← Язык

Язык · id 11751

دراسات لغوية في أمهات كتب اللغة

إبراهيم محمد أبو سكين

Полный текст (246 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

موجودة في جميع القراءات من تحقيق الهمزة ونحوها وقريش لا تهمزو ويؤيد إسرائيل ولفنسون هذا الرأي فيقول: وما يقال من أن القرآن نزل بلغة قريش إن كان المقصود منه أن الرسول كان ينطق الكلمات بلهجة قريش التي هي لهجة جميع أهل مكة فصحيح أما إن كان المراد منه أن قريشًا كانت لها لغة علمية خاصة بأصحاب الخطابة والكهانة والشعر دون سواهم من القبائل الأخرى فليس بصحيح؛ لأنه يضيق من دائرته ويقلل عدد الذين كانوا يفهمونه من العرب والواقع يخالف ذلك١. ج- وقال فريق آخر من العلماء أن القرآن نزل بلغة قريش غير أن قريشًا دخل في لغتهم شيء من لغتهم، وما يقال إنه وقع في القرآن ما ليس من لغة قريش، فهو مما كان من هذا القبيل، وهذا الرأي يجمع بين المذهبين ويوفق بينهما وهذا الرأي هو الوجه.

стр. 107

كتاب الخصائص لابن جني نسبه ونشأته ... كتاب الخصائص: لابن جني نسبه: هو أبو الفتح عثمان بن جني الأزدي، وأبو جني كان روميا يونانيا وكان مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي. وجني: معرب كني أو جنايس، أحد أئمة اللغة العربية في القرن الرابع الهجرة. نشأته: ولد ابن جني بالموصل، ولقد اختلف العلماء في عام ولادته فقيل: إنه ولد قبل الثلاثين والثلثمائة من الهجرة، وقيل: إنه ولد عام ثلاثين وثلثمائة وذكر في طبقات النحاة أنه توفي وهو في سن السبعين، فإذا ثبت

стр. 108

هذا وروعي إن وفاته كانت في سنة ٣٩٢ فإن ولادته تكون سنة ٣٢٢ أو ٣٢١هـ. ونشأ ابن جني بالموصل، وتلقى مبادئ تعلمه فيها، وارتشف من رحيق علمائها، تلميذا وتصدر مجالس العلم فيها أستاذا، ويذكر الرواة في بدء اتصاله بأستاذه أبي علي الفارسي أن أبا علي مر عليه يوما وهو يتكلم في مسألة قلب الواو ألفا في نحو قام وقال فاعترض عليه أبو علي، فجانبه التوفيق في الجواب. فقال له الفارسي: تزببت وأنت حصرم! فتبع أبا علي حتى نبغ بصحبته إياه، ونبغ في علم التصريف وكان ابن جني نحويًّا على طريقة البصريين فقد كان كشيخه أبي علي بصريًّا يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب ولقد خلف أستاذه أبا علي في التدريس في بغداد بعد وفاته.

стр. 109

مكانته العلمية ومكانته الأدبية ... مكانته العلمية: لقد كان لأبي الفتح عثمان بن جني مكانة مرموقة بين علماء عصره، فنراه يخلق أستاذه أبا علي الفارسي في التدريس في بغداد بعد وفاته، وكان له تلاميذ كثيرون منهم أئمة عظام كعبد السلام البصري والسمسمي، ويقول ابن فضل الله العصري في مسالك الأبصار: "لم ير مثله في توجيه المعاني، وشد بيوت القصائد الوثيقة المباني". مكانته الأدبية: كان لابن جني مكانة عالية في الأدب، إلا أن مكانته العلمية فاقت منزلته الأدبية، فقد كان يجيد قرض الشعر الذي يأخذ بالقلوب ويأسر الألباب يقول عنه الثعالبي: هو القطب في لسان العرب وإليه انتهت الرياسة في الأدب، ويقول ابن الجوزي فيه وكان يقول الشعر ويجيد نظمه:

стр. 110

فمن شعره في الغزل: غزال غير وحشي ... حكى الوحشى مقلته رآه الورد يجني الور ... د فاستكساه حلقة وشم بأنفه الريحا ... ن فاستهداه زهرته وذاقت ريحة الصا ... ء فاختلسته نكهته ويقول أيضًا: تجبب أو تدرع أو تقبا ... فلا والله لا أزداد حبا أخذت ببعض حبك كل قلبي ... فإن رمت المزيد فهات قلبا تجبب: أي ألبس الجبة. وتدرع: ألبس المدرعة وهي ثوب من صوف. وتقبا أي ألبس القباء. ومن شعره في الفخر بعلمه ونسبه إلى قياصرة الروم: فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي على أني أؤول إلى ... قروم سادة نجب

стр. 111

قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر ذو الخطب ومن الحنين إلى الشباب وبكاء عهده الناضر: رأيت محاسن ضحك الربيـ ... ـع طال عليها بكاء السحاب وقد ضحك الشيب في لمتي ... فلم لا أبكي ربيع الشباب أأشرب في الكأس إكلا وحاشا ... لأبصره في صفاء الشراب فابن جني وقد كبر وابيضت رأسه يترك الشرب من الكأس مخافة أن يرى في صفائها شيبة فيتحسر ويتحزن.

стр. 112

مؤلفاته: ألف أبو الفتح عثمان بن جني كتبًا كثيرة قيمة تربو على الأربعين كتابًا١ نذكر كتاب الخصائص الذي نحن بصدد دراسة بعض أبحاثه. وكتاب سر صناعة الإعراب: وفيه جمع أحكام حروف المعجم وأحوال كل حرف موضحًا مواقع الحروف في الكلمات العربية من الأصالة والزيادة والبدل وغير ذلك من تصريف حروف المعجم واشتقاقها، وقد عرض ابن جني في مقدمة كتابه سر الصناعة وما يشتمل عليه الكتاب موضحًا نهجه وغرضه حين يقول: رسمت أن أصنع كتابًا يشتمل على جميع أحكام حروف المعجم وأحوال كل حرف منها، وكيف مواقعه في كلام العرب، وأن أتقصى القول في ذلك، وأشبعه وأوكده فاتبعت ما رسمته ... إلخ٢. وكانت وفاة ابن جني في يوم الخميس ٢٧ من صفر ٣٩٢هـ الموافق ١٥ يناير سنة ١٠٠٢م ويذكر ابن الأثير أن وفاته كانت سنة ٣٩٣هـ وكانت وفاته ببغداد.

стр. 113

مقدمة على كتاب الخصائص ... الخصائص: ألف أبو الفتح عثمان بن جني كتاب الخصائص وقدمه إلى بهاء الدولة الذي اعتلى ملك بغداد في عهد الخلافة العباسية ٣٧٩ إلى ٤٠٣هـ يقول في تقديم كتابه: "هذا أطال الله بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد بهاء الدولة وضياء الملة، وغياث الأمة، وأدام ملكه ونصره، وسلطانه ومجده، وتأييده وسموه، وكبت شانئه وعدوه -كتاب لم أزل على فارط الحال وتقادم الوقت ملاحظًا له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي والرواة إليه ... وفي اعتقادي أنه من أشرف ما صنف في علم العرب ... ولقد ألف هذا الكتاب بعد وفاة أستاذه أبي علي الفارسي ٣٧٧هـ وكان الهدف من تأليفه هو معرفة أسرار اللغة العربية وخصائصها ومزاياها والوقوف على العلل الحقيقية لها. يقول ابن جني في المقدمة: "وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة: من خصائص الحكمة ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة ... وذلك أنا لم نر أحد من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه.

стр. 114

وكتاب الخصائص يعد من أهم المراجع في فقه اللغة بما حواه من بحوث ينهل من معينها كل باحث في فقه اللغة إلى جانب اشتماله على بحوث ومسائل نحوية وصرفية قيمة، ومن البحوث التي ذكرها ابن جني في الخصائص في فقه اللغة "القول في نشأة اللغة أإلهام هي أم اصطلاح" والقول على الاطراد والشذوذ و"تعارض من السماع والقياس" والقول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة" و"ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب" و"تداخل اللغات" و"باب في امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس" و"باب في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط" وغير ذلك من البحوث التي لا غنى عنها لباحث لغوي. وسأتناول بعض هذه الموضوعات بالبحث والتحليل ومن هذه البحوث:

стр. 115

باب القول على أصل العربية إلهام أم إصلاحا ... باب القول على أصل العربية إلهام أم اصطلاح: يقول ابن جني "هذا موضوع محوج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة، إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي "وتوقيف" إلا أن أبا١ علي ﵀، قال لي يومًا: هي من عند الله، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وهذا لا يتناول موضع الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة، فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط: الاستدلال به. وقد كان أبو علي ﵀ أيضًا قال٢ به في بعض كلامه وهذا أيضًا رأي أبي الحسن على أنه لم يمنع قول من قال: إنها تواضع منه٣. على أنه قد فسر هذا بأن قيل -إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات: العربية

стр. 116

والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية، وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها، لبعد عهدهم بها. وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقيه باعتقاده، والانطواء على القول به. فإن قيل: فاللغة فيها أسماء، وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلم من ذلك الأسماء دون غيرها مما ليس بأسماء، فكيف خص الأسماء وحدها؟ قيل: اعتمد١ ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل٢ الثلاثة، ولا بد لكل كلام مفيد من الاسم، وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الحرف والفعل فلما كانت الأسماء من القوة والأولية في النفس والرتبة على

стр. 117

ما لا خفاء بها جاز أن يكتفي بها مما هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها١. وهذا كقول المخزومي٢: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى لعوا فرسى بأشقر مزبد أي فإذا كان الله يعلمه فلا أبالي بغيره سبحانه أذكرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهده. ولا يريد بذلك أن هذا أمر خفي، فلا يعلمه إلا الله وحده، بل إنما يحيل فيه على أمر واضح، وحال مشهورة حينئذ، متعالمة وكذلك قول الآخر: الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور٣

стр. 118

وليس بمدع أن هذا الباب مستور، ولا حديث غير مشهور، حتى أنه لا يعرفه أحد إلا الله وحده وإنما العادة في أمثاله عموم معرفة الناس به لفشوه فيهم، وكثرة جريانه على ألسنتهم. فإن قيل: فقد جاء عنهم في كتمان الحب وطيه وستره والبجح١ بذلك والإدعاء له ما لا خفاء به، فقد ترى إلى اعتدال الحالين فيما ذكرت. قيل: هذا وإن جاء عنهم فإن إظهاره أنسب٢ عندهم وأعذب على مستمعهم ألا ترى أن فيه إيذانًا من صاحبه بعجزه عنه وعن ستر ممثله ولو أمكنه إخفاؤه والتحامل٣ به لكان مطيقًا له، مقتدرًا عليه، وليس في هذا من التغزل ما في الاعتراف بالبعل٤ به وخور٥ الطبيعة عن الاستقلال بمثله ألا ترى إلى قول عمر بن أبي ربيعة.

стр. 119

فقلت لها: ما بي لهم من ترقب ... ولكن سرى ليس يحمله مثلي١ وكذلك قول الأعشى: ....................................... ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل٢ وكذلك قول الآخر٣: ودعته بدموعي يوم فارقني ... ولم أطلق جزعًا للبين مدى يدي والأمر في هذا أظهر، وشواهده أسير وأكثر. ثم لنعد٤ فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيًا وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد

стр. 120

فيه من المواضعة، قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظًا. إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غير، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من تكلف إحضاره، لبلوغ الغرض في إبانة حاله، بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه، كالفاني وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد، كيف يكون ذلك لو جاز وغير هذا ما هو جار في الاستحالة والبعد مجراه، فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم، فأومئوا إليه، وقالوا: إنسان إنسان إنسان، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن الماد به هذا الضرب من المخلوق وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك فقالوا: يد، عين، قدم أو نحو ذلك فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيها،

стр. 121

وهلم جرا فيما سوى هذا من الأسماء، والأفعال، والحروف ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها، فتقول. الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مرد١ والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سر٢، وعلى هذا بقية الكلام. وكذلك لو بدئت اللغة الفارسية فوقعت المواضعة عليها لجاز أن تنقل ويولد منها لغات كثيرة من الرومية، والزنجية، وغيرهما وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء كالنجار والصائغ والحائك، والبناء، وكذلك الملاح. قالوا: ولكن لا بد لأولها من أن يكون متواضعًا٣ بالمشاهدة والإيماء. قالوا والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحد من عباده على شيء، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد معها من إيماء إشارة بالجارحة نحو المومأ إليه، والمشار نحوه، والقديم سبحانه لا جارحة له، فيصح الإيمان والإشارة بها منه، فبطل عندهم أن

