المسلمين حين حرقوا كتب العلم الإنجليزية، فقد اعتبر ذلك تعصبًا لا يتفق ورسالة الإسلام التي تدعو للعلم، وتدفع إليه ولو كان في الصين ..
أما ما كان للأستاذ المازني من كتب، فتلك قصة لا تروى بين سجل الصحافة المصرية، فإنه فيها علم قلما يجاريه واحد أو اثنان من كبار أدباء الجيل وعن هذه الكتب ارتشفت أجيال متصلة معينًا من الأدب لا ينضب، ولا تزال كتبه -وستبقى- جدولًا فياضًا يعيش على الزمن، ويصلح لكل زمن.
ثم أخذت الأحداث تجري على غير نظام ثابت فيومًا تتمتع الصحف بحريتها ويومًا تضطهد اضطهادًا منقطع النظير، وفي خلال ذلك صدرت جريدة "الجهاد" لمحمد توفيق دياب صحيفة وفدية للصباح ثم زاملتها جريدة "روز اليوسف" إلى أن اختلف محررو هاتين الصحيفتين الوفديتين مع المسئولين فاستعيض عنهما بجريدة "المصري" لأصحابها محمود أبو الفتح، ومحمد التابعي، وكريم ثابت وبعد سنة ١٩٣٨ انفرد بها أبو الفتح وأشرف الوفد المصري على سياستها على أن تكون لسانًا له وهي أول صحيفة رسمية لهيئة الوفد منذ تكونت.
وكان بجانب هذه الصحف اليومية صور منها أسبوعية فقد أصدر الأحرار الدستوريون "السياسة الأسبوعية" في ١٣ مارس سنة ١٩٢٦ في ست عشرة صفحة كبيرة للآداب والعلوم والتاريخ والقانون والسياسة المصرية والشرقية والدولية، كما وجدت بها صور رمزية وقسم مصور لأهم الحوادث والأشخاص ومن أمتع ما رأيناه فيها باب "في المرآة" للشيخ البشري، وسار على هذا الدرب "البلاغ" فأصدر صاحبه "البلاغ الأسبوعي" في ٢٦نوفمبر سنة ١٩٢٦ كما ذكرنا من قبل، وهو تقليد "للسياسة الأسبوعية" وكان من أهم محرريه عباس العقاد ومحمد السباعي والأستاذ صبري أبو علم أفندي والأستاذ محمود سليمان غنام أفندي في حجم أصغر من "السياسة" وإن صدر أحيانًا في ثمانٍ وعشرين صفحة ولكنه تميز بصوره الكاريكاتورية البديعة.
стр. 212
ثم صدرت في مطلع الحركة الوطنية صحيفة تأثرت أبا نظارة هي "الكشكول المصور" لسليمان فوزي وكانت "جريدة مصورة اجتماعية انتقادية" عرفها المصريون في ٢٤ مايو عام ١٩٢١وكانت مثلًا طيبًا للصحافة الهزلية وعاصرت التطور السياسي في مصر إلى أن قضى صاحبها منذ سنوات، وعن مدرسته صدرت "روز اليوسف" و"آخر ساعة" وما إليها من المجلات المماثلة.
ولم تعمر "السياسة الأسبوعية" أو "البلاغ الأسبوعي" طويلًا، فقد احتجبتا حين طغت السياسة على مصدريهما فشغلهم النشاط فيها، فأصدر أحمد حسن الزيات في ١٥ يناير سنة ١٩٣٣ مجلة "الرسالة" باشتراك طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وكانت خطتها "ربط القديم بالحديث ووصل الشرق بالغرب" وفي سنة ١٩٣٦ أصدر الدكتور محمود عزمي صحيفة "الشباب" صحيفة مستقلة الرأي بعيدة عن الأحزاب غير أن صاحبها مزج فيها بين السياسة وألوان الثقافة الأخرى وأشرف بطابعه الخاص على أكثر فصولها وكادت هذه الصحيفة أن تملأ الفراغ مع "السياسة، والبلاغ" الأسبوعي لولا أن العقبات المالية والأحوال السياسية حالت دون استمرارها فطويت صفحاتها وشغر تاريخ الصحافة المصرية من نظير لها حتى اليوم، ثم انفردت لجنة التأليف بصحيفة خاصة بها هي مجلة "الثقافة" التي صدرت في ٣٢ يناير عام ١٩٣٩ لصاحب امتيازها أحمد أمين وذكرت أنها "تتقدم للعالم الشرقي مؤمنة بقدرتها بنفسها وبأصدقائها شاعرة بتبعيتها مقدرة لواجبها واثقة بقرائها".
وقد شهدت الصحافة المصرية قبيل ثورة ١٩٥٢ ألوانًا جديدة من الصحف والمجلات فيها ابتكار، سواء اتصل هذا الابتكار بشكلها أو بتحريرها، وفيها حماس للفكرة ليس في تاريخ الصحافة المصرية نظير له؛ لأن هذا الحماس استمده أصحابه من المذاهب السياسية الحديثة كالاشتراكية مثلًا
стр. 213
وترتب على ذلك أن عرضت هذه الصحف الجديدة لأفكار وآراء لم يسمع بها الرأي العام المصري في نطاق واسع.
ومن هذه الصحف "أخبار اليوم" وهي ليست صحيفة مذهب اجتماعي، ولا تعبر عن فكرة سياسية خاصة، بل أهم ما يبدو في رسالتها مخاصمة الوفد المصري سواء كان في الحكم أو في المعارضة، بيد أنها وزميلتاها "آخر ساعة" و"آخر لحظة" تتميز بالتفوق في الفن الصحفي من حيث الإخراج والسبق الصحفي، وتلوين مادتها بكثير من الموضوعات الطريفة الجذابة، كما تمتاز بمجموعة من الأقلام القوية كأقلام محمد التابعي وصاحبها مصطفى وعلي أمين وتوفيق الحكيم وإن آثر الأخير وظائف الدولة على التحرير فيها.
ولا نستطيع أن نتعقب الصحف التي صدرت مقلدة لأخبار اليوم حتى في شكلها وحجمها فهي كثير وأقل أهمية، وليس لها في ميدان الصحافة نصيب من الأهمية والاعتبار، سواء كانت صحفًا وفدية أو خصيمة للوفد.
ومن الصحف التي برزت في تلك الأيام وتقدمت الصفوف "الجمهور المصري" و"الاشتراكية " وهما صحيفتان تمثلان اتجاهًا معينًا، وإن كانت الثانية أكثر وضوحًا في رسالتها، فهي تدعو إلى مذهب الاشتراكية وتعمل على أن يسود هذا المذهب بالطرق المشروعة، ولا يخفى علينا أن الدعوة الاشتراكية قد يضطر أحيانًا مثل هذه الصحف إلى أن تعنف في عبارة أو تعبير، الأمر الذي جعل حياتها نهبًا للمصادرة والمحاكمات المختلفة.
هذا هو التيار الجديد الذي سرى في صحافة مصر إذ ذاك، وهذا التيار يحمل في أعطافه أسماء عشرات الصحف التي لا محل لذكرها هنا بعد أن سجلناها في ثبت خاص منشور في عجز هذا الكتاب، هذا إلى كثير من الصحف الحزبية التي ظهرت، وليس في رسالتها جديد إلا الفكرة الحزبية الخالصة كصحيفة الأساس لسان حال الحزب السعدي، وهي لا تختلف عن السياسة لسان الأحرار الدستوريين والمصري الوفديين والكتلة لمؤسسها مكرم عبيد.
стр. 214
ويستطيع المؤرخ أن يلم بنشاط الصحافة المصرية في هذه الحقبة ويوضح اتجاهها جملة فقد رأينا أن الصحافة المصرية دعت إلى أن تعمل مصر لتحقيق مصالحها الخاصة ولا ترتبط بأمة من الأمم فلم تشر إلى تركية أو تتجه إلى فرنسا بل جعلت دأبها خلق رأي عام ممهد خير تمهيد يعتمد على نفسه في تحقيق آماله، لذلك كان فضل الصحافة عظيمًا في هذا الميدان، وإذا كان الصحافة الوفدية قد تكفلت بالقسط الأكبر من الحركتين الدستورية والاستقلالية وكان لها في ذلك أخطر الأثر من غير شك، فإن صحافة الأحرار الدستوريين شغلت الرأي العام بالنواحي العلمية والاجتماعي وبكل رأي حر، وأثارت حفيظة الرجعيين عليها وأبت أن يستبد هؤلاء الرجعيين بكل فكرة جديدة.
وقد أثر عنها عن رجالها أزمات لا تزال الذاكرة تحفظها، فقد أثار تعصب المحافظين نظرة قال بها عالم من العلماء هو "علي عبد الرازق" الذي انتهى في بحثه عن الخلافة إلى ضرورة فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية، واشتد النزاع بين صحافة الأحرار بين حكومة ذلك الوقت، وانتهى الأمر باستقالة الوزارة نفسها ونشأت أزمة دستورية مصرية أعقبها ائتلاف الأحرار مع الوفد، وكذلك حمت صحف الأحرار الدكتور طه حسين من الحكومات وبطشها حين نشر مؤلفه عن الشعر الجاهلي، وكاد أمر طه حسين يفصم الائتلاف بين الحزبين الرئيسين "الوفد المصري والأحرار الدستوريين" في سنة ١٩٢٧.
وبهذا لفتت جريدة "السياسة" المصريين إلى مسائل لا تتصل بالأمور السياسيين وحدها كما صنعت سياسة الوفد، ولا شك أن الموضوعات التي أثارت والقضايا التي وكلت بالدفاع عنها كانت موضوعات وقضايا تترجم عن أصحاب الفكرة الحرة في مصر وهي موضوعات وقضايا قرأها الشرق الأدنى وليس يعني المؤرخ أن يرفض هذا الشرق المتزمت هذه النظريات الجديدة أو يقبلها وإنما نقرر أن الشرق الأدنى قد أحس أن جريدة "السياسة" ومحرريها يذيعون أشياء لم يعتدها المصريون من قبل.
стр. 215
وكان بجانب "السياسة" في الشق المعارض من المحاظين الشيخ رشيد رضا ومناره، فقد نجح "المنار" في شمال إفريقية وذاع أمره وانتشر في تلك الجهات انتشارًا مكن للفكرة الإسلامية، وقد دأب "المنار" على نشر الفتاوى الإسلامية التي جاءته من جزء الهند الهولندية الشرقية وأعماق إفريقية وهذا مصدر من مصادر النفوذ الأدبي المصري لم يحسه المصريون في مصر ولم يقدروه حق قدره، وبذلك لم يستطع المصلحون من الأحرار أن يحتكروا وحدة العلاقات الخارجية بل ساهم المحافظون فيها من أمثال رشيد رضا وأحمد زكي باشا.
