وقد جاء إدغام الراء في اللام١ مع أن الراء من حروف "ضوي مشفر" [واللام ليست كذلك، نحو: "اغفر لّي"٢, وإدغام الفاء في الباء نحو: "يخسف بّهم"٣ في قراءة الكسائي٤، مع أن الفاء من حروف "ضوي مشفر"، والياء ليست كذلك] ٥.
والنحويون ينكرون ذلك٦.
قوله: "ولا تدغم حروف الصفير في غيرها".
стр. 947
وإنما لم تدغم١؛ لفوات الصفير منها٢.
ولا الحروف الْمُطْبَقَةُ فِي غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ إِطْبَاقٍ، عَلَى الأفصح، كإدغام الطاء في التاء نحو قولك: أحبطت, و [قوله تعالى] ٣: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ٤.
ويعلم من قوله: "من غير إطباق" أنه تدغم الحروف المطبقة في غيرها مع تبقية الإطباق، كقراءة أبي عمرو: "فرطتُّ في جنب الله" وفيه نظر٥ سيأتي.
ولا يدغم حرف حلق في حرف٦ حلق آخر أدخل منه؛ لأنه يؤدي إلى إدغام الأسهل في الأثقل، إلا الحاء في العين والهاء؛ فإنها تدغم في العين، مع أنها أدخل في الحلق منها؛ لشدة تقاربهما في المخرج, وتدغم في الهاء؛ لأنها مثلها في الهمس والانخفاض، لكن لا تدغم الحاء فيها على ما عهد في إدغام المتقاربين من قلب الأول والثاني، بل على العكس من ذلك؛ لأن التقاء الحاءين أخف٧ عليهم من التقاء العينين أو الهاءين.
стр. 948
وأشار إليه بقوله: "ومن ثم١ قالوا فيهما: اذبَحَّتُودًا".
أي: ومن أجل أنه لا يدغم حروف حلق [في حرف٢] ٣ حلق آخر أدخل منه، لم يقولوا في: اذبحْ عَتُودًا، واذبح هذه: اذبَعَّتودا ولا: اذبَهَّذه, بقلب [الحاء عينا أو هاء، بل قالوا: اذبَحَّتودُا واذبَحَّذه بقلب العين] ٤ والهاء حاء.
وقد خُولف هذا الاستعمال في قراءة أبي عمرو٥: "فمن زحزح عَّن النار"٦ -بقلب الحاء عينا- فرارًا من الأمثال، يعني٧ الحاءين؛ ولذلك [لم يقرأ به في] ٨ مثل: ﴿ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ٩.
стр. 949
[إدغام حروف الحلق] :
قوله: "فالهاء في الحاء والعين...." إلى آخره١.
هذا شروع في ذكر الحروف على التفصيل، وفي بيان ما يدغم فيه كل حرف من مقاربه, أو ما٢ يتنزّل منزلته٣.
فالهاء تدغم في الحاء نحو: اجْبَحَّاتمًا؛ أي: اجْبَه حاتمًا.
والعين تدغم في الحاء، نحو: ادفَحَّاتمَا "١٧٢" في: ادفَعْ حاتمًا.
فالحاء تدغم في العين والهاء بقلبهما حاء، كما تقدم.
وقد جاء إدغام الحاء في العين -بقلب الحاء عينا- في قراءة أبي عمرو: "فمن زُحْزِعَ عن النار"٤ لشدة التقارب بين الحاء والعين.
والعين تدغم في الخاء، نحو: ادفع خَّالدا، في: ادفعْ خَالدًا.
[والخاء تدغم في الغين] ٥ نحو "اسلُخ غَّنمك" في "اسلخ غنمك"؛ فقلب الخاء غينا، وإن كان الغين أدخل٦ في الحلق من٧ الخاء؛ لشدة تقاربهما.
стр. 950
والقاف تدغم في الكاف، مثل: "خَلَقكُّمْ"١.
والكاف تدغم في القاف، نحو: "لَك قَّالَ"٢.
والجيم تدغم في الشين، نحو: أخرج شَّيئًا.
стр. 951
[إدغام لام التعريف] :
ولام التعريف تدغم وجوبًا في اللام١، نحو: اللَّحم واللَّبن، وفي ثلاثة عشر حرفا٢، وهي: التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء٣, والنون٤؛ فإنه يجب إدغامها مع هذه الحروف لكثرة دورها في الكلام وموافقتها لهذه الحروف في المخرج؛ لأن اللام من طرف اللسان, [وأحد عشر حرفا منها أيضا من طرف اللسان] ٥, [وحرفين منها مخالطان لطرف اللسان، وهما الشين والصاد] ٦.
стр. 952
وأما اللام التي هي غير لام التعريف، نحو لام: هَلْ وبَلْ، فإدغامها لازم في١ نحو: "بل رَّانَ"٢ لشدة التقارب بين اللام والراء٣.
وران على الشيء، رَيْنًا، ورَانًا، ورُيُونًا: أحاط به٤.
وجائز في القوافي٥.
وقال صاحب المفصل: "إدغام اللام التي لغير التعريف في هذه الحروف جائز, لكن يتفاوت جوازا إلى حسن٦، وهو إدغامها في الراء، نحو: هل رَّأيت, وإلى قبيح؛ وهو إدغامها في النون، نحو: هل نخرج, وإلى وسط، وهو إدغامها في البواقي. وقرئ: "هَثّوّبَ الكفار"٧، أي٨: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ .
стр. 953
واعلم أن كلام سيبويه يدل على ما ذكره صاحب المفصل؛ لأن سيبويه بعدما ذكر إدغام لام التعريف في الحروف الثلاثة عشر قال: "فإذا كانت غير لام "هل" و"بل" كان الإدغام في بعضها أحسن...."١ إلى آخر ما ذكره٢, ولم يذكر أن إدغامها في شيء منها لازم.
ولا يدغم في اللام غير المعرفة إلا مثلها والنون، نحو: من لك.
ولا تدغم الراء في اللام، في الأفصح؛ لما فيها من التكرير.
والمجوز اغتفر ذهاب التكرير لشدة٣ التقارب.
وقال صاحب المفصل: وإدغام الراء في اللام حسن٤.
стр. 954
[إدغام النون] :
وللنون الساكنة مع الحروف خمس أحوال١:
إحداها: وجوب إدغامها في حروف "يَرْمُلُونَ" مع بقاء الغنة٢.
والثانية: وجوب إدغامها [فيها مع ذهاب الغنة.
لكن الأفصح بقاء الغنة مع إدغامها في الواو والياء٣, مع أنه جاء ذهاب الغنة مع إدغامها] ٤ فيهما في قراءة حمزة. والأفصح ذهاب الغنة مع إدغامها في اللام والراء٥, وبقاء الغنة فيهما رديء.
والثالثة: أن تقلب النون ميمًا قبل الباء؛ لكراهة٦ نبرتها نحو: شمباء وعمبر, في: شنباء، وعنبر٧.
стр. 955
والرابعة: أن تخفى النون مع غير حروف الحلق، وهي خمسة عشر حرفا "١٧٣" وهي: القاف والكاف والجيم والسين والشين والصاد والضاد والزاي والطاء والظاء والدال والذال والتاء والثاء والفاء نحو: من جابر، ومن كفر، ومن قتل.
وإنما أخفيت عند هذه الحروف؛ لأنها حروف١ الفم فصارت هذه الحروف ملابسة٢ بالاشتراك في الفم، والنون تدغم في بعض حروف الفم, والمقصود من الإخفاء والإدغام واحد وهو الخِفَّة٣.
وقال أبو عثمان المازني: بيانها مع حروف الفم لَحْن٤.
والخامسة: أن تبين مع حروف الحلق٥، نحو: مِنْ أَجلك، ومنْ هَانئ، ومنْ عِندك، ومن جملك، ومن غيرك، ومن خافك٦،
стр. 956
إلا في لغة قوم أخفوها١ مع الغين والخاء، فقالوا: مُنْخَل، ومُنْغَل اسم فعل٢ من: نَغِل الأديم، إذا فسد٣؛ لأن النون سهلة الإخراج لا يحتاج معها إلى كلفة.
وإنما يجب تبيين النون قبل حروف الحلق؛ لتعذر إخفائها أو لبعد إخفائها قبل هذه الحروف؛ لأن حروف الحلق أشد علاجا وأصعب إخراجا وأحوج إلى تمكن٤ حركة الصوت لها من غيرها. ولأجل ذلك لا يمكن النطق بالهمزة والهاء والعين والحاء، وقبلها النون الساكنة التي مخرجها الخيشوم؛ إذ لا علاج ولا اعتماد في إخراجها وحروف الحلق تحتاج إلى اعتماد في اللسان، بخلاف ما إذا كانت النون متحركة, فإنها تمكن العلاج والاعتماد حينئذ٥.
والنون المتحركة تدغم في حروف "يرملون" جوازًا، مع بقاء الغنة، ومع ذهابها، نحو: من يَّقول، ومن رَّاشد، ومن محمد، ومن لك، ومن واقد، ومن نكر؛ بغنة، وبغير غنة.
قوله: "والطاء والدال٦...." إلى آخره.
стр. 957
أي: والطاء والدال والذال والثاء والظاء والذال والتاء تدغم بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، [وَفِي الصَّادِ وَالزَّاي وَالسِّين.
مثال إدغام الطاء١ في هذه الحروف التي بعدها] ٢: فرطتّ فرط٣ دّائما٤، فرط ظّالم، فرط ذّا، فرط ثّمود، فرط صّابر, فرط زّايد، فرط سّابق.
مثال إدغام التاء في هذه الحروف الثمانية: سكت طَّالب، سكت دائما، سكت ظالم٥, سكت ذلك، سكت٦ ثمود، سكت صابر، سكت زايد، سكت سابق.
[مثال إدغام الدال في هذه الحروف الثمانية: وجد٧ طّالبا، وجدتّهم، وجد ظّالم، وجد ذلك، وجد ثمود، وجد صابر، وجد زايد، وجد سابق] ٨.
مثال إدغام الظاء في هذه الحروف: وعظ طّالب، وعظ تّميم، وعظ داود، وعظ ذلك، وعظ ثمود، وعظ سابق.
стр. 958
[ومثال إدغام الذال في هذه الحروف: أخذ طّالب، أخذ دّاود، أخذ تّميم، أخذ ظالم، أخذ ثمود، أخذ صابر، أخذ زايد، أخذ سابق] ١.
مثال إدغام الثاء في هذه الحروف: حنث٢ طّالب، حنث دّاود, حنث تّميم، حنث ظالم، حنث ذلك، حنث صابر, حنث زايد، حنث سابق.
ولا يدغم الصاد والزاي والسين في الطاء وما بعدها إلى الثاء؛ لأن الصاد والزاي والسين حروف صغيرة، ففيها زيادة تبطل الإدغام٣.
قوله: "الإطباق في نحو: فرطت...."٤ إلى آخره.
