← Общие книги

Общие книги · id 11756

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي

محمد البهي

Полный текст (485 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لأنها لا تستطيع بعقليتها العامة المناقشة فيما توجه إليه من هدف وغاية!! وفي كل ذلك تسلك هذه الدعاية نفس المسلك الذي يسلكه الفكر الماركسي من قبل، وهو مسلك التدليل على ترويج هذه الدعاية بما يسمى بـ"التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ" وبقياس القيم المعنوية: الروحية، والعقلية، والخلقية، على الأشياء المحسة الطبيعية!! وإلى هنا تجد أن لكل من الفكر الماركسي، والدعاية الشيوعية، معالم ومظاهر خاصة بهما، ونجد أن كليهما يبتغي نفس الغاية، ولكن الفرق بينهما هو: الفرق بين التحديد والدقة من جانب، والتهويل والتفخيم والجرأة المكشوفة من جانب آخر!! وإلى هنا أيضا، لنا أن نتساءل: هل لهذا الجدل الفكري في الغرب، وما نشأ عنه من مذاهب فلسفية، اعتبار عام في كل المجتمعات الإنسانية الأخرى، بحيث تصلح مذاهبه أو يصل بعض منها على الأقل، لأن يردد في بيئة أخرى وفي جماعة أخرى، تختلف كثيرا عن البيئة والجماعة التي ولد ونما فيها؟؟ - كان الدين في أوروبا محورا للجدل الفكري طوال هذه القرون الخمسة -من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر- ولم يزل حتى الآن في مركز هذا الجدل ... وما قام من مذاهب فكرية لتأييد اعتبار هذا الدين، حاول تبرير بعض معتقدات خاصة بدين معين هو المسيحية، وبفهم معين هو فهم الكثلكة المسيحية، وكانت هذه المعتقدات كعقيدة التثليث وعقيدة "النموذج الإلهي" على الأرض، وهو عيسى الإله الابن مثار النقد السلبي لقيمة المسيحية كدين موحى به من الله. ثم ما قام من مذاهب فلسفية لمناوأة الدين، وإبعاده عن التوجيه، قام ليوضح ضعف بعض العقائد، وبعض "الطقوس" في العبادة، وفي السلوك الديني, في دين معين -هو المسيحية أيضا- وبفهم خاص هو فهم الكثلكة في المسيحية كذلك، وهذه هي العقائد السابقة من التثليث، والطبيعة الإلهية الإنسانية لعيسى والوساطة الروحية في صلة الإنسان بالله، وأما الطقوس فمنها "رسوم" صكوك الغفران والمنح الأخروية، والاعتراف، والتعميد..

стр. 282

فهل نقل هذه المذاهب الفلسفية، المؤيدة أو المعارضة للدين على السواء، إلى بيئة أخرى -كالبيئة الإسلامية مثلًا- غير أوروبية في الطابع، والاتجاه، والتقاليد يعتبر ذا جدوى من الوجهة الفكرية؟! وهل القارئ المسلم يستطيع عندئذ أن يسير بتفكيره، ويتابع خطوات النقاش مع المؤيدين أو المعارضين، فيما ساقوه من آراء لترجيح كفة "الدين" أو ضد "الدين"؟! وهل ستوجد هناك "انفصالية" ذهنية بين المنقول من هذا الجدل الفكري الأوروبي، وبين واقع الحياة التي نقل إليها، وهي الحياة الإسلامية؟ وهل المؤيد للدين هناك باسم هذه المذاهب المؤيدة، وكذا المعارض له هناك أيضا باسم المذاهب المعارضة منها، يكون هنا في المجتمع الشرقي الإسلامي أكثر من "حاك" و"مردد" لشيء يبعد كثيرًا عن واقع الحياة التي يردد فيها ما ينقل ويحكى؟؟ ١. - وكانت السياسة في أوروبا عاملا أيضا من عوامل الجدل الفكري ... وكانت "الكنيسة"، وكانت "البابوية" تلعب دورا في الحياة السياسية، وكان لها أنصار ومؤيدون يبررون دورها في الحياة السياسية، وكان لها معارضون يشنون عليها حملة من الهجوم، وعلى ما تنتسب إليه وتستمد منه قيمتها وهو الدين. - وكانت الثقافة في أوروبا من عوامل الجدل الفكري ... وكانت الكنيسة ترسم دور الثقافة، وتحدد نطاقها، وموادها، وغاية التثقيف الإنساني، وكان لدور الكنيسة هذا في الثقافة الإنسانية معارضون، ومؤيدون. وجاءت "المثالية" الغربية لبعث قيمة العقل الإنساني، الذي قدره الإغريق في فلسفتهم، وجاء عصر "التنوير" في النصف الثاني من القرن

стр. 283

الثامن عشر مختتمًا بـ"كانت" ليعارض تحكم الدين أي: الكثلكة، ويعارض استقلال الوحي المسيحي بالتوجيه، وتحديده "المعرفة" في دائرة الإنسان. وقامت الفلسفة "الوضعية" الغربية، وشد أزرها "أوجست كومت"، لتعارض دين الكنيسة، ولتضع بدلا منه دين "الطبيعة" قامت هذه الوضعية لتحرم "عبادة"، كي تحل محلها "عبادة" أخرى: آمنت بـ"الطبيعة"على أنها الله، وكفرت بـ"الكنيسة" على أنها تمثل الله!! فهل "مثالية" الغرب و"وضعيته" معا، تتفاعلان في البيئة الإسلامية؟ وهل يكونان هنا في المجتمع الشرقي الإسلامي ذا موضوع مع الإسلام؟؟ إن الماركسية -وهي مذهب وضعي- تصارع الدين، وتصارعها الكنيسة الكاثوليكية١ في المجال الدولي، وفي البلاد الأوروبية الغربية، وفي أمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وقد قضت الثورة الشيوعية في بلاد الاتحاد السوفييتي، وفي بلاد شرق أوروبا الخاضعة للنظام الشيوعي، على اعتبار المسيحية وهيبة الكنيسة الكاثوليكية، بالدعاية ضد رجال الدين، وبإهمال شأن المؤسسات والقيم الدينية، وبالتراخي من الوجهة الرسمية في وقف الهجوم على الدين من الكتاب في الصحف والكتب، والمعلقين في الإذاعة, ذلك الهجوم الذي تثيره، بل تشجعه في الخفاء!! فهل للماركسية مكان في الصراع مع الإسلام؟؟ هل الإسلام -من تعاليمه- يعطي فرصة لقبول الماركسية، كعلاج لأزمة فكرية، أو أزمة ثقافية، أو أزمة علمية؟؟ أم أن نقل الفكر الماركسي إلى البيئة الإسلامية يعبر إما عن: "الاحتراف" من الناقل له، أو عن "سطحية" لفهم الماركسية نفسها، أو يعبر من جانب آخر عن سوء فهم للإسلام، بقياسه على المسيحية أو على الكثلكة بوجه خاص منه؟!

стр. 284

إن الماركسية نشأت وتطورت في ظل التطور الصناعي في ألمانيا البروسية، ومن ثم كان لها رأي في الاقتصاد القومي، وفي توجيه الجماعة وقيادتها هناك. فهل للبلاد الإسلامية الآن جو الصناعة البروسية، وعلاقة أرباب المصانع بالعمال، على نحو ما كان الأمر وقت "كارل ماركس" في ألمانيا مما يدعو لتطبيق الماركسية، كحل لإعادة التوازن بين الرأسمالية والعمال؟! هل هناك صراع بين طبقات الجماعة الإسلامية -سببه الإسلام- يدعو إلى "الانقلاب" في القيم الأخلاقية، وفي النظر إلى الحياة، حتى يتم تحول الأمر إلى ضده، تطبيقا لمبدأ النقيض؟! أم أن النداء الماركسي في الشرق الإسلامي مهنة وحرفة، أو تقليد، أو سوء فهم للإسلام؟! إن الماركسية في الشرق الإسلامي.. ليس لها موضوع فيه ... الماركسية في التجديد في الفكر الإسلامي: ولكن رغم المفارقات في كل ظروف الحياة بين الشرق الإسلامي وبروسيا الألمانية، وأوروبا بوجه عام في القرن التاسع عشر الذي قامت فيه الماركسية في البيئة الأوروبية الألمانية، ورغم أن الفكر الماركسي بني تعبيرًا عن الجو الخاص الذي ولد ونما فيه، سواء في منطقه وجدله، أو في أسلوبه في التبرير، أو في إلحاده، أو في ميله إلى الانطلاق الحيواني. ورغم هذا كله، فالأدب العربي المعاصر بوجه خاص يحمل عناصر الفكر الماركسي والدعاية الشيوعية، كظاهرة "تجديد" في الفكر الإسلامي الحديث، والمبادئ التي تقوم عليها فلسفة "ماركس": يعبر عنها الأدب العربي المعاصر، ولكن في غير وعي تام بها، ويمسها مسا ينم عن عدم عمق في فهمها، أما عناصر الدعاية الشيوعية: فيعكسها الأدب العربي المعاصر في جرأة أشد، وفي تهويل وتجسيم أكثر، أو في إغراء لامع!! وسنعرض هنا للدعاية الشيوعية، بقدر ما يوضح للقارئ مدى إفساح الأدب العربي -وهو نوع من الأدب الإسلامي- مكانا فيه لهذه النزعة الفكرية الماركسية، باسم التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، وعلى وجه أخص: أدب "ما بعد الحرب العالمية الثانية".

