← Общие книги

Общие книги · id 11756

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي

محمد البهي

Полный текст (485 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

دوافع الإصلاح: هناك شيء واحد في جملته دفع "إقبال" إلى تفكيره الإصلاحي هناك تخلف المسلمين عن المشاركة في السيطرة على الطبيعة والواقع، وفي القوة المادية والاقتصادية، بجانب القوة الروحية الدافعة التي في الإسلام ... هناك الفهم الخاطئ من المسلمين للإسلام، نفذ إليهم بمخالطتهم لغيرهم، وتمكن منهم بسبب ركودهم وتوقفهم في تدبر معنى الإسلام ... هو فهمهم أن هذا العالم الطبيعي الذي نعيش فيه يجب أن ننصرف عنه، وأن "المادة" شر يجب تجنبها.. هناك الصوفية الإيرانية -كما يقول إقبال- "المادة" شر يجب تجنبها ... هناك الصوفية الإيرانية -كما يقول إقبال- هي التي أبعدت المسلمين عن حياة الإنسان المسيطر على الطبيعة والواقع!!

стр. 317

و"إقبال" من أجل هذا، يريد أن يدفع المسلم من جديد إلى العمل وعدم التواكل.. يريد أن يدفعه عن طريق الإسلام نفسه إلى فهم أن العالم الذي نعيش فيه ليس أمرا مغايرا تماما للإنسان نفسه, ولا بعيدا كل البعد عن روح الله ووجود ذاته المقدسة.. يريد أن يدفعه إلى القوة، وإلى الاحتفاظ بالذات والشخصية. هذا هو العنصر الأساسي الذي دفع "إقبال" إلى تفكيره الإصلاحي، وهو العنصر الذي يتجل كثيرا فيما يتحدث عنه من دوافع عديدة دفعته إلى هذا التفكير، أو العنصر الذي يتضح فيما يجده القارئ منثورا في كتاباته وشعره، وهذه الدوافع هي: - المسلم المعاصر: يتحدث "إقبال" عن ظروف المسلم المعاصر، كدافع من الدوافع التي حملته على الإصلاح وهي ظروف الإنسان الذي يعيش مترددا بين قديم أصيل خصب، لم يستطع بوضعه الحالي أن ينقله إلى الحياة كما يحيا غيره، وبين جديد براق، لبريقه خداع يخشى منه عليه. يقول: "ظل التفكير الديني في الإسلام راكدا خلال القرون الخمسة الأخيرة وقد أتى على الفكر الأوروبي زمن تلقى فيه وحي النهضة الإسلامية، ومع هذا فإن أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث هي السرعة الكبيرة التي ينزع بها المسلمون في حياتهم الروحية نحو الغرب! ولا غبار على هذا المنزع، فإن الثقافة الأوروبية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارا لبعض الجوانب الهامة في الإسلام، وكل الذي نخشاه هو أن المظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية قد يشل تقدمنا فنعجز عن بلوغ كنهها١، وهو يشير بهذا المظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية إلى الاتجاه العلمي الجديد، وهو الاتجاه التجريبي المادي الذي ساد تفكير القرن التاسع عشر: فله خطره -في نظره- على المسلم المعاصر، إذا لم يعرف هذا المسلم أن الإسلام يطلب "التجربة" في المعرفة، وإذا لم يعرف أن التاريخ الفكري لأسلافه الأولين أفاد البشرية عامة باستخدام التجربة في نطاق واسع للمعارف الإنسانية.

стр. 318

وهذا الخطر يكمن فيما ينطوي عليه هذا الفكر الجديد من إلحاد ومن السهل أن ينخدع به كثيرون، كما انخدع بالفعل به بعض الدعاة له في الهند، والأحوط إذن -هكذا يرى إقبال- أن نعيد النظر في تفكيرنا الإسلامي من جانب، ونمحص هذا الفكر الجديد بروح مستقلة يقظة من جانب آخر. "ومنذ العصور الوسطى، وعندما كانت مدارس المتكلمين في الإسلام قد اكتملت، حدث تقدم لا حد له في مجال الفكر، وكان من نتائج امتداد سلطان الإنسان على الطبيعة، أن بعث فيه ذلك إيمانا وإحساسا جديدين بتفوقه على القوى التي تتألف منها بيئته، فظهرت وجهات نظر جديدة، وحررت مرة ثانية المشكلات القديمة في ضوء التجربة الحديثة، وظهرت مشكلات من نوع جديد، ويبدو أن عقل الإنسان أخذ يشب عن طوق ما يحيط به من زمان ومكان، وعليه -وهي أخص المقولات الجوهرية- إن تصورنا التعقل نفسه بسبيل التغيير، نتيجة لتقدم التفكير العلمي، فنظرية "أينشتين" جاءتنا بنظةر جديدة إلى الكون، وقد فتحت أفاقا جديدة من النظر إلى المشكلات المشتركة بين الدين والفلسفة. "فلا عجب إذن، أن نجد شباب المسلمين في آسيا وفي إفريقيا يتطلبون توجيها جديدا بعقيدتهم، ولهذا لا بد من أن يصاحب يقظة الإسلام تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكرالأوروبي، وكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج التي وصلت إليها أوروبا، أن تعيننا في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام، وعلى بنائه من جديد إذا لزم الأمر، وأضف إلى هذا أنه لا سبيل إلى تجاهل الدعوة القائمة في أواسط آسيا -ضد الدين على وجه عام وضد الإسلام على وجه خاص- تلك الدعوة التي عبرت حدود الهند بالفعل، وبعض دعاة هذه الدعوة من أبناء المسلمين, وأحدهم هو الشاعر التركي توفيق فكرت، وإني لأعتزم في هذه المحاضرات أن أناقش مناقشة فلسفية بعض الأفكار الأساسية في الإسلام، على أمل أن يتيح لنا ذلك على أقل تقدير, فهم معنى الإسلام فهما صحيحا بوصفه رسالة للإنسانية كافة"١.

стр. 319

وبهذه المحاولة، التي يريد "إقبال" أن يحاولها، يستطيع الإسلام من وجهة نظره أن يكون له اعتبار عام، بوصف كونه رسالة للإنسانية كافة، وعلى الأخص للمسلم، في الوقت الذي يسيطر فيه الطابع التجربي على المعرفة الإنسانية فهذه المحاولة ليست محاولة لإعطاء الإسلام قيمة عامة، وإنما هي لكشف قيمته في نظر الإنسان التجريبي، وهو الإنسان الغربي المعاصر, وفي نظر المسلم الذي يعيش معه في وقته. - الإنسان الأوروبي المعاصر: ولم يرض "إقبال" للمسلم المعاصر -بعد أن وضح حاجته إلى تغيير وضعيته في الحياة- أن يكون صورة للأوروبي المعاصر، كما رضي من قبل صاحب "مستقبل الثقافة في مصر" أن يكون المسلم في مصر صورة للأوروبي في السلوك والتفكير: بل وألح فيه إلحاحًا. لم يرض "إقبال" ذلك؛ لأن "الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية، وتخصص علمي، يجد نفسه في ورطة: فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطانا على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو"١. "والإنسان العصري وقد أعشاه نشاطه العقلي، كف عن توجيه روحه إلى الحياة الروحانية الكاملة، أي: إلى حياة روحية تتغلغل في أعماق النفس، فهو في حلبة الفكر في صراع صريح مع نفسه.. وهو في مضمار الحياة الاقتصادية والسياسية في كفاح صريح مع غيره. وهو يجد نفسه غير قادر على كبح أثرته الجارفة، وحبه للمال حبا طاغيا يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئا فشيئا، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة، وقد استغرق في "الواقع" أي: في مصدر الحس الظاهر للعيان، فأصبح مقطوع الصلات بأعماق وجوده، تلك الأعماق التي لم يسبر غورها بعد، وأخف الأضرار التي أعقبت فلسفته المادية هي ذلك الشلل الذي اعترى نشاطه، والذي أدركه "هكسلي" Hixley وأعلن سخطه عليه"٢.

стр. 320

والاشتراكية الملحدة الحديثة -ولها كل ما للدين الجديد من حمية وحرارة- لها نظرة أوسع أفقا، لكنها وقد استعدت أساسها الفلسفي من المتطرفين من أصحاب مذهب "هيجل" Hegel، قد أعلنت العصيان على ذات المصدر الذي كان يمكن أن يمدها بالقوة والهدف ... وهي "إذن ليست" بقادرة على أن تشفي علل الإنسانية"١. فالأوروبي المعاصر إذن -سواء أكان من أصحاب الفلسفة العقلية، أم من أصحاب فلسفة الحس والواقع، أم من أنصار الاشتراكية الماركسية الملحدة- لا يجد لنفسه، استقرارا ولا اطمئنانا، وهو في قلق مستمر واضطراب، أما مع نفسه أو مع غيره. ومن أجل ذلك لا يريد "إقبال" للمسلم المعاصر أن يكون في وضع الأوروبي المعاصر. وإنما يريد له أن يبقى مؤمنا بإسلامه، على أن يلائم نفسه مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها وأن يكون يقظا لتلك "التجربة الاقتصادية الجديدة "الاشتراكية الشيوعية" التي تجرب على مقربة من آسيا الإسلامية, وأن نفتح أعيننا على ما ينطوي عليه الإسلام من معنى، وعلى مصيره"٢. - طبيعة الإسلام: و"إقبال" -إذ لا يرضيه وضع المسلم المعاصر في الحياة، ولا يريد له أن يكون كالأوروبي في توجيهاته- يجد أن الإسلام، كدين، له من المزايا ما يدفع المصلح المفكر لتخيره كمصدر توجيه وإيمان، ولو أن الإسلام كان على خلاف ما سيبينه، لما قام "إقبال" بحركته الفكرية فيما سماه: "تجديد الفكر الديني في الإسلام". وهناك إذن حاجة ملحة لتغيير وضعية المسلم في حياته الحاضرة، وليس هناك ما يدفع هذه الحاجة إلى الإسلام نفسه. ليس هناك عوض عنه في أداء مهمته. والإسلام له جانب الدين، وجانب آخر من العقائد والمبادئ الفردية: فأما في جانب الدين فيرى "إقبال" أن العالم اليوم قد أصبح مفتقرا إلى تجديد سيكلوجي والدين هو في أسمى مظاهره "وهو المظهر الصوفي" ليس عقيدة فحسب، أو كهنوتا، أو شعيرة من شعائر، بل هو وحده

