كل كمال حربي حظا، وضربوا في كل فخار عسكري بسهم، بل تقدموا سائر الملل في فنون المقارعة وعلوم النزال والمكافحة، ظهر فيهم.
- أقوام بلباس الدين.. أبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت قواعد الجبر وضربت في الأذهان حتى اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتى أمسكت بعنانها من الأعمال!
- هذا إلى ما أدخله الزنادقة.. فيما بين القرن الثالث والرابع الهجري.
- وما أحدثه السوفسطائيون الذي أنكروا مظاهر الوجود، وعدوها خيالات تبدو للنظر ولا تثبتها الحقائق.
- وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث.. ينسبونها إلى صاحب الشرع ﷺ ، ويثبتونها في الكتب وفيها السم القاتل لروح الغيرة، وإن ما يلصق منها بالعقول يوجب ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم.
وتحقيق أهل الحق، وقيامهم ببيان الصحيح والباطل من كل ذلك لم يرفع تأثيره عن العامة، خصوصا بعد حصول النقص في التعليم، والتقصير في إرشاد الكافة إلى أصول دينهم الحقة، ومبادئه الثابتة التي دعا إليها النبي ﷺ وأصحابه، فلم تكن دراسة الدين على طريقها القويم إلا منحصرة في دوائر مخصوصة وبين فئة ضعيفة".
"ولعل هذا -يقول الأفغاني- هو العلة في وقوفهم، بل الموجب لتقهقرهم، وهو الذي نعاني من عنائه اليوم ما نسأل الله السلامة منه!! وما دام القرآن يتلى بين المسلمين، وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق وهو القائم عليهم، يتلى بين المسلمين، وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق وهو القائم عليهم، يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنفعة من كل سبيل، لا يقنن لها وجها ولا يخصص لها طريقا. فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل نشأتهم، ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم في فنون الملاحة والمنازلة والمصاولة، حفظا لحقوقهم، وضنا بأنفسهم عن الذل، وملتهم عن الضياع, وإلى الله تصير الأمور".
ويقول:
"هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف
стр. 72
على لذة الحياة، وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية"١.
"إن القرآن حي لا يموت، ومن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب من مقته فهو ممقوت، كتاب الله لم ينسخ، فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم، وما الله بغافل عم تعملون"٢.
"وفي الظن، أن العلماء لو قاموا بهذه الفريضة -فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- زمنا قليلا، ووعظوا الكافة بتبيين معاني القرآن الشريف وإحيائها في نفوس المؤمنين، لرأينا لذلك أثر في هذه الملة يبقى ذكره أبد الدهر، وشهدنا لها يوما يسترجع فيه مجدها في هذه الدنيا، وهو مجد الله الأكبر"٣.
"إن حركتنا الدينية "بالدعوة إلى القرآن" كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل: حملهم نصوص "القضاء والقدر" على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل".
"ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه، فهما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح، مما لا عهد للسلف الصالح به".
"فلا بد إذن من بعث القرآن, وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور" وشرحها على وجهها الثابت، من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى.
"ولا بد من تهذيب علومنا، وتلقيح مكتبتنا، ووضع مصنفات فيها قريبة سهلة الفهم، فنستعين بتلك الكتب والعلوم التي تضمنتها على الوصول إلى الرقي والنجاح"٤.
стр. 73
ويستطرد الشيخ المغربي -أحد أبناء مدرسة الأفغاني- في شأن الرجوع إلى القرآن وتحديد مفهومه، نقلا عن الحديث الشفوي بينه وبين أستاذه في تركيا.. فيذكر:
"القرآن وحده هو سبب الهداية، والعمدة في الدعاية، وما تراكم عليه، وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطاتهم ونظرياتهم، فينبغي أن لا نعول عليه كوحي، وإنما نستأنس به كرأي.. ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه، وإرشاد الأمم إلى تعاليمه وتفسيره وإضاعة الوقت في عرضه"١.
بهذا يكون هناك في تاريخ الجماعة الإسلامية، وفيما أثر عنها فيما يتصل بإسلامها، نوعان من المصادر:
"مصدر مؤكد هو القرآن، وما في منزلته من السنة المتواترة: فالتواتر، والإجماع، وأعمال النبي المتواترة إلى اليوم، هي السنة الصحيحة التي تدخل في مفهوم القرآن والدعوة إلى القرآن وحده"٢.
"ومصدر غير مؤكد: يصح أن يستأنس به، ولكن يجب أن لا يؤخذ به كما هو، وهو ما تجمع حول القرآن من آراء المسلمين، وشروحهم للإسلام".
وعلى هذا النحو يكون تحديد الرجوع إلى المصادر الأولى للإسلام، وفي الوقت نفسه يكون تقويم المدارس الإسلامية المختلفة عند جمال الدين مماثلا لما وجد عند ابن تيمية، وابن عبد الوهاب بعده، ومحمد بن علي السنوسي الكبير أخيرًا.
ولكن الإجماع الذي حدده الشيخ المغربي -نقلا عن حديث الشيخ جمال الدين- ربما يختلف عن ذاك الذي ينسب إلى جمال الدين في مجلة "العروة الوثقى"٣ ونصه:
"وقد بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة الإسلامية أسمى درجة في الرعاية الدينية، حتى جعل إجماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشفا عن حكم
стр. 74
الله وما في علمه، وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعد جحوده مروقا من الدين، وانسلاخا عن الإيمان".
فهذا النص في "العروة الوثقى" يفيد أن "الإجماع".
- أولا: هو إجماع الأمة.
- وثانيا: أن حجيته هي في كل وقت، وليست قاصرة على وقت معين، وجيل معين من المسلمين.
بينما الذي يفيده تحديد الشيخ المغربي -نقلا عن حديث جمال الدين في إجابته عن أسئلة وجهها إليه: أن الإجماع هو إجماع الصحابة "رضوان الله عليهم" على عمل أو أمر وقع في عهد الرسول ﷺ وهو بهذا التحديد له حجيته في الجماعة الإسلامية كلها، وله منزلة تقرب من منزلة القرآن.
ونص الشيخ عبد القادر المغربي في هذا، كما يلي:
"وكذا إجماع المسلمين في الصدر الأول، على حكم من الأحكام العملية الماضية من الزمن: هو ما يتمشى مع القرآن. ولا سيما أعمال النبي ﷺ في حياته هي: تفسير القرآن، وعمل بالقرآن"١.
والفرق بين النقلين في معنى الإجماع: أن أي إجماع بعد إجماع الصحابة، وقع في عهد لاحق لعهد الصحابة، له حجيته في نقل "العروة الوثقى" وليست له حجية في نقل "الشيخ المغربي"!
هل نقل الشيخ المغربي" يعتبر تخصيصا للعموم في معنى الإجماع الذي ورد في "العروة الوثقى"؟.
стр. 75
ربما ... ولكن الذي يفهم من روح مقال "العروة الوثقى" أن جمال الدين قصد هذا العموم؛ لأنه في سبيل بيان قيمة التكتل والوحدة والاتفاق.. وهنا يبدو جمال الدين زعيما شعبيا، أكثر منه مفكرا مجتهدا!
بهذا شرح السيد جمال الدين رأيه في الرجوع إلى القرآن وإلى تعاليمه الصافية، بعد أن آلت شروحه السابقة وتخريجه المتنوع إلى مذاهب، وآل أمر هذه المذاهب إلى تفريق الأمة إلى طوائف، وآل أمر الطوائف إلى العصبية والتنابذ في الخصومة، وصار ذلك كله بالأمة إلى الضعف، ثم إلى الانهيار.
يقول في بعض كتاباته متعجبا من أمر الفرقة بين المسلمين، مع وحدة المصدر في التوجيه، وعدم الاختلاف في المصالح العامة:
"أي فرق بين الأفغانيين وإخوانهم الإيرانيين؟ كل يؤمن بالله وبما جاء به محمد ﷺ فعلى الأفغانيين أن يرفعوا أبصارهم ويستقبلوا حظهم بفكر سديد وعقل رشيد، ويتقدموا للاتفاق مع إخوانهم الإيرانيين، فيس بينهم وبينهم: ما يصح عليه الاختلاف في المصالح العمومية.. فالجميع من أصل واحد, وتجمعهم رابطة واحدة وهي أشرف الروابط: رابطة الدين الإسلامي"١!
يريد إضعاف الفوارق بين المسلمين، لتقوى سيادة المسلمين على أنفسهم وأمام غيرهم!! وإذا اهتم جمال الدين بالإسلام كله بوجه عام في كفاحه ضد الاستعمار الغربي، فإنه يهتم على وجه الخصوص بذلك الجانب من الإسلام الذي يدعو المسلمين إلى العزة والمحافظة على استقلالهم في شخصيتهم بعدم انصهارهم في غيرهم، فضلا عن الخضوع والاستسلام للأجنبي المتحامل عليهم.
بيد أن جمال الدين لم يحاول تلك المحاولة التي حاولها فيما بعد "محمد إقبال" في الهند والشيخ "محمد عبده" في مصر، من شرح المنهج الذي يحول دون الاستمرار في ضعف الأمة الإسلامية، والذي يخلق نشئا
стр. 76
آخر يشعر بالأخوة الصادقة بين المسلمين جميعا، كما يشعر بقوة الإسلام في توجيهه نحو حياة أفضل، ونحو مجتمع متماسك البناء، وهذا النهج قد عرف عند إقبال بـ"إعادة تجديد مفاهيم الفكر الديني في الإسلام" كما عرف عند الشيخ محمد عبده بمنهج "التربية الإسلامية" أو التربية القومية.
جمال الدين الأفغاني وابن تيمية:
قام جمال الدين -إذن- بحركته في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، كرد فعل للاستعمار الغربي، وخاصة في مصر. وقد بدت الرغبة في استعمار مصر واضحة منذ مشروع قناة السويس، ثم اشتدت هذه الرغبة في وضوحها منذ الاحتفال بافتتاحها على عهد الخديوي إسماعيل، حتى كشف عنها القناع تماما منذ الاحتلال البريطاني سنة ١٨٨٢م.
وفي سبيل مواجهة هذا الاستعمار، طالب جمال الدين بمقاومته ... ولأجل هذه المقاومة عمل على إيقاظ روح التضامن الإسلامي، عن طريق: طلب التمسك بالقرآن, والغاء العصبية المذهبية، وطرح التقليد الحزبي، وإعمال الاجتهاد في فهم القرآن، والملاءمة بين مبادئه وظروف الحياة التي يعيش فيها المسلمون، وطرح الخرافات والبدع، التي غيرت من جوهر الإسلام، والتي جعلته وسيلة سلبية في الحياة، بدلا من كونه حقيقة واضحة، وقوة إيجابية في السيطرة على الحياة وتوجيهها. لقد أراد جمال الدين في كفاحه ضد الاستعمار الغربي أن ينقل المسلمين من حال الضعف إلى حال القوة، كي يستطيعوا مواجهة الاعتداء الغربي في إعداده المنظم وعدته القوية.
