القنصل ومضت في تنفيذ قرارها وصادرت الجريدة وأقفلت المطبعة، وأراد وكيل القنصلية أن يتدخل فأهين من السلطات المصرية، فبعث القنصل العام لفرنسا في مصر إلى حكومته بمضمون ما حدث، ولما كانت هذه هي المرة الثانية التي تهان فرنسا فيها، فقد هددت بقطع العلاقات مع الحكومة المصرية إذا لم تعتذر الحكومة وتعيد الجريدة والمطبعة إلى الحياة.
ورأى الإنجليز المسئولون في مصر أن الأزمة قد بلغت حدًّا قد يؤثر في علاقات فرنسا وإنجلترا فتخلوا عن مصر ونصحوا لها بحل الموقف مهما يكن الثمن، ففتحت المطبعة بدون قيد ولا شرط، وذهب نوبار باشا بملابسه الرسمية إلى معتمد فرنسا وقدم اعتذاره رسميًّا في ٣ مايو عام ١٨٨٥ وعادت الجريدة إلى الظهور في ٢ مايو من السنة المذكورة١.
وقد صدر كتاب أصفر يحتوي على المحادثات التي دارت بين الحكومات الثلاث٢ وخسرت مصر بذلك الموقف خسارة أدبية لم تهم الإنجليز في شيء، غير أن هذه الأزمة التي حدثت بين الحكومات الثلاث قَوَّتْ ساعد الأهرام، فإن فرنسا قد كسبت المعركة وخسرتها الحكومة المصرية ومن ورائها المحتلون، ونحن نعني بالأهرام وحدها في تاريخ صحافة ذلك العهد؛ لأنها الجريدة الوحيدة التي عارضت في أسلوب عف وناقشت خصومها في عبارات مهذبة، مع أنه كان بجانبها صحفيون "من أهل اللهجة العربية" ينشرون صحفهم وبعضها معارض غير أنها صحف كما تقول الحكومة ويصدقها الواقع تعلم "الفحش والبذاء المفسدون لأخلاق العامة"٣.
قوى انتصار فرنسا في الأزمة الصحفية السابقة جريدة الأهرام، فاشتدت معارضتها وحملت على الإنجليز وسياستهم في جميع أعدادها، وإذا نسي
стр. 142
المجلسان النيابيان وظيفتهما اللينة التي يجوز فيها لفت النظر أو إبداء الرغبة، فإن الأهرام لم تقف عند المعارضة الودية بل دعت إلى الجلاء وألحت فيه، وهي تؤرخ للسياسة الإنجليزية في مصر التي بدأ منذ سنة ١٨٤٠ بإثارة أوربا على محمد علي باشا ثم "نراها قد احتلت مصر" وتحمل على إنجلترا وتصفها بأقبح الأوصاف فهي عندها أمة "كل يوم في شأن وكل ساعة في خطة" أما وعودها بالجلاء عن مصر فهي مواعيد عرقوب "فإنا على ذلك لا نرى إنجلترا تفي وعدًا ولا تحفظ عهدًا".
ولا تَمسّكُ بالعهد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماءَ الغرابيلُ١
وهي تعني أشد العناية بمؤتمر الأستانة، وكان وظيفة هذا المؤتمر التفكير في أمثل الطرق لحل المسألة المصرية، وهي تعرض التيارات المختلفة بين الدول وصحافتها المتباينة ثم تعلق في اتزان وعمق على ما يدور هنا وهناك٢.
وكانت الأهرام أكثر الصحف انتشارًا؛ لأنها كانت الجريدة الوطنية الوحيدة كما يؤيد ذلك محمد فريد بك رئيس الحزب الوطني٣ وكان يقرؤها الرأي العام النابه في خاصته والرأي العام القارئ في مجموعة المتعلمين، وقد أصبحت دعامة من دعامات حرية الفكر، فلا غرو أن أثرت معانيها في أعضاء مجلس شورى القوانين فقد بقي هؤلاء الأعضاء في موقف سلبي زهاء عشرة أعوام منذ أنشئ مجلسهم، بيد أنهم برموا بالمستشار الإنجليزي فرفضوا ميزانية عام ١٨٩٣؛ لأنه لم يعرضها قبل الموعد المحدد لظهورها بوقت كافٍ، وهذا موقف جديد بالنسبة لهذا المجلس٤ والأهرام تزكي هذه اللفتة الجديدة وتحذر الأعضاء من الشراك التي تنصب لهم في الخفاء٥ فإذا بهم يظهرون
стр. 143
استياءهم من اتصال العميد البريطاني ببعضهم ثم يرفضون اعتمادهم نفقات جيش الاحتلال، وهو أول موقف كريم عرف لهذا المجلس، وقد ساء الصحافة الإنجليزية هذا الموقف وساءها انضمام رياض باشا إلى الأعضاء وإعلانه مشاركة الحكومة للمجلس فيما ذهب إليه عن الجلاء١.
وتنشر الأهرام هذه المواقف الجديدة في حياة مجلس الشورى وتمتدح أعضاءه ثم تفسح صدرها للمصريين الذين آن لهم أن يتنفسوا ويخرجوا من يأسهم وقنوطهم فقد فقدوا الحرية والاستقلال معًا، وانحلت المقاومة الأهلية وأصبح الاحتلال مهيمنًا على مرافق الحياة العامة ومصالح الدولة ووزاراتها جميعًا، وليس في ميدان المعارضة جريدة ذات أهمية إلا "الأهرام" فكانت للمواطنين نعم السند ونعم النصير.
وفي ذلك الوقت ظهر في بيئة الوطنيين فتى له في تاريخ مصر وصحافتها الشأن الأول إذا كانت الحياة جهادًا وكفاحًا وحقًّا، واحتفلت به جريدة الأهرام وفسحت صدرها لقلمه، فكانت أهم مقالاته فيها مقالًا استغرق صفحاتها الأولى عن "الوعود الصريحة" وعود الجلاء المتكررة من الإنجليز، وهو يوجه المعارضة في عنف وشدة قلما رأى الاحتلال مثلهما في صحيفة عربية، فإن الإنجليز "بمحافظتهم على هذا الاحتلال الثقيل قد تنكروا لأعز شيء يتباهون به ويفخرون أعني بذلك الشرف البريطاني الجليل الشأن الرفيع البنيان" ثم يعقب على هذا المقال في يوم آخر بحديث جرى بينه وبين السير بارنج له خطره ومكانته كعمل صحفي، وله آثاره كعمل وطني٢ وتمد الأهرام في رحابها لمصطفى كامل فقد استنكر هذا المعارض الوطني الجديد إنشاء "المحكمة المخصوصة" وهي محكمة ألفت لمحاكمة الأهالي الذين يعتدون على الجنود الإنجليز، وهي لا تتقيد بقانون العقوبات، فنشرت له احتجاجًا ناريًا
стр. 144
على إنشاء هذه المحكمة بعنوان "صواعق الاحتلال"١.
ينكر اللورد كرومر هذه المواقف جميعًا؛ لأنه اختلط لنفسه خطة جديدة قد تكفل له الطمأنينة على مركز الاحتلال في مصر، فإذا كان في غير مقدوره أن يبطش بالصحف والصحفيين خوف الرأي العام الإنجليزي أو المشاكل الدولية كما حدث في موضوعي "الأهرام والبوسفور إجبسيان" فلا بأس أن تكون في مصر صحافتان، صحافة حرة مطلقة تتحدث بما تشاء كالأهرام مثلًا وبعض الصحف الصغيرة الأخرى، وصحافة أخرى حرة مطلقة أيضًا تعمل لحسابه "كالمقطم" وهو مطمئن إلى هو أن الأولى؛ لأنها عزلاء من المال ومن الأخبار يسلط عليها سيف قانون العقوبات، وهو مطمئن إلى خطر الثانية بما ينفحها هو من مال، وما تقدمه لها الدولة من إعلانات وأنباء.
وقد رأى العميد الإنجليزي أن يحارب الصحافة بالصحافة، فأوعز إلى أصحاب "المقتطف" أن ينشئوا صحيفة يومية سياسية تنافس الأهرام وتعارضها وتحمي المصالح البريطانية كما كانت الأهرام تؤيد المصالح الفرنسية، فتقدم يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس إلى إدارة المطبوعات في ١٨ أبريل عام ١٨٨٨ يرجون الترخيص لهم بإنشاء جريدة سياسية تجارية غرضها خدمة الوطن واسمها "المقطم" ويكون صدورها يوميًّا، وهم يعتمدون في طلب الترخيص وهذه "شواهد مقبولة لديكم على إخلاص نيتنا وحسن طويتنا ومراعاتنا لقوانين حكومتنا السنية"٢.
ورخصت نظارة الداخلية "إدارة المطبوعات" للشركاء الثلاثة بإصدار "المقطم" في ٢٩ أبريل عام ١٨٨٨ وهم ينالون الترخيص كرعايا مصريين وفي ظل الخديوي، غير أن تاريخ المقطم في سنواته الأولى ينقض ما جاء في ترخيص أصحابه وتقول في ذلك جريدة "الشعب" وهي تؤرخ "للمقطم"
стр. 145
إنه "إنجليزي صرف وكل أعمال الحكومة ممدوحة لديه، وهو يترجم ويطبع تقرير المعتمد"١ ويقول محمد بك فريد: الإنجليز أنشئوه ليدعو لسياستهم٢ وأعلم المستر بلنت في أوروبا "أن وزارتي الحربية والداخلية دفعتا لصحيفة المقطم مبلغًا عظيمًا من المال لتدافع عن تصرفات الإنجليز فيهما" ويقرر الأستاذ أمين عبده المحامي أن المقطم دأبت على التعرض للخديوي فأراد أن يقدمها للمحاكمة بمقتضى قانون المطبوعات الصادر في عام ١٨٨١ فأعلن كرومر أن هذا القانون قد جبه قانون العقوبات في المادة ٢٥ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، وهو لا يوافق على تقديم المقطم للقضاء؛ لأنه من أنصار حرية الرأي وحرية الصحافة، وأن هذه الحرية من قواعد العدالة التي جاء فيها الإنجليز إلى مصر٣.
وتقول عنها "الاتحاد المصري" وهي إحدى معاصراتها في ١٢ سبتمبر عام ١٨٨٩: "إن هذه الرقطاء تحاول الجمع بوقت واحد بين المتحالفين فهي تتزلف تارة بالمقال وتستعين بالتدليس والخداع حتى تخيل للمصريين أنها عريقة الحسب وأن بينها وبين رجال مصر قرابة ونسب".
هذا بعض ما ذكره المعاصرون من المصريين والإنجليز عن "المقطم" وسياستها وهم يقطعون بأن سياستها إنجليزية وأن دار الوكالة البريطانية حالت دون سلطان الحكومة المصرية ودون عقابها مع أن أصحابها من الرعايا المصريين، وهي خصيم للخديوي تعرض بمقامه مع أنها نشأت في "ظل الحضرة الفخيمة الخديوية" ولا عذر لنا إن أنكرنا هذه الحقائق التاريخية، فقد حفلت فعلًا بمقالات الإعجاب بالاحتلال وتقدير رجاله ونالت من الحظوة ما جعل مصالح الحكومة في خدمتها تمدها بالأخبار جليلها وتافهها، بينما حرمت الصحف الأخرى منها حتى استطاعت نشر بعض الأحكام القضائية قبل النطق بها بعدة
стр. 146
أيام١ وهي تدافع عن أصدقاء الإنجليز المصريين كمصطفى فهمي باشا فتعرض لاستقالته وتودعه في مقال طويل كله إعجاب وثناء عليه، وهي تمزج تقديرها له بتقدير الإنجليز وسياستهم الطيبة نحو مصر٢.