والصحافة المصرية في تلك الأيام كانت تتميز بفضل لا شك فيه، فقد لعبت دورًا عظيمًا في إحياء الأدب العربي في الصحف اليومية والصحف الأسبوعية والشهرية، فقد حفلت هذه الدوريات بخير ما أنتج شعراء وأدباء مصر من شعر ونثر وفتحت صدرها للبحوث العلمية والأدبية ونوعت في هذه النواحي الثقافية فأشاعت القصة فيها، وأخذت عن الصحف والكتب والمجلات الغربية خير ما فيها، وهيأت بذلك للأدب العربي فرصة احتمال ما لم يكن يحتمله من المعاني الجديدة، وبرهنت على أن اللغة العربية قادرة على أداء وظيفتها بين اللغات الحية.
وللصحافة المصرية المعاصرة فضل غير منكور في تطور الصحافة في البلاد العربية المختلفة إذ اتخذتها مثلًا لها وحاولت السير على أثرها كما نقلت عنها أهم المقالات في السياسة والأدب والاجتماع، وقد احتضنت الصحافة المصرية كثيرًا من الشخصيات الموهوبة حقًّا التي أفادت في تنوير الرأي العام وتقويم آرائه، والصحافة المعاصرة هي التي أظهرت مصر بمظهر البلد الذي لا يقنع بأن يكون قلب العالم العربي بمركزه الجغرافي وحده بل إنه قلبه بالفكر، وبالاهتمام الدائم بكل جديد على الرغم من الأزمات المختلفة في حياته السياسية والاقتصادية.
ويجب أن نختص القاهرة بفضلها الصحفي قبيل الثورة، فهي أكثر
стр. 216
المدن المصرية احتفاء بالصحافة والصحفيين، وتجاوزت جرائدها مائتي جريدة عربية وأكثر من ستين صحيفة فرنجية على حين لم تبلغ صحافة الأقاليم تسعين صحيفة من بينها صحف المواني المصرية وهي قليلة إذ قيس عددها الضئيل بعدد السكان الكبير، وهذا مما يثبت قدرة القاهرة على تغذية البلاد من الناحية العقلية.
وإذا أردنا أن نعطي صورة لأنواع الصحافة المصرية المعاصرة فيجب أن نذكرها في ألوانها التي تخصصت لها، فنجد في صحف مصر كما هي الحال في جميع صحف العالم، جرائد يومية كبيرة للأخبار تظهر في الصباح والمساء، وعلى رأس هذه الصحف جريدة "الأهرام" لتاريخها القديم وتنظيمها الرائع وشهرتها في مصر وخارجها، ثم نجد بجانب "الأهرام" أو "المقطم" صحفًا تطبع لمصلحة حزب أو أحزاب مختلف وذلك لإقناع الرأي العام برأي هذه الأحزاب، وهي أحيانًا واسعة الانتشار لها أثرها في المدن والريف.
وهناك صحافة أسبوعية أو نصف شهرية ليست لها صبغة سياسية خاصة أو ثقافية خاصة، وهذه الصحف رائجة السوق مقروءة في معظم البيئات؛ لأنها تعني بالأزياء والسينما والروايات البوليسية والراديو والألعاب الرياضية وغير ذلك من النواحي التي تلذ للجمهور المصري مطالعتها، ويتجه بعض هذه الصحف إلى الشباب والبعض الآخر إلى العالم النسائي كمجلة "بنت النيل"، وهذا النوع من الصحافة المصرية لا يصدر إلا باللغة العربية وله نشاطه المعروف ولا يقل شأنًا عن الصحافة الأوربية في هذا الباب.
وإذا أغفلنا الجرائد ذات الطابع المحلي الخاص نصل إلى طائفة ليست خاصة بمصر وحدها ونعني بها المجلات الأدبية والعلمية الكبرى مثل الهلال والمتقطف والرسالة والثقافة وغيرها، ولا شك أن سهمها أعظم بكثير من سهم زميلاتها في أوربا، ويرجع ذلك إلى الأثر الملحوظ لها في النهضة الأدبية والفكرية، كما تتميز بالتنظيم الرائع في حياتها الصحفية، وتعتبر "الهلال" مثلًا طيبًا لهذا التنظيم فالهلال عبارة عن أسرة كبيرة منظمة تضم دورًا ثلاثًا
стр. 217
إذا اجتمعت لأي صحيفة كان نصيبها قطعًا الرواج والانتشار، لها هيئة تخصصت للون من التحرير، ولها مطبعة على أحدث طراز ثم لها دار للنشر والتوزيع، ولها فوق ذلك حظ موفور من تأييد جمهور الأدباء والكتاب المشهورين.
و"الهلال" كبيت للطبع والنشر يشرف على عدة مجلات من أهمها "المصور" ويعني بحياة الأبهاء "الصالونات" ويصور الحياة الاجتماعية ويمس الشئون السياسية باعتدال وكانت تصدر عن هذا البيت الصحفي مجلة "الاثنين" وهي تشبه من قريب مجلة "المصور" وتضيف القصة القصيرة إلى صفحاتها، كما خصصت جزءًا منها للسينما والمسرح والصور الكاريكاتورية، وقد أصدرت دار الهلال صحيفة " Images" باللغة الفرنسية وهي مصورة كزميلتها السابقتين وصدى لهما في بيئة الأجانب في مصر، وإذا تخصص لمجلات الهلال كتاب محترفون فإن "الهلال" نفسه لا يحرر إلا بمقالات يؤجر عليها الكتاب المعروفون في مصر والشرق العربي أو ينشر قصصًا قديمة سبق نشرها.
وإلى جانب الصحافة الأدبية التي جعلنا دار الهلال مثلًا لها في الإنتاج والإخراج توجد الصحافة الفكاهية والصحافة النسائية، أما الأولى فصحافة مصورة وهي صحافة مذهب وعقيدة وهي دائمًا إلى جانب المعارضة ومعارضتها أشد ما تكون خطرًا وأثرًا، وهي تستعمل اللهجة المصرية الخالصة، وللغة العامية حظ كبير فيها، وهنا موضع الخطر فإن استعمال بعضها للغة الغالبة في الحياة المصرية يجعل قراءتها ميسورة على جميع الناس ويصبح أثرها عميقًا في الجموع الشعبية، وهي صحف لا تروج في أوقات الهدوء السياسي، بل يغلب نشاطها وازدهارها كلما تحرجت الحياة السياسية، ويلاحظ أن اللغة العربية تغلبت على اللغة العامية في تلك الصحف.
أما الصحافة النسائية فهي أيضًا قد نشأت صحافة رأي ومذهب، وكان التفكير في إنشاء مثل هذه الصحف غريبًا على العقلية المصرية التي حجبت المرأة أجيالًا عن الحياة العامة وحالت دون تعليمها، وقد دافعت الصحف
стр. 218
المعاصرة عن حقوق الفتاة المصرية في التعليم وغيره من مظاهر الحياة الرفيعة، غير أن المرأة حاولت مرارًا أن تأخذ على عاتقها حق الدفاع عن كيانها ومهدت لها الحركة الوطنية ذلك الأمر بعد أن ساهمت بنصيب ملحوظ فيها، وقد ظهرت في عالم الصحافة النسائية "فتاة الشرق" للبيبة هاشم و"حواء الجديدة" لروز حداد، و"المصرية" لهدى شعراوي، ولكن هذه الصحف جميعًا أصابتها أزمات اقتصادية متصلة فعجزت عن الصدور ولكنها نجاحها يتمثل في الحقوق التي اكتسبتها الفتاة المصرية في التعليم وبعض وظائف الدولة، وقد ورثت مجلة "بنت النيل" لصاحبتها الدكتور درية شفيق هذه الصحف جميعًا، ومضت تؤدي رسالتها هي وزميلتها الفرنسية La Femme Nouvelle في خدمة قضايا المرأة ملحة في أن تكون لها جميع الحقوق التي للرجال وفي مقدمتها الحقوق السياسية، وهي حق الانتخاب، وحق الترشيح لعضوية المجالس النيابية، وحق تولي الوظائف العامة كمنصب الوزيرة ووكلاء الوزارة ومديري العموم، وقد تحققت هذه المطالب جميعًا بعد قيام ثورة يوليو، ولكن "بنت النيل" أغلقت حيث اختلفت صاحبتها مع النظام الناصري بعد حرب ١٩٥٦.
عرضنا في هذا الفصل وفي الفصول السابقة التفاصيل التي اتصلت بنشأة الصحافة المصرية وتطورها، عرضنا لهذا التاريخ وخلصنا من هذا العرض ببضع حقائق ذكرناها في موضعها، ويجدر بنا ونحن نختم هذا البحث أن نقرر ثلاث مسائل صاحبت الحياة الصحفية في جميع مراحلها، فأول ما يؤكده لنا تاريخ هذه الصحافة أنها عاشت في أعطاف فكرتين، الحركة العربية والقومية المصرية، ولم تسبق الأولى الثانية أو تطغ عليها قط، فالصحافة الرسمية في عهد محمد علي إما صحافة لمصر وحدها أو صحافة لمصر وتركيا معًا، وكذلك كان الأمر في تلك الصحافة في عهد الخديوي إسماعيل وإن غلبت الفكرة المصرية فيها كل فكرة أخرى، ثم لاحظنا أن الصحافة الشعبية مزجت بين القومية العربية والقومية المصرية وخاصة في أواخر عهد إسماعيل وطوال حكم توفيق،
стр. 219
ويصور هذا الاتجاه أديب إسحاق وأقرانه من الصحفيين المتمصرين، ويرى الشيخ محمد عبده هذا الرأي في "العروة الوثقى" وإن جعل مصريته أكبر من عروبته، ثم هدأت هذه النعرة بعدئذ، وإن بقيت بعض الصحف المصرية واضحة الميول نحو الفكرة العربية، وخلا هذا التفكير من صحافة الحزب الوطني الذي زاوج بين الأماني المصرية والتركية وأنكر فكرة العروبة في مجهوداته؛ لأنها تتعارض مع السلطنة العثمانية، ثم عادت فكرة العروبة في الصحافة المصرية بعد الحرب العظمى غير أن القومية المصرية كانت شيئًا لا يقاوم ولا يغلبه أي معنى من المعاني الأخرى، وأصبح الصحفيون الأحرار لا يرون مصر جزءًا من البلاد العربية بل جزءًا من الشرق الأدني له الصدارة التي لا يغلبه فيها شعب من الشعوب الشرقية، وذلك لجهاده الطويل الشاق ومكانه المقدور له من الحياة الدولية العامة.