- وحال الضعف التي كان عليها المسلمون إذ ذاك، تتمثل في: تفرق الكلمة -في تعصب- بسبب كثرة المذاهب وتباينها، والتقليد -في تبعية لا تخضع لترو أو فهم- لآراء أرباب الفرق، والانحراف عن الإسلام بالاعتقاد في البدع والخرافات، ككرامات الأولياء، وقدرتهم على الشفاعة والوساطة. هذا إلى سلبية واضحة في الحياة باتباع التصوف المنحرف، وتحكم عقيدة الجبر والتسليم في التوجيه!
- أما حال القوة: فهي في طرح ذلك كله. والتمسك بالقرآن كأساس موحد بين المسلمين، وإيجابية في الحياة بمباشرة الاجتهاد على الوضع الذي كان عليه السف.
стр. 77
حال الضعف التي وصفها جمال الدين للمسلمين في وقته، هي حال الضعف التي كان عليها المسلمون في وقت "ابن تيمية".
ووسيلة القوة والتكتل التي حددها ابن تيمية من قبل، هي الوسيلة التي تمسك بها جمال الدين، وأصر على سلوكها.
وليس هناك اختلاف بين الاثنين، سوى أن: ابن تيمية برهن كعالم إسلامي مطلع، واستخدم الدليل الديني والمنطقي في تدعيم رأيه، وكتب وراسل وألف. أما جمال الدين فاتخذ أسلوب "الإثارة" وإيقاظ الوعي، فتحدث وخبط، واتصل بزعماء المسلمين وقادتهم اتصالا شخصيا مباشرًا، مستحثا هممهم، ودافعا إياهم إلى مقاومة الاعتداء الغربي، في أية صورة من صور المقاومة؛ لأنه اعتداء مذل مخرب.
- ابن تيمية: كان مضطرا أن يؤلف، وأن يحاج بالدليل النظري والمنطقي أو النقلي؛ لأن خصومه في داخل الجماعة الإسلامية دفعوه إلى الحجاج والنزاع العلمي، وهؤلاء الخصوم هم أرباب الفرق الإسلامية المختلفة.
أما جمال الدين: فقد حدد له خصومة -وهم المستعمرون- نوع الوسيلة التي يقاوم بها، وهي وسيلة الإثارة، والتكتيل الشعبي، عن طريق إلهاب العواطف واستفزاز الهمم الإنسانية والحماس الديني. إذ المستعمر كان حاكما للشعوب الإسلامية، ومقاومته يجب أن تكون -في الصف الأول- من الشعوب ذاتها، وتكتيل الشعوب، وتجميع القوى المنثورة فيها، يتبع إثارة العواطف قبل أن يتبع الإقناع بالحجة.
ومع ذلك فقد خلق جمال الدين جيلا من القادة، خلفه بعد وفاته، على أساس من المعرفة والتبصير الهادئ الرزين، وعلى أساس من فهم صحيح للإسلام وتعاليمه، وفي توجيه العالم المجرب، فلم يكن جمال الدين قائد شعب أو شعوب ضد اعتداء أجنبي قوي منظم فحسب، بل كان مع ذلك رائد فكرة، ورائد فهم سليم للإسلام، ولولا دفع جمال الدين الأفغاني وتبصيره العلمي الإسلامي، لما رأينا من بعد شخصية كشخصية الشيخ محمد عبده، تتميز كل التميز عن أقرانها يومئذ في فهم الإسلام وفي تقدير قيمه، وفي فهم الحياة وظروفها، ولما وجد هذا النظام الإسلامي الشامل للحياة الإسلامية في ظل الإسلام وتعاليمه، الذي وضعه تلميذه المخلص محمد عبده.
стр. 78
هذا فضلا عن الفارق، الذي ذكر غير مرة. وهو: أن كلا من حركة ابن تيمية وحركة جمال الدين الأفغاني، أخذت طابعا معينا، أملته ظروف كل من صاحب الحركتين. فقد أملت ظروف الشيخ جمال الدين عليه وسيلة الكفاح في رد الاعتداء, كما أملت عليه طابع حركته, فأصبح مظهرها مصبوغا بالصبغة السياسية؛ لأنها في مواجهة اعتداء سياسي مقنع، ينطوي تحته اعتداء صليبي، وقد كشف اللورد اللنبي -بعدما استولى على القدس في أعقاب الحرب العالمية الأولى- هذا القناع بكلمته المشهورة: "الآن انتهت الحروب الصليبية، وانتصرت"!!
تقدير المستشرقين لجمال الدين الأفغاني:
مع نشاط جمال الدين الواسع، وحركته الدائبة في مقاومة الاستعمار الغربي، وجلده القوي الطويل المدى في هذه المقاومة، يحاول المستشرقون وزنه وتقديره في جانبه الفكري، على أساس أنه لم يكن عميق التفكير ولم يكن الشخص الذي يمكنه أن يفيد الإسلام في عرض أفكاره وتعاليمه له.
يعلق المستشرق الإنجليزي "جب" عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، في كتابه "الاتجاهات الحديثة في الإسلام" The Modern Trends in Islam على رأي "محمد إقبال" في جمال الدين، على النحو الآتي١:
"إقبال يرى أن جمال الدين كان إنسانا له نظرة عميقة في تاريخ الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية. لذلك كان يعتقد أن جمال الدين لو ركز قوته الذهنية في خدمة الإسلام كنظام للتوجيه الإنساني والحياة الاعتقادية للإنسان، لوجد العالم الإسلامي اليوم على أساس أقوى بكثير".. وعلى هذا الرأي يعقب "جب" بقول: "إن العمل الوحيد الذي نشر لجمال الدين هو كتاب "الرد على الدهريين" وهو عمل لا يوحي مطلقا بأن جمال الدين إنسان له هذه الاستطاعة العقلية، على نحو ما تنبأ إقبال"!!
ولو فارقنا "جب" إلى مستشرق آخر ... مثل "برون" Brown أو "آدمز" Adams، لوجدنا أن جمال الدين في كتاباتهم: شخصية تملكها
стр. 79
الحق على الاستعمار الغربي، بعد أن تمكنت منه العاطفة غير المعتدلة في أحكامه وفي مقاييسه، أما نصيبه في التفكير عند أمثالهما: فغير وافر في كمه، وغير عميق في نوعه!!
يقدر المستشرقون جمال الدين على هذا النحو؛ لأن جمال الدين واجه الاستعمار الغربي وجها لوجه، ولم تضعف إرادته في مقاومته، ولم يدار أو يموه بالنسبة لنقائص الغرب في المجتمع البشري، وقد أشاد بالإسلام في مواجهة المسيحية، فكان نصيبه من دراسة المستشرقين لآثاره نصيب المفكر الإسلامي ابن تيمية، الذي وصف في كتاباتهم بضيق الأفق وعدم تقديره للعقل الإنساني فيما كتبه في: "رد المنطق"، ويعلم الله أن ابن تيمية أراد بكتابه هذا أن يبين أن الإسلام ليس في حاجة إلى "منطق الإغريق" ليروج، أو لتوزن به مبادئه، فله أسلوبه الخاص، ومنهاجه الواضح في الدعوة إلى الله وهدايته للإنسان، ولكن السبب الخفي في الحقد على ابن تيمية، هو مهاجمته للمسيحية، في شخص الصليبية التي حاولت انتزاع بيت المقدس من المسلمين، كما حاولت تحطيم جمعهم والنيل من مقدساتهم.
وقبل أن ننتقل من عرض الكفاح الفكري الديني والسياسي لجمال الدين الأفغاني، يجب أن نشير إشارة وجيزة إلى رده على المستشرق الفرنسي رينان Ernest Renan أثناء إقامته في باريس سنة ١٨٨٢م.
ألقى رينان محاضرة في السوربون عن: "الإسلام والعلم" في مارس سنة ١٨٨٣م وذكر في هذه المحاضرة: أن الإسلام لا يشجع الجهود العلمية، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات وخوارق العادات، وإيمان تام بالقضاء والقدر "الجبر".
وتولى جمال الدين الرد عليه في Journal Des Debats ... ويتلخص رده فيما يلي:
"إن المرء ليتساءل بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها: أصدر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها، أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية في العالم، أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو
стр. 80
حملت على اعتناقه بالقوة وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميعا مصدر ذلك؟؟ "١.
ومعنى هذا: أن تقييم الإسلام، من حيث هو دين ومنهج هداية من الله ، يجب أن لا يدخل فيه ما ينسب للإنسان من أفهام وعادات، وإنما يجب أن يراعي في تقييمه -فحسب- مدى حظ مبادئه في هداية الإنسان وتوجيهه الوجهة السليمة الملائمة لحياته، كإنسان متميز عن غيره من الكائنات الأخرى: يجب أن لا تكون صنعة الإنسان العقلية فيه، وعاداته التي ورثها، هي الميزان والفيصل في تقدير مبادئ الإسلام.
وفي هذا المجال بالذات، سنعرض لرد الشيخ محمد عبده فيما بعد على ما ذكره رينان هنا ... وسيتجلى لنا فرق واضح بين رد التلميذ وأستاذه: ففضلا عن أن الشيخ عبده أوضح تماما "وجوب الفصل في القيم" وعدم الخلط في تقييم الفكر والمبادئ بقيم حامليها والمتصلين بها، فقد عمد إلى شرح عقيدة "القضاء والقدر" التي كانت محور تشنيع رينان على الإسلام، بما يبعدها تماما عما يسمى "بالجبر" وجعل هذه العقيدة حافزا ودافعا لمن يعتقدها إلى العمل والسعي الإيجابي في الحياة. وبذلك استطاع الشيخ عبده أن يدخل دخولا مباشرا في المشكل، ويحدد معناه من تاريخ الإسلام نفسه، رافضا المعنى الآخر الذي يعتبر دخيلا، وهو معنى "الجبر" الذي يراد أن تؤسس عليه النتيجة التالية: أن يدعو إلى عدم العمل، فهو لذلك صورة من الصور الـFatalism، أو هو ذلك المذهب المعروف، بالتواكل.
ولأن السيد جمال الدين لم يعن في هذا الرد عنايته في الرد على الدهريين بالهند، ولم يكن لتفكيره هنا نفس العمق ولا أسلوب الجدل القوي اللذين يكونان طابع التفكير عند الشيخ عبده في رده على رينان، قصدنا إلى الإشارة الموجزة لرد السيد جمال الدين هنا إتماما لتصوير كفاحه ضد الاستعمار الغربي في مظهره السياسي، وفيما أوحى به هذا الاستعمار من فكرة مشككة أو عقائد ناشزة يحترفها دعاته من المسلمين، وأخيرا فيما يوعز به من الخارج، ويدفع به إلى داخل الجماعة الإسلامية، بغية تمزيقها وقصدا إلى خلخلة الصلة بين المسلم وإسلامه.
стр. 81
مات جمال الدين في سنة ١٨٩٧م، بعد صراع عنيف مع الاستعمار الغربي استمر قرابة ثلاثين عاما، ولكن ما أن توفي -عليه رحمة الله- حتى انتشر كفاحه واتجاهه في التفكير في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبخاصة في تلك الأنحاء التي تسلط فيها الأجنبي وعبث بمقدسات المسلمين وبكراماتهم واقتصادياتهم ومواردهم في الثروة الطبيعية.
مات جمال الدين في استانبول، وظهر أثره.
-في مصر: عند محمد عبده ومدرسته "السلفية".