стр. 321

القادر على إعداد الإنسان العصري إعدادا خلقيا يؤهله لتحمل التبعة العظمى التي لا بد من أن يتمخض عنها تقدم العلم الحديث وأن يرد إليه تلك النزعة من الإيمان التي تجعله قادرا على الفوز العظيم بشخصيته في الحياة الدنيا، والاحتفاظ بها في دار البقاء، إن السمو إلى مستوى جديد في فهم الإنسان لأصله ومستقبله -من أين جاء، وإلى أين المصير- هو وحده الذي يكفل له آخر الأمر الفوز على مجتمع يحركه تنافس وحشي، وعلى حضارة فقدت وحدتها الروحية. بما انطوت عليه من صراع بين القيم الدينية والقيم السياسية، والدين -كما بينت من قبل- من حيث هو سعي المرء سعيا مقصودا للوصول على الغاية النهائية للقيم, فيمكنه بذلك أن يعيد تفسير قوى شخصيته هو حقيقة لا يمكن إنكارها"١. والإسلام -بما له من جانب آخر من العقائد انفرد به دون ما سواه- يذكر "إقبال" أنه وحده هو الذي يستطيع أن يقدم للمسلمين اليوم تلك الديمقراطية الروحية التي هي منتهى غايته ومقصده. "إن الإنسانية اليوم تحتاج إلى ثلاثة أمور: - تأويل الكون تأويلا روحيا. - وتحرير روح الفرد. - ووضع مبادئ أساسية ذات أهمية عالمية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحي". ولا شك أن أوروبا في العصر الحديث قد أقامت نظما مثالية على هذه الأسس ولكن التجربة بينت أن الحقيقة التي يكشفها العقل المحض لا قدرة لها على إشعال جذوة الإيمان القوي الصادق، تلك الجذوة التي يستطيع الدين وحده أن يشعلها وهذا هو السبب في أن التفكير المجرد لم يؤثر في الناس إلا قليلا، في حين أن الدين استطاع دائما أن ينهض بالأفراد ويبدل الجماعات بقضها وقضيضها, وينقلهم من حال إلى حال. "إن مثالية أوروبا لم تكن أبدا من العوامل الحية المؤثرة في وجودها، ولهذا أنتجت ذاتا ضالة أخذت تبحث عن نفسها بين ديمقراطيات لا تعرف

стр. 322

التسامح، وكل همها استغلال الفقير لصالح الغني، وصدقوني إن أوروبا هي أكبر عائق في سبيل الرقي الأخلاقي للإنسان. "أما المسلم فإن له هذه الآراء النهائية القائمة على أساس من "تنزيل" يتحدث إلى الناس من أعماق الحياة والوجود، وما تعني به هذه الآراء من أمور خارجية في الظاهر يترك أثره في أعماق النفوس، والأساس الروحي للحياة عند المسلم هو إيمان يستطيع أقلنا استنارة أن يسترخص الحياة في سبيله، وبما أن القاعدة الأساسية في الإسلام تقول: إن محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه ينبغي أن تكون من أكثر شعوب الأرض في الحرية الروحانية، والمسلمون الأول الذين تخلصوا من الرق الروحي في آسيا الجاهلية، لم يكونوا في وضع بحيث يستطيعون إدراك المعنى الصادق لهذا المبدأ الأساسي، فعلى المسلم اليوم أن يقدر وضعه، وأن يعيد بناء حياته الاجتماعية على ضوء المبادئ القاطعة "في الإسلام كمبدأ التوحيد، وختم الرسالة ... " وأن يستنبط من أهداف الإسلام، التي لم تتكشف إلى الآن إلا تكشفا جزئيا، تلك الديمقراطية الروحية التي هي الغاية الأخيرة للإسلام، ومقصده"١. وفي وصية "إقبال" لمسلم اليوم: "فعلى المسلم اليوم أن يقدر موقفه ... " في آخر هذا النص تكمن فكرته الإصلاحية. فليست فكرته الإصلاحية شيئا أكثر من محاولة لإعادة بناء الحياة الاجتماعية الإسلامية على مبادئ الإسلام نفسه, ما كان معروفا منها بالضرورة, وما يصح أن يتفقه فيه. كما تكمن الغاية من هذه الفكرة الإصلاحية, وهي تلك الديمقراطية الروحية التي تقوم على الاعتداد بذات الفرد، وسيطرته على الطبيعة والواقع، وإدراكه لحقيقة أصل وجوده، وهو الله جل شأنه. إصلاح الفكر الديني: كان "إقبال" دقيقا عندما عبر عن حركته الفكرية بـ"إعادة بناء الفكر الديني" في الإسلام، دون التعبير بـ"الإصلاح الديني" لأن أية محاولة إنسانية تدور في محيط الإسلام، لا تتعلق بتعديل مبادئه، طالما أن

стр. 323

مصدره وهو القرآن له صفة الجزم والتأكيد والأبدية، وأية حركة "إصلاحية" في الإسلام بعد ذلك هي إذن في دائرة الفكر الإسلامي حوله، وفي دائرة أفهام المسلمين لمبادئه، وأي "تطور" للإسلام يجب أن يكون بهذا المعنى في دائرة أفهام المسلمين وتفسيرهم لتعاليمه، وليس هناك تطور للإسلام نفسه؛ لأن الوحي به قد انتهى على عهد الرسول ﷺ ، كما ختمت برسالته الرسالة الإلهية, ولا يترقب إذن أن يكون هناك إصلاح ديني في الإسلام، على نحو الذي قام بصنعه "مارتن لوثر" في المسيحية, لعدم التثبت في رواية الإنجيل، وعدم الاتفاق على رواية واحدة مؤكدة له، مما أتاح فتح منافذ عديدة، دخل منها إلى رسالة المسيح عادات وأفهام أصبحت على مر الزمن جزءا لا يتجزأ من المسيحية، وبالتالي أتاح فرصة لإصلاح "لوثر" ومن على شاكلته. وإصلاح الفكر الديني في الإسلام -عند "إقبال"- يقوم على طلب تغيير الوضع الذي وصل إليه المسلم الآن، ووصلت إليه الجماعة الإسلامية, وهو وضع الضعيف المتهيب الحياة، النافر من الواقع ... يقوم على مكافحة الهرب من الحياة، وعدم استطاعة السيطرة على المادة أو الطبيعة ... يقوم على مكافحة "وحدة الوجود" التي تدعو إلى فناء الإنسان في "الحقيقة المطلقة" كما تدعو إلى السلبية في الحياة ... يقوم على تأكيد "أنا" وذات الإنسان، كي يحول دون فنائها أو قهرها ... يقوم على طلب "الذاتية" بهذا المعنى، كما يقوم على طلب "الواقعية" بمعنى عدم الفرار من الحياة!!! والواقعية التي يطلبها ليست "إلحاد" المادية الوضعية، وإنما هي تفادي "البرهمية" و"الصوفية الإشراقية" أو التصوف العجمي، كما يسميه. يصف "إقبال" وضع المسلم الذي صار وتحول إليه الآن بقوله: إن المسلم القوي الذي نشأته الصحراء, وأحكمته رياحها الهوجاء، أضعفته رياح "العجم" فصار فيها كالناي نحولا ونواحا!! وإن الذي كان يذبح الليث كالشاة, تهاب وطء النملة رجلاه!! والذي كان تكبيره يذيب الأحجار, انقلب رجلا من صفير الأطيار!! والذي هزأ عزمه من شم الجبال، غل يديه ورجليه بأوهام "الاتكال"!! والذي كان ضربه في رقاب الأعداء، صار يضرب صدره في اللأواء!! والذي نقشت قدمه على الأرض ثورة، كسرت رجلاه عكوفا في "الخلوة"!! والذي كان يمضي على الدهر حكمه، ويقف

стр. 324

الملوك على بابه، رضي من السعي بالقنوع، ولذا له الاستجداء والخشوع!! "١. نظرة الإسلام إلى العالم الواقعي: وتقوم فكرته الإصلاحية -بعد أن ذكر الدوافع الثلاثة السابقة -على عنصرين أساسيين: - تغيير مفهنم عالم الطبيعة أو الواقع، أو بعبارة أخرى رد هذا المفهوم إلى ما اعتبره المسلمون الأول من كون عالم الطبيعة مجالا لحركة الإنسان وسعيه ومعرفته، وبالتالي تنحية ما صار إليه مفهومه من كونه "مخيفا" أو "شرا". - شرح بعض المبادئ الإسلامية: كختم الرسالة و"التوحيد" و"الاجتهاد" على أنها عوامل تدفع الإنسان إلى الحركة والسعي في هذا العالم الواقعي. وإذن يبغي "إقبال" من إصلاح الفكر الديني في الإسلام، أن تعود القوة للمسلم وأن يرى قوته هذه ليست في اتباع فلسفة من فلسفات الغرب، بل في فهم الإسلام فهما صحيحا، على نحو ما فهمه الأوائل، لا على ما صار إليه الأمر في عهد الركود. وفهم الإسلام فهما صحيحا سيمكن المسلم من السيطرة على "الواقع" والطبيعة -كما تمكن الغربي منها- وفي الوقت نفسه سيبعد عنه جفاف حياة الغربي وقلقه النفسي فيها، وسيجعله أكثر إلماما بـ"الحقيقة". فالغربي بمذهبه المادي سخر الطبيعة وسيطر عليها، ولكنه أدرك من "الحقيقة" نوعا منها فقط، وهو نوع الحقائق الجزئية، أما "الحقيقة الكلية" وهي حقيقة "الذات المطلقة" فلم يصل إليها؛ بل أنكرها. وكان إنكاره إياها سبب شقوته وقلقه واضطرابه؛ وهو أنكرها لأنه أراد أن

стр. 325

يستخدم ذات الوسيلة التجريبية -التي يستخدمها في كشف الحقائق الجزئية، وهي الواقع أو الطبيعة- في كشف تلك "الحقيقة الكلية" فأخفق في الوصول إليها، ثم أنكرها عندما عجز عن بلوغها. الحرية الفردية: فهم الإسلام فهما صحيحا -في نظر "إقبال"- يجعل عالم المادة أو عالم الواقع ليس شرا؛ بل يجعله مجال كفاح لـ"الذات" أو لـ"أنا"، وعن طريق هذا الواقع تقوى الذات، وعن طريق الكفاح فيه، تكون "ديمومتها" وخلودها!! فداوم الذات أو دوام الشخصية يراها "إقبال" في الكفاح لا في الاسترخاء، ويرى رقيها في تخطي العقبات لا في تفاديها. "الحياة رقي "وتطور" مستمر، تسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها، وحقيقتها أن تخلق دائما مطالب ومثلا جديدة، وقد خلقت من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس، والقوة المدركة، لتقهر بها العقبات. "وأشد العقبات في سبيل الحياة: المادة أو الطبيعة، ولكن المادة ليست شرا كما يقول "حكماء الإشراق" بل هي تعين الذات على الرقي. فإن قوى الذات الخفية تتجلى في مصادمة هذه العقبات، وإذ قهرت كل الصعاب في طريقها بلغت منزلة "الاختيار" والذات في نفسها فيها "اختيار" و"جبر"، ولكنها إذا قاربت الذات المطلقة "وهي الله" نالت الحرية الكاملة والحياة جهاد لتحصيل "الاختيار" ومقصد الذات أن تبلغ "الاختيار" بجهادها١. إدراك الوجود: فهم الإسلام فهما صحيحا -في نظر "إقبال"- يجعل الوجود "وحدات" ولكن كون هذه الوحدات حلقات في سلسلة واحدة -هي: الله؛

