← Общие книги

Общие книги · id 11756

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي

محمد البهي

Полный текст (485 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما الذات الكلية فتتجلى فيها عداها، وما عداها ليس غيرها ولا منفصلا عنها، وإنما هو مظهرها. وأما الذات الفردية، فلا تلغي نفسها فيما عداها من الذات الكلية ولا تنتهي حركتها في هذا العالم الطبيعي. وأما هذا العالم الطبيعي: فهو دائم التجدد، وهو ليس مادة جامدة وإنما هو تركيب من أحداث متتالية مستمرة في تتابعها، ومعنى هذا كله أنه ليس هناك شيء ثابت في الوجود: هناك حركة، وتجدد واستمرار. وإذا كان الإنسان كذات فردية، مع العالم الطبيعي كتركيب من أحداث متعاقبة -هما مظهرا التجلي للذات الكلية- فالصلة بين الذات الفردية والعالم الطبيعي، هي الصلة بين شيئين متناسقين: عالم ينتقل من حادث إلى حادث، ومن حال إلى حال ... عالم متغير ومتطور، وفيه إنسان يتابع بحركته وبسيره تغير العالم وتطوره. مبدآن أو ظاهرتان: - تغير العالم ... - وحركة الإنسان ... هاتان هما الخصيصتان اللتان يستدل منهما على تجلي الذات الكلية في عالم الطبيعة أو في العالم الواقعي.. وهما الأمارتان على استمرار الخلق لهذه الذات الكلية. هذا ما وصل إليه "إقبال" في نظرته إلى الوجود ... وهو في نظرته إليه لا يدعي أنه حر فيها.. وإنما ذكر أنه يستوحيها من الإسلام، ولذا هو يريد الآن أن يوضح من الإسلام هذين المبدأين: مبدأ تغير العالم، ومبدأ حركة الإنسان ومتابعته لهذا التغير في العالم. وبذلك يكون الإسلام مصدر "معرفة" وتوجيه" معا ... يضع أمام الإنسان خطوط الوجود أو خطوط الحياة، ويقدم له في الوقت نفسه المنهج الذي يلتئم مع هذه الخطوط.

стр. 352

وما في حياة الإنسان من "دين" و"علم" وما للإنسان من "حواس" و"إدراك" وما لجماعته من "تاريخ" ... هو مجموعة متناسقة من طرق المعرفة تنتهي إلى غاية واحدة هي سعادة الإنسان. مبدأ التغير في العالم الطبيعي: وتغير العالم في نظر "إقبال" هو وسيلة زيادته ونموه: إذ العالم حقيقة لم تقع كلها، بل في سبيل وقوعها ... "والرأي عندي، أنه ليس أكثر بعدا عن نظرة القرآن من القول بأن العالم تنفيذ في سياق الزمان لخطة سبق وضعها ... فالعالم في نظر القرآن -كما بينت من قبل- قابل للزيادة ... هو عالم ينمو، وليس صنعا مكتملا خرج من يد صانعه منذ حقب بعيدة، وهو الآن ممتد في الفضاء أشبه ما يكون بكتلة ميتة من المادة لا يفعل فيها الزمان شيئا، من أجل ذلك ليست شيئا"١. وهذا التغير نفسه، يحملنا على أن نلائم بين أنفسنا وبين مقتضيات هذا التغير، ويثير فينا قوة الدفع للتغلب على ما يجد من ظروف جديدة. "ويرى القرآن أن العالم له غايات جدية: فتطوراته المتغيرة تحمل حياتنا على التشكل بصور جديدة، والجهد العقلي الذي نبذله للتغلب على ما يقيمه العالم من عقبات في سبيلنا، يشحذ بصيرتنا، فيهيؤنا للتعمق فيما دق من نواحي التجربة الإنسانية الأخرى فضلا عن أن يمد في آفاق الحياة ويزيدها خصبا وغنى"٢. ويستند "إقبال" في الحكم على تغير العالم الطبيعي من وجهة نظر الإسلام إلى مثل هذه الآيات القرآنية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ٣، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٤.

стр. 353

المجتمع الإنساني: أما المجتمع الإنساني، فلا يسير على التغير المطلق، وإنما يستند إلى بعض المبادئ العامة التي توازن ما يحدث فيه من تغيرات. فعقدة "التوحيد" في الإسلام، مع أنها ترمي إلى صيرورة المجتمعات المختلفة في الهدف إلى عالم واحد يتخذ شعاره: عبادة الحق، والولاء للذات الإلهية. ومع إن كتاب الإسلام المقدس بما له من نظرة يعتبر بها الكون متغيرا ولا يكون خصما لفكرة التطور. مع هذا كله ... فإنه ينبغي أن لا ننسى أن الوجود ليس تغيرا صرفا فحسب ولكنه أيضا ينطوي على عناصر تنزع إلى الإبقاء على القديم, فالإنسان في الوقت الذي يستمتع فيه بنشاط الخالق، ويركز جهوده باستمرار في كشف مسالك جديدة للحياة، يحس بالقلق عندما ينكشف له ما في ذات نفسه، ولا مفر له في خطوه إلى الأمام من أن يرجع البصر إلى ماضيه، وهو يواجه نماءه الروحي في شيء من الخوف، وروح الإنسان يعوقها في سيرها قدما قوى يظهر أنها تعمل في الاتجاه المضاد. وما هذا إلا ضرب من القول بأن الحياة تتحرك وهي تحمل على عاتقها أثقال ماضيها، وأنه في أي تغير اجتماعي لا يمكن أن يغيب عن النظر ما لقوى التمسك بالقديم من قيمة وعمل. وبهذه النظرة الجوهرية في التعاليم الأساسية للقرآن، ينبغي للمذهب العقلي الحديث أن يتناول بالبحث نظمنا القائمة, فليس في استطاعة أمة أن تتنكر لماضيها تنكرا تمام؛ لأن الماضي هو الذي كيف شخصيتها الحاضرة، وفيما يتعلق بمجتمع كالمجتمع الإسلامي، تصبح إعادة النظر في النظم القديمة أكثر دقة وحرجا، كما تصبح التبعات التي يضطلع بها المصلح موجبة عليه أن ينظر إلى الأمور نظرة جدية، وأن يزن ما لها من خطر١. وذلك لأن المجتمع -في نظر "إقبال"- ليس ماديا كما تراه الماركسية فتخضعه للتغير المطلق، وتخضع ما فيه من قيم لمبدأ التطور الانقلابي. وإنما أساسه "الروح" وليس "الاقتصاد" والورح تنمو دون أن تنسى

стр. 354

ماضيها أو في ظل ماضيها والاقتصاد يتطور على حساب الانقلاب في مباشرة الإشراف عليه. "والإسلام بوصفه نظاما وجدانيا يقول بوحدة الكلمة، ويدرك قيمة الفرد من حيث هو فرد. ويرفض اعتبار قرابة الدم أساسا لوحدة الإنسانية فقرابة الدم أصلها مادي مرتبط بالأرض، ولا يتيسر التماس أساس نفساني بحت لوحدة الإنسانية إلا إذا أدركنا أن الحياة الإنسانية جميعا روحية في أصلها ومنشئها ... ومثل هذا ينشيء صنوفا جديدة من الولاء من عبر شعائر تحفظ عليها الحياة، كما أنه ييسر للإنسان أن يحرر نفسه من أسر الروابط المادية، والمسيحية التي ظهرت في الأرض في صورة نظام من الترهب، حاول "قسطنطين"١ أن يتخذ منها نظاما لتوحيد الكلمة بين الناس، وقد حمل إخفاقها في تحقيق هذه الغاية، جوليان"٢ على الارتداد إلى عبادة روما القديمة، محاولا أن يضع لها تأويلات فلسفية ... وتجد الثقافة الجديدة في مبدأ التوحيد "في الوحي النبوي المحمدي" أساسا لوحدة العالم كله. "والإسلام بوصفه دستورا سياسيا، ليس إلا أداة علمية لجعل هذا المبدأ عاملا حيا في حياة البشر العقلية والوجدانية، فهو يتطلب الطاعة والإخلاص لله لا للعروش والتيجان. وإذا كانت الذات الإلهية هي الأصل الروحي الأول لكل حياة فإخلاص الإنسان لله إنما يكون بمثابة إخلاصه لطبيعته المثالية الخاصة. والمبدأ الروحي الأول لكل حياة "وهو الذات الإلهية" كما يصوره الإسلام, هو مبدأ أبدي, يرينا الآيات الدالة عليه في التنوع والتغير، والمجتمع الذي يقوم على تصور الحق على مثل هذا الوجه، لا بد له من أن يوفق في وجوده بين مراتب الدوام والتغير. - فلا بد أن يكون له مبادئ أبدية تنظم حياته الجماعية وتضبط أموره؛ وذلك لأن الأبدي الخالد يثبت أقدامنا في عالم التغير المستمر. - ولكن إذا فهمنا أن المبادئ الأبدية تستبعد كل إمكان للتغير -والتغير في نظر القرآن آية من الآيات الكبرى على الذات الإلهية- فإن هذا الفهم يجعلنا ننزع إلى تثبيت ما هو -أساسيا- متغير في طبيعته.