- وفي الجزائر: في جمعية علماء الجزائر "لمؤسسها المرحوم عبد الحميد بن باديس المتوفى سنة ١٩٤٠م".
- وفي أندونيسيا: في حركة تجديد "المنار".
- وفي الهند: جماعة أهل الحديث. وفي ندوة العلماء "لمؤسسها محمد شبل النعماني المتوفى سنة ١٩٤١م" وفي أزهر الهند: في مدرسة دار العلوم في "ديوبند"، والتي نقلت بعد تقسيم ١٩٤٨م "إلى أكوري" ببشاور في الباكستان.
وفي كل هذه الحركات نجد هدفا واحدًا: هو تحرير الوطن الإسلامي من الاستعمار الغربي، ومحاربة الاتجاه الاستعماري في التفكير ثم نجد مع هذا الهدف، الوسائل لتحقيقه.
- أما تحرير الوطن الإسلامي من الاستعمار الغربي في كل هذه الحركات: فيعتمد على استرجاع قوة المسلمين في تكتلهم وتآخيهم. واسترجاع هذه القوة يعتمد بالتالي على طرح ما طرأ على الإسلام من عادات غريبة في السلوك، وأفهام سقيمة في تخريج نصوصه وشرح تعاليمه. ثم على الرجوع إلى موقف المسلمين الأول من القرآن في استلهامهم التوجيه منه مباشرة، لطبع تصرفاتهم بالطابع الإسلامي من جهة ولوصولهم إلى الغاية التي ينشدونها في أمان وسرعة من جهة أخرى.
- وأما محاربة الاتجاه الاستعماري في التفكير، فبالوقوف في وجه الشبه التي تثار، والتخريجات المغرضة لنصوص مصدري الإسلام: القرآن والسنة الصحيحة. وبيان محاولات تزييفها بالأسلوب العلمي والتاريخي، وتصحب ذلك محاولة تقريب مبادئ الإسلام من العقلية
стр. 82
الإسلامية الحديثة، وتوضيح أن هذه المبادئ هي لتوجيه الإنسان توجيها سليما، سواء في عصر الإبل، أو في عصر الحضارة القديمة، الهندية، والفارسية، والإغريقية، أو في عصر الحضارة الإسلامية، أو في عصر البخار والآلة، أو في عصر الذرة والإنسان الآلي الذي لم يشهده جمال الدين. وتوضيح ذلك كله، وليس من الوجهة النظرية فحسب، بل من الوجهة العملية أيضا.
ولهذا الشبه في الهدف والوسيلة بين هذه الحركات التي ترجمت كفاح جمال الدين الأفغاني من جديد، نجد ما ينسب إلى الشيخ عبده في مصر من حركة إصلاحية، ودعوة إلى تحديد المفاهيم الإسلامية تحت تأثير الحياة الحديثة وما فيها من حضارات لم تكن مألوفة، وإمكانيات لسيطرة الإنسان على الحياة لم يكن للمسلمين عهد بها من قبل. هو ما نجده كذلك عند زعماء تلك الحركات "التحررية". والاختلاف بينها في سعة الحركة الإصلاحية أو ضيق نطاقها. أو في قوة الدعوة إليها أو ضعفها!
وما ينسب للشيخ عبده: من منهاج تربوي لتنشئة المسلم الصغير، وتقويم العامي، وتخريج الدعاة والباحثين، وتثقيف المرأة، وما نجده عنده من منهاج للتعليم "الوطني". نجده أيضا أساسا من أسس تلك الحركات، مع ما قد يكون من فارق بينهما في النوع أو الكمية!
- فالتعبئة العامة للشعوب الإسلامية على أساس من دينها، لا على أساس من مذاهب الطوائف فيها، ومن أجل هذا الدين هي مجمل هذه الحركات.
- وأن يكون الدين لسيادة المؤمنين به، وأن يكون واجب هؤلاء المؤمنين أن يحافظوا عليه ويتمسكوا به ويدافعوا عنه لتبقى لهم السيادة هذا هو شعار تلك الحركات.
ذلك وصف إجمالي للاتجاه الفكري الإسلامي المقاوم للاستعمار الغربي، أما الاتجاه الآخر المقابل له.. فقد أدرك الاستعمار أن مذهب العقيدة الجديد الذي ساعد هو على قيامه وانتشاره في الهند، وفيما وراء الهند بعد ذلك في آسيا وأفريقيا، حتى أوروبا نفسها "في لندن وألمانيا" سوف لا يلقى الانتشار المرجو له؛ لأن مخالفته الأصول الإسلامية بدت
стр. 83
مخالفة واضحة صريحة، كما سبق أن أشير إلى ذلك. ومع ذلك يجب أن تستمر مساعدته ومساندته، إذ مهما كان من أثر فسيجذب بعض تفكير المسلمين المعارضين إلى بحث قضايا دينية، وسيثير عندهم جدلا، وسيأخذ من وقتهم ما يخف به ضغطهم ضد الاستعمار, وتضعف به يقظتهم لأسلوب آخر يستخدمه الاستعمار في تأمين نفسه، ولن يكون آمنا على نفسه إلا عندما ينقسم المسلمون إلى شيع يجادل بعضها بعضا، وإلا عندما تضعف القيم الإسلامية في نفوسهم.
لهذا عاد الاستعمار من جديد فشجع اتجاه السيد "أحمد خان" وهو اتجاه "التجديد" في الإسلام، ومحاولة الملائمة بين تعاليم الإسلام وقوانين "العلم" أو الطبيعة.
وهنا -منذ انتهاء القرن التاسع عشر- برزت نزعة التجديد في التفكير الإسلامي وتحديد غايتها في وضوح:
- في محاولة الملائمة بين العلم والدين.
- وفي اعادة امتحان أسس العقيدة واختبارها، في ضوء الفكر الغربي الحديث.
وظهر في مصر مجددون.
وفي الهند، وفي إيران، وفي تركيا.. ظهر مجددون آخرون!!
وفي الوقت الذي كانت عوامل الاستعمار الغربي تعين على دفع حركة التجديد في هذه الخطوات في سيرها نحو تقريب الفكر الغربي للعقلية الإسلامية على حساب التعاليم الإسلامية الأصيلة، بدعوى الملائمة بينهما، وبدعوى أن الفكر الغربي الحديث أثبتت الحضارة الغربية قيمته ووزنه في الحياة، فلكي يعيش الإسلام أو لكي يبرهن الإسلام على وجود نفسه أو صحته: يجب أن يسير في اتجاهه ويختبر نفسه بموازينه.
في هذا الوقت نفسه، كانت عوامل الاستعمار نفسها تضغط على الثقافة الإسلامية، وعلى المظاهر الإسلامية بين الشعوب الإسلامية، بدعوى أن التشدد فيها نكسة ورجعية، وأن التزام مجاراتها يبعد الإنسان الحديث عن أن يعيش في الحياة الحديثة! وقد ربط الاستعمار في التدليل على ذلك بين حال المسلمين إذ ذاك -وهي حال متأخرة- هزيلة. وبين ما سماه التمسك بالإسلام أي: إن تلك الحال المتأخرة هي نتيجة التمسك بالإسلام.
стр. 84
ترى أي إسلام يتمسك به المسلمون أصحاب هذه الحال؟.
أهو إسلام القرآن. أم إسلام البدع وإسلام التعصب للمذاهب؟
وتولى أعوان الاستعمار في الأجهزة المشرفة على التعليم والتوجيه الرسمي القيام بهذه الرسالة: وهي الضغط على الثقافة الإسلامية في برامج المدارس وفي الوظائف الحكومية، وفي حياة المجتمعات الإسلامية. وهكذا وجد في الهند، وأندونيسيا، والجزائر، "دانلوب" آخر، على نحو "دانلوب" مصر!. ووجد ازدواج في التعليم: أحدهما مدني والآخر ديني. والمدني هو التعليم التقدمي، والديني هو التعليم الرجعي!! وصاحب الثقافة المدنية هو الأجدر لذلك بوظائف الحكومة، أما صاحب الثقافة الدينية فهو نفسه لا يصلح للحياة في نظر هذا المنطق، فضلا عن أن ينتظر منه أن يساهم في دفع الحياة إلى الأمام!
والأزهريون في مصر، والمتخرجون في مدرسة دار العلوم "بديوبند" بالهند وفي جامع الزيتونة بتونس، وجام القرويين بالمغرب، يحملون صفة التخلف عن ركب الحياة لا لشيء إلا أنهم حملة الثقافة الإسلامية ودعاة الفكر الإسلامي المناوئ للاستعمار، وانقسمت الجماعة الإسلامية بذلك في كل قطر إسلامي إلى جماعتين، كل منهما تحمل الحقد والكراهية للأخرى، والاستخفاف في التقدير، وسوء الفهم في المعاملة!!
- وظهر في أصحاب الثقافة المدنية، أي: اللادينية واللاإسلامية: فريق دعاة التجديد.
- بينما قام من أصحاب الثقافة الإسلامية: نفر -قليل- يدعو إلى "الإصلاح الديني" وإلى تمجيد القيم الدينية، كما يدعو زملاءه في الثقافة إلى تحصيل المعارف الحديثة، لا حرصا على المساهمة في هذه الحياة القائمة؛ ولكن لأن الإسلام نفسه يدعو إلى العلم والحضارة، كما يدعو إلى القيم والفضائل الإنسانية!
ومن هنا وجدنا الشيخ "محمد عبده" في مصر يدعو إلى إصلاح الأزهر، ويربط بين إصلاحه وإصلاح حال المسلمين، وفهم رسالة الإسلام على حقيقتها. وأخيرا يربط بين هذا الإصلاح من جانب، ومقاومة الاستعمار الغربي وسيادة الأمة الإسلامية على نفسها من نفسها من جانب آخر.
стр. 85
ودعوة الشيخ "محمد عبده" لإصلاح الأزهر صادفتها دعمة مماثلة في الجزائر عن طريق "جمعية العلماء"، التي حرصت كل الحرص على تحويل أكبر عدد ممكن من المدارس الأولية في القرى إلى مجال تحفيظ القرآن الكريم، إبقاء على اللغة العربية وعلى الروح الإسلامية والشعور بالإخاء الإسلامي. ذلك الذي بدا أثره واضحا اليوم في الكفاح الدموي بين مسلمي الجزائر والاستعمار الغربي، ولم يؤثر قرن وربع قرن من الزمان على تلك الروح!! وفات على المستعمر مقصده الذي طالما سعى لتحقيقه المستمر بمحاربة اللغة العربية، ومنعها من التداول، إلا في نطاق ضيق، وكذا بتشويه الإسلام عن طريق الإرساليات التبشيرية، وما يسميه بالبحوث العلمانية، وبحوث المستشرقين، أصحاب المشورة والرأي في توجيه السياسة الاستعمارية في الشرق الإسلامي.
وعلى غرار دعوة الشيخ "محمد عبده" في مصر قامت دعوة أخرى في الهند، سواء في مدارس "أهل الحديث" هناك، أو في مدرسة "دار العلوم" بديوبند.
ولم يفت الاستعمار الغربي مع ذلك أن يبشر بفكرة جديدة تبدو بعيدة عن الإسلام وتعاليمه، ولكنها متصلة به اتصالا وثيقا. فإن نجحت هذه الفكرة كانت وسيلة أخرى لفصم المسلم عن إسلامه أو إضعاف اعتقاده به، وإن لم تنجح فقد خلقت جوا من التوتر بين المسلمين، وبالتالي أحدثت اهتزازا لماضي المسلمين!!