ولا تقف "المقطم" عند هذا الحد من موادعة أنصار الاحتلال وملاطفتهم بل تذهب إلى أكثر من ذلك فتعاود الحديث عن الحكومة الفهمية البغيضة إلى الخديوي والوطنيين، وتنشر للمصريين تهديد الإنجليز وتسخيف فكرة الوفود التي ذهبت إلى عابدين تأييدًا للخديوي، ويستشيط طلاب المدارس العالية غيظًا فيهاجمون "المقطم" وإدارتها في ٢٠ يناير ١٨٩٣ إعلانًا بسخطهم على موقفها من شعور المصريين٣ والمقطم لا تثني على الإنجليز أو أصدقائهم في مصر فقط بل إن سياستها تتجه إلى مناوأة السلطان والحملة على تركيا، وهذه الحملة ركن من سياستها العامة، و"الأهرام" و"الوطن" تناوئانها، فيما ذهبت إليه وتعرضان على قرائهما هذه الحملة٤ وتبينان خطرها، حتى استاء الرأي العام من المقطم وسياستها فاضطرت الحكومة إلى إنذارها في أبريل ١٨٩٣ وقالت في إنذارها "قد رأينا مع الأسف أن جريدة المقطم نشرت من زمان بعض مقالات وبعض مكاتبات تمس دولتنا العلية وحيث أن الحكومة الخديوية لا تسمح بذلك مطلقًا فقد أصدرنا هذا الإنذار إلى تلك الجريدة حتى تكف عن هذه الخطة"٥.
نجحت سياسة كرومر التي لم يشرحها في تقريره آنف الذكر من حيث محاربة الصحافة بالصحافة، فقد تمكنت "المقطم" من الذيوع والانتشار
стр. 147
وكانت خصمًا لا يستهان به في إخراجه وتحريره، ولم تعد "الأهرام" باتزانها و"الوطن" بتفاهة تحريرها قادرتين على مواجهة حماسة "المقطم" ففكر الوطنيون في إنشاء صحيفة وطنية يكون في مقدورها تسفيه المقطم ومحاربة الاحتلال، وساعدت الظروف الوطنيين وواتتهم بحكومة تعطف على فكرتهم فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم الهلباوي وغيرهم، واستقر رأيهم على أن يتولى حجازي باشا عرض فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا على أن تحارب الاحتلال وتعلن أخطاءه وتنشئ الأحداث على كراهيته.
ولم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء "المؤيد"١ فصدرت في أول ديسمبر ١٨٨٩ لصاحبها الشيخ على يوسف، من أئمة الصحفيين في ذلك العصر وصاحب مجلة "الآداب" ومن تلامذة الأفغاني المؤمنين بمبادئه واتجاهاته، ومن أهم أغراض المؤيد كما تقول خطته "بث الأفكار المفيدة والتحذير الصادقة والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير أو الترويح والتبشير، وغير تاركة شأن التجارة الداخلية والخارجية"٢ وقد كانت "المؤيد" موالية لحكومة رياض عاملة على بث الأغراض التي من أجلها أنشئت في هوادة وتؤدة، وبذلك أغنت القارئ المسلم الوطني وأرضته.
أصبحت "المؤيد" مجالًا للأقلام الوطنية الناشئة في البيئة المصرية، فكان مصطفى كامل أحد كتابها المعروفين وإن لم يكن من أعضاء تحريرها، وقد ذاع أمرها واشتد ساعدها وعالجت الموضوعات المصرية والإسلامية في مقالات طويلة جدًّا قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا٣ كما نشرت بحوثًا عن الاستعمار
стр. 148
النمساوي في السودان١ وقد كانت "المؤيد" فريدة بين زميلاتها فيما نشرته من مقالات ضد الاستعمار أيا كان لونه أو مداه، وهي تدأب في الحملة على الأجانب كلما اتصلت ظروفهم بالمسلمين في أي مكان من الأرض اتصال الظالمين بالمظلومين، ووجدت دار الوكالة البريطانية أن ساعد هذه الصحيفة الوطنية الجديدة قد اشتد وأنها تقرأ في بلاد الشرق جميعًا، فأمرت بمنعها من دخول السودان، وحوربت بشتى الأساليب فكانت تصادر هنا وهناك دون علمها فلا تصل إلى مشتركيها٢.
ثم أطلقت الصحف الموالية للإنجليز أقلامها على صحيفة الوطنيين وما يلوذ بها من صحف كجريدة "المقياس" التي كانت تطبع في مطبعة "المؤيد" وتكتب مقالاتها بوحي من صاحبه وأنصاره، وقد ذهبت "المقياس" مذهب التعصب الصريح للوطن والدين معًا فحملت على "المقطم" حملات شعواء وأساءت للمسيحيين إساءات واضحة لا لبس فيها ولا إبهام٣ فنشرت "المقطم" مقالًا بعنوان "يضرمون نار التعصب وينكرون" وهي تذكر ما نشرته "المقياس" من نثر وشعر تدعو فيه أن يسل المسلمون "سيوفهم" ويقتلون "الكافرين؛ لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين".
وتعتبر "المقطمُ" صاحبَ "المؤيد" جاهلًا بآداب المناظرة وتحمل على مصطفى كامل؛ لأنه دعا إلى تكريم "المؤيد"؛ لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى "المقطم" وأصحابه، ثم تلفت الصحف الأوربية إلى ما تنشره "المؤيد" ثم تحتكم إلى الرأي العام ليحافظ "على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية" وتبين للصحف العربية خطر دعوة "المؤيد" وأذنابه من الصحف وتوجه نظر جريدة "الحقوق" إلى ذلك "لأنا لا نجد جريدة أخرى بين
стр. 149
الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع أهل الفضل والأدب"١.
واهتمت الصحف الأجنبية في مصر بعد مقال "المقطم" ومثلت هذا الاهتمام "لوبروجريه إجيبسيان" التي ردت على الشيخ علي يوسف وحملت على سياسته التعصبية ولفتت نظر الحكومة إلى هذا التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب وحياة الأوربيين للخطر؛ لأن الشيخ علي يوسف يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر٢.
وعندي أن مسألة التعصب، وإن صدرت في بعض المعاني التي نشرت في "المقياس" و"المؤيد" فإنها ليست السبب في حملة "المقطم" أو الصحف الأجنبية الأخرى، وإنما الخصومة مصدرها تفوق "المؤيد" في الدفاع عن المصالح الوطنية وقدرة أصاحبها على رد أصحاب "المقطم" وتسوئ سمعتهم وفضح الاحتلال، وتربية الجماهير تربية استقلالية بما كانت تنشره من مقالات محررها أو أنصاره من الوطنيين.
وظهرت بجانب "المؤيد" صحيفة "الأستاذ" في ٢٣ أغسطس عام ١٨٩٢ وهي للسيد عبد الله النديم، صدرت أسبوعية "علمية تهذيبية فكاهية" نصيرة للوطنيين وللخديوي عباس الثاني، وبحمل صاحبها ما ذهبنا إليه في قوله عن احتجاب صحيفته إن الجرائد الفرنجية في مصر وانجلترا حملت عليه وادعت أنه متعصب للدين عدو للأجانب، وقد برم بها اللورد كرومر فأمر بإغلاقها كما فرض على صاحبها مغادرة مصر٣.
لم يحتمل الإنجليز جريدة "المؤيد" بيد أنهم لم يستطيعوا وقفها كما صنعوا بالأستاذ، فمضت قدمًا تؤرخ للصحافة المصرية كفاحها في ذلك الوقت حتى
стр. 150
بدأت الجريدة البريطانية المصرية في فتح السودان، ووقفت "المؤيد" موقف الخصم لهذه الحملة مبينة ما فيها من خفض سلطان المصريين عليها، وقد دأبت على نشر أخبار الحملة برقًا، ومن بينها البرقيات الدائرة بين الحربية وقادة الحملة، وفيها من الأسرار ما يهز جوانب العملية الحربية الدائرة١ فقدمتها الحكومة للقضاء ولكنه برأ ساحتها وأنقذ محررها.
وظهرت المسألة المصرية من جديد باحتلال الفرنسيين "فاشودة" في جنوب السودان وهي من أملاك مصر، وتحرجت الأمور بين انجلترا وفرنسا، وظن الوطنيون المصريون أن فرنسا ستعلق إخلاء فاشودة على جلاء الإنجليز عن مصر، وفي ذلك كتبت الصحف المصرية وخطب مصطفى كامل وأعادت "الأهرام" و"الوطن" و"المؤيد" تاريخ الاحتلال البريطاني، ونشرت وعود الجلاء التي صدرت من الإنجليز المسئولين إلى سنة ١٨٩٨ غير أن هذا الحادث الذي بنى عليه المصريون آمالهم قد انتهى بانسحاب مارشال من فاشودة واستيلاء كتشنر عليها، ولم توضع المسألة المصرية موضع البحث من جديد.
ومنذ حادث "فاشودة" بدأ الإنجليز يشتدون في معاملة المصريين ولا يتحرجون من إساءة الخديوي فعزلوا النائب العام المصري حين فتش منزل صديقهم السيد توفيق البكري الذي نشر قصيدة ضد عباس الثاني ونصبوا مكانه إنجليزيًّا، فقامت "المؤيد" على رأس الصحافة تحمل على هذا التصرف الذي من شأنه أن يخل بواجب المصريين نحو مليكهم الشرعي ويجعل الموظفين منهم عرضة للرفت أو عرضة لإهمال واجباتهم خوف الاحتلال وإذلاله.
لم تعد الصحافة المصرية منذ حادث فاشودة تعتمد كل الاعتماد على قوة أجنبية لترد لمصر استقلالها وتفرض على الإنجليز جلاءهم عنها، فأصبحت الصحف الوطنية تستنفر الهمم المصرية؛ لتحقيق الأماني القومية، وهي تطلب إلى المصريين أن يضعوا نصب أعينهم هذه الحقيقة الماثلة، وكان ممثل هذا
стр. 151
الرأي مصطفى كامل بما نشر من مقالات وأذاع من خطب في القاهرة والإسكندرية خاصة، فقد اعتبر هذا الزعيم الشاب أن حادث فاشودة دليل حسي على نفض فرنسا يدها من المسألة المصرية١.