والمسألة الثانية التي تتميز بها صحافة مصر أنها عاشت صحافة رأي مذهب ويؤكد هذه الحقيقة التاريخية اتجاه التشريع الخاص بها إلى التزمت والتضييق وهذه الاضطهادات التي لقيتها منذ نشأتها إلى اليوم وهي كثيرًا ما فنيت في مذهبها وصرعت لرأيها، ولعلها من هذه الناحية تفضل صحافة بعض الدول الغربية التي سيطرت عليها تيارات خفية من الرشا وشراء الضمائر، غير أن المصاعب المالية -وهي نقطة الضعف في صحافتنا- لم تبق على كثير من الصحف الحرة التي تزين تاريخ الصحافة المصرية، وقد تبقيت صحافتنا قوة ينكرها الأجانب في مصر والخارج، وأكبر الظن أن هذه النظرة إلى الصحافة المصرية قد تغيرت بعد الثورة العرابية، وآية ذلك أن "العروة الوثقى والمؤيد" وصحف الحزب الوطني أفسدت على الإنجليز هدوءهم فمنعوا دخولهم جميعًا في السودان أو في مستعمراتهم المختلفة، وكذلك كان موقف فرنسا وإيطاليا منها في إيالاتهما المتباينة، وهي قوة لا شك في قدرها إذا علمنا أن صحافتنا المصرية تقرأ في بلاد الشرق الأدنى أكثر مما تقرأ صحافة تلك البلاد، وفي ذلك ما يؤيد قوتها ويعلن خطرها.
стр. 220
والمسألة الثالثة التي لاحظناها في الصحافة المصرية أنها بالرغم من تقدم الزمن بها، واتساع أفق النشاط أمامها صحافة تعنى بالجدل السياسي، ومصدر هذا نعتقد تسلط الروح الحزبي عليها ففقد الخبر مكانه وطغى المقال عليه، وهنا تبدو الفروق واضحة بينها وبين الصحافة الغربية التي قد تنوع في مقالها ولا تقصره على ناحية من النواحي مهما تغل في حزبيتها، بيد أنها تقدم الخبر عليه وتحله محل الصدارة من نشاطها وجهدها.
стр. 221
مقدمة لتاريخ الصحافة المصرية من ١٩٤٠ - ١٩٨١
مدخل
...
مقدمة: لتاريخ الصحافة المصرية من ١٩٤٠ - ١٩٨١
في هذه الخاتمة إضافات جديدة لم تعرفها الطبعات السابقة من هذا الكتاب وتضم فصلين، أحدهما يعالج تاريخ الصحافة المصرية من سنة ١٩٤٠ إلى سنة ١٩٥٢، وثاني الفصلين يناقش دورها منذ حركة الجيش في يوليو ١٩٥٢ إلى نهاية عهد الرئيس محمد أنور السادات في سنة ١٩٨١.
ولا أزعم أني قد وفقت كل التوفيق في تسجيل هذا التاريخ في الحقبتين المذكورتين، وقد جاهدت نفسي حتى أكون موضوعيًّا حين أبسط الرأي، فأنا واحد ممن عاشوا هذا التاريخ قبل ثورة يوليو، ولا يزال يعيش مع الملايين الذين يدبون على الأرض ويتعصبون لهذا التاريخ بالحق والباطل، لذلك كانت محاولتي كشف الحقيقة وبيان المستور دون تأثر بما كان حولي، وهو أمر دقيق، وخاصة في الفصل الثاني الذي يترعض لتاريخ الصحافة في عهد الثورة، فأصحاب هذا التاريخ لا يزال معظمهم أحياء، والتاريخ -كقاعدة- لا يكتب وأصحابه أحياء.
وتقول الأساطير الفارسية إن الملك ولي العرش بعد وفاة أبيه، وكان شديد الوفاء له، وكان الملك الراحل صاحب منجزات، فأراد ابنه أن يسجل هذه المنجزات، فدعا المؤرخين وطلب إليهم أن يضعوا في سيرة أبيه ومنجزاته كتابًا يرجع إليه طلاب العلم في المقبل من الأجيال، وإلا سيطر عليهم سلطان الحاكم، وأصبح هذا التاريخ مضغة في الأفواه؛ لأن التاريخ لا يكتب وأصحابه أحياء، والملك الراحل لا يزال حيًّا في شخصك يا مولاى.
لذلك كانت المحاولة لكتابة الفصل الثاني من هذه الخاتمة لمن يحاول أن يبرز الصحيح في تاريخ الصحافة المصرية في هذه الحقبة من الزمان.
стр. 222
هذا فضلًا عن التشويش الذي سوف يقابله المؤرخ وهو يعالج تاريخ الصحافة في هذه الفترة، فالكتب التي صدرت والمذكرات التي طبعت والمقالات التي نشرت، والأحاديث التي أذيعت، كلها يناقض بعضها بعضًا، ويكاد يعجز القارئ لها أو المستمع إليها عن أن يستشف منها شيئًا صحيحًا لا يأتيه الباطل من أي جانب.
وقد ترددت كثيرًا في دراسة هذا التاريخ، وفكرت أن أصدر هذه الطبعة صورة لما سبقها من الطبعات التي وقفت بهذا التاريخ عند سنة ١٩٤٠، غير أن الأصدقاء من تلاميذي أساتذة كلية الإعلام ألحوا على أن أحاول ما استطعت فأكتب سيرة الصحافة المصرية في السنوات الأربعين الأخيرة حتى تصبح الطبعة الجديدة من هذا التاريخ كاملة تحكيه في نحو قرنين من الزمان.
وأرجو أن يغفر لي القارئ إن بدا في هذين الفصلين شيء من قصور فقد حاولت أن أشق صدري وأنفض عنه الهوى حتى يصبح عرض الفصلين صادقًا أمينًا كسائر فصول هذا الكتاب.
стр. 223
الصحافة المصرية من عام ١٩٤٠ إلى عام ١٩٥٢:
تعتبر هذه الفترة من تاريخ الصحافة المصرية أزهى الفترات التي عاشتها صحافتنا فقد كانت تعيش في ظل الأحكام العرفية معظم هذه الحقبة في أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم عدة سنوات أخرى خلال حرب فلسطين.
وبالرغم من الرقابة العنيفة التي فرضت على هذه الصحافة بمقتضى الأحكام العرفية، واستغلال جميع الأحزاب لهذه الرقابة التي كبتت كل رأي وحاربت كل فكر، فإن الصحفيين عاشوا أحداث تلك الأيام مجاهدين أبطالًا، وكافحوا طغيان الحاكم بلباقة مكنتهم من تسجيل عورات النظام، وكشف المستور من سوآته، وبيان وجه الحق في المسائل العامة التي كانت تهز أعصاب المواطنين وتؤرق حياتهم في تلك الأيام.
وكانت هناك نحو مائة جريدة ومجلة معظمها تصدر باللغة العربية، وظهرت في تلك الأيام وقبيلها بقليل دور جديدة للنشر ومؤسسات صحفية مصرية خالصة في مقدمتها المصري وأخبار اليوم، لتنافس صحافة الشاميين المتمصرين، كالأهرام والمقطم ودار الهلال وغيرها، وجاءت صحافة المصريين بجديد في الفن الصحفي لم يعرف في الصحف الأخرى.
وكانت "المصري" التي آل مصيرها آخر الأمر إلى محمود أبو الفتح وأسرته قد نضجت مفاهيمها الصحفية في الأربعينات متأثرة بالصحافة الإنجليزية كماظهرت "أخبار اليوم" بفنها الصحفي الجديد متأثرة بالصحافة الأمريكية، وبدت المصري وكأنها لسان الوفد وهو أكبر الأحزاب المصرية وصاحب الجهاد الكبير من أجل الاستقلال والديمقراطية أكثر من ثلاثين عامًا، وكان يجري في فلك سياسة المصري صحف وفدية أخرى أكثر تطرفًا وإن لم تبلغ
стр. 224
مكانة المصري في الإخراج والتحرير أو في الانتشار أو التأثير في الرأي العام١.
وكانت أخبار اليوم على رأس الصحف المعارضة للوفد، وكان يجري في فلكها أيضًا صحف أخرى لم تستطع جميعها أن تنال من الوفد شيئًا، فانكمشت أو احتجت وبقيت أخبار اليوم في ميدان المعارضة بفنها الصحفي الجديد، وموضوعاتها المثيرة وقدرة صاحبيها مصطفى وعلي أمين على جذب القراء بما كانت تعالج من أمور الساعة أو تنشر من الأخبار الخطيرة ما عز على الصحف الأخرى الحصول عليها أو منافستها في ذلك الميدان٢.
وكانت هناك الصحف القديمة كالأهرام التي صدرت في سنة ١٨٧٦ وهي صحيفة وقور عاصرت حياة مصر، وكانت إلى جانب نهضة البلاد معظم تاريخها، وبلغت حد التطرف في ثورة ١٩١٩ ثم التزمت الحيدة في الشئون السياسية بعد ذلك، حتى بدت صورة من جريدة التايمز اللندنية فلا تنشر خبرًا يشوبه الشك أو تعالج حدثًا إلا من الناحية الموضوعية، كما أخذت على نفسها أن تكون اللسان الرسمي للحكومة المصرية -حكومة أي حزب- وإن لم يمنع ذلك من فتح صدرها وصفحاتها للمعارضة بين آن وآخر.
стр. 225
وكانت "المقطم" الصحيفة الشامية الثانية التي صدرت منذ أكثر من ثمانين عامًا في حجر الإنجليز، ومضت لسانًا لهم بالحق والباطل، ومطية لكل حكومة تحكم البلاد.
وكانت هناك صحف ومجلات أخرى معظمها ألسنة لأحزاب الأقلية تعالج الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية كالبلاغ والسياسة والدستور والكتلة وغيرها وإن لم تبلغ إحداها شأو ما ذكرنا من صحف، كما ظهرت إبان الفترة التي نعرض لها في هذا الفصل صحف تمثل المذاهب الاجتماعية الجديدة، كالاشتراكية والشيوعية وفي مقدمتها صحف أحمد حسين وهي مصر الفتاة والاشتراكية والشعب الجديد والصرخة والضياء والثغر.
كما ظهرت في عهد الحكومة الوفدية الأخيرة "١٩٥٠ - ١٩٥٢" أخطر الصحف اليسارية، ومنها: الملايين، والجمهور العربي، والفجر الجديد، وكانت حرية الصحافة في ذلك الوقت قد بلغت عصرها الذهبي، إذ رفعت الحكومة عن كاهل الصحف الرقابة وألغت الأحكام العرفية، ولم تصادر صحيفة إلا بحكم قضائي، ولم تمنع صحيفة من الصدور، وكانت تراخيص الصحف تمنح بلا عائق بالرغم من علم الحكومة بأن جميع الصحف الجديدة تمثل جبهة تعارضها وتتحداها، وتهاجمها في قسوة وعنف وفي شيء من التجني أحيانًا.
وكانت تلك الصحف الشيوعية أو اليسارية لا تؤثر في الكتلة الشعبية الضخمة التي تدين بالولاء لحزب الوفد، وإنما كان تأثيرها واضحًا وملموسًا في بعض بيئات المتعلمين، وكانت صحفًا لا ينكر فضلها في علاج المشاكل الاقتصادية والدفاع عن العامل والفلاح، ومهاجمة الحكومة والملك والإنجليز بعنف منقطع النظير، وفي شجاعة دفعتها إلى المطالبة بثورة تطيح بالنظام، الأمر الذي عرض أصحابها للمحاكمة التي أنصفها فيها القضاء، وقد شاركها في المطالبة بإصلاح حال الكادحين بعض صحف الحكومة الوفدية كالمصري،
стр. 226
وبعض الصحف المعارضة كأخبار اليوم التي دأبت على نشر المقالات النارية أيام الأحكام العرفية وبعدها١.