هذا إشكال على قولهم: تدغم المطبقة في غيرها مع بقاء الإطباق. [وتقديره: أن "١٧٤" الإطباق] ٥ في الطاء والظاء في نحو: فرطت وأغلظت، مع الإدغام مما يتنافيان؛ لأن الإطباق لا يوجد إلا مع المطبقة، وعند الإدغام لم تبقَ المطبقة فلا يمكن وجود الإطباق. فإن كان فيهما إطباق مع الإدغام فلا يكون إلا بإتيان طاء
стр. 959
أخرى بعد التاء الأولى المبدلة من الطاء، فيلزم اجتماع ساكنين: التاء المبدلة١ من الطاء، والطاء المأتِيّ بها للإطباق.
ولا يجاب عنه بمنع أن الإطباق لا يبقى بدون المطبقة، قياسا على الغنة بدون النون عند إدغام النون في الراء واللام والواو والياء نحو: من يقول؛ لأن الغنة تخرج من الخيشوم, فيجوز أن تبقى بدون النون لأنه ليس بين الغنة والنون ملازم من الطرفين، بخلاف الإطباق، فإن الإطباق والنطق بالمطبقة متلازمان.
وأجاب عنه في الشرح٢ بأن التحقيق [أنه لا إدغام] ٣ محققا مع بقاء الإطباق. لكنه لما اشتدت تقارب حروف المطبقة من غيرها صار في الصورة كأنه إدغام, وليس بإدغام تحقيقًا.
قوله: "والصاد والزاي والسين تدغم بعضها في بعض":
- مثال إدغام الصاد في الزاي والسين: خلص زّايد، خلص سّائر.
- مثال إدغام الزاي في الصاد والسين: فاز صّابر، فاز سّائر.
- مثال إدغام السين في الصاد والزاي: أفلس٤ صّابر، أفلس زّايد.
وتدغم الباء في الميم، نحو: "يعذب من يَّشَاءُ"٥, وفي الفاء نحو: يعذب في النار.
стр. 960
[إدغام تاء الافتعال والإدغام فيها] :
قوله: "وقد تدغم تاء افتعل...."١.
اعلم أن افتعل إذا كان بعد تائها تاء نحو "اقتتل" جاز البيان وجاز الإدغام؛ وذلك بأن تسكن الأولى وتدغم في الثانية؛ فمنهم من يسكن التاء الأولى ويحذف حركتها، فيلتقي ساكنان: القاف والتاء الأولى، فتكسر القاف وتحذف همزة الوصل استغناءً عنها، فيقول: قِتّل بكسر القاف. ومنهم من ينقل حركة التاء الأولى إلى القاف ويحذف همزة الوصل استغناء عنها فيقول: قَتّل بفتح القاف، وقِتّل بكسر القاف. وقَتّل -بفتح القاف- يُقَتّلون، ومُقَتّلون، ويُقِتّلون، ومُقِتّلون: بفتح القاف وكسرها٢.
ويجوز: مُقُتّلون -بضم القاف- إتباعا للميم٣, كما جاء عن بعضهم٤: "مُرُدِّفِينَ"٥ بالإتباع، أصله: مُرْتَدفين٦ من قولك:
стр. 961
ارتدفه، أي١: استدبره.
وإذا بنيت من الثأر "افتعل" نحو: اثتأر٢، وجب الإدغام، وذلك إما بقلب التاء ثاء وإدغام الثاء في الثاء، نحو: اثّأر -وهو الأفصح- وإما بقلب الثاء تاء وإدغام التاء في التاء نحو: اتّأر٣ -وهو فصيح- ليس بأفصح٤. يقال: اثأر واتأر: إذا أخذ بالثأر٥.
وإذا كان قبل تاء الافتعال سين، نحو: استمع٦، فالأفصح الإظهار وعدم الإدغام، نحو: استمع، وجاز الإدغام وذلك بقلب تاء الافتعال سينًا وإدغام السين في السين نحو: اسَّمع، ومسَّمع؛ لامتناع: اتَّمع بقلب السين تاء وإدغام التاء في التاء؛ لفوات صفير السين٧ بإدغامها في التاء.
وإنما سماه شاذا على الشاذ؛ لأن الأصل عدم الإدغام "١٧٥" ههنا, وإدغام السين في التاء على هذا الوجه أيضا بخلاف الأصل؛ لأن الأصل في إدغام أحد٨ المتقاربين في الآخر أن يقلب
стр. 962
الأول حرفًا من جنس الثاني, ويدغم في الثاني.
قوله: "وتقلب بعد حروف الإطباق طاء".
أي: إذا وقعت تاء افتعل بعد حروف الإطباق قلبت طاء, فيدغم١ فيها وجوبا في نحو: اطّلب، لاجتماع المثلين. أصله: اطْتَلَب، قلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء.
وجوازا على الوجهين في نحو: اظْتَلم؛ فإنه تقلب التاء طاء, وحينئذ يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الإظهار نحو: اظطلم.
الثاني: الإدغام؛ بقلب الطاء ظاء وإدغام الظاء في الظاء نحو: اظّلم.
الثالث: الإدغام؛ بقلب الظاء طاء فإدغام الطاء في الطاء نحو: اطّلم.
وعلى الوجوه الثلاثة٢ ينشدون:
"٤٤"
...................... ... ........... ويظلم أحيانا فيَظْطَلِم٣
стр. 963
قوله: "وشاذاً على الشاذ في اصَّبَرَ" [واضَّرَبَ] ١.