من ذلك: فكرة كتابة العربية بالحروف اللاتينية كما فعلت تركيا.
وفكرة نشر "الثقافة الخفيفة".
وفكرة اللغة العامية في أسلوب الكتابة وفي أحاديث الإذاعة وفي مقالات الصحف.
كل ذلك بدعوى أن ذلك يجاري الواقع من جهة، أو يدعو إلى تخفيف الانفصالية بين الشرق والغرب من جهة أخرى!!
وكل هذه الأفكار تقوم على وضع حجاب كثيف بين ماضي الشعوب الإسلامية -في تاريخها وإسلامها وكفاحها وبطولتها- وبين حاضر هذه الشعوب، حتى لا تستطيع أن تستند إلى ذلك الماضي يوم أن يعتدى عليها أو تسلب حقوقها.
стр. 86
على أن الاستعمار الغربي وقد وضع خطته هذه في توجيه الفكر الإسلامي وجهة ملائمة له، وعمل على ضغط الثقافة الإسلامية: بالتقليل من شأنها، وإبعادها عن مجال التثقيف، والتخفيف من شأن حملتها، بتقديرهم تقديرا ماديا متواضعا في الدائرة الضيقة التي يسعون للتوظف فيها. لم يفته أن يضع مثل ذلك في سياسته التي يدير بها الشعوب الإسلامية الأخرى.
- فخلق المشكلات الطائفية في "لبنان". متذرعا بإحصاءات واعتبارات تتلاعب في تقديرها الأهواء، ليحول وجودها دون تكتل شعوب الشرق الأدنى على أساس من الإسلام.
- وأنشأ "إسرائيل" كدولة يهودية. ليحول إنشاؤها دون تكتل هذه الشعوب على أساس من مقومات اللغة العربية، والتاريخ العربي المشترك.
- وقرار "تدويل القدس". ليس سوى عمل سياسي استعماري غربي لتحقيق فكرة الكتلة الصليبية، في إبعاد المسلمين "البرابرة" عن مهد "الإنسانية"!!
ولا يفوتني هنا بالذات، أن أشير إلى سذاجة وزير مصري مفوض لدى الفاتيكان في العهد السابق قبل قيام الثورة -وبعد أن نشأت العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان وبين مصر في أعقاب الحرب العالمية الآخيرة- كان يكتب التقرير تلو التقرير إلى وزارة الخارجية المصرية يمجد فيها رأي الفاتيكان في تدويل القدس، ويعد هذا الرأي تقربا من المسيحية الكاثوليكية إلى الإسلام، ويطلب مزيدا من التعاون بينهما في النطاق الدولي، والنطاق الثقافي. وللفاتيكان نفسه عشرات من المدارس الدينية في مصر، لها أسماء مختلفة بأسماء عدد من القديسين، وبأسماء دينية مسيحية: "كالسكركير" و"المير دي دييه" و"الفرير" و"الجزويت"، وهي تعلم لغات مختلفة كالألمانية والفرنسية والإيطالية والأسبانية، وهدفها واحد والتوجيه فيها يخضع لمجلس يرأسه القاصد الرسولي في مصر، وهو ممثل دولة الفاتيكان!!
- وما مشكلة "كشمير" إلا وسيلة أخرى للحيلولة دون نمو الباكستان وتقدمها الزراعي على وجه خاص، وخلق هذه المشكلة عند قيام هذه الدولة أشبه بتهديد الفناء لمولود جديد، لم تتوافر له كل إمكانيات المولود الطبيعي.
стр. 87
- إن دعاة "الإصلاح الديني" بعد جمال الدين الأفغاني يمثلون حركة دفاع أو إنقاذ.
- وعادة "التجديد" بعد السير أحمد خان، يمثلون الهجوم الصليبي الاستعماري الغربي على مقومات المسلمين. ولكن ليس بلازم أن يكون جميع هؤلاء المجددين على صلة مباشرة بالاستعمار الغربي وبخططه، بل كثيرا ما يكونون قد تأثروا ببريق "التجديد" وما صحبه من حضارة مادية تأثرا إيجابيا، بينما تأثروا على النقيض بحاضر المسلمين، ومستوى حياتهم المتواضعة، وضعف سعيهم نحو حياة ومستقبل أفضل.
وسنعرض فيما يلي لاستمرار الفكر الإسلامي المقاوم للاستعمار، في حركة الشيخ "محمد عبده".
على أن نتبعه بعرض للاتجاه الآخر في صورة "التجديد" و"المجددين".
стр. 88
محمد عبده:
يصور الشيخ "محمد عبده" أهداف تفكيره بقلمه الخاص فيما يلي:
"وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين:
- الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفها إلى ينابيعها الأولى، واعتباره -الدين- ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه. وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منها جسم الأمة: طلال علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.
- أما الأمر الثاني: فهو إصلاح اللغة العربية.
- وهناك أمر آخر: كنت من دعاته، والناس جميعا في عمى عنه، وبعد عن تعقله، ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية, وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه ... وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب, وما للشعب من حق العدالة على الحكومة, نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم -وأن وجبت طاعته- هو من البشر الذين يخطئون، وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يوقف طغيان شهوته إلى نصح الأمة له بالقول والفعل!
"جهرنا بهذا القول، والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له، أي عبيد!!
"نعم، إنني في كل ذلك لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع!! غير أني كنت روح الدعوة. أصبت نجاحًا في كثير مما عنيت به، وأخفقت
стр. 89
في كثير مما وجهت عزيمتي إليه، ولكل ذلك أسباب: بعضها مما غرز في طبعي. وشيء منها مما دار حولي"١.
محمد عبده في طريق جمال الدين:
لم يشذ الشيخ محمد عبده في حركته الفكرية، عن أن يسير في ذات الطريق الذي سلكه جمال الدين الأفغاني، ولا عن الغاية التي وضعها هدفا له. كما اعتمد على نفس السند الذي اعتمد عليه أستاذه من قبل.
وليس من شك في أن الشيخ محمد عبده واحد من أولئكم الزعماء الذين وصفوا بالزعماء الوطنيين. وهم في واقع الأمر زعماء مقاومة الاستعمار الغربي، ومعارضة النفوذ الأجنبي في دائرة العالم الإسلامي "العربي"!! وهو لا يقل في التأثير على التوجيه القومي عن مواطن معاصر له مثل "مصطفى كامل"، صاحب تلك الحركة التي اتجهت إلى مقاومة الاستعمار الإنجليزي مباشرة في مصر، ورئيس الحزب الوطني السياسي في السنوات العشرة الأخيرة، من حياة الشيخ محمد عبده.
وإذا كان الشيخ محمد عبده قد ابتعد في الفترة الأخيرة من حياته التي تزعم فيها مصطفى كامل الحركة الوطنية في مصر، وإذا كان لم يشاركه في التوجيه السياسي القومي ضد الاستعمار الغربي في ذلك الوقت، مؤثرا تركيز نشاطه الخاص في الجانب العلمي والديني. فإن ابتعاده عن مجال هذا التوجيه السياسي القومي طوال هذه الفترة لا يحول دون أن يؤرخ له كصاحب دور رئيسي في توجيه الحركة الوطنية المصرية، التي برزت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
أما سبب اعتكافه وتوفره على الجانب العلمي والديني، فلعله رأى أن العمل في هذا الجانب ليس متوفرًا لكثير من أصحاب النشاط في الجانب القومي والسياسي إذ ذاك، لعدم توسعهم الكافي والعميق في فهم المبادئ الإسلامية، والمصلحة الوطنية نفسها تقضي عندئذ بتوفره هو على ذلك. أو لعله رأى من تجاربه في الصراع الوطني السابق على الاحتلال البريطاني الرسمي ١٨٨٢م. ومن اختلافه مع عرابي وبعض رفاقه في طريقة الصراع
стр. 90
وأسلوب الكفاح، أن الأولى له -لعدم تبديد نشاطه وقوته- أن يتوفر على الجانب الذي توفر عليه أخيرًا، وهو الجانب الإسلامي الفكري والتربوي.
ومنذ هذا الحين الذي اعتزل فيه الشيخ عبده الإسهام في قيادة الجانب القومي وترك الزعامة فيه لغيره، واحتضن الجانب الإسلامي -تفكيرا، وتعليما، وإحياء- منذئذ عرف في تاريخ الحركات الإسلامية في العالم العربي خاصة، أن لكل من الجانبين: الوطني والديني زعماء باشروا قيادته وتوجيهه:
- عرفت "للشيخ محمد عبده" مدرسة، وعرف له أتباع وتلاميذ.
- كما عرف لـ"مصطفى كامل" أنصار وأشياع.
ولكن هذا الفصل بين الجانبين، يرجع إلى تنظيم الجهود الوطنية في مقاومة الاستعمار الغربي، أكثر من أن يهدف إلى تحديد مناطق نفوذ بأن تكون للدين منطقته وللسياسة منطقتها، ولم يعرف لأي اتجاه قومي أصيل في العالم العربي خاصة، منذ أخريات حياة الشيخ محمد عبده حتى الآن، أنه يحاول قصر الإسلام على "ضمير الفرد" وإبعاده من علاقة الفرد بالفرد في الجماعة، أو في علاقة الأفراد بالدولة، أو في علاقة الدول بعضها ببعض!
ولقد أسس "مصطفى كامل" حركته لمقاومة الاستعمار البريطاني في مصر على أمرين رئيسيين:
- على خلق الوعي الوطني.
- والوعي الإسلامي.
وكان من رأي "مصطفى كامل" أن التعليم العالي، والتعليم الجامعي على الأخص، هو وسيلة إيجاد الوعي الوطني.
أما إيقاظ الشعور الإسلامي، وربط مصر بالعالم الإسلامي الخارجي على أساس من التذكير بتعاليم الإسلام، فقد وكل أمره إلى الصحافة. على أن تسهم أيضا في تقوية الوعي الوطني المصري.
وقد اختلف مصطفى كامل مع الشيخ محمد عبده فترة من الوقت. ولكن لم يكن مرجع هذا الاختلاف إلى أن الشيخ عبده كان يدعو إلى التمسك
стр. 91
بالإسلام ويدعو إلى العودة للقرآن على نحو ما دعا؛ بل لأنه توفر على ما سماه بـ"الإصلاح الديني"، وابتعد كلية عن الإسهام في التنوير السياسي العالم.
- وإن الحركة القومية التي عرفت في مصر سنة ١٩١٩ برئاسة "سعد زغلول" إنما نشأت ونمت داخل جدران الأزهر، واعتمد خطباؤها على المنابر في المساجد، والمجتمعات العامة السياسية، كما اعتمد كتابها في الصحافة على كثير من آيات القرآن. وهي الآيات التي تنصح بالتعاون والتماسك، وتدعو إلى نبذ ولاية الأجنبي، ومقاومة نفوذه في التوجيه، وتصريف شئون الجماعة الإسلامية.
