بعد أيام مظلمة من اضطهاد الرأي وكبت اليراع، ونفست عن نفسها في أسلوب حاد كانت حدته موجهة إلى الأجانب خاصة، فقد اعتبرت الصحافة أن الضيق الذي لحقها مصدره الأجانب ورقيباهما وقناصلهم، فحملت عليهم حملة قاسية ذكرها اللورد كرومر في كتابه قائلًا: "أخذت الصحف العربية في أثناء ذلك تستثير حفيظة الأهالي على الأوربين وأسلوبهم في الحكم وتحرك العصب الديني"١.
أما الحملة على الأوربين فحقيقة تاريخية أحستها الشريفية فأخطرت الصحف بها ولفتت النظر إليها فذكرت أن "الجرنالات تعودت من مدة على الخوض في كلام يتعلق بالأجانب مع غاية الحدة وإظهار التأثر منهم والتغيظ بلا سبب ولا موجب، لا يراعون في كلامهم حالة البلاد المصرية وعلاقتها السياسية مع أنه لا يوجد في داخلية البلاد ولا في روابطها الخارجية ما يوجب اندفاع الجرائد المذكورة في هذا الطريق على وجه يوجب اضطراب الأفكار العمومية ويخدش الأذهان" ويبين الإخطار علاقة مصر بالسلطان وواجباتها نحوه، ثم يوضح حرص الحكومة على مصالح البلاد أمام الدول جميعًا، ثم تنذر الصحف "بأن لا تخرج في مقالاتها عن حد الاعتدال وألا تتعرض لشيء من الطعن والتنديد بأحد من معاهدينا لا على وجه العموم والخصوص"٢.
فمهاجمة الأجانب إذن حقيقة تاريخية أقرها إنذار الحكومة للصحف، أما التعصب الديني الذي يذكره كرومر فتنكره مواقف الصحافة الوطنية خلال الثورة جميعًا، حتى إن إحداها ذكرت أنه لا يعنيها أن يكون على رأس الحكومة مسلم أو مسيحي وإنما يرضيها أيهما إذا جعل مصالح الوطن فوق كل اعتبار، وهي تسخف سقم تفكير السابقين في تعصبهم للدين "ولكننا أبناء هذا الجيل يعار علينا أن نسلك ذلك المنهج ونجعل الاختلاف في المشرب والتباين في العقيدة علة لعداوة مواطنينا الذين ليسوا على شاكلتنا في الدين
стр. 107
مع كونهم مشاركون لنا في الجنسية والوطنية، ثم إذا بقي شيء من أدران الأقدمين في نفوس العامة فعلى النبهاء الذي تنورت أفكارهم وعلموا أن ما أصاب الأقدمين من الضعف وما لحقهم من الشر مسبب عن تعصبهم للذين أن يدعوا الناس إلى ترك هذا التنابذ الذي لا خير فيه"١.
ويؤكد وجهة نظرنا في براءة الصحف من التعصب الديني أن إنذار إدارة المطبوعات لها لم يشر إلى هذا التعصب في كثير أو قليل، غير أن الحكومة أرادت وقف الحملة مهما يكلف الثمن وهي سليمة الطوية تتميز بسمة شعبيتها، وقد أصاخت لها معظم الصحف إلا جريدة "الحجاز" وهي صحيفة حديثة العهد بالحياة، فقد أنشئت سنة ١٨٨١ لصاحبها السيد سراج إبراهيم المدني، إذا استمر صاحبها في حملته على الأجانب "حيث كان يطعن في الدول الأجنبية طعنًا غير أدبي ويسقط عند الكلام في شأنها بما لا يليق وكثيرًا ما طلبناه ونبهنا عليه وشددنا في الأمر وحذرناه من الرجوع إلى مثل ذلك، فلم يرتدع ولم ينزجر ثم خالف المنشور العمومي الذي بعث به إليه وإلى جميع أصحاب الجرائد العربية إلى أن أتى في عدده الأخير بأزيد مما حذرناه منه مرارًا، فمن أجل هذا صدر قرار مجلس النظار بإلغاء جريدته لغوًا مؤبدًا"٢.
والحكومة إذا حزمت أمرها في تهدئة الحالة بإغلاق الصحف المتطرفة وهي كما نعلم حكومة شعبية قد تؤاخ على مصادرة حرية الرأي بيد أنه حريصة على مصلحة مصر وإن أدى ذلك إلى تعطيل قليل من الصحف، وهي كذلك تأبى على الصحف الأجنبية في مصر أن تسيء إلى المصريين ومشاعرهم الدينية، فقد نشرت جريدة "ليجبت L Egypte في ٢ أكتوبر سنة ١٨٨١ مقالًا عرضت فيه بالنبي محمد، ﷺ ، فهاجت لذلك الصحافة المصرية ولفتت النظر إلى هذا المقال فصدر الأمر بتعطيلها٣.
стр. 108
وحاول صاحبها أن يحتمي بالقنصلية الفرنسية غير أن حزم الحكومة حال دون هذا التدخل١ وذكرت المحروسة في ابتهاج شديد نبأ إغلاق جريدة "ليجبت" وموقف الحكومة المشرف من القنصل الفرنسي الذي نصح لصاحبها بمغادرة البلاد٢.
بدأت الصحف بعد أن تحررت من قيودها توجه المطاعن تلو المطاعن إلى إجحاف نظام الضرائب الذي وضعته المراقبة الأوربية فأعفت الأوربيين منها وألفت العبء كله على كاهل الوطنيين، كما أنها أنحت بأشد للائمة على كثرة تعيين الفرنسيين والإنجليز في الوظائف ومنحهم المرتبات الباهظة٣ وهي شكوى قديمة حديثة، ثم راحت تطلب حياة الشورى لمصر والتعليم لأبنائها، وفي ذلك يقول حسن الشمسي وهو من ضحايا العهد الماضي، إنه سينهي دور صحيفته "المفيد" حينما "يأتي يوم يقال فيه تنبه الغافل وتعلم الجاهل وغلت يد العادي وردت الحقوق لذويها وسلمت الأرض لبنيها" وهو يحدثنا عن صحيفته وهي إحدى الصحف المعبرة عن الحزب العسكري بأن ظلم المستبد حال بينه وبين التبكير في إصدار هذه الجريدة، وذكر أن الصحف الباقية "إنما سايرت الظالم وغيرها سقط في ميدان الشرف والجهاد" وأنه فضل التعطيل على النهوض في ظل الظلمة المستبدين٤.
وتعتبر جريدة "المفيد" من خيرة صحف الثورة فقد دأبت على نشر افتتاحياتها عن مصر ومشاكلها في أسلوب وطني عنيف، ولصاحبها مقالات رائعة عن الاستقلال والحرية بعنوان "محاور سياسية"٥ وكان طبعيًّا أن
стр. 109
يعنف محرر "المفيد" في مقالاته وهو لسان جامح من ألسنة الثورة، وكان طبعيًّا أيضًا أن تتبرم به حكومة شريف؛ لأنها ترجو الهدوء والاتزان، لذلك جمعت في معاملتها للمفيد اللين والشدة معًا لترضي الوطنيين والأجانب على السواء، فعطلت "المفيد" أسبوعين فقط وبذلك أرضت الدوائر الأجنبية ثم أرضت الدوائر الوطنية بهذا العقاب الهين، ويظهر قدر "المفيد" بين صحف العصر من حزن زميلاتها على تعطيلها فقال كاتب "المحروسة": "ساءني صدور الأمر بتعطيل جريدة "المفيد" أسبوعين فإن محررها في الجريدة نير الفكر قويم المشرب لا يظهر بما يخالف المصلحة أو يخرج عن الحد .. وفي مأمولي أن "المفيد" يصدر من بعدها بمزيد الفائدة ويكون في مقدمة الجرائد الداعية إلى الوحدة الوطنية الناهية عن الإحن والعداوات المذهبية العاملة على علم بأحكام الحرية"١.
وتساهم "الأهرام" فيما شغل البلاد من أحداث دون أن تتطرف في رأي أو تتجاوز أسلوبها المأثور عنها بكلمة نابية أو تعبير شاذ، وتعالج الأمور بروية، ولا تغفل أحداث البلاد الخارجية فتنشر الكتب والمقالات الطوال عن البوسنة والهرسك وروسيا وألمانيا كما أنها تنقل رأي الغرب في الشئون المصرية وتأخذ ذلك عن الصحف الفرنسية والإنجليزية، ثم ينشر المحرر رأي الحكومتين الإنجليزية والفرنسية في الحركات السابقة على تأليف الوزارة الشريفية وموقفهما الجديد "لكبح كل حركة" وهي تنذر العرابيين "وسعادتلو أحمد بك عرابي" بالذات٢.
وقد عمدت "الأهرام" إلى التحدث عن أوربا وتقدمها من الناحيتين المادية والأدبية، وقابلت بينها وبين تركيا، فأفرطت في ذكر المساوئ التي
стр. 110
نتجت من نظم الحكم العثماني ثم نقلت عن صحف لندن، حملات على الباب العالي وفي ألفاظها ما لا يليق أن ينشر فأنذرتها الحكومة مرتين١.
وقد كان للخديو في هذا التيار الجارف من النشاط الصحفي قدر محدود، فقد أنشأ من معوض فريد في مدينة الإسكندرية مجلة أسبوعية سماها "البرهان" في سنة ١٨٨١ ويحررها الشيخ حمزة فتح الله اللغوي المصري المعروف، و"البرهان" تعلن بأنها صحيفة السراي وتفخر بذلك كل الفخر فقد "حلت صحيفة البرهان من أعتابه العليا محل القبول، وأن جنابة الفخيم -أي الخديوي- يكاد يستوعبها تلاوة" وأنه أمر بأكثر من ثلاثين نسخة اشتراكًا للمعية السنية.
والخديوي عند المحرر آية من آيات الدهر فإذا رأيته "ألفيت في محياه ما بجذب إلى التسبيح الأفواه، لا سيما إذا ترقرق ماء البشر في عزته، وتفتق نور المجد من أسرته" وإذا كانت الصحافة العربية المصرية جميعًا على اختلاف مشاربها تحبذ الشورى وتدعو لها وتأبى الظلم وتحمل على الاستبداد فإن الشيخ حمزة فتح الله يقول بغير هذا في مقال ضخم بعنوان "الشورى ومجلس النواب المصري" وذلك على أيام من افتتاح هذا المجلس: "نحن وإن كنا نعلم ما يترتب على الشورى من الفوائد العميمة والمنافع الجسيمة وما ينجم عن التفرد بالرأي من سوء العاقبة، غير أن ذلك لم يكن يمنعنا من إبداء ما نراه من الملاحظات في الأمرين كليهما، أعني الشورى والتفرد بالرأي المعروف بالاستبداد، فأما الشورى فإنها وإن كانت ممدوحة عقلًا وشرعًا بما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة في غير موضع إلا أن ذلك ليس على معنى أنها واجبة حتمًا على أولي الأمر، بحيث لا تمضي بدونها بيعتهم ولا تنفذ أحكامهم؛ لأن هذا ما لا يقول به أحد، بل إن مبلغ العلم فيها أنها من الأمور التي ندبت إليها الشريعة المطهرة من قبل إتمام مكارم الأخلاق".
