وكانت الصحف الصديقة للاحتلال أول ضحايا سياسة الوفاق الجديدة في سنة ١٩٠٧ فقد اتهمت "المقطم والوطن والشرق" مأمور مركز كرموز بأن يقبل الرشوة لقضاء حاجة الناس وحملت عليه في بضع مقالات ضمنتها رأيها في أن المصريين لا يصلحون لوظائف المأمورين، وأن هذه الوظيفة جديرة بعدالة الإنجليز، وقدمت هذه الصحف للنيابة العمومية، ولم تحل العلاقات القديمة بينها وبين دار الوكالة البريطانية دون محاكمتها والحكم عليها، وقد علقت "المقطم" على الحكم زاعمة أنها حملة أحكم تدبيرها للقضاء عليها واستغاثت بالصحف الأجنبية في مصر لتؤازرها ولتدفع الظلم الواقع عليها١ وقد أنكرت النيابة أنها لسان من ألسنة الأمة وقطعت بأن أخبارها غير صحيحة وتعوزها الأدلة والبراهين وأنه لا يجوز لها أن تتعرض للشخصيات وتسيء بالسب إلى الموظفين العموميين.
لم تفتر الحركة الوطنية بعد وفاة مصطفى كامل في مطلع سنة ١٩٠٨ بل بقي تاريخها في الجهاد متصلًا في كل ناحية من نواحي الحياة المصرية ومن ورائها كتلة من الوطنيين المصريين ممثلة في الحزب الوطني الذي ضم عنصري الأمة وقضت وحدته على الخلافات المذهبية التي طالما عير بها المصريون في مصر والخارج وكانت سببًا من الأسباب انتحلته الدول للتدخل في شئون مصر قبيل الاحتلال والتمكين لهذا الاحتلال بعد وقوعه، وقد غذى هذه الحركة نجاح الحركة الدستورية في تركية في يولية سنة ١٩٠٨ وإن كان نجاحها في تركية جاء متأخرًا بعد أن انفصمت العلاقات الودية بين الخديوي والحزب الوطني ولم يكن هذا النجاح في تركية شيئًا لا يعني المصريين بل شد أزرهم وقوى فكرة الحكومة الدستورية في مصر، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا للصلات الأدبية والمادية بين التابع والمتبوع، فقد كان الكثيرون يرون مزاج البلدين واحدًا فلا غرو أن اشتد ساعد الدستوريين في مصر ومضت الصحافة المصرية تطالب بالدستور وامتلأت صفحاتها بالحديث عنه.
стр. 177
والصحافة المصرية ليست حديثة عهد بهذا الموضوع فقد عنيت به منذ رياسة مصطفى كامل للحزب الوطنين وقد كان لأثر مقالاتها صدى في الجمعية العمومية في شهر مارس سنة ١٩٠٧ وحيث طالبت هذه الهيئة النيابية بإنشاء مجلس نيابي واضطرت الحكومة الفهمية إلى الرد عليها "بأن الوقت لم يحن لتشكيل مجلس نواب يرجى منه النفع العام الذي ينتظر من المجالس النيابية ولكنها تشتغل الآن في توسيع اختصاص مجالس المديريات"١.
والصحف الوطنية هي التي أذاعت هذا الموضوع وعالجته مرارًا ودعت إلى تحرير العرائض للخديوي وساهم في توقيعها بعض السيدات والآنسات، وهذه ظاهرة جديدة في حياة الأمة المصرية لم تكن معروفة من قبل٢.
واضطر السير جورست أن يوضح سياسة الاحتلال في هذه الحركة الخطيرة، فهو يعلم أن الخديوي لا يرضى عن حياة الشورى حتى لا تكف يده عن السلطة، وسياسة الاحتلال قد سمحت له بها في قدر كان جرمه زهاء خمسة عشر عامًا، ويعلم أن وجود حكومة دستورية تسلب الاحتلال سلطانه أمر يخالف السياسة الإنجليزية في ذلك الوقت، فتحدث إلى "المقطم" في أكتوبر قائلًا: "إن ما حدث في تركيا ليس له أقل دخل في مسألة استعداد المصريين للحكم الذاتي" ثم قال: "إن مصر حاصلة على دستور الآن وأعني به الدستور الذي يتضمنه قانونها النظامي الصادر سنة ١٨٨٣، أما إذا كان المقصود من هذه الصيحة في طلب الدستور إنشاء حكومة نيابية بإطلاق المعنى كما هي الحال في إنجلترا وفي بلدان أخرى أوربية فليس عندي على ذلك إلا جواب واحد وهو أن الشروط اللازمة لإدارة البلاد بموجب نظام مثل هذا النظام غير متوافرة الآن والتفكير في إدخال تغيير يحدث انقلابًا كهذا الانقلاب ضرب من الحماقة والجنون" ثم دعا جورست المصريين إلى
стр. 178
مساعدة بريطانيا في توسيع اختصاص مجالس المديريات والمجالس المحلية١.
وقد عادى جورست فكرة الدستور عن طريق الصحافة فجعل الموضوع كله على صفحاتها، فشرعت "اللواء" تفند الرأي الإنجليزي وتحمل عليه حملة كان لها أبعد الأثر في الجهات الرسمية والنيابية٢ فاجتمع مجلس شورى القوانين في ٣١ أكتوبر عام ١٩٠٨، وأثيرت مسألة المجلس النيابي في الجلسة ورأى بعض الأعضاء تأجيل النظر في هذا الموضوع إلى ديسمبر، وكان على خلاف هذا الرأي عشرة من أعضاء المجلس سماهم اللواء "العشرة الكرام" وكان من رأيهم المطالبة فورًا بإنشاء مجلس نيابي على أحدث النظم الدستورية في أوربا٣.
وغذت الصحف الوطنية هذه الحركة ونشرت البرقيات المختلفة في هذا الصدد، ثم مضت تدعو إلى الفكرة الدستورية كل يوم، ولما اجتمع مجلس شورى القوانين في ديسمبر ذكر "اللواء" أعضاءه ما وعدوا به من النظر في أمر الحكومة النيابية، فأصدر المجلس قرارًا "يطلب من حكومة الجناب العالي إعداد مشروع قانون يمنح الأمة حق الاشتراك الفعلي مع الحكومة في إدارة أمورها الداخلية وتدبير شئونها المحلية وأن يكون رأيه تقريريًّا في مشروعات القوانين واللوائح التي تطبق على الأهالي وفي تقرير الضرائب والرسوم بحيث لا يكون لهذا القانون تأثير على نصوص المعاهدات الدولية والامتيازات القنصلية والدين العمومي وأحكام قانون لجنة التصفية وما يتعلق بالأوربيين من المصالح والحقوق الواجبة الاحترام ولا على وركو الأستانة ولا على كل ما ارتبطت به الحكومة من التعهدات والاتفاقيات وبعد إعدادها هذا القانون يبعث به إلى مجلس شورى القوانين لإبداء رأيه فيه وهذا عملًا بالمادتين ١٨ و١٩ من القانون النظامي"٤.
стр. 179
وكان هذا القرار الصادر من مجلس شورى القوانين حديث الصحف عامة والوطنية خاصة ولم ترفضه واحدة منها وإن اختلفت في التعليق عليه، وكان اللواء أول ما عنى به واهتم له ودعا إلى تحقيقه وإن كان في نظرها لا يحقق جميع الأماني الدستورية.
ومهما يكن الإخفاق الذي أصاب هذه الحركة فإن الصحافة المصرية جعلت الفكرة الدستورية غاية من الغايات الوطنية، وفرضت إيحاءها على المجالس النيابية المصرية وصورت بمقالاتها الحكم القائم في نظر الناس حكمًا غير عادل، وجعلت الجماهير تفكر في أشياء معنوية لم تكن تعني بها بجانب عنايتها بحياتها المادية اليومي، ولم يعد الجلاء وحده الغاية الأولى والأخيرة بل أصبحت فكرة الحياة الدستورية ملازمة للجلاء في ذلك الوقت وبعد ذلك الوقت بسنوات.
وقد برم جورست بالحالة التي خلقتها الصحافة الوطنية، فهو يتحدث في تقريره عن مجلس الشورى في سنتي ١٩٠٨ و١٩٠٩ حديثًا ملؤه الحنق على معارضة هذا المجلس معارضة "تحشو بها أعمدتها الصحافة الوطنية المعادية للحكومة" ويقول عن خطر هذه الصحافة في موضع آخر "وموطن الضعف في المجلس الآن هو السهولة التي يلقاها المتطرفون في اقتياد معظم الأعضاء وتضليلهم وشدة اهتمام جميع الأعضاء باجتناب الطعن فيهم في الصحف العربية واتهامهم بضعف الوطنية وهذا الطعن يصيب كل من يؤيد اقتراحات الحكومة ولو تأييدًا ضعيفًا"١.
ثم استقالت عقب هذا وزارة مصطفى فهمي باشا وهي وزارة بقيت موالية للإنجليز زهاء ثلاثة عشر عامًا ولم تكن حريصة على ود الخديوي في يوم الأيام، فكان طبيعيًّا أن تنقذه منها سياسة الوفاق الجديدة، وقد ولى الوزارة بطرس باشا غالي٢، وحمل عليها "اللواء" بعد ولايتها شئون مصر
стр. 180
بثلاثة أيام في مقال عنيف، وأكد أنها جاءت تشيع البقية الباقية من الحرية إلى مدفنها وأنها وزارة الوفاق الذي تم على حساب المصالح المصرية١.
توجس الوطنيون شرًّا من هذه الوزارة الجديدة بيد أن ذلك لم يعق صحفهم عن مهاجمتها ومهاجمة الاحتلال في كل مناسبة من المناسبات، ونال الخديوي من معارضتها هذه كثير من التهم القاسية التي بدت لينة في ملاحظات عن العلاقات الجديدة بين جورست والسراي٢ ثم تطورت إلى اتهام صريح للخديوي بأنه يحابي الاحتلال على حساب مصر في سبيل مصالحه الخاصة٣ وهناك أسباب أخرى دفعت إلى هذه الشدة الصحفية على جورست والخديوي والحكومة مصدرها فيما نعتقد أن شئون الدولة العليا ألقيت إلى مسيحي وهو أمر تبرم به غلاة المسلمين إذ ذاك٤، وزاد "اللواء" حدة أن الشيخ عبد العزيز جاويش تولى تحريره منذ ٣ مايو سنة ١٩٠٨ فحمل على دانلوب في المعارف ثم حمل على الحكم الإنجليزي في السودان وسمى القضاء على الثورة هناك "دنشواي أخرى" ثم عاود النشر في هذا الموضوع مستخفًا بتكذيب الحربية لمقاله الأول٥ وانتهى به الأمر إلى القضاء ومع ذلك فقد استمر في مقالاته الحادة يهجو بأسلوبه القاسي جميع الجهات، وامتازت عبارات بالإنشاء الحماسي الذي يلهب النفوس ويثير الهمم في مصر أو في غيرها من البلاد الإسلامية.
ويعتبر اللورد لويد أن تفكير الحكومة في تقييد حرية الصحافة مصدره كتابات الشيخ القاسية في اللواء٦ إذ رأى المسئولون أن قانون العقوبات
стр. 181
وإن كانت له آثاره على الصحف الصغيرة الماجنة إلا أنه لم يستطع أن يحد من تطرف الصحافة الوطنية الكبرى وهي تعارض معارضة لا تشوبها شائبة، لذلك قررت الحكومة العودة إلى قانون المطبوعات الصادر في سنة ١٨٨١ وأعادته فعلًا في ٢٥ مارس سنة ١٩٠٩ وتقدمت به إلى الرأي العام مبينة الأسباب التي من أجلها قررت معاملة الصحف بمقتضاه.