- كما أن مقاومة السلطة البريطانية المنتدبة من قبل عصبة الأمم في جنيف بعد الحرب العالمية الأولى على العراق وفلسطين، تأسست على تمجيد الإسلام، والدعوة إلى التمسك به في مقاومة النفوذ الأجنبي. وقد كان "مفتي فلسطين" -في ذلك الوقت- رمز الزعامة الوطنية السياسية الفلسطينية!!
- وكذلك صدرت مقاومة النفوذ الفرنسي في سوريا الممثل في سلطة الانتداب أول ما صدرت عن "الجامع الأمور" في دمشق، وقاد علماء المسلمين هناك المظاهرات الشعبية ضد هذا النفوذ وتولوا الكتابة عنه في الصحف!
ومع ذلك فقد وضح في تاريخ الاتجاهات الفكرية داخل العالم العربي في النصف الأول من القرن العشرين أن هناك فصلا -في الظاهر على الأقل- بين النشاطين: القومي "السياسي" في الحركات الإسلامية لمقاومة الاستعمار الغربي بعد جمال الدين الأفغاني، بتأثير من جمال الدين نفسه، فإن الشيخ محمد عبده بتوفره على ما عرف منسوبا إليه باسم الإصلاح الديني قد خلق مدرسة.. مدرسة فكرية، ودينية، وعلمية، وتربوية تتجه لمقاومة الاستعمار الغربي نفسه اتجاها غير مباشر، ولا تقل وزنا في تحقيق هذا الهدف عن ذلك النشاط القومي السياسي.
الشيخ محمد عبده..القروي، المصري، الأزهري:
عرفت بيئة الشيخ محمد عبده في القرية بأنها بيئة الرجل الفقير.. وعرفت قريته بأنها مثل من الأمثلة العديدة لمستوى الحياة المصرية الخالصة،
стр. 92
وهي حياة الكادحين المكروبين المستذلين، والمؤمنين بالله، الذي يرون في الآخرة العوض لهم عن حياتهم الحاضرة.
نشأ الشيخ عبده في هذا الجو. واتصل في تربيته بـ"كتاب القرية" ثم بالأزهر. و"كتاب القرية" والأزهر، كلاهما يعني بالإسلام الأول يعنى بتحفيظ القرآن وهو المصدر الأول للإسلام، والثاني يعنى بتدريس شروح القرآن وبمدارس المسلمين الفقهية والكلامية والأصولية، كما يعنى باللغة العربية في قواعد إعرابها وفي وصف أسلوبها, والأزهر في عنايته بالمعرفة الإسلامية التي تدور حول القرآن الكريم، إنما كان يعنى بها على النحو الذي وصلت إليه هذه المعرفة في الحلقة الأخيرة من تاريخ الفكر الإسلامي والتأليف العربي:
- منحى الجدل العقلي، الذي يجري لأجل الدربة الذهنية، أكثر من استخدامه لمعرفة قيمة الحجة.
- ومنحى المناقشات اللغوية التي تدور حول اللفظ أو التركيب المفرد. أكثر مما تدور حول المعنى والهدف العام للأساليب!!
- وهو منحى التزام أحكام فقيهة خاصة صدرت في وقت معين من مؤلفين معينين، أكثر من التزام منهج لتقدير هذه الأحكام ثم البناء عليها!!
وبحكم ظروف خاصة بالشيخ عبده، أضاف إلى هذا اللون من المعرفة -في تنشئة نفسه- لونا آخر تأتى له عن طريق خال والده الشيخ درويش خضر. ذلك "الشيخ" الذي اتصل بـ"الزاوية السنوسية" وتعلم فيها وسيلة صفاء القلب، وعرف عن طريقها ما يجب أن يتبع في فهم الإسلام وذلك بالاحتكام إلى القرآن والسنة الصحيحة، وعدم التعصب لما سواهما من أقوال أرباب المدارس والشروح والمؤلفين المسلمين، وهذا الذي كان يمارسه الشيخ درويش خضر من الإسلام العملي، وما كان يعرفه من الإسلام، ومن مقاييس فهمه، هو ما يعرف بالنظام الصوفي الفكري الإسلامي "للسنوسي الكبير" وهو نظام يهدف إلى سمو الروح، وتهذيب النفس، وتوكيد أواصر الأخوة الإسلامية، وإجادة فهم الإسلام.
بهذين اللونين من المعرفة: ما كان عن طريق الأزهر، وما كان عن طريق الزاوية السنوسية ... تكونت لدى الشيخ محمد عبده:
- معرفة عقلية للإسلام.
стр. 93
- ومباشرة عملية لتهذيب النفس.
- ثم تقدير للثقافة الإسلامية القائمة في الأزهر إذ ذاك.
- وفي ضوء ذلك كله ابتدأ -بعد تلمذته على الشيخ خضر- يتخير أساتذته في المرحلة الأخيرة من مراحل دراسته في الأزهر.
- فتخير "الشيخ حسن الطويل" لدراسة الفلسفة السينائية، والمنطق الأرسطي.
- والشيخ "محمد البسيوني" لدراسة الأدب العربي.
- وبعد أن علم بقدوم "جمال الدين الأفغاني" إلى القاهرة اتصل به، وصحبه في مجالسه وندواته, وجمال الدين هو السياسي الثائر على استعمار الغرب للبلاد الإسلامية.
- وكما ابتدأ يتخير أساتذته بين علماء الأزهر ابتدأ ينقد الطابع العام لتفكير رجال الأزهر، وكتب الدراسة فيه، وطرق التدريس المتبعة هناك.
- وباتصاله بجمال الدين الأفغاني ابتدأ يدرك الحالة الداخلية في مصر: من سوء معاملة الحكومة للفلاحين، ومن الاستبداد السياسي القائم في الحكم. وهي حالة انطبعت في نفسه منذ أن نشأ في قريته. ولكنه ربما لم يستطع أن يدركها، ويعبر عنها تعبيرا واضحا قبل أن يتصل بجمال الدين. وباتصاله بجمال الدين، ابتدأ يدرك أيضا زيادة على ذلك: التعقيد السياسي والاقتصادي في مصر، وتسرب النفوذ الأجنبي في المشاكل المصرية، وتسربه باسم الإصلاح القومي، أو باسم المصلحة الأوروبية!!
وهكذا جمع الشيخ "محمد عبده" في معرفته:
- بين بيئة القرية، وبيئة المدينة التي هي مقر الحكم في مصر.
- وبين المعرفة العقلية، والتهذيب الروحي الصوفي المتزن.
- وبين تفكير القرون الوسطى والتفكير المعاصر في وقته.
- كما عرف الجمود في التفكير، والثورة فيه.
стр. 94
ولقد حرص الشيخ عبده على ماضيه.
كما حرص على أن يعيش في حاضره، ولكن على سند من الماضي وفي أسلوب الحاضر.
الشيخ محمد عبده المفكر:
تناول الشيخ محمد عبده في تفكيره عدة جوانب رئيسية:
- الجانب القومي والوطني.
- والجانب الاجتماعي.
- وجانب الاعتقاد.
- وأخيرا ... الجانب التربوي والتوجيهي العام.
الجانب القومي:
تناول محمد عبده في الجانب القومي: حدود الوطن، وضرورة شعور المواطن بوطنه، والصلة الوثيقة بينهما يقول:
"وجملة القول إن في الوطن من موجبات الحب والحرص والغيرة، ثلاثة تشبه أن تكون حدودا:
- الأول: إنه السكن الذي فيه الغذاء، والوفاء والأهل، والولد.
- الثاني: إنه مكان الحقوق، والواجبات التي هي مدار الحياة السياسية وهما حسيان ظاهران.
- والثالث: أنه موضع النسبة التي يعلو بها الإنسان ويعز، أو يستغل ويذل.. وهو معنوي محضا"١.
ثم يستطرد فيقول:
"ولقد كان بعض الناس يحاولون خلع الشعار الوطني عن ذوي الحقوق والواجبات في مصر، وإلباسهم جميعًا لباس الجهالة والذل، ولكن
стр. 95
أبت الحوادث إلا أن تثبت لنا وجودا وطنيا، ورأيا عموميا، ولو كره المبطلون ... على أن منهم فئة لا يزالون يؤلمون أسماعنا بما يكررون من سفساف القول، من مثل: أننا تعودنا احتمال الظلم والحيف، ,ألفنا الخدمة والرق، فلن يستقل لنا رأي، ولن نهتدي سبيل الحرية!! كأنهم لا يعلمون أن أهل الغرب أجمعين تعودوا مثل ذلك الحيف أعصرا، وكانوا في قديم الأيام على ضروب من الرق وانخفاض الجناح!! ولئن كان من فضل هذه المائة "القرن التاسع عشر" أن يكتب في صدر تاريخها تحرير أرقاء العصر السالف، فقد رجونا أن يختم ذلك التاريخ بتحرير الذين كانوا في هذا العصر"١.
كما تناول في هذا الجانب نظام الشورى في الحكم، ووجوبه على الحاكم والمحكوم سواء:
"وإن لنا لدليلا على ما قدمنا -من وجوب نظام الشورى- فيما فعل سيدنا عمر وقومه ﵃، حيث قام بينهم خطيبا فقال: يا أيها الناس من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه! فقام رجل أعرابي فقال: والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا! فقال عمر: الحمد الله الذي جعل في المسلمين من يقوم عوج عمر بسيفه. إذ ليس معنى تقويم الاعوجاج في هذا إلا التنبيه على الحق، والإرشاد إلى الطريق المستقيم!!
"فما يدل على وجوب التشاور مع الحاكم: هو طلب عمر ﵁ تقويم اعوجاجه".
"وما يدل على وجوبه على المحكوم: هو إجابة الصاحبي بقوله: "والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا"، فإنه لا يجوز استعمال القوة إلا بعد الإعذار بالإرشاد والهدى.
"وكأني بمن يقول: إن لنا فيما كان عليه السلف من طريقة التشاور لغنى عن سلوك هذه الطريقة الحالية. فأقول في جوابه: إن هذه الطريقة الحالية قد صارت -دون سواها- ذات الواقع العظيم والتأثير القوي في النفوس، ربما اتصفت به من كونها مناطا للعدل، ومظهرا للاستقامة في سائر الممالك، وحينئذ فالغاية المقصودة من التشاور لا تترتب إلا عليها، وأما
стр. 96
طريقة السلف فقد كانت كافية في الغرض، لما أنها هي المستعملة في زمنهم. على أن هذه الهيئات ليست إلا وسائل غير مقصودة لذاتها، فإذا انقطعت الرابطة بينها وبين الغايات كانت مهملة غير مقصودة، وتحول القصد إلى ما صار بينه وبين الغاية ارتباط ووفاق"١.
"وأن الشورى لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة، كأن يكونوا جميعا طالبين تعزيز مصالح بلادهم فيطلبونها من وجوهها وأبوابها، فما داموا طالبين هذه الوجوه فهم طلاب الحق ونصراؤه، فلا يلتبس عليهم بالباطل، ولا لوم عليهم إذا لم يأت مطلوبهم على غاية ما يمكن من الكمال.. وإن استعداد الناس لأن ينهجوا المنهج الشوري غير متوقف على أن يكونوا مندوبين في البحث والنظر على أصول الجدل المقررة لدى أهله، بل يكفي كونهم نصبوا أنفسهم، وطمحت أبصارهم للحق وضبط المصالح، على نظام موافق لمصالح البلاد وأحوال العباد"٢!