واتسع أفق الحركة الوطنية في مصر والخارج، ومضى مصطفى كامل إلى أوربا وخطب هناك ونشر المقالات، وكانت وكالات الأنباء تنقلها إلى جوانب المعمورة "والأهرام" تنشرها برقًا و"المؤيد" تذيعها تفصيلًا، وقد برم الاحتلال بهذا الفتى الوطني الخطيب الكاتب فرأى تجنيده، وأذاع هافاس هذه المؤامرة وهاجت الصحف لها حتى صحيفة الحكومة شبه الرسمية وهو "لوجورنال إجيبسيان Le Journal Egyptien فقد حذرت الحكومة والاحتلال من ارتكاب هذا الإثم٢ وكانت الصحف الأجنبية في مصر تكاد تجمع على تكريم مصطفى كامل فقالت "لاريفورم" في ١٤ أبريل ١٨٩٦ في إحدى المناسبات: "إن جهاده لجدير بالفخر" ونشرت صحيفة "لوفارد الكسندري" تحية له في نفس اليوم ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا بعض صحف قليلة في مقدمتها "الإجبشيان جازيت".
أغفل اللورد كرومر في تقريره الذي صدرنا به هذا الفصل الحركة الوطنية ونصيب الصحافة فيها كأنها كم مهمل لا غناء فيه، وقد عرضنا لتاريخ "الأهرام" و"المؤيد" وشرحنا نشأة "المقطم" وسياستها العامة، ويجب أن نذكر أنه كانت هناك صحف أخرى أكثرها قليل الأهمية غير أن بعضها جديد على صحافة ذلك العهد في أسلوبه واتجاهه، ويمثل هذه الصحافة "حمارة منتبي" وهي "جريدة هزلية فكاهية انتقادية أسبوعية" كما تقول أعدادها الكثيرة، بيد أنها صحيفة غريبة تجري في غير مستقر لها معقول، وتعيش بطرق لا تقرها الصحافة الشريفة فهي تحمل على اليهود والأورام وتسب
стр. 152
"المؤيد وصاحبه١ كما تحمل على "المقطم" ومحرريه٢ وهي اتجاه كما يبدو لنا غير مفهوم، إذ الحملة على أصدقاء الاحتلال وخصومهم في اعتبارها سواء وإن لم تخل هذه المجلة من النكتة الرائعة والملاحظة العابرة واللفتة البارعة، غير أنها جعلت من أغراضها الأولى "تأهيب الإحساسات العاهرة لخدمة الهلس الشريف واستئصال الجد العنيف"٣.
وقد صدر بجانب "المؤيد" والصحف الوطنية والاستعمارية الأخرى بعض الجرائد الغريبة في مشربها، غير أن هناك صحيفة لا بأس بها زاملت المؤيد والأهرام وأن لم تجر في تيارها، هي صحيفة "المنار" وقد أنشأها السيد محمد رشيد الرضي في ١٥ مارس عام ١٨٩٨ وجعل من أهم أغراضها "الحث على تربية البنات والبنين لا الحط على الأمراء والسلاطين، على أن تجتهد جريدته في تأليف القلوب المتنافرة ووصل العلائق المنقطعة وجمع الكلمة المتفرقة وتنبيه العثمانيين على أن الشركات المالية هي مصدر العمران وينبوع العرفان" ثم يقول عن مذهب الصحيفة السياسي "إنها عثمانية المشرب حميدية اللهجة تحامي عن الدولة العلية بحق وتخدم مولانا السلطان الأعظم بصدق وتتحامى المطاعن الشخصية والأماديح الشعرية"٤.
ويؤرخ رشيد لها في كتابه عن الأستاذ الإمام فيذكر أن الشيخ محمد عبده فرض شخصيته عليها وقرر ألا تنتمي لحزب من الأحزاب وألا ترد مجاملة الصحف لها، وأنها ينبغي أن تكون أكبر من خدمة الكبراء بل يحسن أن تستخدمهم هي، وأن الأستاذ الإمام صاحب تسميتها وقد روج لها في جميع الأوساط حتى عند الخديو نفسه٥ وقد أظهر اتجاهًا وأسلوبها أنها كانت بحق
стр. 153
صحيفة الشيخ ولسانه، ومهما يكن أمر دفاعها عن السلطان والمسلمين فإنها حرصت على تجنب الاحتلال وكفاحه، ومصدر هذا الموقف فيما نعتقد الصلات الطيبة الناشئة بين وليها محمد عبده ورجال الاحتلال في مصر.
وفي أواخر القرن التاسع عشر لم تكن للوطنيين صحيفة ذات ذكر من حيث أهميتها عند الاحتلال إلا المؤيد سواء المؤيد العربي اليومي أو المؤيد الفرنسي الأسبوعي، وهو رجع الصدى لأهم ما نشر في زميلته اليومية، وقد لوحظ على هذه الصحيفة الوطنية فتور من حيث ترحيبها بمقالات مصطفى كامل أو العناية بالمسائل العليا التي تتصل بحياة مصر، فقد حدثت اتفاقية السودان المعروفة في سنة ١٨٩٩ ولم تنشر المؤيد شيئًا عنها إلا بعد اعتمادها من الطرفين المصري والإنجليزي، ويبدو غريبًا أن تهمل التحدث عنها جميع الصحف المصرية قبل التوقيع عليها، غير أن المؤيد توضع موضع المؤاخذة إن هي أهملت أمرًا كهذا الأمر وهي المعروفة بقدرتها على تسقط الخبر، وتاريخها في حادث التلغراف أشهر من أن يذكر.
ولم يرتح الوطنيون للفتور الذي خيم على جهاد "المؤيد" واللين الذي تخلل سطوره في معارضة الإنجليز والتقاعس الذي بدا من صاحبه في تأييد الوطنيين، فأعد مصطفى كامل العدة لإنشاء "اللواء" سنة ١٨٩٩ ثم صدر العدد الأول من في ٢ يناير سنة ١٩٠٠ "أول رمضان سنة ١٣١٧هـ" ويتحدث منشئه عن الأسباب في تسميته باللواء حيث يخفق عند هذا الاسم كل قلب وتجتمع أصدق الآمال "أما خطة الجريدة فهي خدمة الوطن والإسلام بأشرف السبل وأنفعها، والسعي وراء الاتحاد والاتفاق بين المصريين وبعضهم من جهة وبين كافة المسلمين من جهة أخرى والعمل لتربية أبناء مصر أحسن تربية وطنية وترقية التجارة والصناعة .. " وهو يحدثنا عن أبواب الصحيفة وهي "المنبر العام" وباب "أوربا والإسلام" وباب "أخلاق وآداب" وباب "بريد العالمين" وفيه أخبار الخارج ثم خصص فصلًا بعنوان "آيات الوطنية"
стр. 154
وهو للقصص الوطنية في تاريخ الأمم والشعوب المختلفة ثم يختم الكاتب مقدمته بالدعاية للسلطان و"عزيز مصر وأميرها عباس".
ويعتبر إنشاء "اللواء" مفترقًا للطرق في صحافة مصر الوطنية إذ ذاك، فقد حمل علم الجهاد وحده تقريبًا في إيمان الواثق بحقه المؤمن بعقيدته، وستكون "اللواء" فيما بعد لسان حزب لعب في حياة مصر دورًا كبيرًا، وهي الصحيفة الوطنية التي كان نظام العمل فيها مثلًا يحتذى من حيث التحرير والإدارة، وهي الصحيفة الثانية التي استخدمت الآلة الكهربائية في طبعها، ومن أولى الصحف التي عنيت بمادتها وفسحت صدرها لجليل الأمور وخطيرها في صفحات ثمانٍ، وهي أولى الصحف المصرية التي نشرت أخبار مصر وخطب المسئولين فيها ووصفت الحفلات الكبيرة بالبرق، ومحررها أول من ألف الشركات الكبرى للصحافة بالتزاماتها القانونية كما يحدث في أوربا عادة١.
وإذا صح ما نشرته جريدة "الإكسبريس" في ٢٣ أكتوبر سنة ١٩١٥ عن مالية "اللواء" فإنه كان أغنى الصحف المصرية فيما خلا "المقطم" و"الأهرام" فقد قدرت موارده من هنا وهناك بثمانية وثمانين ألف جنيه مصري وهو مبلغ فيما نعلم قادر على تقديم الصحيفة بين زميلاتها خير تقديم، بجانب رأس مالها من الوطنية الصحيحة وحرارة كاتبها وشيعته من الوطنيين المعروفين" وقد أردف مصطفى كامل "باللواء" صحيفة شهرية تشتمل على خلاصة لأطيب ما أذيع في "اللواء" اليومية من رأي أو مقال٢.
ولا يؤخذ على "اللواء" في نشأتها الأولى إلا حماستها الدافقة لتركيا وخلافتها؛ وذلك لاعتقاد المحرر بأن الخلافة في الدولة العلية يقوى بها الدين الإسلامي، وهو يرى أن فصل السلطتين المدنية والدينية يقضي عليهما معًا٣ وذلك رأي قد أنكره التاريخ وينقضه كيان كثير من الأمم التي فازت بالخير عندما تم فصل هاتين السلطتين.
стр. 155
وقد اتجه اللواء اتجاهًا آخر قد لا يتفق معه كثيرون من أبناء جيلنا الحالي الذي لا يؤمن برجعية المرأة ويحب لها التصرف في الشئون تصرف الرجال أو يعتدل فيرجو لها بعض الحقوق التي أبتها "اللواء" في مقالاتها الاجتماعية بين آن وآن، وأظهر هذه المقالات الرجعية صحيفة نشرها محمود سلامة الأديب المعروف وفيها يدعو إلى الحجاب والحجاب الثقيل، ويعيب على جيله نشاطه في خصومة الحجاب وتجاوزه إلى حرية يراها مسيئة إلى حياة الأمم والشعوب١.
وبجانب هاتين الناحيتين اللتين أبدينا فيهما بعض الملاحظات العابرة نذكر صفحات "للواء" لم تكن معروفة ولا معهودة بين معظم صحافة ذلك العهد، فقد شغل "اللواء" صفحاته بأمور التعليم والتعليم الشعبي الذي ينبغي أن يقوم على أكتاف الشعب ليحس أثره الشعب نفسه فتتحقق أغراضه في الحرية والاستقلال، وقد استطاع مصطفى كامل أن يجعل من هذا الموضوع علما يجتمع عنده الوطنيون على اختلاف مذاهبهم وتباين حماستهم، فشرعوا ينشئون المدارس ويفكرون في جامعة مصرية تنشئ الشباب تنشئة يعجز أمامها الاحتلال إذا طلب السلامة أو أبى الجلاء.
ثم أراد اللواء أن يظهر مشاعر المصريين ويوقظهم من غفوتهم فدعا إلى الاحتفال بالعيد المئوي لولاية محمد علي مصر، وهو يدعو هذه الدعوة فيرضي القصر وصاحبه، ولا تستطيع قوى الاحتلال أن تحول بين المصريين وبين الاحتفال بذكرى جد الوالي الشرعي على البلاد، ويقصد "اللواء" بهذه الدعوة أن يستعيد التاريخ المصري الحديث وفيه من المعاني الوطنية ما يوقظ إحساس الأمة مهما عليها الغفلة أن انقطع بها الرجاء٢.