ثم يمضي الكاتب مبينًا وجهة نظر المعارضين للشورى "وأما الاستئناس بأن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ قد ترك الأمة شورية فهو غلط
стр. 111
ظاهر" ثم يستمد صورة الملوك من العصور الوسطى ويدعو لها قائلًا:
"ألا وإن الملوك ظل الله تعالى في أرضه، لا يجوز الخروج عن طاعتهم ولا البغي عليهم ولا تخاف ذمتهم ولا تنكث بيعتهم ولا ينقض عهدهم في حال من الأحوال اللهم إلا بكفر صريح لا يحتمل التأويل"١.
في هذا القلم الرجعي أيد الشيخ حمزة الرجعية المصرية في وضوح لا يقبل الشك أو التأويل، ولا يرضى الصحفيون المصريون عن هذه النغمة بل ترد جريدة "مصر" لصاحبها أديب إسحاق - وقد عاد من منفاه في باريس وأصبح ناظرًا لقلم الإنشاء والترجمة بديوان المعارف- ترد على هذه الأقلام مادحة الديمقراطية المصرية الجديدة، فقد نشر الكاتب في آخر ديسمبر سنة ١٨٨١ بمناسبة افتتاح مجلس النواب مقالًا يدل دلالة بينة على الغرض منه، وهو غرض ممزوج بتقديس والفرحة الصادقة بالعهد الجديد، ذكر مفتتحًا مقاله ببيت من الشعر:
صفحًا لصرف الدهر عن هفواته ... إن كان هذا اليوم من حسناته
"كيف لا وهو حاجة النفس وأمنية القلب منذ توجه الخاطر إلى السياسة الوطنية وانصرف العزم إلى إحياء الهمم وانعقدت النية على حفظ الحقوق واتحدت الوجهة في القيام بالواجبات، وهو النشأة التي كست الوطن رداء الفتوة قشيبًا، وهو البغية التي غرست للأمة غصن الأمل رطيبًا، وهو ما رجوناه زمانًا ودافعنا الزمن فيه وتمنيناه أعوامًا وغالبنا الحدثان عليه" ..
ثم يقول: "فيا حسنه من يوم رد فائت البهاء وأحيا مائت الرجاء. وأعاد شباب الأمة، وسدل ستور النعمة، وأظهر مقاصد الأمير وأبدى مساعي الوزير، وقضى لبانات النبهاء وحقق أماني النزهاء، فلا زال مشرق الشمس مرفوع لواء الأنس، منقوشًا على صفحات الصدر بأحرف من نور على توالي الأيام والدهور".
стр. 112
وأديب إسحاق يعبر في هذه المقال وفي غيره أصدق التعبير عن التيارات الفكرية التي تخالف تفكير حمزة فتح الله ومن على شاكلته، وهو يشتد على هؤلاء الرجعيين الذين يسفهون الرأي الحر كما يقسو على أبواق الأجنبيين من أصحاب الصحف العربية الذين يعيبون على الوطنيين تطرفهم "فالحزب الوطني غير متعصب إلا لوطنيته، والحزب الوطني غير معاد إلى الخائنين، يروم إحياء مصر لسكان مصر وترومون إماتتهم جميعًا يا أيها اللؤماء، ويريد أن يكون المصري في مقام الإنسان مستقلًا بوجوده متمتعًا باستقلاله فائزًا بحقوقه ناهضًا بواجباته، وتريدونه بمنزلة الحيوان يساق للحرث فإن عجز فللسلخ، ويطلب أن يكون الوطني آمنًا في داره مساويًا لجاره يستغل زرعه ويستدر ضرعه، وتلتمسون أن يكون غريبًا في آله مصادرًا بماله يطعم من يحرمه ويؤمن من يروعه ويحفظ من يضيعه ويصون من يبيعه"١.
ووسط هذه المسائل العامة التي فرغت لها الصحف المصرية لم تنس أن لها حقوقًا فأخذت تفكر في حالها وآمالها، فالمطالبة بقانون للمطبوعات ينظم أمورها من أغراض الصحافة المصرية منذ أيام إسماعيل، فلا غرو إذ تحدثت عنه اليوم وألحت في المطالبة به، وهي تختلف في شأنه، فبعضها يريده قانونًا حرًا "كمصر" وبعضها يريده صورة يرضاها الشيخ حمزة فتح الله في مقال له عن "اليراع"٢ وبعضها يرجوه وفي من التضييق ما يلزم بالتزمت، وأكبر الظن أن المحرر -وهو هنا سليم النقاش صاحب "المحروسة"- لم تسعفه ثقافته الضيقة بهضم المعاني الحرة الموجودة في القانون المطلوب، فقد رأى أن يكون في التشريع ما يضطر الصحف إلى الاعتدال، وأن تراعي فيه حالة البلاد وأطوارها الأدبية والسياسية، وأن يحول القانون دون حرية الصحافة في شئون مصر الخارجية وخاصة ما اتصل بالدول الصديقة، وهو يرجو ألا يستمد القانون أصوله من القوانين المعمول به في فرنسا وانجلترا
стр. 113
لأن عقلاء البلدين يشكون الحرية في هذين القانونين١.
ومهدت الحكومة لقانون المطبوعات بأن ضمت المطبوعات الفرنجية إلى العربية في إدارة واحدة، وتساوت بذلك الصحف جميعًا في الحقوق والالتزامات٢، ثم صدر قانون المطبوعات المصري في ٢١ نوفمبر ١٨٨١ وهو أول تشريع للصحافة يرتب شئونها ويحدد واجباتها ويعلن حقوقها، وإلى أن يحين وقت الحديث عنه مفصلًا نذكر للتيمس كلمة قالتها فيه تجمل الرأي عنه، فهو عندها قانون شديد وهو أسخف من أن ينفذ٣ وقد أشارت إلى شدته الجريدة الفرنسية الرسمية في إحدى المناسبات٤ وقد أصدرت حكومة شريف قانون المطبوعات ولم تطبقه على صحيفة من الصحف العربية بالرغم من صفة التزمت والتضييق الغالبة على معظم مواجه بيد أن جريدة La Gazette Des Tribubaux كانت الجريدة الفرنجية الوحدة في مصر التي أنذرت بمقتضى هذا القانون في ٧ يناير عام ١٨٨٢ لخوضها في المسائل السياسية دون أن يبيح لها ترخيصًا ذلك؛ ثم لأنها "استعملت التمويهات المنطوية على سوء القصد"٥، وفيما عدا هذا الإنذار بقي القانون معطلًا عن أداء وظيفته في جو مملوء بالأحداث الجسام.
مضت الحكومة الشريفية تؤدي وظيفتها أحسن الأداء، وأفسحت صدرها للملاحظة والنقد، سواء من أعضاء المجلس أو من صحافة مصر، هي لا تنذرها ولا تعطلها إلا مضطرة، وكادت تستقيم الأمور لها وتتمكن الحياة الدستورية من التأصل والاستواء لولا أن هذا النجاح لم يرض الرقيبين الأجنبيين ولم يرض قنصليهما، فإذا الأخيران يخلقان أزمة فجة غير مناسبة، فقد انتهزت الحكومتان
стр. 114
الإنجليزية والفرنسية فرصة انعقاد مجلس النواب فأرسلتا في يناير مذكرة مشتركة تعلنان فيها تأييدها للخديوي واستعدادهما لهذا التأييد بشتى المظاهر١.
وكان لهذه المذكرة أثرها البعيد في تطور الحوادث وانتقال الثورة من اليمين إلى اليسار فقد رفضتها الحكومة وبلغت القنصلين هذا الرفض٢ ثم أرسلتها إلى الباب العالي مع وجهة النظر المصرية ثم نشرت "المحروسة" رأي الحكومة العثمانية الذي وجهته إلى سفير انجلترا وفرنسا وتبدى فيه "سوء الأثر الذي حصل لها من جراء هذا العمل".
وبعد أن ذكرت الجريدة محافظة الدولة على مصر وامتيازاتها وأن الشعب المصري هادئ وسعيد بحالته أبرزت كل هذه المعاني في يقول الباب العالي "وفي ظننا أن يستحيل إبداء أقل الأدلة على ما ينافي ذلك الاستشهاد أو بأي حادث داخلي متعلق بمصر يكون داعيًا لإصدار مثل هذه اللائحة المذكورة، وبناء على ذلك لا نرى شيئًا مما يقتضي باستصواب ما أجرته الدولتان من تقديم تلك اللائحة لسمو توفيق باشا"٣.
وقد أخفقت المذكرة في أثرها المطلوب في مصر وتركيا، ولكن الدولتين أبتا إلا خلق المشاكل، فأرسل القنصلان بإيعاز من المراقبين الأجنبيين يطلبان الحد من سلطان البرلمان في تقرير الميزانية "ولما هو معروف عن مجلس النواب من عدم الخبرة ومن ميوله العدائية نحو العنصر الأوربي في الحكومة"٤ وهو تحد ظاهر لأهم وظائف المجالس النيابية لم ترض عنه صحف مصر وحملت على إهانة النواب المصريين حملة شعواء٥.
стр. 115
وقد اضطرت الوزارة في آخر الأمر إلى الاستقالة بعد أن رفض النواب وجهة نظرها، فقد كانت ترى وجوب عمل الميزانية بموافقة المراقبين الإنجليزي والفرنسي ورقابتهما، والنواب لا يرون هذا الرأي ولا يقرون هذا التدخل، وقد علقت "المحروسة" على الموقف برمته بأن الخديوي والنواب وعامة الناس قد اعترفوا بالدين وفوائده فليس من العدل حرمان المجلس التشريعي من أهم اختصاصاته وهي إقرار الميزانية ما دام أمر الدين فيها لن يمس١، ولكن صحف القنصليتين الفرنجيات حملت على الوطنيين وخاصة "الإجبشيان جازيت (Egyptian Gazette) حملة عنيفة تولت الصحافة الشعبية الرد عليها دون الحكومة التي شغلت بالأزمة عن كل شيء، وناقشتها وبينت مواضع الجور في عمل الدولتين وظلمهما لمصر، هذا البلد الذي يكرم الأجانب وهم يسيئون إليه، ثم عاتبت في عنف الصحف الأجنبية وعلى رأسها "الإجبشيان جازيت" التي تكيد للوطنيين وتزعم تعصبهم للدين وحملتهم على المسيحين، ونفت هذه السوءات عنهم، وأكدت بعدهم عن التعصب في أمور الدنيا أو شئون الدين٢.
ثم ساهمت الصحف الأوربية في لندن وفي باريس في هذه الحملة على المصريين ومجلس نوابهم وحكومتهم فيما خلا محرر التيمس فكان رجلًا واسع الفكر ملمًا باللغات العربية وآدابها، وكان معتدل الرأي في المسائل المصرية فلم يرها كغيره من الصحفيين لا تعني غير بورصة لندن، وكثيرًا ما فتح صدر التيمس لآراء الوطنيين المصريين، غير أن هذا العطف من مستر شنري بالتيمس على الأماني المصرية لم يستمر؛ لأن مراسل هذه الجريدة وغيره من مراسلي صحف أوربا في مصر كان يستمدون أخبارهم المهمة من السير أوكلند كلفن المراقب البريطاني، وكانت وكالتا رويتر وهافاس خاضعتين لنفوذ
стр. 116
المراقبة الثنائية، وكل منهما تتقاضى ألف جنيه في السنة، وكانت وكالة روتر لا ترسل برقياتها إلى لندن إلا بعد إجازتها من القنصلية أو الرقيب الإنجليزي.