أي: وتدغم شاذا على٢ الشاذ في: اصْطَبر واضْطَرب، اللذين أصلهما: اصتبر واضترب، فيقال: اصّبر واضّرب، بقلب الطاء صادا، وإدغام الصاد في الصاد في الأول، وضادا وإدغام الضاد في الضاد في الثاني لامتناع: اطبر واطرب, بقلب الصاد طاء والضاد طاء وإدغام الطاء في الطاء؛ لزوال [المزيَّة المذكورة] ٣ [أعني] ٤: الصفير الذي في الصاد والضاد٥.
وإنما قال: "تدغم شاذا على الشاذ؛ لأن قلب تاء افتعل طاء خلاف الأصل، ثم قلب الطاء صادا في: اصطبر، وضادا في: اضطرب خلاف الأصل. وكل ما كان على خلاف الأصل كان شاذا
стр. 964
فيكون الإدغام شاذا١ على شاذ؛ لأنه خلاف الأصل المخالف للأصل الآخر٢.
[ويمكن أن يحمل الشاذ الأول على الإدغام في مثله؛ لأن الفصيح: اصْطَبَر، من غير إدغام، والشاذ الثاني على قلب الثاني إلى الأول في إدغام المتقاربين؛ لأن الأصل عكسه كما هو مقرر في قاعدتهم. وكان هذا مراد المصنف٣] ٤.
قوله: "وتقلب مع الدال والذال والزاي ... " إلى آخره٥.
أي: إذا وقعت تاء "افتعل" بعد الدال أو الذال أو الزاي قلبت دالا بعد هذه الثلاثة. لكن أدغمت الدال في الدال وجوبا إذا كان قبل تاء الافتعال دال، نحو: "ادّان" من الدين. أصله: ادْتَان؛ قلبت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال.
وأدغمت إدغاما قويا، لا وجوبا، إذا كان قبله ذال، نحو "اذَّكر" أصله: اذْتَكر، من الذكر؛ قلبت التاء دالا، فصار: اذدكر, وحينئذ جاز: ادّكر؛ بقلب الذال دالاً، وإدغام الدال في الدال -وهو الفصيح- وجاز: اذدكر، على الإظهار، وهو ضعيف, والإدغام قوي.
стр. 965
ويدغم على ضعف إذا كان قبله زاي، نحو: "ازدان". أصله: ازْتَان -من الزين- قلبت التاء دالا، فصار: ازْدَان، فجاز على ضعف: "ازَّان" بقلب الدال زايا وإدغام الزاي في الزاي. ولم يجز: ادَّان بقلب الزاي دالا، وإدغام الدال في الدال لما فيه من فوات الصفير.
قوله: "وخَبَطْتُ وحِصْتُ"١.
اعلم أن بعض العرب يجري تاء الضمير في: خبطت وحصت وفزت وعدت مجرى تاء الافتعال؛ فيقول في خبطت: خَبَطّ, بقلب تاء الضمير طاء وإدغام الطاء في الطاء٢, ويقول في [حصت] ٣: حِصْط, بقلب التاء طاء, ويقول في فُزْتُ: فزدُ, بقلب التاء دالا, وفي عُدْتُ: عُدُّ بقلب التاء دالا "١٧٦" وإدغام الدال في الدال, وهو شاذ.
قوله: "ونحو: خَبَطّ": مبتدأ, وقوله: "شاذ": خبره.
[و] ٤ يقال: حاص عنه يحيص, إذا عدل٥.
стр. 966
[إدغام تاء مضارع تفعّل وتفاعل] :
قوله: "وقد١ يدغم نحو: تتنزل أو تتنابز ... "٢ إلى آخره.
أي: وتدغم تاء تفعّل وتتفعّل وتفاعل وتتفاعل، نحو: تتنزل وتتنابز في التاء الأخرى في الوصل, إذا لم يكن قبلها ساكن صحيح؛ وذلك بأن يكون قبلها متحرك، نحو: فَتَتنزل أو فَتَتنابز, أو قبلها ساكن غير صحيح؛ أي ساكن مدة نحو: قالوا تتنزل وقالوا تتنابز؛ لاجتماع المثلين وعدم المانع من الإدغام.
ويعلم من قوله: "وصلا" أنها لا تدغم ابتداء؛ لئلا يلزم الابتداء بالساكن, ومن قوله: "وليس قبلها ساكن صحيح" أنها لا تدغم لو كان قبلها ساكن صحيح، نحو: هل تتنزل؛ لاستلزامه التقاء الساكنين على غير حده.
على أنه قد جاء إدغامها في قوله تعالى: "قل هَلْ تَّرَبَّصُونَ٣"٤ وقوله تعالى: "من ألف شهر، تَّنَزَّلُ الملائكة"٥ في قراءة البزي٦, مع أن قبله ساكنا صحيحا، وهو لام ﴿هَلْ﴾ والتنوين في ﴿شَهْرٍ﴾ .
стр. 967
قوله: "وتاء تفعل وتفاعل ... "١ إلى آخره.
أي: وتدغم تاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء، وهو الطاء والدال والظاء والذال والثاء والصاد والزاي والسين، إلا أن هذا الإدغام لو كان في الابتداء لوجب الإتيان بهمزة الوصل مكسورة؛ لامتناع الابتداء بالساكن.
وإنما كسرت هذه الهمزة؛ لما مر، نحو: تَطيَّروا، وتزيّنوا, وتثاقلوا، وتدارءوا؛ قلبت التاء طاء أو زايا أو ثاء أو دالا، وأدغمت فيما بعدها، ووجب الإتيان بهمزة الوصل في الابتداء مكسورة، فإذا أتي بها قيل: اطّيّروا، وازينوا، واثاقلوا, وادارءوا.