وبرز في تلك الفترة نشاط ملحوظ في صفوف الجماعات الإسلامية التي بلغت أوجها في جماعة الإخوان المسلمين وهي جماعة قادها مدرس من الإسماعيلية، وكان خطيبًا مفوهًا وعالمًا في شئون الدين، واستهوت دعوته كثيرًا من الشباب، واستقطب شخصيات لها تاريخ، وكان ظهور الإخوان المسلمين ضرورة تاريخية وحتمية لظهور الشيوعيين والاشتراكيين، إلا أن الدعوة الإسلامية الجديدة هددت الأحزاب جميعًا فحاربتها الأحزاب جميعًا، وإن كان الوفد أقل الأحزاب كراهية لها وأقلها حربًا عليها، وكان للإخوان صحف ومنشورات ومقر معروف، فحوربوا في صحفهم واضطهدهم الحزب السعدي خاصة اضطهادًا شديدًا حين شارك في الحكم بعد وزارة الوفد التي أقيلت سنة ١٩٤٤، فقام شاب من الإخوان بقتل رئيس الحكومة أحمد ماهر في حرم البرلمان، وقام آخر بقتل خليفته محمود فهمي النقراشي في وزارة الداخلية، وقيل إن خليفة النقراشي وثالث الرؤساء السعديين إبراهيم عبد الهادي انتقم لسابقيه فأعد للشيخ حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين كمينًا أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين فقتله بعض ضباط الأمن أمام المبنى وفروا هاربين.
ناقشت الصحف المصرية في تلك الأيام المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بشكل ملحوظ، وفي دراسات ممتعة عميقة وموضوعية أيضًا، وشهدت تلك الصحف أقلامًا قوية مستنيرة، وبحوثًا شائقة عن كل موقع في الحياة المصرية يشغل بال المفكرين، وتتجه جميعًا إلى علاج اليأس الذي رنا على حياة العمال والفلاحين وضرورة رفع المعاناة عن هذه الطبقات الكادحة بفرض الضرائب على القادرين، وذهبت بعض الأقلام إلى ضرورة توزيع الأرض على الفلاحين معلنة شعار "الأرض لمن يفلحها" وهي دعوة شيوعية خفف
стр. 227
من خطرها اتجاه المسئولين في مجلس الشيوخ والنواب إلى تحديد الملكية بخمسين فدانًا وهي دعوة اشتراكية، وكلتا الدعوتين خبت جذوتهما بعد حين، ولكن إلى حين.
وقد استجابت الحكومات المتعاقبة من سنة ١٩٤٠ إلى سنة ١٩٥٢ إلى تحقيق كثير من الأهداف والقوانين التي دعت إليها الصحف ومحرروها، سواء من كتابها أو من المصاحفين١ الذين كانت لهم مقالات وبحوث غاية في الدقة والامتياز.
وكانت حكومة الوفد من ١٩٥٢ - ١٩٤٤ أو حكومته من ١٩٥٠ - ١٩٥٢ أكثر الحكومات استجابة للتيارات الجديدة، بل كانت القوانين التي صدرت لصالح العمال والفلاحين في فترتي حكم هذا الحزب من برامجه وأهدافه، وبذلك بشرت بها صحفه قبل أية صحيفة أخرى وخاصة جريدة المصري، بالإضافة إلى حدث خطير تم خلال حكم الوفد في ذلك الوقت، وهو مجانية التعليم التي تقررت لأبناء الشعب الذين أعجزهم الفقر عن ارتشاف مناهل العلم التي كانت وقفًا على الأغنياء أو القادرين من الطبقة الوسطى.
وقد تميز تاريخ الصحافة المصرية فيما بين سنوات ١٩٤٠و ١٩٥٢ بأحداث سياسية خطية شغلت الصحافة والرأي العام طوال هذه الفترة، ولفتت الانتباه إلى مصائر الوطن الذي تعرض بهذه الأحداث السياسية الخطيرة إلى هزات فكرية جديدة.
وكان من الأحداث التي استغرقت جهد الصحافة والصحفيين ومواقع السلطة والبرلمان بمجلسيه -الشيوخ والنواب- قضية ٤ فبراير والكتاب الأسود وحرب فلسطين ومشروع القانون الذي تقدم به إلى مجلس النواب اسطفان باسيلي عضو مجلس الشعب الحالي وإلغاء معاهدة ١٩٣٦.
стр. 228
وكانت أخطر الأحداث حادث الدبابات التي حاصرت الملك في قصر عابدين في ٤ فبراير ١٩٤٢ لتفرض عليه أحد حلين، إما أن يتنازل عن العرش أو يدعو مصطفى النحاس إلى تولي شئون الحكم.
وقد شغلت قضية ٤ فبراير المؤرخين في السنين الأربعين الأخيرة، وقد اختلفوا في أمرها أشد الاختلاف، وقد اعتبرها معظمهم عورة في جبين حزب الوفد، وقرر بعضهم أن الوفد انتهى تاريخه بهذا الحادث، وكان هذا رأي جميع أحزاب الأقليات كالأحرار الدستوريين والسعديين والحزب الوطني ومعظم الصحف المعارضة، وسجل هذا الرأي محمد حسين هيكل باشا في كتاب له، وأعلنته مذكرات إبراهيم باشا عبد الهادي التي كتبها وقام بنشرها الصحفي محمد علي أبو طالب في مجلة روز اليوسف، وفيها يروى عن عبد الهادي أنه يرى أن حادث ٤ فبراير كانت نتيجة مؤامرة بين السفير الإنجليزي والنحاس باشا وأمين عثمان باشا١ وإن لم يغمط النحاس حقه حين قرر أنه مثال للوطنية والأمانة والطهارة.
لقد كان النحاس باشا بعد إقالته في ٣٠ ديسمبر ١٩٣٧ مبعدًا عن الحكم بعد تزوير الانتخابات التي أجرتها أحزاب الأقلية في سنة ١٩٣٨ وبلغ فساد الحكم ذروته إذ ذاك وانتشرت موجة من الاغتيالات لكثير من الشخصيات المصرية، وأصبح الملك يسوس الملك كملك ورئيس وزراء.
وقد رجعنا في قضية ٤ فبراير إلى مصادرها الأصلية مستعينين بالوثائق الإنجليزية الرسمية التي كان محظورًا النقل عنها حتى انتهت مدة حبسها عن الباحثين، وأصبحت في متناول أي إنسان، وبذلك أمكن بيان وجه الحق في هذه القضية.
стр. 229
ولما كانت الحرب العظمى الثانية قد أعلنت فقد فرضت الأحكام العرفية وتمكن الملك نتيجة لذلك من العبث بالدستور على نحو ليس له نظير أو مثيل، واستطاعت حكوماته المتتالية أن تفرض الرأي الواحد وتقضي على الحريات فالصحف تخضع للرقابة والرقيب والاجتماعات العامة محظورة، والمعتقلات، للأحرار فتحت أبوابها على مصاريعها، والعبث بقوت الشعب فرصة للإثراء وبيع الرتب والألقاب تجارة رابحة.
واندلعت الحرب العظمى الثانية وعلى رأس الحكومة علي ماهر تؤيده أحزاب الأقلية، ويندفع الرجل في مؤازرة الحلفاء، فيلبي طلبات القيادة الإنجليزية، بل يتحسس رغباتها فيؤديها طواعية بلا سؤال، فإذا بدأت ألمانيا في انتصاراتها الخرافية على الإنجليز وحلفائهم، قلب لهم ظهر المجن، فكان ألمانيا أكثر من الألمان، كما انحاز الملك إلى إيطاليا حليفة برلين، فكان إيطاليا أكثر من الطليان.
في الوقت الذي كان أعداء الدستور والحريات لا شاغل لهم إلا التكالب على كراسي الحكم وانتهاز فرصة الأحكام العرفية لكسب الحرام، كان النحاس يطالب الحكومة الإنجليزية في مذكرة قدمها لها بالجلاء التام عن مصر والسودان عقب الحرب، وحق مصر في الاشتراك في مفاوضات الصلح لترعى بحضورها مصالح بلاده، ويحتج في الوقت نفسه على إعلان الأحكام العرفية في مصر في الوقت الذي تخوض إنجلترا الحرب دون إعلان هذه الأحكام في بلادها.
وخطب النحاس في الناس متحديًّا الأحكام العرفية١ حاملًا على الإنجليز "الذين يحاربون عن الديمقراطية في بلادهم ويدأبون على العمل ضد الديمقراطية في مصر، ولا ريب أنه إذا لم تكن الديمقراطية واحدة في كل البلاد التي تناصرها فليست إذن هي فكرة يدافع عنها ومبدأ يناضل من أجله بل تكون هي والديكتاتورية سواء .. ".
стр. 230
وقد بلغ الفساد ذروته حتى شح القوت في الأسواق، وهاجم الشعب المخابز والمطاحن وسارت المظاهرات تهتف بسقوط الإنجليز وتدعو "روميل" أن يتقدم لينقذ البلاد١.
ووجد الإنجليز أن سكوتهم على انحياز الملك للإيطاليين، ونشاط على ماهر في بث الدعاية للألمان، وقيام القصر بترتيب المظاهرات المعادية لهم، وجدوا أنه لا بد أن يغامروا بعزل الملك ثم تأليف حكومة قوية تفرض الأمن والنظام، فتقدموا إلى الملك بإنذار في ٤ فبراير ١٩٤٢ يطلبون تأليف وزارة "ائتلافية" بزعامة مصطفى النحاس.
لقد كان حسين سري قبيل أزمة ٤ فبراير مباشرة رئيسًا لمجلس الوزراء، وكان الرجل صنيعة من صنائع الإنجليز، وما كان يبرم أمرًا أو يقضي في شأن إلا بالرجوع إليهم أولًا، وكانت علاقته متوترة بالملك حتى إنه ذهب إلى السفير يشكوه ويطلب إليه في ٢٠ يناير ١٩٤٢ أن يتعاونا "لتأديب هذا الصبي وتخويفه بين آن وآخر".
وقد اجتمع رئيس الوزارة حسين سري أول فبراير ١٩٤٢ بالسفير واتفقا على أن يقدم استقالته وأن يطلب السفير من الملك أن تؤلف "وزارة ائتلافية" برئاسة النحاس باشا ويقول السفير في كتابه "وتناقشنا معًا في ترتيب هذا الموضوع"٢ وإذن فقد بدأ التدبير لحادث ٤ فبراير بين حسين سري والسير لامبسون السفير البريطاني، لا بين السفير وبين النحاس وأمين عثمان.
