين طرفي٢ اللسان وفويق الثنايا، وللراء ما هو داخل في ظهر اللسان قليلا من مخرج النون٣, والنون أخرج من مخرج اللام قليلا, والراء أدخل في ظهر٤ اللسان قليلا٥ من مخرج النون٦.
والحادي عشر: مخرج الطاء والدال والتاء، وهو ما بين طرفي اللسان وأصول الثنايا. وقيل: أو بعد أصول الثنايا قليلا.
والثاني عشر: مخرج الصاد والزاي "١٦٤" والسين، وهو ما بين طرف اللسان والثنايا.
والثالث عشر٧: مخرج الظاء والذال والثاء، وهو ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا.
стр. 915
والرابع عشر: مخرج الفاء، وهو باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا.
المراد بالثنايا في جميع هذه المواضع هو ثنيتان١, وعبروا عنهما بالجمع؛ لأنه أخف نطقا٢، مع أنه لا لبس٣.
والخامس عشر: مخرج الباء والميم٤ والواو، وهو ما بين الشفتين.
اعلم أن المصنف وصاحب المفصل ذكرا أن المخارج ستة عشر٥ تقريبا, ولم يعدا إلا خمسة عشر٦.
لا يقال: السادس عشر هو النون الخفية٧، ويقال: الخفيفة، نحو: عنك؛ لأنهما٨ يذكرانها في المتفرع على الحروف الأصلية.
والمراد بالمخارج المذكورة مخارج الحروف الأصلية، وإلا زادت على ستة عشر، على أنهما ذكرا الحروف التسعة والعشرين في المخارج الخمسة عشر المذكورة، فلم يبق شيء حتى يكون له مخرج