стр. 355

وإخفاق أوروبا في علم السياسة والاجتماع، مثل يوضح المبدأ الأول: "وهو عدم اتخاذ مبادئ ثابتة لتنظيم الجماعة". وركود المسلمين في القرون الأخيرة مثل يوضح المبدأ الثاني: "وهو الميل بالمبادئ الثابتة في الجماعة إلى تثبيت ما هو بطبيعته متغير"١. مبدأ الحركة في الإسلام: ويقصد "إقبال" بمبدأ الحركة في الإسلام، ما في الإسلام من عوامل يواجه بها الإنسان تغير العالم وتطوره، وهي في ذاتها مبادئ ثابتة، ولكن يتخذ منها الإنسان عدته لملاءمة نفسه وأحوال التغيرات المتتابعة في عالمه المادي الواقعي، والإنسان هنا: هو الفرد والجماعة على السواء، والإسلام بالنسبة لهما حقيقة واحدة، وليس هنا إذن في الإسلام دين ودولة. "والحقيقة في نظر الإسلام هي بعينها، تبدو دينا إذا نظرنا إليها من ناحية، وتبدو دولة إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى، وليس صحيحا أن يقال: إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد، فالإسلام حقيقة مفردة "غير مركبة" لا تقبل التحليل، وهو يبدو في صورة أخرى بحسب اختلاف نظرك إليه. وهذا الأمر بعيد الأثر، وتوضيحه توضيحها وافيا يزج بنا في بحث فلسفي عميق، وحسبنا أن نقول: إن هذا الخطأ القديم "وهو الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية" نشأ عن تفريع وحدة الإنسان إلى حقيقتين منفصلتين متمايزتين، تتصل إحداهما بالأخرى على وجه ما، ولكنهما أساسيا متضادان، والحق هو: - أن المادة: هي الروح, مضافة إلى الزمان المكاني.

стр. 356

- والوحدة التي نسميها الإنسان هي: جسم إذا نظرت إلى عملها بالنسبة لما نسميه العالم الخارجي. وهي عقل أو نفس إذا نظرت إلى عملها باعتبار ما له من غاية، وإلى المثل الأعلى الذي يستهدفه هذا العمل١. ويزيد إقبال في شرح "وحدة" الحقيقة الإسلامية في جوهرها وحقيقتها. وفي أن النظر الإنساني هو الذي يجعلها ذات اعتبارين فيقول: "وروح "التوحيد" بوصفه فكرة قابلة للتنفيذ هو. المساواة. والاتحاد. والحرية. والدولة في نظر الإسلام هي: محاولة تبذل بقصد تمويل هذه المبادئ المثالية إلى قوى مكانية زمانية؛ هي إلهام لتحقيق هذه المبادئ في نظام إنساني معين. والدولة في الإسلام، ليست ثيوقراطية -أي: دينية- إلا بهذا المعنى وحده، لا بمعنى: أن على رأسها خليفة لله على الأرض، يستطيع دائما أن يستر إرادته المستبدة وراء عصمته المزعومة. وقد غاب هذا الاعتبار عن أنظار نقاد المسلمين. "فالحقيقة القصوى في نظر القرآن روحية، ووجودها يتحقق في نظامها الدنيوي، والروح تجد فرصتها في الطبيعي، والمادي، والدنيوي. فكل ما هو دنيوي إذن هو طاهر وديني في جذور وجوده. وأعظم خدمة أداها التفكير العصري إلى الإسلام، بل في حقيقة الأمر إلى كل دين، هي تمحيص ما نسميه ماديا أو طبيعيا تمحيصا أظهر أن المادي فحسب لا يكون له حقيقة، إلى أن نكشف عن أصلها متأصلا فيما هو روحاني، فليس ثمة دنيا دنسة، وكل هذه الكثرة من الكائنات المادية إنما هي مجال تحقق الروح وجودها فيه فالكل أرض طهور ... فالدولة في نظر الإسلام، ليست إلا محاولة لتحقيق الروحانية في بناء المجتمع الإنساني، وإلا بهذا المعنى تكون كل دولة ليست مؤسسة على مجرد السيادة والسلطان، بل تهدف إلى تحقيق المبادئ المثالية، دولة ثيوقراطية"٢. ويرجع إقبال فكرة الفصل بين الدين والدولة، التي شاعت في المجتمع الإسلامي، إلى تاريخ النظريات السياسية الأوروبية.

стр. 357

"فالمسيحية البدائية لم تقم كوحدة سياسية أو مدنية، وإنما كانت نظاما من الرهبنة في عالم غير طهور، لا تحفل بأمور الدنيا، وتدين للسلطة الرومانية بالطاعة في كل أمر تقريبا، وكان من نتيجة هذا أن الدولة عندما أصبحت مسيحية وقفت هي والكنيسة موقف التعارض، بوصفهما قوتين متمايزتين، شجر بينهما الخلاف على تنازع الاختصاص، ودبت لذلك خصومات لا حد لها. ومثل هذا لم يكن من الممكن أن يقع في الإسلام؛ لأن الإسلام كان من أول الأمر مجتمعا مدنيا عني بشئون االدنيا، وأخذ عن القرآن طائفة من المبادئ التشريعية البسيطة -كالألواح الاثنى عشر في التشريع الروماني- انطوت كما أسفرت التجارب، على إمكانيات عظيمة للتوسع والتطور، عن طريق التأويل والتفسير. وعلى هذا، فالنظرية التي تقول بقومية الدولة، تجرنا إلى الخطأ من حيث إنها تفرض "ثنائية" لا وجود لها في الإسلام"١. ويذكر إقبال: أن "ناومان" "Naumann" -في كتابه: "رسائل عن الدين" Briefe uber Religion- يشاركه في هذا الرأي في المسيحية، ويعلل إذا كان هناك في الحياة الأوروبية المسيحية فصل بين الدين والدولة على هذا النحو: "إن المسيحية البدائية لم تجعل قيمة ما لحفظ كيان الدولة، ولم تحفل بالتشريع والإنتاج؛ بل إنها لم تفكر في أحوال المجتمع الإنساني قط ... ومن ثم فإما أن نتجه إلى أن نكون من غير حكومة، فنلقي بأنفسنا بين براثن الفوضى معتمدين، وإما أن نقرر أن تكون لنا عقيدة سياسية إلى جانب عقيدتنا الدينية"٢. والإسلام كوحدة روحية مثالية لها مظهر خارجي واقعي أو مادي، يتضمن -في نظر "إقبال"- مبدأين أساسيين في معاونة الفرد والمجتمع على مسايرة التغير الحادث في العالم الواقعي، وهما: - ختم الرسالة الإلهية. - والاجتهاد في الأحكام.