لقد كان النحاس في قنا عندما بدأت الأزمة، يزور ضريح سيدي
стр. 231
عبد الرحيم القناوي ﵁، فاستدعاه الملك ليؤلف "وزارة ائتلافية" وهو طلب كيلرن سفير إنجلترا في مصر، ولم يطلب السفير وزارة وفدية برياسة النحاس بل طلب وزارة يرأسها النحاس أو يباركها وتتألف من جميع الأحزاب.
أما عن نصيب أمين عثمان من هذه المؤامرة فقد دحضتها برقية السفير لوزير خارجيته حين سجل فيها أنه "من محاسن الصدف أن أمين عثمان باشا طلب مقابلتي هذا الصباح، وكنت قد امتنعت عن مقابلته خلال الشهور الثلاثة الماضية منعًا لأي شائعات عن تدبير مؤامرات مع السفارة أما الآن فالوضع قد تغير وخاصة أنه موضع ثقة النحاس"١.
أما عن نصيب النحاس في هذه القضية، فننشر نص المذكرة التي كتبها وكيل الخارجية الإنجليزية إلى وزيره إيدن عقب حادث تطويق الدبابات الإنجليزية لقصر عابدين في يوم ٤ فبراير ١٩٤٢.
قال وكيل الخارجية في مذكرته "على أن لدي تنبيهًا خطيرًا أود أن أقدمه وأعتقد أنه ربما يغطي نقطة سوف تكلفنا كثيرًا في المستقبل وهو أنه لم يحدث في أي وقت خلال الأزمة سواء فيما يتعلق بتعيين الوزارة الجديدة أو خلع الملك المحتمل، أن السير لامبسون قد دخل في اتصال شخصي مع النحاس، والنتيجة المترتبة على ذلك هي أنه لن يكون متاحًا للنحاس أن ينكر فقط علانية "وهو سوف يفعل ذلك بكل تأكيد" بأنه مدين لتأييدنا بأي شيء أو أنه ملتزم نحونا بأي التزام وإنما نحن في الحقيقة لا نملك شيئًا نشهره في وجهه عندما تقع الأزمة المقبلة"٢.
стр. 232
إنما يحذر وكيل الخارجية الإنجليزية وزيره بأن انتهاء الأزمة لا يعني بحال انتهاء المشاكل، فقد ولى الحكم رجل لا يستطيعون تجريحه أو التشهير به في مشكلة ٤ فبراير؛ لأنه كان بعيدًا عنها تمامًا، وهو رجل عنيد ينتظر أن يؤرق حياتهم بالمطالب، وأنه يجب أن نتهيأ للقائه "في الأزمة المقبلة".
ونروي فصول تلك المأساة فنذكر أن النحاس عاد من قنا وذهب للقاء الملك فوجد عنده زعماء الأحزاب الأخرى وبعض المستوزرين من بطانته وشرحوا له سبب الاجتماع وقصة الإنذار البريطاني بضرورة تأليف وزارة ائتلافية برياسته، وألح زعماء الأحزاب عليه ومعهم الملك، بأن يوافق على تأليف تلك الوزارة حتى تتفادى البلاد نتائج الإنذار البريطاني، ويصان عرش مصر فلا تتقاذفه الأنواء.
ورفض النحاس أمرين، الأول الإنذار البريطاني ووقع مع زعماء الأقلية رفض ذلك الإنذار، والثاني تأليف وزارة ائتلافية؛ لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وهو لا يريد أن يعيد مأساة الوزارة الائتلافية سنة ١٩٢٨ التي انسل منها المؤتلفون وزيرًا بعد وزير واتخذها الملك فؤاد تكأه لإقالة وزارته "نظرًا لتصدع الائتلاف".
ونقل الملك إلى السفير الموقف، فما كان من الأخير إلا أن حاصر قصر عابدين بالدبابات، وهدد بخلع الملك إن لم تؤلف وزارة برياسة النحاس.
ومن هذه الصورة الدقيقة التي سجلناها يبدو واضحًا تمامًا أن النحاس كان خالي الذهن مما رتبه السفير، فلو كانت متآمرًا فما كان يمكن أن يرفض تأليف الوزارة الائتلافية وهو متفق بشأنها مع السفير، أو كان قد اتفق مع السفير على أن تكون الوزارة وفدية لا شريك لحزب فيها ..
ثم ماذا؟
ذعر الملك فعاد ودعا الزعماء على عجل وعلى رأسهم مصطفى النحاس
стр. 233
وألح على الزعيم أن يؤلف وزارة وفدية فرفض مرة ومرة، وعندئذ رجاه الملك أن ينقذه واستحلفه بوطنيته وشجاعته، فقبل الرجل تأليف الوزارة وكتب إلى الملك يقول: "إنكم قد أعربتم بلسانكم الكريم المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة عن ثقتكم في وطنية هذا الضعيف وإنكاره لذاته، مؤكدين أن هاتين الصفتين الكريمتين اللتين شاء فضلكم أن تسندوهما إلي تقتضيان علي أن أتقدم لإنقاذ الموقف"١.
وخرج زعماء الأقليات يعلنون أن النحاس خائن؛ لأنه قبل الوزارة لينقذ العرش والبلاد.
عندما ألح أولئك الزعماء على النحاس في حضرة الملك أن يؤلف من الوفد ومنهم وزارة كان ذلك عملًا وطنيًّا يضاف للنحاس من أمجاد، فإذا رفض وألف وزارة وحده كان ذلك خيانة للبلاد.
وحتى يحفظ النحاس حق البلاد ويصون استقلالها وجه إلى السفير رسالة يطلب فيها أن تقطع إنجلترا على نفسها عهدًا رسميًّا يمحو الإساءة التي وجهتها لمصر في إنذار ٤ فبراير، وأنه يرفض هذا الإنذار ويعلن أنه قبل تأليف الوزارة من الملك بما له من حقوق دستورية، وبما تستمتع به مصر في استقلال تام في جميع شئونها، ورد عليه السفير بالتعهد المطلوب متضمنًا الاعتذار عما تم في غيبة الدستور والحريات.
ونختم هذه القصة بوثيقة لعل فيها فصل الخطاب.
لقد ألفت الدولة من ثلاث سنوات لجنة لتسجيل التاريخ، وأعدت اللجنة تقارير شتى عن مسائل كثيرة كان من بينها تقرير عن ٤ فبراير، وقد انتهت اللهجة فيه إلى تبرئة الوفد من هذه القضية وسجلت رأيها في هذا مدعمًا بما عندها من بيانات، وطبعت من التقرير عدة نسخ تسملت السلطات بعضها.
стр. 234
ثم شغل الرأي العام بالكتاب الأسود الذي أصدره مكرم باشا عبيد بعد إقالته من عضوية الوفد المصري، وبعد الخطأ الذي ارتكبه الوفديون بفصله من مجلس النواب مع بضعة أفراد من حوارييه، وأصبح هذا الخطأ سابقة دستورية خطيرة استغلتها حكومات ما بعد الثورة.
ولم يكن في هذا الكتاب ما يشين الوفد والوفديين إلا إسرافهم في ترقية الموظفين الوفديين إلى مراكز أعلى بحيث ضج سائر موظفي الدولة من تلك الاستثناءات التي أهدرت حقوقهم، أما ما جاء عن الفساد الذي تعرض له الكتاب الأسود، فلم يكن كله صحيحًا، ومع أن السلطان في كل عهد لا يخلو من بطانة سوء، وهذا ما أخذ على الوفد إذ كانت في بطانته جماعة استغلت الحزب وحكومته، وهو أمر ما كان ينبغي أن يتاح فيه لمثل هؤلاء المستغلين أن يعبثوا في الأرض فسادًا؛ لأن الوفد يمثل الأغلبية الساحقة من شعب مصر فهو لمصر كلها، لهذا كان استغلال النفوذ الذي حدث إبان حكمه يبدو ضخمًا وكبيرًا بقدر ما كان الوفد ضخمًا وكبيرًا، وهو في الحق دون ما شهد المعاصرون من فساد الأحزاب الأخرى التي كانت ترى السلطان مغنمًا، ولا يعنيها بعد ذلك شيء.
ثم تجيء قضية الأسلحة الفاسدة التي كانت سببًا في هزيمة ١٩٤٨ كما كانت تقول وتزعم الصحف والمجلات المعارضة للملك إذ ذاك، والصحيح أن صفقات الأسلحة الفاسدة التي تم شراؤها لحساب السراي ومن يلوذ بالسراي من ضباط خربى الذمة قد تمت صفقاتها بعد حرب فلسطين وإعلان الهدنة بين البلاد العربية وعلى رأسها مصر وبين إسرائيل، وفي ذلك صدر حكم من محكمة الجنايات في سنة ١٩٥٤ برئاسة المستشار كامل البهنساوي، الذي جاء في حيثياته أن الأسلحة الفاسدة اشتريت بعد توقف الحرب بين مصر وإسرائيل.
وقد جاء الوفديون إلى الحكم سنة ١٩٥٠ بأغلبية ساحقة في الانتخابات
стр. 235
الحرة النزيهة التي أجراها حسين سري باشا وهو محسوب على الشخصيات التي تكره الوفد، وقد رأس عدة وزارات لأحزاب الأقلية التي تناهض الوفد والوفديين، وقد كان لنتيجة ذلك الانتخاب ضجة عالمية، لأن العالم بما قرأ وسمع من الصحف المعارضة للوفد والتي بشرت على مدى ست سنوات بأنه كحزب سياسي قد انتهى أمره بعد حادث ٤ فبراير، أذهلته نتيجة الانتخاب التي ردت للنحاس باشا اعتباره، وبينت أنه لا يزال ضمير الأمة وقائدها.
وما أن تألفت الحكومة الوفدية حتى ألغت الأحكام العرفية وأطلقت الحريات، فانطلقت الصحف التي تمثل المذاهب الاجتماعية الحديثة تنشر أعنف المقالات ضد النظام وضد الملك وبطانته وضد الرأسمالية مطالبة بتغيير جذري في النظم والقوانين، حاملة -ومعها الصحف الوفدية- على الاحتلال والإنجليز وخاصة بعد قطع المفاوضات التي كان يجريها وزير الخارجية الوفدي مع الحكومة البريطانية لتعديل المعاهدة وإجلاء الإنجليز عن منطقة القنال.
ومن المعارك السياسية العنيفة التي شهدتها البلاد إذ ذاك موقف الصحف جميعًا وعلى رأسها جريدة المصري وأخبار اليوم وروز اليوسف من القانون الذي تقدم بمشروعه اسطفان باسيلي أحد النواب الوفديين مستهدفًا حماية الملك من نقد تصرفاته المشينة والمعيبة.