стр. 122

تصح المواضعة على اللغة منه، تقدست أسماؤه: قالوا ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التي وضع التواضع بين عباده عليها، بأن يقول: الذي كنتم تعبرون عنه بكذا، والذي كنتم تسمونه كذا ينبغي أن تسموه كذا، وجواز هذا منه سبحانه كجوازه من عباده ومن هذا الذي في الأصوات ما يتعاطاه الناس الآن من مخالفة الأشكال في حروف المعجم، كالصورة التي توضع للمعميات١، والتراجم وعلى ذلك أيضًا اختلفت، أقلام ذوي اللغات، كما اختلفت أنفس الأصوات المرتبة على مذاهبهم في المواضعات. وهذا قول من الظهور على ما تراه. إلا أنني سألت يومًا بعض أهله٢ قلت: ما تنكرا أن تصح المواضعة من الله تعالى؟ وإن لم يكن ذا جارحة، بأن يحدث في جسم من الأجسام خشبة أو غيرها، إقبالًا على شخص من الأشخاص، وتحريكًا لها نحوه،

стр. 123

ويسمع في نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتًا يضعه اسمًا له، ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات، مع أنه عز اسمه -قادر على أن يقنع في تعريفه ذلك بالمرة الواحدة فتقوم الخشبة في هذا الإيماء، وهذه الإشارة، مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في المواضعة، وكما أن الإنسان أيضًا قد يجوز إذا أراد المواضعة أن يشير بخشبة نحو المراد المتواضع عليه، فيقيمها في ذلك مقام يده لو أراد الإيماء بها نحوه؟ فلم يجب عن هذا بأكثر من الاعتراف بوجوبه ولم يخرج من جهته شيء أصلًا فأحكيه عنه وهو عندي وعلى ما تراه الآن لازم لمن قال بامتناع مواضعة القديم تعالى لغة مرتجلة غير ناقلة لسانًا إلى لسان، فاعرف ذلك. وذهب١ بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد،

стр. 124

وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب، وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل. واعلم فيما بعد أنني على تقادم الوقت ودائم التنقير والبحث في هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التغول١ على فكري، وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة٢ السحر. فمن ذلك ما نبه عليه أصحابنا ﵏، ومنه ما حذوته على أمثلتهم، فعرفت بتتابعه وانقياده، وبعد مراميه وآماده، صحة ما وفقوا لتقديمه منه ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه، وإنضاف إلى ذل وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعز، فقوى في نفس اعتقادي كونها توقيفًا من الله سبحانه وأنها وحي.

стр. 125

ثم أقول في ضد هذا ... كما وقع لأصحابنا ولنا وتنبهوا تنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا -وإن بعد مداه عنا- من كان ألطف منا أذهانًا، وأسرع خواطر، وأجرأ جنانًا. فأقف بين هاتين الخلتين حسيرًا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورًا. وإن خطر خاطر فيما بعد، يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها، قلنا به وبالله التوفيق١. وإذا نظرنا في كلام ابن جني السابق نرى أنه قد عرض لنظريات ثلاث هي: ١- الأولى: النظرية التوقيفية. ٢- الثانية: النظرية الاصطلاحية. ٣- الثالثة: نظرية المحاكاة.

стр. 126

ونرى نظرة ابن جني لنشأة اللغة تختلف عن نظرة ابن فارس فإذا رجعنا إلى رأي ابن جني في بدء حديثه عن اللغة أإلهام هي أم اصطلاح يرى أنها اصطلاح فيقول: هذا موضع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف، ثم بعد ذلك يستدل على صحته، ثم نراه في آخر الباب يقول: "إنني إذ تأملت حال هذه اللغة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة ... قوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله سبحانه، وأنها وحي. ويرى بعض١ المحدثين أن ابن جني في حيرة لعدم استطاعته ترجيح أحد الرأيين على الآخر، إلا أنني أخالف في هذا الدكتور إبراهيم أنيس في رأيه هذا لأن ابن جني وإن كان اتجه إلى القول بالاصطلاح، أولا، وتعاطف مع الرأي القائل بالتوقيف أخيرًا نجده يصرح برأيه وأنه