стр. 358

ختم الرسالة المحمدية: أما عقيدة أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، فتحمل معها أمرين: - انتهاء الوصاية على الإنسان في قيادته ... وليس معنى ذلك إحلال العقل محل الرسالة، بل معناه أن وقت خوارق العادات قد انتهى أمره، وأن على الإنسان أن يحصل كمال معرفته بوسائله الخاصة. - والأمر الثاني: إبعاد ظهور الفكرة المجوسية، وهي فكرة الترقب لظهور أبناء "زرادشت" الذين لم يولدوا بعد، والحيلولة دون ظهورها في المجتمع الإسلامي، وقد تأثرت المسيحية بهذه الفكرة، عندما اعتقدت بـ"ظهور المسيح". وشأن الإيمان بهذين الأمرين: ترك الحرية للإنسان في سيطرته على الطبيعة ومعرفته بها، وإبعاده عن مجال التبعية لغيره، أو دفعه إلى العمل دون انتظار مخلص له، أو معين آخر يعينه. "إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه. وأن الإنسان لكي يحصل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو. وأن إبطال الإسلام للرهبنة، ووراثة الملك، ومناشدة القرآن للعقل والتجربة على الدوام، وإصراره على أن النظر في الكون والوقوف على أخبار الأولين من مصادر المعرفة الإنسانية ... كل ذلك صور مختلفة لفكرة انتهاء النبوة"١. "وفي هذا المقام يخفق "اشبنجلر" -كما يقول: "إقبال"- في تقدير ما لفكرة ختم النبوة في الإسلام من قيمة ثقافية ... هذا إلى أنه مما لا شك فيه أن أهم خصائص الثقافة المجوسية "تبدو" في نزعة الترقب الدائم، والتطلع الدائب لظهور أبناء "زرادشت" الذين لم يولدوا بعد، أو ظهور المسيح المنتظر، أو المعزى الذي قال به الإنجيل الرابع٢ ... ولقد

стр. 359

سار ابن خلدون على هدى من نظرته إلى التاريخ، فأفاض في نقده، وقضى -فيما اعتقد- قضاء نهائيا، على الأساس المزعوم لفكرة ظهور مخلص في الإسلام، وهي فكرة شبيهة في آثارها السيكولوجية بالفكرة المجوسية الأصلية، التي كانت قد ظهرت في الإسلام، تحت تأثير الفكر المجوسي"١. الاجتهاد: والمبدأ الثاني: في معاونة المسلم -من إسلامه، لا من مصدر أجنبي عنه- ليتابع تطور العالم وتغييره هو: مبدأ الاجتهاد، وفي حديث "إقبال" عن الاجتهاد يوضح إمكان وقوعه الآن، أكثر من التدليل على وجوده أو غايته، فذلك أمر بدهي. "ولا ريب عندي في أن التعمق في درس كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد لا بد أن يجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي الذي يقول بأن شريعة الإسلام شريعة جامدة غير قابلة للتطور. ومن سوء الحظ أن جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم في بلدنا هذا، لم يستكملوا الأهلية بعد لدرس الفقه دراسة نقدية. ومن المرجح أن مثل هذه الدراسة إذا حدثت، تسيء معظم الناس وتثير خلافات مذهبية، على أنني سأغامر بإبداء بعض الملاحظات عن النقطة التي نبحثها الآن: - فأولا: ينبغي أن نذكر منذ ظهور الإسلام إلى قيام الدولة العباسية تقريبا، لم يكن قد دون من شرائع الإسلام سوى القرآن. - ثانيا: مما هو جدير بالملاحظة أنه منذ حوالي منتصف القرن الرابع الهجري ظهر ما لا يقل عن تسع عشرة مدرسة من مدارس الفقه والرأي الشرعي في الإسلام، وهذه الحقيقة وحدها كافية في بيان مقدار ما بذل فقهاؤنا المتقدمون من جهد موصول لمواجهة ما تستلزمه حضارة نامية. وكان لا بد لهؤلاء الأصوليين -مع امتداد الفتح، وما نشأ عنه من اتساع نظرة الإسلام- من أن يصطنعوا رأيا في الأمور أكثر رحابة، وأن يدرسوا الظروف المحلية للحياة وعادات الشعوب الجديدة التي

стр. 360

دخلت في حظيرة الإسلام. والدرس الدقيق لمدارس الرأي الفقهي على اختلافها، في ضوء التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصرين، يكشف عن أن المشرعين تحولوا شيئا فشيئا عن طريقة الاستنباط في تأويلهم إلى طريقة الاستقراء. - ثالثا: عندما ندرس أصول الفقه الإسلامي الأربعة المتفق عليها، وما ثار حولها من خلاف، فإن ذلك الجمود المزعوم عن مذاهبنا المعترف بها يتبخر، ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد"١. والآن.... إذا كانت عقيدة ختم الرسالة حافزة للإنسان المعتقد بها على "عدم الانتظار" والترقب، والبدء بعمل الإنسان كإنسان -وهو العمل الفكري- فإن مبدأ الاجتهاد يدفع الإنسان للتفكير، خاصة في مجال التعاليم الدينية، وإخضاع أحداث الحياة المتجددة، المستمرة في التجدد، وتكييفها بكيفية إسلامية. محمد إقبال ... فيما أرى: لم تكن لنا حرية التصرف، عند عرض آراء "إقبال" فيما وضعه في دائرة ما سماه: بـ"تجديد الفكر الديني في الإسلام" في التعليق على هذه الآراء، سوى شرح ما غمض منها، والربط بين بعضها بعضا، وتمايز الفكر الرئيسية منها، وقد وجدنا هذه الفكرة الرئيسية تكاد تنحصر في: - تقدير العالم الطبيعي. - والاعتداد بالفرد الإنساني. - وتأكيد عنصر الروحانية في حياة الإنسان. أ- قد يقال: إن "إقبال" قرأ لـ"أوجست كومت" وتأثر بمذهبه الوضعي، فعنى بالعالم الواقعي، وبتخريج الإسلام على أنه يدعو إلى "التجربة" الحسية والتجربة في خصائصها العامة، وعلى أنه يحض المسلم على التماس السيطرة وتسخير الطبيعة عن طريق التجربة، فهي تجربي واقعي.

стр. 361

وقد يقال: إن قرأ لـ"هيجل" وتأثر برأيه في: "أنا" وقرأ لـ"نيتشه" ومال إلى مذهبه في "السوبرمان" وهو رمز القوة والاعتداد بها، فنادى بالفردية، وقوم الإنسان كفرد، وجعله وحدة الحياة الإنسانية وأصل الجماعة وخالقها. ثم قرأ لـ"فيشته" ما يراه في "التاريخ البشري" من أن عظماء الأفراد هم الذين يكونون التاريخ وليست أحداث الحياة، وبالأخص المادي منها، فقال بما يقول به "فيشته" في تاريخ الجماعة ودور الفرد في تكوين هذا التاريخ. وقد يقال: إنه صوفي ينزع إلى "وحدة الوجود" ويفضل الرياضة الصوفية كطريق لصفاء النفس، أو كوسيلة للوصول إلى الذات العليا والقرب منها فقال هنا بعدم "التغاير" المطلق، أو عدم "الانفصالية" الواضحة في الوجود فليس الله "غيرا" لما عداه على الإطلاق، وليس الإنسان "غيرا" لعالمه الخارجي على الإطلاق، وليست الروحية في الحقيقة الإسلامية غيرا لمظهرها الدنيوي على الإطلاق، وبالتالي ليس الإيمان مغايرا للإسلام. قد يقال هذا كله، أو بعضه ... والذي لا شك فيه أن "إقبال" درس الفكر الغربي دراسة واسعة، وهضمه واستفاد من منهجه، وتعبيراته، ومصطلحاته ... والذي لا شك فيه أيضا أن "إقبال" كان صوفيا، وكان يقدر الرياضة الصوفية ... ليس فقط لصفاء النفس والروح، وإنما أيضا للوصول إلى المعرفة "الكلية" ... ولكن مع ذلك ليس ما يذكره "إقبال" هنا، هو ترديدا للفكر الغربي ... أو أثرا للصوفية.. أو مزاوجة بين الفكر الغربي والصوفية في الإسلام معا. إن "إقبال" بالأحرى رأى ضعفا في المسلمين كأفراد وكجماعة، ورأى ركودا في أفهام المسلمين للإسلام، ورأى عزوفا من المسلمين -وبالأخص في الهند- عن حياة الواقع والحس ... رأى إنسان سلبيا في كل جانب. ورأى مع في إسلامه دينا إيجابيا في كل جانب ... رأى من جانب إنسانا لا يصلح لهذه الحياة، ورأى من جانب آخر دينا هو لهذه الحياة والحياة الأخرى معا.