стр. 285

سنعرض للدعاية الشيوعية؛ لأن ظهور الفكر الماركسي في الأدب العربي، وفي الفكر الإسلامي -بوجه عام- لا بد أن يظهر في صورة الدعاية الشيوعية قبل أن يعلن عن نفسه في فلسفة المذهب نفسه، وقد فرقنا بين النوعين من قبل: بأن أحدهما -وهو الفلسفة- يسير في دقة المصطلحات الفنية، وثانيهما -وهو الدعاية- يتحرك في أسلوب "التهويل" أو"الاستخفاف"!! لا بد أن يظهر الفكر الماركسي في الشرق الإسلامي في صورة الدعاية الشيوعية؛ لأن هذه الصورة أقرب إلى عقلية الجماهير من ذلك التحديد الفني الفلسفي الدقيق الجاف، الذي يتوقف فهمه من الوجهة الفكرية على ثقافة خاصة. والدعاية الشيوعية عامة كما سبق تركز قوتها في ثلاث نقاط: - معارضة ثبات القيم الروحية، والأخلاقية، والعقلية. - معارضة وضعية المرأة في المجتمع غير الشيوعي. - الاستخفاف بأصحاب المزارع، وأصحاب رءوس الأموال، وتمجيد أصحاب العمل البدني بعد ذلك كله. ونجد هنا في الشرق الإسلامي أن توهين أمر الدين، ورجال الدين، هو الهدف الأول للدعاية الشيوعية؛ لأن الإسلام في هذا الشرق يعتبر مصدر أنواع القيم الثلاث الثابتة: الروحية، والعقلية، والدينية، ثم هو مع ذلك مصدر تحديد وضعية المرأة في المجتمع الإسلامي كذلك، وأخيرًا هو مصدر حق "الملكية الفردية" سواء للأراضي الزراعية، أو للصناعات. يضاف إلى ذلك، أنه ليس في الشرق "رأسمالية" بالمعنى المفهوم في الفلسفة الماركسية، التي قامت هي لمقاومة نفوذها هناك في أوروبا، وتقاومها الدعاية الشيوعية اليوم في أوروبا وأمريكا، والخصومة بين الماركسية، ورأس المال هي التي طبعت الفكر الماركسي بالطابع الاقتصادي كما ذكرنا قبلا، وطالما لم تقم هنا في هذا الشرق الإسلامي صناعات كبيرة، وعديدة أيضا, وطالما يقترب عدد عمال المصانع من عدد عمال المزارع أو يزيد، فالحديث عندئذ عن الرأسمالية، في مهاجمتها، أو تأييدها، حديث سابق لأوانه، وتقليد هنا في غير ذي موضوع، كما أشرنا من قبل. ويلي أمر الدين ورجال الدين -في الدعاية الشيوعية- السخرية والاستخاف بأصحاب المزارع الكبيرة، ووضعهم في الرتبة الثانية بعد رجال

стр. 286

الدين؛ لأنه ليس لهم من الاحترام والتقدير في نفوس "العامة" هنا في الشرق مثل ما لرجال الدين، لصلة هؤلاء بالدين، والدين له القداسة الأولى، والاحترام الكلي في نفوس الجماهير. ولأن الدعاية الشيوعية، كالفكر الماركسي، في التجديد في الفكر الإسلامي مستوردة من الخارج -ككل فكر له طابع التجديد في الشرق الإسلامي، وبخاصة في مصر- تحاول هذه الدعاية أن تأخذ صبغة محلية كي تسير في المجتمع الإسلامي، على أنها منتزعة من واقع البيئة الإسلامية، أو لكي تبدو في نظر العامة والجماهير "الجموع! " منسجمة مع خصائص الجماعة الإسلامية. لهذا نجد في الأدب العربي المعاصر، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بعض نشرات الدعاية الشيوعية، التي تظهر في صورة كتيبات تنقل هجوم جهاز الدعاية للفكر الماركسي ضد رجال الدين، والكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، إلى علماء الدين في المجتمع الإسلامي في الشرق!! ولكي يبدو هذا الهجوم قريبا من البيئة الإسلامية، تصوغ هذه النشرات عبارت ومصطلحات متداولة في هذه البيئة بالنسبة لعلماء الإسلام، وللإسلام نفسه مع ترديد نفس العناصر الرئيسية التي قام بها هجوم الدعاية الشيوعية ضد الكنيسة، ورجال الكنيسة في أوروبا!! وسيكون حديثنا هنا عن ثلاثة من الكتيبات١ تمثل نشرات هذه الدعاية، التي تحمل في عناصرها الفكر الماركسي. فبعضها٢: أضاف إلى عناصر الدعاية الشيوعية بعض أحاديث منسوبة إلى الرسول ﷺ ، وبعض آيات من القرآن الكريم، قصرها في التفسير والشرح قصرا على أن تلائم ما أضيفت إليه من عناصر الماركسية.

стр. 287

والثاني١ تحدث عن "الله" وعن "مكة" وعن "الصوفية"، ونحو ذلك من مصطلحات الثقافة الإسلامية. والثالث:٢ تضمن الحديث عن بعض "المجاورين في الأزهر"، وجعل حوار القصة يدور في القاهرة "في عهد المماليك" على لسان ابن خلدون! ومؤلف هذا الكتيب أمهر من المؤلفين الآخرين؛ لأنه سار بالعناصر الماركسية -وبالأخص تبعية القيمة المعنوية: الروحية والأخلاقية، والعقلية للمادة- في جو الثقافة الإسلامية، وإن كان في تعثر واضح. ولكن الشيء الذي يجعل هذه النشرات ترديدًا للدعاية الشيوعية في البيئة الأوروبية التي نشأت فيها الماركسية، ليس فقط ما يرى من وحدة "العناصر" فيها وفيما يوجد هناك، ولكن نفس المحاولة التي قامت عليها هذه الكتيبات لاصطناع جو شرقي إسلامي لهذه العناصر هنا تقدم لقارئ الفكر الماركسي في يسر الدليل على هذا "الترديد"!! فالحديث مثلا عن "الكهنة" و"السلطة الدينية" في أحدها٣، وعن "النظام الصراعي بين رأس المال والعمل" في ثانيهما٤، وعن "التفسير المادي الاقتصادي للتاريخ" في ثالثهما٥.. مع أنه لا موضوع لكل ذلك في المجتمع الإسلامي، يكشف عن استيراد هذه العناصر الماركسية من بيئة غريبة عن البيئة الإسلامية: إذ متى كانت هنا "كهنة وكهان"، وكانت "سلطة دينية"؟ ومتى وجد "الصراع" في الشرق بين رأس المال والعمل، مع أنه لم تقم بعد صناعات يتحدث عن رأس مالها وعمالها، ومتى كان ابن خلدون منكرا لثبات القيم الإسلامية في الأخلاق، والمثالية، وفي الله، والروح، ومفسرا إياها من المعدة، والطعام، والاقتصاد؟! عناصر الدعاية الشيوعية في التجديد في الفكر الإسلامي: سوف نجد في أية نشرة، في أي كتيب، باللغة العربية عن الدعاية الشيوعية ما يوضح الهدف منها ... مثل هذه العبارات: "وإن هذا

стр. 288

الكتاب١، ليحاول محاولة صادقة أن يجيب على هذا السؤال، وهو يرسم الخطوط الرئيسية لتحول اجتماعي وديع، يفضي بنا إلى قومية شاملة لا تنافر فيها، وإلى اشتراكية عادلة لا استغلال ولا ظلم فيها ... وإلى وعي ناضح سليم، لا سلطان للرجعية ولا للكهانة عليه، وإلى سلام غامر يبدل حقد المجتمع حبا وتربصه ولاء وأمنا، وقلقه استقرارا وسكينة"٢. ومثل: "الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ في جيب الدولة، وحافظة نقودها وتوزيع ثرواتها، وتنمية مواردها ... إذ أردت أن تصنع الناس فاصنع المجتمع أولا، اصنع الدولة"٣. أ- ثبات القيم المعنوية: ومن البديهي أن نرى الآن جهاز الدعاية الشيوعية في نشراتها في الأدب العربي، يحاول في عنف أن يحدث اهتزازا واضطرابا في القيم الروحية، والخلقية، والعقلية، في المجتمع الشرقي الإسلامي بدعوى خضوعها لمبدأ التغير، كما تخضع الأشياء له، وهنا نلمس الفكرة الماركسية في ثوب الدعاية الشيوعية، كما نلمس هنا أيضا الفكرة الأخرى من فكرها, وهي فكرة ربط كل الأمور والقيم المعنوية بالحياة المادية، وتبعيتها للجانب الاقتصادي منها على وجه أخص. - فعن الدين والقيم الدينية نقرأ: "فإن هذه الفكرة البلهاء التي تزعم أن "الروحانية"، هي علاج الشرق الوقائي، وأن "المادية" ستفسدنا كما أفسدت الغرب، وأن الروحانية شيء مستقل بذاته، وليست أثرا من آثار المادية المنظمة، المفعمة بالرغد والرفاهية ... إلخ٤"، و"إن الكلمة الأخيرة التي سنقولها للشعب دائما، وهي: أن طاقته الروحية وليد

стр. 289

طاقته الاقتصادية.. إن الروحانية التي تدعو إليها لا تبدأ من نفسها، بل هي تبدأ من المعدة"١. و"الدين يتفاعل مع الحياة والعلم.. ولقد وجدنا كيف أنه كان في العام الواحد، وأحيانا في اليوم الواحد "؟! " ينسخ حكما بحكم٢، ويقيم مبدأ مكان آخر، متبعا في هذا قانون التطور, وهو التغير والانتقال من صالح إلى أصلح٣. ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ٤.