стр. 156
وقد استقبلت الصحف الأجنبية هذه الدعوة استقبالًا حسنًا، وحيث بعضها الفكرة كما صنعت جريدة "لاريفورم"١ فإذا تم الاحتفال وخطب فيه مصطفى كامل، كتب خليل مطران يصفه في "الأهرام" وصفًا هو من روائع الأدب والإنشاء، ووصفت "البصير" الحفل ونشرت خطاب محرر اللواء وتحدثت "لوفارد الكسندي" مرتين عن الاحتفال، إحداهما بعنوان "مصر للمصريين" وكذلك شاركت مصر في هذا الاحتفال جريدة "لاريفورم والكورييري إجيزيانو" واحتفلت بالفكرة وصاحبها أحسن احتفاء ثم لم تجد "الإجيبشيان جازيت" بدًّا من الاشتراك في هذا الموضوع بيد أنها كانت في حديثها متحفظة أشد التحفظ٢ هذا فضلًا عما تكلف به "اللواء" من نشر الخطاب وجميع التعليقات وصدى الاحتفال في جميع الجهات.
لقد اشتركت الصحف في العيد المئوي وساهم فيه المصريون وقصدوا مكان الاحتفال بالإسكندرية من أعماق الريف وأبعد القرى في السودان، وحضره كثيرون من العظماء في مقدمتهم الأمير محمد إبراهيم الذي كان من خطبائه٣ وقد هز هذا الاحتفال عواطف المصريين وبين لهم واجبهم في سبيل الحرية والاستقلال، وكان مصطفى كامل يدعو في جريدته إلى الصناعات الوطنية والمدارس الصناعية ويمجد جمعية العروة الوثقى؛ لأنها تفكر هذا التفكير السليم وهو يعتبر أن الاهتمام بالصناعات يخلق "روح الصناعة في البلاد، وهو بلا مراء أسمى خدمة تقدم إليها وأكبر سعادة تجهز لرجال الغد"٤.
стр. 157
وكان محرر "اللواء" يتخذ من سير المجاهدين العاملين عظة وعبرة، وهو دائب التحدث عن عظماء المصريين وهو يرى أن "لا شيء يرفع مقام الوطنية في البلاد مثل إحياء ذكرى الرجال الذين أخلصوا في خدمتها وقضوا أعمارهم في العمل لإعلاء شأنها وتحقيق آمالها، ولا شيء يميت الوطن والوطنية مثل تمكن داء النسيان في أمة وجهلها لتاريخها وعدم تقديرها للرجال المجاهدين في خدمتها" وهو لا يعني من مقالاته الناحية الإنشائية أو الفائدة العابرة، بل هو يعاتب مواطنيه في عنف إذ "بليت هذه الأمة المصرية العزيزة بذلك الداء العضال، فتراها لا تذكر الرجال إلا إذا كانوا القابضين على أزمة أمورها أو المحركين لحركة العامة فيها، فليس للمصائب في نفوس أبنائها أثر يبقى؛ وليس كذلك للعظمة الماضية بقية باقية في الأفئدة والضمائر، فلا غرابة إذا كان ذلك سببًا من أسباب تأخرها وعلة من علل انحطاطها"١.
أنتج توجيه اللواء أثره في إيقاظ الشعور العام من حيث تقدير الوطن والإحساس بحقوقه المهضومة في الداخل والخارج، وبدأت في الصحف المصرية نغمة الكراهية للأجانب ولكل ما هو أجنبي وإن كان "للواء" أخف الصحف أسلوبًا في هذا التيار، ويبدو أن حرب تركيا واليونان، وحرب إيطاليا للحبشة واستبداد المستعمر في تونس ترك أثرًا سيئًا في نفوس المصريين فوق ما يلاقيه المواطنون فعلًا من اضطهاد الاحتلال وتغلغل الأجانب في كل ميدان وقد أغضب مصطفى كامل من قبل اليونان وصحفها في مصر بالرغم من الصلاة القديمة ربطت المصريين باليونان.
وقد أساءت جريدة "الكورييري إجيزيانو II Gorriere Egiziano في لفظ أو تعبير وهي تتعرض لمسائل مصر العامة فتحدتها "المؤيد" في مقال عن "الإيطاليين في مصر" وإخوانهم في إيطاليا، في سخرية لاذعة وعبارات قاسية، وقد ردت الكورييري على المؤيد ردًّا يماثل ما جاء في مقالته من
стр. 158
عنف وقسوة١ وتناقلت الصحف الأجنبية في مصر مقالتها بالتحبيذ وشاركتها في شعورها نحو المصريين، ويذكر "المؤيد" أن أنهرها قد "فاضت بأنواع العدوانات والسفاهات ضدهم وضد المصريين كافة وضد الإسلام والمسلمين عمومًا وذهبت كل مذهب في المطاعن والشتائم".
ويخيل إلى الباحث أن أمر الخلاف قد انحسم بهذا المقال، غير أن المؤيد تطلع علينا بمقال لعله المقال الوحيد الذي أسف فيه صاحبه، فقد حملت على الأجانب ثم اتجهت إلى "أمة الطليان أخس الأمم وأدناها وأسمجها وأسفلها" وهو يسخر من تاريخ هذه الأمة التي زهت به صحف مصر الإيطالية، وتعقد مقارنة بين تاريخ إيطاليا وتاريخ مصر الذي يرد إلى أصلين عظيمين فإما أن تنسب إلى المصريين القدماء وتاريخهم أقدم من الرومانيين، وإما إلى العرب وفضلهم على الأوربيين لا يعادله ولا يدانيه مدان".
ومهما يكن من أمر هذه الأزمة بين المصريين وصحافتهم فإن "المؤيد" كانت في طليعة الصحف المصرية التي دافعت عن مصر أحر دفاع، وشاركتها الصحف الأخرى الصغيرة بأسلوبها العامي ولفتات ذهنها الساخرة الماجنة، ومن أطرف ما لوحظ على هذا الجدال أن مصر الفرعونية ذكرت بالخير خلال النقاش وهي لفتة تعمدت الصحافة المصرية جميعًا أن تنكرها في كل جهادها منذ الاحتلال البريطاني وحرصت ألا تؤلم الباب العالي بتقوية الصلات بين مصر التركية الإسلامية وبين مصر الوثنية الفرعونية.
وبينما تقود المؤيد حملة المعارضة على الأجانب كان مصطفى كامل يستعيد في اللواء فكرة الحرية والدستور وهي مطالب ما كانت الصحف تطالب بها من قبل حيث كان اتجاهها العام إلى الجلاء ورجاء تحقيقه والإلحاح في الاستقلال أولًا وقبل كل شيء، وقد أهملت اللواء المجلسين التشريعيين ودعت إلى حياة دستورية صحيحة ترد غوائل الاحتلال وعوامل الاستبداد بالسيطرة
стр. 159
على الشئون العامة، وكان هذا دأبها منذ أنشئت ودأب صاحبها في خطبه العامة، وفي خلال الكفاح الذي رفعت علمه "اللواء" حدث "الاتفاق الودي" " Entente Cordiale بين إنجلترا وفرنسا في ٨ أبريل عام ١٩٠٤، وكان صدمة للمصريين؛ لأن مادته الأولى نصت على أن إنجلترا "ليس في نيتها تغيير الحالة السياسية لمصر" وتعهدت الحكومة الفرنسية من جانبها بأن لا تعرقل عمل انجلترا في هذه البلاد، فبدأت بذلك صفحة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية.
стр. 160
الصحافة بعد الاتفاق الودي:
أصبح الاتفاق الودي في سنة ١٩٠٤ عاملًا من العوامل الأساسية في تغيير الاتجاهات الصحفية وتنكب أصحاب الأقلام فيها عن سياستهم الأولى، فقد كانت نتيجة هذا الاتفاق فنور الحماسة الوطنية في نفوس الكثيرين، وقد فترت معها شدة معظم الصحف الوطنية "فالمؤيد" لانت سياسته و"الأهرام" التزمت جانب الحياد إلى حين، ولم تمض في سياستها الأولى إلا "اللواء" فقد أبت إلا أن تبلغ بهذه الأزمة القاسية ذروتها من حيث الجهاد الرائع واستكمال عناصر الوطنية وتوحيدها في نفوس المصريين، فبدأ مصطفى كامل يغذي في المصريين وطنيتهم ويحاول بمقالاته أن يحتفظ بحماستهم بالرغم من الخيانة الفرنسية للأماني المصرية، وذلك في وقت هزت الصدمة كبار الرجال وأذلت أعناقهم كما يقول، واتجه مصطفى كامل في لوائه اتجاهًا جديدًا، فالأمم الأوربية جميعًا، سواء في استعمارها، وهذه حقيقة -كما يقول- يجب أن يعرفها المصريون وتستلزم منهم الاعتماد على أنفسهم، وبولندة وأيرلندة أحسن مثلين لهم في الكفاح والحرص عليه١.
ولعل الفترة التي سبقت الاتفاق الودي كانت تحمل سيرة المؤيد واللواء معًا وكان "اللواء" على الجهد المبذول في تحريره وإخراجه لا يستطيع بلوغ ما كان عليه "المؤيد" من الذيوع والانتشار، فالمؤيد صحيفة إسلامية قديمة لها خطرها وقدرها في حياة المصريين والشرقيين جميعًا، وظهور "اللواء" لم يحد من نشاط "المؤيد" أو يحول دون قدره في نفوس الجماهير؛ لأنه لم يشبه
стр. 161
الشوائب ولم تؤخذ عليه المآخذ غير أن صاحب "المؤيد" انحرف بعض الشيء واستطاع الاحتلال أن ضمه إلى جانبه واحتفى به الإنجليز يوم زار بلادهم وقال في عاصمتهم كلمته المشهورة "إن لوندرة كعبة المصريين السياسية" ففقد بذلك جزءًا كبيرًا من عطف المصريين والأتراك معًا، وبدأت صحيفته تهوى وأخذ "اللواء" يتقدم عليها، ثم جاء الاتفاق الودي فكان فاصلًا في تاريخه إذ كان موقفه منه موقفًا هينًا فاترًا.
وكانت خاتمة "المؤيد" كمنازع لجريدة "اللواء" ومنافس له، واضحة بعد قضية صاحبه المشهورة بقضية الزوجية، وهي قضية عامة كان للعنصر الشخصي جانب كبير فيها وكان للسياسة جانب آخر، كما كان للحياة الاجتماعية أثر في تكييفها وتحليلها، ونال الصحافة منها في الدوائر الشعبية والرسمية حظ موفور، أما العنصر الشخصي في هذه القضية التي شغلت مصر وصحافتها فهو أن الشيخ علي يوسف رأي أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق شيخ السادات الوفائية، ورأت السيدة هذا الرأي، فانعقد عزمهما على إتمام هذا الزواج دون علم شيخ السادات الذي عراض الفكرة أشد المعارضة، وتم العقد كما يقضي بذلك الشرع، غير أن والد العروس أبى الواقع وثار عليه فأقام الدعوى أمام المحكمة الشرعية ليحال بين ابنته وبين زوجها؛ لأنها دونها في النسب والحسب ولأنه يمتهن مهنة لا يكرم بها صاحبها١.