стр. 362

فإن دفع "إقبال" هذا الإنسان السلبي الضعيف للعمل في الحياة، فليدفعه بقوة، وليجعل الدافع له قوته الذاتية ... قوته الفردية التي يستمدها من ذاته هو، فهي قوة بنائية، قوة خالقة دافعة ... لا يضعف هذه القوة الذاتية فيه أثر من آثار الجماعة؛ إذ هو منشئ الجماعة. وعندئذ يبدو "إقبال" في جانب الفرد -أو في جانب الذاتية الفردية- أنه تأثر بـ"هيجل" في فكرته التي تقوم على "أنا" وبـ"نيتشه" في فكرته التي تقوم على تمجيد القوة, وقوة الفرد وحدها، وبـ"فيشته" في فكرته في استناد الجماعة إلى الفرد وعمله". - ولكن "إقبال" في ذلك كله لم يكن إلا مسلما أولا ... - ومفكرا غربيا في الصياغة والمنهج ثانيا. إن الذاتية الفردية في الإسلام لها قيمتها ولها استقلالها، ولم تذهب في علاقة ما، ولا تفنى بحال فيما سوها: فلا الأسرة، ولا الجماعة، ولا الدولة بطاغية -في نظر الإسلام- على هذه الذاتية ولا على استقلالها، بل إن علاقة ذات بأخرى في نظر الإسلام، هي تنظيم للصلة بينهما، وليست لمحو الفوارق والخصائص والحقوق الفردية التي لكل واحد منهما، ولا يمحو قيام الأسر ملكية الذات الفردية، ولا حقها في التعبير عن الرأي، وحقها في الاعتقاد، ولا يمحو قيام الدولة حق نقد الفرد للدولة وحق مخالفتها، إن كانت هناك الملابسات التي حددها الإسلام لنقد الجماعة ومخالفتها. إن الجماعة في الإسلام، هي في واقع أمرها وحدات ذات صلة بعضها ببعض وقوة الجماعة في قوة وحداتها وأفرادها، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف. إن القرآن إن تحدث عن الجماعة، تحدث عن المؤمنين كأفراج تربطهم رابطة الإيمان بالإسلام ... فـ"أنا" الذي يبدو عند "إقبال" هو في الإسلام أولا، و"قوة" الفرد وقوة ذاتيته التي يؤكدها "إقبال" هي قوة المؤمن في الإسلام أولا، وتكوين الفرد للجماعة وللتاريخ معا، هو نظرة الإسلام إلى الفرد أولا. ثم صحبت كل هذه الآراء الإسلامية الصياغة الفلسفية الغربية.

стр. 363

ب- وإن تحدث "إقبال" عن عالم الطبيعة، وخفف من "شريته" و"نجسه" أو حاول أن يرفع منه الشر والنجس، ويجعله مجالا طاهرا للحركة والسير ... ويطلب إلى المسلم، أن يسيطر عليه في كشفه والوقوف عليه والإفادة منه, فإنه يفعل ذلك ليقضى على تهيب هذا المسلم وخوفه من الحياة؛ ليزيل من نفسه صورة "الفرار" التي تركتها الصوفية الإشراقية أو العجمية في الفكر الإسلامي، كما يقول "إقبال". إنه لا يطلب من المسلم أن يقتحم الطبيعة في كشفها ويسيطر عليها ويفيد منها إلا بدافع من الإسهام، لا بدافع من فلسفة "كومت" ... إنه إذ يصور الطبيعة للإنسان المسلم على أنها "تجلي الله" أي: على أنها ليست مادة ميتة، بل هي تتابع من أحداث الخلق, يستوحى في هذا التصوير كتاب الإسلام قبل كل شيء. فإنه لا يطلب من المسلم عن طريق "التجربة" أن يفر ويسكن في جزئيات الطبيعة ... إنه يطلب منه عن طريق التجربة أيضا، أن يصعد إلى "الذات الكلية". وبذلك يربط بين أصل الوجود من جانب، ومظهره من جانب آخر، أو يربط بين الحقيقة الكلية وتجليها ... إنه في ذلك يتبع كتاب الإسلام إذ يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. فالقرآن إذ ينهى الإنسان عن قصد الفساد في الأرض، يعتبر الطبيعة ليست فسادا في ذاتها. وإذا ينصحه بالمشاركة في الدنيا وأخذ حظه منها، يعتبرها مجالا لنشاطه وحيويته ... وإذ يذكره في الوقت نفسه بالدار الآخرة، وبأن هذا التوجيه جميعه من الله جل شأنه: فذلك لكي يكون على علم بحقيقة الوجود كله، حتى لا تقلق نفسه من أجل المال وحده، وتكافح في سبيله خاصة. جـ- وإن لجأ "إقبال" إلى "وحدة" الوجود، فلا يلجأ إلى فكرة "اتحاد" الوجود القائمة على "فناء" وذهاب الفردية والذاتية للإنسان في "الحقيقة الكلية":

стр. 364

يلجأ لوحدة الوجود ليدفع فقط المسلم السلبي المعاصر إلى أن يمارس نشاطه في الحياة في قوة واطمئنان، إذ إن وحدة الوجود في نظره هي "عدم المغايرة" التامة بين الله والعالم الطبيعي؛ وبذلك يرفع في تصور المسلم "ثنائية" الاعتبار في الوجود، التي ترتبت عليها نظرية الكراهية والتوجس إلى عالم الواقع والطبيعة؛ أي: إلى عالم الدنيا ... لقد أراد "إقبال" بوحدة الوجود المزاوجة بين الروحية والواقعية، وأرا بها في عالم الإنسان المزاوجة بين الدين والدولة، فالفصل -في نظره- بين الله وعالم الطبيعة هو الفصل بعينه بين الدين والدولة في عالم الإنسان، والفصل هنا وهناك بعيد عن الإسلام؛ لأن الحقيقة في الإسلام واحدة, إن نظرت إلى أصلها كانت الله والروحانية، وإن نظرت إلى مظهرها كانت العالم المادي الواقعي، وتحقق الروحانية هو تحقق العالم ووقوعه. وكذلك تعاليم الإسلام، هي روحانية ودين طالما لم تخرج إلى نطاق التنفيذ العملي في الحياة، وهي دولة وحكومة في تنفيذها فالدولة في الإسلام هي الصورة التنفيذية للروحانية الدينية فيه. وإقبال أراد بتجديد الفكر الديني في الإسلام، أن يعيد "التوازن" الذي هو رسالة الإسلام ... كانت هناك -فيما صور به الإسلام- نفرة بين الحياة الطبيعية والعمل فيها. وكان بجانب النفرة تواكل وتراخ من الإنسان، فعلى الإنسان المسلم الآن أن يعتبر الحياة متنفس نشاطه، وعلى الإنسان المسلم الآن أن يعمل فيها. وسعادته في اعتبار الحياة متنفس نشاطه والعمل فيها تبعا لذلك.. ولكن لا على أن ينتقل مما هو فيه ليقر فيما يطلب إليه وحده، فلا يتحرك بمعرفته وراء حدود الطبيعة التي يمارس الآن نشاطه فيها، بل يجب عليه -كما يعرف هذه الطبيعة- أن يعرف أصلها الذي خرجت عنه، وهو الله أو الذات الكلية. ... نعم، يلاحظ على تفكير "إقبال": - أنه في محاولته شرح استمرار العالم، أو شرح خلوده وبقائه، يرتفع في هذا الشرح عن المستوى الديني الذي يصوره الإسلام نفسه، وبذلك يبعد في تفسير النصوص التي استعان بها عن مدلولاتها الطبيعية التي تلائم هذا المستوى ...