ويذكر لجريدة المصري في قضية مشروع هذا القانون السبق في معارضته، فقد تكتل النواب الشبان من الوفديين وفي مقدمتهم الدكتور عزيز فهمي ضد هذا المشروع وكان والده إذ ذاك رئيسًا لمجلس النواب، وكاد الوفد أن يتصدع من عنف الهجوم والنقد الشديد لموقف الحكومة من هذا المشروع واختفت المصري وكان يرأس تحريرها في ذلك الوقت أحمد أبو الفتح، بنشر كل ما صدر عن الشبان الوفديين في المجلس بشأن ذلك القانون، كما كانت لرئيس التحرير مقالات من نار فلم يجد صاحب المشروع أمامه
стр. 236
إلا أن يسحب مشروعه لتقف حملة الوفديين على حكومة الوفديين.
ونختم هذا الفصل من تاريخ الصحافة المصرية بموقف عظيم وقفته الصحف والحكومة والأحزاب المعارضة معها، وهو إلغاء المعاهدة المصرية الإنجليزية التي وقعتها جبهة وطنية مع الإنجليز في سنة ١٩٣٦.
وقد ألهب شعور المصريين ما صدر من بيانات عن وزير الخارجية الوفدي الذي حمل حملة شعواء على الإنجليز بمناسبة قطع المفاوضات التي أبى الإنجليز أن ينصتوا فيها بالمودة لطلبات المصريين التي كان أهمها الجلاء عن قناة السويس، فقامت المظاهرات الصاخبة في أغسطس ١٩٥٢ وهو الشهر الذي وقعت فيه المعاهدة المذكورة.
وفي ٨ أكتوبر ١٩٥١ اجتمع مجلسا البرلمان "النواب والشيوخ" على هيئة مؤتمر، وألقى النحاس باشا رئيس الوزراء بيانًا مستفيضًا عن سياسة الحكومة بشأن معاهدة ١٩٣٦، ثم أعلن إلغاء هذه المعاهدة كما ألغى اتفاقتي ١٩ يناير و١٠ يوليو ١٨٩٩ الخاصتين بإدارة السودان، ثم نادى بملك مصر ملكًا على مصر والسودان، وختم النحاس بيانه بل قل أحسن الله إليه فختم تاريخه حين قال: "من أجل مصر أبرمت معاهدة ١٩٣٦ ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها".
وعقب هذا البيان تألفت جماعات مسلحة قاد بعضها ضباط من الجيش أخذت تهاجم معسكرات البريطانيين في منطقة القنال حتى أضجت مضاجعهم وانضمت الحكومة إلى الثوار، وبدا ذلك واضحًا فيما قامت به وزارة الشئون الاجتماعية التي تدعت العمال الذين في خدمة المحتل في القناة إلى الانسحاب من مواقعهم ثم عينتهم في الوزارة، وقد لبى العمال هذه الدعوة وافتقد الإنجليز هذه الدعامة القومية التي كانت تيسر لهم البقاء في القنال.
وفقد الإنجليز أعصابهم وطلبوا من المسئولين المصريين في الإسماعيلية إخلاء المحافظة، فرفضوا ووقف جنود الشرطة يذودون عن بناء المحافظة
стр. 237
بأسلحتهم المتخلفة أمام أقوى قوة ضاربة في تلك الأيام، ولم يتم للإنجليز غرضهم إلا على أشلاء جنود الشرطة الأبطال.
وفجأة في ٢٦ يناير شبت الحرائق في مدينة القاهرة، وتقاعس حيدر باشا وكان على رأس الجيش عن معاونة الحكومة بإنزال الجيش لوقف الفوضى في العاصمة، فإذا جاء المساء كانت القاهرة تشتعل، ولبى الملك طلب الإنجليز فأقال وزارة الوفد بعد أن أعلنت الأحكام العرفية، وأخذ في تأليف وزارات هزيلة، فجاءت وزارة تلو الوزارة حتى حدثت حركة الجيش في ليل ٢٣ يوليو ١٩٥٢.
стр. 238
الصحافة المصرية من عام ١٩٥٢ إلى عام ١٩٨١:
قامت حركة الجيش في ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ في ظل الأحكام العرفية التي فرضت على البلاد عقب حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢، وأعلنت الحركة في صباح ذلك اليوم عن طريق الإذاعة أن رسالتها تطهير البلاد من الفساد وإعادة الحياة النيابية سليمة من كل عيب، وتقوية الجيش إلى آخر ما جاء في بيانها الذي بثته الإذاعة المصرية ونشرته الصحف في اليوم التالي.
وقد استقبلت الصحافة المصرية هذه الحركة وفي مقدمتها جريدة المصري خاصة وسائر صحف المعارضة عامة استقبالًا رائعًا مع تأييدها من غير حدود، ولم تتحفظ في عرضها لأحداث ذلك اليوم إلا جريدة الأهرام وهي في ذلك تمارس طبعها المأثور عنها والذي كان يفرض عليها في نشر الأحداث الروية والتدبير.
وكان صحيفة المصرية ومجلة روز اليوسف، في مقدمة الجرائد التي ناصرت الجيش في حركته، وكان أصحاب الصحيفتين على علاقة وثيقة برجال هذه الحركة قبل قيامها، وكانوا -فيما قيل- يطبعون في مطابعهم منشورات الضباط الأحرار التي أرقت حياة الملك وأفزعت بطانته.
ولعدة شهور تلت ذلك اليوم كان الصحف المصرية تؤازر حركة الجيش كما كانت تسمى في أيامها الأولى، والتي أطلقت عليها بعد ذلك لفظ الثورة.
وقد أرغمت الثورة الملك على التنازل عن العرش في ٢٦ يوليو ١٩٥٢ لولي العهد وكان طفلًا وليدًا في شهوره الأولى من العمر، وألفت مجلس وصاية كان من أعضائه يوسف صديق وهو ضابط عظيم كان له أخطر دور في نجاح الثورة ليلة قيامها إذ اعتقل قادة الجيش من أنصار الملك واحتل مبنى
стр. 239
القيادة العامة، وجاءوا بعلي ماهر رئيسًا لمجلس الوزراء، وتكونت وزارته من وزراء معظمهم من خصوم الوفد أكبر الأحزاب المصرية، وكانت هذه أول الأخطاء التي وقعت فيها الثورة، وتوجس الناس شرًا من هذا الاتجاه الذي أبعد الثورة عن الكتلة الشعبية العريضة التي يمثلها الوفد.
ثم ظهر الضباط الأحرار في الصورة بعد بعضة أشهر لم يكن الناس يعرفون منهم إلا اللواء محمد نجيب وهو ضابط عظيم ومحارب مشهور، له جولات موفقة في حرب فلسطين، وكان على خلاف شديد مع البطانة الملكية، وقد انتخب رئيسًا لنادي الضباط رغم أنف الملك وحوارييه، وباسمه أعلنت الثورة صباح ٢٣ يوليو، وكان لاسمه رنين يطمئن الشعب والأجانب على حسن الخواتيم.
ثم أخذت الثورة -بتأثير من الوزراء الذين لا تربطهم بالشعب صلة- تسن القوانين الانتقامية، وتؤلف لها المحاكم الثورية، وأخذت في فصل خيار الموظفين والمعلمين وأساتذة الجامعات، وهذه أمور لم ترض عنها الصحف التي ساندت الثوار قبل قيام الثورة وبعدها، وفي مقدمتها جريدة المصري لسان حال الوفد، وخاصة بعد أن أعلنت الثورة -بتحريض من وزرائها المعزولين عن الشعب- مخاصمتها للنحاس باشا، ومطالبتها بتنحيته عن رئاسة الوفد.
وقد أصدر بعض الضباط الأحرار مجلة يهدفون منها أن تدافع عن الدستور والحياة النيابية وسموها "مجلة التحرير" وأشرف عليها أول الأمر الضابط أحمد حمروش ثم ثروت عكاشة وهو ضابط مؤهل صحفيًّا حيث درس ثروت المهنة في معهد التحرير والترجمة والصحافة بجامعة فؤاد الأول "جامعة القاهرة فيما بعد" غير أنه نُحّي عن عمله الصحفي ذاك، وأسند العمل في المجلة إلى الضابط صلاح سالم وهو يجهل المهنة ومحدود الثقافة وانحرف بها إلى عكس الغرض الذي أنشئت من أجله.
стр. 240
ثم أصدروا جريدة الجمهورية وولى أمرها الضابط أنور السادات وجندت لها أقلام ضخمة ومعروف أصحابها بمكانتهم العلمية والأدبية التي لا يمارى فيها أحد، وفي مقدمتهم الدكاترة طه حسين ومحمد مندور ولويس عوض، وقد بقي توزيعها محدودًا بالرغم من هذه الأسماء الضخمة التي وظفت فيها، ولم يتسع انتشارها إلا في أزمة مارس التي نشأت إثر خلاف بين محمد نجيب وأعضاء مجلس الثورة سنة ١٩٥٤ حول العودة بالبلاد إلى حالتها الطبيعية في ظل دستور جديد، وقد انتصر محمد نجيب أول الأمر فألغيت الأحكام العرفية ورفعت الرقابة عن الصحف، وأطلق سراح المعتقلين من الإخوان المسلمين والشيوعيين والوفديين، وبدت البلاد وكأنها في طريقها إلى الاستقرار في ظل الحرية والديمقراطية، وهنا قرأنا في الجمهورية دراسات ممتعة عن الدستور ونظام الحكم، ومجادلات عنيفة بينها وبين جريدة المصري.
ولما انتكست الدعوة إلى الحرية والديمقراطية نتيجة اصطناع مظاهرات قام بها العمال تنادي بسقوط المتعلمين والحرية والسنهوري الجاهل١، وأضرب عمال النقل حتى شلت الحركة في البلاد، عندما تم ذلك أخذت الجمهورية حجمها الطبيعي، فكانت -ولا تزال- أقل الصحف الصباحية انتشارًا٢.
وظهرت صحف الثورة في حجر الثورة، فكانت مجلة التحرير وجرائد الجمهورية والشعب والثورة وغيرها تمولها الدولة باسم هيئة التحرير، وهي كيان حزبي نشأ أيضًا في حجر الثورة وكان معزولًا عن الجماهير، وأريد به
стр. 241
التعويض عن الأحزاب التي ألغيت، وهي أحزاب لها جذور قوية ليس من السهل اقتلاع هذه الجذور بمرسوم يصدره مجلس قيادة الثورة.
وقد اختفى كثير من صحف العهد الملكي كالبلاغ والمقطم وكوكب الشرق والوفد والمصري وغيرها، بيد أن الجرائد القديمة ذات الوزن والاعتبار مضت تؤدي رسالتها بالرغم من الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، وخاصة جريدة المصري التي أخذت جانب المعارضة للثورة في عنف وشدة، وكانت عند قيام الثورة لسانها المتحدث باسمها، ومضت تؤيدها فترة ليست بالقصيرة، وكان كثير من القرارات الطيبة التي أصدرتها الثورة تتم مناقشتها يوم كل جمعة يجتمع فيه أعضاء مجلس الثورة على غداء في بيت أحمد أبو الفتح.