وتقول في المضارع إذا أدغمت: يطّيرون، ويزّينون، ويثاقلون، ويدارءون. والأصل: يتطيرون، ويتثاقلون، ويتزينون٢, ويتدارءون؛ فقلبت وأدغمت.
ويجوز هذا الإدغام في مصادر هذه الأفعال نحو: اطّير اطّيّرا, وازّين ازّيّينا، واثاقل اثاقلا.
وكذلك يجوز في أمر هذه الأفعال ونهيها.
стр. 968
وأما إدغام تاء استطاع١، واستطعم في الطاء, وتاء استضاء واستضعف في الضاد، وتاء استدان، واستدرك في الدال مع بقاء صوت السين فنادر؛ لأن الثاني ساكن في استطاع، واستطعم، واستضعف، واستدرك, وأن الثاني في نية السكون في استضاء واستدان؛ لأن أصلهما: استضْوَأ٢ واستَدْون, ولأنه لو أدغم فيها لزم الجمع بين ساكنين على غير حده, وهو في قراءة حمزة٣، ٤.
стр. 969
[الحذف] :
قوله: "الحذف الإعلالي١...."٢ إلى آخره.
اعلم أن الحذف الإعلالي والحذف الترخيمي قد تقدما؛ أما الحذف الإعلالي ففي باب الإعلال من التصريف, وأما الحذف الترخيمي ففي النحو٣ في باب الترخيم.
وقد جاء أيضا حذف -غير الحذف الإعلالي "١٧٧" وغير الحذف الترخيمي- في باب تتفعّل وتتفاعل، نحو: تَتَنَزَّل وتَتَنَابَز؛ فإنه يحذف منه إحدى التاءين، فيقال: تَنَزّل، وتَنَابز؛ لكراهة اجتماع التاءين وهي فصيحة كإثباتها, وإدغام [إحداهما في الأخرى] ٤ قليل.
واختلف في المحذوف من التاءين: فقيل الأولى، وقيل الثانية -وهو الوجه- لأن الأولى للعلامة وهي المضارعة بخلاف الثانية, ولأن الاستثقال جاء من الثانية لا من الأولى.
وجاء الحذف في نحو: مِسْتُ، وأَحَسْتُ، وظَِلْتُ٥, في: مَسِسْتُ
стр. 970
وأحسستُ، ظللتُ.
لكن الحذف في أَحَسْتُ بنقل حركة المحذوف إلى الحاء, وكذا في مِسْت، وظِلْت -بكسر الميم والظاء- لا بفتحهما.
والحذف١ في ظِلت٢ فصيح؛ لكثرة استعماله، بخلاف: مِسْت وأَحَسْت.
وإنما حذف في ذلك؛ لتعذر الإدغام بسكون الثاني، فحذفوا ما كانوا يدغمونه٣, وهو الأول. وقيل: حذفوا الثانية.
وجاء حذف التاء في نحو٤: استطاع يستطيع، فيصير: اسطاع يسطيع٥, وهو فصيح في "استطاع"٦؛ لكثرته.
стр. 971
وجاء "يَسْتِيع"؛ بحذف الطاء من يستطيع، وهو قليل.
وكأنه لما امتنع الإدغام؛ لسكون ما قبلها فيما لا١ يمكن تحريكه حذفوا؛ فمن قال: "يسطيع" حذف الأول، وهو التاء، ومن قال: "يستيع" حذف الثاني، وهو الطاء. وهذا يدل على جواز حذف٢ الأول والثاني على البدل من نحو: "مَسِست" و"أَحْسَست".
وكون "يسطيع" أقوى من "يستيع" يدل على قوة حذف الأول٣.
وقالوا أيضا: بَلْعَنْبَر، وعَلْمَاء، ومِلْمَاء -بالحذف- فِي: بَنِي الْعَنْبَرِ٤، وَعَلَى الْمَاءِ، وَمِنَ الْمَاءِ. ووجه الحذف تعذر الإدغام بسكون الثاني، فحذفوا كما تقدم، وهو قليل.
وأما نحو: يَتَسِع ويَتَقِي -بحذف الواو- فشاذ؛ لأن الواجب قلب الواو تاء وإدغامها في التاء، كما في الماضي.
ووجه حذف الواو ههنا أنهم حذفوا الواو لأجل ياء المضارعة كما حذفوا في أصلها، وهو: يَسَع ويَقِي؛ لأنهما من باب واحد.
وعلى حذف الواو من يتقي جاء الابتداء بها [في قوله] ٥:
стр. 972
"٤٥"
............................. ... تَقِ الله فينا والكتاب الذي تتلو١
لأنه إذا حذف من "يَتَقِي" حرف المضارعة يبقى "تَقِي"، فحذف الياء لأجل الأمر، فصار "تَقِ".
وليس تَخِذ محذوفا من اتَّخَذ يتَّخِذ بل هو أصل، ولأجل أنه أصل غير محذوف منه شيء قيل في الأمر منه: اتخذ, وفي الماضي منه مع ضمير المتكلم: تَخِذْتُ.
نعم، لو قيل في مضارعه: يَتَخِذ -بحركة التاء المخففة- لكان من باب يَتَقِي، وكان الأمر منه: تَخِذْ.
وقد جاء: استَخِذْ، في: استَتْخِذْ، بمعنى: اتَخِذْ بحذف التاء الثانية.