وقد أضر هذا الأسلوب الصحفي بالقضية المصرية في الخارج إذ وضعت -كما رأينا- الأنباء الصحفية تحت مراقبة الوكالات السياسية أو ما يشابهها، فقد كان لموظفي فرنسا وإنجلترا في مصر "السيطرة التامة على الأخبار التي يجوز أو لا يجوز إرسالها إلى لندن، وكان أجر هؤلاء المراسلين إما مالًا أو معلومات سرية لها خطرها في الفن الصحفي١ وقد اشتركت الصحف في الخارج ووكالات الأنباء في مصر والصحافة الأجنبية المصرية وممثلو الدولتين، اشترك كل أولئك في قطع الطريق على الهدوء الذي حققته حكومة شريف باشا وآزرتها بعض الأحداث الداخلية كمؤامرة الضباط الشراكسة٢ وقصة الحكم عليهم٣ وتطرف الصحافة المصرية، فاستقالت الوزارة الشريفية، وانتقلت مقاليد الأمور إلى الحزب العسكري وأنصاره.
وكانت الصحف قبل الحكومة البارودية الجديدة تشغل حديثها كله بشئون مصر العامة، وكانت لسانًا طيبًا للحركات الحرة ومدافعًا عظيمًا أمام الصحف الأجنبية في مصر أو في الخارج، غير أن هذا الاتجاه المحمود صحبه لون من التحزب للجنس والوطن وكان له أبعد الأثر في انحراف الصحافة الوطنية وتنكبها مثلها الرفيعة واشتباكها في معركة وزعت جهودها وفرقت شملها.
وكانت الصحف الوطنية المتطرفة تحمل على بعض المتمصرين من الصحفيين ولم تتعد الحملة في أول الأمر بعض هؤلاء الأفراد غير أنها مضت تتحدت عن المصريين والشاميين في دوائر الحكومة والصحافة وخاصة الدوائر الصحفية فقد كان معظم الصحفيين الشاميين في مقدمة العناصر الحرة يلتهبون حماسة
стр. 117
لاستقلال مصر وحياتها الدستورية، بيد أن هذه الأقلام الملتهبة خبت ثم انزوت ثم وقفت إلى جانب الخديوي علانية لما تحرج الأمر إبان الثورة العرابية، كما وقفت الصحف الوطنية أقلامها ضده وضد أسرته.
وكانت "المفيد" جريدة من جرائد الثورة العرابية بلغت حماستها غايتها في سنة ١٨٨٢ وهي لا تمثل العناصر العسكرية أو المذاهب السياسية وحدها، بل حفلت صفحاتها بكثير من المقالات الاجتماعية والاقتصادية الممتعة، فهي يومًا تتحدث عن ذل المصريين المادي والأدبي١ وتكتب في يوم آخر مقالًا ثوريًّا عن الفلاح التعس "السيد في صورة العبد ورب الدار في موقف الخادم"٢ وقد بلغت مكانتها الصحفية قدرًا جعل الأجانب يحسون خطرها ويلتمسون عطفها وخاصة في مشروعاتهم الاقتصادية، وقد حاولوا رشوتها لتحبذ عند العامة فكرة اقتصادية خاصة، فتأبى المفيد هذه الرشوة وتفضح أصحابها من الشرقيين والأجانب الذي نسوا في مساومتها أن "نفس الحر لا تبيع شرفها بثمن"٣، ومنذ أبديت محاولة رشوتها في ذلك المشروع الاقتصادي اتخذت "المفيد" خطة جديدة نحو الشاميين في مصر، فهي تكتب المقالات تطلب من الحكومة فصلهم من وظائفهم؛ لأنهم غير خليقين بأن ينتسبوا إليها، وإذا عاتبها الشاميون من أصحاب الصحف ردت عتابهم في منطق لا يسف وفي عبارة مهذبة بيد أنها عنيفة قاسية٤.
وتشتد الخصومة بين "المفيد" والصحف الثورية من ناحية وبين صحف الشام التي تصدر هناك من ناحية أخرى، وهي صحف قاسية الأسلوب زاد عنفها في أوار المعركة في مصر، وتتدخل "المحروسة" في أمر هذه الخصومة وهي آخر ما بقي في مصر من صحف الشاميين المتمصرين، وهي ترج في
стр. 118
عبارة رقيقة أن تفصل في هذه المعركة وتقضي على هذا الخصام؛ بيد أن المفيد تتهمها بإيثار فرنسا على تونس يوم امتحن هذا البلد الشقيق بقسوة الفرنسيين وجبروتهم، ثم تأبى عليهم صفة الوطنية التي تدعيها لنفسها، فهي قد ولدت تسبح بحمد الخديوي توفيق سنة ١٨٨٠ وكانت صديقة لرياض باشا في وقت كان إرهاب الصحافة ديدن الحكومة وغايتها وفي ذلك من النفاق ما لا تقبله صحيفة وطنية العقيدة حرة الفكرة.
وقد رد سليم نقاش على "المفيد" ردًّا هادئًا استغرق زهاء صفحتين ونصف صفحة من صفحات المحروسة الأربع، عرض فيه موقف صحيفته وبين فيه مواضع التجني عليها، فإنها وحدها "تجرأت أيام الاستبداد المحض ونادت بالحكومة الشورية، ووحدها بين الجرائد العربية في ذلك الحين أخذت تناصر الحزب الوطني، وهي وحدها أيضًا عارضت النفوذ الأجنبي عند خوف الإفراط فيه وهي أول جريدة صرحت بسوء إدارة بعض المصالح الأجنبية، وهي وحدها تحملت غضب المسيو دوبلينيار وتحامله عليها وقد حرمت لذلك من فوائد جمة حبًّا منها بالوطن وأهله، وكما وقفت وكم أنذرت وكم عطلت وكم حذرت .. " وإن لم تنكر إعجابها بفرنسا ومثلها العليا في الحياة١.
وتمضى "المفيد" في حملتها على الشاميين وصحافتهم وتنقل عنها الصحف الناشئة في أحضان الثورة حتى شغل هذا الموضوع حياة المصريين جميعًا، وحتى اتهمت الصحافة الشامية في مصر والشام الحكومة المصرية بأن تلك الحملة من صنعها، وأنها تدفع صاحب "المفيد" وزملاءه إلى هذه الأزمة، واضطرت الحكومة إلى تكذيب هذه التهمة وإعلان هذا التكذيب في صحيفتها الرسمية مؤكدة أنها لا تنظر إلى موظفيها إلا من حيث كفايتهم وجدارتهم٢.
стр. 119
ولم يكن "المفيد" موفقًا في هذه الحملة التي جاءت في وقت اشتدت فيه الخصومة بين الخديوي ووزرائه، فاضطر كثيرون من الشاميين أصحاب الصحف وأصحاب الأعمال إلى الهجرة من مصر، وساء ذلك صحيفة "الطائف" لسان حال العرابيين الرسمي فكتبت مقالًا بعنوان "المصريون والشاميون" تندد فيه بمن خلق هذه الأزمة وتسمى مهاجرة الشاميين إلى بلادهم نزوحًا سيعودون بعده "بالسلامة ليعود للمصريين الأنس بإخوانهم والفرح بسلامة بني جنسهم الذي يعز عليهم أن يروهم في روع أو اضطراب أفكار"١ غير أن حملة "المفيد" كان قد أثرت في بعض أصحاب الصحف الشامية في مصر، فاضطر صاحب الأهرام إلى الهجرة، ولم يعجب "الطائف" أن يمعن "بنو جنسها" في أمر لا يدعو إليه داع، وهو ترى هجرة صاحب الأهرام عملًا لا مبرر له وتذكر ذلك معاتبة "اختفت جريدة "الأحوال"٢ لتغيب صاحبها فرارًا مما توهمه كثير من المهاجرين"٣.
لم تعد الثورة تحتمل صحفًا معارضة فكانت أشد استبدادًا من حكومة رياض، فقد اضطر أديب إسحاق وهو موظف في الحكومة المصرية ومن خيرة الشاميين الذين لهم في الصحافة أثر غير منكور، اضطر إلى الانسحاب من جريدة "مصر" والتخلف عن ميدانها بعد حملة المفيد وزميلاته٤ وفي شهر مارس سنة ١٨٨٢ أعلنت جريدة "البرهان" وهي نصيرة الخديوي توفيق أنها عزلت الشيخ حمزة فتح الله من تحريرها٥ وذلك لتحتفظ بوجودها ولا تتعرض لبطش الثورة وحكومتها، ومن الصحف التي لقيت حتفها في ذلك الوقت جريدة "الزمان" وذكرت المطبوعات أنها ارتكبت ما يخالف
стр. 120
قواعد الدين الإسلامي وأنها دأبت على المطاعن الشخصية ثم أهانت جانب الحكومة١، ولم يبق من الصحف الشامية إلا جريدة "المحروسة" فقد عاشت موالية للحكومة في الظاهر حتى تبين لها أن صاحب الجريدة يعبر عن رأي القصر ورجاله ويذيع من الأخبار ما يقلق الأمن وتضطرب له الأفكار، فأمر عرابي باشا بتعطيلها ثلاثة أشهر في يونيه سنة "١٨٨٢"٢.
طبقت الثورة قانون المطبوعات في شكل واسع لم يبق إلا على بعض الصحف الموالي ومن أهمها "المفيد" و"الطائف" وكانت أهم وظائف هذه الصحف الحملة على الخديوي توفيق وأسرته، وشغلت "المفيد" معظم صفحاتها بالحديث عن الخديوي السابق حديثًا هو غاية ما يمكن نشره من بذاء، فهي لا تتحدث عن شهواته في التواء بل تفصلها تفصيلًا سواء اتصل الحديث بذكر أو أنثى، وهي تنشئ هذه المقالات ولحمتها الإدعاء وسداها المبالغة التي لا تستند إلى التاريخ٣ وتقرن "المفيد" الحملة على إسماعيل بالحملة على الإنجليز في أكثر من مقال، أما الخديوي توفيق فقد سفرت في الحملة عليه ونعتته بالجبان المستخذي٤. ولم تعد الصحف المصرية تطرق الموضوعات الدستورية أو تناقش المسائل العامة بخبرة الدارس الحصيف بل انتهى ذلك العهد وأصبحت الصحف المصرية تحرر بأقلام مصرية خالصة، وأصبح كل أصحاب الصحف من المصريين وذلك بعد اختفاء "الأهرام" وغيرها من الجرائد في الإسكندرية والقاهرة، وبعد أن انزوى الكثيرون من الشاميين كتاب الصحف، وقد ظهرت على أنقاض الصحف الشامية صحف مصرية
стр. 121
كثيرة "كالفسطاط"١ والسفير والنجاح٢.