هذا هو ملخص القضية التي أصبحت قضية عامة، وكانت معظم الصحف المصرية والرأي العام في جانب شيخ السادات، وكان اللورد كرومر والحكومة المصرية في جانب الشيخ علي يوسف، وهي صورة مناقضة لقضية "التلغراف" الصحفية المشهورة، وحاولت الحكومة أن تحول دون فصل الزوجين وتنفيذ قرار القاضي، وكاد قاضي القضاة يثير أزمة حادة في دوائر القضاء، ويقف القضايا الشرعية جميعًا ويغلق أبواب المحكمة لولا أن الحكومة نزلت عند أمره وحالت بين الزوج وزوجته إلى أن يفصل في القضية٢.
стр. 162
هذه القضية مزاج غريب من الحياة الاجتماعية والسياسية فإن حادث الزواج وأسلوبه فضيحة في نظر الرأي العام إذ ذاك بل هو فضيحة في نظر الرأي العام في أيامنا الحالية وإن كانت شرائط العقد قد تمت على الصورة التي يقرها الشرع والدين، ولم تجرؤ صحيفة عربية من الصحف الموالية للاحتلال على الدفاع عن الأسلوب الذي اتبعه الشيخ في قرانه من ابن السادات، ولم تتدخل صحف الأقباط في هذا الموضوع؛ لأن له بالدين الإسلامي أوثق الصلات، ولم تناقش صحيفة من الصحف مسألة الحسب والنسب التي تنزل بكفاءة رجل له مكانه في مصر؛ لأنه يحاول القربى من حسيب نسيب.
ويروي المؤرخ في موقف بعض الصحف الإسلامية في هذا القضية بعض الهنات التي كان يجب أن تتنزه عنها، فهي أولًا قضية خاصة لا يليق أن تكون مثارًا للمجادلة على صفحات الجرائد، ثم هي قضية صحفي ينبغي لزملائه أن يحترموا من أجل المهنة كرامته، ثم إن الصحافة باعت في سوق نافقة فكسبت رضاء الرأي العام ولم تفكر في رأي حر تذيعه خشية سخط الجماهير، وليست بصحافة تلك التي تهاب سخط الجماهير، وهي بموقفها هذا قد سمحت للسلطات القضائية برأي فيها مهما يكن أمره فهو رأي يسوؤها وهو أهم ما يعنينا في تاريخ هذه القضية.
فيذكر محامي السيد الشيخ السادات أن "الصحافة لا تشرف إلا بشرف استعمالها" وهذا تقرير صحيح لولا أن المحامي يعتبرها مع ذلك حرفة دنيئة. ويقول: "أليست عبارة عن الجاسوسية العامة وهي معدة للإشاعة وكشف الأستار وهذا أمر منهي عنه شرعًا فضلًا عن نشرها الإعلان عن الخمر وأمكنة اللهو" هذا رأي محامي السادات وهو رأي يسوء الصحف جميعًا فهي عنده "حرفة دنيئة" مهما يعتذر عنها بشرف الصحفي وعلو همته؛ لأن الصحف عامة تشترك فيما نهى عنه الشرع وهو إذاعة الأخبار وإشاعتها بين الناس، وهي في أكثرها تنشر إعلان الخمر وأخبار الملاهي ومنتدياتها، وفي هذا من الاتهام الصريح ما كان يحمل بالصحافة المصرية أن تتكاتف على
стр. 163
رده مهما تختلف نزعاتها السياسية واتجاهاتها العامة حتى لا تعطي المحكمة بعد المحامي فرصة لتأييد وجهة نظر المدعي وحط قدر الصحافة.
فإذا دافع الشيخ علي ومحاميه عن مهنته وعن علمه ردته المحكمة في ذلك جميعًا فهي ترى "أن صناعة التحرير لا تنهش دليلًا على العلم" ثم تقول عن الصحافة "وحيث إن حرفة الصحافة التي نسبها المدعي لنفسه قسمان، قسم يبحث في علوم وفنون مخصوصة وهي المجلات غير اليومية وهذه شرفها يشرف ما تبحث فيه وغزارته وهذه الصحافة لا يدعيها الشيخ علي لنفسه، وقسم لا يختص بموضوع مخصوص وهي الجرائد اليومية ووظيفتها إرشاد من تتكون منهم المملكة من الأفراد والعائلات والهيئة الاجتماعية والحكومة فهي معدة للإرشاد العام، وهذه الصحافة جليلة جدًّا لها أثرها في رقي المملكة من ناحيتها الداخلية والخارجية ويجب أن يتوافر في صاحبها أعلى أنواع الثقافة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية كما يجب أن يكون على قدر من شرف النفس ونبل الضمير وأن يكون من أشد الناس محافظة على الكمالات والآداب حتى يمكنه أن ينفع بنصحه وأن يجمع الناس إلى رأيه فضلًا عن وجوب علمه بالسياسة الداخلية والخارجية" إلى أن تقول: "ولكن المدعي عليه لا يمكن أن يدعي لنفسه هذه الصحافة أيضًا، ذلك لتقلبه في المبادئ لغير سبب وتعرضه للشخصيات في ثوب المصالح العامة وسكوته عن بعض ما يلزم الكلام فيه لأغراض بعض من يهمه رضاؤهم، ولا نريد أن نعدد له ما فعل وكفى بهذه القضية وحدها دليلًا على ذلك، وعلى ذلك فالمدعي عليه ليس مشتغلًا بالصحافة قائمًا بها وإنما هو يشتغل بشيء يشبهها لأغراضه ملبسًا له ثوب الإرشاد والمصلحة العامة وهذا اشتغال بأخس الحرف وأدنئها، وعلى ذلك لا يكون محترفًا الصحافة وإنما هو يحترف حرفة أخرى دنيئة"١.
وقد حكمت المحكمة بعد صحة العقد، مع أن الشيخ السادات كان على
стр. 164
صلات طيبة بزوجها الشيخ علي يوسف، وعلى علم برغبة الرجل في الزواج من ابنته، وقبل في ذلك هداياه، وهي إيماءة بالرضا عن هذه الرغبة والاستعداد لتنفيذها، ولم يرجع عنها الشيخ السادات إلا بعد أن سعى دعاة السوء بينه وبين الشيخ علي، فكانت هذه القضية وكان هذا الحكم الذي استمد بهاءه من التقاليد دون الدين وأصاخ بالسمع إلى تهليل العامة، ولم يقم وزنًا لرأي النخبة المنتقاة من خاصة الناس.
ومهما يكن من أمر هذا الحكم فإن الصحافة خسرت فيه؛ لأن اتهام قطب من أقطابها بجهله السياسة الداخلية والخارجية كفيل وحده بأن يسقط كثيرًا من الصحف والصحفيين في ذلك الوقت، وهو حكم لا يتصل بالشرع؛ لأن الغرض ظاهر فيه، وكأن الأفندي قاضي القضاة والخديوي معه والتقاليد من حولهما قد تكاتفت على إصداره في هذه الصورة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن السياسة وحدها كانت مسيطرة على الموقف جميعه.
أما الصحف المصرية -عربية وفرنجية- فقد تباين موقفها من هذه القضية فحرصت معظم صحف الأقباط على عدم الخوض في هذا الموضوع فيما خلا مصر والمقطم فأما "مصر" فقد ساءها قرار محامي السادات في الصحافة، فهي ترى أن "ما قاله الشيخ الفندي وكيل السادات تعريضًا بالصحافة وحسبانها من المهن الدنيئة المضرة، فقول لا يصدر إلا عن الجاهلين الأغبياء الذين لا يدركون ولا يفهمون". وأما "المقطم" فقد حرصت على نشر تفاصيل القضية دون أن يعلق الكاتب على اتهام المحامي والمحكمة الصحافة بأسوأ ما تتهم به حرفة من الحرف ثم وقفت "المنار" الصحيفة العربية إلى جانب صاحب "المؤيد" في قضيته، وأما "الإجبشيان جازيت" صحيفة المعتمد البريطاني فتمدح الشيخ علي يوسف على الرغم مما بينهما من خلاف ثم تذكر أنه "قل أن يوجد بين الصحفيين من يستطيع الوقوف إلى جانب صاحب "المؤيد" ولا يوجد ذو مسكة من العقل لا يضع علي يوسف في أعلى طبقة من طبقات رجال الصحافة، فإنه تمكن بالجد والاجتهاد والمثابرة من إيصال
стр. 165
جريدته إلى درجة "التيمس" لا في العالم العربي فقط بل في جميع العالم الإسلامي١" ثم نحت هذا النحو جريدة "ذا إجبشيان مورننج نيوز" " The Egyptian Morning News".
عرضنا لتقرير كرومر سنة ١٩٠٣ وحديثه عن الصحافة وبينا مقدار ما فيه من غبن لها منذ احتل الإنجليز مصر إلى السنة التي بدأ اللورد كرومر يذكرها في تقاريره، وقد وضح لنا أن "الأهرام" تولت المعارضة زهاء عشرة أعوام وشرحنا كيف نشأ "المقطم" خصيمًا لجريدة الأهرام، ثم ذكرنا الأسباب التي من أجلها أسس "المؤيد" والدواعي التي صدر من أجلها "اللواء" بعد انحراف صحيفة الشيخ علي يوسف، ويرى المؤرخ لهذه الصحافة أن القصر بقي بعيدًا عنها في مرحلتها الأولى وأن الوطنيين دون الخديوي توفيق هم أصحاب الفكرة في إنشاء الصحف الوطنية، وأن اللورد كرومر ابتدع سياسة الحكم بالصحافة، وقد عني العميد البريطاني أشد العناية بهذه السياسة بعد تولية عباس الثاني أريكة الخديوية، وكان شابًّا شديد التطلع إلى استقلال بلاده وجلاء الإنجليز عنها، ومواقفه في أوائل عهده من الاحتلال ورجاله أشهر من أن تذكر، فلا غرابة في اتفاق مزاجي الخديوي ومصطفى كامل وهو مزاج شابين يرجوان هدفًا واحدًا مهما تتباين الدوافع والأسباب.
ساعد كرومر بعض الصحف وقدم لها من التأييد ما هيأ لها فرصة التقدم والبقاء وعلى رأس هذه الصحف جريدة "المقطم"، وساعد الخديوي عباس بعض الصحف وقدم لها من المال والجاه ما هيأ لها فرصة الذيوع والانتشار، وفي مقدمة هذه الصحف جريدة "اللواء" ولا يعنينا ما ذهب إليه بعض الصحفيين وهم يؤرخون للصحافة الإسلامية من أن الخديوي دفع للواء مبلغ خمسة عشر ألف جنيه٢ وهو زعم إن صح لا يعني إلا تدعيم الصحيفة
стр. 166
الوطنية وهو عمل يشكر عليه من كان في مقدوره البذل والعطاء في سبيل الاستقلال والجلاء.
وقد نشأ عن ذلك كفاح بين الصحف بعضه ظاهر وبعضه خفي، أما كفاح العلن فقد تولته "المقطم" و"اللواء" وأما الكفاح وهو أقل شهرة في تاريخ الصحافة المصرية فكان بين بعض الصحف الصغيرة من الجانبين، وهي صحف أبي كرومر أن يصدر لها قانونًا؛ لأن هذا القانون يفيد الخديوي الذي يعاديه بعضها في غير تحفظ وفي غير احتياط، وهو لا يملك ردعها مع أن اسمه ومكانته فوق التهم والمهاترات، ولا يضير الاحتلال في شيء أن تهاجمه هذه الصحف؛ لأن نقده والحملة عليه شيء طبعي وفي تنفيس عن الشعور العام وفي ذلك صمام الأمان.