стр. 973
وقال بعضهم: أبدلت السين من التاء الأولى من: اتخِذْ، فقيل: اسْتَخِذْ, وهو أشذ من يَتَقِي ويَتَسِع.
وقال بعضهم: استخذ: استفعل، مخفف١ من استتخذ. وقد استغني بمخففه عنه، وحينئذ لا تكون سينه بدلا من التاء.
قوله: "ونحو: يبشروني وتبشريني وإني، قد تقدم".
يعني: إذا اتصل ياء المتكلم بمثل "بشر"٢ وتبشران٣ "١٧٨" وتبشرون وتبشرين، وإن وأن٤ ولكن وأخواتها٥، يجوز أن تأتي بنون العماد، فتقول: تبشرانني وتبشرونني وتبشرينني وإنني كما [في الفرد] ٦ نحو: تبشرني، وتشبيها بأن تبشر٧.
ويجوز حذفها منه كراهة اجتماع النونين أو النونات، فتقول: تبشرانِي, وتبشرونِي، وتبشرينِي، وإنِّي٨. وقد تقدم ذلك في النحو في المضمرات.
стр. 974
[مسائل التمرين] :
قوله: "هذه مسائل للتمرين ... "١.
هذه المسائل التي ذكرها ههنا إنما ذكرها٢ ليُمَرّن بها متعلمو التصريف؛ أي: ليبينوا في معرفة بناء الأبنية المشكلة فيما علموا من تفاصيل أبواب التصريف.
ومعنى قولهم: "كيف تبني كذا من كذا؟ " أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة أخرى وقد عملت ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب٣, فكيف ينطق بها؟ أي: فكيف تصير بالتصريف؟
وقال أبو علي٤: إن معنى ذلك أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة أخرى وعملت ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب, وحذفت منها ما حذفت في الأصل بالقياس, فكيف ينطق بها؟
стр. 975
[وقال آخرون: معنى ذلك أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة١ أخرى وعملت٢ ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب, وحذفت منها ما حذف في الأصل بالقياس وغير القياس, فكيف ينطق بها؟ ٣] ٤.
فإذا بنيت من "ضرب" مثل "مُحَوِيّ" منسوبا إلى "مُحَيّ" اسم فاعل، من: حَيَّاه أي: سلّم٥ عليه، فقياس قول الأولين: مُضَرِبِيّ؛ لأنه ليس فيه ما يقتضي التغيير٦.
وقياس قول أبي٧ علي وقول الآخرين: "مُضَرِيّ"؛ لأن "محوي" منسوب إلى "محي" اسم فاعل، على٨ وزن مُفَعّ [فلما زيد عليه ياء النسبة للنسبة صار: "مُحَيِّيّ، بأربع ياءات، وكسرة على الياء؛ فحذفت إحدى الياءات، وقلبت الياء الأخرى واوا لكراهة اجتماع
стр. 976
الياءات الثلاث مع الكسرة، فصار: مُحَوِيّ، على وزن: مُفَعِيّ] ١، فحذف من الفرع ما حذف من الأصل على جهة القياس. وقد حذف من الأصل بالإعلال لام الكلمة وإحدى الياءين، للنسبة، فيحذف من الفرع لام الكلمة وإحدى العينين، فبقي: مُضَرِيّ، بحذف إحدى الراءين والياء.
وإذا بنيت مثل "اسم" من: دعا، قلت على القول [الأول وقول أبي علي] ٢: دِعْو، أو: دُعْو -بسكون العين وكسر الدال أو٣ ضمها- لأن أصل اسم: سِمْو٤ أو سُمْو بسكون الميم وكسر السين أو ضمها. وليس في اسم تغيير قياسي من الحذف والزيادة، فيجب ألا يكون في الفرع على هذين القولين. وقلت: ادْع، على القول الثالث؛ لأنه حذف من الأصل واو، وزِيد همزة على غير جهة القياس ففُعل كذلك في الفرع.
وإذا بنيت مثل "غَد"٥ من: دعا، قلت على القول الأول وقول أبي علي: "دَعْو"؛ لأن أصل غد: غَدْو؛ فحذفت الواو حذفا على غير قياس، وحينئذ لا يحذف عن الفرع، على القولين. وقلت على القول الثالث: "دَع" بحذف الواو كما حذف من الأصل.
стр. 977
وإذا بنيت مثل "صحائف" من "دعا" قلت: "دَعَايَا" باتفاق الأقوال الثلاثة؛ لأن أصله: دَعَايِوٌ؛ لأنه يزاد في الفرع بعد العين الألف والياء كما زيدتا في الأصل. فالألف بإزاء [ألف صحائف، والياء بإزاء] ١ ياء صحائف، والواو لام بإزاء فاء صحائف؛ قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقلبت الياء همزة مثلما قلبت في صحائف, فقلبت الياء ألفا والهمزة ياء كما في: شَوَايا ورَكَايا "١٧٩".
وإنما اتفقت الأقوال الثلاثة ههنا؛ لأنه لا حذف في الأصل ولا زيادة، لا على القياس ولا على غير القياس.
وإذا بنيت مثل "عَنْل" -للذئب-٢ من "عَمِل"، قلت: "عَنْمَل" بعد إدغام النون في الميم؛ لئلا يحصل اللبس.
وإذا بنيت مثل "عَنْسل" -للذئب٣- من: "باع"٤ وقال, قلت: "بَنْيَع"، "وقَنْوَل" بالتصحيح في الأقوال الثلاثة؛ لسكون ما قبل حرف العلة، وبعدم إدغام النون في الياء والواو لئلا يلتبس بفعّل.