стр. 326

والإنسان، والعالم- يجعل الواقع ليس مغايرا لـ"أنا" كل المغايرة، وليس مغايرا أيضا للذات المطلقة "الله" كل المغايرة.. إن هذا العالم هو تجلي الله، وإن الوجود كله هو "الأول" والآخر" و"الظاهر" و"الباطن"، والله والعالم. "فكرة هيجل". إنه حقيقة واحدة، لها أصل ومظهر، ولكنه لا يقوم على الاتحاد، ولا تصير فيه "وحدة" من وحداته "إلى الفناء" في وحدة أخرى ... لا يصير العالم في الإنسان، ولا يصير في الله, كما لا يصير الإنسان إلى الذهاب في الله ... في الوجود وحدات ثلاث وهي حقائق، لها شخصيتها وفرديتها. وهي تدرك جميعها بـ"التجربة"، ولكن "التجربة" لإدراك الواقع والعالم المادي غير "التجربة" لإدراك أعلى هذه الحقائق، وهي "الحقيقة الكلية". إن هناك نوعين من التجربة: التجربة الواقعية، والتجربة الدينية "الروحية الصوفية" ... ولا تضارب بين التجربتين، ولا بين ما توصل إليهما من حقائق، والصلة بين هاتين التجربتين، أو بين الحقيقة الواقعية والحقيقة الأخرى الروحية الكلية، هي مركز المحاولة الفكرية لإقبال. وإذا تضاءل أو تلاشى اعتراض العلم التجريبي المادي على الإسلام كدين لم يكن بينهما موضوع للكفاح والخصومة، وكان المسلم -بتوجيه من دينه- واقعيا يجب عليه أن يدرك الواقع والطبيعة ليسود عليها، ولكن لا ليشقى بها؛ لأنه لا يصح له أن ينسى روحانيته، وهي إدراكه للذات المطلقة "الله". إن المشكلة التي يواجهها الإسلام، كانت في الواقع ما بين "الدين والحضارة" من صراع متبادل، وما بينهما في الوقت نفسه من تجاذب متبادل. ولقد واجهت النصرانية في أول عهدها المعضلة نفسها, فكان أعظم ما عنيت به أن تبحث عن مستقر للحياة الروحية قائم بنفسه، "مستقل تماما عن غيره" تلك الحياة التي رأى منشئها ببصيرته أنه يمكن السير بها, لا عن طريق قوى عالم خارجي عن نفس الإنسان، وإنما بتجلي عالم جديد في داخل النفس ذاتها. الإسلام يقر هذه النظرية تماما.... ويكملها بنظرية أخرى، هي أن النور الذي يضيء هذا العالم الجديد المتجلي على هذا النحو "في نفس

стр. 327

الإنسان وداخلها" ليس غريبا عن عالم المادة؛ بل هو متغلغل فيها، وعلى هذا فإن توكيد الروح التي سعت إليه النصرانية، يتحقق -لا باستبعاد القوى الخارجية التي تخترقها أنوار الروح بالفعل- وإنما يتحقق بتنظيم علاقة الإنسان بهذه القوى، على هدي النور المنبعث من العالم الموجود في أعماق نفسه١. لا انفصالية ولا اتحاد في الوجود: وبهذا النص الأخير: يحدد إقبال المشكل -الذي يواجه الدين كدين في العصر الحديث- بأنه "ما بين الدين والحضارة من صراع وتجاذب". ثم يحدد موقف المسيحية من هذا الشكل: بأنها تكتفي بالبحث عن عالم مستقل للروحية، منفصل تماما عن العالم الخارجي، فعنيت ببحث النفس الإنسانية كمستودع لهذه الروحية، ووقفت عند حد الطريق أو المنهج الذي تكشف به هذا المستودع، وتركت العالم الخارجي، وتركت أمر الكشف عنه لمنهج آخر وطريقة آخرى، دون أن يكون هناك ربط بين المنهجين في الكشف والمعرفة، وبين الحقيقة "الداخلية" والحقيقة "الخارجية". - أما الإسلام: فيرى "إقبال" أن موقفه من هذا الشكل هو في عدم "الانفصالية"، وفي عدم "الاتحاد" في الوجود على السواء ... عدم الانفصالية بين "أنا" و"الواقع"، وعدم الاتحاد بين "أنا" وبين "الذات المطلقة" وهي الله. فليس العالم الواقعي مغايرا لـ"أنا"، حتى هذا الـ"أنا" ينفر منه ويهرب منه، على أنه شر يجب أن يتجنب، ومن جهة أخرى مهما سما "أنا" وروض روحه، وصفى نفسه، فلن يبلغ درجة "الإفناء" في "الذات" المقدسة. وإذن موقف الإسلام من الوجود: هو حمل الإنسان، أو حمل "أنا" على إيجاد الصلة بين الحقيقتين -حقيقة الذات الكلية وهي الله التي هي أصل الوجود وحقيقة العالم الخارجي التي تعتبر التجلي لهذا الأصل- وذلك

стр. 328

عن طريق استخدام منهج واحد هو المنهج التجريبي، وعن طريق أن الحقيقة الداخلية في نفس الإنسان -وهي التي يصل إليها الصوفي عن طريق الرياضة الروحية- تعين على كشف الحقيقة الأخرى الخارجية، وأن المعرفة السليمة هي: "تنظيم علاقة الإنسان بالعالم الخارجي, على هدى النور المنبعث من العالم الموجود في أعماق نفسه". التجربة في مجال الدين والعلم: وربما يفهم أن "إقبال" بتعبيره هنا: "على هدى النور المنبعث من العالم الموجود في أعماق نفسه" يميل إلى سيادة الحقيقة الروحية أو الدينية، وجعلها ذات أثر في معرفة الحقيقة الخارجية ... ربما يفهم أن معنى ذلك: الحرص على استقلال تلك الحياة، مع أن المنهج التجربي في البحث، عند الوضعيين أو الواقعيين، ليس "اختيارًا" فحسب للحقيقة من حيث هي حقيقة, وإنما هو مع ذلك ينطوي على إنكار ما عدا الحقيقة الخارجية، وهي الحقيقة الدينية أو الروحية هنا، وأن الفجوة بين المحاولة التي يقوم بها "إقبال" للتوفيق بين الإسلام كمصدر للحقيقة الدينية وبين اتجاه المذهب التجريبي باقية, طالما تفهم "التجربة" في الحدود التي رسمها "أوجست كومت" مؤسس المذهب الوضعي في القرن التاسع عشر. ولذلك يوضح "إقبال" أن "تجربة" المذهب الوضعي ليست هي الوسيلة المتعينة في اختيار كل الحقائق, إذ هناك فرق بين الحقيقة الخارجية التي هي موضوع تجربة المذهب الوضعي، والحقيقة الأخرى -وهي الحقيقة الدينية- التي لا تخضع لهذه الوسيلة بذاتها، وهذا الفرق يرجع إلى اختلاف مجال الدين عن مجال العلوم التي تشتغل بـ"الطبيعة" كعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء مثلا. ويوضح "إقبال" هذا الفرق، بعد أن يشير أيضا إلى اعتراض آخر يتصل باعتراض التجريبيين على "الحققة الدينية" وهو الاعتراض الكامن في شرح "فرويد" لنشأة الأديان كتعبير عن "اللاشعور" المكبوت عند الإنسان. وبناء على ما يراه "فرويد": تكون الأديان كلها خيالات أو رغبات، أكثر منها حقائق تخضع للتجربة! والدين في رأي أصحاب هذا المذهب -ومذهب "فرويد"- اختراع محض خلقته الرغبات المرفوضة، لكي تجد "جنة" خيالية لحركة حرة من غير عائق!! وهم يقولون: إن العقائد والآراء الدينية ليست شيئا

стр. 329

أكثر من نظريات بدائية عن الطبيعة، حاول البشر استخدامها في تخليص الحقيقة من بشاعتها الأصلية، وإظهارها في صورة أقرب إلى هوى القلب مما تسمح به حقائق الحياة. أما أن هناك أديانا، وصورا من الفن تهيئ لنا نوعا من الفرار المزري من حقائق الحياة، فأمر لا أنكره، وكل الذي أجادل فيه هو أن هذا الحكم لا يصدق على الأديان كلها: فالعقائد والآراء الدينية لها من غير شك أمارة ميتافيزيقية. "ولكن من الواضح كذلك أنها -الأديان- ليست تفسيرات لوقائع التجربة، التي هي موضوع العلوم التي تشتغل بالطبيعة: فالدين ليس علم الطبيعة أو علم الكيمياء. لا يبحث عن تفسير للطبيعة، وفقا لقوانين العلية ... بل هو في الواقع يقصد إلى تفسير مجال مختلف اختلافا كليا، هو مجال التجربة الإنسانية: التجربة الدينية، مجال وقائع، مما لا يمكن أن ترجع إلى وقائع أي علم آخر. وفي الواقع يجب أن يقال -إنصافا للدين- إن الدين يتمسك بضرورة التجربة الواقعية في الحياة الدينية، قبل أن يتعلم "العلم" أن يصنع ذلك بزمن طويل، والخلاف بين الاثنين: "الدين والعلم" ليس بسبب أن أحدهما يقوم على التجربة الواقعية والآخر لا يقوم عليها, فهما يبحثان تجربة واقعية كنقطة للبدء والخروج "في البحث" وإنما خلافهما بسبب الخطأ في إدارك أن الاثنين يشرحان نفس "الواقعية" التي هي موضوع التجربة، ونحن ننسى أن الدين يقصد إلى الوصول إلى المعنى الحقيقي لنوع من التجربة"١. "وليس من شك في أن البحث في الرياضة الدينية "على نحو ما في الصوفية" بوصفها مصدرا للعلم للإلهي، أسبق في التاريخ من تناول غيرها من ضروب التجربة الإنسانية للغاية نفسها"٢. ومن التحكم إذن في نظر "إقبال" أن يؤخذ بمنطق التجربة في مجال العلوم الطبيعية، ولا يؤخذ به في مجال الدين، وإن اختلاف موضوع التجربة، لا يسوغ التفرقة في اعتبار نتائجها ... ويزيد "إقبال" ذلك توضيحا في نص آخر يقول فيه: "والواقع أن الدين أشد حرصا من العلم "Seience" على الوصول إلى ما هو في النهاية حق، لأسباب ذكرتها من قبل. والسبيل لإدراك الحق