بينت الحكومة وجهة نظرها قائلة: "إن الحكومة لم تنفذ منذ عام ١٨٩٤ قانون المطبوعات الصادر في ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٨١ وحيث إن الجمعية العمومية طالبت من الحكومة في ٢٦ مارس سنة ١٩٠٢ ردع الجرائد عن تجاوزها الحدود وعن الفوضى التي وصلت إليها وأرسل إليها مجلس شورى القوانين طلبًا مثل هذا في ٣٠ يونيه سنة ١٩٠٤ وحيث إن عدم تنفيذ قانون المطبوعات لم يزد هذه الجرائد إلا تماديًا في التطرف والخروج عن الحد حتى أدى ذلك بشكوى الناس بلسان الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين من هذه الحالة التي أضرت بمصالح البلاد ضررًا بليغًا فقد قرر مجلس النظار ما يأتي:
يعمل بأحكام قانون المطبوعات فيما يتعلق بنشر الجرائد في القطر المصري١.
هذه هي الأسباب التي سوغت بها الحكومة عودة قانون المطبوعات القديم وكان أمر هذه العودة خطيرًا من حيث حرية الرأي التي لم تكفلها سلطة من السلطات، فاحتج الحزب الوطني على ذلك رسميًّا٢ وظهرت بعض وسائل الاحتجاج الأخرى على هذا القانون في ٢٦ مارس سنة ١٩٠٩ وأخذت "اللواء" تعلق عليه وعلى العمل به تعليق الخبير العارف بالتشريع وأضراره معتمدة على أقوال الشراح والمقننين٣ بجانب إثارة الشعور العام على هذا التشريع وخاصة مقالها في ٣١ مارس الذي دعت فيه المصريين إلى الاحتجاج حتى تشعر الحكومة بمدى السخط العام على تصرفاتها إزاء الصحافة وهي
стр. 182
الحصن الوحيد للوطنيين، وقد شاركت "اللواء" الصحف المصرية الأخرى في الشعور نحو هذا القانون إلا صحيفتا "الوطن" و"مصر"، ويؤرخ لهذه الحقبة قرياقص ميخائيل في كتابه "أقباط ومسلمون تحت الحكم البريطاني"١ بأن المقصود من هذا القانون كان كبت العنف الذي جرت عليه الصحف الوطنية في علاجها للمسائل السياسية وغيرها من المسائل العامة ثم يذكر أن الصحافة القبطية استقبلته محيية له كعامل من عوامل تهدئة حدة الصحف وعنفها.
وقانون المطبوعات هذا قانون أبتر؛ لأنه لا يسري إلا على المصريين أو المتمتعين بالجنسية المصرية؛ لأن محاكمتها الأجانب مهما تكن مخالفتهم أو جرائمهم تتبع أحكام دولهم وقوانينها ولا تملك مصر إذ ذاك فرض قانونها عليهم لتمتعهم بالامتيازات الأجنبية منذ عدة قرون، فأصحاب الصحف من الأجانب في مأمن من هذا القانون وليس هنا مجال نقده، وإنما تحضرنا بعض الملاحظات على تسويغ الحكومة الرجوع إليه، فهي تدعي أن الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين قد هالهما إسفاف الصحف وتجاوزها الحدود وتماديها في التطرف، والمجلسان النيابيان لم يشيرا قط إلى الحد من حرية الصحافة بحال وإن أشارا إلى الصحف التي تنهش الأعراض وتخوض في الكرامات، والصحفيين الذين ينالون طعامهم على كل الموائد دون رعاية لخلق، أو عرف، وقانون ١٨٨١ إنما تعيده الحكومة لتطبقه على "اللواء" وما يناصره من الصحف، ولم يطلب المجلسان العودة إلى هذا القانون بل طلبًا "سن قانون جديد" وفرق بين الطلبين؛ لأن سن قانون يقتضي عرضه عليهما، ومهما يكن رأيهما استشاريًّا فلن يكون في عنف قانون الثورة العرابية.
ومجمل القول في هذا القانون إنه طبق على مدى واسع وعلى الصحف المعارضة خاصة، فقد كتب الشيخ عبد العزيز جاويش في "اللواء" مقالًا عن ذكرى دنشواي٢ واعتبرت النيابة المقال سبًّا في رئيس الحكومة
стр. 183
لحياته من وجهة نظر معارضة تهون من شأنه في عيون الناس، وقضى الاستئناف بسجن الشيخ١ ثم أخذ "اللواء" بنشر مقالات عن حادث "نجرا" وهو طالب قتل كبيرًا من رجال الإنجليز السابقين في الهند، وكانت أخطر هذه المقالات المقالة الرابعة٢ حتى اعتبرتها الحكومة تحريضًا على القتل السياسي وإعجابًا به٣ وكانت قضية الشيخ جاويش أولى حوادث الصحف الوطنية من حيث تعرضها لقانون المطبوعات، وقد اختلفت في شأنها الصحف المصرية المتباينة، فكان معظم الصحف من عربية وفرنجية في جانب اللواء إلا "الإجبشيان جازيت" وجريدة "المقطم" وخاصة الأخيرة فقد ذكرى في قضية الشيخ تفاصيل ما سيجري في المحكمة وما سينطق به القضاء، وقد صح ذلك وجاء الحكم مطابقًا تمام المطابقة للمقدمات التي أذاعتها المقطم في صفحاتها٤.
ومن الصحف التي راحت ضحية لقانون المطبوعات جريدة "القطر المصري"؛ ذلك لأن صاحبها نقل عن إحدى صحف الأستانة مقالًا لم يعجب المحرر فأخذ يفند ما فيه وينقد رأي كاتبه ويعارض اتجاهه غير أن الحكومة رأت في نشر المقال ما يمس النظام والأمن العام فأمرت بإغلاق صحيفة القطر المصري دون النظر إلى ما علق به الصحفي المصري وهو قمين بأن ينقذ صحيفته من سوء الظن وإن لم يعفها في نظر الحكومة من سوء التقدير٥.
لم يحل قانون المطبوعات بالرغم من شدته دون عنف الصحف الوطنية، فكان كلما استبد القانون بها اشتدت هي في المعارضة، وأصدق ما يجري على هذه الحقيقة مشروع مد امتياز قناة السويس وهو مشروع شغل الرأي العام
стр. 184
المصري في نهاية عام ١٩٠٩ وأوائل عام ١٩١٠ وكانت الحكومة تأمل في موافقة السلطات التشريعية على هذا الموضوع، غير أن "اللواء" أحس الاتجاه فبدأ محمد بك فريد يهاجم المشروع ابتداء من أواخر أكتوبر مهاجمة عنيفة مؤيدة بالحجج والأسانيد ونقلت عنه معظم الصحف المصرية عربية وفرنجية.
كان الناس ينظرون في أول الأمر إلى فكرة مد امتياز قناة السويس نظرة مادية خالصة فكانت المناقشة تدور حول ما تنتفع به مصر من الناحية المالية، وكان هذا هو اتجاه الصحف في نظرتها إلى الموضوع غير أن محمد فريد بك نشر في اللواء مقالًا ممتعًا تحت عنوان "مسألة قناة السويس -اعتبارات سياسية"١ وكان هذا المقال حجر الزاوية في رفض المشروع فيما بعد إذ نقل الكاتب الفكرة من البحث المالي إلى الناحيتين الأدبية والمعنوية وعلاقة ذلك بكرامة الوطن وحقوقه، وبهذا المقال وبغيره مما نشر في "اللواء" والصحف الأخرى رفض مشروع مد امتياز القناة وانتصرت الصحافة في أعظم معركة اهتمت لها الحكومة اهتمامًا منقطع النظير، واعتبر ذلك الرفض من وجهة النظر العامة أول انتصار وطني على الاحتلال منذ وجد في مصر ولم يفد دفاع الصحف الموالية للإنجليز أو المتحدثة باسمهم في إنقاذ فكرة المشروع.
وفي أثناء مناقشة هذه الفكرة حدث أن اغتال إبراهيم ناصف الورداني رئيس الحكومة بطرس غالي في ٢٠ فبراير سنة ١٩١٠ لأسباب ذكرها القاتل بأنها تعود إلى تاريخ بطرس باشا ومواقفه من الحركة الوطنية وأساليبه في تناول الحكم، ويذكر الورداني أن الذي دفعه إلى هذا الجرم أن رئيس الحكومة قد وقع اتفاقية السودان سنة ١٨٨٩ ثم رأس المحكمة المخصوصة في قضية دنشواي، وفي وزارته صدر قانون المطبوعات ووزراؤه أكثر الوزراء تحمسًا لتنفيذ مد امتياز قناة السويس٢ وكان لهذا الحادث أثر كبير جدًّا في تضييق حرية القول
стр. 185
والكتابة، كما كان له أثر خطير في انفصام وحدة الأمة بعدئذ، وقد أجمعت الصحف والحزب الوطني على استنكار هذه الحادثة، ومع ذلك فإن "الإجبشيان جازيت" ردت أصول الحادث وفروعه إلى اللواء١ وهو تهول في ذلك وتكبر وتمضي في أثناء محاكمة الورداني تكرر وتعيد في ذلك، وتترجم بعض مقالاته جريدة "المقطم" وشاركتها صحيفتا "المؤيد" و"الوطن" في الحملة على الحزب الوطني وإلقاء التبعة على مقالاته التي هاجت الناس وطوحت بإحساساتهم حتى خرج منهم هذا المجرم الشنيع.
وقد صدر بمقتل بطرس غالي ثلاثة قوانين كان مجلس الشورى قد أبى أن يقرها من قبل٢ ويقضي الأول منها بإخراج الجنايات والجنح التي تقع بواسطة المطبوعات من اختصاص قضاة التحقيق والمحاكم الجزئية ويحيلها كأنها جنايات عادية ارتكبت ضد القانون على محاكم الجنايات التي ليس لها محلفون وليس لحكمها استئناف، والقانون الثاني يتعلق بنظام المدارس وهو يعاقب بالطرد من المدرسة كل طالب يشترك في مظاهرات في داخل مدرسته أو خارجها أو يكتب في الصحف أو يمدها بأخبار أو يقوم لها بعمل ما، ويعاقب القانون الثالث ما يقع من الاتفاقات "الجنائية" بين شخص فأكثر بالحبس مددًا مختلفة، والاتفاق الجنائي يتضمن كل ألوان التآمر والجمعيات السرية٣.
وبالرغم من صدور هذه القوانين مضت "اللواء" في معارضتها للحكومة والاحتلال وإن تحاشت اللفظ الشديد، ولم يعفها الحذر أو التلطف في العبارة من المؤاخذة كلما تعقبت سياسة الاحتلال بالملاحظة والنقد، فنشرت مقالًا بعنوان "الزراعة والصناعة في عهد الاحتلال بين مصر والهند" وهو من أمتع
стр. 186
البحوث التي اعتمد فيها كاتبها على الأرقام والمقارنة قبل اعتماده على شيء آخر وهو من المقالات الممتعة التي تزين تاريخ الصحافة المصرية وتوضح كفايتها ونضجها١ غير أن الحكومة لم يرضها هذا البحث ولم تقر هذا التوجيه فاعتبرت "اللواء" قد خرجت "عن حد الاعتدال واستعملت عبارات من شأنها إهاجة الخواطر بالطعن على أعمال الحكومة تحت ستار إسناد هذه الأعمال إلى الأمة الإنجليزية ونسبتها إلى كثير من المعايب التي تمس كرامتها" ثم قضت بإنذار "اللواء" في أكتوبر للمرة الثانية.