وإذا بنيت مثل "قِنْفَخَر" من "عمل"، قلت: "عِنْمَلّ" باللامين؛ لأن القياس أنه إذا بني رباعي من ثلاثي أن تكرر اللام مرة، وإذا بني خماسي من ثلاثي أن تكرر اللام مرتين.
стр. 978
وإذا بنيت مثل "قِنْفَخر" من: باع وقال١، قلت: بِنْيَعّ وقِنْوَلّ بتشديد اللام؛ لما ذكرناه.
وإنما لم تدغم النون في الميم في "عِنْمَلّ"، وفي الياء والواو٢ في "بِنْيَعّ، وقِنْوَلّ"؛ لأنه لو أدغمت في عنمل، وبنيع، وقنول قيل: عِمّلّ وبِيّعّ وقِوَّلّ، لم يعلم أنه مثل قنفخر، أي: فِنْعَلّ وأدغمت النون فيما بعدها, أو مثل عِلَّكْد، أي: فِعّلّ، في أصله.
العلكد: البعير٣ الغليظ, الشديد العنق٤.
قوله: "وَلا يُبْنَى مِثْلُ جَحَنْفَل مِنْ كسرتُ أو جعلتُ...." إلى آخره٥.
أي: لا يبنى مثل "جحنفل" -للغليظ الشفة-٦ من: كسرت ولا من جعلت؛ لما يؤدي إلى الأمر المرفوض عندهم؛ لأنك لو بنيت مثله منهما لقلت: كَسَنْرَر، وجَعَنْلَلَ، وحينئذ إما ألا تدغم النون، أو تدغم فيما بعدها. لا سبيل إلى الأول؛ لأنه يؤدي إلى الثقل
стр. 979
المرفوض في كلامهم، ولا إلى الثاني؛ لأنه يؤدي إلى الالتباس بفعلّل, أي: لا يعلم أنه فَعَنْلَل أو فَعَلَّل, واللبس مرفوض في كلامهم.
وإذا بنيت مثل "أُبْلُم" -لخوص المُقْل١- من "وَأَيْتُ" من الوَأْي -وهو الوعد- قلت: أُوء. أصله: أُوؤُيٌ؛ قلبت الضمة كسرة قياسا كما قلبت في التَّجاري، وأَدْل، فصار: أُوئيٌ على الأقوال الثلاثة، ثم استثقلت الضمة والكسرة على الياء حالتي الرفع والجر, فحذفتا وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: أُوء.
وإذا بنيت مثل "أبلم" من "أَوَيْتُ" قلت: "أُوّ" بالإدغام. أصله: أُأْوُيٌ؛ قلبت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وأدغمت الواو في الواو التي بعدها فصار "أُوُّيٌ"، ثم قلبت ضمة الواو كسرة فصار "أُوِّي", ثم أعل إعلال قاضٍ فصار٢ "أُوّ"، على وزن "أُفْع" ولذلك٣ نقول في النصب: رأيت أُوِّيًا.
يقال: وأى له: رحمه٤, وأوى إليه أُوِيًّا: نزل عليه٥.
стр. 980
فإن قيل: لِمَ أدغمت الواو المبدلة عن الهمزة التي في "أُؤْوُي" في الواو وجوبا، على أن الفصيح في يؤوي إذا قلبت همزته واوا ألا تدغم الواو في الواو؟
قلنا: للفرق بينهما، وهو أن قلب الهمزة واوا في "أُؤْوُي" واجب, فالواو المقلوبة عن الهمزة حينئذ كالأصلية, وقلب الهمزة واوا في "يُؤْوي" جائز غير واجب، فلم تكن حينئذ كالأصلية.
وإذا بنيت مثل "إِجْرِد" -لبَقْلَة١- من "وأيت" قلت: "إيء" أصله: إِوْئِيٌ؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: إِيْئِي، ثم أعلت إعلال قاض، فصار: "إيء" وتقول في النصب: رأيت إيئيًا.
وإذا بنيت مثل "إِجْرِد" من "أويت" قلت: "إِيّ" -فيمن قال "أُخَيّ"- أي: يكون الإعراب على الياء جاريا كجريانه على ياء أُحي؛ لأن أصله: إِئْوِي؛ قلبت الهمزة ياء وجوبا لسكونها وانكسار ما قبلها فصار: إِيْوِي، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء التي قبلها فيها، على ما تقدم في مثله، فصار: إييّ, باجتماع ثلاث "١٨٠" ياءات.
وقياس ما اجتمعت في آخره ثلاث ياءات أن تحذف الياء٢ الأخيرة حذفًا غير إعلالي -على الأكثر- فيعرب٣ على٤ ما
стр. 981
قبلها، فيقال١: [هذا إِيّ، ومررت بإِيّ، ورأيت إِيًّا] ٢، كما يقال على هذا الوجه: هذا أُحَيّ -تصغير أَحْوَى-[ومررت بأحي، ورأيت أحي] ٣، بمنع الصرف.
وعند بعضهم تعل الياء الأخيرة إعلال ياء قاضٍ عند اجتماع ثلاث ياءات، فلا يعرب على ما قبل الياء المحذوفة، فيقول: هذا إِيّ، ومررت بإِيّ، ورأيت إِيِيًّا، كما يلزمه أن يقول على هذا الوجه: هذا أُحَيّ، ومررت بأحي، ورأيت أحي.
قوله: "ومثل إِوَزَّة.... إلى آخره"٤.