стр. 365

فإذا جعل "البعث" فترة "لجرد البضائع" وربط "الدار الآخرة" بـ"الدار الدنيا" في حياة الإنسان، على أن "الآخرة" مرحلة استئناف لنشاط الإنسان في "الدنيا" فإنه يثير تساؤلا عن "التكليف" من قبل الشرع ومدته أهو في الدنيا والآخرة معا؟ وتفسيره الخلود في النار عندئذ في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ١ بأن حقبة وفترة ما، يعطي بعدها الإنسان فترة أخرى "للبقاء" أي: للعمل الذي يدعو لبقاء الإنسان وخلوده, يرشح أن الإنسان في نظر "إقبال" مكلف في الدارين معا، وأن تكليفه من قبل الشرع مستمر هنا وهناك ... وبهذا تكون "الدنيا" والآخرة سواء في طبيعتهما وفي الهدف منهما. ولكن الإسلام ينظر إلى الدنيا على أنها دار ابتلاء وامتحان، وينظر إلى الآخرة على أنها دار قرار وسكون، أي: دار ينقطع فيها الامتحان والاختبار، يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ٢ ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٣.. فالدنيا وحدها هي دار "الفرصة" للعمل، وبموت الإنسان تذهب منه هذه الفرصة، كما يوحي ظاهر هذا النص، وهذا الظاهر هو الذي يلائم المستوى الديني، أو هو الذي يلائم طبيعة الدين كرسالة سماوية، جاءت محددة وقت العمل للإنسان. ومحددة أيضا اختيار اتجاه الإنسان في الحياة. - كما يلاحظ على "إقبال" أنه يقف في تفسيره لبعض آيات القرآن، عند الحد العلمي لمدلول اللفظ ... على نحو ما يرى في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤، فهو يفسر "الروح" هنا بالنفس الإنسانية، وبأن وظيفتها للتدبير، أخذا من قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ٥ ... مع أن المقصود بالورح كتاب الهداية وهو القرآن؛ إذ القرآن كان موضوع الحديث قبل هذه، على نحو ما يقول جل شأنه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ٦.

стр. 366

كما كان هو نفسه موضوع الحديث بعدها أيضا كما تذكر هذه الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ١. وكما يستدل على أصل "الاجتهاد" الفقهي من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ٢. مع أن هذه الآية في سورة العنكبوت، وهي تشير إلى "الجهاد" في سبيل الله لا إلى الاجتهاد في الفقه, وفرق واسع بين الاجتهاد والجهاد ... أما الأصل القرآن للاجتهاد في نظر الفقهاء فهو في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٣. - وقد يذهب "إقبال" في تفسير بعض آيات أخرى مذهبا علميا أو فلسفيا ويبعد المعنى عن أن يكون في مستوى توجه الإنسان المتوسط ... كما يفسر قوله تعالى: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ في آية ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٤. بـ"الزمان الإلهي" وهو يشرحه على هذا النحو التالي: "وإذا ارتقينا درجة فدرجة في سلم المفارقات، فإنا نبلغ الزمان الإلهي، وهو زمان مجرد تجردا تاما عن صفة المرور والانصرام، ومن ثم فهو لا يقبل التجزؤ، والتوالي والتغير، وهو فوق القدم، لا أول له ولا آخر له, فعين الله ترى جميع المرئيات، وأذنه تسمع جميع المسموعات بفعل واحد من أفعال الإدراك غير منقسم، وقبلية الذات الإلهية لا تستند إلى قبلية الزمان بل الأمر بالعكس: إذ إن قبلية الزمان هي التي تستند إلى قبلية الذات الإلهية، وهكذا فالزمان الإلهي هو الذي يصفه القرآن بأنه: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٥. وكما يفسر قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٦: بقرب كمال الذات الإلهية إلى كمال الوجود في ذات الإنسان. إذ يقول: "على أن هناك درجات في تجلي الروحية أو الذاتية، وتجلي هذه

стр. 367

الروحية يرتقي في سلم الوجود درجة درجة إلى أن يبلغ كماله في الإنسان ... وهذا هو السر في تصريح القرآن: أن الله، أو الذات القصوى، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد"١. كما قد يندفع في هذا التفسير إلى رأي لا يرضى هو عنه بعد ذلك، فيقول: "والذات الأولى التي تجعل المولود يتولد، حاضرة في الطبيعة حالة فيها، يصفها القرآن بأنها: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ٢ ... فتفسيره الأول والآخر، والظاهر والباطن على هذا النحو، يختلط على الأقل بفكرة "الحلول" التي تعرف للصوفية الإشراقية أو العجمية، والتي استبعدها "إقبال" نفسه, عند شرحه لـ"وحدة الوجود"، كما رأينا فيما سبق. ولعل "إقبال" بشرحه الفلسفي أو العلمي لبعض آيات القرآن، يحاول فقط أن يوضح حقائق قديمة في ضوء الأفكار الجديدة، كما يعبر عن ذلك بقوله: "القرآن المجيد ليس كتاب فلسفة أو إلهيات، ولكن فيه هدى إلى مقاصد الحياة ورقيها، وفيه أصول فلسفة يقينية، ولو أن مسلما متفلسفا بَيّن المسائل القرآنية في ضوء الأفكار والتجارب الحديثة, ما صح اتهامه بأنه يقدم شرابا جديدا في زجاجة قديمة, كما يقول "مستر دكسن": "أنا لا أعرض أفكارا جديدة في ثياب قديمة، ولكن أبين حقائق قديمة في ضوء الأفكار الجديدة"٣ ... وهو رأيه الذي أعتقد أنه عن طريقه يستطيع أن يبقى المسلم في دائرة إسلامية، ويسهم في الحقائق الواقعية، لا بتوجيه مدرسة فكرية غربية بل بتوجيه الإسلام وحده. - على أن الشيء الذي يبدو فيه ضعف "إقبال" ثقته ببعض الحركات الإسلامية الحديثة, على أنها تمثل التجديد الفكري في الإسلام, وعلى أنها تمثل الوثبة المطلوبة للعالم الإسلامي أن يقتدي بها، وربما لم يدرس "إقبال" نفسه هذه الحركة من مصدارها، بل قرأ عنها من وصف المستشرقين إياها، فصدق ما وصفوا. والمستشرقون إن وصفوا شيئا في الإسلام أو في الحركات الإسلامية على أنه حسن؛ فلأنه يصادف غرضا خاصا، يتصل بإضعاف الإسلام والجماعة الإسلامية ...

стр. 368

ويصف "إقبال" الحركة البهائية، أو البابية١: بأنها من الحركات الإسلامية التي تأثرت بالحركة الوهابية، "وليست سوى صدى

стр. 369

فارسي للإصلاح الديني العربي ... فهو يراها حركة إسلامية، وإصلاحا دينيا١. مع أن البهائية مزيج عجيب من الثقافات الدينية والفلسفة، فلا يقال مطلقا: إنها تأثرت بحركة محمد بن عبد الوهاب؛ لأنها نشأت بعدها في القرن التاسع عشر. ويصف حركة التجديد التي قام بها بعض الأتراك المحدثين -وفي مقدمة الدعاة لها الشاعر "ضياء كوك آلب" بأنها حركة مثالية في إصلاح الفكر الديني في الإسلام، يصح أن تسير في طريقها بقية الحركات الإسلامية الأخرى المعاصرة, ويقول في هذا الوصف: وإذا كانت نهضة الإسلام أمرا

стр. 370

واقعا، وأنا أعتقد أنها أمر واقع، فلا بد من أن نفعل يوما ما فعله الترك؛ فنعيد النظر في تراثنا العقلي. فإذا لم نستطع أن نضيف جديدا إلى التفكير الإسلامي العام فقد نوفق -عن طريق النقد المحافظ السديد- في كبح جماح حركة التحلل الديني، التي تنتشر بسرعة في العالم الإسلامي١. و"إقبال" نفسه، بعد ذلك، ينقل رأي الشاعر "ضياء كوك ألب" في خطوط الإصلاح للفكر الإسلامي. فيما يلي: "وللشاعر السابق -ضياء- قصيدة عنوانها: "الدين والعلم" تلقي المقطوعة الآتية منها بصيصا آخر من الضوء على الرأي الديني، الذي يتكيف اليوم في العالم الإسلامي شيئا فشيئا، يقول الشاعر: من هم أول من طالع الناس بالهداية الروحانية؟ لا ريب أنهم الأنبياء والقديسون ... فلقد أخذ الدين بيد الفلسفة في كل عقد وقاد خطاها، وبنوره وحده استضاءت الأخلاق والفنون. غير أن الدين يضعف ويفقد حماسته الأولى، ويختفي القديسون وتصبح الزعامة الروحية تراثا اسميا يرثه فقهاء الشريعة, ونجم الهدى الذي يهتدي به فقهاء الشريعة هو السنن، ويكرهون الدين على سلوك هذا المسلك. أما الفلسفة فتقول: إن النجم الذي اهتدي بنوره هو العقل، فاذهبوا أنتم إلى اليمين، وسأذهب أنا إلى الشمال ... والدين والفلسفة كلاهما يدعي "الروح"، وكلاهما يجذبها إلى ناحيته. وبينما يكون هذا الصراع محتدما، تضع التجربة حملها، فتلد مولودها وهو "العلم الواقعي" ... ويصبح هذا الزعيم الصغير الذي يقود العقل, فيقول: إن سنن الأوائل هي التاريخ، والعقل هو منهج