رأت "اللواء" في هذا الإنذار تعنتًا لا نظير له فأقامت الدعوى على الحكومة بشأن إنذارها٢ وشغل هذا الإنذار الصحف المصرية جميعًا، فحملت عليه جريدة "العلم"٣ بالطبع؛ لأنها الصحيفة الثانية للحزب الوطني وسخرت منه "البلاغ المصري" ومن المعاني التي انطوت عليه٤ وأبت "الجريدة" أن تقره في أسلوبها الرفيع المعروفة به٥ ورأيت "المؤيد" أن ما جاء بالإنذار سخيف وأنكرت على المقالة التي أنذرت من أجلها "اللواء" أي خروج على النظام٦ ورأت رأيها هذا جريدة "وادي النيل"٧.
وعلقت جريدة "البصير" بالأسكندرية على هذا الموضوع راجية أن يتسع صدر الحكومة للصحف وأن تقلل من مؤاخدتها له على الصغائر التي لا تضر
стр. 187
بالمصلحة العامة١ ومضت "المقطم" تطعن في الحزب الوطني وصحفه٢ وتزعم أنه حزب ثوري يعرض بالجناب الخديوي ويختزن السلاح توطئة لثورة يفجرها في البلاد٣ ولم ترض معظم الصحف الأجنبية في مصرعه هذا الإنذار فحملت عليه حملة تتفاوت بين الشدة واللين٤.
ثم حدث خلاف بين ورثة "اللواء" والحزب الوطني وعين يوسف بك المويلحي حارسًا قضائيًّا، ولهذا الخلاف أصول أرخت لها الوثائق في إدارة المطبوعات وبينت الكفاح الذي دار حول الصحيفة بين القصر والحزب الوطني فقد أوحت المعية إلى الحارس القضائي أن يتدخل في توجيه سياسة الجريدة وأبى زعيم الحزب هذا التدخل وترك "اللواء" وبقي الكفاح متصلًا حتى انتهى الأمر بتوقيع الحجز على آلات الجريدة وخسرت الحركة الوطنية أعظم ألسنتها وأقدمها٥ ثم قررت اللجنة الإدارية للحزب الوطني في أول مارس سنة ١٩١٠ نشر جريدة "العلم" برأسمال قدره خمسة آلاف جنيه زيدت إلى أحد عشر ألف جنيه، وهي شركة غير تجارية ولا أمل فيها لربح شخصي إذ تقرر أن تضاف الأرباح إلى رأس المال، وقد قام مكاتبو "اللواء" ومراسلوه القدامى بالدعوة "للعلم" في المدن والأقاليم وتعريف الناس على أنه لسان الحزب الوطني ثم عين للجريدة مندوب في الأستانة يمدها بالأنباء الخارجية وهو أحد المتهمين في قضية الورداني.
стр. 188
ولما لم تفلح الحكومة في القضاء على حركة الحزب الوطني بالقضاء على "اللواء" أنذرت "العلم" ثم استبدلت بالإنذار التعطيل لمدة شهرين في ٢٠ مارس سنة ١٩١٠ حتى تتخلص من نقده ومعارضته في أثناء نظر مشروع القناة في الجمعية العمومية وخلال محاكمة المتهمين في قضية الورداني، وذلك بناء على إشارة الوكالة البريطانية، ومع أن صحف "مصر الفتاة" و"المؤيد" كتبت موضوعات مماثلة وأشد لهجة من "العلم" دون أن تنذر أو تغلق١ فنشر الحزب الوطني جريدة "الاعتدال" ثم "الشعب" ثم "العدل" إلى أن عاد "العلم" إلى الظهور في ٢٠ مايو سنة ١٩١٠.
وقد شاب هذه الحركات الصحفية الحرة نزعة لم يعرفها مؤرخ الصحافة المصرية في تاريخها جميعًا وتنزهت عنها الصحافة الوطنية في أدق مواقفها مع بذل الجهد لإثارتها في الثورة العرابية أو خلال حركة مصطفى كامل، وهذه النزعة هي المشكلة القبطية الإسلامية التي أثارتها عدة عوامل بعد وفاة زعيم الحزب الوطني في سنة ١٩٠٨ فقد بدأت الصحف الإسلامية، و"المؤيد" و"الجريدة" خاصة، ترد في شهر مايو من تلك السنة على جرائد الأقباط التي بدأت تبحث في أمر الوظائف والموظفين وعدالة القسمة فيها بين النصارى والمسلمين، ووقفت "الوطن" لكليهما وحملت عليهما في عنف وشدة٢.
ومع أن مقالات "المؤيد" و"الجريدة" خلت من هذا العنف الذي نشرته "الوطن" فإن الوطن اعتبرت الحديث في أمر الوظائف والموظفين شيئًا يستوجب هذا العنف فاضطر "اللواء" إلى النزول في الميدان ونشر الشيخ جاويش مقالًا عنيفًا جدًّا ردًّا على ما جاء بمقال "الوطن" وهو يرد على هذه اللهجة العنيفة بعنف يماثلها ويزيد عليها في أسلوبه المأثور عنه٣ وقد أدى
стр. 189
هذا النقاش الصحفي إلى خصومة عنيفة بين المسلمين والأقباط كان صداها في تلك البرقيات التي أرسلت من المسلمين إلى ناظر الداخلية ليحاكم صاحب "الوطن"، كما أرسلت برقيات مماثلة من الأقباط يحتجون على عبارات "اللواء": "بإحساسات مجروحة يلتمسون من عطو فتلو أفندم ناظر الداخلية وجناب المعتمد البريطاني بسرعة ملافاة الأمر قبل استفحاله" وكاد الأمر يستفحل حقًّا فقد دعا الأقباط إلى اجتماع بحديقة الأزبكية كادت تحدث فيه فتنة، وذهب كثيرون إلى المفوضية الفرنسية يشكون الشيخ جاويش على اعتباره من رعايا فرنسا التونسيين١.
وقد استطاع الحزب الوطني أن يرأب الصدع ويقف هذا التيار بمجهود العقلاء والحريصين على وحدة البلاد، غير أن السياسة الإنجليزية ما فتئت تخلق المنازعات بين العنصرين، وأظهر ما صنعته في هذا الميدان تعيين بطرس غالي باشا للنظارة، وتتحمل "الوطن" و"مصر" خاصة وزر العودة إلى الموضوع كما تتحمله أيضًا الصحافة الوطنية الإسلامية، فقد كان اتجاهها إسلاميًّا محضًا، حتى الصحف التي صدرت معارضة للحركة الوطنية وموالية أشد الموالاة للاحتلال جعلت من أسس حياتها الأولى الناحية الإسلامية، وقدر أن يكون على رأس الصحفيين الوطنيين رجل متحمس كعبد العزيز جاويش وصل السياسة بالدين وجعل للدين أثرًا في السياسة العامة، وقد أعقب فترة الهدوء بين العنصرين مقتل بطرس باشا فأثار هذا الحادث أوار النار من جديد.
ونحن نقرر في جزم أن بعض الصحف المسيحية تتحمل أكبر قسط من المسئولية في استئناف هذا الموضوع، فقد عادت "الوطن" إلى التحدث فيه تحت عنوان "هنا وهناك"٢ وأخذت تسب اللواء "المرذول جريدة حزب الخراب والشر" ثم تستعيد ما نشر في صحيفته في ظروف مماثلة، ومع أن
стр. 190
أسلوب محرر "الوطن" بدأ في إثارة الأزمة لينًا ورفيقًا إلا أنه أعاد الكرة بعد بضعة أيام مشيرًا من طرف خفي إلى تخوف الأقباط من الدستور؛ لأن معنى الحياة في ظل الدستور كما يرى الكاتب "أن تصبح البلاد وحكومتها في قبضة قواد الحركة الحالية بلا سلطة فعلية من الجناب العالي ولا رقابة حقيقة من الدولة العلية"١، ومن مقالاتها الخطيرة التي زادت الخلاف حدة الفصول التي نشرتها حاملة على الحكومة والشيخ جاويش والتي استعدت فيها الإنجليز على الشيخ "عدو الإنجليز والأوربيين عامة وعدو الأقباط وعدو السوريين وعدو عقلاء المصريين" كما نشرت تعليقًا على فض الجمعية العمومية وهي تظهر خصومتها للدستور ثم نشرت مقالًا توقع فيه بين الخديوي ورجال الحزب الوطني٢.
ومنذ بدأت الصحافة المسيحية تقحم المسألة الدينية في سياستها استفحل الخلاف بين المسلمين والأقباط، وأرسل الآخرون إلى لندن في يونيه ١٩١٠ قرياقص ميخائيل كممثل للصحافة القبطية في مصر وكداعية لأغراض الأقباط هناك، وقد استقبلته الصحافة الإنجليزية وأحزابها استقبالًا عظيمًا، ونشرت إحدى وعشرون صحيفة المقالات الطويلة في موضوع الخلاف الديني في مصر وبدأت حملة الصحف الإنجليزية في ٢٠ سبتمبر سنة ١٩١٠ واستمرت إلى ٢٣ سبتمبر سنة "١٩١١"٣ واهتمت الصحف المصرية الإسلامية والصحف القبطية والأجنبية في مصر بهذا الموضوع اهتمامًا جعل المسألة الوطنية في المرتبة الثانية، واشتركت "المؤيد" و"الجريدة" و"اللواء" و"العلم" و"الأهالي" من الناحية الإسلامية، و"الوطن" و"مصر" من الناحية القبطية، اشتركت
стр. 191
جميعها في هذا الموضوع، وأكثر ما في هذه المشكلة غرابة موقف الإنجليز ثم موقف جريدتي "الأهالي" و"المقطم".
ولقد كان معروفًا أن أكثر الصحف الفرنجية في مصر تناصر الأقباط في حركتهم، وكان معروفًا أيضًا أن الصحف المصرية الإسلامية جميعًا وبلا استثناء تجادلهم بالعنف وتحمل عليهم أشد الحملات، أما الإنجليز فموقفهم غريب حقًّا فصحاتهم في مصر وإنجلترا تزيد لهيب هذا الخلاف إذ يذيع روتر في ٢٦ يناير سنة ١٩١١ حديثًا للسير جورست بأن "الأقباط والمسلمين يعيشون في سلام لو تركوا وحدهم"١ وتقول "التيمس" عن جريدة "الوطن" "إن لهجتها مازالت شديدة ومهيجة منذ إعدام الورداني" ثم تعقب على إنذار الحكومة للوطن "وأهم من مسألة إنذار "الوطن" اغتنام الأقباط هذه الفرصة لبسط شكاواهم للرأي العام وللحكومة البريطانية نفسها" ثم تعلق على مطالبة الأقباط بوظائف المديرين "إن القدرة على معاملة الناس التي هي صفة من صفات الحاكم الإداري الضرورية ولا سيما في المديريات لم تكن يومًا من الأيام من الصفات القوية للأقباط"٢ وفي موقف جورست والتيمس ما يغري بالحكم بأن الإنجليز الرسميين كانوا في جانب الحركة الإسلامية، وهذا في الواقع لون من السياسة لم يفت مؤرخي ذلك الزمن فعلقوا عليه بالملاحظة والتفنيد.