стр. 330

المجرد في الدين أو في العلم تقع فيما يسمى: "تصفية التجربة"، ولكي نفهم هذا ينبغي أن نفرق بين التجربة بوصفها أمرا طبيعيا يدل على ما للحقيقة من سلوك يمكن ملاحظته بالوسائل العادية، وبين التجربة بوصفها دالة على جوهر الحقيقة وطبيعتها الذاتية، فالتجربة بوصفها أمرا طبيعيا، تفسر في ضوء سوالفها السيكولوجية والفسيولوجية أما بوصفها دالة على جوهر الحقيقة، فينبغي أن نستعمل في بيان معناها معايير من نوع آخر: ففي ميدان العلم "Seience": نحاول فهم معنى التجربة، فيما يتعلق بالمسلك الخارجي للحقيقة، أما في حلبة الدين: فإنا نعتبرها ممثلة لنوع من الحقيقة ثم نحاول كشف معناها فيما يتعلق أساسيا بطبيعة تلك الحقيقة، والخطط الدينية والعلمية متشابهة بوجه ما، فهما يتناولان في الحقيقة وصف عالم واحد، مع هذا الفرق الوحيد وهو: أن وجهة نظر "الذات" "العواطف والانفعالات" تستبعد بالضرورة من خطة العلم، أما في خطة الدين فإن "الذات" تؤلف بين ميولها المتضادة، وتحدث نزوعا شاملا مفردا ينتهي إلى نوع من تحويل التجارب تحويلا تركيبيا، والدرس الدقيق لهذه الخطط المتكاملة في الحقيقة، في طبيعتها وغايتها يبين أن كلا منها موجه إلى تطهير التجربة في ميدانه الخاص. بل إن خطة التصوف الإسلامي -على الأقل- في سبيل حرصها على أن تكفل رياضة بريئة تماما من الانفعالات، قد حرصت على تحريم استخدام الموسيقى في العبادة، وأن تؤكد ضرورة صلاة الجماعة اليومية لكي تقاوم ما قد ينشأ من آثار ضارة بروح الجماعة، نتيجة للتأمل في أثناء العزلة. فالرياضة الصوفية رياضة طبيعية تماما، ولها معنى بيولوجي على أعظم أهمية، بالنسبة للذات "أنا" إنها الذات الإنسانية تسمو فوق مجرد التأمل, وتصلح من زوالها بالوصول إلى الأبد السرمدي "الحقيقة الكلية". "فمنتهى غاية الذات "أنا" ليس أن ترى شيئا، بل أن تصير شيئا. والجهد الذي تبذله الذات، لكي تكون شيئا، هو الذي يكشف لها فرصتها الأخيرة لشحذ موضوعيتها، وتحصيل ذاتية أكثر عمقا ... ترى الدليل على حقيقتها في قول "كانت": "أنا أقدر"، لا في قول "ديكارت": "أنا أفكر"!! وليست غاية مطلب الذات التحرر من حدود الفردية, بل هي على العكس من هذا تحديدها تحديدا أدق وأوفى، والعمل الأخير ليس عملا عقليا وإنما هو عمل حيوي يعمق من كيان الذات كله، ويشحذ إرادتها بتأكيد مبدع: بأن العالم ليس شيئا لمجرد الرؤية أو أنه شيء يعرف بالتصور,

стр. 331

وإنما هو شيء يبدأ ويعاد بالعمل المستمر, واللحظة التي تعرف فيها بالذات ذلك، هي اللحظة التي تستشعر فيها بالسعادة العظمى، وتجتاز فيها أكبر امتحان"١. - وإذن هناك صلة بين الإنسان والعالم الواقعي. - وهناك صلة أخرى بين حقيقة هذا العالم الواقعي، وحقيقة أصل الوجود وهي الحقيقة المطلقة "الله". - وهناك أخيرا اشتراك عن طريق "التجربة" في إدراك الحقيقة، وإن كان نوع التجربة يختلف تبعا للمجال الذي تستخدم فيه. وهذا الذي يذكره "إقبال": هنا -على هذا النحو- يحاول أن ينتزعه من القرآن، المصدر الأصيل للإسلام، فيقول: "وبما أن القرآن يسلم بأن الاتجاه التجريبي مرحلة لا غنى عنها في حياة الإنسان الروحية، فإنه يسوي في الأهمية بين جميع ضروب التجربة الإنسانية، باعتبارها مؤدية إلى العلم بالحقيقة النهائية، التي تكشف عن الآيات الدالة عليها، في نفس الإنسان، وفي خارج النفس على السواء. فالملاحظة التأملية هي إحدى الطرق غير المباشرة لإيجاد الصلات بيننا وبين الحقيقة التي تواجهنا "في الخارج وفي الحس". ووظيفتها مراقبة هذه الصلات، كما تنبئ هي عن نفسها في الإدراك الحسي. وهناك طريقة آخر للمعرفة: هو الاتصال المباشر مع الحقيقة الكلية، "وهي الحقيقة الإلهية" كما تعلن هي عن نفسها في هذا الاتصال. "وطبيعة القرآن" هي فقط اعتبار الواقع: من أن الإنسان على صلة بالطبيعة ومن أن هذه الصلة -في بعض حالاتها كوسيلة للتمكن من قوى الطبيعة- يجب ألا تستخدم في غرض السيطرة غير المشروعة، بل في غرض آخر نبيل، يؤدي إلى تخليص حركة الحياة الروحية في رقيها وتسامحها.

стр. 332

"ولكي نكفل إدراك الحقيقة إدراكا كاملا، ينبغي أن يكمل الإدراك الحسي بإدراك آخر هو ما يصفه القرآن بإدراك الفؤاد أوالقلب في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ١. و"إقبال" يرى الآن بهذا أن القرآن لا يدعو فحسب إلى أن يمارس الإنسان التجربة في صلته بالعلم الطبيعي الواقعي، وفي كشف هذا العلم والوقوف عليه، بل لا يمانع في أن يكون هناك في الدين نفسه مجال تجربة، هو "القلب" وأن الرياضة الدينية لذلك ضرب من ضروب التجربة، التي توصل إلى العلم، ولا تقل اعتبارا عن البقية من ضروب التجربة الأخرى في مجال الواقع والطبيعة. والإنسان -من وجهة نظر الإسلام، كما يرى "إقبال"- ليس منقطعا عن الطبيعة، بل هو جزء منها، وعلى صلة ببقية أجزائها، ومعرفة الإنسان لله كمعرفته للطبيعة سواء، هي ركون الإنسان في النوعين إلى التجربة. ومجال التجربة هنا وهناك هو: "الواقع" ولا خلاف بين العلم والدين في ذلك، وإذن صلة العلم بالدين صلة متوازية ومتوازنة, كلاهما يبحث الواقع، وكلاهما يسلك طريق التجربة في بحثه إياه، وكلاهما يكمل الآخر في المعرفة والكشف عن الحقيقة. "وكما أن نواحي التجربة العادية تخضع لتأويل موضوعات الحس لتحصيل لعلم بالعالم الخارجي، فكذلك مجال التجربة الصوفية يخضع للتأويل لتحصيل العلم بالله"٢. والفرق بين النوعين من المعرفة كما يرى "إقبال" هو: "أن المعرفة الصوفية معرفة مباشرة, فمن الواضح أنه لا يمكن أن يطلع عليها، أي: نقلها لإنسان آخر؛ وذلك لأن الحالات الصوفية أشبه بالإحساس منها بالتعقل، وما يعلنه الصوفي من تفسير لفحوى محتويات شعوره الديني يمكن أن يبلغ للناس على صورة قضايا، ولكن محتويات الشعور الديني نفسها لا يمكن الاطلاع عليها، أي: "لا يمكن" نقلها".

стр. 333

أما أن القرآن يبحث على العلم التجريبي، وعلى أن يمارس الإنسان التجربة في تحصيل المعرفة، فيرى ذلك "إقبال"، من دلالة مثل هذه الآيات الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ١. ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٢. ويعلق "إقبال" على هذه الآيات بقوله: "ولا شك أن أول ما يستهدفه القرآن من هذه الملاحظة التأملية للطبيعة هو أنها تبعث في نفس الإنسان الشعور بمن تعد هذه الطبيعة آية عليه "وهو الله" ولكن الذي ينبغي التفات إليه هو الاتجاه التجريبي العام في القرآن، مما كون في أتباعه شعورا بتقدير الواقع، وجعل منهم آخر الأمر واضعي أساس العلم الحديث، وأنه لأمر عظيم حقا أن يوقظ القرآن تلك الروح التجريبية في عصر كان يرفض عالم المرئيات، بوصفه قليل الغناء في بحث الإنسان وراء الخالق، وكما أشرنا فيما سبق، يرى القرآن أن العالم له غايات جدية: فتطوراته المتغيرة تحمل حياتنا على التشكل بصورة جدية، والجهد العقلي الذي نبذله للتغلب على ما يقيمه العالم من عقبات في سبيلنا، يشحذ بصيرتنا فيهيؤنا للتعمق فيما دق من نواحي التجربة الإنسانية الأخرى، فضلا عن أنه يمد في آفاق الحياة، ويزيدها خصبا وغنى. واتصال عقولنا بثمرة الأشياء الحادثة هو الذي يدربنا على النظر العقلي في عالم المجريات أن الحقيقة تثوى في نفس مظاهرها، وإن كان الإنسان يعيش في بيئة كئود لا يسعه أن يتجاهل عالم المرئيات. "والقرآن يبصرنا بحقيقة التغير العظيمة، التي لا يتسنى لنا بغير تقديرها والسيطرة عليها، بناء حضارة قوية الدعائم، ولقد أخفقت ثقافات آسيا، بل ثقافات العالم القديم كله؛ لأنها تناولت الحقيقة بالنظر العقلي ثم اتجهت منه إلى العالم الخارجي فأمدها هذا المسلك بالتفكير النظري المجرد

стр. 334

من القوة، وليس من الممكن أن تقام على النظر المجرد وحده، حضارة يكتب لها البقاء"١. - وإلى هنا أفاض "إقبال" فيما يجب أن يكون عليه موقف الإنسان المسلم إزاء العالم الواقعي، من إسلامه وكتاب دينه وهو القرآن. - كما وضح أن وسيلة التجربة هي الوسيلة النافعة لتحصيل المعرفة الحقة، وأن التجربة كما يمكن أن تستخدم في الطبيعة والواقع، يمكن أيضا أن تستخدم في مجال الدين، أي: في معرفة الله، وهو الحقيقة الكلية. - وأبان أن الإسلام يدعو إلى التجربة بوجه عام ولا يحظر استخدامها في مجال الدين. - وأخيرا لم يغب عنه أن يكشف عن أن الرياضة الصوفية نوع من التجربة الدينية يوصل إلى المعرفة، كما توصل التجربة في الطبيعة إلى إدراك أجزائها العديدة. - وبعد هذا وذاك، فرق "إقبال" بين الإسلام والمسيحية: فبينما يرى أن المسيحية لها طابع الميتافيزيقا، وطابع الوقوف بالمعرفة فيها عند حد مجال الروح, غير معنية بالعالم الخارجي, إذا بالإسلام يتجاوز هذا المجال إلى الطبيعة نفسها. وذلك عندما نظر إلى الإنسان على أنه كائن ذو صلة بالعالم ما يحيط به، وهو العالم المادي الحسي. - وقصر دائرة الخلاف بين الدين والعلم على نوع التجربة -دون أصلها- التي تستخدم في كليهما. - كما أنه سلم بمبدأ "التغير" في العالم، كأساس لبناء حضارة إنسانية قوية تبنى عليه في هذا العالم، ولكنه حدد دائرة هذا التغير بـ"الطبيعة" دون "القيم" الأخلاقية، ودون مجال الألوهية. وكشف فيما مضى عن الخطأ الذي وقع فيه مذهب "الوضعية" من إنكاره الألوهية الدينية، ومن إخضاعه القيم الدينية لمبدأ "التغير"، وأبان