стр. 371

التاريخ، كلاهما يفسر ويؤول، ويرغب في بلوغ ذلك الشيء الذي لا يمكن تحديده. ولكن ما ذلك الشي؟ أهو قلب هذبته الروح. وإذا كان الأمر كذلك فاستمع إلى كلمة البهائية: الدين هو "العلم الواقعي"، وهدفه هو تهذيب قلب الإنسان!! ١. وما ينقله إقبال عن الشاعر التركي الداعية لحركة "التجديد" الآخيرة في تركيا هو ترديد لفكرة "أوجست كومت" في الدورة الثلاثية للمعرفة من أنها تمر بالدين، ثم بالفلسفة، ثم بالعلم التجريبي، و"إقبال" ذاته يؤكد هذا الاستنتاج بقوله: "هذه هي النزعة التي ينزع إليها التركي في العصر الحديث مستوحيا -على النحو الذي يفعله- حقائق التجربة، لا تفكير الفقهاء المتفلسفين الذين عاشوا وفكروا تحت ظلال أحوال من الحياة متباينة.. ويتجلى هذا المثال الجديد على أوضح ما يكون في قصائد "ضياء" الشاعر الوطني العظيم، الذي كان لقصائده، التي استلهمها من فلسفة "أوجست كومت" أثر عظيم في تشكيل الفكر التركي الحديث٢. أي فكر تركي حديث؟! أهو ترديد الفكر المادي الإلحادي للمذهب الوضعي الغربي لـ"أوجست كومت"؟! وإذا كان الشاعر التركي العظيم يعبر عن التجديد في النهضة التركية الحديثة, وما يعبر عنه هو مذهب "أوجست كومت" كيف يصح لـ"إقبال" أن يسمي "الترديد" و"التبعية" تجديدًا؟! وكيف يسمي مذهب الفكر الإلحادي المادي "لأوجست كومت" تجديدا في الفكر الإسلامي؟!

стр. 372

وكيف ينعت تركيا -لقيام الحركة التجديدية فيها على تقليد الفكر الغربي في هذا- بأنها الأمة الإسلامية الوحيدة التي نفضت عن نفسها سبات العقائد الجامدة؟! إنه يقول: "إن تركيا في الحق، هي الأمة الإسلامية الوحيدة التي نفضت عن نفسها سبات العقائد الجامدة، واستيقظت من الرقاد الفكري, وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية، وهي وحدها التي انتقلت من العالم المثالي إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع كفاحا مريرا في ميدان العقل والأخلاق"١. أي: فارق بين موقف "محمد إقبال" الآن من الفكر الغربي المادي الذي ساد القرن التاسع عشر، وموقف السيد "أحمد خان" من هذا الفكر. يوم نادى في محاولاته، الإصلاحية" بقبول هذا الفكر، ونصح شباب المسلمين في الهند بفهم القرآن في ضوئه، وبإخضاع الحياة الدينية لقوانين الطبيعة. الأمر الذي دعا جمال الدين الأفغاني، في كتابه الرد على الدهريين إلى بيان ممالأة السيد "أحمد خان" وخضوعه في ذلك للسياسة الاستعمارية في الهند؟! إن "إقبال" تأثر بالمذهب الوضعي لـ"أوجست كومت" من غير شك، ولكن لم يرض عما فيه من إلحاد، كما يبدو في كتابه. والذات الإلهية الكلية كأصل للوجود ... كيف يوفق "إقبال" الآن بين هذه النزعة الإلحادية عنده، وبين الحكم على دعوة "المساواة" التي ينادي بها الشاعر التركي "ضياء" بين الرجل والمرأة، أي: المساواة في الزواج والطلاق والمواريث: بأنها حركة إسلامية تجديدية٢؟! هل إلغاء الأحكام القاطعة في الإسلام، وهي أحكام الطلاق والإرث، ثم الاستعاضة عنها بأحكام الأسرة في القانون المدني الغربي، يعتبر نموذجا للحركات الإسلامية المقبلة في البلاد الإسلامية؟!

стр. 373

إن "إقبال" نفسه استشعر ضعفه عندما وصف الحركة التجديدية في تركيا بما وصفها به، فعاد إلى المطالبة بالتحفظ في الإسلام وعدم التهور فيه، فيقول: "إنا نرحب من أعماق قلوبنا بتحرير الفكر الحديث في الإسلام ... ولكن ينبغي لنا أن نقرر أيضا أن لحظة ظهور الأفكار الحرة في الإسلام هي أدق اللحظات في تاريخه: فحرية الفكر من شأنها أن تنزع إلى أن تكون من عوامل الانحلال، وفكرة القومية الجنسية -التي يبدو أنها تعمل في الإسلام العصري أقوى مما عرف عنها من قبل- قد ينتهي أمرها إلى القضاء على النظرية الإنسانية العاملة الشاملة التي تشربتها نفوس المسلمين من دين الإسلام، أضف إلى هذا أن زعماء الإصلاح في الدين والسياسة قد يجاوزون في تحمسهم لتحرير الفكر الحدود الصحيحة للإصلاح، وإذا انعدم ما يكبح جماح حميتهم الفتية، ونحن نمر الآن بعهد شبيه بعهد ثورة الإصلاح "البروتستنتي" في أوروبا، فينبغي أن لا يضيع سدى ما تعلمناه من قيام حركة "لوثر" ونتائجها، فدرس التاريخ في تعمق وعناية يظهر لنا: أن حركة الإصلاح كانت سياسية في جوهرها، وأن نتيجتها الخالصة في أوروبا أسفرت عن إحلال تدريجي لنظم أخلاقية قومية محل الأخلاق المسيحية العالمية، ولقد رأينا بأعيننا ما أسفر عنه هذا الاتجاه في الحرب العالمية الأوروبية "الأولى" التي عجزت عن التوفيق بين المذهبين الأخلاقيين المتضادين؛ بل جعلت الموقف الأوروبي أكثر شناعة مما كان عليه من قبل. والواجب على قادة الرأي في العالم الإسلامي اليوم، هو أن يفهموا المعنى الحقيقي لما حدث في أوروبا وأن يسيروا قدما نحو غايات الإسلام ومراميه مع ضبط النفس والبصيرة الثاقبة"١. إن "إقبال" يبعد عليه في نظري أن يكون متناقضا؛ إذ يعد الحركة التجديدية في تركيا التي قادها الشاعر "ضياء كوك ألب" نموذجا للحركات الإسلامية الحديثة مرة، ثم يطلب الحيطة والتحفظ في التجديد وفي قبول الفكر الحر "المادي" مرة أخرى ... إنه يأخذ من جديد على هذا الشاعر العظيم "كما وصفه من قبل" أخطاءه في فهم الإسلام كنظام للمجتمع، وبالأخص ما يتعلق بأمر الأسرة، فيقول: "أما فيما يتعلق بما ينادي به الشاعر التركي "ضياء كوك ألب" فإني أخشى أنه يبدو قليل العلم بقانون

стр. 374

الأسرة في الإسلام كما يظهر أنه لا يفهم المعنى الاقتصادي لقاعدة التوريث كما جاءت في القرآن، فالزواج في اعتبار الشريعة المحمدية عقد مدني. وللمرأة أن تشترط عند الزواج أن تكون عصمتها بيدها. فيكتمل لها بهذا حق المساواة في الطلاق، والإصلاح الذي يقترحه الشاعر لنظام التوريث١ يقوم على فهم خاطئ، وينبغي أن لا يستنتج من اختلاف الأنصبة الشرعية, أن القاعدة تفترض تفوق الرجل على المرأة، فمثل هذا الافتراض يكون منافيا لروح الإسلام إذ يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ٢. "والحقيقة هي: أن المبادئ التي قام عليها نظام التوريث في القرآن، ذلك الفرع من التشريع الإسلامي الذي يصفه "فون كريمر" بأنه بالغ الحد في أصالته وابتكاره، لم تلق بعد من مشرعي الإسلامي ما تستحقه من عناية. فالمجتمع العصري، بما فيه من كفاح مرير بين الطبقات، يجب أن يحملنا على التفكير, ولو أننا درسنا شريعتنا بالنسبة للانقلاب المنتظر في الحياة الاقتصادية الحديثة، فإن من المرجح أن نكشف في أصول التشريع، عن نواح جديدة لم تنكشف لنا بعد مما يمكننا أن نطبقه بإيمان متجدد بحكمة هذه المبادئ"٣. يبعد على "إقبال" إذن أن يكون متناقضا في الرأي، ... وهو رجل مؤمن إيمانا عميقا بالرياضة الصوفية السليمة، ومؤمن بإسلامه إيمانا حقا، وبصلاحيته للتوجيه في الحياة المتجددة، ومؤمن في الوقت نفسه بعدم التخلي عن الحياة الواقعية ...