أما جريدة "الأهالي" لصاحبها عبد القادر حمزة فكانت صحيفة معتدلة لم تخل من حملة جريدة "الشعب" عليها٣ ومع أنها صحيفة شبه رسمية وشديدة الصلة برئيس الحكومة وأول من دعا إلى عقد مؤتمر للمسلمين إلا أنها كانت تعالج الخلاف برفق٤ حتى أن الوطن ذكرتها وهي تهاجم الصحف الإسلامية
стр. 192
جميعًا "لو أن الصحف الإسلامية كلها تجادلنا بالتي هي أحسن على طريقة "الأهالي" الغراء لما سمع الناس بذكر التعصب والانقسام ولا كان في القطر صوتان متنافران بل كان المصريون كلهم حزبًا وطنيًّا واحدًا له غاية في واحدة هي ترقية مصر وبنيها والاستقلال التام"١.
أما "المقطم" فكانت أقل الصحف اشتراكًا في هذه المعمعة، وحين كانت الصحف الأخرى في سعير هذا الخلاف كان "المقطم" يملأ صفحاته بالمسائل الخارجية وأهمها "مجلس المبعوثان" لمندوبه الخاص في الأستانة، وقلما كانت "المقطم" تنشر برقيات الأقباط ومؤتمريهم، وقد دعت إلى السلامة ونصحت الفريقين بها، ولم تلق بدلوها في الموضوع وقالت في إحدى مقالاتها عن تحاشيها الخوض في هذا الخلاف "إن كان يمكن أن يعد كلام جريدة اليوم من فضة، فسكوتها يعد من ذهب وجواهر كريمة لا محالة" ثم تذكر في يوم آخر أخبار "المؤتمر المصري" وتمدح سياسته وأمانيه٢.
ثم أنتج الخلاف الصحفي المؤتمرين القبطي والمصري، فأما الأول فقد أعرضت عنه الحكومة ودار الوكالة البريطانية وأعلن البطريرك أنه لا يمثل الطائفة في شيء وتبعه رءوسها وعيونها فمثل المؤتمر بذلك فئة صغيرة ثائرة، وأما المؤتمر الإسلامي فقد رأسه رياض باشا وأكبرته الصحف الوطنية جميعًا وباركت قراراته وفيها يرفض أكثر ما طالب به الحزب القبطي الصغير٣.
ومهما يكن من أمر هذا الخلاف الصحفي فقد خسرت فيه مصر أكثر مما كسبت طائفتاها، فإن المسائل الوطنية العليا أصبحت في المرتبة الثانية بالنسبة للخلاف الديني، وخرج الاحتلال من ذلك سليمًا فلم تقحمه الصحف في الموضوع لا الإسلامية منها ولا القبطية، وانتهى المؤتمران إلى قرارات اتخذت
стр. 193
لم يشر واحد منها إلى احتجاج على احتلال أو مطالبة بدستور، غير أن هذا الخلاف قد ترك لنا ثروة أدبية طيبة، فقد أنتج الأدباء والشعراء روائع الأدب وبدائع الشعر في تأييد وجهات النظر المتباينة، وترك لنا كتبًا عربية وفرنجية١ أرخت الخلاف ومصادره ونتائجه.
ومع أن الخلاف كان شديدًا جدًّا بين صحافة العنصرين فإن إنذار الوطن قد ساء الصحف جميعًا، وهو موقف نادر بين تلك الصحف وغريب في مثل هذا الوقت، ويجمل هذا مكاتب "التيمس" في ١٧ يناير سنة ١٩١١، بقوله: "وقد أحدثت هذه الحادثة حركة كبيرة في الصحافة المصرية من وطنية وأجنبية ولعل السبب في ذلك أن أسخط الصحافة عام على قانون المطبوعات؛ لأن جرائد مصر مهما تباينت مبادئها واختلفت مذاهبها تتفق على انتقاد هذا القانون وتقييد حرية الصحافة به"٢، والأصل في هذا الإنذار أن "الوطن" نشرت مقالات عارضت فيها قرار الحكومة القاضي بطبع بعض الكتب العربية القديمة، ودارت في ذلك مناقشات حادة بين "الوطن" والصحف الإسلامية.
وكان من حزب الجريدة القبطية "ذا إجبشيان جازيت" لسان الجالية البريطانية، وكذلك اتخذت جانبها "لابورص إجبسيان La Bourse Egyptienne لسان الجالية الفرنسية، وسمت إنذار الحكومة للوطن عودًا إلى القرون الوسطى ولا يجوز أن ينعقد مجلس النظار لمثل هذا في القرن العشرين، وسار على هذا النهج معظم الصحف الأجنبية مواسية "للوطن" في محنتها "كلاريفورم" و"ليجبت" نصيرة المسلمين كما يسميها قرياقص في كتابه٣ وانتصرت لها أيضًا الصحف الإسلامية وعلى رأسها "اللواء" بالرغم من أن الإنذار كان نتيجة لخلاف بينها وبين "الوطن"، غير أن "اللواء" تحتج على الحكومة وتأبى عليها التدخل في شئون الصحافة ولو كان تدخلًا ينصر الصحف الإسلامية
стр. 194
ما يدعو إلى انحراف الوطنيين عن جهادهم الرئيسي في سبيل الاستقلال والدستور ظن "العلم" أن تعيين كتشنر بعد وفاة جورست سيبدل الموقف؛ لأن في خلق هذا العسكري ما لا يحتمل الملاينة والملاطفة نحو القصر وبطانته، ومن ثم تعود الوحدة إلى أصلها والكفاح إلى ذروته فمضى يحمل على الحكومة والإنجليز حملات شعواء أهمها مقالته التي نسب فيها إلى الحكومة نكايتها بتركية في الحرب الطرابلسية وحمل الاحتلال مسئولية هذه القصة١ فطلب اللورد كتشنر إغلاق "العلم" نهائيًّا ووقف صحف الحزب الوطني جميعًا كما تقول "المحروسة"٢ ولم تنف محفوظات الداخلية رواية هذه الجريدة غير أن الخديوي وحكومته توسطًا في الأمر فأصدرت الوزارة قرارًا بتعطيل "العلم" شهورًا ثلاثة "لسلوكها مسلك الطعن في الحكومة" بما يحمل الناس على كراهيتها٣ فأصدر الحزب الوطني في ٢٠ ديسمبر سنة ١٩١١ جريدة "الشعب" لسانًا له بعد تعطيل "العلم".
وأصبحت "الشعب" و"اللواء" -وإن اختلفتا فيما بينهما- الجريدتين المتطرفتين في ذلك الوقت، فأما "اللواء" فقد أصدرت الوزارة أمرًا بتعطيلها نهائيًّا بحجة أنها عينت محررًا مسئولًا دون أن تحصل على إذن بذلك؛ ولأن بعض رجالها والقائمين بأمرها قد صدرت عليهم أحكام قضائية عقابًا لهم على أمور موجبة للاضطراب ومخلة بالأمن العام٤، وليست هذه هي الحجة الصحيحة فقد عرفنا لجريدة "اللواء" معارضتها العنيفة طوال حياتها غير أن أكثر ما ضايق حكومة ذلك الوقت نشرها مقالًا لمحمد فريد بك في العدد ٣٨٤٧ خص فيه بالذكر إنشاء الدولة لصندوق التوفير واعتبره حيلة لجمع أموال الفلاحين ليستثمرها الإنجليز في البنك الأهلي، ثم حمل على الحكومة؛ لأنها عرقلت
стр. 195
مشروع النقابات الزراعية حتى لا يعرف الفلاح لذة الاتحاد فيطالب بحقوقه المسلوبة، وذلك بإيحاء من الاحتلال ورجاله الذين حاباهم المسئولون هم والتليان وآثرتهم على تركيا في جميع المواقف الأخيرة١.
ومضت الوزارة في تنفيذ سياسة الشدة مع الحزب الوطني فررت في ٧ نوفمبر سنة ١٩١٢ تعطيل جريدة "العلم" -وكانت قد عادة إلى الظهور- تعطيلًا نهائيًّا؛ لأنها نشرت مقالات في اليوم السابق على التعطيل لمحمد فريد بك عن الحرب البلقانية وما أصاب تركيا فيها من الهزائم، وقد حمل الكاتب الصدر الأعظم مسئولية ما انتهى إليه أمر الحكومة التركية من فساد، ورأت الوزارة المصرية أن الكاتب يحمل على صديق الإنجليز في الأستانة فأمرت بوقف الجريدة وقالت في سبب ذلك، "وحيث إن هذه المقالة التي ختمت بالطعن الشديد في ولاة الأمور العثمانيين الذي ألقى عليهم تبعة ما أصاب الجيش العثماني إنم هي مقالة من شأنها إثارة خواطر المسلمين وإيغار صدورهم نحو ولاة الأمور المذكورين في هذه الظروف التي تستلزم الهدوء والسكينة وحيث إن هذه الجريدة اعتادت نشر ما يكدر صفو الراحة العمومية فضلًا عن أنها لسان حزب اتخذ رئيسه لنفسه خطة التهييج وحيث إنه سبق صدور قرارين بتعطيل هذه الجريدة مرتين الأولى لمدة شهرين بتاريخ ١٩ مارس سنة ١٩١٠ والثانية لمدة ثلاثة شهور بتاريخ ١٩ ديسمبر سنة ١٩١١ فلهذه الأسباب ومحافظة على النظام العام تقفل جريدة "العلم" التي تصدر بالقاهرة من تاريخه"٢.
وقد أظهر تعطيل "العلم" الخصومة العنيفة التي كانت بينها وبين بعض صحف مصر في ذلك الوقت، وهي خصومة انتهى أمرها بقرار التعطيل، غير أن وداع معاصراتها لها رسم للمؤرخ صورة لمذهب الصحف واتجاهها
стр. 196
من حيث وزنها للمعارضة النزيهة والخصومة الشريفة، فأما موقف "الأهرام" فكان موقف الآسف المقدر للجريدة تاريخها وكفاحها١ وكذلك كان رأي جريدة "وادي النيل"٢ وأخذت جريدة "الإكسبريس" على الحكومة هذا العنف في تعطيل "العلم" وخاصة أنها صحيفة الرأي في بلد في أشد الحاجة إلى الصحف المعارضة لافتقاده المجالس النيابية، واعتبرت تعطيل "العلم" لذلك، وهي صحيفة الحزب الوطني، ضررًا على الحكومة ورجالها قبل أن يكون ضررًا على الشعب نفسه"٣.
ثم صدرت "المقطم" بمقال طويل علقت فيه على تعطيل "العلم" معلنة كراهيتها لقانون المطبوعات، غير أنها ترى أن إحياء القانون مصدره تصرفات محمد فريد بك وعبد العزيز جاويش، وهو توازن بين كراهيتها لهذا القانون وبين تعطيل "العلم" فتميل إلى احتماله إذا كان تلك آثاره٤ ثم تشيعها "الوطن" بقولها: إنها "أكثر جرائد القطر المصري انتشارًا؛ لأنها لسان الحزب الوطني وكان بعض الدوائر تحسب له حسابًا وتسرع إلى إجابة مطالبه في كثير من الأحيان".
ثم تعلق على قرار التعطيل "ولكن العلم بطر وأسرف في الذم وبالغ في إسراف العداء لسمو الأمير وحكومته" وتوضح موقف الاحتلال بقولها أن اللورد كتشنر "السياسي الفطن والبطل المغوار أطال زمان الصبر والتساهل أيضًا"٥ وتذهب إلى هذا الرأي أيضًا جريدة "الرقيب" فتقرر أن الإغلاق كان عقب مقال لمحمد فريد بك الذي كان "شرًّا على الحزب وصحفه في "الظعن والإقامة"٦ ولم يجر في هذا الاتجاه من الصحف الأجنبية إلا جريدة
стр. 197
" La Finance Egyptienne"١ و"الإجبشين ميل" التي رحبت بتعطيل "العلم" واعتبرت ذلك "إشارة إلى نهاية عهد من آلم العهود في تاريخ مصر الحديث"٢.