стр. 290

وكما نقرأ: إن "الله" عند جدي: يتمثل في شخص طيب رحيم غفور تواب، يداوي الروماتيزم، ويقوي المفاصل١ ... وعند أمي: مأذون يجمع رءوس بانتها على رءوس عرسان أغنياء في الحلال ... وعند الأطفال يشبه عروسة المولد ... وهو عند أينشتين معادلة رياضية، وقانون تخضع له الأشياء بالضرورة ... وهو عند عاشق مثلي: حب.... وعند مشايخ الطرق الصوفية ... وزير أوقاف يوزع الكساوى والمعاشات٢ ... وعند الملحد: موضوع دراسة.. وعند المؤمن: موضوع عبادة ... وهو دائما شيء حتى عند الذي ينكره"٣!! و"إن الله فكرة في تطور مستمر، كما تدل على ذلك قصة الأديان.. الله في العقل الحديث معناه الطاقة الخام التي في داخلنا، الله هو الحركة التي كشفها العلم في الذرة، والعلم بهذا المعنى عبادة، والفن عبادة، والفلسفة عبادة؛ لأنها إدراك لهذا الإله بوسائل مختلفة. و"الآخرة لا ترعى مصلحة الملوك والكهنة وحدهم، بل هي سلطة خلقية يستمد منها الشعب خيره وشره.. يقول فولتير: إذا لم يكن الباب موجودا فينبغي أن نوجده! ويقول نابليون: لو لم يكن الباب موجودا لكنت اخترعته، ويقول بلوتارخ: إن مدينة بلا أرض تقوم عليها أسهل من قيام

стр. 291

دولة بلا إله؟ لقد أدرك الثلاثة نشأة الروحية من الضرورة المادية، وأن العامل الآخر أرضي ناشيء من الأرض، ومن الحاجات الأرضية، ولا دخل للسماء فيه١. "إن الله ليس فوق الجدل، وليس فوق العقل، وليس فوق الواقع.. إن الله هو العقل، وهو الواقع، وهو مجموع القوة الكونية التي تعمل لخيرنا في كل وقت.. وهي قوى تقبل المراجعة، والبحث، والتطور"٢. هذا نموذج من الحديث عن القيم الدينية والروحية في هذه النشرات.. أما أسلوب هذه الكتيبات عن علماء الدين، فإنه يضعهم موضع رجال الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، فيبعد كل البعد عن المناقشة المهذبة!! ... وهذا نمط منه: "وأما الأئمة: فرجال ضائعون، يترنحون على الطرق، يقولون للتتار والأكراد: إن أبواب الجنة مفتوحة للصديقين والشهداء، وهم يعلمون أن الجنة لم يوعد بها الفاسقون ولا القتلة"٣. "رأينا الكهانة المصرية "علماء الأزهر! " تختط مذهبا عجيبا. إذ راحت تمطر الناس بخرافاتها، وسال جشاؤها، حاملا مبادئها الحزينة المدبرة، داعية الناس إلى القناعة المقدسة، بيد أن الكهنة أنفسهم ألد أعداء القناعة، وأسبق العالمين إلى اقتناص المغانم، والبحث عن المال والجاه!! وهذا خلق لها قديم كشف عنه العلامة" هـ. ج. ولز" في كتابه الجليل "معالم تاريخ الإنسانية"٤.

стр. 292

ونمط آخر: "هل رأيت الخوف والذهول في عين الكلب، وهو يتأمل ورقة طائرة في الهواء؟ إنه لا يرى الهواء، وأراهن أنه ينظر إلى الورقة كما ينظر إلى مخلوق حي، ويظن أن بها روحا تحركها ... إنه كلب متدين، وفي الماضي كان الإنسان أحمق "إذ كان متدينا" مثل هذا الكلب"١. ومثل هذا الحديث تتحدث به هذه النشرات عن المؤسسات الدينية، أو تصف به التنظيم أي تنظيم، إن قام في أساسه على ما يتصل بالدين من نحو: "فتنشئ جمعية الرحمة ... وجمعية لتحفيظ القرآن ... وجمعية لتربية القطط الضالة؟ "٢, ومثل "أنفر من عهد حرية الفكر، وحرية القول، وحرية النقد -مهما يكن ذلك ضئيلا- إلى عهد من قال لأميره: لم؟ فقد حل دمه، وبرئت منه ذمة الله؟! أم نثبت هذا العهد، ونعاونه على النضوج والاستواء؟ "٣؟

стр. 293

- وعن الأخلاق، والقيم الأخلاقية: تردد الفكرة الماركسية القائمة على "التغير" لكل شيء، على "تبعية كل شيء" للجانب الاقتصادي على وجه أخص في أسلوب مليء بالقسوة والنبو؛ لأن القسوة، والنبو جزء من تكتيك الدعاية الشيوعية لإثارة "حرب الطبقات"، والتعجيل بـ"الانقلاب" في الجماعة وتحويلها إلى دولة شيوعية، وتقرأ الفكرة الماركسية الأخلاقية في الأدب العربي المعاصر، في الأسلوب التالي: "هل يستطيع الإنسان الذي اختلت غدده، وأجدبت خلاياه، أن يكون ذا سلوك وديع؟.. لقد أثبت العلم بتجاربه التي لا ريب فيها، أن أخلاق الإنسان ليست شيئا بعيدًا عن ذاته، وتركيبه وأجهزته ... وليست شيئا يناله صاحبه بـ"دعوة صالحة" أو "موعظة حسنة"، وليست شيئا يهبط من السماء فيصيب أقواما ويخطئ آخرين١. ما السلوك البشري كله: خيره وشره, صالحه وفاسده، إلا وليد حالتنا الصحية، وحالتنا العقلية، وما هنالك ريب في أن هذا الذي ينطبق على الفرد، ينطبق على الجماعات والمجتمعات: فالمجتمع المتمتع بعافية اقتصادية هو الذي تزدهر فيه الفضائل!. أما المجتمع السغبان المضني فلا وجود فيه للفضيلة"٢.

стр. 294

ومثل: "والأديان سبب من أسباب الخلط في معنى السعادة؟..لأنها قالت عن الزنا والخمر لذات وحرمتها، فتحولت هذه المحرمات إلى أهداف، يجري وراءها البسطاء والسذج على أنها سعادة، وهي ليست بسعادة على الإطلاق"١. ومثل: "كل ما هو خير، وما هو شر، موضوعات تتغير مع المواسم والأعياد، ويخرج من حاجات الناس وضروراتهم!! كل هذه المثل، والكلمات الطنانة الرنانة تخرج من الأرض، وتمر على المعدة أولا، فإذا هضمتها صعدت إلى العقل وعششت فيه ... الحق المطلق، والخير الصرف، والفضيلة المجردة، توجد في عقول المتصوفين والمجاذيب، والحالمين، ولكنها لا توجد في مجتمعنا الذي يأكل ويشرب, ويمرض ويموت، والطريقة العصرية في بلوغ الفضيلة ليست الصلاة، وإنما هي الطعام الجيد، والمسكن الجيد"٢. "الإنسان ابن بيئته، والبيئة المادية هي صاحبة الأمر والنهي في تشكيل أخلاق الناس"٣! "الإنسان عندي مجبر على ما يفعل، لا يترك له التاريخ مهربا، ولا مجال اختيار. والإنسان عندي ابن بيئته، وابن عصره، وابن مجتمعه"٤. - وشأن العقل، والعمل العقلي -في نشرات الدعاية الشيوعية في الأدب العربي- شأن الدين والقيم الدينية، وشأن الأخلاق ومقاييس الفضيلة

стр. 295

والرذيلة، في أنها تخضع لظاهرة التغير، وأنها تتبع دائما البيئة المادية الاقتصادية وحدها ... كما يرى مثل هذا النص: "إن الفهم العصري للنفس البشرية, يدل على أنها موقوته خاضعة للزمان والتغير والموت خضوع البدن, وأن العقل ليس شيئا سابحا في الهواء, وإنما هو مرتبط بالمخ كارتباط النور بالسلك الكهربائي ينبعث منه ... ليست هناك نفس منفصلة عن الجسم، إنها كالحرارة المنبعثة من الفرن, إذا انطفأ الفرن وتحول إلى رماد، انطفأت وضاعت ... إن العقل والجسم ينموان معا، ويفسدان معا"١. ب- تحرير المرأة: وعلى أساس من المبدأ الماركسي في التغير والانتقال من حال إلى حال، وعلى أساس من تبعية القيم المعنوية للمادة -وللجانب الاقتصادي في الحياة على وجه أخص- تقوم الدعاية الشيوعية في الأوساط غير الماركسية، بطلب رفع "الحواجز" وبتحرير المرأة في نفسها وفي وضعيتها في المجتمع، بحيث لا يبقى اعتبار للتفريق بين ما يسمى علاقة شرعية وما ليس بشرعي في صلة المرأة بالرجل، وفي النظرة إليها في ممارسة ما تنادي به طبيعتها كفرد، وفيما تنتجه للدولة كعضو في المجتمع ... هذا هو الأساس العام الذي تقوم عليه الدعاية الشيوعية فيما يتصل بالمرأة. ولكن صياغته تختلف باختلاف المجتمع الذي تتسرب إليه، كي تقبل هذا الأساس بادئي ذي بدء, ثم تتدرج إلى أن تصل في وضوح إليه مكشوفا غير مقنع!! وإذن يكفي بالنسبة للمجتمع الشرقي الإسلامي أن تكون البداية على النحو الآتي: "هل صحيح أن الغيرة على الفضيلة والتقاليد هي التي تحفزنا إلى مقاومة التطور، والكيد للمرأة؟؟ إن يكن ذلك، فما أحوجنا إذن إلى تحديد معنى الفضيلة والرذيلة ومعرفة مدى ما يجب على الأمم أن تقدمه للتقاليد من طاعة وولاء. إن الفضائل الاجتماعية والقيم العليا التي تنظم حولها حياة المجتمع وتناط بها وجهته، ليست التي يرتضيها فرد أو جماعة من الناس، وتلائم تفكيرهم وإحساسهم، بل هي التي تنسجم مع القاعدة،

стр. 296

وتسمو عن الشذوذ، والقاعدة هنا هي التطور، والشذوذ هو الرجعية والانتكاس.. فكل زحف إلى الوراء مهما يتسم بحسن النية وسذاجة القصد، ليس سوى رذيلة في ثوب تنكري خداع، وليس هناك إثم أشد، ولا خطيئة أفحش من مقاومة التطور, وإخضاع مستقبل الأمم لجهلها القديم"١. أي تطور تعنيه هذه النشرة؟ إنه التغير ... وإنه تغير الماركسية وحدها!! إنه "الانقلاب" في معنى الفضيلة والرذيلة، وإخضاع هذا المعنى للحياة المادية الاقتصادية وحدها.. أن التطور هنا هو تحكيم "الجسمية" و"المادية". وأي جهل قديم للأمم تعينه هذه النشرة أيضًا؟؟ هو طبعا ثبات القيم المعنوية واستقلالها عن التبعية للمادة، وهو تحديد وضع المرأة ووضع الرجل في الحياة، وتحديد العلاقة في الأسرة والعلاقة بين الجنسين على العموم ... هذا هو جهل الأمم، وذلك هو التطور المنشود. ولكن هذه الدعاية قد تفصح عن ذلك إفصاحا أكثر على نحو: "والخير والشر خضعا لناموس التطور، فتغيرت معاني الرذيلة، ومعاني الفضيلة، كانت المرأة رمزا للشيطان, وكانت الغريزة الجنسية خطيئة تحمل أوزارها المرأة وحدها، فأصبحت المرأة نصفا مكملا للرجل، وأصبحت الغريزة الجنسية حالة فسيولوجية تنظم لصالح المجتمع ومسرة أفراده"٢. وهذا التطور الذي يعنيه النص السابق. ومعنى ذلك: ليس هناك خطيئة في صلة المرأة بالرجل على أي نحو.. فلقد أصبحت نصفا مكملا له، أي: متساوية معه في التصرف والفعل! ثم إن الاتصال الجنسي في ذاته لا ينظر إليه الآن على أنه مصدر تنفيس للمرأة والرجل سواء كأفراد, وكذا على أنه مصدر ثروة قومية تستغل وتنظم لصالح المجتمع، فهو فضيلة في المجتمع الحديث في أية صورة.