بيد أن هذه الصحف جميعًا لا تبلغ في مكانتها ولا في خطرها ولا في إنشائها وتحريرها ما بلغته جريدة "الطائف" التي كان يحررها كاتب حاد الطبع نابغ في الإنشاء وهو عبد الله النديم، خطيب الثورة وكاتبها غير منازع، كانت صحيفته في أول أمرها تحمل على المساوئ الاجتماعية العامة كالمواخير والحانات والمراقص التي غزت القاهرة في ظل الامتيازات وتحت حمايتها.
والنديم صحفي ممتاز كثيرًا ما نشر المقالات الرائعة في جريدتي "المحروسة" و"العصر الجديد" اللتين كان يصدرهما سليم النقاش فجاء فيهما بالمعجب والمطرب، وكنت له صحيفة أدبية رائعة تسمى "التنكيت والتبكيت" أصدرها في ٦ يونيه عام ١٨٨١ في حجم كتاب عادي "صحيفة وطنية أسبوعية أدبية هزلية" وهي مجلة كما يقول: "هجوها تنكيت ومدحها تبكيت ولغتها لا تلجئك إلى قاموس الفيرزآبادى ولا تلزمك مراجعة التاريخ ولا نظر الجغرافيا" وسخريتها "نفثات صدور وزفرات يصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا" وهي في مجموعها مقالات اجتماعية عن الحياة في مصر.
انتقلت "الطائف" من المقالات الاجتماعية الخالصة إلى الموضوعات السياسية العميقة والأخبار المهمة التي تميزت بها في عهد الثورة حتى إن معظم الجرائد المعاصرة نقلت عنها أكثر ما نشر، واحتفظت "التنكيت والتبكيت" وهي صحيفة نديم الثانية بموضوعات الأدب والاجتماع، وكان من أهم وظائف الطائف الدفاع عن الثورة ورجالها وقد احتفى بها رجال الثورة وأنصارها فاشترك لها النواب بمبالغ كبيرة وأصبحت لها لسانًا فيه من العنف والشدة ما اضطر الشيخ محمد عبده إلى تعطيلها شهرًا٣ وقد اتخذ عطف الهيئات عليها
стр. 122
لونًا رسميًّا فكتب محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب في ١٥ ربيع الثاني عام ١٢٩٩هـ إلى "داخلية ناظري عطو فتلو أفندم حضر تلري" يقول:
"حيث إن حضرة محرر الطائف أظهر ارتياحه إلى نشر محاضر المجلس وأفكار نوابه وما يتبع ذلك مما يستدعي القيام بالحقوق الوطنية، المجلس رأى أنه لا مانع من مكاتبة الداخلية لتصدر أمرها إلى إدارة المطبوعات بمعرفة هذه الصحيفة ممتازة بهذا الاختصاص ونسبتها إلى المجلس على الوجه الذي قدمه حضرة محررها المومأ إليه"١. وقد ذكرت جريدة "مصر" في ٢٣ مارس عام ١٨٨٢ أن مجلس النواب "قد اختار جريدة "الطائف" الغراء لنشر ما يروم إبداءه من الآراء والخواطر والتقارير والمحاضر فهي الآن صحيفته الشبيهة بالرسمية" ثم تقول: "وجريدة "الطائف" جديرة بهذا الاختيار فهي موصوفة بالوطنية معروفة بصدق النية، منتشرة نافذة الكلام خطيرة مرعية المقام".
ظهرت خطورة الطائف في هذه الرسمية التي حبتها إياها الحكومة دون الصحف الثورية الأخرى، فقد استطاع محررها أن يكون على بينة من شئون الدولة وأن يجد في عطفها المادي والأدبي ما يعينها على تخطي المصاعب التي تعترض الصحف عادة وتحول دون تقدمها، وهذه ميزات بجانب قدرة محررها تجعل لها مكانة خاصة بين الصحف المصرية خلال الثورة العرابية.
ولم تقتصر الطائف على "نشر محاضر المجلس وأفكار نوابه" بل صورت الأعداد القليلة التي عثرنا عليها مدى العنف في تحريرها، وأظهر ما فيها تأريخ حياة الخديوي إسماعيل في أسلوب فيه من النقمة عليه والتشفي منه ما أبعده عن التاريخ العادل، فقد بدأ المحرر فصلًا عن "الخديوي السابق" بعنوان "سلب الأملاك من الملاك" في صفحتين كاملتين من صفحات الجريدة الأربع، ثم مرض النديم وأقعده المرض عن إتمام الفصل فأرسل يعتذر عن تحرير
стр. 123
جريدته "إلا ما كان من تاريخ حضرة إسماعيل باشا فإني أتكلف بكتابته؛ لأن نشره من ضمن علاج ما بي"١، ثم انتقلت من الحملة على إسماعيل إلى الإقذاع في الخديوي توفيق في لهجة قاسية فيها تعريض بمقامه حتى أن حكومتها أمرت بتعطيلها نهائيًّا في ١٧ مايو عام ١٨٨٢ ترضية للخديوي واعتذارًا له عما ارتكبته صحيفة الحكومة من الإساءة إلى الحاكم الشرعي٢.
تحرجت الأمور في مصر قبيل الاحتلال البريطاني بثلاثة أشهر تقريبًا فتدخلت الدولتان الإنجليزية والفرنسية بمذكرة تطلبان فيها استقالة الوزارة البارودية وإبعاد عرابي وبعض خاصته عن مصر وإعادة السلطان المطلق إلى الخديوي توفيق، وقد ترتب على هذه المذكرة استقالة الوزارة وتأليف النظارة الراغبية ودخل فيها عرابي باشا وزيرًا للحربية، ثم تطورت الحوادث سراعًا وحدثت مذبحة الإسكندرية وانتقل الخديوي إلى الثغر في ١٩ يونيه عام ١٨٨٢ واعتصم بها حتى قضى الأمر باحتلال مصر وتسليم العرابيين.
ومنذ ضربت الإسكندرية وإنحاز الخديوي إلى الإنجليز حين احتلوها أصبحت في مصر صحافتان، صحافة في القاهرة تمثلها الوقائع المصرية والطائف -وقد عادت إلى الحياة- و"النجاح" وما إليها من صحف الحزب الثوري، وصحافة في الإسكندرية يقود زمامها الشيخ حمزة فتح الله في جريدة الاعتدال يحمل فيها على عرابي ورجاله "البغاة الجهال العاصين الخليفة ونائبه"٣ ويعاون فيها أديب إسحاق الموتور من العرابيين بالمقالات والمنشورات٤. وبقيت صحف الثورة في القاهرة خلال الحرب العرابية فيما خلا "الطائف" فهذه قد انتقلت إلى الميدان الحربي حيث تحرر عن كثب في معسكر "كنج عثمان"
стр. 124
وكانت معظم مقالاتها لاستثارة الهمم والطعن على الخديو وانجلترا١ وعن "الطائف" نقلت صحف القاهرة أخبار الحرب وتفصيلها فضلًا عن مقالات محررها٢ ثم دأبت الجريدة على إصدار ملاحق لها تذكر فيها مساوئ أنصار الخديوي، ومن هذه الملاحق الملحق الذي نشرته بعنوان "سليم وبشارة تقلا وتوفيق باشا" وهو هجو مقذع لا يليق، تحلل فيه الكاتب من أسلوبه المعروف وأسف فيه إسفافًا منقطع النظير٣.
كانت الصحف الثورية خلال الحرب تتبع اتجاه الحكومة، فكان مدير المطبوعات -وهو إذ ذاك أحمد رفعت بك- يمد محرري الصحف بنبذ مما جاء في الصحف الأوربية لإبرازها إن كانت في جانب مصر وللرد عليها ومناقشتها إن كانت تخالف أغراض الثورة٤ وقد تركت الصحف "تقذف الخديوي وشيعته معه نظرًا لأن "المجلس العام المنعقد بالداخلية والذي كان يضم جميع الوجهاء وأعاظم العلماء والذوات ورؤساء المذاهب المختلفة والبرنسات قرر توقيف أوامر الخديوي؛ لأنه خالف الشرع الشريف والقانون المنيف"، أما الموضوعات الأخرى التي كانت تنشرها الصحف "فإن القطر المصري كان تحت القانون العسكري وقد بلغت ذلك الجهادية للداخلية وبذلك أصبحت الصحف تحت الرقابة وأن الرقيب كان يعرض على المجلس العرفي ما ستنشره الصحف وأنه ممنوع منعًا باتًا نشر ما يشتم منه التعصب الديني أو الطعن الشخصي غير السياسي، وقد وبخ حسن أفندي الشمسي رسميًّا أمام المجلس العرفي لنشره مقالًا تعصبيًّا وطعنًا شخصيًّا وخرج بذاك من جريدة "المفيد" وأقفلت جريدته "الفسطاط" لنشرها مقالًا مماثلًا بأمر من المجلس العرفي"٥.
стр. 125
هذه كانت سياسة الحكومة نحو الصحافة في أدق مواقفها وهي مواقف على حداثة عهد المصريين بها تبين إلى أي مدى استوى تفكيرهم في علاج أمر المطبوعات، فالصحافة المصرية خلال الحرب تتبع نظمًا تماثل في طرائقها أحدث ما يتبع معها في الحروب الحديثة، كما أن الدولة قد نزهتها عن التعصب والطعن الشخصي، وعاقبت بعض الصحفيين من أنصارها حين امتنعوا عن تحقيق رغبتها، وذلك أمر لا يحدث إلا في صحافة أعرق الأمم التي تناقش عدوها موضوعيًّا دون قحة في لفظ أو تعبير.
وقد وقفت الصحف الثورية عن الظهور بعد تسليم القاهرة، ومهما يكن من أمر فإن تاريخها في الصحافة المصرية تاريخ حافل في كثرتها وفي أسلوبها المتميز بالعنف وإن غلبت عليه العبارة المشرقة والصورة البديعة، وهي صحف غنية بدراستها للمسائل السياسة دراسة علمية موفقة وإن قطعت عليها الثورة هذه الدراسة الممتعة، وقد تحدثت صحف الثورة في كل موضوع اتصل بالسياسة أو الأدب أو الاجتماع.
وقد كان التحدث في أمور الاجتماع شيئًا جديدًا لا على مصر وحدها بل على الشرق العربي كله، وكان في طليعة من عالج هذه الموضوعات الدقيقة الدكتور شبلي شميل، وله في الأهرام وغير الأهرام مقالات جديرة بالنظر قمينة بالتقدير والإعجاب.
وقد حيت الجمعيات الخيرية المختلفة إسلامية وقبطية، وساعدت بدعايتها على تقدمها، ثم نشرت القصص تباعًا وطبعت الكتب العلمية والأدبية في مطابعها وباعتها بأزهد، الأثمان، ومن أهم هذه الصحف العلمية والأدبية مجلة "المقتطف" فقد تكفلت بما كانت تقوم به صحف الدولة الرسمية التي أغلقت كروضة المدارس وما إليها فنشرت طرائف العلم والأدب والتاريخ، وكان أصحابها الثلاثة يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس ينقلون إليها أروع وأفضل ما في "الكتب والجرائد العلمية والصناعية" في الغرب والشرق١
стр. 126
وقد تحرت الصحف في أول الثورة الصدق في رواية أخبارها وإن انحرفت في آخرها عن هذه السمة وغليها القدح الشخصي فترة فجاء في أبواب الأدب مثالًا رائعًا يعني أصحاب البلاغة وأساطين البيان.