ومنذ أواخر سنة ١٩١٢ أصبحت جريدة "الشعب" لسان حال الحزب الوطني، وتولى رياسة تحريرها أمين الرافعي بك وهو من خيرة صحفيي الحزب الوطني ورجال الصحافة المعدودين، وقد وقفت جريدة "الشعب" عن الصدور في ٢٧ نوفمبر عام ١٩١٤ احتجاجًا على رقابة الحكومة العنيفة للصحافة المصرية، ومنذ اعتبار "الشعب" لسانًا للوطنيين إلى يوم احتجاجها وهي في كفاح مستمر مع الحكومة التي هددت بتعطيلها إذا نشرت مقالات محمد فريد التي كان يرسلها من أوربا.
ولم تقوَ الصحف الوطنية المهمة على أداء وظيفتها منذ سفرت الحكومة في محاربة الصحافة حربًا لا هوادة فيها، وتقرر ذلك جريدة "الشعب" فتؤكد أن إرهاب قانون المطبوعات ضيق على الصحف فأخذت خوفًا منه تصور الرأي العام صورة مشوهة كما أنه جعل الصحافة الإسلامية في تناقص وزاد في الجرائد القبطية٣، وكان من أهم الصحف الوطنية الباقية جريدة "المؤيد" التي اتجهت إلى المسألة العثمانية منذ أصبحت شركة مساهمة٥ ومضت تنشر المقالات عن المسألة الشرقية بقلم السيد رشيد رضا٦ وقد وقف محررها قلمه
стр. 198
على الحملة على المسيحيين في الجيش العثماني بعد حرب البلغار١ وأخيرًا تنحى عنها الشيخ علي يوسف في سنة ١٩١٣ بعد أن عين شيخًا للسادة الوفائية وبيعت أدوات "المؤيد" وختم تاريخه الحافل في ١٧ أبريل عام "١٩١٦"٢ ولم تبلغ مصر الحرب العظمى حتى كان صحف الأحزاب الثلاثة قد تعطلت إما بفعل الحكومة كما هو ظاهر من ختام حياة "الشعب" أو بتنحي رجالها عنها كما حدث في "المؤيد" أو لاضطراب في ماليتها وإيثار محرريها وظائف الحكومة كما دلت عليه حال "الجريدة" إذ ذاك، ولم تعش الصحف الأخرى وأهمها "الأهرام" و"المقطم" في القاهرة "والأهالي" و"البصير" في الإسكندرية إلا بما اصطنعت من مسايرة الظروف حتى مرت الحرب العظمى وبدأ التاريخ يخط صفحة جديدة في حياة الصحافة المصرية.
ويجدر بمن يؤرخ للصحافة المصرية منذ الاحتلال إلى قيام الحرب العظمى أن يذكر بعض السمات العامة التي اتسمت بها صحافة ذلك العهد، وهي صحافة استكملت أسباب النضج من حيث الشكل والموضوع معًا، فقد مكن لها اختلاف السلطات على تناول الحكم فأصبحت صحافة أصيلة تمثل حزبًا من الأحزاب أو رأيًّا من الآراء، غير أن أساطين الرجال العاملين فيها كانوا جميعًا من أبناء المدرسة القديمة، حديثي السن منهم أو الطاعنين فيها، الدارسين للثقافة الغربية أو العالمين بآداب العرب وعلومهم وحدها، فقد كان مصطفى كامل وعلي يوسف وغيرهم فيما خلا محرري "الجريدة" و"الأهرام" يربطون بين حرية مصر واستقلالها وحرية تركيا وآمالها، تغلب على اتجاهاتهم وميولهم النزعة الدينية.
وقد يكون الأسلوب السياسي وحده هو الذي جعل مصطفى كامل يظهر بهذه الصورة التي شرحناها، أما غيره من الصحفيين ورجال الرأي الذين
стр. 199
عملوا على توثيق الروابط المصرية التركية فكانت تلك عقيدتهم التي أخذت على مداركهم كل تفكير أو تحليل أو تقدير، بيد أنهم خلقوا في جو الصحافة جديدًا لم يكن معروفًا من قبل ذلك وهو نشر الصحف عن طريق الشركات والجماعات "كاللواء والمؤيد والعلم والجريدة" في وضع يشبه كثيرًا ما اتبع في كبريات الصحف الأوربية، وارتبط هذا بإنشاء الأحزاب، فأضحت أهم الصحف تلك الصحف الحزبية التي تمثل الفكرة أوضح تمثيل، وقد انتشر أثرها على الجماهير في مصر فتحزبوا لها واعتبروها مرآة لهم فيها آمالهم وأحلامهم، وكانت الصحف الحزبية تقرأ في العالم العربي في العالم الإسلامي، وتستقبل في العالمين استقبالًا حسنًا، كما تولت بعض الهيئات إصدار الصحف كما صنع الأزهر في مجلته الغنية بالبحوث الأخلاقية والموضوعات الدينية.
وشهد ذلك العهد الصحافة المصورة، الهازلة منها والجادة، حافلة بصور الحوادث والأشخاص معلقة على أحداث مصر السياسية والاجتماعية شعرًا ونثرًا وزجلًا، غنية بالنكتة الرائعة والسخرية اللاذعة، ويؤثر عن هذا العهد جديد في العاملين في الصحافة فقد ألقيت شئونها منذ أنشئت في مصر إلى الرجال وحدهم وقلما كانت تطالعنا سيدة بمقال أو حديث، إلى أن نزلت إلى ميدانها المصريات فأنشأن أربع عشرة مجلة نسائية في مصر والإسكندرية وفي ذلك إيماءة إلى تغير الأحوال وتخلص الجيل من تزمته.
وللصحافة المصرية في ذلك العهد أثر غير منكور في إحياء اللغة العربية وآدابها في شعب يتحدث سادته اللغات الأجنبية ويفرض المحتل لغته عليه ويقدمها على سائر اللغات فيجعلها ضمن أدوات حكمه في الدواوين والمدارس بجانب المعاهد الأجنبية المختلفة التي جعلت اللغة العربية في المحل الثاني أو الثالث، وقد استطاعت اللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية أن تنتزع من اللغة التركية سيطرتها الأولى ولم تملك القضاء على اللغة العربية التي أحيتها وقوتها الصحافة بانتشارها ومجادلاتها في المسائل السياسية والاجتماعية والدينية وهي مسائل اتصلت بكل موضوع سواء في الأدب أو العلوم أو القانون، ولم تعد الصحافة كما كانت من قبل ذيلًا لأفراد يمثلون فكرة من الأفكار فهي تحمل على الإنجليز كما تحمل
стр. 200
على الخديوي، وأخذت الجهات الرسمية جميعًا تترضاها وتتوخى محاسنتها بالتأييد الأدبي أو المادي أو تحاربها بالقوانين واستبدادها.
ويعتبر عهد عباس الثاني أعظم عهود الصحافة المصرية في تاريخها إلى الحرب العظمى؛ لأن مناصرته لها ولرجالها نشأ عنها نشاط أدبي منقطع النظير، فإلى عهده يرجع سجال الصحف في الآداب والاجتماعيات، وفي عصره عرف شوقي وحافظ وغيرهما من الشعراء والناثرين، وبل من بينهم من كان في معيته وركابه ومن عاش في عطفه وبره ونشرت له الصحف أفضل المقالات وأروع القصائد، وفي عصره نشأت فئة من الشباب كان لها في الميدان الصحفي بعد الحرب أبعد الأثر وهؤلاء من تلامذة صحف عباس الثاني وطلابها المجدين.
وكان الصحف المصرية تنحرف عن الجادة بين آن وآخر في ذلك العهد انحرافًا يعطل القضية المصرية، فكانت تشغل أحيانًا بالمسائل الشخصية كقضية الزوجية أو قضية القبط والمسلمين، وتنشر من التعبيرات في مساجلاتها الحزبية ما أثر في جيلنا، وكان هذه المهاترات الصحفية من أقبح ما ورث عن جيل الاحتلال.
وقد نجحت الصحافة المصرية في علاج الصدمة التي لقيتها مصر من الاحتلال، فقد ردت الأمن إلى النفوس وخرجت بالناس إلى الوجود وعلمتهم أن الهزيمة تاريخ لا ينبغي أن يعيشوا في أعطافه، وأن الاحتلال شيء لا ترضاه الشعوب الحرة، وأن ما فشلت فيه القوة الحزبية تستطيعه القوة المعنوية الكامنة في الأمة المصرية، وأن الحياة ليست ملك الأرض والتفنن في الطعام بل هي شيء أغلى من الأرض والطعام، وأن إصلاحات الإنجليز رد للحقوق إلى أصحابها وليست عملًا يفرض الاحتلال أو يمكن له، فآمن الناس بأنه شيء بغيض، ورأوا أن نظمه وأدواته عمل رجعي لا يحتمل، حتى فكر الإنجليز آخر الأمر في تغيير الأساليب القديمة وإنشاء الجمعية التشريعية خطوة لما بعدها وكان الأمل عريضًا في نجاح للصحافة أبعد من هذا لولا أن الحرب العظمى عاجلت المصريين فحدت من نشاط الأقلام، وختمت جهاد الصحافة على الصورة التي شرحناها بعد ثلاثين سنة من الجهاد.
стр. 201
الصحافة المصرية بين الحربين العالميتين:
اعتبرت مصر تحت الحماية البريطانية في الحرب العظمى منذ ٢ نوفمبر عام "١٩١٤"١ فلم تعد الصحافة المصرية قادرة على أداء وظيفتها إذ خضعت لرقابة الرقيب، ثم أعلنت الهدنة وأخذ المصريون يطالبون بحقهم في الحياة الحرة المستقلة، وأثر عن هذه المطالبة بحقوق مصر أن تألف الوفد المصري برياسة سعد زغلول باشا وكيل الجمعية التشريعية المنتخب، وكان موقف الصحافة المصرية إذ ذاك موقفًا حرجًا دقيقًا، غير أن أمين الرافعي استطاع في وقت الضيق الذي نزل بصحافة مصر أن يصدر صحيفة "الأخبار" في ٢٢ فبراير سنة ١٩٢٠ وهي أهم وأخطر صحف ذلك العهد من حيث تحريرها أو تعبيرها عن الأماني المصرية، وصاحبها رجل حنكته التجربة الصحفية وله في تاريخ الصحافة المصرية مواقف قلما وقف إلى جانبه فيها صحفي من الصحفيين المعارضين، وقد قطع حياته الصحفية مثلًا من أمثلتها الرائعة سواء كانت قبل الحرب العظمى أو بعدها.
وقد حملت "الأخبار" لواء الفكرة الوطنية، زاملتها "الأهرام" بعد وصول لجنة ملنر في ٧ ديسمبر سنة ١٩١٩، فخرجت عن تحفظها ومضت قدمًا إلى الجانب المصري تعبر عن الأماني المصرية أحسن تعبير، وقد أطلقت حرية الصحافة بالرغم من القيود الرسمية المفروضة عليها، وأكبر الظن أن بعثة ملنر " Milner" داخلًا في تقرير هذه الحرية التي بدونها يعز على هذه البعثة فهم الموقف على حقيقته، وقد أشار تقرير ملنر إلى
стр. 202
ذلك كله١ ثم صدرت جريدة "الاستقلال" لمحمود عزمي في مايو عام ١٩٢١ وحرر فيها طه حسين، وكان الصحيفة خالية من العنف الذي أثر عن جريدة "الأخبار" ثم نقل امتيازها فيما بعد إلى جبرائيل تقلا صاحب "الأهرام" وقد ظهرت الاستقلال في فترة الخلاف فيها بين الوطنيين على مسائل تتصل بالمفاوضات.