стр. 297

جـ- العمل البدني: وظاهرة ثالثة في نشرات الدعاية الشيوعية في الأدب المعاصر، وهي ظاهرة تمجيد العمل اليدوي وإبراز تفوقه على العمل الفكري، وبالتالي تفضيل الطبقة العاملة على الطبقات الأخرى، وهذه الظاهرة أثر للفكر الماركسي، الذي يرمي إلى تحويل الجماعة إلى دولة ذات طبقة واحدة، هي طبقة العمال، كما أنها مادة للدعاية الشيوعية، لكسب الأتباع في أوسع دائرة ممكنة ... ومن أمثلة ذلك: "والكدح الخصب المنتج يسعد صاحبه، أكثر من الراحة والتفكير المتراخي المفلس"١. وتقرأ أيضا: "أنا أعرف أن هذا القفطان يلزمه مقدار معين من القماش, وأنه ينبغي أن يفصل على هذا النحو، ويخاط من هنا، ويترك من هنا، ولكني لست خياطا.. لذلك يمتاز على الخياط بأنه منفذ، بأنه يضم أجزاء الثوب معا، سأضرب لكم "على لسان بان خلدون" ٢ مثلا أقرب إليكم: تسمعون في الجامع خطيبا يقول: إن الرحمة بالبائسين واليتامى من واجبات المؤمنين، وإن هذه الرحمة تقتضي أن يخرج المسلم الزكاة، وأن يمد يد العون للآخرين، وقد يشرح لكم هذا الشيخ شرحا مستفيضا كل شيء عن التكافل والتعاون، ولكن ما إن يترك المنبر حتى لا يصنع شيئا مما يقول! ... إنه رجل ذو معرفة لا جدال، غير أن معرفته قليلة الجدوى. والمطلوب عندي هو المعرفة المقترنة بالتجربة والممارسة"٣. وأيضا: "لقد قرأ المجاورون نسخة من مقدمة عبد الرحمن، وخيل إليهم أن الرجل الكبير يشاركهم التجربة، فهو يتكلم عن الزراعة والصناعة، وعن أن العمل هو الذي يعطي الأشياء قيمتها"٤.

стр. 298

وكثيرا ما يتصل بتفضيل العمل البدني على العمل العقلي إثارة العمال ضد أصحاب المزارع والمصانع، أو تحميسهم لمعاونة الانقلاب نحو الجماعة ذات الطبقة الواحدة "الشيوعية" ... من نحو: "وكان "خادم ابن خلدون" أبو الحسن ثرثارا عظيما يحتقر الصناع ويحتقر أكثر من الصناع: العتالين، وأما تقديره للفلاحين فأسوأ ما يكون وكان الخادم ينتظر كلمة من مولاه ليصب احتقاره على الصناع، قال: "مولاي! هذا الصنف من الناس لا يمكن أن يعود إلى الشغب بعد أن تكلمت السياط! وكان أبو الحسن عبدا اشترته عائلة عبد الرحمن "ابن خلدون" وهو طفل، وعلموه أن الدنيا هرم: في القاعدة أرض، وفلاحون، وصناع، وفي أعلى سادة، وما دام أنه عبد عائلة كبيرة فهو فوق! "١. والمؤلف لم يفرق هنا بين عادة تكونت -إن كان على نحو ما يصف من المبالغة- وبين رأي الإسلام، وللرسول ﷺ حديثه الصحيح: "إخوانكم خولكم ... " فهو قد أوصى برعاية الخدم، بأن جعلهم إخوانا لمخدوميهم في الإحساس والشعور، قبل المعاملة والرعاية. وكذلك من نحو: "لقد اكتشفت حقائق مؤلمة ومخجلة!! ففي بعض التفاتيش وجد الرجل يستأجر بخمسة قروش في اليوم، بينما يستأجر الحمار بعشرة قروش ... ومعنى هذا: أن المساواة لم تتحقق بعد، بين الإنسان المصري والحمار المصري٢. وإذا أقيمت الجسور، فالفلاحون هم الذين يقيمونها، وإذا شقوا الترع فالفلاحون هم الذين يحفرونها، ويرفعون ترابها، ويطهرونها، وإذا جاء الفيضان وغرقت القرى، فالفلاحون هم الذين يغرقون أو يفرون إلى سفوح الجبال الشرقية وأطراف الصحراء الغربية، وإذا جاء القحط فعلى الفلاحين أن يموتوا، وإذا انتزع مملوك إقطاعية مملوك آخر، انتقل

стр. 299

الفلاحون مع الأرض تابعين لها؟ فالسيد هو سيد، وأما هم فيلحقون بالأرض"١. والحديث عن تمجيد العامل وإثارته هو حديث في الجملة عن الجماهير ... وتتصل بالجماهير لغتهم، وفنهم، ولذا ترى الدعاية الشيوعية تعنى بتمجيد اللغة العامية، وبالفن الشعبي، على نحو ما نقرأ هنا: "وما رأيك في أني سمعت بلسان عامة الأندلس، وبلسان عامة البربر في المغرب، أعذب الأشعار وأصدقها؟؟ أتريدني أن أنكر ما سمعت أذناي، أم أنك أصبحت متعصبا للنحو والصرف؟؟ إني لا أعتقد بأنك وأصحابك هؤلاء الذين أسمعوني أخبارا متصلة بالحياة، يمكن أن تموت فيكم حاسة الذوق, فتقولون -كالذين ماتت أذواقهم- ليس للعامية لغة وللعامية شعر أو بلاغة٢. "وطرب لقصائد الهلالية، ورأى في هذا الشعر العامي خطا من نور، كان هو البادئ في التقاطه وتسجيله في ذلك السفر العظيم، الذي أسماه "المقدمة"، والذي لم يكن متكبرا حين قال عنه: إنه لا يعرف له سابقة في التفكير الإسلامي ولم يقع على شيء قريب منه وإنما هو إلهام خلق جديد! "٣. التفسير المادي الاقتصادي للتاريخ: ومكافحة القيم المعنوية، وتغير الأخلاق, تبعيتها للحياة الاقتصادية، وتحرير المرأة في غير حد إلا حد "الإنتاج"، وتمجيد العمل البدني وإبراز تفوقه في القيمة على العمل العقلي. تلك هي عناصر الدعاية الشيوعية في الأدب العربي المعاصر، وهي نفسها قوام الدعاية الشيوعية في كل أدب إنساني قائم في عصرنا الحاضر.

стр. 300

ولكن يستخدم في تروجيها التفسير المادي الاقتصادي للتاريخ: إما بصفة عامة، وإما في صورة تقترب من طبيعة المجتمع الذي تروج فيه، وفيما يلي بعض النماذج لهذا التفسير. "لقد كان الطغاة يكتسحون الأرض بسكانها، ويحولون الكل إلى عبيد أرقاء، ثم تطور الطغيان "دولة الملوك" فأصبح الغازي يكتفي بأن ينهب الأرض ويترك سكانها أحرارا ليعتصر دماءهم في الضرائب "دولة الإقطاع" ثم تطور أخيرًا إلى شيطان عطوف دائم الابتسام، لا يمس الأرض ولا يمس سكانها، وإنما فقط يستولي على ثروتهم "دولة الرأسمالية".. لقد بدأنا عبيدا للأرض، وانتهينا عبيدا للأجر١. "والآن ليس هنا إلا طريق واحد، هو أن يتحرر العقل من النظام الصراعي "بين رأس المال والعمال" الذي يعيش فيه، ويحتم عليه الحرب! عليه أن يقضي على الاستعمار أولا، ثم يفرغ لتنظيم اقتصادي جديد، يسلم فيه مفتاح المصنع ومفتاح الدكان للدولة، ويقضي على الحرب الصامتة بين صاحب المصنع والعامل، ويحول المجتمع إلى أسرة واحدة "إلى مجتمع ذي طبقة واحدة، هي طبقة العمال" والحكومة إلى أب، والعالم إلى دول متآخية, وبهذا يصبح سوق الشرف هو العمل والإنتاج، لا الكسب والاستغلال ويتحول الإنسان مرة أخرى إلى جده البدائي المسالم الذي كان يحارب الطبيعة القاسية"٢. وذلك الجد البدائي إنسان الغابة.. الإنسان الحيوان الذي لا يعرف الملك والقيم!! هذا نموذج من التفسير المادي لتاريخ الاقتصاد، وقد يستخدم التفسير المادي لتاريخ الكائنات، للتدليل أيضا على الانتقال والتغير، الذي يعم كل شيء حتى الجماعة، وحتى الاقتصاد ... كما في النموذج التالي: "إن التاريخ في رأي هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو بجيل. أتدرون "الخطاب على لسان ابن خلدون موجه إلى طلابه المجاورين الخمسة