стр. 335

إن هذا الخطأ هو أن تجعل "التجربة" التي تستخدم في الطبيعة وسيلة عامة لكل أنواع المعرفة التي يمكن أن يحصلها الإنسان. ورأى أن يحصلها الإنسان، ورأى أن ما يجب أن يتبع حتما في تحصيل المعرفة هو "التجربة" ولكنه تختلف باختلاف مجالات "الواقع". وأن إدراك القلب وسيلة من وسائل التجربة لا تقل في تحصيل اليقين والكشف عن الحقيقة عن الإدراك الحسي، الذي هو الوسيلة المفضلة عند "الوضعيين". - والإسلام -إذن- في نظر "إقبال" يتميز عن الأديان كلها، وفي مقدمتها المسيحية ... كما يتميز عن المتيافيزيقا والفلسفة العقلية، وهو بتميزه هذا لا يقف في الخصومة مقابل المعرفة التجريبية، أو مقابل "الوضعية" التي سادت القرن التاسع عشر، وخاصمت الدين، والميتافيزيقا، والمثالية العقلية، هو خارج عن هذا النزاع، ولذا لا يوجه إليه نقد، ولا يرمى بالعجز الذي وجهته "الوضعية" ورمت به ما عداها من مذاهب المعرفة، ومصادر العلم والحقيقة، فلسفة ودينا على السواء. وهذا مما يجعل للموافق لإقبال على فلسفته هذه أن يعيد القول هنا مرة أخرى بأن "التجديد" في الفكر الإسلامي بنقل بعض مذاهب التفكير الأوروبي في القرن التاسع عشر، واستخدامها في التقليل من قيمة الإسلام, ترديد لأمر ليس له موضوع في المجتمع الإسلامي، وليس له صلة بالإسلام كمصدر توجيه في هذا المجتمع. وحدة الذات الإنسانية وخلودها: وضح "إقبال" حتى الآن، قيمة العالم الواقعي -هو عالم الطبيعة والمادة- بالنسبة للإنسان المسلم، كما وضح أنه مطلوب من جهة المسلم أن يتصل به اتصال المكتشف المجرب، كي يسيطر على قواه، ولكن لتنمية روحانيته لا لهدف آخر غير نبيل، وأكد هذه القيمة في غير نص من النصوص الكثيرة، التي اضطررنا لنقلها هنا، ليخلص إلى: - أن المسلم "واقعي" بحكم دينه. - وأنه ليس برهباني مسيحي، ولا بصوفي من أصحاب فكرة "الفناء". - وإلى أن فهمه الابتعاد عن هذا العالم لما فيه من "شر"، يجب أن يتغير إلى النقيض.

стр. 336

وهذا التغير في فهم العالم المادي، إحدى الفكر التي طلب إقبال إعادة بنائها وتجديدها على أساس إسلامي خالص فيما سماه، "تجديد الفكر الديني في الإسلام". وضح إقبال هذا كله ليدفع المسلم إلى الحركة نحو واقع الحياة، وإلى أن يشارك الغربي في هذه الحركة "لا تقليدا له، ولكن بوحي داخلي من ثقافته الإسلامية. وهنا نجد إقبال فيما يصور عليه "ذات" الإنسان، وفيما يمنحها من استقلال وفيما يراه فيها من حركة مستمرة وإبداع يتجدد، يشبه "الخلود" في الدوام وعدم الانقطاع بما يسمى "الموت" يدفع المسلم إلى الحركة في العالم الواقعي مرة أخرى، وإلى العمل في قوة. وفيما يذكره -بعد ذلك- من الحديث عن "الحقيقة" الكلية" "الله"، وعن الرياضة الصوفية كطريق لكسبها وتحصيلها -يبغي به "التوازن"، أو يقصد إلى دفع أضرار الواقعية البحتة، وأخطار نتائجها التي تتمثل في عدم الاستقرار وصفاء النفس، وكفاحها المرير من أجل المال. "الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي، حيثما تجلت الحياة تجلت في شخص، أو فرد، أو شيء.. والخالق كذلك فرد, ولكنه أوحد لا مثيل له"١. "إن لذة الحياة مرتبطة باستقلال "أنا" وبإثباتها، وإحكامها، وتوسيعها، وهذه الحقيقة تمهد إلى فهم حقيقة الحياة بعد الموت"٢. وبهذين النصين -مع نصوص أخرى ستأتي- يشير "إقبال" إلى رأيه في الإنسان: يراه فردا لا جماعة, أي: إن الجماعة تتكون منه ولا تخلقه هي.. هو أصلها وليست هي أصلا له.. يراه مستقلا لا يفنى في غيره، حتى في ذات الله لا يفنى فيها عن طريق الرياضة الصوفية، كما فهم خطأ من يفسر قول الحلاج: "أنا الحق" على أنه الإفناء في الله.. يرى ذات الإنسان

стр. 337

أبدية خالدة، ولها ديمومة وخلود في العمل، وأن "الموت" حالة "استرخاء" و"البعث" بمثابة "جرد البضائع" و"النار" إدراك لألم الإخفاق في السعي، و"الجنة" إدراك لسعادة الفوز على قوى الانحلال. أراد "إقبال" أن يشعر المسلم بنفسه، وبقيمته في الحياة، وأن يحمله على أن يعتد بنفسه كقوة "خالقة" على نحو ما تصور "نيتشه": "الإنسان المتفوق" ويتكون هذا الشعور عنده، يندفع في الحياة وإلى الحركة في "الواقع" الذي أصبح معبدا له الآن، بعد أن أعيد النظر إليه من الوجهة الإسلامية, وأصبح في نظر "إقبال" يرى أنه ليس شرا, وأنه المجال الطبيعي لحركة الإنسان وتنمية ذاتيته. ولكن ما أراده "إقبال" للإنسان المسلم، كي يقوى ويندفع في الحياة, وفي بحث الواقع -خرج به تفسير الإسلام أحيانا على نحو لا يخالف فيه الجمهرة الكثيرة من مفسري القرآن فحسب، بل على نحو يجعله متكلفا في تخريج نصوصه على حسب أساليب اللغة العربية، وربما ينزلق به تكلفه في التخريج، إلى باب "التحريف" في التأويل. فعن وحدة الذات يذكر أيضا: "أرى أن هدف الإنسان الديني والأخلاقي إثبات ذاته لا نفيها. وعلى قدر تحقيق إنفراده أو وحدته يقرب من هذا الهدف، قال الرسول ﷺ : $"تخلقوا بأخلاق الله", فكما شابه الإنسان هذه الذات الوحيدة، كان هو كذلك فردا بغير مثيل ... إنا نسأله: ما الحياة؟ وواضح أن الحياة أمر فردي، وأعلى أشكاله التي ظهرت حتى اليوم "أنا" وبها يصير الفرد مركز حياة، مستقلا قائما بنفسه، فالإنسان من الجانبين الجثماني والروحي، مركز حياة قائم بنفسه، ولكنه لما يبلغ مرتبة الفرد الكامل هو الأقرب إلى الله، ولكن ليس القصد من هذا القرب أن يفنى وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو عكس هذا، يمثل الخالق نفسه"١. كما يقول: "يؤكد القرآن للنفس الإنسانية بأسلوبه البسيط، حريتها وخلودها المفعم بالقوة، كما يؤكد شخصية الإنسان وفرديته، وله -في نظري- رأي

стр. 338

معين محدد في مصير الإنسان بوصفه وحدة من وحدات الوجود، وهذا الرأي في شخصية الإنسان وفرديته -وهو رأي يستحيل معه أن تزر وازرة وزر أخرى؛ بل يقتضي أن كل امرئ بما كسب رهين- هو الذي أدى بالقرآن إلى رفض فكرة الفداء"١. والإنسان محتفظ بفرديته واستقلاله، لا تسلبه الرياضة الصوفية هذا الاستقلال بحال. وتاريخ "الرياضة" في الإسلام يؤكد أنها تجعل الإنسان كما قال الرسول: $"يتخلق بأخلاق الله". وقد عبر عنها بعبارات مثل: "أنا الحق" الحلاج و"أنا الدهر" "النبي محمد"، و"أنا القرآن الناطق" "علي"، و"سبحاني" "بايزيد". "وفي التصوف الإسلامي الرفيع ليس معنى أن: إرادة الإنسان هي عين إرادة الله، أن النفس الإنسانية تمحو شخصيتها هي بنوع من الاستغراق في الذات غير المتناهية، بل الأحرى أن الذات غير المتناهية تدخل بين أحضان محبها المتناهي"٢. وفي خلود هذه الذات الإنسانية المستقلة أبدا، يقول "إقبال": "إن خلود الذات أمل، ومن أراد أن يظفر به فليجد ويدأب لبلوغه، والظفر به موقوف على أن نسلك طريقا للفكر والعمل في هذه الحياة، يعيننا على حفظ التوازن، ولا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين "بوذا"، ولا التصوف العجمي، ولا ما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى، ولقد أضرت بنا هذه الطرق فأضاعتنا وأنامتنا، إن هذه المذاهب هي الليالي في أيام حياتنا. "وإن قصدنا بأفكارنا وأعمالنا إلى حفظ حالة التوازن في ذواتنا. فأغلب الظن أن صدمة الموت لا تستطيع أن تؤثر فيها ... تعرض بعد الموت حال من "الاسترخاء" يسميها القرآن الحكيم: "البرزخ" وتدوم هذه الحال حتى الحشر. ولا تبقى بعد الاسترخاء إلا النفوس التي أحكمت ذواتها أيام الحياة"٣.

стр. 339

إن "إقبال" هنا شاعر في تصويره خلود النفس ... إنه لا ينكر البعث ولا الحشر، كما لا ينكر موت النفس من قبل ... إنه يحرص على فردية الإنسان ليجعلها مصدر قوة، ويحرص على أن تعمل وتفكر، لا أن تتواكل وتستجدي. النفس العاملة القوية هي النفس التي تحيا في هذه الحياة, وهي النفس التي تستمر لها الحياة في دار الجزاء، وعندئذ يكون "الموت" بمثابة مرحلة انتقال، فهي في عملها مستمرة، وفي حياتها مستمرة كذلك، فهي خالدة بهذا المعنى. هو يريد أن يحرض الإنسان المسلم على القوة والعمل، يريد أن يدفعه دفعا، ولكن من ذاته لا من خارج ذاته. إنه يعشق القوة، ويعشق العمل, أو أنه يتوق إلى أن يرى المسلم قويا عاملا، غير مستذل وغير متواكل، إن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف. "حياة العلم من قوة الذات ... فالحياة على قدر ما فيها من هذه القوة، فالقطرة حين تقوى ذاتها تصير درة، والجبل إذا غفل عن ذاته انقلب سهلا وطغى عليه البحر"١. "لا بتغ رزقك من نعمة غيرك، ولا تستجد ماء ولو من عين الشمس، واستعن بالله وجاهد الأيام، لا ترق ماء وجه الملة البيضاء، طوبى لمن يحتمل الضر من الحرور والظمأ، ولا يسأل الخضر كاسا من ماء الحياة"٢. والخلود بهذا المعنى -لا بمعنى إنكار الموت، أو إنكاء فناء العالم وعدم البعث- يزيد في شرحه "إقبال" مرة أخرى. إذ يقول أيضا. "إن النهاية، أي: انقضاء الأجل ليس بلاء ... ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٣، وهذا أمر بالغ الأهمية ينبغي أن يفهم على وجهه صحيح، حتى نضمن فهم رأي الإسلام في "الخلاص" فهما واضحا فالإنسان -أو الذات المتناهية- بشخصيته المفردة، التي لا يمكن أن يستعاض عنها بغيرها، سيق بين يدي الذات غير المتناهية، ليرى عواقب