وكان الشيخ محمد عبده هدفًا لصحف الخديوي وكان يلي في ذلك الوقت وظيفة الإفتاء، وقد أفتى حينئذ بجواز أكل المنخنقة فحملت عليه الصحف وكان أشدها حملة جريدة "الظاهر" لمحمد أبي شادي بك المحامي المصري المعروف، ومضت تقذع في الشيخ الإمام وتطالب بعزله من منصب الإفتاء، وذلك لأمور أخرى لم يأت ذكرها في أسباب هذه الحملة وإن فصلها يوسف طلعت باشا صاحب جريدة "الراوي" اليومية في تقريره إلى السلطان، فقد ذكر عن هذا الموضوع أن "الخديوي بعد أن رأى نفسه عاجزًا عن عزل المفتي الذي يعارض مساعديه في الأزهر والأوقاف شرع في معاكسته بأمرين، أحدهما الاستعانة بمولانا الخليفة الأعظم على عزله بحجة أنه أفتى بما يخالف الشرع، وثانيهما إنشاء جريدة اسمها "الظاهر" لأجل إسقاط نفوذه الديني وإضعاف حزبه المؤلف من طائفة العلماء ومن أكثر رجال الحكومة١.
وقد أسفت "الظاهر" في الحملة على الشيخ محمد عبده خاصة وخصوم الخديوي عامة مع أنها ادعت "أن دستور الجرائد في حياتها الأدبية هو قانون
стр. 167
الأخلاق العمومية والآداب الاجتماعية"١ وتولى هذه المهمة الشيخ محمد الشربتلي وهو خصم للإمام من قديم، ادعى عليه الدعاوى في تدريسه في الأزهر وسجن من أجل ذلك، ولكنه عاد إلى "الظاهر، وتولى فيه تقبيح الشيخ والزراية به، ومع أن "الظاهر" لم تكن كثيرة الانتشار إلا أن الصحف الوطنية روعها ما فعلت إحداها من أذى للشيخ محمد عبده فردت عليها جميعًا فيما عدا "اللواء" وبينت الغرض والضغينة في حملتها، وشرحت السبب الصحيح للحملة ودافعت عن الإمام وإفتائه دون أن تذكر اسمها تحقيرًا لشأنها، وسلبتها الحكومة بعض امتيازاتها كالامتياز الخاص بنشر الإعلانات القضائية.
ومن الصحف الصغيرة التي شكا الجمهور منها صحيفة "الحمارة" وهي من خصوم الشيخ محمد عبده وقد فاقت زميلاتها جميعًا في بذاءة الحملة عليه، فنشرت للشيخ صورة ماجنة فصورته بين جماعة من نساء الفرنجة في وضع لا يليق وذلك تسويئًا وتهوينًا لقدره كمفتٍ للديار المصرية، وقد قبضت النيابة على صاحبها وقضت المحكمة بسجنه٢.
وقد أهاج العقلاء أمر هذه الصحف التي عاشت من نهش الأعراض وفرضت الأتاوات على بعض الناس يؤدونها على ما تحب وإلا جرحت كراماتهم، وقد اهتمت بهذا الأمر الجمعية العمومية فذكر أمين بك الشمسي في إحدى جلساتها أن "أسافل الناس يقدمون على إنشاء الجرائد وقد ملئوا الدنيا سفاهة وتعديًا على الأعراض، على أن الجرائد هي مرشد الأمة والحكومة، والمطبوعات هي ركن من أركان العمران"، ثم اقترح على الجمعية "أن تطلب من الحكومة الاتفاق مع وكلاء الدول على سن قانون عمومي للمطبوعات يقي الناس من هذه الفوضى" وتحدث الشيخ محمد عبده في هذا الموضوع وضم اقتراحه إلى اقتراح زميله٣.
стр. 168
وفي سنة ١٩٠٤ أعاد مجلس الشورى القوانين الكرة في هذا الموضوع وطالب بنفس ما طالبت به الجمعية العمومية في سنة "١٩٠٣"١ غير أن اللورد كرومر لم يوافق على رأي الجمعية العمومية أو مجلس شورى القوانين، وتضمن تقريره عن سنة ١٩٠٤ هذا الرأي وإن شارك المجلسين فيما ذهبا إليه من حيث السخط على هذه الصحف الحقيرة، وهو يريد أن يحتاط لصحافته الكبرى فلا يقبل إصدار تشريع يستغله الخديوي في القضاء على ألسنة الاحتلال لذلك يزعم العميد الإنجليزي أن الذين يدفعون لهذه الصحف خوف التشهير لو امتنعوا عن البذل لها لاستحال على هذه الصحف البقاء، ثم إن قانون العقوبات كما يقول اللورد قد تضمن مادتين جديدتين هما المادة "٢٨٢" والمادة "٢٨٣" وهما كفيلتان بردع من لا يرتدع وقد تبلغ العقوبة أحيانًا السجن ثلاثة أعوام ثم يعدد كرومر الصحف الثمان التي تخصصت لابتزاز الأموال والتشهير بذوي المقامات والكل على جميع الموائد، ويذكر أن بعضها قد عوقب على تبذله ثم يقول: "يجب أن لا يظن أن هذه الصحف عنوان للصحافة المصرية فإنها جميعًا قليلة الأهمية وإنها في أساسها إما صحف هزلية أو ساخرة"٢ وبالرغم مما يؤخذ على هذه الصحف مما دعا إلى الضيق بها من كل الجهات فإنها تمثل النكتة المصرية الرائعة والسخرية اللازعة وتعيد مجد أبي نظارة وصاحبها يعقوب بن صنوع.
لم تظهر السياسة الإنجليزية نحو الصحافة إلا في تقرير كرومر عن مصر سنة ١٩٠٦ فقد كان فيها واضحًا كل الوضوع مع أن الصحافة المصرية لم تنل من اهتمامه في سنة ١٩٠٥ إلا ستة أسطر٣ وهو يبدأ حديثه عن حرية الصحافة بأنه كان دائمًا في جانب هذه الحرية، وهو هنا لا يميل إلى ترديد النغم السابق من حيث تقديره لها، فالصحف المصرية في اعتقاده لا تعبر عن الرأي العام
стр. 169
لما امتلأت به من حشو وما حفلت به من العبارات النابية، وهو يذكر أن بعض كبراء مصر يرى رأيه هذا فأضعفت الصحف بذلك حجة أنصارها المدافعين عنها وعلى رأس هؤلاء الكبراء الخديوي عباس الثاني، وأنه نفسه أصبح يميل إلى وصع شيء من القيود لهذه الحرية المطلقة التي منحتها الصحف حفظًا للنظام وعناية بمستقبل الاحتلال في مصر، وهو يبني أحكامه الجديدة على الصحافة المصرية من قراءته المتصلة للمعارضة منها وهي صحف فارغة لا تجد فيها بحثًا ذا قيمة في المالية أو التعليم أو أعمال القضاء لذلك كانت سوءاتها بالنسبة للمصريين أكثر من حسناتها، هذا على حين أن الصحف الأجنبية في مصر لها كما يقول، مكانها الرفيع من حيث مادتها وأسلوبها المعتدل الرصين١.
وبذلك لم يعد كرومر نصيرًا للصحافة المصرية بعد أن كان يستفيد منها ويتحمس للدفاع عنها بحرارة في سنة ١٩٠٣ وهو يلتمس اليوم لخصومها المعاذير، وهو في الواقع خصومها في تلك السنة؛ ذلك لأن مصطفى كامل زلزل سلطانه عقب حادث دنشواي في ١٣ يونيه سنة ١٩٠٦ إذ قاد الحملة عليه زهاء شهرين كما كتب في صحف أوربا، وكان من نتائج مقالاته في "الفيجارو Figaro" في ١١ يوليه سنة ١٩٠٦ أن عزل كرومر من منصبه.
برم اللورد كرومر بالصحف المصرية بعد حادث دنشواي، وهو السبب المباشر لسخطه عليها، غير أنه استعاد من غير شك المشاكل التي خلقتها له الصحف المصرية في الأعوام الأخيرة، فكل عمل قصده الاحتلال منذ استقالة رياض من رياسة الوزارة أصبح حديث العامة قبل الخاصة من جراء انتشار الصحف الوطنية، وقد استطاع أن يتخلص من معظم هذه الصحف ويستميل معظم الصحفيين الوطنيين إليه ولم يبق في ميدان الصحف المعارضة أهم من "اللواء".
стр. 170
حقًّا لم يستمر الود بين الخديوي ومحرر "اللواء" طويلًا، إذ ظهرت عليه علامات اليأس بعد حادث فاشودة والاتفاق الودي١ وبذلك أصبحت "اللواء" وأنصارها وحدهم في الميدان، وقد تعرض الخديوي نفسه لعتاب "اللواء" يوم حضر عرض الجيش البريطاني في نوفمبر سنة ١٩٠٤ واعتذرت المعية بأن تلك الحادثة تمت بمجرد المصادفة المحضة، غير أن تلك الحادثة تكررت في العام التالي، وفي نفس الشهر، فكتبت "اللواء" تعلق على موقف الخديو وتسخر قائلة: "وإذا كان من الصعب تحميل "المصادفة" مسئولية هذا الحادث مرتين فمن المرجح أن المعية لا تنشر بلاغًا في هذا العام وتفضل السكوت على الكلام" ولم يستطع الخديوي أن يتحمل مهاجمة "اللواء" له في السنة التالية فأبى حضور العرض في سنة ١٩٠٦ وعلقت جريدة "الإمبريالي" الإيطالية قائلة: "ولعل سمو الخديو أراد بإطالة إقامته في الإسكندرية العدول عن الخطة التي اتبعها سنة ١٩٠٤ فهل فازت الصحافة الوطنية بنصائحها واحتجاجاتها؟ "٢.
وقد لاحظ اللورد كرومر أن "اللواء" تتعقبه بالتفصيل والتفسير في كل خطوة من خطواته، فقد اعتزم اللورد زيارة الأقاليم في فبراير سنة ١٩٠٥ والاتصال بالجماهير وبحثه المسائل العامة معهم وإلقاء النصح للأعيان والعمد، فحمل "اللواء" حملة شديدة على ذلك التصرف ثم مضى في اليوم التالي يتحسر على ما آل إليه حال مصر حتى أصبح المعتمد البريطاني يجول في أرجائها كأنه "صاحب الحل والعقد والأمر والنهي الذي لا يعارض في شيء"٣ وقد أنتجت حملة "اللواء" المتصلة حماسة بين المصريين كراهية شديدة للاحتلال البريطاني، وظهرت تلك الكراهية واضحة بين العامة قبل الخاصة في مشكلة العقبة بين تركيا وإنجلترا في سنة ١٩٠٦، ومما يؤثر عن
стр. 171
هذه المشكلة إعلان المؤيد لميولها الإنجليزية، فقد انحازت إلى جانب الإنجليز كما انحازت اللواء إلى جانب الأتراك، ومما يؤسف له أن البلاد افتقدت صحيفة تبحث مكان مصر وحقها من هذه المشكلة.