стр. 127

يرى أن اللغة إنما نشأت عن طريق المحاكاة ونظرية المحاكاة هذه غير نظرية الاصطلاح وإن كان بعض العلماء المحدثين قد ضمها في نظرية واحدة هي نظرية الاصطلاح والمواضعة. ونظرية المحاكاة هذه هي أقرب نظريات نشأة اللغة الإنسانية الأولى إلى الصحة وأكثرها تمشيًا مع طبيعة الأمور وتطورها وقد قال بهذه النظرية كثير من علماء اللغة المحدثين على رأسهم "وتني" ولقد سخر بعض النقاد من هذه النظرية حيث وصفوها بأنها تقف بالفكر الإنساني عند حدود حظائر الحيوانات، وتجعل اللغة الإنسانية الراقية مقصورة النشأة على تلك الأصوات الفطرية الغريزية، إلا أن وراء هذه الأصوات كما يرى الدكتور إبراهيم أنيس١ سورًا حصينًا عنده في الحقيقة تبدأ لغة الإنسان ذات الدلالات المتميزة المتباينة. ومما يرجح هذه النظرية على غيرها من النظريات:

стр. 128

١- أنها تثبت مراحل لنشأة اللغة الإنسانية تتفق تقريبًا مع مراحل التطور اللغوي عند الطفل، فهي تثبت أن الإنسان الأول قد ابتدأ طريقه بمحاكاة أصواته الطبيعية التي تعبر عن انفعالاته كأصوات الحزن والفرح والخوف والفزع ومحاكاة أصوات الحيوانات والطيور ودوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيح الحمار ونعيق الغراب ... إلخ. ثم استعان بالإشارات اليدوية والحركات الجسمانية الفطرية إلى محاكاة الأشكال والصفات للأشياء ثم استغنى الإنسان عن هذه الإشارات بعد تطور تفكيره وقد ثبت أن الطفل يمر بمراحل تشبه هذه المراحل إن لم تكن تتفق معها. ٢- الواقع يثبت أن كثيرًا من كلمات اللغة الإنسانية قد انحدرت عن تلك الأصوات الغريزية المبهمة -كما يقول الدكتور أنيس- ثم رسمت في تطويرها ودلالتها وأصبحت تعبر عن الفكر الإنساني

стр. 129

وإلا فكيف نتصور أن كلمة الخيل يشتق منها "الخيلاء والرجل يشتق منها ترجل". والوجه يشتق منه وجه الرجل أي صار وجيهًا ... إلخ. وكل ذلك انحدر إلينا من المحسوسات، ومن هنا نستطيع أن نتصور أن الكلمات التي نبعت من الأصوات الطبيعية يمكن أن تتطور في معناها، فتصبح صالحة للتعبير عن الدلالات الراقية المتحضرة. ٣- ما تقرره هذه النظرية بشأن اللغة الإنسانية في مراحلها الأولى يكاد يتفق مع ما نعرفه عن لغات الأمم البدائية، ففي تلك اللغات نجد أن كثيرًا من المفردات تحكي بأصوات حروفها أصوات الأحداث التي تدل عليها، كما أنهم يستعينون بالإشارات عندما يحتاجون إليها، نتيجة لنقص لغاتهم وعدم قدرة هذه اللغات على الوفاء بالتعبير عن مختلف الدلالات. وبعد كل ما تقدم نرى أن ابن جني الذي عاش في القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي قد نادى بما ينادي به علماء الغرب المحدثون مثل "جسبرس" و"وتني" وأن عقليته الفذة قد سبقت عصره وتخطته، وخلف لنا دراسات قيمة هي المنهل العذب الذي ننهل منه وينهل منه معنا علماء الغرب. وهناك نظريات أخرى في نشأة اللغة منها:

стр. 130

نظرية الغريزة الكلامية ... ١- نظرية الغريزية الكلامية: وتقرر أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة زود بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وأن هذه الغريزة تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة به، قياسًا على التعبير الطبيعي للإنسان عن الانفعالات عندما يقوم بحركات وأصوات خاصة غريزية كانقباض الأسارير وانبساطها والضحك والبكاء وغير ذلك عند الانفعال من غضب أو حزن أو خوف أو سرور أصحابها: وقال بها العالمان ماكس مولر الألماني ورينان الفرنسي.