وجاءت صحافة الثورة بجديد غير معروف هو البرقيات الخاصة التي ازدحمت بها معظم الصحف وفي مقدمتها الأحوال والأهرام، وإلى هذه الأخيرة تنسب صحافة الأحاديث، فقد تخصص أحد أصحابها في مقابلة وزراء الدول وزعمائها في فرنسا وانجلترا والتحدث معهم عن مصر وشئونها، وتسجيل هذه الأحاديث في كتب أرسلها إلى مصر ونشرتها الأهرام على مدى الأيام، وقد روجت صحف الثورة العرابية للاقتصاد الوطني فدعت إلى إنشاء المصارف وحيت أصحاب الفكرة فيها وضربت على هذه النغمة الفينة بعد الفينة مدللة على ما للاقتصاد الوطني من أثر في استقلال الشعوب وحريات الأمم.
وهي تعالج معالجة الحصيف مشروعات الحكومة الداخلية فإذا أنشأت الدولة بنكًا زراعيًّا وهللت لتغطية أسهمه صحفها١ هاجها أسلوب تكوينه والمفيدون منه وهم "أصحاب الطين والأغنياء" ودرات المناقشة بين الصحف وأصحاب الرأي في البلاد في شأن هذا البنك فإن كانت الأحداث السياسية في تلك الفترة من حياة مصر قد وقفت أكثر الأقلام على هذه الأحداث فإن الصحافة المصرية لم تفوت البحث في شئون غير شئون السياسة، في حرية ساعد عليها استقلال رأي محرريها وعدم ارتباطهم بحزب من أحزاب الرأي على الوجه المعروف من الارتباط بين الصحف والأحزاب فيما خلا فترة الحرب ورقابة الرقيب، وهي فترة تميزت بالحزب العسكري وتحزب الصحف القاهرية له.
стр. 127
الصحافة في عهد الاحتلال:
وجدت الثورة العرابية من يعيها ويأخذ على رجالها أنهم أتوا كبيرة لم تعرفها أمة من الأمم، والثورة العرابية في الواقع شيء تردد صداه في أقطار الدولة العثمانية طلبًا للدستور والحياة الحرة التي ثارت من أجلها بلاد أوربية في حوض البحر المتوسط في أوائل القرن التاسع عشر أو في أواخره، والثورة العرابية ثورة عامة في مصر لم تدفع إليها طبقة دون طبقة بل شايعها الجامدون والمجددون على السواء، وآزرها "جميع الوجهاء وأعاظم العلماء والذوات ورؤساء المذاهب المختلفة والبرنسات"١. ولم تخفق الثورة العرابية لأن أصحابها كانوا يرجون شيئًا بعيدًا أو يتمنون حدثًا جديدًا يغير طبيعة الحياة ويسيء إلى الأمم المتحضرة بل أخفقت الثورة لغموض موقف السلطنة العثمانية منها، وقدرة الأجانب على حبك الدسائس لها، وأخيرًا لضعف قادتها من حيث تفكيرهم أو قوى جيوشهم.
لم تخفق الثورة فحسب بل نكبت في رجالها فأضحوا بين قتيل ومنفي وسجين، واستلم الإنجليز أمة ذاهلة أو في شبه ذهول، ليس لها قادة فقد أخرجهم الاحتلال من الميدان فظهر الخمود على الخاصة، وبلغ الإعياء عند العامة مبلغًا مضى بهم إلى لون من التسليم والركون إلى القضاء والقدر، ولم يعد أمام المحتلين أحد يطاولهم في رأي أو يناقشهم في حساب، وأصبحت أمور مصر كلها وديعة في يد البريطانيين يتصرفون فيها على ما يشتهون.
وقد أنفق اللورد دوفرين Dufferin سفير إنجلترا في الأستانة زهاء نصف عام في مصر لينظم أمورها في ظل احتلال مؤقت، وكان أظهر ما صنعه في تمثيل الرأي العام إنشاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، أما
стр. 128
المجلس الأول فيتكون من ثلاثين عضوًا منهم أربعة عشر عضوًا تعينهم الحكومة ومثلهم تنتخبهم الأقاليم وواحد ترسله القاهرة وآخر تختاره الإسكندرية١ ثم يضاف إلى هؤلاء وزراء الدولة وستة وأربعون عضوًا لتتكون الجمعية العمومية منهم جميعًا، وليس لهذين المجلسين من مظاهر الحياة إلا قدر لا يعتد به في عظائم الأمور، فلم يكن لهما على الحكومة سلطان، ولم يكن لرأيهما قطع في المسائل العامة فيما خلا حق الجمعية العمومية على الحكومة في إقرار الضرائب الجديدة٢ ولم تكن هذه هي الحياة الدستورية أجيد رسمها" كما يقول أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني٣ فلا عجب إن بقيت مصر أربعين عامًا وهي تفتقد مجلسًا نيابيًّا يعبر عن أغراضها وينطق بلسانها.
وهكذا كون الرأي العام الرسمي، أما الرأي العام الشعبي ممثلًا في الصحافة المصرية فذلك أيضًا لم يخل من عناية اللورد دوفرين، فإنه لم ينس وهو يختم نظامه الجديد ذكر حقيقة هي أصدق ما قال في أمور مصر فإنه يرى "أنه بقي فوق ذلك نظام واحد ضروري لجعل النظم التي تقدم وصفها فعالة مثمرة ذلك هو الصحافة الحرة" فالصحافة في تقرير Dufferin دوفرين نالت جانب رعايته وهو جانب واضح لا لبس فيه، ويرى بعض المؤرخين الإنجليز أن التفاتة اللورد وجدت صداها وتحققت معانيها حتى "أهمل قانون سنة ١٨٨١ إهمالًا تامًا ونالت مصر حرية صحفية لم تعرف في شمال إفريقية أو غرب آسيا".
ويكاد الباحث في تاريخ تلك الحقبة من تاريخ الصحافة المصرية يؤمن بأن إشارة اللورد دوفرين قد لقيت أذنًا مصغية، سواء كان من الإنجليز.
стр. 129
أصحاب النفوذ الحقيقي في البلاد أو من المصريين العاملين بإرشادهم في تصريف الأمور، ويقوي هذا الاتجاه أن تقارير السير بارنج السنوية قد أغفلت شئون الصحافة، مما يدل على أن أمورها قد استقامت وأنها خلو من الأحداث التي شهدتها الثورة أو عرفها عصر إسماعيل في خاتمته، وهذا كله ليس صحيحًا على علاته.
ثم يفاجئنا اللورد كرومر في تقريره عن سنة ١٩٠٣، بحديث طويل عن الصحافة المصرية استغرق من التقرير ثلاث صفحات كاملات، وهو يستهل حديثه عنها بأنها إنما أغفلها في العشرين سنة الماضية؛ لأنه لم تكن هناك حادثة ذات أهمية تتصل بشئونها، وهو يزعم أنه حرص على حريتها في تلك الفترة، مع أن الاتجاهات العامة منذ عهد الاحتلال كان توحي بالتضييق عليها، والوقوف دون حريتها المطلقة، وهو يشرح فكرة إطلاق العنان لها شرحًا تمليه الثقة التامة بضعف أثرها هو أن أخطرها، فإنه ما دام جيش الاحتلال قائمًا فلا خوف على سلطان الإنجليز منها؛ لأنه يحمي الموقف من كل تطرف صحفي.
ثم يتحدث العمد الإنجليزي عن فكرة التقنين للصحافة فيذكر أن فكرة إصدار قانون للصحافة سينتج إشكالًا نحن في غنى عنه؛ لأنه يستوجب سريان نصوصه على الصحافة الأجنبية أيضًا، وفي ذلك من المشاكل ما يجدر أن نتجنبها، وإذا اقتصر القانون على الصحافة المصرية وحدها فإن ذلك يحمل المصريين على الاحتماء بالدول الأجنبية في حالة توظيفهم في الصحافة فلا ينال منهم القانون ويصبح لغوًا لا فائدة منه، هذا مع العلم بأن معظم الدول وبريطانيا في مقدمتها لا تميل إلى سن مثل هذا القانون.
واللورد كرومر يصارح حكومته بأن الصحف المصرية مهما تنشر من حملات فلن تغير مجرى الحوادث، وأن قضاياها مهما تكثر فهي تدور في حيز ضيق يتصل بالصحف التافهة التي تتعرض للشخصيات وتلغو في الكرامات وهذه صحف يسخط عليها الرأي العام، وهي قلما تسيء إلى شخصيات ورؤساء الدول الأجنبية أو الخديوي وأسرته.
стр. 130
ولما كانت الصحف لا يحفل بخطرها كما يقول اللورد فإنه أبى أن يجعل شرط ظهور الجريدة حصولها على ترخيص سابق، وسياسته هذه أنتجت في رأيه نتائج مرضية، فقد سمحت لبعض الصحف بالظهور وفي أسلوبها من الشدة والعنف ما فيه غير أنه يراجعها ويجد فيها بعض الفوائد أحيانًا، وهي لم تستطع أن تكون حائلًا دون التقدم في السنوات العشرين الماضية.
واللورد كرومر يوصي الموظفين مصريين وبريطانيين بالصحف المعتدلة؛ لأنها تفيد بنقدها وبشرح بعض الأخطاء التي تتلافاها الحكومة فلا تمكن الصحف المعارضة من أن تجد أسسًا قوية في حملاتها فتأتي معارضتها واهية لا أثر لها، وقد طالع بنفسه بعض هذه الصحف فرأى أنه كان من الخطأ ألا يعرف ملاحظاتها سواء في ذلك الصحف التي أصدرتها الأفراد أو الجماعات وهو يعيب على الرسميين كراهيتهم للصحافة وتبرمهم بكل معارضة، ثم يخطئ وجهة نظر القائلين بفرض قانون الصحافة؛ لأن من قانون العقوبات ما يغني عن سن تشريع جديد١.