ومنذ اختلاف الوطنيين على تفاصيل الحركة الوطنية، وتوزع طرائق النظر إلى الأهداف العليا، بدأ المصريون يؤلفون الأحزاب والشيع، فكان هناك الوفد المصري بزعامة سعد زغلول وكان كثير من أعضائه أعضاء في حزب الأمة القديم، ونشأ حزب الأحرار الدستوريين من بعض أعضاء هذا الوفد، وأصدر هذا الحزب جريدة "السياسة" في ٣٠ أكتوبر سنة ١٩٢٢ ورأس تحريرها محمد حسين هيكل، وهي من أنضج الصحف المصرية من حيث دراستها للمباحث الداخلية والمسائل الخارجية، وقد حرر فيها نخبة من الكتاب المصريين كطه حسين ومحمد عزمي وتوفيق دياب وغيرهم.
وعن جريدة "السياسة" تؤثر نشأة التجديد في حياتنا الاجتماعية، فقد دافعت عن المرأة وجعلت موضوعها حديثًا يشغل بعض صفحاتها، كما أفردت لها بين آن وآن صحيفة مصورة تعني بمسائلها المختلفة، وعن هذه الجريدة عرف التهكم السياسي إن صح التعبير، في مقالات الدكتور طه حسين، كمنا ظهر النقد البرلماني عندما أصبحت الحياة الدستورية حقيقة واقعة، وكان صاحب هذا الباب الجديد في الصحافة المصرية الدكتور محمود عزمي، عدا الأبواب الأخرى التي حفلت بها، فقد عنيت بالقصة وموضوعها، وخصصت بين الفينة والفينة صفحة للشئون الزراعية ومسائلها المتباينة، وبهذا وبغيره كانت "السياسة" من أولى الصحف التي عرفت كيف تشغل المفكرين المصريين بمناهجها الجديدة.
стр. 203
وقد أخذت لجنة الثلاثين في وضع الدستور عقب تصريح فبراير ١٩٢٢ وهو الدستور الذي كان معمولًا به قبل يوليو سنة ١٩٥٢ والذي رضيته الأحزاب جميعًا وإن كان الوفديون قد حملوا عليه إذ ذاك، ولم يرض عن بعض مواده كثير من الأحرار الدستوريين، ولم تعجب بعض مواده الأخرى المحافظين والجامدين، وكان الصحافة المصرية تمثل هذه الاتجاهات جميعًا، وقد منحت من الحرية، -بالرغم من الأحكام العرفية- ما مكنها من شرح هذه المسائل الدستورية ونقدها، ولعل مسألة الدستور كان أهم الموضوعات التي حظيت ببحث الصحافة ورجالها منذ ثورة سنة ١٩١٩.
وإذا كانت "السياسة" جريدة الأحرار الدستوريين ولسانهم المعبر عنهم، فإن الوفد لم تكن له صحف رسمية بل كان له صحف وفدية من أهمها جريدة "البلاغ" لصاحبها عبد القادرة حمزة "باشا فيما بعد" وقد صدرت في سنة ١٩٢٣ "جريدة يومية سياسية أدبية تجارية" تتمثل بكلمات لسعد زغلول وتحمل على السياسة الإنجليزية في مصر وتمثل التطرف السياسي، وساهم في تحريرها الأستاذ عباس محمود العقاد أحد رجال الأدب المجودين، وأحد طلائع المدرسة الصحفية الحديثة، وقد جعل للناحية الأدبية في كتاباته حظًّا موفورًا، ونشر فيها محمد نجيب الغرابلي بعض القصائد في المناسبات العامة.
ويجب أن يذكر لعبد القادر حمزة نصيبه الموفور في نهضة الصحافة المصرية، فقد كان من القلائل الذين انخرطوا في هذه المهنة من أهل العلم والمعرفة، فهو من الطلائع التي تخرجت في كلية الحقوق سنة ١٩٠٣، وكان على صلة قريبة من النشاط الصحفي في أثناء الدرس والطلب فكتب "للجريدة" عدة مقالات، ونشأت بينه وبين محررها أحمد لطفي السيد علاقات من الود والتقدير، فقد كشفت مقالاته عن مواهب يعتز بها وتبشر بخير في العالم الصحفي لهذا الشاب وهو في مطالع العمر وعلى عتبات الجهاد.
وبعد أن أمضى عبد القادر حمزة عدة سنوات محاميًا ومحررًا في صحيفة "الجريدة" تولى رئاسة تحرير جريدة "الأهالي" في الإسكندرية، وكانت
стр. 204
تصدر هذه الجريدة شركة أسسها جماعة من أعيان المصريين باسم "شركة النشر الأهلية" برعاية سعيد باشا، وقد سئل لطفي السيد فيمن يرشحه لتحرير "الأهالي" فأشار على المسئولين في الشركة باختيار عبد القادر حمزة وبين لهم قدر الرجل واستعداده، وأحالهم في هذه التزكية على نشاطه السابق في "الجريدة" وتفوقه الملحوظ في ترجمة أمهات القصص الفرنسية لمجلة مسامرات الشعب سنة ١٩٠٩ فقد كان عبد القادر حمزة من البواكير التي عنيت بنقل الثقافة الأوربية للغة العربية، وله في ذلك نصيب موفور.
وقد صدرت الأهالي في الإسكندرية في ١٩ أكتوبر سنة ١٩١٠، واستمرت تصدر في الثغر إلى منتصف سنة ١٩٢١، ثم انتقلت إلى القاهرة وصدر العدد الأول في العاصمة في ١٣ سبتمبر سنة ١٩١٢ والحركة الوطنية على أشدها وميدان الجهاد فيه منفسح لكل مواطن قادر على التضحية والجهاد، وكان "الأهالي" لسانًا مدويًا من ألسنة سعد زغلول هز أركان الاحتلال وأرق مضاجع الإنجليز، فصدرت الأوامر بتعطيل "الأهالي" ستة أشهر، وكان ذلك في ٨ نوفمبر ١٩٢١ وتنفيذًا للوائح المعمول بها في ظل الأحكام العسكرية المفروضة على البلاد إذ ذاك.
وبعد هذا التعطيل لم يكن في استطاعة الأستاذ عبد القادر حمزة أن يحصل على ترخيص بصحيفة أخرى، لأن مانع الترخيص -هو الحكومة- هو الذي منع الأهالي من الصدور، فتحايل صحفينا على بث أفكاره ودعوته بالكتابة في صحيفة "المحروسة" وقد تنبهت الحكومة إلى تحايله هذا، فأصدرت أمرها بإغلاق "المحروسة" إلى أجل غير مسمى، واعتقل هذا القلم حتى انتهت فترة تعطيل "الأهالي" فعاود نشرها فياضة الحس، قوية التعبير عن الأماني الوطنية، ولم تر الحكومة بدًّا من إغلاقها بعد صدور ثلاثة أعداد منها، وكان ذلك خاتم الجهاد لصحيفة "الأهالي" فدخلت سيرتها في ذمة التاريخ، وبقي صاحبها في الميدان يصول ويجول في غيرها من الصحف الوطنيات.
стр. 205
وقد أخذت الحكومة تتعب عبد القادر حمزة وقلمه، وهو يحاول استئجار صحف لينشر فيها رأيه ويعبر فيها عن رسالة الوفد، غير أن أصحاب الصحف خشوا على صحفهم فأحجموا عن معاونته، ولما لم يكن في مقدوره أن يستصدر ترخيصًا بصحيفة أخرى، استنبط فكرة تبعده عن سيطرة إدارة المطبوعات، فحاول أن يحقق رسالته في نشرات غير دورية لا تخضع لقانون المطبوعات، ووضع في ذلك أول نشرة في يونيه سنة ١٩٢٢ تحت عنوان "نداء الحرية" وعلمت الحكومة بذلك فأوفدت عيونها فجمعت من المطبعة هذه النشرة التي كانت تتهيأ للصدور، وأحرقوها فاضطر إلى التماس صحيفة سيارة، وحصل على ذلك باستئجار جريدة "الأفكار" ومضى يكتب فيها عدة شهور حتى ١٦ يناير سنة ١٩٢٣.
في ذلك الوقت كانت الأمور قد تغيرت، وبدأت الحياة السياسية تميل إلى الهدوء والاستقرار، وبدا في الجو يعاون أمثال هذا القلم على مناقشة المسائل في اتزان، فاستصدر صحفينا ترخيصًا بإصدار البلاغ اليومية التي مضت تؤدي رسالتها إلى الأيام الأولى من قيام ثورة ١٩٥٢، وقد صدر العدد الأول منها في ٢٨ يناير ١٩٢٣، ويبدو أن صاحب البلاغ كان متفائلًا بالعهد وأصحابه فإنهم لم يحتملوا هذا القلم العف، وهو قلم "موضوعي" إن صح التعبير، ولكنه واضح ومن شأنه أن يهز أركان الاستبداد والاستعمار بوضع النقط على الحروف كما يقولون، لذلك لم يطق أصحاب الشأن البلاغ وصاحبه فصدر الأمر بإغلاق الجريدة واعتقال صاحبها في ٦ مارس ١٩٢٣ فإذا أخلى سبيله بعد قليل، وعز عليه إصدار البلاغ من جديد استأجر جريدة "الرشيد" وحررها ابتداء من ٢٠ مايو ١٩٢٣ إلى أن أذن للبلاغ بالعودة إلى الظهور، فصدرت مرة أخرى في أربعة صفحات في ١٨ يونيه ١٩٢٣، ومنذ ذلك اليوم أخذت البلاغ تتطور شكلًا وموضوعًا، ولولا الحرب الكبرى الماضية التي حدت النشاط الصحفي، ووقفت اتساعه لكانت "البلاغ" من كبريات الصحف الحزبية العالمية.
стр. 206
وقد كانت دار البلاغ تصدر نسخة أسبوعية لها من ٢٦ نوفمبر ١٩٢٦ باسم "البلاغ الأسبوعي" زخرت بخيرة أقلام الجيل، وهي صحيفة مصورة في أربعين صفحة، وبذلك ورثت دار البلاغ عدة صحف وبرزت في نشاطها سواء كان أدبيًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا، وأصبح البلاغ سجلًا للحركة الوطنية له قدره في تاريخ هذه الحقبة من جهاد المصريين، وبجانب خطته السياسية فهو معنى بالاقتصاد والآداب والفنون، ومشارك في إنعاش النهضة النسائية بما خصص لها في الربع القرن الأخير من صفحات، ومن يعد إلى البلاغ يجد عناصر الصحيفة تكاد تتوازن، وتكاد تبلغ ما يرجوه المنصف لها من النضج والاستواء.
ثم صدرت جريدة "كوكب الشرق" صحيفة وفدية في ٢١ سبتمبر ١٩٢٤ فآخت "البلاغ" في اتجاهها الحزبي وأعلن صاحبها أحمد حافظ عوض يوم صدورها خطة صحيفته بأن شعارها سيكون "كما كان شعار الصحف التي سعدت بتحريرها والانتساب إليها، العمل المتواصل لتحقيق الأمنية الوطنية العظمى، ألا وهي استقلال مصر والسودان استقلالًا تامًّا وصحيحًا، وستبقى هذه الغاية نصب أعيننا إلى أن نفوز بها أو نموت دونها، ولنا مع هذه الغاية الوطنية المصرية أغراض وغايات أخرى يجب أن تكون لها عندنا أهمية عظمى وتلك الأغراض وهاتيك الغايات هو العمل الدائم على شد أواصر الرابطة الإسلامية خصوصًا، والشرقية عمومًا" والوسيلة إلى ذلك كما يقول: "نشر العلوم والمعارف العربية وآثار المدنية الإسلامية والاحتفاظ بالمميزات الشرقية".