وإذا وجبت الشورى على الحاكم والمحكومين سواء، فإن وظيفة الحكومة بعد ذلك في الأمة تمكين الأفراد من العمل في حرية، وبالوسيلة الصحيحة، لخير أنفسهم وجماعتهم.
"إن شأن الحكومة ليس إلا أن تطلق للناس عنان العمل، فيعملوا لأنفسهم ما يعلمونه خيرًا. فإن أية حكومة قيل إنها عادلة حرة، لم يكن لها إلا أن أباحت للناس، أن يدخلوا في أي باب من أبواب المنافع، ويطلبوا الخير الحقيقي بكل وسيلة"٣.
ولم يفت محمد عبده أن يتناول في الجانب القومي كذلك: الصلة بين ما يشرع من قوانين، وبين أحوال البلاد القائمة، وهو يرى ضرورة الصلة القوية بينهما، ولو كانت أحوال البلاد وعاداتها غير سليمة كل السلامة يقول:
"ولا يتوهم أن القانون العادل، المؤسس على الحرية، هو الذي يكون منطبقا على الأصول المدنية والقواعد السياسية في البلاد الأخرى انطباقا
стр. 97
تاما: فإن البلاد تختلف باختلاف المواقع، وتباين أحوال التجارة والزراعة، وكذلك سكانها يختلفون: في العوائد، والأخلاق، والمعتقدات إلى غير ذلك: فرب قانون يلائم مصالح قوم لا يلائم مصالح آخرين، فينفع أولئك ويضر بهؤلاء! إذ على مؤسس القوانين أن يراعي اختلاف الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم، وطبيعة أراضيهم، ومعتقداتهم، وكافة عوائدهم، ليتسنى له أن يحدد مصالحهم ويربط أعمالهم بحدود تجر إليهم جلائل الفوائد، وتسد عليهم أبواب المفاسد. وحينئذ لا يسوغ لأرباب الشورى أن يجاروا غير بلادهم في سن القوانين"١.
ثم يضيف قائلا:
"وقد جرت عادة المشرعين في كل زمان أن يراعوا في وضع القوانين درجة عقول الذين يراد وضعها لهم، حتى لا تكون مبهمة عليهم، فلا يتيسر لهم فهمها ولا معرفة الغرض منها، وأن يلاحظوا العوائد والأخلاق ملاحظة تامة، فلا يخرجوا في تأسيس القوانين عما تقتضيه من الشدة والتخفيف، فرب طائفة من الناس ينفع فيهم الزجر الخفيف، ويردعهم الوعد بالجزاء الهين، إذا كانت طباعهم سهلة الانقياد ... ورب أمة فطرت أفرادها على الغلظة، ومجافاة الرقة، وكانت بواطنهم منطوية على الخسة والسفالة، ونفوسهم بعيدة عن خصال الشرف، فهؤلاء لا يردعهم عن غيهم إلا القوانين الصارمة، المؤسسة على الجزاءات الشديدة"٢.
وبالجملة فليست هيئة النظام المدني لأمة من الناس سوى صورة لمادة الملكات التي اكتسبها أفرادها من مألوفاتها وعوائدها التي نشأت عليها، سواء أكانت ممدوحة أو مذمومة، وإن اختلاف قوانينها في معارج صعودها، ومدارك هبوطها، لا ينفك عن هذه الملكات، مهما تغيرت أصنافها، وتبدلت شئونها، وهذا ما جعل عقلاء الناس يجتهدون أولا في تغيير الملكات، وتبديل الأخلاق عندما يريدون أن يضعوا للهيئة الاجتماعية نظاما محكما, فيقدمون التربية الحقيقية على ما سواها ليتسنى لهم أن يحصلوا على هذه الغاية، بل يجعلون في نفس القوانين النظامية فصولا وأبوابا لضبط الأخلاق، وحفظ
стр. 98
الملكات الفاضلة، فتصبح الأخلاق فاضلة، والعادات حسنة، وتسير الأمة في طريق الاستقامة إلى خير غاية"١.
والقانون على هذا النحو، يجب أن يمكن له في التطبيق، وأن تكون له وحدة السيادة. يقول في ذلك:
"فإذا أرادت تلك الأمة أن تعيد مجدها الأثيل، وعزها الأول، فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد منه ما هدمته يد الغرور، وبددته سطوة الفجور، وتأخذ الوسائل النافعة لاستمالة قومها إلى التمسك بقواه وهداه"٢.
وبهذه النقط الثلاث الرئيسية التي أثارها الشيخ محمد عبه بتفكيره في الجانب القومي وهي: الوطن، والشورى في الحكم، وصلة التشريع بالأسس المقومة لسكان الوطن من لغة ودين وعادات وأخلاق، وضع أمام المواطن الحقائق التي يجب عليه الحرص عليها، والدفاع من أجلها. وهي تلك الحقائق التي تحدد شخصيته كإنسان ومواطن. فلا ينبغي له أن يفرط في وطنه مهما كان حال هذا الوطن، ولا أن يفرط في لغته، ودينه، وأخلاقه، وعرف مواطنيه، كما يجب أن يتمسك بالشورى في الحكم، حاكما أو محكوما إذا تكون للأمة رأي عام يجمع المواطنين في دائرة واحدة، ولم تقسمهم الأهواء والشهوات إلى أغراض مختلفة.
ويشير هنا حديثه عن ضرورة الربط بين التشريع وأحوال البلاد، إلى نظرته إلى القانون فهو ينظر إليه على أنه حافظ لحال قائمة، دون أن تكون له هو نفسه إمكانية أن يحدث فيها تغييرا. وإنما مرجع التغيير في عادات الأمة وأخلاقها وتوجيهها، إلى "التربية" دون التشريع!! وهكذا: تكون التربية في نظره هي التي تمهد وتدفع، والقانون هو الذي يحفظ ويحرس.
стр. 99
ويزيد الشيخ محمد عبده في توضيح ذلك يقوله:
"ليست القوانين التي تفرض العقوبات على الجرائم، وتقدر المغارم على المخالفات، وهي التي تربي الأمم وتصلح من شأنها, فإن القوانين لم توضع في جميع العالم إلا للشواذ، والهفوات، والسقطات.. أما القوانين المصلحة، فهي نواميس التربية الملية لكل أمة"١.
- الجانب الاجتماعي:
وتناول الشيخ محمد عبده في الجانب الاجتماعي:
- الروح الجماعية.
- عيوب المجتمع.
- الاقتصاد الوطني.
الروح الجماعية:
تناول محمد عبده ضرورة تقوية الروح الجماعية في الأمة، مع إضعاف الفردية أو الانفصالية. وطريق ذلك في نظره التربية الحقة. والتربية الحقة هي التي تقوم على رعاية التعاليم الإسلامية. يقول:
"إن التغالب في هذه الأوقات أصبح معظمه -إن لم أقل جميعه- تغالب الأفكار والآراء، فالأمة ذات البسطة في الأفكار، والمهارة في المعارف، هي الأقوى سلطانا، والأقوم سياسة، وهي الغالبة على ما سواها من الأمم٢.
إن الإنسان لا يكون إنسانا حقيقيا إلا بالتربية، وليست هي إلا عبارة عن اتباع الأصول التي جاء بها الأنبياء والمرسلون من الأحكام والحكم والتعاليم. تعلم الإنسان الصدق، ومحبة نفسه، فإذا تربى الإنسان أحب نفسه أجل أن يحب غيره، وأحب غيره لأجل أن يحب نفسه!!
стр. 100
"إذا تربى الإنسان أحس في نفسه أنه سعيد بوجود الآخر معه، ولكن نحن في وسط لا يحس فيه أحدنا إلا أنه شقي بوجود غيره، وقد ذهبت الثقة بيننا أدراج الرياح، وخلفتها الشكوك والريب، والظنون الأثيمة، المولدة للوساوس والأوهام، ولا شقاء للمرء أعظم من وجود ضميره في هذا الشقاء!
"ولو كنا متربين لانبث فينا إحساس واحد، يؤلف بين شعورنا وحاجتنا، وحينئذ يحس كل فرد منا بأن عليه وظيفة يؤديها لنفسه، وغيره.
"إن العلم الحقيقي هو الذي يعلم -الإنسان- العلاقة الموجودة بينه وبين غيره من الأفراد في جامعته، فهو إذن يعلم الإنسان: من هو؟ ومن معه؟ فيتكون من ذلك شعور واحد وروابط واحدة، هي ما يسمونه بالاتحاد.
"ألا إن الاتحاد ثمرة لشجرة ذات فروع، وأوراق، وجذوع، وجذور هي الأخلاق الفاضلة بمراتبها! فعلى المسلمين أن يربوا أنفسهم تربية إسلامية حقيقية ليجنوا تلك الثمرة. وبغير ذلك كل أمل باطل، وكل الأماني أحلام وأوهام، وكل احتجاج بغير سعي عجز!!
"الناس في كل الأمم أكفاء في التمثيل، ولا نقص في الدنيا إلا من جهة العقول والأخلاق. هي لا تكمل إلا بالتربية، وما وراء ذلك من العلوم لا يبث فيها غير القلق والهذيان"١.
"والسبب في فقر البلاد: عدم سريان روح التربية الشرعية العقلية، التي تجعل إحساس الإنسان بمنافع بلاده كإحساسه بمنافع نفسه، وشعوره بأضرار وطنه كشعوره بأضرار ذاته، إن لم نقل: تجعل الإحساس الأول أقوى من الثاني، وتزيد في إحساس الإنسان بمنافعه ومضاره"٢.
"ولما تشوقت النفوس لأن تكون التربية في المدارس على هذا النمط المفيد، الذي عول عليه جميع الأمم المتمدنة في مبادئ تعاليمهم، فإن
стр. 101
من تتبع قوانين التعليم في الممالك الأوروبية رآها بأسرها موجهة للابتداء بالتعاليم الدينية، والاستمرار عليها إلى ما تزيد عن ست سنوات تقريبا"١.
وقد استرسل الشيخ محمد عبده وأفاض في صلة التعاليم الإسلامية بالمعرفة العقلية السليمة، والتهذيب النفسي الحقيقي، وبين جدوى ذلك على الأخص في المرحلة الأولى من مراحل التعليم، بما كشف عن صلة التعاليم الإسلامية بطبيعة الإنسان، ومدى تأثيرها عليها تأثيرا توجيهيا سليما، كما رسم الطريق التربوي لنفع النفس الإنسانية بهذه التعاليم.
وهو إذ يحاول أن يكشف علة الضعف الحقيقي في الأمة والجماعة الإسلامية لم يرد هذه العلة في غير فقر النفوس، وسوء توجيه العقول! ولم يرها في أرض مصر وسمائها، ولا في طبيعة البلدان الإسلامية الأخرى! وأرجع فقر النفوس، وسوء توجيه العقول، إلى سيطرة "الأنانية" وانحلال معنى "الجماعة" في نفوس الأفراد، أما بسبب الجهل المطلق، أو بسبب سوء فهم الإسلام والحياة.
ومن أجل ذلك كانت محاولته لإصلاح هذه الحال محاولة تفتيشية عن العلاج الحاسم في تحقيق هذا الإصلاح، فحدد الإصلاح بأنه استعادة الروح الجماعية والروح القومية، والروح الإسلامية، والروح الإنسانية العامة، وحدد العلاج تبعا لذلك: بالتنشئة الدينية: وقيام المرحلة الأولى من مراحل التعليم على التعاليم الإسلامية.