ويجدر بمؤرخ الصحافة المصرية في تلك الحقبة أن يصور موقف السلطات قبل مناقشة اللورد كرومر فيما ذهبت إليه أقواله عن الصحافة المصرية، فالخديوي توفيق لم تكن له صحف ذات أهمية ولم يسع هو إلى خلق هذه الصحف بل كان موقفه موقفًا سلبيًّا وهو موقف سليم على أية حال، أما تركيا فكان لها بالطبع صحف تميل إليها أو تعمل لها بإيعاز من مختار باشا ممثل السلطان في مصر، فكان يدفع لبعض الصحف ألفًا وخمسمائة جنيه لكل منها٢ وكان لفرنسا صحف كثيرة تناوئ الاحتلال وتحمل عليه، وهذه تعنيها مصالح فرنسا قبل أن تعنيها شيء آخر، وكان للمصريين بعض الصحف المعتدلة وتعتمد أهمها على رعاية القنصلية الفرنسية أيضًا ولم يفكر الاحتلال في أول الأمر في إنشاء صحف خاصة به بل كان الاحتلاليون وعلى رأسهم العميد البريطاني يعنون بالتمكين للاحتلال
стр. 131
بنشر الدعاية له في الخارج وفي انجلترا خاصة، فقد تدخلت بعض الجهات في شئون مصر تدخلًا أساء إلى اللورد كرومر في سياسته العامة١ فلم يكن بدل له ولأنصاره من الدعوة لسياسته ونشاطه فعين الفرد ملنر سكرتير مستر جوشن " Goschen" في وظيفة بوازرة المالية المصرية، وكانت وظيفته في الواقع لتنظيم الدعاية في صحافة إنجلترا تأييدًا للاحتلال وسياسته في مصر، وكان ملنر أفضل رجل لهذه الدعاية؛ لأنه من الأحرار وله في صحافتها وشائج صلة وقربى، وكان هذا الداعية يستكتب الموظفين الإنجليز المقالات للصحف والمجلات الشهرية الأوربية عامة والإنجليزية خاصة٢.
فالعناية الإنجليزية بالصحافة بدأت في صحافة أوربا، أما في مصر فيختلف الواقع مع ما جاء في تقرير كرومر سنة ١٩٠٣، فالحكومة المصرية قد عاملت الصحف معاملة فيها من القسوة ما ينقض أقوال العميد البريطاني، والحكومة المصرية هنا تمثل الرغبات الإنجليزية ولا تجيز شيئًا لا يرضاه الإنجليز، فهي إن قست على الصحف المصرية فذلك رجع الصدى ليس غير، وقد ألغى الاحتلال بعد أسبوع بعض الصحف الوطنية منها جريدتا "الزمان" و"السفير" وكان إلغاء الأولى "من قبيل الاستصواب" وإلغاء الثانية مبنيًا على "أن صاحبها من ضمن أنصار عرابي".
وإذا أغلقت الصحف المعارضة وهو شيء طبعي ما دام سلطان الاحتلال أناخ على جوانب الحكومة جميعًا فإن الغريب حقًّا أن تضيق الحكومة بكاتب من الأجانب يبدي رأيًّا لا يتصل بالسياسة وهو موظف يقدر حدود الوظيفة والتزامات الموظفين إذا تحدثوا أو كتبوا، فقد أذاعت نظارة الداخلية عقب الاحتلال أمرًا قالت فيه "قد عثر في جريدة "الإجبشيان جازيت" على مقالة تتعلق بمواد التعويضات عن الأضرار التي لحقت بسكان القطر المصري من جراء الحوادث الأخيرة وعلم أن محررها هو المسيو فورين بإشكشاف الجمرك
стр. 132
بالإسكندرية، وأنه وإن كانت المقالة خالية من العبارات المخلة بشأن الحكومة إلا أنه لا يجوز لمستخدمي الحكومة جميعًا أن يكاتبوا الجرائد١" ولعل سبب ذلك الضيق بالصحيفة الإنجليزية وبمن يكتب فيها أن أخذت جانب العرابيين وهو موقف دفع له بلنت بسخاء٢.
يسجل اللورد كرومر في تقريره أن الصحافة المصرية قطعت عشرين عامًا بعد الاحتلال من غير تاريخ، وهو تسجيل ينقضه بلاغ الحكومة الذي يحاسب صحف "الوطن" و"إسكندرية" و"مرآة الشرق" و"البرهان" و"الأهرام" على بعض المقالات النقد التي وجهتها للاحتلال، ثم يزاوج البريطانيون بين الصحافة المصرية والصحافة الأجنبية في المعاملة فينذرون جريدتهم "الإجبشيان جازيت" ويغرموها عشرين جنيهًا لأنها تجاوزت حدودها فيما نشرته من مقالات في يومي ٩ و١١ أغسطس سنة "١٨٨٣"٣.
وينقض تاريخ الأهرام أيضًا ما ذهب إليه كرومر، حقًّا إنها بدأت بعودتها إلى الظهور في ٢٩ سبتمبر "١٨٨٢"٤ حاملة على "العاصي عرابي ورفاقه البغاة" مادحة أنصار الخديوي "كسعادتلو سلطان باشا"٥ ناشرة صورة رائعة في صدرها للجنرال السير ولسلي قائد الحملة الإنجليزية على مصر مؤرخة حياته في معظم الصحفة الأولى، وهو في مقدمة الصور التي نشرت في الأهرام فيما نعلم٦، ومجمل القول إنها بدأت لينة للاحتلال ورجاله وإن حفلت صفحاتها
стр. 133
خلال عام ١٨٨٢ بآراء الصحف الإنجليزية والفرنسية في المسألة المصرية، وجعلت يوم الخميس وقفًا على أخبار مصر الداخلية.
بيد أن "الأهرام" تحمل علم الجهاد وحدها منذ بدأت سنة ١٨٨٤، فتودع العام المنصرم "وداعًا لا يمازحه أسف ولا يقابله كدر بل هو واقف إزاءه وقوف ضعيف سلبه خصمه متاعه يستعطفه فلا يحنو ويستصرخه فلا يعي" ويبدو في هذا المقال الانحراف عن الاحتلال ودعاته ثم تعقب على ذلك بنشر مآسي مصر وإن لم يصدر ذلك من محررها، فهي تنتقي أقوال الصحف الإنجليزية التي برمت بالسياسة البريطانية في مصر فتقول على لسان "ذي استاندارد" "يلوح أن حالة مصر في الحاضر أسوأ منها يوم تولى الإنجليز إدارة السياسة المصرية عقب موقعة التل الكبير وولوج العساكر الإنجليزية عاصمة القطر".
ثم تحدث في حياة أزمة السودان وانهيار الحكم المصري فيه فتلقى الأهرام بدولها في أمره وحوادثه وتعرض المسألة السودانية والأزمة التي أعقبتها وتصف خيبة الأمل التي لحقت جيوش مصر بأنها من صنع الإنجليز، وتتحدث عن نصيحتهم بتركه، ومعنى النصيحة كما نشرتها الأهرام أن تقبلها مصر "دون حدوث تردد أو إجراء جدال بالإطلاق طالما أن جيش الاحتلال مستقر في البلاد المصرية".
والأهرام لا تعجبها هذه النصيحة الإنجليزية لأن الوطني الشريف في رأيها لا يوقع أمرًا بإخلاء السودان، لذلك اعتزلت الوزارة الحكم، ويعلق بشارة في اليوم التالي على موقف الحكومة الشريفية شاكرًا لها خطتها المحمودة وموقفها الوطني المشرف ثم يعطف الكاتب على موقف مجلس الشورى والجمعية العمومية اللذين يشهدان تلك الحوادث وهما عليها سكوت١، وتنعي الأهرام على من وافق على إخلائه أشد النعي وتنشر أحاديث أمراء الألوية بالجيش مبينة
стр. 134
من هذه الأحاديث أخطاء الحكومة وإهمالها في الحرب١ ثم تذكر المحاربين المصريين الذين ضحوا بأرواحهم "تخليدًا لذكر مصرنا العزيزة"٢ وبذلك تولت الأهرام التنفيس عن المصريين، وكان حوادث السودان من مواقفها المشرفة، وهي حوادث أكبرتها في عين التاريخ عن المجلسين برجالهما وذواتهما.
فإذا فرغت الأهرام من المسألة السودانية ووقعت استقالة ثابت باشا وزير الداخلية نتيجة لتعيين المستر " Glifford Lloyd" وكيلًا للداخلية في ١٥ يناير عام "١٨٨٤"٣ وتحرجت الأمور بين الوزير والوكيل حتى اضطر الأول إلى الاستقالة؛ لأنه لم يعد في وسعه "المحافظة على شرف المصلحة"٤ شرحت الجريدة هذه الأزمة وأعلنت أنها من صنع الإنجليز وأنهم أصحابهم ودعاتها، ثم تعلق على الموضوع تعليقًا وطنيًا انفردت به وحدها.
ويسافر مدير الجريدة إلى انجلترا وتأخذ الأهرام في نشر رسائله المتصلة وأحاديثه المتباينة عن مصر وشئونها، وكان من أهم الأحاديث التي نشرتها الأهرام حديث مديرها في أول يونيه ١٨٨٤ مع ريفرز ولسن عن حالة مصر، فإذا سأله Wilson عن حال البلاد أجابه "بأنها سيئة بفعال أبناء جلدته" ويجيبه عن سوال يتصل بالأسباب التي تحول دون تأليف وزارة يكون من أعضائها رياض باشا وشريف باشا بأن ذلك يتم "إذا كان القصد خدمة مصر لا خدمة الإنجليز" ويمضي مدير الأهرام عارضًا مساوئ الإدارة المالية الإنجليزية في مصر.
ويستقبل المصريون هذه الأحاديث المنشورة استقبالًا يضع الأهرام في مكان الزعامة من أفكارهم وآلامهم، فإذا هو تطلع عليهم في ٤ أغسطس عام ١٨٨٤ وفي صدرها خطاب "من علماء وذوات ونواب شورى وغيرهم
стр. 135
في الإسكندرية يمدحون لها موقفها من مصالح مصر ويحفظون لها وفاءها لأمانيهم، وتقرن نشر هذا الكتاب بكتاب آخر من أقاليم مصر الأخرى وهو يضرب على نفس النغمة من تكريم الجريدة وأصحابها.
نالت الأهرام تقدير المصريين كما نالت بر الدولة العثمانية بها، أما فرنسا فأمر عطفها عليها معروف منذ عهد إسماعيل، وتجميل جريدة "الشعب" في تأريخها للصحافة الوطنية هذا كله في قولها عن الأهرام إن "سياستها عثمانية مصرية تدافع عن مصالح فرنسا في مصر سواء كان اقتصادية أو سياسية ولكنها لا تهمل المصلحة المصرية وهي تقر للحكومة الحسنة وتبين لها السوءة وهي أكثر الصحف المسيحية عناية بمصالح الوطنيين وأحيانًا تشتد في نقدها كأكثر الصحف الوطنية تطرفًا".
ويذكر بعض خصوم الأهرام اتصالها بفرنسا كعار لا يمكن أن تمحوه المواقف الوطنية المشرفة، وفي هذا من التجني ما لا يقبله المؤرخ العادل، فالأهرام بقيت في تاريخ مصر الحديث عشر سنوات تحمل لواء المعارضة وحدها وتحيي ميت الرجاء في نفوس المصريين، وهي التي نقلتهم من الذهول إلى يقظة مهدت للحزب الوطني وجوده، وليس يعيبها بحال أن تعجب بفرنسا أو تعمل لها مادامت "لا تهمل المصلحة الوطنية"١ ولا يضيرها هذا في التاريخ وبعض الأمم تعجب ببعضها وتعمل لها وتؤمن بمبادئها حتى لا تسلم أحيانًا من تعريض استقلالها ووجودها لخطر قريب أو بعيد، وتاريخ الأهرام في الأعوام التي تلت الاحتلال أفضل من تاريخ مجالس مصر النيابية وأعز عند المؤرخ منها، وإن مصر نفسها لم تختلف عن الأهرام في إيمانها بفرنسا وأملها فيها، وعند ذلك تتفق الأهرام ومصطفى كامل زعيم النهضة قبل الاتفاق الودي.