ولكن الكاتب يفاجئ العالم الإسلامي باتجاه جديد لا يتفق مطلقًا مع مدرستيه الصحفية والسياسية القديمتين اللتين نشأ فيهما، فهو يذهب إلى قطع الروابط الإسلامية "ذلك المذهب البالي الذي كان يدعو إليه بعض الزعماء في الأزمان الماضية على قاعدة أن الإسلام لا وطن له وأن بلاد المسلمين كلها وطن واحد وأمة واحدة" ويدلل على فساد هذا الرأي بأن لكل بلد شرقي سياسة وظروفًا خاصة.
стр. 207
وصاحب "كوكب الشرق" له سيرة صحفية قديمة، أهلته لها قدرته الملحوظة في اللغتين العربية والإنجليزية، واستعداده الواضح لهذه المهنة التي تتطلب من صاحبها الدأب والقدرة على الأداء والجرأة في الحق، وخاصة في العهد الذي انضوى فيه تحت لوائها، وهو عهد حافل بألوان الاضطهاد والكفاح للقضاء على هذا الاضطهاد، وقد بدأ عمله الصحفي مترجمًا في مجلة الموسوعات، وهي من أوسع المجلات انتشارًا في ذلك الزمان، ولم يقتصر عمله فيها على الترجمة فقط بل ساهم في أبواب تحريرها الأخرى، وأنشأ البحوث المختلفة في الأدب والعلوم والاجتماع.
وقد استرعى ما طرقه من موضوعات انتباه الشيخ علي يوسف صاحب "المؤيد" فضمه إلى هيئة التحرير في صحيفته، وعلى صفحات "المؤيد" برز اسم حافظ عوض لامعًا بما كانت تمتاز به مقالاته الوطنية من حرارة، وما تفرد به أسلوبه من الروعة والبلاغة وسلامة العبارة، وكانت "المؤيد" في ذلك الوقت صحيفة تمنح محرريها شهرة عالمية، إذ كان أوسع الصحف المصرية انتشارًا وأعظمها نفوذًا، كما كانت ميدانًا يتبارى فيه أدباء الأمة وعلماؤها، كالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول وعبد الكريم سلمان وحفني ناصف، والسيد توفيق البكري، وكانت تعالج الموضوعات الشرقية والإسلامية والمصرية، وكانت بذلك موضعًا للثقة عند قراء العربية في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم اختلف حافظ عوض مع الشيخ علي يوسف، فتكاتف وصديقه محمد مسعود بك على إصدار جريدة "المنبر" وهنا تجلت خبرته الصحفية، وشاركه في تحريرها فترة من الزمن صادق عنبر الأديب المصري والصحفي المعروف، ثم أصدر إلى جانب "المنبر" صحيفة هزلية كاريكاتورية باسم "ها. ها. ها" ثم غير اسمها باسم "خيال الظل" وقد كان هو صاحب أفكارها والمشير برسومها والمعلق عليها بما أثر عنه من خفة ظل أحسها قراء الصحف العربية منذ نشأته حتى انتهى المطاف به في جريدة كوكب الشرق.
стр. 208
ولم يقف نشاط المترجم عند الصحف يصدرها، ويجدد في مناحيها، ويبسط عليها من روحه الجديد في جميع جوانبها، بل ساهم مع المساهمين في الدعوة لتصفية العلاقات المصرية الإنجليزية، واضطره هذا إلى التغيب عن صحيفتيه فترة اعتراهما فيها اضمحلال عجزت قدرة صاحبهما البارعة عن إقالتهما من عثرتهما فعاد إلى الصحافة وانتظم في سلك محرري جريدة "المؤيد" من جديد.
وقد أمضى حافظ عوض عامين في "المؤيد" فكان دعامة من دعائمها القوية، وموضعًا لثقة صاحبها، ثم تقرر أن يسافر الخديوي عباس الثاني للحج إلى بيت الله الحرام، فندبته جريدة "التيمس" ليكون مراسلًا لها في حجة الخديوي تلك، وعلى صفحاتها قرأ الناس فصولًا ممتعة عن هذه الرحلة التي عرفت الإنجليز على دين المسلمين من ناحية، وأوضحت سيرة الخديوي الوطنية من ناحية أخرى، وكان لمقالاته أثر عظيم في نفسية عباس الثاني، فقربه منه وعينه في ديوانه الخديوي، ومنحه الرتب والنياشين، وتعذر على الوشاة والحاسدين أن يقصوه عن مكانه، حتى تدخل المعتمد البريطاني مهددًا متوعدًا فاستقال، وعاد ليشرف من جديد على صحيفة "المؤيد" التي أصبحت شركة مساهمة قبيل وفاة صاحبها بقليل، وبقي وده متصلًا بصاحب العرش حتى إنه صحبه في رحلته إلى الوجه البحري في سنة ١٩١٤ وسجل هذه الرحلة في "المؤيد" ثم طبعها في كتاب صادرته السلطات العسكرية الإنجليزية إبان الحرب العظمى الأولى، ولم يبق منه إلا نسخة واحدة تحتفظ به دار الكتب المصرية منذ سنة ١٩٤٨.
وقد اعتقل أحمد حافظ عوض بك خلال الحرب العظمى الأولى، فلم يضيع وقته سدى، إذ عكف في أثناء الاعتقال على وضع مؤلفه الكبير عن "فتح مصر الحديث" وهو عمدة يمكن الرجوع إليه في تاريخ مصر الحديثة، ويعتبر بحق من خيرة الكتب التي نشرت في هذا التاريخ، وله بجانب هذا السفر الجليل دراسات أخرى مطبوعة أو منشورة في رسائل قصيرة أو على
стр. 209
صفحات الجرائد يمكن الاعتماد عليها في مراجعة القضية السياسية أو الحياة الاجتماعية أو الأدبية، وهي بحوث جديرة بالنظر والاعتبار.
وقد عاد المترجم إلى الصحافة مساهمًا في تحرير جريدة الأهالي لصاحبها عبد القادر حمزة باشا، وذلك قبيل إعلان الدستور، كما حرر في جريدة "المحروسة" وغيرها من الصحف، حتى استقر حياة مصر نوعًا ما، وجاءت حكومة سعد زغلول وحينئذ أصدر حافظ عوض صحيفته كوكب الشرق وفيها بلغ المترجم غايته في التحرير والإنشاء، وعلى صفحاتها برزت مواهبه في هذا الأسلوب التهكمي الذي لم يجاره فيه أحد، وقد عرفت كوكب الشرق خيرة أقلام كتاب مصر الذين انتظموا في سلك تحريرها من بينهم نخبة من الشباب المثقف، وقد لقيت صحيفته متاعب شتى من السلطات المحلية كلما اعتدى على الدستور ووقفت الحياة النيابية، ومضى معها صاحبها نهبًا لضيق الحكومات وتبرمها، حتى وقفت "كوكب الشرق" عن الصدور في السنوات الأخيرة، فكان في غيبتها خسارة كبيرة، ولكنها كتبت لصاحبها تاريخًا حافلًا في سجل الصحافة المصرية المعاصرة.
ومنذ صدور الدستور المصري في سنة ١٩٢٣ انقسم المصريون شيعًا وأحزابًا، فهناك الوفد وصحافته وأهمها "البلاغ" و"كوكب الشرق" وهناك الأحرار الدستوريون وصحيفتهم "السياسة" ثم تألف حزب جديد عقب مقتل السردار في سنة ١٩٢٤ وهو حزب الاتحاد وأنشأ له صحيفة لم يؤثر عنها فضل ينشر أو خطر يذكر ثم وجد حزب الشعب في سنة ١٩٣٠ وأصدر صحيفة "الشعب" وزاملت في الخمول جريدة "الاتحاد" مع أن هذه الصحيفة كانت تضم أقلامًا غنية على علم وفهم إذ كان حرر فيها الأستاذ عبد القادر المازني، الأديب الشاعر الناثر الذي تفرد بين أدباء العربية بأسلوب الخاص وامتاز بأنه كان أستاذ الترجمة الأدبية الرفيعة في كل صحيفة ولجها، وفي كل مدرسة اختلف عليها يربي أجيالها.
стр. 210
وقد سعدت الصحافة المصرية بهذا الأديب النادر المثال، حيث طلق مهنة التدريس وسلك طريقها، فبدأ عمله الصحفي في جريدة "الأهالي" حين كانت تصدر في مدينة الإسكندرية ثم زامل المرحوم أمين الرافعي في تحرير جريدة "الأخبار" وظل يعمل بها ردحًا من الزمن، أثر عنه فيها جولات أدبية وسياسية ملحوظة العناية، محفوظ القدر في سجل الحركة الوطنية والأدبية على السواء.
وعلى عام ١٩٢٥ اختير رئيسًا لتحرير جريدة "الاتحاد" ومضى في توجيهها عامين، كان هو كل شيء فيها، ولم تستكمل هذه الصحيفة عناصر النجاح لظروف مصر الخاصة حينئذ، لذلك تركها الأديب الكاتب واشتغل مدة أخرى في تحرير جريدة "الكشاف" إلى أن استقر به المطاف سنوات في جريدة السياسة، وتبدو آثاره الصحفية الرائعة، لا في السياسة اليومية، وإن كان له فيها جولات ممتازة، بل في السياسة الأسبوعية وهي الصحيفة الأدبية التي تغذى في أمثاله هوايتهم، ومن صفحات السياسة الأسبوعية أطل علينا إبراهيم عبد القادر المازني أستاذًا يتأثره الأدباء والمتأدبون.
ثم عاوده الحنين إلى صحيفة صديقه عبد القادر حمزة، فمضى إلى "البلاغ" يحرر فيها ستة عشر عامًا، ولم يتركها قط، واختط لنفسه خطة رائعة في معالجة المشاكل العربية والمصرية، واتجه في كتاباته اتجاهًا مستقلًا فرض على أصحاب البلاغ، وهم يمثلون حزب الوفد، أن ينحوه عن التحرير فيها، وجاءت تنحيته تنفيذًا لقرار حزبي لا حيلة لهم فيه.
ومع أنه كان يكتب في البلاغ، وفاء لصاحبه، وحفظًا لذكراه، فأنه ساهم في تحرير جريدة "الأساس" في كثير من المقالات الموضوعية التي شغلت بال الرأي العام، وكانت كتاباته جميعًا كتابات قومية لا دخل للحزبية فيها، وكذلك أمد جريدة الإخوان المسلمين بقلمه السيال، وبقي يحرر في كثير من نواحي تحريرها فصولًا ممتعة في المسائل العربية والإسلامية التي كانت تشغل بال العالم العربي، ثم اعتذر عن المضي في عمله في جريدة الإخوان
стр. 211
المسلمين حين حرقوا كتب العلم الإنجليزية، فقد اعتبر ذلك تعصبًا لا يتفق ورسالة الإسلام التي تدعو للعلم، وتدفع إليه ولو كان في الصين ..
أما ما كان للأستاذ المازني من كتب، فتلك قصة لا تروى بين سجل الصحافة المصرية، فإنه فيها علم قلما يجاريه واحد أو اثنان من كبار أدباء الجيل وعن هذه الكتب ارتشفت أجيال متصلة معينًا من الأدب لا ينضب، ولا تزال كتبه -وستبقى- جدولًا فياضًا يعيش على الزمن، ويصلح لكل زمن.