ولكنه مع ذلك لم يرد أن يقصر مناهج المدرسة على هذه التعاليم، بل جعل هذه التعاليم أساسا رئيسيا في منهج المدرسة، على أن تضاف إليه العلوم والصنائع التي تنفع الناشئ في حياته، وتجعله لا يقل عن الغربي في سيطرته على الحياة.
وجوب مساهمة الأغنياء في تعليم الأمة:
وهو إذ يطلب من التعليم أن يكون تربية توصل إلى ملكات وعادات، وتقود إلى توجيه غير مضطرب. وإذ يطلب في التربية أن يكون أساسها
стр. 102
إسلاميا، حتى تكون هناك جماعة، وروح جماعية، تسود النوازع الفردية، وبذلك يتحقق التماسك، ثم يتحقق هدف الأمة من عزة وسيادة. إذ يطلب ذلك كله، ويطلب من الأغنياء أن يسهموا في التعليم، ويوضح أن إسهامهم في هذا النوع من التعليم تقتضيها ضرورة اجتماعية خاصة بهم؛ لأنهم معرضون للتهديد في أموالهم وأنفسهم من الأجنبي عنهم، قبل الفقير من مواطنيهم يقول:
"أفلم يبصر الأغنياء أنه لا معنى لشدة البأس في أيامنا هذه: ألا تدرع الحكمة وتبطن الدهاء؟ ألم يقفوا على الأسباب التي أعدها غيرنا "يريد الغرب" لنيل أعلى مراقي المجد في أوطانه، ثم اندفع إلينا لا ندري ماذا يريد أن يصنع بنا!! فإن عقلوا جميع ذلك، أفلا يفقهون أنهم إن لم يكونوا نصراء لجيش العلم، أصبحوا على شفا الخطر؟.
"فعلى الأغنياء منا -الذين يخافون من تغلب الغير عليهم، وتطاول الأيدي الظالمة إليهم- أكثر من الفقراء، وأن يتآلفوا، ويتحدوا، ويبذلوا من أموالهم في افتتاح المدارس، والمكاتب، واتساع دوائر التعليم، حتى تعم التربية، وتثبت في البلاد جراثيم العقل والإدراك، وتنمو روح الحق والصلاح، وتتهذب النفوس، ويشتد الإحساس بالمنافع والمضار، فيوجد من أبناء البلاد من يضارع بني غيرها من الأمم، فنكون عند ذلك معهم في رتبة المساواة: لهم مالنا، وعليهم ما علينا!
"الم يعتبروا بالجمعيات الأوروبية" التي لم يكن أعضاؤها إلا المزارعين، والصانعين، والتجار. كيف يبلغ إيراد الواحدة منهم نحو ثلاثين مليونا من الجنيهات، وبعضها أكثر وبعضها أقل، وجميع ذلك يصرف في بث المعارف والعلوم، واتساع دائرة المصانع والفنون، وتقوية روح التربية الحقة، التي لا شأن للبلاد إلا إذا تحلى أبناؤها بحلاها"١!
التعليم الديني يحتاج مسلكا آخر:
والشيخ محمد عبده إذ يقوم التعاليم الدينية إلى هذا الحد في خلق جماعة قوية في معارفها، واتجاهها، وسيطرتها على الحياة، وحصولها في المجال الدولي على وضع لا يقل شأنا عن الأمم الأخرى القوية السائدة
стр. 103
يرى أنه لا يتم هذا الأثر الإيجابي في توجيه المواطنين وجهة سليمة نافعة، وهي الوجهة الجماعية، إلا إذا تغير مجرى التوجيه القائم، وخلت الثقافة الإسلامية من عوامل الضعف والجمود، وهي عوامل الانحراف التي طرأت عليها، وعلى الأخص في الحقبة الأخيرة في تاريخ التأليف العربي الإسلامي، يقول ﵀ في ذلك:
"إذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان لا نجد إلا سببا واحدا: وهو القصور في التعليم الديني: إما بإهماله جملة كما هو في بعض البلاد، وإما بالسلوك إليه من غير طرقه القويمة كما في بعض آخر!
"أما الذين أهمل فيهم التعليم الديني: فجمهور العامة في كل ناحية. لم يبق عندهم من الدين إلا الأسماء يذكرونها ولا يعتبرونها! فإن كانت لهم عقائد، فهي بقايا من عقائد الجبرية والمرجئة، ومن نحو: أنه لا اختيار للعبد فيما يفعله، وإنما هو مجبور فيما يصدر عنه جبرا محضا؛ فلهذا لا يؤاخذ على ترك الفرائض ولا على اجتراح السيئات!. ومثل: إن رحمة الله لا تدع ذنبا حتى تشمله بالغفران قطعا لا احتمال معه للعقاب، فليفعل الإنسان ما يفعل من الموبقات وليهمل من المفروضات فلا عقاب عليه. وما شاكل ذلك, مما أدى إلى هدم أركان الدين من نفوسهم، واستل الحمية من قلوبهم. ولا منشأ له إلا عدم تعلمهم عقائد دينهم، وغفلتهم عما أودع في كتاب الله، وسنة رسوله!
"وأما الذين أصابوا شيئا من العلم الديني، فمنهم من كان همهم على أحكام الطهارة والنجاسة، وفرائض الصلاة والصوم، وظنوا أن الدين منحصر في ذلك!! ومتى أدوا هاتين العبادتين على ما نص في كتب الفقه فقد أقاموا الدين! وإن هدموا كل ركن سواهما. ويشتركون مع الأولين في تلك العقائد الفاسدة!
"ومنهم من زاد على ذلك علم الفروع في أبواب المعاملات، متخذا ذلك آلة للكسب، وصنعة من الصنائع العادية. وأولئك الأغلب من طلاب الإفتاء والقضاء، ووظائف التدريس، وما شاكل ذلك. لا ينظرون إلى الدين إلا من وجهة ما يجلب إليهم المعيشة!! فإن مال بهم طلب العيش إلى مخالفته، لم يبالوا بذلك، معتمدين على مثل عقائد الجهلة مما قدمنا!!
стр. 104
"وهؤلاء لا تختص مفاسد أعمالهم بذواتها، ولكنها تتعدى إلى أخلاق العامة وأطوارهم! فهذا القسم أعظم الأقسام خطرا، وأشدها ضررا في العامة والخاصة. وما أفراده بقليل! ".
"إن إصلاح الجداول -في التعليم- لا يتم بأن يدرج في فنون المدارس الإسلامية بعض الكتب الفقهية، مع بقاء التعليم على طرقه المعهودة في المساجد وفي دروس بعض العلماء!! فإن العلوم العلية، إذا لم تبن على عقائد صحيحة وإيمان صادق لا تلبث أن تضمحل، ولئن ثبتت فإنما تسوق إلى أعمال خالية من النيات وخاوية من سر الإخلاص، فتكون أشبه شيء بالباطلة في عدم ترتب الأثر المطلوب عليها كما قدمنا! ".
"فلا بد أن يوجه النظر إلى أن تقوى به العقيدة ويستحكم سلطانها على العقول, ثم إلى تربية تذكر بما تنال النفس من ذلك الفن فيكون التذكار مستحفظا لما يصل إليها منه، ثم إلى فن الفقه الباطني -إلى فن الضمير- وهو ما تعرف به أحوال النفس وأخلاقها، والمهلك منها: كالكذب والخيانة والنميمة والحسد والجبن وسائر الرذائل، والمنجي منها: كالصدق والأمانة والرضا والشجاعة وسائر الفضائل! ويضم إلى ذلك باقي علم الحلال والحرام على ما هو مذكور في الكتاب والسنة، ومتفق عليه بين أئمة الملة الإسلامية إلى تربية تحفظ وتروض على العمل بما تعمل به".
"ثم يكون التعليم في هذه الفنون المذكورة والتربية على وجه يتفق مع قواعدها، مستندين إلى الشرع الشريف، بحيث تذكر مآخذها من القرآن والسنة الصحيحة، وما صح أثره من أقوال الصحابة وعلماء السلف الأول، ومن حذا حذوهم كحجة الإسلام الغزالي وأمثاله".
"فالمقصد بالذات علمان: علم الظاهر وعلم الباطن، وهما أصلان ومجموعهما ركن الإصلاح".
والركن الآخر "التربية" بما يهديان إليه، حتى تصير العلوم ملكة راسخة تصدر عنها الأفعال بلا تعمل. ثم يتبعهما فن آخر يقوي على الغرض منهما، وهو فن التاريخ الديني، خصوصا سيرة النبي ﷺ ، وسيرة أصحابه، والخلفاء الراشدين١.
стр. 105
وهذا المنهج التربوي، وضعه الشيخ محمد عبده للتثقيف العام بالثقافة الإسلامية وهو الذي جعله أساس المرحلة العامة في التعليم. وتحدث بعد ذلك عن مناهج أخرى لتخريج المدرسين والدعاة والمرشدين، لا مجال للحديث عنها هنا؛ لأننا بصدد عرض وجهة نظره في قيام التربية العامة على أصول إسلامية، وضرورة الأخذ بها في تلافي الحال الفاسدة في الأمة، تلك الحال التي ذكرها غير مرة، وأشار إلى علتها في وضوح، وهي: تفشي الأنانية، وانعدام "الروح الجماعية".
عيوب المجتمع المصري:
يتعرض الشيح محمد عبده في هذ الجانب الفكري، إلى عيوب المجتمع المصري، وهي نفسها تقريبا عيوب المجتمع الشرقي الإسلامي في وقته بوجه عام وهو يحلل أسبابها وعللها، ويذكر ما يراه كفيلا بإزالتها.
- فيصف أحاديث المجتمع المصري: بأنها عنوان على سوء الفهم للحياة، وعلى عدم الجد فيها، وسوء التربية، وعدم تهذيب الخلق.
ويرجو أن تتوجه أحاديث المجتمع إلى النافع الصالح، على نحو ما في البلاد الأوروبية -كما كان في وقته- أو على نحو ما كان في صدر الإسلام، أو لدى الأمم الراقية في التاريخ! ويسأل قارئيه أن لا يفهموا من كتابته في هذا الجانب الاجتماعي أنه يقصد لوم فريق معين من الناس، بل غرضه الإصلاح والتهذيب١.
- ويتحدث عن الزواج: كضرورة اجتماعية، وفي الوقت نفسه يعد تعدد الزوجات مضرة اجتماعية، فيذكر أن الاختيار في الزواج قائم على طبيعة الإنسان, باعتبار أنها طبيعة مفكرة لها اختيار من جانب، وأن لديها الميل الغريزي إلى التعاون من جانب آخر، وكل من الأمرين يطلب من الإنسان أن يتخير إذ تزوج، أما أحدهما: فيميز المرغوب من غير المرغوب فيه، وأما الثاني: فيحدد من يمكن التعاون معه!
ثم هو يعتبر الزواج نفسه عاملا من عوامل السعي الجدي في الحياة، وضربا من ضروب التنظيم في حياة الاثنين، بحيث إن أحدهما يكمل الآخر لمصلحتهما معا، ومصلحة امتداد حياتهما في أولادهما والجماعة.