стр. 301

في الأزهر" أنه قد خطر لي خاطر غريب، لم أحب لنفسي الخوض فيه كثيرا ... ذلك أن بين الإنسان، والجماد، والحيوان قرابة!! اسمعوا هذه الفقرات "في المقدمة" "ثم نظر إلى عالم التكوين، كيف ابتدأ من المعادن، ثم الحيوان، على هيئة بديعة من التدريج، إني لأرى "المتحدث على لسان ابن خلدون، والمؤلف يشرح" الكائنات في هذا العالم سلسلة تتدرج من الأدنى إلى الأعلى: أرى آخر مراتب المعادن وأرقاها متصلة بأول أنواع النبات، وأرى آخر أفاق النبات وأعلاها متصلة بأدنى آفاق الحيوان ... إني لأرى أنه من المعادن، أو قولوا: من الجماد حدث نبات. ثم حدث حيوان، وقد شرحت قدر استطاعتي الفكرة -فكرة الانتقال من طور إلى طور- بأن قلت: "ومعنى الاتصال في هذا الملكوتات: أن آخر أفق منها مستعد لأن يصير إلى الأفق بعده ... "وتصورت عالم الحيوان على هذا النحو: تصورته في البداية قريب الصلة بالنبات، ثم تطور واتسع وتعددت أنواع الحيوان، وانتهيت إلى الإنسان، ولا أملك نفسي، حين أرى قردا ذكيا يشعر ويكاد ينطق، أن أقول لنفسي: يا عبد الرحمن، هذا ابن عمك! أنا أؤمن بأن حالة ما تستمر إلى الأبد، لا في الحيوان، ولا في النبات، ولا في الإنسان، وأؤمن أن كل شيء قابل بطبيعته للتطور، وأرى أن التطور التدريجي هو أوسع قاعدة تحكم ما أعرف، وإن كنت لا أنكر أنه قد تتبدل أحوال الأمم أحيانا تبدلا كليا، فكأنها تخلق من جديد، وتدخل عالما محدثا"١. وبهذا أوصل المؤلف، صاحب هذا النص "ابن خلدون"، إلى أنه بشر" بالتفسير المادي للتاريخ، وآمن بتطور كل شيء وانتقاله إلى حالة أخرى، حتى الأمم "كأنها تخلق من جديد، وتدخل عالما محدثا"، وهي حال المقابل والنقيض. كما أوصله إلى أنه يرى كما يرى "ماركس" لا كما رأى "فيشته" و"هيجل" في انتقال الشيء إلى نقيضه -أن الانتقال أو التطور يكون تدريجيا، ثم إنه قد تتبدل أحوال الأمم أحيانا تبدلا كليا" أي: يكون فجأة انقلابا وثورة.

стр. 302

إيمان بحيوانية الجسد.. وكفر بإنسانية الإنسان، وبخالقه: وبعد، فالماركسية مذهب فلسفي قصد إلى إيجاد توازن في العلاقة بين أصحاب رءوس الأموال والعمال، فحرم كلا الطرفين من الملكية، وفرض قيام "وصاية" عليهما سماها "الدولة" ووكل أمر مباشرة هذه الدولة والتصرف في شئون الوصاية إلى حراس هذا المذهب وهم المريدون له. وبذلك نزع من صاحب رأس المال ماله, ومن العامل حريته في العمل، ووضع المال كله كما وضع التوجيه في العمل بيد الدولة وحدها. وأصبح كل من صاحب رأس المال "سابقا" ومن العامل عنده "سابقا أيضا" في حاجة إلى أن يعيش لأن يأكل!! واتخذت الفلسفة الماركسية من هذا الوضع -وهو الحاجة إلى الأكل وملء "المعدة"- فرصة إلى أن ترى هدف الحياة الإنسانية في الأكل وملء المعدة وحده، دون هدف آخر وراءه، وبذلك بالغت في قيمة هذا الهدف الأرضي الحيواني، كما شددت في إنكار ما وراءه من هدف آخر فوق الحيوانية. وتبع ذلك إنكار الدين وإنكار الفلسفة المثالية ... وأصبحت التضحية وإنكار الذات، وأصبح الصبر على الشدائد والرضا بالقدر عند العجز عن الدفع، وأصبحت الأخوة في الوطن أو في الإنسانية معان جوفاء لا مدلول لها.. وأصبحت الدعوة إلى الله والقيم الذاتية -كمصدر لإشعاع التوجيه للبشرية عامة- دعوة إلى التخدير. شجعت الفلسفة الماركسية الحيوانية في جميع جوانبها ... شجعتها في امتلاء المعدة، وفي إشباع الرغبة الجنسية في أية صورة، وفي احتقار العقل، وازدراء الطبقة المثقفة، وأغرقت الطبقة العاملة بأن "الدولة" دولتهم، حتى تضمن ولاء الكثرة العددية في الجماعة الإنسانية لنظامها. وواقع الأمر: إن جميع الأفراد في النظام الشيوعي أجراء, ولكن لا حرية لهم في قبول العمل أو في اختياره!! هم جنود محاربون، ولكن لا في سبيل الوطن أو في سبيل الله، أو بدافع التضحية لذات التضحية, وإنما هم مساقون من الخلف، والسوط في هذا الدفع الخلفي هو الذي ينطق، دون التذكير بمعاني المجد، والحرص على سلامة الوطن!! وجميعهم في ظل هذا النظام أيضا "منتجون" ولكن إنتاجهم إنتاج "كم"، أكثر منه إنتاج "كيف"، إذ تنقصهم الرغبة في العلم، ويدفعهم إلى قبوله "خلاء المعدة" والرغبة في ملئها فقط.

стр. 303

هذه هي الماركسية: عدوة الحياة الإنسانية ... وعدوة الدين والإيمان بالله، وعدوة الملكية الفردية.. وعدوة الحرية في الرأي، وفي التعبير، وفي العمل وفي نظام الحياة، وفي بناء الأسرة!! التمليك الجماعي خداع، والدولة ذات الطبقة الواحدة خداع.. الكل مسوقون، والسيد حفنة من القادة، واتجاه السير في الحياة إلى: "المعدة" "المعدة"، و"المعدة".. وبدل أن تعين أتباعها على أن يرفعوا رءوسهم لينظر بعضهم بعضا تحملهم على أن يخفوا وجوههم حتى لا يرى الواحد منهم الآخر على حقيقته.. ثم عليهم، ولهم أيضا، أن يتحسسوا بطونهم، ويسمعوا إلى ندائها وحده. الأفراد الشيوعيون مقضي عليهم بالفناء في صور ما، والدولة هي الباقية.. هذا هو شعار الماركسية في حياة الإنسان ... الدولة هي الخالقة للأفراد، وليس الأفراد هم صانعو الدولة. "إن كل واحد منها كالخلية في جسد المجتمع، مثل كرة الدم البيضاء في الجسم، تخرج لتموت في معركة مع الملاريا، ليعيش الجسم ويتغلب على المرض. إننا في اندفاعنا في عمرنا القصير لنحقق إرادة مجتمعنا، نحس بإرادة "الكل" نحس بأننا نساهم في صحة الجميع وبقائه، ومن هنا كان أحساسنا بالخلود؛ لأن الكل "الدولة" خالد فعلا, باق فعلا، والذي يموت هو نحن الأجزاء الصغيرة، كرات الدم التي يدافع بها جسم المجتمع عن نفسه"١. هذا هو تعبير الماركسية في نشراتها في الأدب العربي ... وهو تعبيرها عن هدفها الأصيل: تموت الأفراد، ويحيا المجتمع. أي مجتمع يحيا إذا ماتت أفراده ... في حياتهم، وفي قبورهم على السواء! أهو مجتمع العبيد، أم مجتمع الإنسان الحر الكريم؟!

стр. 304

مع الأسف إنها لا تؤمن بالحرية، ولا بالكرامة، ولا بأمثال هذه "المثاليات" إنها لا تؤمن إلا بالجسد، وبحيوانية الجسد.. وتكفر بإنسانية الإنسان وبخالق الإنسان معا، وهو الله جل شأنه. الشيوعية إفلاس في الجماعة.. وأمار يأس في التفكير الماركسي: الدين يطلب "التوازن" إذ تطلب العدالة.. والماركسية ترى أنها تطلب "التوازن" إذ تطلب تمليك الدولة دون الأفراد. ولكن الفرق بين الماركسية من جانب، وبين الدين والفلسفة من جانب آخر هو: - أن التوازن الذي تطلبه الماركسية هو "سلب الجميع" لما يملك الجميع، من كل شيء, من مال وإنسانية على السواء. - بينما التوازن الذي يطلبه الدين هو: التوازن في الفرد بين ثنائيته١. وفي المجتمع بين طبقاته، بحيث يكون للفرد الحرية ولكن في نطاق الإنسانية ويكون في المجتمع تفاضل ولكن في غير طغيان.

стр. 305

والتوازن الذي تطلبه الفلسفة المثالية أن تكون للدولة قيمة عليا، ولكن يكون الفرد مع ذلك هو صانع الدولة والمجتمع معا, ولذا يجب على الفرد أن يكون عضوا حرا في المجتمع, وعلى المجتمع أن يصون حريته ويرعى مصالحه. فتوازن الدين والفلسفة ... توازن "توزيع" و"تقابل" لا توازن "سلب" ثم "تسخير"!!

стр. 306

إن الثنائية أو "النقيض" موجود مع الإنسان نفسه.. وأحد طرفي "الثنائية" هو أحد طرفي "النقيض" فيه، و"الاستمرار" في البقاء في أحد الطرفين "خروج" عن طبيعة الشيء صاحب الثنائية، للإنسان نفس وجسم, وفيه الاستعداد للحياة والفناء، وعنده "الإمكان" لأن "ينتقل" من أحد الطرفين إلى آخر, ولكن الحكم عليه بأن يبقى في طرف الجسمية وحدها كالحكم عليه بأن يبقى في طرف الحياة وحدها، فلا يجوز عليه الموت، أو بأن يبقى في طرف "العدم" وحده فلا يرى الوجود وحياة الموجودين. والمجتمع كالفرد له ثنائية، وثنائيته من خصائص طبيعته ... فليس أفراده متساوين في "قيمة" ما جسمية، أو نفسية, أو إنتاجية، وكذا في القيم العرضية كالفن والمعرفة، وإذا كان أفراده مختلفين، فهناك تقابل فيه, والتقابل هو الثنائية، هذه هي طبيعة المجتمع، فمن الانحراف عن طبيعة المجتمع إذن، أن يلغى فيه التقابل أو الثنائية؛ لأنها من طبيعته أن يترك في أحد طرفي التقابل يطغى في المقابل، ووجود التقابل في المجتمع إذن خاصة من خواص طبيعته، وطغيان طرف فيه يعبر عن انحراف طبيعة أيضا. فحكم الماركسية على بقاء المجتمع في طرف واحد من طرفي ثنائية وعلى أن هذا البقاء خيره الدائم ... مخالف لطبيعة الشيء صاحب الثنائية وبالتالي مخالف لمبدأ "النقيض" الذي قامت عليه. إن استقامت الثنائية في تعادل طرفيها، لا في إلغاء طرف منهما. و"النقيض" ولا يكون نقيضا إلا إذا بقي له "إمكان" أن يدور بين شيئين متقابلين، وليس في تجميده في طرف واحد، وإلا لألغى نفسه ولم يصبح نقيضا. وإذن "التوازن" هو علاج الانحراف، والعدل هو وسيلة عدم الانحراف.. إما "الإلغاء" فهو انحراف آخر في المجتمع، وسيلغي المجتمع الإنساني حتما ما طرأ عليه من انحراف، ولو بعد حين؛ لأنه ليس من طبيعته، وستزول الشيوعية، صاحبة نظم الطبقة الواحدة، من حياة المجتمع الإنساني؛ لأنها انحراف فيه وخروج عن طبيعته. وطبيعة أي شيء لا بد أن تكافح ما يتنافر معها. وجعل الجماعة الإنسانية إذن ذات طبقة واحدة -كما يدعو النظام الشيوعي- يدل على إفلاس في سياسة الجماعة، وهو كذلك أمارة يأس في التفكير الماركسي.