وإذا كان حظ الأهرام عند المصريين والسلطان والفرنسيين حظًّا موسومًا
стр. 136
بالتقدير والإعجاب، فإن الحكومة المصرية ومن ورائها رجال الاحتلال لا يرون فيها هذا الرأي وهي تؤرق حياتهم بما تنشره من مقالات وأحاديث، لذلك قررت الحكومة تعطيلها شهرًا "لأنها نشرت جملة مواد سياسية من شأنها خدش سلطة واعتبار الحكومة الخديوية"١ ولأسباب التعطيل نواحٍ خفية لم يتضمنها بالطبع أمر الإغلاق وأهمها رسالة مديرها من لندن المنشورة في ١١ أغسطس عام ١٨٨٤ فقد عرض فيها بشارة إلى أحداث مصر، وغمز الحكومة المصرية يعتبر جارحًا في تلك الأيام٢ وفي ذلك تقول "العروة الوثقى" إن أسباب غلقها "نشر رسائل مدير الجريدة وهو في لندرا على ما فيها من بيان بعض مساوئ السياسة الإنجليزية على خلاف رغبة الباشا -تقصد نوبار باشا- وقيل: إن السبب نشر التشكر الذي قدم إلى المدير والمحرر من أعيان البلاد دلالة على استحسان مشرب الجريدة "استقباح سياسة الإنجليز"٣.
ومهما تكن الأسباب الظاهرة والخفية فإن الأهرام عطلتها الحكومة شهرًا، وإذا لم يكن المصريون يملكون ما يحول دون تعطيلها فإن القنصلية الفرنسية أثارت ضجة خطيرة لهذا الموضوع، وتبدأ قصة هذا الكفاح ببرقية إلى الداخلية من أحد موظفيها ينبئها فيها بأنه "صار إعلان قرار بتعطيل جورنال الأهرام إلى سليم بك تقلا نفسه في صباح تاريخه الساعة ٦ أفرنكي بعد توقيفه الكلي مع غلق المطبعة تعلقه والختم على بابها بختم المحافظة وتعيين اثنين بوليس غفرة على الباب المذكور، وبعد نهو ذلك حضر مندوب من قنصلاتو فرنسا وأمرنا بالخروج من محل مكتب الجورنال الذي كنا فيه لأجل تحرير المحضر فأوريناه أن مأموريتنا انتهت وانصرفنا".
ثم يبعث القنصل بكتاب إلى المحافظة يحتج على ذلك أشد الاحتجاج
стр. 137
ويوضح له أن عمل الحكومة كله عمل غير قانوني من جميع الوجوه وفي من الظلم ما لا يحتمله، وهو اعتداء على كرامة القنصلية الفرنسية لا يقبل معه اعتذارًا كتابيًّا أو شفهيًّا قبل أن تفتح مطبعة تقلا بحضور ممثل القنصلية، ثم يهدد المحافظ بأنه سيكتب للقنصل العام في القاهرة ليطلب الاعتذار الرسمي على إهانة السيادة القنصلية التي صدرت عن السلطات المحلية وعلى رأسها محافظ الثغر، وأرسل القنصل كتابًا مماثلًا لوزير الداخلية وإن صيغت عبارته في ألفاظ رقيقة.
ويبعث محافظ الإسكندرية ببرقية إلى ناظر الداخلية ينبئه فيها بمضمون كتاب القنصل، وأهم ما فيه احتفاظه بحقوق صاحب الأهرام وطلبه رفع الأختام في غضون نصف ساعة، بيد أن الوزير أمر المحافظ بتنفيذ التعليمات على ضوء ما أرسل إليه من رئيس النظارة، ويبدو أن القنصلية الفرنسية عجزت عن أن تحول دون تعطيل الأهرام فأوعزت إلى صاحبه بإقامة الدعوى على الحكومة أمام المحكمة المختلطة في ٢٧ أغسطس عام "١٨٨٤"١ غير أن هذا الموضوع لم يقض فيه.
هذه هي إحدى الحوادث التي أنكر اللورد كرومر وجودها حين تحدث عن الصحافة المصرية في سنة ١٩٠٣ وهي أبرز حوادث الصحافة الوطنية إذ ذاك؛ لأن الأهرام٢ كانت تمثل في مصر المعارضة وتمثل مع غيرها المصالح الفرنسية، وتعبر من ناحية أخرى عن سخط الباب العالي على الحالة في القطر.
стр. 138
المصري، فهي حادث من حوادث مصر البارزة، وتعطيلها لون من ألوان الضغط على الحريات العامة.
لم يذكر اللورد كرومر هذا الحادث، ولم يفصل تاريخ الوزارة النوبارية مع الصحف وهو تاريخ حافل كان تعطيل الأهرام مثلًا من أمثلته، وكان قرار هذه النظارة بمنع جريدة "العروة الوثقى" من الدخول إلى مصر مثلًا ثانيًا للضيق بالرأي الحر، فقد أصدر مجلس النظار في أول مايو عام ١٨٨٤ قراره هذا "حفظًا للنظام العمومي"١ وسيأتي الحديث عنها في فصل خاص بالصحف المصرية في الخارج، ثم ألغيت الوطن في نفس السنة٢؛ لأن صاحبها "نهج في جريدته منهج عدم الاستقامة المخالفة بنشر الجمل والأخبار المشوشة للأفكار والموجبة للقلق والاضطراب"٣.
ومن الغريب حقًّا أن تلغي "الوطن" وهي من الصحف الموالية لرئيس الحكومة الذي أصدر الأمر بإلغائها فهي تستقبل الحكومة والاحتلال بعد الثورة العرابية استقبالًا منقطع النظر، وهي تحمل على العرابيين وإن مزجت الحملة بلون من التعصب الديني٤ وهي تحمل على استبدال النفي بحكم الإعدام في قضية عرابي حملة استغرقت معظم الصفحة الأولى منها، فإذا أحست أن هذه الحملة آلمت الإنجليز وهم أصحاب الرأي في استبدال هذا الحكم اعتذرت بقولها "قد رأينا أن ندفع ما علق بأوهام البعض من أننا نددنا على انجلترا في مصر والحال أننا لم نأتِ شيئًا إدّا ولم نخرج عن الحد أبدًا ولم نستعمل حدة ولا شدة في كلامنا على نتيجة محاكمة البغاة بل إن جريدة "الوطن" دون غيرها طالما دافعت عن سياسة إنجلترا ونشرت مآثر أهلها ومكارم أخلاقهم.
ولما اشتد كرب تلك الفئة الباغية كنا نتمنى لو أتت دولة البرابرة لتنقذنا من
стр. 139
مخالبها فما بالك بدولة بريطانيا المتمدنة المشهورة بحسن السياسة ومزيد الكياسة ودهاء الرجال وسداد الأعمال فهل يظن أن يقابل معروفها بالغمط والكفران".
كان من الغريب حقًّا أن تلغي جريدة "الوطن" وهذه هي سياستها وهي سياسة موالية أشد الولاء للإنجليز ورجالهم من المصريين، وأكبر الظن أن عقابها كان فجًّا وعلى غير أساس؛ لأنها عادت إلى الحياة بعد يومين من صدور أمر الإغلاق٢، ومن الحوادث الصحفية التي أغفلها كرومر في تقريره إغلاق "مرآة الشرق" بقرار من مجلس النظار وهي من الصحف الوطنية القديمة التي طبعت بطابع الإخلاص والتضحية والمعارضة للاحتلال ورجاله وتعريب ما يقال فيهم من سوء، وكذلك ألغيت جريدة "الزمان" بقرار من مجلس النظار في ٢٩ يوليه عام "١٨٨٦"٣ وأنذرت "الصادق" بقرار من وزارة الداخلية في ٢٥ سبتمبر؛ لأنها نشرت مقالة تضمنت "كثيرًا مما يشوش الأفكار ويخدش الأذهان"٤ وهذه الجريدة من الصحف المعارضة للاحتلال، وقد أنشئت بإيعاز من مختار باشا الغازي المعتمد السلطاني في مصر بعد تعطيل "مرآة الشرق" وكلتاهما من الصحف التي تربطها بتركيا وسياستها أقوى الروابط٥.
هذه هي بعض حوادث الصحافة المصرية العربية في السنوات الأربع الأولى من الاحتلال البريطاني، وكانت جديرة بأن يتحدث اللورد كرومر عنها لا أن يهملها ويهمل ما جاء بعدها من الحوادث الخطيرة في حياة الصحف
стр. 140
المصرية، بيد أنه أبى تسجيل حوادثها وأخفى أزمانها عن حكومته وبرلمانه فلم يعلق عليها بحرف.
وليست الصحافة المصرية العربية وحدها التي استبد بها الاحتلال بل إن الصحافة الأجنبية في مصر عانت من ضغطه وضغط رجاله مثلما عانت الصحف المصرية الحرة، وأبرز المشاكل الصحفية لهذا العهد تعطيل جريدة "لوبوسفور إجبسيان" " Le Bospgore Egyptien" فهي صحيفة فرنسية النزعة تحتمي بالقنصلية الفرنسية، دأبت على الحط من الاحتلال وتسوئ سمعته وتتبع نقائصه ونشر فضائحه، وهي من خصوم نوبار المعارضين له، وكانت تصدر باللغتين العربية والفرنسية معًا.
وقد مضت "لوبوسفور إجبسيان" تعارض كرومر وسياسته في عنف وشدة، وهي أول من أشار إلى الخلاف بين وكيل الداخلية والنائب العام بالمحاكم الأهلية وكلاهما إنجليزي، وهي تروي نبأ هذا الخلاف كفضيحة من فضائح العصر١ ثم أذاعت منشور المهدي، وقد نشرته جريدة "الفلاح" في ١٥ يوليو عام ١٨٨٦، الذي يتحدى فيه الحكومة المصرية ويدعو للثورة عليها، وكان نشر هذه المنشور السبب المباشر الذي من أجله قرر مجلس النظار في أبريل عام ١٨٨٥ تعطيلها وإقفال مطبعتها، وأثار حادث تعطيلها وإقفال مطبعتها أزمة حادة بين الحكومة المصرية والحكومة الفرنسية، وقد وقفت الحكومة البريطانية إلى جانب مصر في أول الأمر؛ لأن عقاب الجريدة يلذ للسلطتين معًا؛ لأنها خصمهما جميعًا.
وتروي "لوبوسفور إجبسيان" مراحل الأزمة فتذكر أن الحكومة المصرية طلبت من القنصلية في ٨ أبريل بعث مندوب لها ليشهد عمليتي التعطيل والإغلاق فكان رد القنصلية احتجاج قنصلها على ذلك، بيد أن الحكومة أهملت احتجاج
стр. 141
القنصل ومضت في تنفيذ قرارها وصادرت الجريدة وأقفلت المطبعة، وأراد وكيل القنصلية أن يتدخل فأهين من السلطات المصرية، فبعث القنصل العام لفرنسا في مصر إلى حكومته بمضمون ما حدث، ولما كانت هذه هي المرة الثانية التي تهان فرنسا فيها، فقد هددت بقطع العلاقات مع الحكومة المصرية إذا لم تعتذر الحكومة وتعيد الجريدة والمطبعة إلى الحياة.