стр. 340

ما أسلف من عمل، وليحكم بنفسه على إمكانيات مصيره ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ١. "فأيا كان المصير النهائي للإنسان، فإنه لا يعني فقدان فرديته، والقرآن لا يعد التحرير التام من التناهي أعلى مراتب السعادة الإنسانية، بل "جزاؤه الأوفى" هو في تدرجه في السيطرة على نفسه، وفي تفرده، وقوة نشاطه بوصفه روحا, حتى إن منظر "الفناء الكلي" الذي يتحدث عنه القرآن في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ٢ الذي يسبق يوم الحساب مباشرة، لا يمكن أن يؤثر في كمال الروح التي اكتملت نموا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٣. ومن يكون أولئك الذي ينطبق عليهم هذا الاستثناء، إلا الذين بلغت أرواحهم منتهى القوة؟! وتصل الروح إلى أسمى مرتبة في هذا النمو، عندما تكون قادرة على تملك النفس تملكا تاما، حتى في مقام الاتصال بالذات المحيطة بكل شيء، فتكون الروح كما جاء في القرآن في وصفه لرؤية النبي للذات الأولى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٤. وهذا هو المثل الأعلى للإنسانية الكاملة في الإسلام"٥. "فالإنسان في نظر القرآن، متاح له أن ينتسب إلى معنى الكون وأن يكون خالدا ... إن كائنا اقتضى تطوره ملايين السنين, ليس من المحتمل إطلاقا أن يلقى به كما لو كان من سقط المتاع. وليس إلا من حيث هو نفس تتزكى باستمرار، إذ يمكن أن ينتسب إلى معنى الكون: " ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٦، وكيف تكون تزكية النفس وتخليصها من الفساد؟ إنما يكون ذلك بالعمل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ٧. "فالحياة تهيئ مجالا لعمل النفس، والموت هو أول ابتلاء لنشاطها المركب، وليست هناك أعمال تورث اللذة, وأعمال تورث الألم، بل هناك

стр. 341

أعمال تكتب للنفس البقاء، أو تكتب لها الفناء، فالعمل هو الذي يعد النفس للفناء, أو يكفيها لحياة مستقبلة, ومبدأ العمل الذي يكتب للنفس البقاء هو: احترامي للنفس في وفي غيري من الناس، وعلى هذا فالخلود لا نناله بصفته حقا لنا، وإنما نبلغه بما نبذل من جهد شخصي. "وأكبر ما وقعت فيه المادية من خطأ يبعث على الأسف، هو القول بأن الشعور المتناهي يستنفذ موضوعه. والفلسفة والعلم ليسا إلا طريقة واحدة من طرق البحث في هذا الموضوع. ولكن هناك طرائق أخرى متاحة لنا. وإذا كان العمل قد أمد الروح من القوة بما يكفل لها مواجهة الصدمة التي يحدثها فناء البدن، فإن الموت يكون مجازًا لا غير إلى البرزخ الذي جاء وصفه في القرآن"١. والخلود، كما يقول "إقبال"، ليس حقا للإنسان، إنما هو غاية وهدف، ووسيلته العمل وحده ... وهو استمرار للحياة، والموت فقط فقط ابتلاء. "والبحث إذن ليس حادثا يأتينا من خارج، بل هو كمال لحركة الحياة في داخل النفس، وسواء أكان البعث للفرد أم للكون، فإنه لا يعدو أن يكون نوعا من "جرد البضائع" أو الإحصاء لما أسلفت النفس من عمل وما بقي أمامها من إمكانيات ... على أن القرآن يرى أن البعث يكسب الإنسان حدة في البصر - ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ٢- يرى به مصيره الذي كسبه لنفسه معلقا بعنقه ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ٣. أما الجنة والنار فهما حالتان، لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني، أو لصفة أو حال, فالنار في تعبير القرآن: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ٤ هي إدراك أليم لإخفاق الإنسان بوصفه إنسانا، أما الجنة فهي سعادة الفوز على قوى الانحلال.

стр. 342

وليس في الإسلام لعنة أبدية.. ولفظ الأبدية الذي جاء في بعض الآيات وصفا للنار، يفسره القرآن بأنه حقبة من الزمان ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ١ والزمان لا يمكن أن يكون مقطوع النسبة إلى تطور الشخصية انقطاعا تاما. فالخلق ينزع إلى الاستدامة، وتكييفه من جديد يقتضي زمانا. وعلى هذا فالنار كما يصورها القرآن ليست هاوية من عذاب مقيم يسلطه إله منتقم، بل هي تجربة للتقويم، قد تجعل النفس القاسية المتحجرة تحس مرة أخرى بنفحات حية من رضوان الله؛ وليست الجنة كذلك إجازة أو عطلة، فالحياة واحدة ومتصلة، والإنسان دائما قدما، فيتلقى على الدوام نورا جديدا من الحق غير المتناهي الذي هو: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٢. ومن يتلقى نور الهداية الإلهية ليس متلقيا سلبيا فحسب؛ لأن كل فعل لنفس حرة يخلق موقفا جديدا، وبذلك يتيح فرصا جديدة تتجلى فيها قدرته على الإيجاد"٣. وبهذا الاتصال في الحياة الإنسانية، رفع "إقبال" الفجوة بين "الدنيا" و"الآخرة" وجعل الحياة الإنسانية خط سير لا ينهيه الزمان، ومجال عمل مستمر متجدد. وما أتى به الإسلام من عقائد البعث، والحشر، والبرزخ، مما يفهم منها أنها تصور حلقة في تاريخ الوجود، تنتهي بها حياة وتبتدئ بها حياة ثانية, ليس إلا تصويرا لمرحلة ابتلاء، وليس إلا إحصاء لأعمال الإنسان السابقة يعقبها استئناف سير الحياة وحركة العمل الإنساني من جديد. وما أتى به أيضا من عقائد مثل الجنة والنار، مما يفهم منها أنها تحدد مكان حياة أخرى مستقلة تماما عما مضى في حياة الإنسان الدنيا, ليست أيضا إلا تصويرا لذلك الشعور الإنساني الذي يصحب نوع النتيجة التي أتى بها الإحصاء في مرحلة ما قبل استئناف السير وحركة العمل في دائرة الإنسان، والجنة ليست إلا شعور الإنسان بالبقاء، والفوز في الكفاح الماضي، والنار ليست أيضا إلا شعور الإنسان بخيبة أمله وفشله في هذا الكفاح السابق ... ومعنى ذلك أنه يجوز للإنسان الذي فشل فيما مضى أن يفوز في كفاحه المستأنف، فيشعر بالبقاء والخلود، أو تكون له "الجنة" من جديد، وخيبة الأمل إذن موقوتة، والنار إذن ليست أبدية، إذ هي لمدة ما.

стр. 343

حياة دائمة متجددة، وعمل مستمر، وكفاح متواصل, ليس هناك تكرار وليس هناك مدار دائري للحركة، إنما هناك خيط مستقيم لا نهائي, ذلك كله يصور مجال الإنسان في الوجود. فردية ذاته لا تمحى، ووجوده لا يبلى، وقربه من "اللانهائي" هو غاية حركته في سيره وفي عمله ... ليس بعد هذا القرب نهاية؛ لأن ذات "اللانهائي" دائمة في وجودها، وفي خلقها. هذا التصوير كله يصور به "إقبال" وجود الإنسان وحياته، كي يعمل الإنسان طالما ليست لحياته نهاية، وليدفع اليأس عن نفسه طالما تتجدد فرص الكفاح والنجاح فيه، وطالما تختفي "الأبدية" -كصفة- لخيبة أمله وإخفاقه. أما كيف أن "إقبال" حمل النصوص القرآنية التي أوردها على المعنى الذي أراده -وربما خالف فيما أراده من معنى كثيرين من علماء المسلمين قبله- فذلك شيء سنشير إليه عند "التعليق" على تفكيره التجديدي الإصلاحي، عقب الفراغ من عرضه، تحت عنوان: "إقبال، فيما أرى". الذات الكلية: يريد "إقبال" فيما يتحدث به عن "الذات الكلية" أن يوضح أن الله هو حقيقة الوجود، أو وحدة الوجود، وأن دليل وجوده هو التجربة، ولكنها تجربة الدين, وليست تجربة الطبيعة، كما يوضح أنه لا ينفصل عن العالم الطبيعي أو الواقعي، لا على معنى أنه حال فيه، ولكن على معنى أن ذات الله تجلت فيه. والعالم الطبيعي أو الواقعي باق طالما هو تجلي الله ... "نظرية هيجل". "والذات الأولى توجد في "ديمومة" بحتة، ينقطع فيها التغير عن أن يكون تعاقبا لأحوال متخالفة, وتكشف الذات عن صفتها الحقة باعتبارها خلقا مستمرا ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ١، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ٢. و"وجود الله" هو تجلي ذاته, لا السعي وراء مثل أعلى يراد الوصول

стр. 344

إليه. "وما لم يقع بعد" معناه بالنسبة للإنسان: السعي والطلب, وقد يعني الإخفاق، أما "ما لم يقع بعد" بالنسبة لله فيعني تحققا لا يخفق لإمكانيات وجوده، تلك الإمكانيات الخالقة غير المتناهية، التي تحتفظ بوحدتها التامة الكاملة خلال تجليه في الوجود"١. "ولعلنا الآن في موقف يدعلنا ندرك معنى الآية": ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ٢. فقد أدى بنا التفسير الدقيق لتعاقب الزمان -كما يتجلى في أنفسنا- إلى فكرة عن الحقيقة القصوى، هي أنها "ديمومة" بحتة يتداخل فيها الفكر، والوجود، والغاية، لتؤلف جميعا وحدة متكاملة، ولا نستطيع إدراك هذه الوحدة إلا من حيث هي وحدة نفس متحققة الوجود محيطة بكل شيء, هي الينبوع الأول لكل حياة فردية، وكل فكر فردي"٣. والذات الكلية ليست ذاتا منعزلة عن هذا العالم، وليس هذا العالم "غيرا" لها. و"الذات الأولى" في تعبير القرآن، غنية عن العالمين: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٤. أما ما عداها فلا يستطيع أن يدعي أنه ذات أخرى مقابلة لها، وإلا وجب أن تكون الذات الأولى كذواتنا المتناهية، بينها وبين الغير المقابل لها نسبة مكانية. وما نسميه "الطبيعة" أو "غير الذات"، وليس إلا لحظة عابرة في وجود الله، ووجود الله من ذاته لا من غيره, وهو وجود أزلي مطلق ويستحيل علينا أن نتصور في عقولنا هذه الذات تصورا كاملا، فهو كما يقول القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥. "وبعد: فإن العقل لا يمكن أن يتصور نفسا من غير أن تلحقها صفة، أي: من غير منهج مطرد من السلوك، والطبيعة -كما رأينا٦- ليست

стр. 345

ركاما من مادية بحتة شاغلة للفراغ، بل هي بناء من حوادث أو منهج منتظم من السلوك وهي بوصفها هذا، أساسية بالنسبة للذات الأولى، فالطبيعة بالنسبة للذات الإلهية كالصفة بالنسبة للنفس الإنسانية، وهي في التعبير القرآني الرائع: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ١. وعلى هذا، فإن الرأي الذي اصطنعناه يضفي على علوم الطبيعة معنى روحيا جديدًا: فالعلم بالطبيعة هو العلم بسنة الله، ونحن في ملاحظتنا للطبيعة إنما نسعى في الحقيقة وراء نوع من الاتصال الوثيق بالذات المطلقة ... وما هذا إلا صورة أخرى من صور العبادة"٢. ويزيد "إقبال" توضيحا عدم "غيرية" العالم الطبيعي لذات الله، فيما يقوله هنا: "والسؤال الذي يطلب منا أن نجيب عنه حقا هو: هل العالم يواجه الذات الإلهية بوصفه "غيرا" لها، وبينهما فراغ مكاني يتوسط بين الذات وبين هذا "الغير"؟؟ والجواب عن هذا: هو أنه بالنسبة للذات الإلهية، لا يوجد خلق بمعنى حادث معين له "قبل" وله "بعد"، فالعالم لا يمكن أن يعد حقيقة مستقلة الوجود مقابلة للذات الإلهية, ولو أننا نظرنا إلى الأمر كذلك. لأصبحت الذات الإلهية والكون منفصلتين، تقابل إحداهما الأخرى