стр. 307

الماركسية تنتظر الشيوعية: الماركسية تؤمن بمبدأي "النقيض" و"التغير" وتستعين بأحداث التاريخ الاقتصادية في التنبؤ بصيرورة العالم كله إلى الشيوعية، فإذا صار العالم إلى الشيوعية، أي إذا تم انتقال الثرورة من: المالك ... إلى الإقطاع ... إلى الرأسمالية ... إلى الدولة, عندئذ تكون قد تمت دورة "الانتقال في التمليك. وبما أن طبيعة كل شيء له ثنائية، أو هو يحمل في نفسه نقيض نفسه، أي: له إمكان الانتقال من حال وصل إليها إلى حال آخر معارضة ومقابلة له -فـ"إمكان" استئناف الانتقال من "تمليك الدولة"، أي: من النظام الشيوعي، إلى تمليك الأفراد، قائم ومحتمل، والماركسية التي أقامت الشيوعية بناء على ذلك- عليها أن تترقب هي نفسها زوال الشيوعية، وفناؤها فيما يقابلها، وهو تمليك الأفراد. وعندئذ لا بد للعالم من أن يستأنف "دورة" أخرى في اقتناء الثرورة وتمليكها، ولكنها عندئذ دورة عكسية، أي: تبتدئ من "الدولة" المالكة، إلى الأفراد من جديد. واستئناف العالم لدورة أخرى أمر حتمي, إلا إذا كانت الماركسية تؤمن بنهاية العالم كله، وعندئذ يبقى النظام الشيوعي إلى فناء العالم، لكنها تؤمن بالخلود للطبيعة المحسة، لأرض هذا العالم وما عليه من موجودات، وليس لله ولا للمثل العليا، فإيمانها بخلود الطبيعة من جانب، وبـ"الانتقال" المستمر من حال إلى حال فيها من جانب آخر يؤذن حتما بهزيمة الشيوعية في كفاح الطبيعة، وكفاح الوجود صاحب الثنائية. الإسلام: أما موقف الإسلام -من الأديان السماوية خاصة- في"توازن الجماعة" في الجانب الاقتصادي وفي تمليك الثروة، فقد وضع مبدأ "الميراث" بين جملة من المبادئ لضمان التوازن، إذ الميراث تفتيت لرأس المال، وهو بذلك يحول دون وقوعه في يد قلة تحتكره، وبالتالي يحول دون طغيان الرأسمالية، ومن جانب آخر هو تمليك لـ"الأفراد" لا للدولة ... وبذلك يحول دون حرمان الأفراد من التملك، كما يحول دون إذلال الأفراد لما يسمى "الدولة".

стр. 308

ولم يعرف لمبدأ من مبادئ الإسلام أن له هذا التحديد "الرياضي" في الدقة التي لا تقبل الاحتمال بحال، مثل ما عرف لمبدأ الميراث فقد جاء في سورة واحدة هي سورة النساء، وجاء في جملة من الآيات هي ثلاث١، وجاء في صيغة تحديد الحساب "علم العدد"، هذا التحديد في السورة، وفي الكمية والعدد، وفي الصيغة يؤذن بأهمية مبدأ الميراث وبأثره في المجتمع الإنساني. وكما أن الميراث عامل في "التقليل" بسب توزيع الأنصبة، فهو قد يكون عاملا في "التكثير" والزيادة بسب ضم نصيب جديد إلى نصيب قائم فعلا، ولكن بحيث تعود هذه الزيادة من جديد عن طريقه نفسه "أي: الميراث" أيضا إلى "التقليل". فإذا وصل الحال في "التقليل" إلى درجة دنيا لا ينتفع فيها بالمال الموزع يتدخل مبدأ آخر جاء به الإسلام وهو: مبدأ "التخارج" أو "الاستبدال". وأما موقف الإسلام من "القيم" في حياة الإنسان فآخر "قيمة" في نظره، هي "شهوة البطن" وشهوة الفرج ... إن كانت شهوة البطن والفرج تعتبر قيمة. الإسلام يؤكد إنسانية الإنسان، ويرتفع بها فوق حيوانيته ... ويؤكد بالتالي القيمة العليا في الوجود كله، وهي "خالق" هذه الإنسانية؟ الإسلام لا يرى أن الإنسان تخلقه الأرض، أو يخلقه المجتمع، وإنما خالقه هو خالق الأرض والمجتمع، وهو الله ... والإسلام بهذا يقابل الماركسية تماما. والتحول المقبل للماركسية، في جانب القيم -تطبيقا لمبدأ النقيض"- سيكون إلا الإسلام، دين الإنسان الفرد ودين المجتمع، ودين القيم. إن الانحراف عن "التوازن" في الجماعة ذات الإيمان بالله، أو صاحبة الفلسفة المثالية، لا يرجع إلى ضعف ذاتي في قيمة الدين كدين، أو في قيمة

стр. 309

التفكير المثالي ... وإنما يرجع إلى ضعف في قوة الإنسان التي تصاحبه، سواء أكانت قوة السلطة التنفيذية، أو تلك القوة التي تتمرس على فهمه وعرضه، كما أن بقاء النظام الشيوعي حتى اليوم -مدة لا تبلغ نصف القرن- وهي مدة قصيرة في تاريخ أية جماعة إنسانية، لا يعود إلى القيمة الذاتية لـ"السلب" و"التسخير" فيه، أي: سلب ملكية الأفراد جميعا وتسخير الأفراد جميعا وجعلهم أجزاء من أجل لقمة العيش ... وإنما يعود بقاء هذا النظام حتى هذه اللحظة إلى القوة الحارسة التي تصون هذا النظام وتسنده، وإلى اليقظة، الممثلة في نظام المخابرات والجهاز السري الدقيق، ذلك الجهاز الذي تعددت درجاته، وتنوع إلى أنواع مختلفة. أما تقدم الصناعة "الثقيلة" والبحث العلمي في "الذرة" في روسيا السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية -فجأة وفي غير انتظار- فيرجع إلى "استغلال" العقلية الألمانية العلمية، التي وقعت في الأسر بعد هزيمة الألمان" والتي تمت من قبل في ظل نظام البحث الألماني, وهو نظام يقوم على الحرية, وعلى احترام الإنسان، وتقدير الفرد، هو نظام "المثالية" الألمانية، وعقلية "الواجب" في السلوك العملي للألمان, ولا يرجع هذا التقدم بحال في بادئ الأمر إلى وجود "العقلية الخالقة" وتطور هذه العقلية بين أتباع النظام الشيوعي!! إذ هو نظام يدفع إلى كمية الإنتاج دون كيفيته، ونظام يمجد العمل بالساعد على العمل عن طريق الفكر، على أن التقدم العلمي المادي يتوقف قبل كل شيء على "المعمل" وأجهزته، ولا يدل بحال على أن العقلية التي ترصد حركات "الاختبار" في المعمل قد بلغت مستوى الإنسانية في خصائصها، في حبها للسلم والخير، وأنه قد توفرت لها الحرية الفردية في الرأي والقول والاعتقاد، وتوفرت لها الكرامة في النفس، والملك، والعرض، والبشرية، بحيث لا تنتهك حرمتها. والآن نرى أن التجديد في الفكر الإسلامي في الوقت الحاضر، يعيش في التفكير الغربي الذي خلقه القرن التاسع عشر، وينقل منه ما لا يفيد التوجيه في الشرق الإسلامي. - ينقل منه آراء المستشرقين الصليبيين فيما يصور الإسلام على أنه رسالة بشرية لمصلح إنساني، أو قائد ناجح، يرتبط اعتبارها بوقت حياة هذا المصلح. - أو ينقل منه آراء بعض المدارس اليسارية والإلحادية ضد الدين عامة.

стр. 310

ونرى أن "المجددين" في الفكر الإسلامي الحديث في الشرق، أتباع مرددون، وليسوا أصحاب حكم ونقد ... تدفعهم رغبة الترديد وسطحية الفهم، أو يدفعهم الاحترام، إلى ترديد ما يرددون! وهم -لأي واحد من هذه الأسباب- ليسوا أصحاب فلسفة، ولا أتباع مدرسة فلسفية خاصة؛ لأنه تنقصهم "الذاتية" في بناء الفكر، و"نقده". والأدب العربي المعاصر -بوجه خاص- يعاني أزمة "انفصالية" في التعبير عن الحياة المعاصرة، وعن الفكر والتوجيه القائم فيها، وذلك لفقد هؤلاء المجددين استطاعة "الهضم" للغريب، وبجانب كونهم يعيشون في ماضي الآخرين وهم يوهموننا دوما أنهم يعيشون في حاضر الحياة، وبجانب كونهم يعيشون على "البقايا" التي فقدت اعتبارها في الاتجاهات الإنسانية المعاصرة لدى هؤلاء الآخرين، رغم أنهم يطلبون منا أن نعترف لما يقولون بأنه: "جديد" وبأنه صاحب قيمة.