ورأى الإنجليز المسئولون في مصر أن الأزمة قد بلغت حدًّا قد يؤثر في علاقات فرنسا وإنجلترا فتخلوا عن مصر ونصحوا لها بحل الموقف مهما يكن الثمن، ففتحت المطبعة بدون قيد ولا شرط، وذهب نوبار باشا بملابسه الرسمية إلى معتمد فرنسا وقدم اعتذاره رسميًّا في ٣ مايو عام ١٨٨٥ وعادت الجريدة إلى الظهور في ٢ مايو من السنة المذكورة١.
وقد صدر كتاب أصفر يحتوي على المحادثات التي دارت بين الحكومات الثلاث٢ وخسرت مصر بذلك الموقف خسارة أدبية لم تهم الإنجليز في شيء، غير أن هذه الأزمة التي حدثت بين الحكومات الثلاث قَوَّتْ ساعد الأهرام، فإن فرنسا قد كسبت المعركة وخسرتها الحكومة المصرية ومن ورائها المحتلون، ونحن نعني بالأهرام وحدها في تاريخ صحافة ذلك العهد؛ لأنها الجريدة الوحيدة التي عارضت في أسلوب عف وناقشت خصومها في عبارات مهذبة، مع أنه كان بجانبها صحفيون "من أهل اللهجة العربية" ينشرون صحفهم وبعضها معارض غير أنها صحف كما تقول الحكومة ويصدقها الواقع تعلم "الفحش والبذاء المفسدون لأخلاق العامة"٣.
قوى انتصار فرنسا في الأزمة الصحفية السابقة جريدة الأهرام، فاشتدت معارضتها وحملت على الإنجليز وسياستهم في جميع أعدادها، وإذا نسي
стр. 142
المجلسان النيابيان وظيفتهما اللينة التي يجوز فيها لفت النظر أو إبداء الرغبة، فإن الأهرام لم تقف عند المعارضة الودية بل دعت إلى الجلاء وألحت فيه، وهي تؤرخ للسياسة الإنجليزية في مصر التي بدأ منذ سنة ١٨٤٠ بإثارة أوربا على محمد علي باشا ثم "نراها قد احتلت مصر" وتحمل على إنجلترا وتصفها بأقبح الأوصاف فهي عندها أمة "كل يوم في شأن وكل ساعة في خطة" أما وعودها بالجلاء عن مصر فهي مواعيد عرقوب "فإنا على ذلك لا نرى إنجلترا تفي وعدًا ولا تحفظ عهدًا".
ولا تَمسّكُ بالعهد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماءَ الغرابيلُ١
وهي تعني أشد العناية بمؤتمر الأستانة، وكان وظيفة هذا المؤتمر التفكير في أمثل الطرق لحل المسألة المصرية، وهي تعرض التيارات المختلفة بين الدول وصحافتها المتباينة ثم تعلق في اتزان وعمق على ما يدور هنا وهناك٢.
وكانت الأهرام أكثر الصحف انتشارًا؛ لأنها كانت الجريدة الوطنية الوحيدة كما يؤيد ذلك محمد فريد بك رئيس الحزب الوطني٣ وكان يقرؤها الرأي العام النابه في خاصته والرأي العام القارئ في مجموعة المتعلمين، وقد أصبحت دعامة من دعامات حرية الفكر، فلا غرو أن أثرت معانيها في أعضاء مجلس شورى القوانين فقد بقي هؤلاء الأعضاء في موقف سلبي زهاء عشرة أعوام منذ أنشئ مجلسهم، بيد أنهم برموا بالمستشار الإنجليزي فرفضوا ميزانية عام ١٨٩٣؛ لأنه لم يعرضها قبل الموعد المحدد لظهورها بوقت كافٍ، وهذا موقف جديد بالنسبة لهذا المجلس٤ والأهرام تزكي هذه اللفتة الجديدة وتحذر الأعضاء من الشراك التي تنصب لهم في الخفاء٥ فإذا بهم يظهرون
стр. 143
استياءهم من اتصال العميد البريطاني ببعضهم ثم يرفضون اعتمادهم نفقات جيش الاحتلال، وهو أول موقف كريم عرف لهذا المجلس، وقد ساء الصحافة الإنجليزية هذا الموقف وساءها انضمام رياض باشا إلى الأعضاء وإعلانه مشاركة الحكومة للمجلس فيما ذهب إليه عن الجلاء١.
وتنشر الأهرام هذه المواقف الجديدة في حياة مجلس الشورى وتمتدح أعضاءه ثم تفسح صدرها للمصريين الذين آن لهم أن يتنفسوا ويخرجوا من يأسهم وقنوطهم فقد فقدوا الحرية والاستقلال معًا، وانحلت المقاومة الأهلية وأصبح الاحتلال مهيمنًا على مرافق الحياة العامة ومصالح الدولة ووزاراتها جميعًا، وليس في ميدان المعارضة جريدة ذات أهمية إلا "الأهرام" فكانت للمواطنين نعم السند ونعم النصير.
وفي ذلك الوقت ظهر في بيئة الوطنيين فتى له في تاريخ مصر وصحافتها الشأن الأول إذا كانت الحياة جهادًا وكفاحًا وحقًّا، واحتفلت به جريدة الأهرام وفسحت صدرها لقلمه، فكانت أهم مقالاته فيها مقالًا استغرق صفحاتها الأولى عن "الوعود الصريحة" وعود الجلاء المتكررة من الإنجليز، وهو يوجه المعارضة في عنف وشدة قلما رأى الاحتلال مثلهما في صحيفة عربية، فإن الإنجليز "بمحافظتهم على هذا الاحتلال الثقيل قد تنكروا لأعز شيء يتباهون به ويفخرون أعني بذلك الشرف البريطاني الجليل الشأن الرفيع البنيان" ثم يعقب على هذا المقال في يوم آخر بحديث جرى بينه وبين السير بارنج له خطره ومكانته كعمل صحفي، وله آثاره كعمل وطني٢ وتمد الأهرام في رحابها لمصطفى كامل فقد استنكر هذا المعارض الوطني الجديد إنشاء "المحكمة المخصوصة" وهي محكمة ألفت لمحاكمة الأهالي الذين يعتدون على الجنود الإنجليز، وهي لا تتقيد بقانون العقوبات، فنشرت له احتجاجًا ناريًا
стр. 144
على إنشاء هذه المحكمة بعنوان "صواعق الاحتلال"١.
ينكر اللورد كرومر هذه المواقف جميعًا؛ لأنه اختلط لنفسه خطة جديدة قد تكفل له الطمأنينة على مركز الاحتلال في مصر، فإذا كان في غير مقدوره أن يبطش بالصحف والصحفيين خوف الرأي العام الإنجليزي أو المشاكل الدولية كما حدث في موضوعي "الأهرام والبوسفور إجبسيان" فلا بأس أن تكون في مصر صحافتان، صحافة حرة مطلقة تتحدث بما تشاء كالأهرام مثلًا وبعض الصحف الصغيرة الأخرى، وصحافة أخرى حرة مطلقة أيضًا تعمل لحسابه "كالمقطم" وهو مطمئن إلى هو أن الأولى؛ لأنها عزلاء من المال ومن الأخبار يسلط عليها سيف قانون العقوبات، وهو مطمئن إلى خطر الثانية بما ينفحها هو من مال، وما تقدمه لها الدولة من إعلانات وأنباء.
وقد رأى العميد الإنجليزي أن يحارب الصحافة بالصحافة، فأوعز إلى أصحاب "المقتطف" أن ينشئوا صحيفة يومية سياسية تنافس الأهرام وتعارضها وتحمي المصالح البريطانية كما كانت الأهرام تؤيد المصالح الفرنسية، فتقدم يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس إلى إدارة المطبوعات في ١٨ أبريل عام ١٨٨٨ يرجون الترخيص لهم بإنشاء جريدة سياسية تجارية غرضها خدمة الوطن واسمها "المقطم" ويكون صدورها يوميًّا، وهم يعتمدون في طلب الترخيص وهذه "شواهد مقبولة لديكم على إخلاص نيتنا وحسن طويتنا ومراعاتنا لقوانين حكومتنا السنية"٢.
ورخصت نظارة الداخلية "إدارة المطبوعات" للشركاء الثلاثة بإصدار "المقطم" في ٢٩ أبريل عام ١٨٨٨ وهم ينالون الترخيص كرعايا مصريين وفي ظل الخديوي، غير أن تاريخ المقطم في سنواته الأولى ينقض ما جاء في ترخيص أصحابه وتقول في ذلك جريدة "الشعب" وهي تؤرخ "للمقطم"
стр. 145
إنه "إنجليزي صرف وكل أعمال الحكومة ممدوحة لديه، وهو يترجم ويطبع تقرير المعتمد"١ ويقول محمد بك فريد: الإنجليز أنشئوه ليدعو لسياستهم٢ وأعلم المستر بلنت في أوروبا "أن وزارتي الحربية والداخلية دفعتا لصحيفة المقطم مبلغًا عظيمًا من المال لتدافع عن تصرفات الإنجليز فيهما" ويقرر الأستاذ أمين عبده المحامي أن المقطم دأبت على التعرض للخديوي فأراد أن يقدمها للمحاكمة بمقتضى قانون المطبوعات الصادر في عام ١٨٨١ فأعلن كرومر أن هذا القانون قد جبه قانون العقوبات في المادة ٢٥ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، وهو لا يوافق على تقديم المقطم للقضاء؛ لأنه من أنصار حرية الرأي وحرية الصحافة، وأن هذه الحرية من قواعد العدالة التي جاء فيها الإنجليز إلى مصر٣.
وتقول عنها "الاتحاد المصري" وهي إحدى معاصراتها في ١٢ سبتمبر عام ١٨٨٩: "إن هذه الرقطاء تحاول الجمع بوقت واحد بين المتحالفين فهي تتزلف تارة بالمقال وتستعين بالتدليس والخداع حتى تخيل للمصريين أنها عريقة الحسب وأن بينها وبين رجال مصر قرابة ونسب".
هذا بعض ما ذكره المعاصرون من المصريين والإنجليز عن "المقطم" وسياستها وهم يقطعون بأن سياستها إنجليزية وأن دار الوكالة البريطانية حالت دون سلطان الحكومة المصرية ودون عقابها مع أن أصحابها من الرعايا المصريين، وهي خصيم للخديوي تعرض بمقامه مع أنها نشأت في "ظل الحضرة الفخيمة الخديوية" ولا عذر لنا إن أنكرنا هذه الحقائق التاريخية، فقد حفلت فعلًا بمقالات الإعجاب بالاحتلال وتقدير رجاله ونالت من الحظوة ما جعل مصالح الحكومة في خدمتها تمدها بالأخبار جليلها وتافهها، بينما حرمت الصحف الأخرى منها حتى استطاعت نشر بعض الأحكام القضائية قبل النطق بها بعدة