стр. 131

تصور أصحاب الغريزة لنشأة اللغة: كانت هذه الغريزة الكلامية متحدة عند بني البشر في بداية الأمر ومن ثم تشابهت التعبيرات لدى الجماعات الإنسانية الأولى وتيسر للإنسان التفاهم مع أخيه الإنسان، ثم بمرور الزمن تنوسيت هذه الغريزة. واعترض على هذه النظرية بأن قياس الكلام على هذه الأصوات غير الإرادية قياس مع الفارق فالكلام إرادي أما تلك الأصوات فهي غير إرادية عندما يكون الإنسان عاجزًا عن الكلام. أما أحدث الآراء١ في نشأة اللغة فهو ما ذهب إليه فريق من العلماء المحدثين على رأسهم "جسبرسن" حين أسسوا نظريتهم على أسس ثلاثة: ١- دراسة مراحل نمو اللغة عند الطفل.

стр. 132

٢- دراسة اللغة في الأمم البدائية. ٣- دراسة تاريخية للتطور اللغوي. ولقد عقد ابن جني بابًا في الخصائص هو: "باب في هذه اللغة أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق" تابع منها بفارط؟ يقول فيه: قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام. وحكينا وجوزنا فيها الأمرين جميعًا. وكيف تصرفت الحال وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بد وأن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه، لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه، وتأليفه، وإعرابه المبين عن معانيه، لا يخالف الثاني الأول ولا الثالث الثاني كذلك متصلًا متتابعًا وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول: إنه يحكي كلام أبيه وسلفه، يتوارثونه آخر عن أول، وتابع عن متبع. وليس كذلك أهل الحضر، لأنهم يتظاهرون

стр. 133

بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة غير أن كلام أهل الحضر مضاه لكلام فصحاء العرب في حروفهم وتآليفهم إلا أنهم أخلوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح وهذا رأي أبي الحسن، وهو الصواب. وذهب إلى أن اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أن أول ما وضع منها وضع على خلاف، وإن كان كله مسوقًا على صحة وقياس ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها، غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفًا، وإن كان كل واحد آخذًا من صحة القياس حظًّا. ويجوز أيضًا أن يكون الموضوع الأول ضربًا واحدًا ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأول إلى قياس ثانٍ جارٍ في الصحة مجرى الأول. ولا يبعد عندي ما قال من موضعين: أحدهما سعة القياس وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان.

стр. 134

والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأول بالقياس الذي عدل إليه الثاني فلا عليك أيهما تقدم، وأيهما تأخر، فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به. فأما أي الأجناس الثلاثة تقدم -أعني الأسماء، والأفعال والحروف فليس مما نحن عليه في شيء، وإنما كلامنا هنا: هل وقع جميعها في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة، وشيئًا بعد شيء وصدرًا بعد صدر. وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى ههنا فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء، والأفعال والحروف، فإنه من أماكنه وأوقاته. اعلم أن أبا علي ﵀ كان يذهب إلى أن هذه اللغة -أعني ما سبق منها ثم لحق به ما بعده- إنما وقع كل صدر منها في زمان واحد، وإن كان تقدم شيء منها على صاحبه فليس بواجب أن يكون المتقدم

стр. 135

على الفعل الاسم، ولا أن يكون المتقدم على الحرف الفعل وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل، والفعل قبل الحرف، وإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس، وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان. فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدموا الاسم قبل الفعل ويجوز أن يكونوا قدموا الفعل في الوضع قبل الاسم وكذلك الحرف، وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا معيار أمورهم، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني، وأنها لا بد لها من الأسماء والأفعال والحروف، فلا عليهم بأيها بدوا، أبالاسم أم بالأفعل أم بالحرف؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهن جمع إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن. هذا مذهب أبي علي وبه كان يأخذ ويفتي