стр. 375

إن السبب في تمجيد "إقبال" للحركة التجديدة في تركيا، اتباعه للمستشرقين في ذلك.. هو تقليد لهم في الرأي، وليس نتيجة مباشرة لدراسته هذه الحركة. وإن أي مفكر يقدر قيمة الفكر، لا يصف هذه الحركة التركية إلا بأنها تقليد في غير وعي للغربيين، وأنا أقصد "في غير وعي" لأن الباعث عليها الرغبة في أن تكون تركيا من "أوروبا" لا من آسيا، وأن يكون للأتراك طابع الغربيين لا طابع الشرقيين، فيما هو ممدوح ومذموم، كما طلب لمصر يوما ما صاحب "مستقبل الثقافة في مصر"، فهي حركة اندفاعية لا حركة متئدة تتخير وتقدر في تخيرها الاحتفاظ بشخصية "الأمة" أو الجماعة. اليابان جددت حقا؛ لأن حركتها التجديدية قامت على التخير، دون "الاندفاع" اليابان ظلت شرقية، ومع ذلك تفوقت على الغرب في مجال الصناعة، وفي المجتمع وتماسكه قبل ذلك، كمجتمع له شخصية بارزة. أما تركيا فليس لحركتها طابع معروف حتى اليوم، فلا هي بالشرقية ولا هي بالغربية ... يجعلها الغرب "غربية" في اللحظة التي يريد أن يحرضها على الإمعان في البعد عن الإسلام والجماعات الإسلامية, وفي مقدمة هذه الجماعات الشعوب العربية؛ لأنه نزل بلغتها القرآن، ويجعلها "شرقية" يوم يتحدث عن حضارتها المعاصرة بأنها حضارة مستعارة من الغرب ليس لها فيها إلا التقليد الأعمى!!! من السهل على الفرد، وكذا على الجماعة، أن يهدم ويلغي، ولكن ليس من السهل أن يبني ... وأشد عسرا أن يكون أصيلا في البناء! إن تركيا الحديثة، مظهر تجديدها إلغاء الدين، وفقدان شخصيتها، وتبعيتها تبعية مطلقة في السياسة والتوجيه، والاقتصاد، للغرب الصليبي!. ولأن "إقبال" يمجد نهضة تركيا الحديثة من جانب، ويشجع الرياضة الصوفية من جانب آخر, يمتدحه المستشرقون في حديثهم عند تعرضهم للحركات الإسلامية المعاصرة، ويذكرون له من حسناته فقط هذين الأمرين بينما يعيبون عليه في الوقت نفسه رأيه في أن الإسلام دين ودولة معا، وفي أن الحقيقة الإسلامية أمر واحد لها اعتباران فقط. يعيبون عليه أكثر من تشجيعه قيام دولة إسلامية على أساس إسلامي, مع عنايته تمام العناية بنفس الطابع الثيوقراطي عن الدولة التي تقوم على هذا الأساس الإسلامي. - وحسن ظنه بالمستشرقين جعل فيه نقطة ضعف أخرى, وهي ثقته فيما يكتبون، وتقبله له دون امتحان لم يكتبونه، فهو مثل يستحسن ما كتبه "هورتن" Horten الذي كان يوما ما أستاذا للغات السامية

стр. 376

بجامعة بون, عن الإسلام في مجال الفقه، أو مجال الفلسفة والكلام، و"هورتن" ليس العالم الذي يكتب عن بحث ودراسة، أو فهم ودقة في الفهم، فضلا عن أن يكون له طابع الباحث العلمي، وهذا هو تقديره في ميدان الاستشراق الألماني. كما أن حسن ظنه بالمستشرقين قد يجعله يوافق على حل لمشكلة، قام على أساس عقيدة مسيحية، تتنافى هذه العقيدة مع العقائد الأساسية في القرآن؛ لأنه ردد هذا المحل بعض علماء اللاهوت المسيحيين المشتغلين بالدراسات الإسلامية فيذكر مثلا مشكلة "الشر" في العالم، ثم يطلب حلها في رأي بعض هؤلاء ويوافق عليه، ويقول في ذلك: "وإذا كانت الإرادة الإلهية التي يحددها العقل إرادة خيرة، فإن معضلة جديدة تعترض سبيلنا، تلك هي: أن سير التطور كما أظهره العلم الحديث, يتضمن آلاما وظلما تكاد تشمل العالم كله، ولا شك أن الظلم مقصور على البشر وحدهم، ولكن ظاهرة الألم تكاد تكون عامة، وإن كان من الحق أيضا، أن البشر في مقدورهم احتمال الألم، وقد احتملوا المرير منه في سبيل ما اعتقدوا أنه خير. وهكذا، فإن حقيقتي الشر الأخلاقي، والشر المادي, تبرزان في الوجود الطبيعي, وليست نسبية الشر, ووجود قوى تعمل على تبديله، بمصدر عزاء لنا؛ لأنه على الرغم من كل هذه "النسبية" وهذا "التبديل". فإنه فيه ناحية إيجابية رهيبة، فكيف يمكن إذن التوفيق بين قدرة الله المطلقة واتصاله بالخير، وبين شيوع الشر في خلقه؟؟ "وهذه المعضلة هي في الواقع مشكلة الألوهية ... ولم يتناول واحد من الكتاب المحدثين تقرير هذه المعضلة تقريرا أدق وأوفى، مما كتبه "نومان" Naumann في كتابه: "رسائل في الدين" إذ قال: إن لنا معرفة بالكون ترينا إله قوة وقدرة، يبعث الحياة والموت متلازمين تلازم الظل والنور، وتعلمنا كذلك عقيدة "النجاة والخلاص" إذ تقرر: أن هذا الإله نفسه هو أب البشر, فالتأسي بإله العالم يولد خلق الكفاح في سبيل الوجود. وعبادة أبي: "يسوع المسيح" تبعث خلق الرحمة، ومع هذا فهما ليسا إلهين، بل هما إلها واحد تتشابك ذراعاهما بطريقة ما، غير أنه لا يستطيع مخلوق أن يقول: وأين؟؟ وكيف يحدث؟؟ ". إن "إقبال" في تجديد الفكر الديني في الإسلام, كان جامعيا في محاولته ... في عمله الفكري للخاصة، وفي اعتبار هذا العمل لجيل معين,

стр. 377

وهو جيل التفكير الوضعي، أو التفكير المادي الإلحادي، وهو لهذا يعتبر عملا فكريا مضادا لحركة "التجديد" في الفكر الإسلامي في مصر، التي يتزعمها بعض التابعين للفكر الاستشراقي، أو بعض المرددين للفكر الآخر المادي الإلحادي، الممثل في وضعية "كومت" وماركسية "ماركس". و"إقبال" بهذا، يعتبر المصلح الفكري في الإسلام في الوقت الحاضر، ويتميز بذلك عن الشيخ محمد عبده في اتجاهه الإصلاحي؛ ولكن لأن محاولة "إقبال" الفكرية هي محاولة للخاصة، فهي في حاجة إلى حركة الشيخ عبده؛ كي تكون حركة إصلاحية فكرية عامة للجماعة الإسلامية في كل طبقاتها. والعصر الحاضر يتطلب، بالإضافة إلى هاتين الحركتين، حركة أخرى فكرية تقوم على بيان "التوازن" في رسالة الإسلام، الفرد والجماعة على السواء. إن لكل من حركتي "محمد عبده" و"إقبال" اعتبارها في مواجهة ما سيطر على وقتهما من فكر وتوجيه أجنبي ... - كان "الاستعمار" فكانت حركة الشيخ عبده بعد جمال الدين الأفغاني. - وكانت "الوضعية" و"الماركسية" فكانت حركة "إقبال".