стр. 346

في ظرف فارغ من حيز غير متناه، وقد رأينا -فيما سبق- أن المكان والزمان، والمادة، تفسيرات يضعها الفكر لقدرة الذات الإلهية الخالقة الحرة، وهي لست حقائق لها وجودها في ذاتها وإنما هي أحوال للعقل في تصوره لوجود الله. "وقد أثير البحث مرة في موضوع الخلق بين مريدي "بايزيد البسطامي" الصوفي المشهور، فأدلى أحدهم في صراحة بالرأي الذي تقبله الفطرة السليمة: "كان الله، ولا شيء معه" فأجاب الولي جوابا قاطعا، فقال: "الآن كما كان" فعالم المادة إذن ليس شيئا يشارك الله في الأزل، ويحدث فيه الله ما يشاء، وهو كأنه على مسافة منه ... بل هو في طبيعته الحقيقية، فعل واحد متصل، يجزئه الفكر إلى كثرة من أشياء، منفصل بعضها عن بعض"١. و"جاء في القرآن الكريم ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ٢. وماهية الجوهر غير وجوده، ومعنى هذا أن الوجود عرض يلحقه الله بالجوهر. وقبل أن يلحقه الوجود، يظل كما لو كان كامنا في قدرة الله الخالقة, وليس يعني وجوده، أكثر من تجلي القدرة الإلهية للعيان"٣. وإذا كانت "الذات الكلية" لا انفصال لها عن العالم الواقعي، وإذا كان العالم الواقعي ليس مادة جامدة، بل هو تركيب من أحداث متتالية تصور خلق الله، أو تصور تجليه للعيان, "فالسمو إلى مستوى جديد في فهم الإنسان لأصله ولمستقبله وحده، هو الذي يكفل له آخر الأمر الفوز على مجتمع يحركه تنافس وحشي، وعلى حضارة فقدت وحدتها الروحية، بما انطوت عليه من صراع بين القيم الدينية والقيم السياسية. هذا من جانب ... ومن جانب آخر، إذا كان الانفصال بين الله وبين هذا العالم المادي, فليس هناك اتحاد بينهما، وبالتالي لا يصير الإنسان الفرد يوما ما في الذات الإلهية، مهما أدرك هذه الذات، وإدراكه لهذه الذات إدراكا قريبا

стр. 347

يجب أن يبعده فقط عن أن يستغرق في "الواقع" أي: في مصدر الحس الظاهر للعيان، لا أن يحول بينه وبين أن يتحرك فيه ويسيطر على قواه. - إن "إقبال" يعقد الصلة بين: الذات الإلهية من جانب ... والإنسان والعالم الواقعي من جانب آخر ... يريد أن يزاوج بين "الواقعية" "والروحية". - يريد أن يحول "الصوفية" الإشراقية في الإسلام إلى "زهد" فجر الإسلام، فيبعد منها "الفرار" من الدنيا، وينحي منها "الاتحاد" بالله. - ويريد أيضا أن يحول "الواقعية" الحديثة التي جعلت للإنسان سلطانا على قوى الطبيعة لم يسبق إليه -ولكنها سجلت إيمانه هو بمصيره- إلى "واقعية" تصل الإنسان بأعماق وجوده إلى "الله" حتى لا يكون حبه للمال حبا طاغيا، يقتل كل ما فيه من نضال سام شيئا فشيئا، ولا يعود عليه منه إلا تعب الحياة. والسبيل إلى إدراك الذات الإلهية -في نظر "إقبال" وهي وحدة الوجود، أو الحقيقة الكلية- الدين وحده ... وليس العلم Science؛ لأن العلم يبحث عن جزئيات الطبيعة، ولكل جزئية منها علم خاص. وإذا سألنا عن تناسق بين علوم الطبيعة، أو علوم جزئياتها فلا نجده، وإذن لا مناص من اعتبار الدين بما فيه من عبادة "الصلاة"، وسيلة لإدراك الحقيقة باعتبارها كلا. فالمسألة التي نبحثها إذن هي: هل المدخل إلى الحقيقة عن طريق ما يكشفه الإدراك الحسي، يؤدي بالضرورة إلى رأي فيها يتعارض معارضة جوهرية مع رأي الدين في طبيعتها القصوى, الذات الكلية، "الله"؟؟ وهل العلوم التي تبحث في الموجودات الطبيعية قد خضعت نهائيا للمادية؟؟

стр. 348

وليس من شك في أن نظريات العلوم الطبيعية تفيد معرفة موثوقا بها؛ لأنه يمكن التحقق من صدقها؛ ولأنها تمكننا من التنبوء بالحوادث الطبيعية، ومن التحكم فيها، ولكن ينبغي أن لا ننسى أن ما نسميه: "العلم" Science ليس نظرة واحدة منسقة للحقيقة، بل هو مجموعة من النظرات الجزئية للحقيقة ... هو شتات من تجربة كلية لا تظهر منسجمة بعضها مع بعض. فالعلوم الطبيعية تبحث في المادة, وفي الحياة، وفي العقل؛ ولكنك إذا سألت عن كيفية العلاقة المتبادلة بين المادة, والحياة, والعقل, أخذت تتجلى لك عند ذلك جزئية العلوم المختلفة، التي تتناول البحث فيها، وتبين لك عجز كل واحد منها عن أن يجيب وحده عن سؤالك هذا إجابة شافية. والواقع، أن العلوم الطبيعية المختلفة, مثلها مثل الجوارح العديدة تنقض على جسم الطبيعة الميت، فيذهب كل منها بقطعة منه، والطبيعة من حيث هي موضوع للعلم أمر عملت فيه الصنعة إلى حد بعيد، صنعة نشأت عن عملية الانتقاء التي لا بد للعلم من أن يخضع الطبيعة لها. حتى تتحقق له الإجادة والتدقيق. "وعندما نضع موضوع "العلم" في مجموع التجربة الإنسانية، يشرع يتكشف لك عن طبيعة مختلفة، ومن ثم، فإن الدين -وهو ينشد الحقيقة بوصفها كلا لا يتجزأ لهذا- يجب أن يتخذ له مكانا مركزيا في أي تركيب من موضوعات التجارب الإنسانية جمعاء لم يكن ليخشى أي رأي من الآراء الجزئية عن الحقيقة ... والعلوم الطبيعية جزئية بطبيعتها، فإذا كان لها أن تظل أمينة لطبيعتها ووظيفتها، فإنها لا تستطيع أن تقيم نظريتها على اعتبار أنها رأي كامل عن الحقيقة، وعلى هذا فإن الأفكار التي تستخدمها في تنظيم المعرفة, جزئية بطبعها، وتطبيقها اعتباري بالنسبة لمستوى التجربة التي تستخدمها فيه"١. وإذا كان الدين هو السبيل إلى معرفة "الذات الكلية"، فالعبادة فيه -وعلى وجه أخص "الصلاة"- هي المدخل، في نظر "إقبال" إلى إدراك تلك الذات الكلية إدراكا قريبا ... - فالدين لا يقنع بمجرد الإدراك، بل يبحث عن علم أوثق، وعن اتصال أكد بموضوع علمه ...

стр. 349

- والعبادة، أو الصلاة، التي تختم بالهداية الروحانية -وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر- هي الوسيلة لتحقيق هذا الاتصال"١. فالصلاة التي تستهدف المعرفة تشبه التأمل؛ ومع ذلك فالصلاة في أسمى مراتبها تزيد كثيرا على التأمل المجرد. وهي كالتأمل أيضا في أنها فعل من أفعال التمثيل، ولكن التمثيل في حالة الصلاة يتجمع مترابطا، فيحصل بذلك على قوة، لا يعرفها التفكير المجرد. فالعقل في تفكيره يلاحظ فعل الحقيقة، ويتقصى آثاره، لكنه في الصلاة يتخلى عن سيرته بوصفه باحثا عن العموميات البطيئة الخطوة، ويسمو فوق التفكير ليحصل الحقيقة ذاتها، لكي يصبح شريكا في حياتها شاعرا بها.. وليس في هذا شيء من الخفاء، فالصلاة من حيث هي وسيلة للهداية الروحانية فعل حيوي عادي، تكشف به فجأة شخصيتنا، التي تشبه جزيرة صغيرة، مكانها في الوجود الخضم الأكبر للحياة ... والواقع، هو: أن الصلاة يجب أن ينظر إليها على أنها تكملة ضرورية للنشاط العقلي لمن يتأمل في الطبيعة، وملاحظة الطبيعة ملاحظة علمية تجعلنا على اتصال وثيق بسلوك الحقيقة، فنشحذ بذلك إدراكنا الباطني لشهود الحقيقة شهودا أوفى وأعمق٢. "فالصلاة إذن، سواء في ذلك صلاة الفرد أو صلاة الجماعة, هي تعبير عن مكنون شوق الإنسان إلى من يستجيب لدعائه في سكون العالم المخيف ... وهي فعل فريد من أفعال الاستكشاف، تؤكد به الذات الباحثة وجودها في نفس اللحظة التي تنكر فيها ذاتها، فتتبين قدر نفسها ومبررات وجودها بوصفها عاملا محركا في حياة الكون، وصور العبادة في الإسلام، في صدق انطباقها على سيكلوجية المنزع العقلي، ترمز إلى إثبات الذات وإنكارها معا"٣. - والدين إذن -والعبادة منه بوجه خاص، ورياضة الصوفي في صلاته على وجه أخص- مصدر ضروري لمعرفة الإنسان، ولوقوفه على

стр. 350

الوجود؛ على ما فيه من جزئيات، وعلى ما له من أصل عام وهو "الحقيقة الكلية". - والدين إذن مكمل لتجربة الحس ... ولمصدر آخر ثالث من مصادر المعرفة الإنسانية، وهو التاريخ. - وكل هذه المصادر الثلاثة جاء بها القرآن الكريم. فما يذكره القرآن ... من الشمس، والقمر، وامتداد الظل واختلاف الليل والنهار، إمارة على طلب التجربة الحسية. وما يذكره من اختلاف الألسنة والألوان، وتداول الأيام بين الناس هو طلب استخدام التاريخ في الكشف عن الحقيقة. والآن -فيما أرى- قد اكتملت عناصر النظرة إلى "الوجود" عند "إقبال". وبضم بعض هذه العناصر إلى بعض، تحس أنه يقصد إلى تعديل مفاهيم الفكر الصوفي الإسلامي، أو إلى تعديل المذهب الواقعي الغربي. ولنا أن نعتبر نظرته هذه نوعا من المكافحة لسلبية التواكل في الجماعة الإسلامية، التي تسربت إثر خطأ في تصور بعض المبادئ الإسلامية. وكذلك مكافحة لنزعة المذاهب الواقعية الغربية الإلحادية، التي جاءت إثر الغلو في تقدير الحس والحواس، والتجارب المشاهدة. ٢- الإسلام في توجيه الإنسان: يرى "إقبال" أن الوجود كله عبارة عن ثلاث وحدات: - "الذات الكلية" وهي "الله". - و"الذات الفردية" وهي الإنسان. - وعالم الواقع، وهو عالم الطبيعة.