стр. 106
أما الزواج بأكثر من واحدة، فيرى -الشيخ محمد عبده- الناس غنيهم وفقيرهم، قد اتخذوه طريقا لصرف الشهوة، وغفلوا عن القصد الحقيق منه. وهذا لا تجيزه الشريعة، ولا يقبله العقل!! "فاللازم الاقتصار على واحدة، إذا لم يقدروا على العدل -كما هو مشاهد- عملا بالواجب عليهم، بنص قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١ وأما الآية: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢، فهي مقيدة بآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ، كما يجب عليهم أن يتبصروا قبل طلب التعدد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من "العدل" وحفظ الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من الغوائل التي تؤدي بهن إلى الأعمال غير اللائقة، ولا يحملوهن على الإضرار بهم وبأولادهم، ولا يطلقون إلا لداع ومقتض شرعي، شأن الرجال الذين يخافون الله، ويوقرون شريعة العدل، ويحافظون على حرمات النساء وحقوقهن، ويعاشروهن بالمعروف، أو يفارقوهن عند الحاجة"٣.
- ويذكر البدع: ومدى دلالتها على الانحراف في الاعتقاد، فيذكر منها على الخصوص: زيارة قبور الأولياء، والتشويش على المصلين في المساجد بضرب الطبول والباز. وفي الوقت الذي كان يعيب فيه الشيخ محمد عبده مثل هذه البدع، لم يكن مفتيا ولا قاضيا ولا معلما، بل كان محررا في صحيفة "الوقائع المصرية"، ونصيبه الذي ساهم به في محاربة عيوب المجتمع المصري والإسلامي -ومن بينها البدع- هو: لفت النظر إليها، والثناء على القائمين بالأمر عند اتخاذهم تدبيرا من التدابير ضد بدعة معينة، بالإضافة إلى ذكر الأسانيد الشرعية والقانونية، أو الاستشهاد بأحوال الأمم وقت قوتها أو ضعفها على حال يريد بقاؤه أو يريد إزالته"٤!!
- الرشوة: كعنوان على الضعف الخلقي، ينعى عليها إلى حد أنه اعتبر أنها أمارة على فقد الشعور بالواجب وأدائه: في الأمة، والأداة الحكومية على السواء!! وأنها عادة شنيعة مضرة بالدين والدنيا، في طباع أدنياء الهمم، تقربا لذوي المناصب، وتذللا خبيثا، لا يجوزه الشرع ولا قانون البلاد، وتنفر منه نفس كل ذي إحساس إنساني!.
стр. 107
ولأنها أمر مضاد لمعنى الإنسانية، ومضاد بالتالي للشرع وقانون البلاد، يرى الشيخ محمد عبده أن الراشي والمرتشي شركاء في هذه الجريمة الخلقية، بل يرى أن نصيب الراشي في ذلك أكبر!! وحينئذ فما يلحق الراشي من اللوم أشد مما يلحق المرتشي وإن كان كل منهما مجرما؛ لأن الأول ضيع ماله واسترسل مع الجبن وضعف مع الوهم في مقام يستوي فيه الحاكم والمحكوم أمام القانون، وأمال المرتشي لأخذ الرشوة وقوى طمعه ودله على الشر وكلف نفسه بما لم يكلف به"!! ١
- عدم المبالاة بالمصلحة العامة: ومما عابه كذلك على المجتمع المصري -وكذلك المجتمع الشرقي الإسلامي- عدم المبالاة بالمصلحة العامة. "فانظر إلى هذه الحال الرديئة التي نشأت من تفرق القلوب، وانقطاع التواصل بين النفوس! فلا يهتم واحد بعمل يشترك في منفعته مع آخر وإن كان يتحقق الضرر لنفسه بتركه، كأن اشتراك الغير في المنفعة صيرها مضرة وينبغي اجتنابها!! وكان من الواجب أن الاشتراك يدعو إلى التعاون والقوة بدل التهاون والانحطاط. فكأنهم سلبوا الخواص الطبيعية التي لإنسان الجبال والغابات"٢.
- وأخيرا يتحدث عما سماه فقدان ملكة "حفظ الماضي" والاحتفاظ بملكة الحقد والضغينة.
وهنا يتحدث الشيخ محمد عبده عن الرسوم والتماثيل على أنها: "قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية!! وهي التي تسمى في العرف الحديث: متاحف الأمم أو الحضارة الإنسانية. فهي وسيلة فائدتها محققة لا نزاع فيها".
وهو لذلك يرى: "أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، وبعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين: لا من جهة العقيدة ولا العمل"٣!!
стр. 108
ويرى الشيخ محمد عبده أن المسلمين اعتادوا أن يخوضوا مجال التساؤل فيما تظهر منفعته ليحرموا أنفسهم منه، وهم لا يعنون بحفظ شيء يبقى نفعه لمن يأتي بعد!! "فليست ملكة الحفظ مما يتوارث عندنا!! وإنما الذي يتوارث هو ملكات الضغائن والأحقاد، تنتقل من الآباء إلى الأولاد حتى تفسد العباد، وتخرب البلاد، ويلتقي بها أربابها على شفير جنهم يوم المعاد"١!!
- ضرورة إعادة توزيع الثروة في الأمة:
وكما تكلم هنا في الجانب الاجتماعي عن الروح الجماعية، وعيوب المجتمع، تكلم عن بعض العادات التي تتصل بالثروة الوطنية:
- فعاب السفه والإسراف.
- وحدد معنى الاقتصاد بأنه الحد الوسط، ومدحه ونصح به.
- ثم حدد موقفه من "الرأسمالية" وعيوبها، ونصح بتوزيع الثروة في الأمة على غالبية الأهالي.
- فيصف المسرفين: فيقول: "ولكن أبى حاكم الشهوات، إلا أن يكلف هؤلاء الضعفاء النفوس المنحطي الأفكار بما يطيقون!! كأنهم يبرهنون بأعمالهم هذه، وتهورهم في الإسراف والإنفاق، على أنهم ليسوا أهلا للثروة!! ولا مستحقين للغنى ولا يتحملون ثقل الخير على أنفسهم، بل يحبون أن يكونوا على الدوام فقراء تربين لا يملكون شيئا، وإن كانوا في صورة أغنياء موسرين، ويرغبون أن يكونوا تحت ذل الدين، ولا يعلمون أن نكبات الدهر كثيرة الورود، شديدة البطش"٢!! ويستند في ذلك إلى الآية: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ٣.
- ويحدد الاقتصاد: بأنه: "فضيلة من فضائل الإنسانية الجليلة. فإذا جمع الشخص بين الإمساك عما لا يلزمه، والبذل فيما هو أحوج
стр. 109
إليه، فقد حاز فضيلة "الاقتصاد" التي قال بها نبينا ﷺ : $"الاقتصاد نصف المعيشة"١.
- وموقفه من "الرأسمالية": تكشف عنه هذه الكلمات: "إذا انحصرت الثروة في دائرة مخصوصة، عند أشخاص قليلين، لوازمهم ليست بالكثير، فتكسد أسواق الصناعة والتجارة، لقلة الراغبين في الصنائع والبضائع، أي: لقلة القادرين على اقتنائها!! وهذه الصورة خاصة بالرأسمالية في المجتمعات الشرقية الإسلامية: وهي اكتناز المال في غير تداول، وتقل الرغبة في الأعمال الزراعية، إذ يكون الجميع كأجراء، لا يهتمون اهتمام الملاك، وأن أغنى البلاد، وأسعدها: هي البلاد التي توزعت ثروتها على غالب أهلها، ويزداد الضرر إذا وقعت الأملاك والمبيعات في أيدي الغرباء الأجانب"٢.
- جانب الاعتقاد:
وتناول محمد عبده في جانب الاعتقاد موضوعين رئيسيين:
- تحرير المسلم من عقيدة الجبر مع الإبقاء على عقيدة القدر.
- وإفهام المسلم بأن عقل الإنسان نعمة من الله، يجب أن يتلاءم ويسير جنبا إلى جنب مع دين الله، ورسالته للإنسان. وأن إغفال العقل معناه الغض من هذه النعمة.
مشكلة الجبر:
ربما يرى الشيخ محمد عبده أن التبعية المطلقة للمذاهب والكتب المتأخرة، لم تكن ذات صلة فحسب بالإحساس بضعف الشخصية العلمية في وقته، وعدم مسايرتها الشخصية الإسلامية الأولى في خطواتها الإيجابية، وموقفها الواضح من الكتاب والسنة بل كانت ذات صلة أيضا بعقيدة "الجبر"!
стр. 110
فكما يكون من نتائج مذهب "الجبر" الشعور بضعف شخصية المعتقد في نفسه أمام الله، يكون من نتائجه شعوره بهذا الضعف أمام غيره من البشر؛ لأن اعتقاد الجبر يقوم في واقع الامر على إلغاء الشخصية والوجود الذاتي، وإذا كان هذا الإلغاء في الأصل هو بالنسبة إلى الله المعبود، فإنه قد يدفع المعتقدين به إلى أن يتجاوز بشعورهم بضعف شخصيتهم دائرة الصلة بينهم وبين الله. إلى الصلة بينهم وبين المخلوقين، والجبري مؤمن سلبي في الحياة، أخص مظاهر سلوكه الاعتماد على غيره، ولو كان هذا الغير أضعف منه في واقع الأمر.
وعلى كل حال فعقيدة "الجبر" تتلاءم مع "التقليد"، وكلاهم مظهر الضعف في الحياة! و"الجبري"، و"المقلد": كلاهما تقوم حياته على الصدفة، وكلاهما يتهاون في ترك مجال الحياة لغيره، وكلاهما لا يعنى بالنظر إلى غيره.
والشيخ محمد عبده -عليه رحمة الله- منذ أن ثار على "التوجيه"القائم في وقته، ثار في واقع الأمر على الضعف والتهاون، وثار على سلبية الإنسان في الحياة، وأراد للمسلم أن يكون ذا شأن وإيجابية في يومه وغده.
وهنا في تحديد الصلة بين المسلم وربه، لم يرض أن تكون عقيدة الإنسان في هذا الجانب عقيدة "الجبري"، لأن هذا الاعتقاد سيفضي حتما إلى ضعف الإنسان، ويصير به إلى أن يكون عديم الإرادة، وعديم الإيجابية في الحياة.. ومن أجل هذا يكافح محمد عبده عقيدة "الجبر"، ومن أجل أن يكون المسلم بناء يدعو محمد عبده إلى عقيدة "الاختيار" بقوله:
"لو شئت لقربت البعيد فقلت: إن من بالغ الحكم في الكون أن تتنوع الأنواع على ما هي في العيان، ولا يكون النوع ممتازا عن غيره حتى تلزمه خواصه، وكذا الحال في تميز الأشخاص، فواهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ما هي عليه، ثم كل وجود متى حصل كانت له توابعه، ومن تلك الأنواع الإنسان، ومن مميزاته -حتى يكون غير سائر الحيوانات- أن يكون مفكرا، مختارا في عمله، على مقتضى إرادته. فوجوده الموهوب مستتبع لمميزاته هذه. ولو سلب شيء منها لكان إما ملكا أو حيوانا آخر. والفرض أنه إنسان، فهبة الوجود له لا شيء فيها من القهر"١!.