عرضنا لبعض الأحداث التي دعت اللورد كرومر إلى التبرم بالصحافة وحريتها وأهمها من غير شك الحملة الصحفية في اللواء عقب محاكمة دنشواي، وقد أنتجت المحاكمة حملة صحيفة في الخارج لفتت الإنجليز إلى سوء السياسة التي يمثلها معتمدها في مصر مما ترتب عليه عزل كرومر في أبريل سنة ١٩٠٧، ويبدو أن عزل كرومر فتح صفحة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية، وهي صفحة كتب معظمها "اللواء" وصحفه، وهي مدرسة في صحافتنا جديدة، وكتب أقلها بقية الصحف المعاصرة بزعامة المدرسة القديمة ممثلة في المؤيد.
وقد أسس صاحب "اللواء" شركة مساهمة لإصدار جريدتين أوربيتين في مصر بعد حادث دنشواي في نوفمبر سنة ١٩٠٦، وعندي أن إنشاء هاتين الصحيفتين من أبرز خدمات مصطفى كامل للقضية الوطنية؛ لأن إنشاء الصحيفتين ليس شيئًا بجانب ما نشر فيهما من المعاني التي كان يعز عرضها على الأجانب في مصر، ثم إنه استطاع أن ينال موافقة جريدة "لوفيجارو" على أن تأذن للجريدة الفرنسية الوطنية بنشر مقالات بيير لوتي " Pierre Loti" عن مصر على أن يكون نشرها في الجريدتين في يوم واحد، وهو عمل صحفي نادر المثال في ذلك الوقت، كما أنه رأى أن يعد لصحفه بيئة صالحة فأوفد أحد محرري "اللواء" إلى باريس ليتلقى علومه الصحفية نظرًا وعملًا في مدارسها وصحفها الكبرى١.
ويحسن بمن يؤرخ للصحافة المصرية في تلك الفترة أن يعرض للتيارات الصحفية المختلفة منذ عزل كرومر وبدء جورست سياسته الودية مع الخديوي
стр. 172
ليستقيم تأريخ الصحافة في هذا العهد الجديد ونصبح على بينة من عموميات هذا التاريخ، فقد استقبل جورست صحافة من أهمها "اللواء" و"الأهرام" و"المقطم" و"المؤيد" وهي صحف معروفة النزعة، وقد بينا مذهبها من حيث اتصالها بالحركة الوطنية أو الاحتلال، وكان بجانبها صحف أخرى من أظهرها "المحروسة" وهي صحيفة تميل إلى الخديو وتخالف "المؤيد" وتحمل على "المقطم" ومع ذلك فهي تلين للاحتلال، ثم "الوطن" وقد أعادها إلى الوجود جندي إبراهيم بك في سنة "١٩٠٦"١ وهي من أصدقاء العميد البريطاني وفي خصومة مستمرة مع المسلمين، وتميزت "مصر" بقبطيتها وميلها إلى الاحتلال ومعارضتها كل فكرة دستورية، ولها هي و"الوطن" تاريخ حافل في الخلاف الديني الذي سنعرض له فيما بعد ثم "البصير" وهي جريدة تجارية لا رأي لها وإن مدحت الحكومة كلما نال الأقباط خير من مصر وأخيرًا "الجريدة" وهي صحيفة المعتدلين، غير عشرات من الصحف والمجلات الأخرى التي لا يؤثر إنكارها في مجريات الحوادث.
و"الجريدة" هي أحدث الصحف المهمة التي نشرت في العهد الجديد، وقد قيل: إن كرومر أوعز بإنشائها وإنه أوحى بالدعاية لها في الأقاليم بين الذوات والأعيان٢ وهذه واقعة يعوزها التأييد والبرهان، وقد ساهم في رأسمالها كثير من عيون المصريين في مقدمتهم محمد باشا سليمان وحسن باشا عبد الرازق وإبراهيم باشا عبده وغيرهم، وإذا كان سليمان باشا وعبد الرازق باشا في علاقات طيبة مع الاحتلال فليس معنى هذا أنهم يعدون له بوقًا يضاف إلى أبواقه السابقات، وآية ذلك أن "الجريدة" خلت من الدعاية للاحتلال والمحتلين وكان لها بعض المواقف التي تزين الصحافة الوطنية من حيث التفكير الوطني واعتدال المزاج فيه، ومجمل القول فيها إنها صحيفة بعض الأعيان وبعض المفكرين أيضًا.
стр. 173
وقد صدرت "الجريدة" في سنة ١٩٠٧ برأس مال قدره عشرون ألف جنيه١ وقد سدت بوجودها فراغًا كان شاغرًا في بيئة الصحافة والصحفيين، فقد خلت الجريدة من المطاعن الشخصية وتأنق محررها أحمد لطفي السيد في اختيار عباراته ومعانيه، وعنه سمى الخديوي "صاحب السلطة الشرعية" وقيل عن ممثل إنجلترا في مصر "صاحب السلطة الفعلية" وقد اختارت "الجريدة" فئة من الكتاب النابهين للعمل فيها وبحث المسائل الأدبية والعلمية والموضوعات الاقتصادية والزراعية، وذكرت أصدق الأخبار وقبلت انتقاد الناقدين، وهي على صلة طيبة بجميع المصالح ولم تخاصم صحيفة من الصحف أو تسيء إلى فرد متعمدة.
وقد ظهرت "الجريدة" عقب حادثة العقبة بعد أن انقسمت الصحف إلى قسمين، بعضها انحاز إلى الإنجليز وأكثرها مال إلى تركيا ولم تحظ حقوق مصر من إحداها، فصدرت "الجريدة" صحيفة مصرية خالصة، وذكرت في عددها الأول المادة الثالثة من قانون شركتها وهي تؤكد أنها "مصرية بحتة غرضها الدفاع عن الصوالح المصرية على اختلاف أنواعها وإرشاد الأمة بأسرها إلى منافع الحيوية الصحيحة ونشر ما فيه من فائدة مادية أو أدبية ونقد كل عمل له مساس من أية جهة كانت بتلك المنافع والصوالح سواء كان ذلك العمل عامًا أو خاصًّا مهما كان مصدره ومهما كانت صفة القائم أو الآمر به، وببيان صالح ذلك العمل من فاسده، وقول الحق في الحالتين حتى بهذا يتكون رأي عام قائم على أساس متين من صدق النظر وحسن التفكير يقول قوله بلسانها ولا تنطق هي إلا عنه، لا فرق في ذلك بين الأديان ولا تمييز بين الأجناس، هذا مع نبذ الشخصيات وعدم الخوض في المنازعات الدينية
стр. 174
المحضة وأن لا تؤجر في غرض وأن لا تستخدم لأحد مع التزام الاعتدال في جميع الأحوال.
هذه هي خطة "الجريدة" وقد حققت في تاريخها أكثر ما ذكرته المادة الثالثة من قانون شركتها، وكان هذه الصحيفة ترجمان حزب الأمة ولسانه وهو حزب يرى اللورد لويد أن يتكون من جماعة المفكرين بعيدي النظر والذين كان اتجاهم إلى كسب التقدم الدستوري بطرق معتدلة١ ولم تكن "الجريدة" في يوم من الأيام تقر رأيًّا تركيًّا أو تزعم للدولة العلية الكياسة وبعد النظر وسلامة الفكرة، وهي صفات كانت تؤمن بها معظم الصحف المصرية، بل اختطت دون الصحف الوطنية خطة الملاحظة على ما تصنع تركية ونقدها بين حين وآخر، وهي تدعو إلى تحقيق الأماني الوطنية باتفاق يحدث بين الاحتلال وبين أعيان المصريين وحدهم؛ لأنهم أصحاب المصالح الحقيقية وتدعو إلى الرضاء بكل ما يكسبه الوطنيون من هذا الاحتلال حتى تتوافر الكفايات للحكم الذاتي.
وإذا كانت "الجريدة" قد أصبحت صحيفة المعتدلين فقد استمر "اللواء" لسان عامة الناس والمتطرفين منهم خاصة، وقد زاد قدره في عيون المواطنين إذ استطاع صاحبه بقلمه في مصر والخارج عزل عميد الاحتلال بعد أربعة وعشرين عامًا من الكفاح المتصل، ولم تتغير خطته بعد عزل كرومر وتعيين "إلدون جورست" " Eldon Gorst" مكانه بل إنه التزاماته كانت أخطر في ذلك العهد من جميع العهود السابقة فقد جاء العميد الجديد بسياسة لينة نحو القصر لا نحو مصر، فتغير الخديوي وتبدلت أساليبه الوطنية فكان بالأمس يدافع عن الحركة الوطنية ويخطئ خصومها علانية في أحاديث صحفية وينكر تعصبها الديني ويرى أن شعبه "طيب بفطرته نزيه مجد ومعتدل متسامح"٢
стр. 175
غير أنه يعود فيذكر لمكاتب "الديلي تلجراف" في مايو سنة ١٩٠٧ أنه لا يعمل ضد الاحتلال ويبين له أن المعتمد البريطاني لا يستطيع حكم مصر وحده، وأنه مستعد للتعاون معه وأنه لا فائدة للمصريين من استبدال احتلال باحتلال، وأن الاحتلال البريطاني خير من أي احتلال آخر١ ويأبى "اللواء" على هذا الخصم الجديد ما ذهب إليه فيضيف إلى أعدائه عدوًّا خطير الشأن بيد أنه يشرع في مخاصمته فورًا فإن الشعب المصري "لا يقبل مطلقًا أن يكون حكم مصر بيد سمو الخديوي بمفرده أو بيد المعتمد البريطاني أو بيد الاثنين معًا، بل يطلب أن يكون حكم هذا الوطن العزيز بيد النابغين والصادقين من أبنائه وأن تكون نظامات الحكومة دستورية ونيابية" ثم يقول في موضع آخر متحدثًا عن الخديوي "فهو إن قال كلمة في صالح الحركة الوطنية خدم نفسه وعرضه واستمال أمته إليه وإن عمل ضدها أضر بنفسه وبعرشه ونفر أمته منه ولكنه في الحالتين لا يستطيع الإضرار بهذه النهضة؛ لأنها نهضة المطالبين بالحياة والوجود ومثل هذه النهضة لا يضرها إنسان مهما كان قويًّا أو عظيمًا"٢.
لقيت الصحافة بعد تغيير كرومر شيئًا من العنت والضيق لحقاها جميعًا سواء في ذلك صحف الاحتلال وصحف الاستقلال إذ لم يعد للإنجليز حظ في حرية الصحافة والتمكين لها، وقبض الخديوي يده عن مساعدة الصحافة الوطنية فقد انتفقت الأسباب التي تدعو إلى ذلك كله، وهي الخصومة القديمة بين صاحب السلطة الشرعية وصاحب السلطة الفعلية وأصبح الطرفان لا تعوزهما قوة من القوى لتحقيق أغراضهما، وكذلك اتفقت السلطات الأجنبية في هذا الرأي مع السلطتين الرسميتين في مصر وخاصة بعد الاتفاق الودي سنة ١٩٠٤ فلم يعد لحماية القنصلية الفرنسية أثر في الحيلولة دون بطش العميد أو الخديوي بالصحف اللائذة بها.