стр. 136

وهذا يضيق الطريق على أبي إسحاق١ وأبي بكر٢ في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غير لكثرة استعماله إنما تصورته العرب قبل وضعه، وعلمت أنه لا بد من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره، علمًا بأن لا بد من كثرته الداعية إلى تغييره وهذا في المعنى كقوله: رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا وقد كان أيضًا أجاز أن يكون قد كانت٣ قديمًا معربة، فلما كثرت غيرت فيما بعد، والقول عندي هو الأول؛ لأنه أدل على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها، فتركوا بعض الكلام مبنيًّا غير معرب نحو أمس، وهؤلاء، وأين، وكيف، وكم، وإذ. واحتملوا ما لا يؤمن معه من اللبس؛ لأنهم إذا خافوا ذلك زادوا كلمة أو كلمتين، فكان ذلك أخف عليهم من تجشمهم اختلاف الإعراب، وإتقائهم الزيغ والزلل فيه ألا ترى أن من لا

стр. 137

يعرب فيقول: ضرب أخوك لأبوك قد يصل باللام إلى معرفة الفاعل من لمفعول، ولا يتجشم خلاف الإعراب ليفاد منه المعنى، فإن تخلل١ الإعراب من ضرب إلى ضرب يجري مجرى مناقله الفرس، ولا يقوى على ذلك من الخيل إلا الناهض الرجيل٢، دون الكودن٣ الثقيل، قال جرير: من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال٤ ويشهد للمعنى الأول أنهم قالوا: أقتل، فضموا الأول توقعًا للضمة تأتي من بعد.

стр. 138

وكذلك قالوا: عظاءة، وصلاءة، وعباءة، فهمزوا مع الهاء توقعًا لما سيصيرون إليه من طرح الهاء، ووجوب الهمز عند العظاء والصلاء والعباء على ذلك قالوا: الشيء منتن فكسروا أوله لآخره، وهو منحدر سن الجبل، فضموال الدال لضمه الراء. وعليه قالوا: هو يجوءك وينبؤك فأثر المتوقع؛ لأنه كانه حاضر وعلى ذلك قالوا: امرأة شمباء١. وقالوا العمبر ونساء شمب، فأبدلوا النون ميمًا لما يتوقع من مجيء الباء بعدها. وعليه أيضًا أبدلوا الأول للآخر في الإدغام نحو مرأيت٢؟ وإذ هفى٣ ذلك واصحمطرا٤. فهذا كله وما يجري مجراه، يشهد لأن كل ما يتوقع إذا ثبت في النفس كونه كان كأنه حاضر مشاهد، فعلى ذلك يكونون قدموا بناء نحوكم وكيف وحيث وقبل، وبعد، علما بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها، فيجب لذلك تغييرها.

стр. 139

فإن قلت: هلا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدوا بالأسماء؛ لأنها عبارات عن الأشياء، ثم يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركيبها، واستقلالها بأنفسها، نحو إن زيدًا أخوك، وليت عمرًا عندك، وبحسبك أن تكون كذا؟ قيل يمنع من هذا أشياء: منها وجود أسماء مشتقة من الأفعال نحو قائم من قام، ومنطلق من انطلق، ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله، نحو ضرب فهو ضارب، وقام فهو قائم وناوم فهو مناوم. فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقًّا من الفعل فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقًّا منه ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه. وأيضًا فإن المصدر مشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر،

стр. 140

وكلاهما اسم. وأيضًا فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي. وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال مشتق من الحروف، نحو قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي أي قلت لي: لولا، وسألتك حاجة فلا ليت لي، أي قلت لي: لا. واشتقوا أيضًا المصدر -وهو اسم- من الحرف، فقالوا: اللالاء واللولاة، وإن كان الحرف متأخرًا في الرتبة عن الأصلين قبله، الاسم والفعل. وكذلك قالوا: سوفت الرجل، أي قلت له: سوف، وهذا فعل -كما ترى- مأخوذ من الحرف. ومن أبيات١ الكتاب: لو ساوفتنا بسوف من تحيتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنع٢

стр. 141

انتصب "سوف العيوف" على المصدر المحذوف الزيادة، أو مساوفة العيوف. وأنا أرى أن جميع تصرف "ن ع م" إنما هو من قولنا في الجواب نعم. من ذلك النعمة، النعمة، والنعيم، والتنعيم، ونعمت به بالًا وتنعم القوم، والنعمى، والنعماء، وأنعمت به له: وكذلك البقية وذلك أن "نعم" أشرف الجوابين وأسرهما للنفس، وأجلبهما للحمد و"لا" بضدها، ألا ترى إلى قوله: وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح الوعد، إن الوعد الخلف ذم١ وقال الآخر - أنشدناه أبو علي: أبي جودة لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجوع قاتله٢