стр. 351

أما الذات الكلية فتتجلى فيها عداها، وما عداها ليس غيرها ولا منفصلا عنها، وإنما هو مظهرها. وأما الذات الفردية، فلا تلغي نفسها فيما عداها من الذات الكلية ولا تنتهي حركتها في هذا العالم الطبيعي. وأما هذا العالم الطبيعي: فهو دائم التجدد، وهو ليس مادة جامدة وإنما هو تركيب من أحداث متتالية مستمرة في تتابعها، ومعنى هذا كله أنه ليس هناك شيء ثابت في الوجود: هناك حركة، وتجدد واستمرار. وإذا كان الإنسان كذات فردية، مع العالم الطبيعي كتركيب من أحداث متعاقبة -هما مظهرا التجلي للذات الكلية- فالصلة بين الذات الفردية والعالم الطبيعي، هي الصلة بين شيئين متناسقين: عالم ينتقل من حادث إلى حادث، ومن حال إلى حال ... عالم متغير ومتطور، وفيه إنسان يتابع بحركته وبسيره تغير العالم وتطوره. مبدآن أو ظاهرتان: - تغير العالم ... - وحركة الإنسان ... هاتان هما الخصيصتان اللتان يستدل منهما على تجلي الذات الكلية في عالم الطبيعة أو في العالم الواقعي.. وهما الأمارتان على استمرار الخلق لهذه الذات الكلية. هذا ما وصل إليه "إقبال" في نظرته إلى الوجود ... وهو في نظرته إليه لا يدعي أنه حر فيها.. وإنما ذكر أنه يستوحيها من الإسلام، ولذا هو يريد الآن أن يوضح من الإسلام هذين المبدأين: مبدأ تغير العالم، ومبدأ حركة الإنسان ومتابعته لهذا التغير في العالم. وبذلك يكون الإسلام مصدر "معرفة" وتوجيه" معا ... يضع أمام الإنسان خطوط الوجود أو خطوط الحياة، ويقدم له في الوقت نفسه المنهج الذي يلتئم مع هذه الخطوط.

стр. 352

وما في حياة الإنسان من "دين" و"علم" وما للإنسان من "حواس" و"إدراك" وما لجماعته من "تاريخ" ... هو مجموعة متناسقة من طرق المعرفة تنتهي إلى غاية واحدة هي سعادة الإنسان. مبدأ التغير في العالم الطبيعي: وتغير العالم في نظر "إقبال" هو وسيلة زيادته ونموه: إذ العالم حقيقة لم تقع كلها، بل في سبيل وقوعها ... "والرأي عندي، أنه ليس أكثر بعدا عن نظرة القرآن من القول بأن العالم تنفيذ في سياق الزمان لخطة سبق وضعها ... فالعالم في نظر القرآن -كما بينت من قبل- قابل للزيادة ... هو عالم ينمو، وليس صنعا مكتملا خرج من يد صانعه منذ حقب بعيدة، وهو الآن ممتد في الفضاء أشبه ما يكون بكتلة ميتة من المادة لا يفعل فيها الزمان شيئا، من أجل ذلك ليست شيئا"١. وهذا التغير نفسه، يحملنا على أن نلائم بين أنفسنا وبين مقتضيات هذا التغير، ويثير فينا قوة الدفع للتغلب على ما يجد من ظروف جديدة. "ويرى القرآن أن العالم له غايات جدية: فتطوراته المتغيرة تحمل حياتنا على التشكل بصور جديدة، والجهد العقلي الذي نبذله للتغلب على ما يقيمه العالم من عقبات في سبيلنا، يشحذ بصيرتنا، فيهيؤنا للتعمق فيما دق من نواحي التجربة الإنسانية الأخرى فضلا عن أن يمد في آفاق الحياة ويزيدها خصبا وغنى"٢. ويستند "إقبال" في الحكم على تغير العالم الطبيعي من وجهة نظر الإسلام إلى مثل هذه الآيات القرآنية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ٣، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٤.

стр. 353

المجتمع الإنساني: أما المجتمع الإنساني، فلا يسير على التغير المطلق، وإنما يستند إلى بعض المبادئ العامة التي توازن ما يحدث فيه من تغيرات. فعقدة "التوحيد" في الإسلام، مع أنها ترمي إلى صيرورة المجتمعات المختلفة في الهدف إلى عالم واحد يتخذ شعاره: عبادة الحق، والولاء للذات الإلهية. ومع إن كتاب الإسلام المقدس بما له من نظرة يعتبر بها الكون متغيرا ولا يكون خصما لفكرة التطور. مع هذا كله ... فإنه ينبغي أن لا ننسى أن الوجود ليس تغيرا صرفا فحسب ولكنه أيضا ينطوي على عناصر تنزع إلى الإبقاء على القديم, فالإنسان في الوقت الذي يستمتع فيه بنشاط الخالق، ويركز جهوده باستمرار في كشف مسالك جديدة للحياة، يحس بالقلق عندما ينكشف له ما في ذات نفسه، ولا مفر له في خطوه إلى الأمام من أن يرجع البصر إلى ماضيه، وهو يواجه نماءه الروحي في شيء من الخوف، وروح الإنسان يعوقها في سيرها قدما قوى يظهر أنها تعمل في الاتجاه المضاد. وما هذا إلا ضرب من القول بأن الحياة تتحرك وهي تحمل على عاتقها أثقال ماضيها، وأنه في أي تغير اجتماعي لا يمكن أن يغيب عن النظر ما لقوى التمسك بالقديم من قيمة وعمل. وبهذه النظرة الجوهرية في التعاليم الأساسية للقرآن، ينبغي للمذهب العقلي الحديث أن يتناول بالبحث نظمنا القائمة, فليس في استطاعة أمة أن تتنكر لماضيها تنكرا تمام؛ لأن الماضي هو الذي كيف شخصيتها الحاضرة، وفيما يتعلق بمجتمع كالمجتمع الإسلامي، تصبح إعادة النظر في النظم القديمة أكثر دقة وحرجا، كما تصبح التبعات التي يضطلع بها المصلح موجبة عليه أن ينظر إلى الأمور نظرة جدية، وأن يزن ما لها من خطر١. وذلك لأن المجتمع -في نظر "إقبال"- ليس ماديا كما تراه الماركسية فتخضعه للتغير المطلق، وتخضع ما فيه من قيم لمبدأ التطور الانقلابي. وإنما أساسه "الروح" وليس "الاقتصاد" والورح تنمو دون أن تنسى

стр. 354

ماضيها أو في ظل ماضيها والاقتصاد يتطور على حساب الانقلاب في مباشرة الإشراف عليه. "والإسلام بوصفه نظاما وجدانيا يقول بوحدة الكلمة، ويدرك قيمة الفرد من حيث هو فرد. ويرفض اعتبار قرابة الدم أساسا لوحدة الإنسانية فقرابة الدم أصلها مادي مرتبط بالأرض، ولا يتيسر التماس أساس نفساني بحت لوحدة الإنسانية إلا إذا أدركنا أن الحياة الإنسانية جميعا روحية في أصلها ومنشئها ... ومثل هذا ينشيء صنوفا جديدة من الولاء من عبر شعائر تحفظ عليها الحياة، كما أنه ييسر للإنسان أن يحرر نفسه من أسر الروابط المادية، والمسيحية التي ظهرت في الأرض في صورة نظام من الترهب، حاول "قسطنطين"١ أن يتخذ منها نظاما لتوحيد الكلمة بين الناس، وقد حمل إخفاقها في تحقيق هذه الغاية، جوليان"٢ على الارتداد إلى عبادة روما القديمة، محاولا أن يضع لها تأويلات فلسفية ... وتجد الثقافة الجديدة في مبدأ التوحيد "في الوحي النبوي المحمدي" أساسا لوحدة العالم كله. "والإسلام بوصفه دستورا سياسيا، ليس إلا أداة علمية لجعل هذا المبدأ عاملا حيا في حياة البشر العقلية والوجدانية، فهو يتطلب الطاعة والإخلاص لله لا للعروش والتيجان. وإذا كانت الذات الإلهية هي الأصل الروحي الأول لكل حياة فإخلاص الإنسان لله إنما يكون بمثابة إخلاصه لطبيعته المثالية الخاصة. والمبدأ الروحي الأول لكل حياة "وهو الذات الإلهية" كما يصوره الإسلام, هو مبدأ أبدي, يرينا الآيات الدالة عليه في التنوع والتغير، والمجتمع الذي يقوم على تصور الحق على مثل هذا الوجه، لا بد له من أن يوفق في وجوده بين مراتب الدوام والتغير. - فلا بد أن يكون له مبادئ أبدية تنظم حياته الجماعية وتضبط أموره؛ وذلك لأن الأبدي الخالد يثبت أقدامنا في عالم التغير المستمر. - ولكن إذا فهمنا أن المبادئ الأبدية تستبعد كل إمكان للتغير -والتغير في نظر القرآن آية من الآيات الكبرى على الذات الإلهية- فإن هذا الفهم يجعلنا ننزع إلى تثبيت ما هو -أساسيا- متغير في طبيعته.

стр. 355

وإخفاق أوروبا في علم السياسة والاجتماع، مثل يوضح المبدأ الأول: "وهو عدم اتخاذ مبادئ ثابتة لتنظيم الجماعة". وركود المسلمين في القرون الأخيرة مثل يوضح المبدأ الثاني: "وهو الميل بالمبادئ الثابتة في الجماعة إلى تثبيت ما هو بطبيعته متغير"١. مبدأ الحركة في الإسلام: ويقصد "إقبال" بمبدأ الحركة في الإسلام، ما في الإسلام من عوامل يواجه بها الإنسان تغير العالم وتطوره، وهي في ذاتها مبادئ ثابتة، ولكن يتخذ منها الإنسان عدته لملاءمة نفسه وأحوال التغيرات المتتابعة في عالمه المادي الواقعي، والإنسان هنا: هو الفرد والجماعة على السواء، والإسلام بالنسبة لهما حقيقة واحدة، وليس هنا إذن في الإسلام دين ودولة. "والحقيقة في نظر الإسلام هي بعينها، تبدو دينا إذا نظرنا إليها من ناحية، وتبدو دولة إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى، وليس صحيحا أن يقال: إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد، فالإسلام حقيقة مفردة "غير مركبة" لا تقبل التحليل، وهو يبدو في صورة أخرى بحسب اختلاف نظرك إليه. وهذا الأمر بعيد الأثر، وتوضيحه توضيحها وافيا يزج بنا في بحث فلسفي عميق، وحسبنا أن نقول: إن هذا الخطأ القديم "وهو الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية" نشأ عن تفريع وحدة الإنسان إلى حقيقتين منفصلتين متمايزتين، تتصل إحداهما بالأخرى على وجه ما، ولكنهما أساسيا متضادان، والحق هو: - أن المادة: هي الروح, مضافة إلى الزمان المكاني.
следующие страницы →