أي: وإذا بنيت مثل "إوزة"٥ من وأيت، قلت: "إِيئَاة" لأن أصله: إِوْأَيَة، على وزن إِفْعَلَة وهو ظاهر؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: إِيْأَيَة، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: إِيئَاة.
وإذا بنيت مثل "إوزة" من "أويت"، قلت: "إِيَّاة" مدغما؛ لأن أصله: إِئْوَيَة، على وزن إِفْعَلَة وهو ظاهر؛ قلبت الهمزة ياء
стр. 982
لسكونها وانكسار ما قبلها، فبقي: إِيْوَيَة؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء الأولى فيها، فبقي: إِيَّيَة، ثم قلبت الياء الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "إِيَّاة".
قوله: "ومثل: اطْلَخَمّ، من: وأيت...."١.
أي: وإذا بنيت مثل "اطلخم" من: وأيت، قلت: "ايْأَيّا"؛ لأن أصله: اوْأَيَّيَ على وزن افْعَلَّلَ بتكرار اللام مرتين؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: ايْأَيَّيَ، ثم أدغمت الياء التي بعد الهمزة في الياء التي بعدها لاجتماع المثلين، فصار: ايْأَيَّيَ، ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: "ايْأَيَّا".
وإذا بنيت مثل "اطلخم" من: أويت، قلت "ايْوَيَّا"؛ لأن أصله: ائْوَيَّيَ؛ قلبت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: ايْويي، ثم٢ أدغمت الياء التي بعد الواو في الياء التي بعدها، فصار: ايْوَيَّيَ ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار: "ايْوَيَّا".
ولم تدغم الياء في الواو؛ لأن الهمزة في "ايْوَيَّا" همزة وصل، فلو وصلته بما قبلها حذفتها، فترجع الهمزة الأصلية التي أبدلت الياء عنها إلى أصلها. ألا ترى أنك لو قلت: قال: ائوَيّا، لرجعت الياء المبدلة من الهمزة إلى همزتها؛ فلذلك لم تدغم الياء في الواو.
стр. 983
يقال: اطلخم الليل إذا أظلم, واطلخم الشعر إذا اشتد سواده١.
وأصل اطلخَمَّ: اطْلَخْمَمَ؛ فنقلت حركة الميم الأولى إلى [ما] ٢ قبلها، وأدغمت الميم في الميم٣.
اعلم أنه لو أورد "اقْشَعَرّ" مكان "اطْلَخَمّ" لكان أولى؛ لأن اقشعر رباعي الأصول، ووزنه: افعللّ، بلا خلاف. فبناء مثله من "وأيت": ايْئَيَيَّا, ومن: أويت "ايْوَيَّا" من غير شبهة.
وأما "اطلخم" ففيه قولان:
أحدهما: وهو المشهور، أنه رباعي مثل "اقشعر".
والآخر, وهو اختيار ابن مالك: أنه ثلاثي ولامه زائدة، وهو مشتق من الطخمة وهي الظلمة، ووزنه على هذا "افلعَلّ"؛ فبناء مثله من وأيت "وأويت"٤، على هذا القول: ايلأيّا وايْلَيَّا٥.
قوله: "وَسُئِلَ أُبُو عَلِيٍّ عَنْ مِثْلِ: مَا شَاءَ الله....." إلى آخره٦.
اعلم أنه سئل أبو علي عن بناء مثل "ما شاء الله" من "أَوْلَق"
стр. 984
فقال في الجواب: ما ألِقَ الإِلاق١؛ فإنه بنى هذا الجواب على أن أولق: فوعل لا أفعل؛ لأنه بنى من أولق "أَلِق" مثل: شاء.
ولو كان أولق "١٨١" عند أبي علي على "أفعل" لبنى أولق من وَلِق، مثل: شاء, وبنى الإلاق على مثال الله، ولو٢ كان أولق عنده أفعل لبنى "الولاق"٣ على مثاله, وهو ظاهر.
وأما جعله "ألق" على مثال "شاء" فظاهر، وأما جعله "الإلاق" على مثال "الله"؛ لأن أصل الله تعالى: الإلاه؛ فحذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام، فصار: الله٤.
وإذا كان "أولق" عنده "أفعل"٥ كان فعال عنده من: "أولق" ولاقا.
стр. 985
وإنما لم يقل في الجواب: ما ألق اللاق -بحذف الهمزة وإدغام اللام في اللام كما فعلوا في الأصل- لأن حذف الهمزة وإدغام اللام في اللام ليس بقياس، وأبو علي لا يحذف في الفرع إلا ما حُذف في الأصل قياسًا. ولو بنى على أن١ "أَوْلََق" أفعل، لقيل في مثل٢: ما٣ شاء الله: ما ولق الوَلَاق.
اعلم أن في قول المصنف -وهو أن حذف الهمزة [في الله] ٤ غير قياس- نظرًا؛ لأنه قياس مر في تخفيف الهمزة.
قوله: "واللّاق على اللفظ".
أي: البناء من "أولق" على لفظ الله "اللاق" -بحذف الهمزة- وإدغام اللام في اللام؛ أي: "ما ألق اللَّاق" على لفظ الله. وإن كان هذا ليس على رأي أبي علي، وإنما ذكر ذلك ليعلم ما حُذف من الأصل.
قوله: "والأَلِق على وجه" إشارة إلى قول آخر في اسم الله, وهو أن أصله: لَيِهٌ, من لاه لَيَهًا: استتر؛ فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: لاه، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وأدغمت اللام في اللام٥، فقال: بناء "ما شاء الله" من: أولق، على هذا القول: "ما ألق الأَلِق".