стр. 311

الباب الرابع: الإصلاح الديني حقيقة الإصلاح الديني في الإسلام: نعني بـ"الإصلاح الديني" في مجال الإسلام. - محاولة رد الاعتبار للقيم الدينية، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك قصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين. - ونعني به كذلك محاولة السير بالمبادئ الإسلامية. من نقطة الركود التي وقفت عندها في حياة المسلمين، إلى حياة المسلم المعاصر، حتى لا يقف مسلم اليوم موقف المتردد بين أمسه وحاضره؛ عندما يصبح في غده. ويخرج عن نطاق هذا الفصل -"الإصلاح الديني"- في البحث، تلك المحاولات الفكرية التي يدعي القائمون بها إصلاحا أو تجديدا في الإسلام، وهي في واقع أمرها "إخضاع" الإسلام للون معين من التفكير، أجنبي عنه، سواء في هدفه أو فيما يصدر عنه. فالكشف عن القيم الذاتية للإسلام، هو الأمارة التي اتخذناها طابعا لما سميناه "الإصلاح الديني". ولا نقصد بهذا الكشف "الدفاع" عن الإسلام؛ لأن هذا الدفاع قد يشتبك مع حماس العاطفة، فيؤثر على القيمة الذاتية للإسلام ... وإنما نبغي فحسب: مدلول هذا "الكشف" من فصل ما يتصل بالإسلام، من تحريف في التأويل، أو غموض في التفسير، أو ركود في الفهم. والإصلاح الديني في مجال الإسلام بهذا المعنى ... ذو صلة وثيقة بالعصر الذي يتم فيه, وبالفكر الذي يقوم بمحاولته, وبظروف الحياة التي عاش فيها هذا الفكر. والإصلاح الديني بالمعنى السابق -كمحاولة فكرية، وفي صلاته هذه- يغاير الحركات الدينية الأخرى التي تعتمد على "تبسيط" تعاليم الإسلام وتقريبها من العقلية العامة، كما يغاير تلك المحاولات التي تسير في دائرة

стр. 312

تفسير خاص لتعاليم الدين، أو تلتزم منهاج مدرسة خاصة من مدارس الفقه، أو مذاهب الكلام في العقيدة. - والإصلاح الديني -بعد هذا- تفكير ومنهج، يقوم على نقد وبناء، ويخلص إلى "اعتبار" قيمة واحدة، هي قيمة الإسلام في التوجيه الإنساني. ونحن في عرضنا للفكر الإسلامي الحديث، نعرض له في فترة تمتد قرابة قرن كامل, من منتصف القرن التاسع عشر إلى بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبهذا التحديد، سوف نقصر البحث في الإصلاح الديني على هذه المرحلة، وبالطابع الذي وضحناه من قبل ... وهذا وذاك يدعونا إلى استعادة ما كان عليه تفكير القرن التاسع عشر في الغرب والشرق وما ساد فيه من اختلال توازن القوى الفكري، والمادية، والسياسية والاجتماعية بين الشرق والغرب. لقد كانت ظروف القرن التاسع عشر، بما تم فيه من استعمار الغرب للشرق الإسلامي، وبما ساد فيه من التفكير الوضعي الواقعي لدى الغربيين من جانب، وبما ظهر من ضعف الشرق اجتماعيا، وسياسيا، ومن سيطرة "التواكل" على حياة الإنسان فيه من جانب آخر داعية إلى إيقاظ بعض المفكرين المسلمين، وحافزة لهم على دراسة ما يجب أن يكون عليه موقف الشرق الإسلامي إزاء: - السلطة الاستعمارية الصليبية في بلاد الشرق. - وإزاء هذا التفكير الغربي المادي الإلحادي، وما عساه أن يحدثه من أثر سلبي يزيد في ضعف المسلمين. - وأخيرًا إزاء الضعف المتعدد الجوانب، والذي طال عليه الأمد، واستحوذ على نفس الفرد والجماعة، في الشعوب الإسلامية. والإسلام في نظر هؤلاء المفكرين المسلمين، أداة الربط القوية بين الجماعات الإسلامية، كما أنه المصدر الأول لاستعادتهم من جديد قوتهم، على نحو ما كانت لهم هذه القوة يوم أن سادوا، ولم يخضعوا لغير الله وحده.

стр. 313

أيقظ الاستعمار الغربي الصليبي بعض المفكرين المسلمين. ووجههم لأن يكونوا دعاة ضد سلطته في أية بقعة من بقاع العالم الإسلامي. ودعتهم دعوتهم لأن يعمدوا على "الإسلام" كوسيلة أولى في إيقاظ شعوب منطقة الشرق الإسلامي ضد هذه السلطة الدخيلة، التي تصحبها روح "الانتقام" من المسلمين، منذ أن انتصروا على الصليبيين في القرن الثالث عشر، وفي تجميع قوى هذه الشعوب على العمل على تطهير البلاد الإسلامية منها. ودعاهم اعتمادهم على الإسلام إلى أن يغيروا في صورة عرضهم إياه، أو إلى أن يقربوا ويلائموا بين تعاليمه وبين أهداف الحياة القائمة إذ ذاك ... دعاهم ذلك إلى أن يكشفوا عن الإسلام: مصدر قوة، وغاية في نفسها مصدر قوة في الحياة، وغاية للحياة كذلك. والمسلمون إذا عاشوا به عاشوا أقوياء، وإذا عاشوا من أجل هدف ما، عاشوا من أجل الإسلام وحده؛ لأنه رسالة الإنسان في الحياة وفي العالم الواقعي. وظهرت في هذه الفترة، على مسرح "الإصلاح الديني" بالمعنى السابق شخصيتان إسلاميتان: - أحدهما عربية سامية هي شخصية الشيخ محمد عبده. - والأخرى آرية هندية هي شخصية محمد إقبال. وكلاهما عاش في القرن التاسع عشر، وأدرك القرن العشرين. وكلاهما حفظ القرآن الكريم، ووقف على حياة الشرق بسبب ميلاده وتوطنه فيه ورأى حياة الغرب بالارتحال إليه وبالإقامة فيه فترة من الزمن، وكلاهما مال إلى التصوف، ورأى في التصوف رفعة النفس الإنسانية وصفاءها، وقوة احتمالها إزاء الأزمات والأحداث. إلا أن أولهما كان يعي من الثقافة الإسلامية, بقدر ما كان الثاني يعي من التفكير الغربي، ومارس أولهما أيضا الفكر الإسلامي في دراسته وتدريسه وبحثه، بقدر ما مارس الثاني دراسة الفكر الغربي وبحثه, وأولهما أدرك مطلع القرن العشرين, والثاني عاش إلى ما يقرب من نهاية نصفه الأول. دفع الشيخ محمد عبده -عن طريق جمال الدين الأفغاني- إلى مواجهة الاستعمار الغربي وما صحبه من صليبية الغرب في تشويه الإسلام وتحريفه, ومن نشر هذا التحريف والتشويه بين قادة الغد من المسلمين.

стр. 314

ودفع محمد إقبال -عن طريق التثقيف والمخالطة للغربيين- إلى مواجهة الفكر المادي الغربي، وما قام عليه من إلحاد، وما له من أثر على المسلم المعاصر في توجيهه وفي علاقته بإسلامه. واضطر كلاهما إلى أن يكشف عن "قيمة" الإسلام في دفع المؤمنين به إلى الحياة والعمل فيها وقيمته في نظرته وتصويره للحياة الإنسانية، في مواجهة الصليبية الغربية وأهدافها تارة، أو في مواجهة الفكر المادي الغربي الإلحادي تارة أخرى. محمد عبده، ومحمد إقبال، كلاهما قام إذن بمحاولة فكرية إسلامية أو بحركة إصلاحية في تعديل المفاهيم الإسلامية، قصد منها بيان القيمة الإيجابية في توجيه الإسلام، وكلاهما دفع إذن إلى هذه المحاولة تحت ضغط عامل خارجي: أحدهما -وهو الشيخ عبده- تحت ضغط الاستعمار الصليبي وسلطته، والثاني -وهو محمد إقبال- تحت ضغط الفكر المادي الطبيعي وسيادته في أوروبا، وانتشار الدعوة إليه في الهند خاصة في ذلك الوقت، عن طريق السيد أحمد خان والشاعر التركي توفيق فكرت -من دعاة مذهب "أوجست كومت" في حركة التجديد الإسلامي في تركيا- وكلاهما أخلص في محاولته، وبذل مجهودا مشكورا فيها. إلا أن محاولة محمد عبده تعتبر قريبة من منطق الثقافة الإسلامية، بينما محاولة إقبال تعتبر قريبة من منطق التفكير الغربي، وليس معنى ذلك أن أحدهما أقرب إلى روح الإسلام والثاني إلى روح الغرب، ولكن معناه أن طريقة التفكير يغلب عليها الطابع الغربي في الجدل، وفي تحديد الألفاظ والعبارات وإثارة السؤال والإجابة عنه عند واحد. بينما طابع التفكير في الشرق، واستخدام أسلوب اللغة، وأسلوب المناقشة فيه يسيطر عند الآخر. وقد عجلنا في فصل من فصول هذا الكتاب، بعرض المحاولة الفكرية الإصلاحية التي قام بها الشيخ عبده، بعد الحديث عن جمال الدين الأفغاني، للصلة الوثيقة بينهما: إذ تكاد تعتبر حركة كل منهما مكملة لحركة الآخر، فوق أنه يربطهما رباط واحد، هو مواجهة الاستعمار الغربي، مباشرة في سلطته وفي تحريفه للإسلام عن طريق الاستشراق، وهذا الرباط يعتبر بمثابة الدافع والغاية معا، فيما ينسب إليهما من تفكير ومحاولة إصلاحية.

стр. 315

أما حركة إقبال الفكرية فقد جاءت متأخرة في الميلاد، بعد قيام الاستعمار الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي وتمكنه منه، وبالأخص في الهند وفي مصر بزمن طويل، وهي بالأحرى حركة واجهت اتصال الغرب الفكري بالشرق، عن طريق الاستعمار، دون أن تواجه هذا الاستعمار مباشرة، ولهذا لا تعتبر استمرارا لحركة الشيخ عبده، وإن اعتبرت مشاركة لها في الهدف. محمد إقبال: أبرز ما لإقبال١ من إنتاج يصور محاولته الفكرية الإصلاحية محاضراته الست التي دعي لإلقائها في مدارس سنة ١٩٢٨، وأكملها من بعد ذلك في إله آباد، وعليكره، وعنون لها بـ"تجديد الفكر الديني في الإسلام" The Reconstruction of Religious Thought in Islam وفي هذهالماحضرات يمكن للقارئ أن يقف على الدوافع التي دفعت إقبال لمحاولته الفكرية الإصلاحية، وعلى العوامل التي أثرت عليه في صياغة تفكيره ... وأخيرا على الفكر الرئيسية التي تتكون منها فلسفته الإصلاحية.