غير أن إلغاء دستور ١٩٢٣ وبقاء مصر بلا دستور، وإلغاء الحزبية والأحزاب، وحكم البلاد بلا برلمان، واضطهاد الأحرار وقيام محاكم للثورة بأسماء متعددة، وفصل الموظفين وحرمانهم من حق التقاضي، ومصادره أموال الخصوم بلا قانون ودون تحقيق، والإسراف في اعتقال معظم أصحاب الفكر، هذا وغيره من الإجراءات التعسفية جعلت القطيعة بين الثورة وجريدة المصري ومحررها خاصة أمرًا لا مفر منه، فهاجر أحمد أبو الفتح وحسين أبو الفتح وصاحب الجريدة محمود أبو الفتح وأغلقت الثورة المصري وهي في ضير الشعب حصن للحريات والديمقراطية، وكان لإغلاقها رنة حزن وأسى في كل بيت ولدى كل حر.
وبقيت الأهرام وأخبار اليوم والأخبار من الصحف القديمة تزاول عملها في هذا الجو الخانق، وحاول صاحبا دار أخبار اليوم علي ومصطفى أمين أن يوائما بين ما تريده الثورة وبين ما تفرضه عليهم واجبات المهنة وآدابها من تحري الحقيقة والدفاع عن رغبات الشعب، وكان ذلك امتحانًا ناء به كاهلهما، فلم يكن يمر يوم إلا وينشط نزاع مرير بينهما وبين مراكز القوى حتى انتهى الأمر بتأميم جرائدهما في سنة ١٩٦١ مع سائر الصحف والمجلات، ثم هاجر علي أمين وسجن توأمه مصطفى تسع سنوات وعذب أقصى تعذيب،
стр. 242
ثم أصبحت الصحافة المصرية ملكًا للاتحاد القومي وهو التنظيم السياسي الوحيد في البلاد الذي حل مكان هيئة التحرير، وقد أخذ مكانه فيما بعد الاتحاد الاشتراكي.
وهذه الملكية -وإن كانت صورية- تمت بمقتضى القانون الذي صدر في سنة ١٩٦٠ رقم ١٥٦ وجاء القانون تحت اسم "تنظيم الصحافة" أي تأميمها وقد طبق هذا القانون على صحف بذاتها هي أخبار اليوم والأهرام ودار الهلال وروز اليوسف، ثم طبق بعد ذلك على دار المعارف في أكتوبر سنة ١٩٦٣ بمقتضى القانون رقم١٤٠، وقد أعفى قانون تنظيم الصحافة جريدة وطني والجورنال ديجبت والجمهورية من هذا القانون وإن خضعت له الأخيرة تلبية لرغبتها في ذلك.
وقد كان قانون تنظيم الصحافة، أي تأميمها، أو قانون من قوانين التأميمات التي بمقتضاها أممت المؤسسات الاقتصادية كالمصارف وغيرها.
والواقع أن تبعية الصحف كانت للدولة لا للاتحاد الاشتراكي الذي تنقطع صلته بأية صحيفة مؤممة بمجرد تعيينه لرئيس مجلس الإدارة وأربعة من الأعضاء ومن بينهم عضو مجلس الإدارة المنتدب، والواقع أيضًا أن كل العاملين في تلك الصحف قد أصبحوا أجراء في المؤسسة ومن بينهم أصحابها١.
ونختم هذا الفصل بنقل القوانين التي عالجت أمر الصحافة بعد ذلك من كتاب "الصحافة في عقدين ١٩٦٠ - ١٩٨٠" فليس بعد ما جاء في هذا الكتاب من مزيد عند المؤرخين.
стр. 243
مشروع قانون الصحافة:
في أثر الاستفتاء الذي أجرى في ١٩ أبريل سنة ١٩٧٩ وأيد الشعب فيه جعل الصحافة سلطة رابعة، شكلت لجنة لوضع تشريع جديد للصحافة ينظم كافة نواحيها، ومن أجل هذا فقد ضمت هذه اللجنة عناصر العمل الصحفي كلها من محررين، وإداريين، وعمال بالإضافة إلى العنصر النقابي، وأعدت مشروع قانون نشرته بعض الصحف.
وجاء في مذكرة مرفقة بمشروع القانون، فيما يتعلق "بالملكية والإدارة الصحفية" أنه: ولما كنا بصدد إعادة تنظيم الصحافة، فقد رأت اللجنة أن الإعداد لذلك يتطلب إعادة بناء الهيكل الإداري للصحافة بكل مؤسساتها، فأكدت على ملكية العاملين في الصحافة بالنسبة التي يخولها القانون لهم وهي ٤٩% مع فتح قنوات الاتصال بين العاملين كمالكين وبين ممثلي ملكية الشعب في الوجود الصحفي، ووضعت اللجنة بذلك المبادئ اللازمة لتشكيل مجالس إدارة المؤسسات الصحفية واستحدثت نظامًا جديدًا لمتابعة أعمال مجالس الإدارة بأن تكون لكل مؤسسة صحفية جمعية عامة١، تمثل رأس المال وشتى التخصصات في العمل الصحفي بنسب عادلة ورسمت للجمعيات العامة طريق اختصاصاتها على النحو الذي يكفل لها الفاعلية ويجعل منها ركيزة قوية لمجالس إدارة المؤسسات الصحفية وللعاملين فيها بصورة جادة من صور التطبيق الديمقراطي.
ونصت المادة ٢٤ من المشروع على أن "المؤسسة الصحفية القومية مملوكة ملكية شعبية" ويمثل مجلس الشورى في ملكية ٥١% من قيمة أموالها وملحقاتها ويمثل العاملون بتلك المؤسسات ملكية نسبة ٤٩% الأخرى منها.
ويخصص نصف صافي الأرباح للعاملين بالمؤسسات الصحفية القومية والنصف الآخر لمشروعات التوسع والتجديدات.
стр. 244
ويصدر المجلس الأعلى للصحافة القرارات المنظمة لإدارتها وإعداد موازناتها السنوية وتوزيع الأرباح.
وواضح من هذه المادة أن ملكية المؤسسة الصحفية الواحدة هي لمجلس الشورى ومجموع العاملين بهذه المؤسسة بنسبة ٥١%، ٤٩% على التعاقب.
وبجانب مجلس الشورى ومجموع العاملين كملاك توجد الجمعية العمومية للمؤسسة ومجلس الإدارة، وتتكون الجمعية العمومية من ٤٢ عضوًا كالآتي:
عدد الأصوات
١٠ أعضاء يختارهم مجلس الشورى كممثلين له في الجمعية
ولكل منهم ثلاثة أصوات ٣٠
٧ أعضاء مجلس الإدارة المعينون ولكل منهم ثلاثة أصوات ٢١
ــ ٥١
٢٤ عضوًا للصحفيين والإداريين والعمال بواقع ثمانية لكل فئة
بالانتخاب ولكل منهم صوتان ٤٨
١ عن نقابة العاملين بالمؤسسة وله صوت واحد ١ ٤٩
ــ
جملة الأصوات ١٠٠
والهيئة الثانية هي مجلس إدارة المؤسسة، ويتكون من ثلاثة عشر عضوًا سبعة يرشحهم مجلس الشورى ويتعين أن يكون من بينهم أربعة من ذوات المؤسسة الصحفية ولا تقل مدة خدمة كل عضو فيها عن خمس سنوات، ويصدر قرار تعيينهم من رئيس الجمهورية، وستة أعضاء تنتخبهم الجمعية العمومية للمؤسسة بواقع اثنين عن كل من الصحفيين والإداريين والعمال.
وقرار تعيين الأعضاء السبعة في الجمعية العمومية يجب أن يصدر من رئيس مجلس الشورى لا من رئيس الجمهورية حتى لو اتحدت الوظيفتان في شخص واحد.
стр. 245
وبجانب هاتين الهيئتين يأتي مجلس الصحافة الأعلى وهو يتكون من حوالي ٤٥ عضوًا قابلة للزيادة ليس من بينهم من يمثل مجلس الشورى صاحب النصيب الأكبر في ملكية المؤسسات الصحفية ولا من العاملين بوصفهم ملاكًا ونظرة يلقيها المرء على هذا التشكيل، يتضح منها أن هناك تسابقًا في حشد المجلس بالأعضاء لغير ما سبب معقول، مع أن عضويته يجب أن توضع لها ضوابط أكثر إحكامًا بحيث تتحقق معها الفائدة المرجوة من المجلس خصوصًا وأنه كما يبدو، قصد به أن يكون الهيئة المسيطرة على الجوانب الاقتصادية والإدارية للمؤسسات الصحفية.
وللمجلس هيئة مكتب مكونة من رئيس، ووكيلين وأمين عام مساعد وكلهم ينتخبون بالاقتراع السري من بين أعضاء المجلس الأعلى، وبجانب ذلك تكون له لجنة تنفيذية من أعضاء هيئة المكتب المشار إليهم -نقيب الصحفيين- عضو قانوني + أربعة أعضاء يختارهم المجلس بالانتخاب من بين أعضائه، وطبقًا لنص المادة ٤٦ من المشروع فإن مجلس الصحافة الأعلى يعتبر من أشخاص القانون العام: "ويحدد مجلس الشعب عند إقراره الموازنة العامة للدولة، الميزانية السنوية للمجلس الأعلى للصحافة" وبالإضافة إلى ذلك فإن قراراته طبقًا للمادة ٤٥ من المشروع هي: "قرارات إدارية ملزمة لكافة المؤسسات الصحفية والأفراد والجهات المعنية ويجوز الطعن في هذه القرارات بكافة الطرق المكفولة للطعن في القرارات الإدارية".
ونظرة يلقيها الباحث على اختصاص مجلس الصحافة الأعلى طبقًا لمشروع القانون محل البحث، يلمح بوضوح رغبة واضعي المشروع الجامحة في أن يسيطر هذا المجلس على المؤسسات الصحفية من جوانبها الإدارية والاقتصادية وبصورة إجمالية يضع المجلس القواعد المنظمة للأجور، وتحديد أسعار ومساحات الإعلانات، وتحديد أسعار الصحف والمجلات، وحل المشكلات التي قد تنشأ بين ممثلي رأس المال المختلفين في الجمعيات العمومية عند عدم حسم المشكلات في اجتماعات هذه الجمعيات وما إلى ذلك، ثم عليه النهاية
стр. 246
أن أسلوب رقابة الشعب على ملكية الصحف وتمويلها عن طريق الجهاز المركزي للمحاسبات، وما يتخذ في شأن المخالفات التي تكشفها هذه التقارير إذا لم تتصد لها الجمعيات العمومية.
وفي وسط هذا الخليط يجري نص المادة ٢٨ من مشروع القانون على نحو ما يلي:
"تعتبر المؤسسة الصحفية القومية شركة من شركات القطاع الخاص إلا فيما يتعلق بأحوالها وأحوال مسئولية مديريها والعاملين فيها المنصوص عليها في قانون العقوبات وفيما يتعلق بمزاولة التصدير والاستيراد والوكالات التجارية فتطبق عليها الأحكام المقررة قانونًا".