стр. 142

يروى بنصب "البخل" وجره. فمن نصبه فعلى ضربين: أحدهما أن يكون بدلًا من "لا"؛ لأن "لا" موضوعه للبخل، فكأنه قال: أبي جوده البخل، والآخر أن تكون "لا" زائدة والوجه هو الأول؛ لأنه قد ذكر بعدها نعم، ونعم لا تزاد، فكذلك ينبغي أن تكون "لا" ههنا غير زائدة. والوجه الآخر على الزيادة صحيح أيضًا، لجرى ذكر "لا" في مقابلة نعم. وإذا جاز لـ"لا" أن تعمل وهي زائدة فيما أنشده أبو الحسن من قوله: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إلى لامت ذوو أحسابها عمرا١ كان الاكتفاء بلفظها من غير عمل له أولى بالجواز.

стр. 143

ومن جره قال: "لا البخل" فبإضافة "لا" إليه؛ لأن "لا" كما تكون للبخل قد تكون للجود أيضًا، ألا ترى لو قال لك إنسان: لا تطعم الناس. ولا تقر الضيف، ولا تتحمل المكارم، فقلت أنت: "لا" لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل، فلما كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا أضيفت إلى البخل، لما في ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدين. فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنية؟ ألا تراها على حرفين الثاني حرف لين، وهذا أدل شيء على البناء، قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها جاعل سببًا له لكان "أعذر من أن يجعلها نافية له، ألا ترى أن المضاف بعض الاسم، وبعض الاسم صوت، والصوت واجب بناؤه، فهذا من طريق القياس، وأما من طريق السماع فلأنهم قد قالوا: كم رجل قد رأيت، فكم مبنية وهي مضافة. وقالوا أيضًا: لأضربن أيهم أفضل، وهي مبنية عند سيبويه. فهذا شيء عرض قلنا فيه.

стр. 144

ثم لنعد إلى ما كنا عليه من أن جميع باب "ن ع م" إنما هو مأخوذ من "نعم" لما فيها من المحبة للشيء والسرور به فنعمت الرجل أي قلت له نعم، فنعم بذلك بالا كما قالوا: بجلته أي قلت له بجل أي حسبك حيث انتهيت، فلا غاية من بعدك، ثم اشتقوا منه الشيخ البجال، والرجل البجيل. فنعم، وبجل كما ترى حرفان، وقد اشتق منهما أحرف كثيرة فإن قلت: فهلا كان نعم وبجل مشتقين من النعمة والنعيم، والبجال البجيل ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقًّا منهما؟ قيل: الحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدًا. وذلك أنها لما جمدت فلم تتصرف شابهت بذلك أصول الكلام الأول التي لا تكون مشتقة من شيء؛ لأنه ليس قبلها ما تكون فرعًا له ومشتقة منه يؤكد ذلك عندك قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي، أي قلت لي "لولا" فاشتقوا الفعل من الحرف المركب من "لو" و"لا" فلا يخلو هذا أن يكون "لو" هو الأصل، أو لـ"لولا" لا يجوز أن يكون "لولا" لو كان "لولا" هو الأصل، كان "لو"

стр. 145

محذوفًا منه، والأفعال لا تحذف، إنما تحذف الأسماء نحو: يد، ودم، وأخ، وأب، وما جرى مجراه، وليس، الفصل كذلك، فأما خذ، وكل ومر، فلا يعتد إن شئت لقلته؛ وإن شئت لأنه حذف تخفيفًا في موضع وهو ثابت في تصريف الفعل، نحو أخذ يأخذ وأخذ وآخذ. فإن قلت: فكذلك أيضًا يد، ودم، وأخ، وأب، وغد، وفم ونحو ذلك؛ ألا ترى أن الجميع تجده متصرفًا وفيه ما حذف منه، وذلك نحو أيد وأيادٍ ويدي، ودماء ودمي، وأدماء والدما في قوله: فإذا هي بعظام ودما. وأخوة وأخوة، وإخاء وأخوان وآباء، وأبوة وأبوان. وغدوا بلاقع١. وأفواه وفويه، وأفوه وفوهاء وفوه، قيل: هذا كله إن كان قد عاد في كل تصرف منه ما
следующие страницы →