ثم أخذت الأحداث تجري على غير نظام ثابت فيومًا تتمتع الصحف بحريتها ويومًا تضطهد اضطهادًا منقطع النظير، وفي خلال ذلك صدرت جريدة "الجهاد" لمحمد توفيق دياب صحيفة وفدية للصباح ثم زاملتها جريدة "روز اليوسف" إلى أن اختلف محررو هاتين الصحيفتين الوفديتين مع المسئولين فاستعيض عنهما بجريدة "المصري" لأصحابها محمود أبو الفتح، ومحمد التابعي، وكريم ثابت وبعد سنة ١٩٣٨ انفرد بها أبو الفتح وأشرف الوفد المصري على سياستها على أن تكون لسانًا له وهي أول صحيفة رسمية لهيئة الوفد منذ تكونت.
وكان بجانب هذه الصحف اليومية صور منها أسبوعية فقد أصدر الأحرار الدستوريون "السياسة الأسبوعية" في ١٣ مارس سنة ١٩٢٦ في ست عشرة صفحة كبيرة للآداب والعلوم والتاريخ والقانون والسياسة المصرية والشرقية والدولية، كما وجدت بها صور رمزية وقسم مصور لأهم الحوادث والأشخاص ومن أمتع ما رأيناه فيها باب "في المرآة" للشيخ البشري، وسار على هذا الدرب "البلاغ" فأصدر صاحبه "البلاغ الأسبوعي" في ٢٦نوفمبر سنة ١٩٢٦ كما ذكرنا من قبل، وهو تقليد "للسياسة الأسبوعية" وكان من أهم محرريه عباس العقاد ومحمد السباعي والأستاذ صبري أبو علم أفندي والأستاذ محمود سليمان غنام أفندي في حجم أصغر من "السياسة" وإن صدر أحيانًا في ثمانٍ وعشرين صفحة ولكنه تميز بصوره الكاريكاتورية البديعة.
стр. 212
ثم صدرت في مطلع الحركة الوطنية صحيفة تأثرت أبا نظارة هي "الكشكول المصور" لسليمان فوزي وكانت "جريدة مصورة اجتماعية انتقادية" عرفها المصريون في ٢٤ مايو عام ١٩٢١وكانت مثلًا طيبًا للصحافة الهزلية وعاصرت التطور السياسي في مصر إلى أن قضى صاحبها منذ سنوات، وعن مدرسته صدرت "روز اليوسف" و"آخر ساعة" وما إليها من المجلات المماثلة.
ولم تعمر "السياسة الأسبوعية" أو "البلاغ الأسبوعي" طويلًا، فقد احتجبتا حين طغت السياسة على مصدريهما فشغلهم النشاط فيها، فأصدر أحمد حسن الزيات في ١٥ يناير سنة ١٩٣٣ مجلة "الرسالة" باشتراك طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وكانت خطتها "ربط القديم بالحديث ووصل الشرق بالغرب" وفي سنة ١٩٣٦ أصدر الدكتور محمود عزمي صحيفة "الشباب" صحيفة مستقلة الرأي بعيدة عن الأحزاب غير أن صاحبها مزج فيها بين السياسة وألوان الثقافة الأخرى وأشرف بطابعه الخاص على أكثر فصولها وكادت هذه الصحيفة أن تملأ الفراغ مع "السياسة، والبلاغ" الأسبوعي لولا أن العقبات المالية والأحوال السياسية حالت دون استمرارها فطويت صفحاتها وشغر تاريخ الصحافة المصرية من نظير لها حتى اليوم، ثم انفردت لجنة التأليف بصحيفة خاصة بها هي مجلة "الثقافة" التي صدرت في ٣٢ يناير عام ١٩٣٩ لصاحب امتيازها أحمد أمين وذكرت أنها "تتقدم للعالم الشرقي مؤمنة بقدرتها بنفسها وبأصدقائها شاعرة بتبعيتها مقدرة لواجبها واثقة بقرائها".
وقد شهدت الصحافة المصرية قبيل ثورة ١٩٥٢ ألوانًا جديدة من الصحف والمجلات فيها ابتكار، سواء اتصل هذا الابتكار بشكلها أو بتحريرها، وفيها حماس للفكرة ليس في تاريخ الصحافة المصرية نظير له؛ لأن هذا الحماس استمده أصحابه من المذاهب السياسية الحديثة كالاشتراكية مثلًا
стр. 213
وترتب على ذلك أن عرضت هذه الصحف الجديدة لأفكار وآراء لم يسمع بها الرأي العام المصري في نطاق واسع.
ومن هذه الصحف "أخبار اليوم" وهي ليست صحيفة مذهب اجتماعي، ولا تعبر عن فكرة سياسية خاصة، بل أهم ما يبدو في رسالتها مخاصمة الوفد المصري سواء كان في الحكم أو في المعارضة، بيد أنها وزميلتاها "آخر ساعة" و"آخر لحظة" تتميز بالتفوق في الفن الصحفي من حيث الإخراج والسبق الصحفي، وتلوين مادتها بكثير من الموضوعات الطريفة الجذابة، كما تمتاز بمجموعة من الأقلام القوية كأقلام محمد التابعي وصاحبها مصطفى وعلي أمين وتوفيق الحكيم وإن آثر الأخير وظائف الدولة على التحرير فيها.
ولا نستطيع أن نتعقب الصحف التي صدرت مقلدة لأخبار اليوم حتى في شكلها وحجمها فهي كثير وأقل أهمية، وليس لها في ميدان الصحافة نصيب من الأهمية والاعتبار، سواء كانت صحفًا وفدية أو خصيمة للوفد.
ومن الصحف التي برزت في تلك الأيام وتقدمت الصفوف "الجمهور المصري" و"الاشتراكية " وهما صحيفتان تمثلان اتجاهًا معينًا، وإن كانت الثانية أكثر وضوحًا في رسالتها، فهي تدعو إلى مذهب الاشتراكية وتعمل على أن يسود هذا المذهب بالطرق المشروعة، ولا يخفى علينا أن الدعوة الاشتراكية قد يضطر أحيانًا مثل هذه الصحف إلى أن تعنف في عبارة أو تعبير، الأمر الذي جعل حياتها نهبًا للمصادرة والمحاكمات المختلفة.
هذا هو التيار الجديد الذي سرى في صحافة مصر إذ ذاك، وهذا التيار يحمل في أعطافه أسماء عشرات الصحف التي لا محل لذكرها هنا بعد أن سجلناها في ثبت خاص منشور في عجز هذا الكتاب، هذا إلى كثير من الصحف الحزبية التي ظهرت، وليس في رسالتها جديد إلا الفكرة الحزبية الخالصة كصحيفة الأساس لسان حال الحزب السعدي، وهي لا تختلف عن السياسة لسان الأحرار الدستوريين والمصري الوفديين والكتلة لمؤسسها مكرم عبيد.
стр. 214
ويستطيع المؤرخ أن يلم بنشاط الصحافة المصرية في هذه الحقبة ويوضح اتجاهها جملة فقد رأينا أن الصحافة المصرية دعت إلى أن تعمل مصر لتحقيق مصالحها الخاصة ولا ترتبط بأمة من الأمم فلم تشر إلى تركية أو تتجه إلى فرنسا بل جعلت دأبها خلق رأي عام ممهد خير تمهيد يعتمد على نفسه في تحقيق آماله، لذلك كان فضل الصحافة عظيمًا في هذا الميدان، وإذا كان الصحافة الوفدية قد تكفلت بالقسط الأكبر من الحركتين الدستورية والاستقلالية وكان لها في ذلك أخطر الأثر من غير شك، فإن صحافة الأحرار الدستوريين شغلت الرأي العام بالنواحي العلمية والاجتماعي وبكل رأي حر، وأثارت حفيظة الرجعيين عليها وأبت أن يستبد هؤلاء الرجعيين بكل فكرة جديدة.
وقد أثر عنها عن رجالها أزمات لا تزال الذاكرة تحفظها، فقد أثار تعصب المحافظين نظرة قال بها عالم من العلماء هو "علي عبد الرازق" الذي انتهى في بحثه عن الخلافة إلى ضرورة فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية، واشتد النزاع بين صحافة الأحرار بين حكومة ذلك الوقت، وانتهى الأمر باستقالة الوزارة نفسها ونشأت أزمة دستورية مصرية أعقبها ائتلاف الأحرار مع الوفد، وكذلك حمت صحف الأحرار الدكتور طه حسين من الحكومات وبطشها حين نشر مؤلفه عن الشعر الجاهلي، وكاد أمر طه حسين يفصم الائتلاف بين الحزبين الرئيسين "الوفد المصري والأحرار الدستوريين" في سنة ١٩٢٧.
وبهذا لفتت جريدة "السياسة" المصريين إلى مسائل لا تتصل بالأمور السياسيين وحدها كما صنعت سياسة الوفد، ولا شك أن الموضوعات التي أثارت والقضايا التي وكلت بالدفاع عنها كانت موضوعات وقضايا تترجم عن أصحاب الفكرة الحرة في مصر وهي موضوعات وقضايا قرأها الشرق الأدنى وليس يعني المؤرخ أن يرفض هذا الشرق المتزمت هذه النظريات الجديدة أو يقبلها وإنما نقرر أن الشرق الأدنى قد أحس أن جريدة "السياسة" ومحرريها يذيعون أشياء لم يعتدها المصريون من قبل.
стр. 215
وكان بجانب "السياسة" في الشق المعارض من المحاظين الشيخ رشيد رضا ومناره، فقد نجح "المنار" في شمال إفريقية وذاع أمره وانتشر في تلك الجهات انتشارًا مكن للفكرة الإسلامية، وقد دأب "المنار" على نشر الفتاوى الإسلامية التي جاءته من جزء الهند الهولندية الشرقية وأعماق إفريقية وهذا مصدر من مصادر النفوذ الأدبي المصري لم يحسه المصريون في مصر ولم يقدروه حق قدره، وبذلك لم يستطع المصلحون من الأحرار أن يحتكروا وحدة العلاقات الخارجية بل ساهم المحافظون فيها من أمثال رشيد رضا وأحمد زكي باشا.
والصحافة المصرية في تلك الأيام كانت تتميز بفضل لا شك فيه، فقد لعبت دورًا عظيمًا في إحياء الأدب العربي في الصحف اليومية والصحف الأسبوعية والشهرية، فقد حفلت هذه الدوريات بخير ما أنتج شعراء وأدباء مصر من شعر ونثر وفتحت صدرها للبحوث العلمية والأدبية ونوعت في هذه النواحي الثقافية فأشاعت القصة فيها، وأخذت عن الصحف والكتب والمجلات الغربية خير ما فيها، وهيأت بذلك للأدب العربي فرصة احتمال ما لم يكن يحتمله من المعاني الجديدة، وبرهنت على أن اللغة العربية قادرة على أداء وظيفتها بين اللغات الحية.
وللصحافة المصرية المعاصرة فضل غير منكور في تطور الصحافة في البلاد العربية المختلفة إذ اتخذتها مثلًا لها وحاولت السير على أثرها كما نقلت عنها أهم المقالات في السياسة والأدب والاجتماع، وقد احتضنت الصحافة المصرية كثيرًا من الشخصيات الموهوبة حقًّا التي أفادت في تنوير الرأي العام وتقويم آرائه، والصحافة المعاصرة هي التي أظهرت مصر بمظهر البلد الذي لا يقنع بأن يكون قلب العالم العربي بمركزه الجغرافي وحده بل إنه قلبه بالفكر، وبالاهتمام الدائم بكل جديد على الرغم من الأزمات المختلفة في حياته السياسية والاقتصادية.
ويجب أن نختص القاهرة بفضلها الصحفي قبيل الثورة، فهي أكثر