وقبل أن ننتقل إلى تحليل هذه الأوضاع وما انتهى إليه الأمر في صورة القانون الجديد، أشير إلى مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لم يتعرض لها المشروع وهو نوع ملكية العاملين بالمؤسسة الصحفية: هل كل واحد منهم يمتلك حصة في صافي أصول المؤسسة، وعلى أي أساس؟ هل يقتسمون هذه الأصول بالتساوي قسمة غرماء " Micro" أو حسب مدة خدمة العامل بالمؤسسة؟ وما مصير هذه الحصة محسوبة على أية صورة كانت، في حالة وفاة العامل أو خروجه من الخدمة لأي سبب من الأسباب؟ وما هو موقف العمال الجدد الذين يلتحقون لأول مرة بالمؤسسة سواء أكان ذلك نقلًا من مؤسسة صحفية أخرى أم من مؤسسة غير صحفية، أم تعيينًا لأول مرة؟
إن ترك النص على ما هو عليه في مشروع القانون يعني بما لا يدع مجالًا لريب أنه قصد تمليك كل مؤسسة صحفية لمجموعة العاملين فيها وقت صدوره وتظل لهم هذه الملكية إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأخطر من هذا أنها يمكن أن تورث عنهم لمن بعدهم، وما موقف ملكية العاملين في المؤسسات الصحفية في ظل قانون التنظيم رقم ١٥٦ لسنة ١٩٦٠ - وهي تعطيهم نفس
стр. 247
الحقوق التي نص مشروع القانون عليها -وتركوا العمل بالمؤسسة؟ هذه كلها تساؤلات جد خطيرة لم يحسمها مشروع القانون.
من الواضح أن ملكية المؤسسة الصحفية هي لمجلس الشورى ولروكية العاملين فيها إن جاز اقتباس هذا التعبير من القانون التجاري، والإدارة في المؤسسة عن طريق رسم خطوطها العريضة بما في ذلك من آثار عميقة في حياة المؤسسة، هي لمجلس الصحافة الأعلى، فهو يضع القواعد المنظمة للأجور، ويحدد أسعار ومساحات الإعلانات، ويحدد أسعار الصحف والمجلات، ويحدد حصة الورق اللازمة لكل مؤسسة، فماذا بقي لمجلس الإدارة وللمديرين من تحته يمارسون فيه سلطاتهم بعد أن أصبحت محدودة بحدود وضعها لهم مجلس الصحافة الأعلى الذي ليس مالكًا أصلًا ولا يمثل المالك لا قانونًا ولا واقعًا طبقًا لأحكام مشروع القانون.
وثمة مجال آخر لاضطراب الطبيعة القانونية لمؤسسات الصحافة كما جاءت في مشروع القانون، فالمؤسسة الصحفية باعتبارها الوحدة الاقتصادية على المستوى الوحدي، هي بنص القانون شركة من أشخاص القانون الخاص، والمجلس الأعلى للصحافة هيئة من أشخاص القانون العام بنص القانون كما رأينا ومجلس الشورى مؤسسة اختلف مجلس الشعب على طبيعته القانونية، ففي إحدى الجلسات ذكر وزير العدل أن مجلس الشورى في رأيه هيئة نيابية، وذكر رئيس مجلس الشعب أن مجلس الشورى لا يمكن أن يكون كذلك.
الواقع من الأمر أن مشروع القانون الخاص بتنظيم الصحافة لم يعالج السلبيات التي ظهرت من التجربة التي مرت بها الصحافة المصرية في العقدين الأخيرين، فلم يحدد طبيعة الملكية بل تركها مائعة بما يفضي إليه ذلك من اضطراب في الهيكل التنظيمي والأنظمة والأساليب الإدارية بل وحياتها كلها على نحو قد يكون أكثر غورًا مما وقع للصحافة المصرية كمؤسسة في ظل ملكية الاتحاد الاشتراكي العربي، ولم يحدد القانون الأسس التي تقوم عليها علاقة المؤسسة الصحفية لا بالغير ولا بالعاملين كما أنه لم يحدد علاقات الهيئات
стр. 248
الصحفية بعضها بالبعض تحديدًا قاطعًا مانعًا على حد قول الفقهاء، والرقابة الاقتصادية والإدارية تاهت في خضم "الشيوع" وهو أخطر ما تمنى به مؤسسة ضخمة كالصحافة المصرية التي أصبحت وتصبح استثماراتها ورقم أعمالها مئات الألوف من ملايين الجنيهات.
سلطة قانون الصحافة:
وأخيرًا صدر قانون سلطة الصحافة في ١٤ يوليو ١٩٨٠ على أن يسري بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره.
إن هذا القانون لا يقل في أهميته عن قانون تنظيم الصحافة الذي زالت بمقتضاه ملكية المنشآت الصحفية الكبيرة في مصر عن أصحابها وآلت للاتحاد القومي على النحو الموضح في البحث الثاني، وبمقتضى هذا القانون الجديد آلت ملكية الصحف المسماة "بالقومية" من بعد الاتحاد الاشتراكي العربي إلى الدولة، وذلك طبقًا للفقرة الثانية من المادة "٢٢" ويجري نصها:
"وتعتبر المؤسسات الصحفية القومية والصحف القومية مملوكة ملكية خاصة للدولة ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى" وترتيبًا على ذلك تكون حصة العاملين في ملكة هذه المؤسسات وقدرها ٤٩% قد زالت عنهم وآلت إلى الدولة لتصبح المالك الوحيد لهذه المؤسسات، وهذا يخالف تمامًا ما جاء في مشروع قانون لجنة تقنين الصحافة الذي كانت قد عقدت لمجلس الشورى ولمجموع العاملين في كل مؤسسة على النحو السابق شرحه.
وثمة مسألتان يتعين الإشارة إليهما: الأولى أن قانون سلطة الصحافة تفادي أسلوب النعامة الذي اتبعه المشرع في سنة ١٩٦٠ عندما أطلق عبارة تنظيم الصحافة بدلًا من تأميم الصحافة على القانون الملغي، والمسألة الثانية أن حصة العاملين في ملكية المؤسسات الصحفية كانت قد آلت إليهم بموجب
стр. 249
تنازل من المالك، وهو الاتحاد الاشتراكي العربي، بإرادته المنفردة وذلك بموجب قرار إنشاء مجلس الصحافة الأعلى١.
ولكنها زالت عنهم بموجب القانون الجديد، والموقف القانوني في هذه المسألة غير واضح، فهل يجوز للمتبرع أن يسترد ما تبرع به؟.
والواقع من الأمر أن هناك فرقًا بين القانونين في هذه الجزئية، ذلك أن المشرع في سنة ١٩٦٠ قد قرر تعويض مالكي الصحف السابقين عن ملكيتهم الزائلة ووضع قواعد تقرير هذا التعويض، والمشرع في سنة ١٩٨٠ نقل الملكية إلى الدولة دون إشارة إلى طبيعته: هل هو تأميم أو نزع ملكية أو مصادرة، فإذا كان أحد النوعين الأولين فلا بد من أن يشير القانون إلى طريقة التعويض، وسكوت القانون على ذلك يعني أنه قصد إلى المصادرة، وهو أمر كان يتعين على المشرع أن يفصح عنه صراحة، وقد ينصرف الذهن إلى أن المشرع قصد النوعين الأولين وأنه لم يشر إلى تعويض؛ نظرًا لأنه يعتقد أن ضررًا لم يقع على العاملين بالمؤسسات الصحفية؛ لأن ملكيتهم ليست لشخص محدد ولكنها لمجموعة العاملين، أو لروكية العاملين وأن نقل الملكية حصتهم إلى الدولة لم يلحق بهم ضررًا وبخاصة أن المشرع قد خصص للعاملين في كل مؤسسة صحفية قومية نصف أرباحها والنصف الآخر لمشروعات التوسع والتجديدات، وهو الوضع الذي كان قائمًا ومعمولًا به منذ صدور قانون التنظيم في سنة ١٩٦٠.
ويبدو أن المشرع اتجه إلى نقل ملكية المؤسسات الصحفية القومية إلى الدولة، على خلاف ما جاء في مشروع قانون تقنين الصحافة، تفاديًا للصعوبات الفنية التي قابلته في تصور الطبيعة القانونية والاجتماعية للشركة القائمة بين العاملين في المؤسسة الصحفية وبين مجلس الشورى كما جاء في مشروع
стр. 250
قانون تقنين الصحافة، وفي تصور البنيان التنظيمي لهذه الشركة، وما يترتب على ذلك من تعقيدات إدارية واقتصادية كشف عنها ما جاء في مشروع قانون التقنين في شأن سلطة اتخاذ القرار النهائي ولمن تكون، وترتيبًا على ذلك انتهى المشرع إلى أن تفادي كل ذلك لا يكون إلا بجعل الصحافة القومية ملكًا خاصًّا للدولة وبذلك تكون الصحافة قد تحولت إلى مرفق من مرافقها.
لقد قصر القانون الجديد ملكية الصحف على الأحزاب السياسية، والأشخاص الاعتبارية العامة والأشخاص الاعتبارية الخاصة، بهذا يكون المشرع قد حظر ملكية الصحافة على الأشخاص الطبيعيين، وتأكيدًا لهذا المعنى قضى القانون بأن يستمر الصحف القائمة حاليًا والتي صدرت رخصتها لأشخاص طبيعيين مملوكة لهم حتى وفاتهم، ثم فرق القانون فيما يتعلق بشكل الملكية بين الأشخاص الاعتبارية العامة وبين الأشخاص الاعتبارية الخاصة، فحتم في الثانية أن تأخذ المنشأة الصحفية شكل التعاونيات أو الشركة المساهمة وذلك فيما عدا الأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات.
ولكنه وضع قيودًا عديدة على الشركة المساهمة، فاشترط أن تكون أسهمها اسمية مملوكة للمصريين وحدهم، وعلى ألا تزيد ملكية الشخص وأفراد أسرته في رأسمال الشركة عن خمسمائة جنيه، وعرف الأسرة بأنها الزوج والزوجة والأولاد القصر، وثم قيد آخر هو ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن مائتين وخمسين ألف جنيه في حالة الصحيفة اليومية ومائة ألف جنيه في حالة الصحيفة الأسبوعية، وفي الحالتين يتعين أن يودع المبالغ بالكامل في أحد البنوك المصرية قبل صدور الصحيفة.
ومما تجدر ملاحظته أنه لا تسري على التعاونيات، دون الشركات، والقيود الخاصة بقيمة الحد الأدنى لرأس المال المدفوع، ونصاب الفرد وعائلته؛ لأن صياغة المادة ١٩ تنصرف في هذا المجال إلى الشركة دون التعاونيات ومن ثم فمن المستطاع الالتجاء إليها لتفادي بعض القيود التي قصدها المشرع