стр. 316

دوافع الإصلاح: هناك شيء واحد في جملته دفع "إقبال" إلى تفكيره الإصلاحي هناك تخلف المسلمين عن المشاركة في السيطرة على الطبيعة والواقع، وفي القوة المادية والاقتصادية، بجانب القوة الروحية الدافعة التي في الإسلام ... هناك الفهم الخاطئ من المسلمين للإسلام، نفذ إليهم بمخالطتهم لغيرهم، وتمكن منهم بسبب ركودهم وتوقفهم في تدبر معنى الإسلام ... هو فهمهم أن هذا العالم الطبيعي الذي نعيش فيه يجب أن ننصرف عنه، وأن "المادة" شر يجب تجنبها.. هناك الصوفية الإيرانية -كما يقول إقبال- "المادة" شر يجب تجنبها ... هناك الصوفية الإيرانية -كما يقول إقبال- هي التي أبعدت المسلمين عن حياة الإنسان المسيطر على الطبيعة والواقع!!

стр. 317

و"إقبال" من أجل هذا، يريد أن يدفع المسلم من جديد إلى العمل وعدم التواكل.. يريد أن يدفعه عن طريق الإسلام نفسه إلى فهم أن العالم الذي نعيش فيه ليس أمرا مغايرا تماما للإنسان نفسه, ولا بعيدا كل البعد عن روح الله ووجود ذاته المقدسة.. يريد أن يدفعه إلى القوة، وإلى الاحتفاظ بالذات والشخصية. هذا هو العنصر الأساسي الذي دفع "إقبال" إلى تفكيره الإصلاحي، وهو العنصر الذي يتجل كثيرا فيما يتحدث عنه من دوافع عديدة دفعته إلى هذا التفكير، أو العنصر الذي يتضح فيما يجده القارئ منثورا في كتاباته وشعره، وهذه الدوافع هي: - المسلم المعاصر: يتحدث "إقبال" عن ظروف المسلم المعاصر، كدافع من الدوافع التي حملته على الإصلاح وهي ظروف الإنسان الذي يعيش مترددا بين قديم أصيل خصب، لم يستطع بوضعه الحالي أن ينقله إلى الحياة كما يحيا غيره، وبين جديد براق، لبريقه خداع يخشى منه عليه. يقول: "ظل التفكير الديني في الإسلام راكدا خلال القرون الخمسة الأخيرة وقد أتى على الفكر الأوروبي زمن تلقى فيه وحي النهضة الإسلامية، ومع هذا فإن أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث هي السرعة الكبيرة التي ينزع بها المسلمون في حياتهم الروحية نحو الغرب! ولا غبار على هذا المنزع، فإن الثقافة الأوروبية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارا لبعض الجوانب الهامة في الإسلام، وكل الذي نخشاه هو أن المظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية قد يشل تقدمنا فنعجز عن بلوغ كنهها١، وهو يشير بهذا المظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية إلى الاتجاه العلمي الجديد، وهو الاتجاه التجريبي المادي الذي ساد تفكير القرن التاسع عشر: فله خطره -في نظره- على المسلم المعاصر، إذا لم يعرف هذا المسلم أن الإسلام يطلب "التجربة" في المعرفة، وإذا لم يعرف أن التاريخ الفكري لأسلافه الأولين أفاد البشرية عامة باستخدام التجربة في نطاق واسع للمعارف الإنسانية.

стр. 318

وهذا الخطر يكمن فيما ينطوي عليه هذا الفكر الجديد من إلحاد ومن السهل أن ينخدع به كثيرون، كما انخدع بالفعل به بعض الدعاة له في الهند، والأحوط إذن -هكذا يرى إقبال- أن نعيد النظر في تفكيرنا الإسلامي من جانب، ونمحص هذا الفكر الجديد بروح مستقلة يقظة من جانب آخر. "ومنذ العصور الوسطى، وعندما كانت مدارس المتكلمين في الإسلام قد اكتملت، حدث تقدم لا حد له في مجال الفكر، وكان من نتائج امتداد سلطان الإنسان على الطبيعة، أن بعث فيه ذلك إيمانا وإحساسا جديدين بتفوقه على القوى التي تتألف منها بيئته، فظهرت وجهات نظر جديدة، وحررت مرة ثانية المشكلات القديمة في ضوء التجربة الحديثة، وظهرت مشكلات من نوع جديد، ويبدو أن عقل الإنسان أخذ يشب عن طوق ما يحيط به من زمان ومكان، وعليه -وهي أخص المقولات الجوهرية- إن تصورنا التعقل نفسه بسبيل التغيير، نتيجة لتقدم التفكير العلمي، فنظرية "أينشتين" جاءتنا بنظةر جديدة إلى الكون، وقد فتحت أفاقا جديدة من النظر إلى المشكلات المشتركة بين الدين والفلسفة. "فلا عجب إذن، أن نجد شباب المسلمين في آسيا وفي إفريقيا يتطلبون توجيها جديدا بعقيدتهم، ولهذا لا بد من أن يصاحب يقظة الإسلام تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكرالأوروبي، وكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج التي وصلت إليها أوروبا، أن تعيننا في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام، وعلى بنائه من جديد إذا لزم الأمر، وأضف إلى هذا أنه لا سبيل إلى تجاهل الدعوة القائمة في أواسط آسيا -ضد الدين على وجه عام وضد الإسلام على وجه خاص- تلك الدعوة التي عبرت حدود الهند بالفعل، وبعض دعاة هذه الدعوة من أبناء المسلمين, وأحدهم هو الشاعر التركي توفيق فكرت، وإني لأعتزم في هذه المحاضرات أن أناقش مناقشة فلسفية بعض الأفكار الأساسية في الإسلام، على أمل أن يتيح لنا ذلك على أقل تقدير, فهم معنى الإسلام فهما صحيحا بوصفه رسالة للإنسانية كافة"١.

стр. 319

وبهذه المحاولة، التي يريد "إقبال" أن يحاولها، يستطيع الإسلام من وجهة نظره أن يكون له اعتبار عام، بوصف كونه رسالة للإنسانية كافة، وعلى الأخص للمسلم، في الوقت الذي يسيطر فيه الطابع التجربي على المعرفة الإنسانية فهذه المحاولة ليست محاولة لإعطاء الإسلام قيمة عامة، وإنما هي لكشف قيمته في نظر الإنسان التجريبي، وهو الإنسان الغربي المعاصر, وفي نظر المسلم الذي يعيش معه في وقته. - الإنسان الأوروبي المعاصر: ولم يرض "إقبال" للمسلم المعاصر -بعد أن وضح حاجته إلى تغيير وضعيته في الحياة- أن يكون صورة للأوروبي المعاصر، كما رضي من قبل صاحب "مستقبل الثقافة في مصر" أن يكون المسلم في مصر صورة للأوروبي في السلوك والتفكير: بل وألح فيه إلحاحًا. لم يرض "إقبال" ذلك؛ لأن "الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية، وتخصص علمي، يجد نفسه في ورطة: فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطانا على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو"١. "والإنسان العصري وقد أعشاه نشاطه العقلي، كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحانية الكاملة، أي: إلى حياة روحية تتغلغل في أعماق النفس، فهو في حلبة الفكر في صراع صريح مع نفسه.. وهو في مضمار الحياة الاقتصادية والسياسية في كفاح صريح مع غيره. وهو يجد نفسه غير قادر على كبح أثرته الجارفة، وحبه للمال حبا طاغيا يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئا فشيئا، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة، وقد استغرق في "الواقع" أي: في مصدر الحس الظاهر للعيان، فأصبح مقطوع الصلات بأعماق وجوده، تلك الأعماق التي لم يسبر غورها بعد، وأخف الأضرار التي أعقبت فلسفته المادية هي ذلك الشلل الذي اعترى نشاطه، والذي أدركه "هكسلي" Hixley وأعلن سخطه عليه"٢.

стр. 320

والاشتراكية الملحدة الحديثة -ولها كل ما للدين الجديد من حمية وحرارة- لها نظرة أوسع أفقا، لكنها وقد استعدت أساسها الفلسفي من المتطرفين من أصحاب مذهب "هيجل" Hegel، قد أعلنت العصيان على ذات المصدر الذي كان يمكن أن يمدها بالقوة والهدف ... وهي "إذن ليست" بقادرة على أن تشفي علل الإنسانية"١. فالأوروبي المعاصر إذن -سواء أكان من أصحاب الفلسفة العقلية، أم من أصحاب فلسفة الحس والواقع، أم من أنصار الاشتراكية الماركسية الملحدة- لا يجد لنفسه، استقرارا ولا اطمئنانا، وهو في قلق مستمر واضطراب، أما مع نفسه أو مع غيره. ومن أجل ذلك لا يريد "إقبال" للمسلم المعاصر أن يكون في وضع الأوروبي المعاصر. وإنما يريد له أن يبقى مؤمنا بإسلامه، على أن يلائم نفسه مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها وأن يكون يقظا لتلك "التجربة الاقتصادية الجديدة "الاشتراكية الشيوعية" التي تجرب على مقربة من آسيا الإسلامية, وأن نفتح أعيننا على ما ينطوي عليه الإسلام من معنى، وعلى مصيره"٢. - طبيعة الإسلام: و"إقبال" -إذ لا يرضيه وضع المسلم المعاصر في الحياة، ولا يريد له أن يكون كالأوروبي في توجيهاته- يجد أن الإسلام، كدين، له من المزايا ما يدفع المصلح المفكر لتخيره كمصدر توجيه وإيمان، ولو أن الإسلام كان على خلاف ما سيبينه، لما قام "إقبال" بحركته الفكرية فيما سماه: "تجديد الفكر الديني في الإسلام". وهناك إذن حاجة ملحة لتغيير وضعية المسلم في حياته الحاضرة، وليس هناك ما يدفع هذه الحاجة إلى الإسلام نفسه. ليس هناك عوض عنه في أداء مهمته. والإسلام له جانب الدين، وجانب آخر من العقائد والمبادئ الفردية: فأما في جانب الدين فيرى "إقبال" أن العالم اليوم قد أصبح مفتقرا إلى تجديد سيكلوجي والدين هو في أسمى مظاهره "وهو المظهر الصوفي" ليس عقيدة فحسب، أو كهنوتا، أو شعيرة من شعائر، بل هو وحده
следующие страницы →