стр. 176
وكانت الصحف الصديقة للاحتلال أول ضحايا سياسة الوفاق الجديدة في سنة ١٩٠٧ فقد اتهمت "المقطم والوطن والشرق" مأمور مركز كرموز بأن يقبل الرشوة لقضاء حاجة الناس وحملت عليه في بضع مقالات ضمنتها رأيها في أن المصريين لا يصلحون لوظائف المأمورين، وأن هذه الوظيفة جديرة بعدالة الإنجليز، وقدمت هذه الصحف للنيابة العمومية، ولم تحل العلاقات القديمة بينها وبين دار الوكالة البريطانية دون محاكمتها والحكم عليها، وقد علقت "المقطم" على الحكم زاعمة أنها حملة أحكم تدبيرها للقضاء عليها واستغاثت بالصحف الأجنبية في مصر لتؤازرها ولتدفع الظلم الواقع عليها١ وقد أنكرت النيابة أنها لسان من ألسنة الأمة وقطعت بأن أخبارها غير صحيحة وتعوزها الأدلة والبراهين وأنه لا يجوز لها أن تتعرض للشخصيات وتسيء بالسب إلى الموظفين العموميين.
لم تفتر الحركة الوطنية بعد وفاة مصطفى كامل في مطلع سنة ١٩٠٨ بل بقي تاريخها في الجهاد متصلًا في كل ناحية من نواحي الحياة المصرية ومن ورائها كتلة من الوطنيين المصريين ممثلة في الحزب الوطني الذي ضم عنصري الأمة وقضت وحدته على الخلافات المذهبية التي طالما عير بها المصريون في مصر والخارج وكانت سببًا من الأسباب انتحلته الدول للتدخل في شئون مصر قبيل الاحتلال والتمكين لهذا الاحتلال بعد وقوعه، وقد غذى هذه الحركة نجاح الحركة الدستورية في تركية في يولية سنة ١٩٠٨ وإن كان نجاحها في تركية جاء متأخرًا بعد أن انفصمت العلاقات الودية بين الخديوي والحزب الوطني ولم يكن هذا النجاح في تركية شيئًا لا يعني المصريين بل شد أزرهم وقوى فكرة الحكومة الدستورية في مصر، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا للصلات الأدبية والمادية بين التابع والمتبوع، فقد كان الكثيرون يرون مزاج البلدين واحدًا فلا غرو أن اشتد ساعد الدستوريين في مصر ومضت الصحافة المصرية تطالب بالدستور وامتلأت صفحاتها بالحديث عنه.
стр. 177
والصحافة المصرية ليست حديثة عهد بهذا الموضوع فقد عنيت به منذ رياسة مصطفى كامل للحزب الوطنين وقد كان لأثر مقالاتها صدى في الجمعية العمومية في شهر مارس سنة ١٩٠٧ وحيث طالبت هذه الهيئة النيابية بإنشاء مجلس نيابي واضطرت الحكومة الفهمية إلى الرد عليها "بأن الوقت لم يحن لتشكيل مجلس نواب يرجى منه النفع العام الذي ينتظر من المجالس النيابية ولكنها تشتغل الآن في توسيع اختصاص مجالس المديريات"١.
والصحف الوطنية هي التي أذاعت هذا الموضوع وعالجته مرارًا ودعت إلى تحرير العرائض للخديوي وساهم في توقيعها بعض السيدات والآنسات، وهذه ظاهرة جديدة في حياة الأمة المصرية لم تكن معروفة من قبل٢.
واضطر السير جورست أن يوضح سياسة الاحتلال في هذه الحركة الخطيرة، فهو يعلم أن الخديوي لا يرضى عن حياة الشورى حتى لا تكف يده عن السلطة، وسياسة الاحتلال قد سمحت له بها في قدر كان جرمه زهاء خمسة عشر عامًا، ويعلم أن وجود حكومة دستورية تسلب الاحتلال سلطانه أمر يخالف السياسة الإنجليزية في ذلك الوقت، فتحدث إلى "المقطم" في أكتوبر قائلًا: "إن ما حدث في تركيا ليس له أقل دخل في مسألة استعداد المصريين للحكم الذاتي" ثم قال: "إن مصر حاصلة على دستور الآن وأعني به الدستور الذي يتضمنه قانونها النظامي الصادر سنة ١٨٨٣، أما إذا كان المقصود من هذه الصيحة في طلب الدستور إنشاء حكومة نيابية بإطلاق المعنى كما هي الحال في إنجلترا وفي بلدان أخرى أوربية فليس عندي على ذلك إلا جواب واحد وهو أن الشروط اللازمة لإدارة البلاد بموجب نظام مثل هذا النظام غير متوافرة الآن والتفكير في إدخال تغيير يحدث انقلابًا كهذا الانقلاب ضرب من الحماقة والجنون" ثم دعا جورست المصريين إلى
стр. 178
مساعدة بريطانيا في توسيع اختصاص مجالس المديريات والمجالس المحلية١.
وقد عادى جورست فكرة الدستور عن طريق الصحافة فجعل الموضوع كله على صفحاتها، فشرعت "اللواء" تفند الرأي الإنجليزي وتحمل عليه حملة كان لها أبعد الأثر في الجهات الرسمية والنيابية٢ فاجتمع مجلس شورى القوانين في ٣١ أكتوبر عام ١٩٠٨، وأثيرت مسألة المجلس النيابي في الجلسة ورأى بعض الأعضاء تأجيل النظر في هذا الموضوع إلى ديسمبر، وكان على خلاف هذا الرأي عشرة من أعضاء المجلس سماهم اللواء "العشرة الكرام" وكان من رأيهم المطالبة فورًا بإنشاء مجلس نيابي على أحدث النظم الدستورية في أوربا٣.
وغذت الصحف الوطنية هذه الحركة ونشرت البرقيات المختلفة في هذا الصدد، ثم مضت تدعو إلى الفكرة الدستورية كل يوم، ولما اجتمع مجلس شورى القوانين في ديسمبر ذكر "اللواء" أعضاءه ما وعدوا به من النظر في أمر الحكومة النيابية، فأصدر المجلس قرارًا "يطلب من حكومة الجناب العالي إعداد مشروع قانون يمنح الأمة حق الاشتراك الفعلي مع الحكومة في إدارة أمورها الداخلية وتدبير شئونها المحلية وأن يكون رأيه تقريريًّا في مشروعات القوانين واللوائح التي تطبق على الأهالي وفي تقرير الضرائب والرسوم بحيث لا يكون لهذا القانون تأثير على نصوص المعاهدات الدولية والامتيازات القنصلية والدين العمومي وأحكام قانون لجنة التصفية وما يتعلق بالأوربيين من المصالح والحقوق الواجبة الاحترام ولا على وركو الأستانة ولا على كل ما ارتبطت به الحكومة من التعهدات والاتفاقيات وبعد إعدادها هذا القانون يبعث به إلى مجلس شورى القوانين لإبداء رأيه فيه وهذا عملًا بالمادتين ١٨ و١٩ من القانون النظامي"٤.
стр. 179
وكان هذا القرار الصادر من مجلس شورى القوانين حديث الصحف عامة والوطنية خاصة ولم ترفضه واحدة منها وإن اختلفت في التعليق عليه، وكان اللواء أول ما عنى به واهتم له ودعا إلى تحقيقه وإن كان في نظرها لا يحقق جميع الأماني الدستورية.
ومهما يكن الإخفاق الذي أصاب هذه الحركة فإن الصحافة المصرية جعلت الفكرة الدستورية غاية من الغايات الوطنية، وفرضت إيحاءها على المجالس النيابية المصرية وصورت بمقالاتها الحكم القائم في نظر الناس حكمًا غير عادل، وجعلت الجماهير تفكر في أشياء معنوية لم تكن تعني بها بجانب عنايتها بحياتها المادية اليومي، ولم يعد الجلاء وحده الغاية الأولى والأخيرة بل أصبحت فكرة الحياة الدستورية ملازمة للجلاء في ذلك الوقت وبعد ذلك الوقت بسنوات.
وقد برم جورست بالحالة التي خلقتها الصحافة الوطنية، فهو يتحدث في تقريره عن مجلس الشورى في سنتي ١٩٠٨ و١٩٠٩ حديثًا ملؤه الحنق على معارضة هذا المجلس معارضة "تحشو بها أعمدتها الصحافة الوطنية المعادية للحكومة" ويقول عن خطر هذه الصحافة في موضع آخر "وموطن الضعف في المجلس الآن هو السهولة التي يلقاها المتطرفون في اقتياد معظم الأعضاء وتضليلهم وشدة اهتمام جميع الأعضاء باجتناب الطعن فيهم في الصحف العربية واتهامهم بضعف الوطنية وهذا الطعن يصيب كل من يؤيد اقتراحات الحكومة ولو تأييدًا ضعيفًا"١.
ثم استقالت عقب هذا وزارة مصطفى فهمي باشا وهي وزارة بقيت موالية للإنجليز زهاء ثلاثة عشر عامًا ولم تكن حريصة على ود الخديوي في يوم الأيام، فكان طبيعيًّا أن تنقذه منها سياسة الوفاق الجديدة، وقد ولى الوزارة بطرس باشا غالي٢، وحمل عليها "اللواء" بعد ولايتها شئون مصر
стр. 180
بثلاثة أيام في مقال عنيف، وأكد أنها جاءت تشيع البقية الباقية من الحرية إلى مدفنها وأنها وزارة الوفاق الذي تم على حساب المصالح المصرية١.
توجس الوطنيون شرًّا من هذه الوزارة الجديدة بيد أن ذلك لم يعق صحفهم عن مهاجمتها ومهاجمة الاحتلال في كل مناسبة من المناسبات، ونال الخديوي من معارضتها هذه كثير من التهم القاسية التي بدت لينة في ملاحظات عن العلاقات الجديدة بين جورست والسراي٢ ثم تطورت إلى اتهام صريح للخديوي بأنه يحابي الاحتلال على حساب مصر في سبيل مصالحه الخاصة٣ وهناك أسباب أخرى دفعت إلى هذه الشدة الصحفية على جورست والخديوي والحكومة مصدرها فيما نعتقد أن شئون الدولة العليا ألقيت إلى مسيحي وهو أمر تبرم به غلاة المسلمين إذ ذاك٤، وزاد "اللواء" حدة أن الشيخ عبد العزيز جاويش تولى تحريره منذ ٣ مايو سنة ١٩٠٨ فحمل على دانلوب في المعارف ثم حمل على الحكم الإنجليزي في السودان وسمى القضاء على الثورة هناك "دنشواي أخرى" ثم عاود النشر في هذا الموضوع مستخفًا بتكذيب الحربية لمقاله الأول٥ وانتهى به الأمر إلى القضاء ومع ذلك فقد استمر في مقالاته الحادة يهجو بأسلوبه القاسي جميع الجهات، وامتازت عبارات بالإنشاء الحماسي الذي يلهب النفوس ويثير الهمم في مصر أو في غيرها من البلاد الإسلامية.
ويعتبر اللورد لويد أن تفكير الحكومة في تقييد حرية الصحافة مصدره كتابات الشيخ القاسية في اللواء٦ إذ رأى المسئولون أن قانون العقوبات