стр. 378

الباب الخامس: الإسلام غدا مواجهة الإسلام للصليبية والماركسية: رأينا الآن، أن الإسلام منذ الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية في آسيا وإفريقيا، من منتصف القرن التاسع عشر حتى اللحظة القائمة، يواجه صليبية هذا الاستعمار جنبا إلى جنب مع مواجهة سلطانه السياسي والاقتصادي ... وهذه الصليبية ليست المسيحية السمحة، وإنما هي "روح الانتقام" من الإسلام: تلك الروح التي بعثت فيما مضى على الحروب الدامية في القرون الميلادية الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، محاولة الاستيلاء على بيت المقدس، وبقيت منذ هزيمتها الكبرى على يد "الناصر صلاح الدين" مصاحبة لعقلية الغرب في عرضه للإسلام، وفي تصرفاته مع المسلمين على السواء، ولم تزل فيه باقية صحبة هذه العقلية حتى اليوم. وبعد انتشار الفكر المادي الإلحادي الغربي في بلاد الشرق الإسلامي منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، واجه الإسلام -بالإضافة إلى مواجهته الصليبية السابقة- حملة هذا الفكر ومذاهبه، ولم يزل يواجهه في وقتنا الحاضر، وبالأخص "الماركسية" الإلحادية. ورأينا أيضا، أن هذه المواجهة كانت على حساب الإسلام مرة، وفي جانبه مرة أخرى. أما في المرأة التي كانت على حسابه: فكانت إصابته من هذه المواجهة إصابة عنيفة: إذ حلت العصبيات الشعوبية محل الرباط الإسلامي العام، وبرزت الحدود والفواصل وخلقت خلقا في الوطن الإسلامي، دون أن تعتمد اعتمادا دقيقا على المكان الجغرافي أو خصائص الجنس، وإنما تعتمد أولا وبالذات على الحدود، "المفترضة" التي وضعها المستعمر وقواها، حتى يحول دون

стр. 379

الترابط النفسي بين الشعوب الإسلامية في الآمال والكفاح قبل أن يحول دون الاختلاط المكاني أو الزماني. كما تأثرت عقليات بعض الكتاب من الأدباء، والساسة، في الشرق الإسلامي بتفكير الغرب المادي وبحضارته الصناعية، وحملت هذه العقليات لواء الدعوة إليه، ونجحت هذه الدعوة في تركيا، بالحركة الانقلابية التي قادها "كمال أتاتورك" بعد الحرب العالمية الأولى، ولكن ما كان لها أن تنجح هذا النجاح الظاهر، وتسير حتى الآن، دون عون سياسي وثقافي من "الخارج"!! وقد تبادل النظام الشيوعي هذا العون من تركيا أولا، ثم حل محله في المعاونة النظام الديمقراطي الغربي الذي تتزعمه أمريكا في الوقت الحاضر؛ فجزء واضح من نشاط السياسية الأمريكية -على الأقل النشاط الجامعي، ونشاط المؤسسات الاجتماعية- في خدمة استقرار "الانقلاب أو التجديد التركي" داخل تركيا، وفي خدمة الدعاية له خارج ديارها، بين الشعوب الإسلامية الأخرى، وهناك مبالغ لا يستهان بها من المؤسسات الأمريكية الرأسمالية، تزاد من عام إلى عام، تحت عنوان "الخدمات الإنسانية" لهذا الغرض، ينفق جزء منها على الدراسات الإسلامية الموجهة في أقسام ملحقة بالجماعات الأمريكية المشهورة، بينما الجزء الآخر ينفق على مؤسسات الطباعة والنشر، ومكاتب الخبرة أو البحوث الموزعة توزيعا منظما في عواصم بلدان الشرق الأوسط، والتي تعنى أو تتصل بالدراسات الإسلامية أو بدراسات الشرق الأوسط. ويضاف إلى حساب خسائر الإسلام في مواجهته للصليبية والماركسية "الفراغ" الذي خلفه ركود الفكر الإسلامي في نفوس المعاصرين من المسلمين, والذي هيأ فرصة لقبولهم تحريف الصليبية للإسلام باسم دراسات الاستشراق ثم بقبولهم إلحاد الماركسية باسم العلم "Seince" وهذا الفراغ في نظري أشد خطرا على الإسلام، من الهجوم المباشر الصليبي أو الماركسي عليه. أما ما أفاد الإسلام من مواجهة الصليبية والماركسية أو من الاحتكاك بهما فهو: - إيقاظ الوعي الإسلامي الذي صاحب الحركات التحريرية التي قامت بها الشعوب الإسلامية ضد الاستعمار الغربي، وذلك بفضل جمال الدين الأفغاني

стр. 380

الذي تزعم إيقاظ هذا الوعي, والذي ركز نشاطه في رحلاته إلى مصر، والهند وتركيا، وأفغانستان، وبقية البلاد الإسلامية، لإثارة المسلمين بدافع من دينهم لمقاومة المستعمر وعدم التعاون معه من جانب، وتأكيد أواصر الأخوة بينهم بطرح الفوارق المذهبية، وعلى الأخص ما بين السنة والشيعة، والاحتفاظ بوحدتهم في دفع الخطر الصليبي عنهم، من جانب آخر. وجمال الدين الأفغاني -يعتبر من غير شك- الزعيم الشرقي المسلم لجميع الحركات الثورية ضد الاستعمار الغربي في الشرق الإسلامي. ولم يكن لجمال الدين بقية من نشاط، فوق ما بذل وعانى فيما بذل منه يصرفها فيما وراء إيقاظ الوعي الإسلامي في مجالسه الخاصة والعامة. - المحاولات الفكرية الإسلامية التي قام بها محمد عبده قبيل آخر القرن التاسع عشر، ثم قام بها "إقبال" في النصف الأول من القرن العشرين ... وما قام به محمد عبده أثمر سلسلة من المفكرين المستنيرين في فهم الإسلام، بمصر وشمال إفريقيا، وسوريا ولبنان، كان لهم نشاط منهجي، وآخر موضوعي في الفكر الإسلامي، وإن لم يصل إلى درجة أن يكون مدارس مستقلة في الإصلاح الإسلامي ولكنه رغم ذلك، كان له أثره حتى اليوم في الكتابات الإسلامية المتسمة بطابع الفهم السليم لمبادئ الإسلام، وظروف المجتمع الحديث، وما قام به "إقبال" بعده أثمر تأسيس دولة الباكستان، ووضع دستور إسلامي لها على أساس من القرآن.

стр. 381

الإسلام فوق الزمان والمكان: نعم، الإسلام من حيث هو مبادئ، لا يتوقف اعتباره على مكان معين، ولا على جيل من البشر.. وكما ذكر "إقبال": الإسلام بما اشتمل عليه من مبدأ "الحركة" يعيش مع الإنسان المتحرك، وفي العالم المتغير المتطور. فهو لا يؤرم بالصليبية ولا بالماركسية، إذ طالما كانت له طبيعة الموجود الخالد، ولا يضار بالهجوم عليه من هنا أو هناك؛ لأنه عندئذ لا يقبل الفناء ... فخلود الإسلام في رسالته، ورسالته "التوازن": التوازن في قيادة الفرد لنفسه، والتوازن في علاقة أفراد الأسرة الواحدة بعضهم ببعض، والتوازن في علاقة الأفراد جميعا، ما بين جار قريب وبعيد، وما بين حكام ومحكومين. ولكن الذي يجوز أن يؤرم -ولا أدري إذا كان يمكن أن يصرع في يسر أيضا- هو المسلم.. والمسلم هو إذن، موضوع الهجوم في حملات الصليبيين والماركسيين، والآثار السلبية لهذا الهجوم تنال منه، إن قدر لها أن تصيب، أكثر مما تنال من الإسلام. والسؤال الذي يجب أن يلقى الآن، هو: إذا كانت حملات الغرب الاستعماري -سواء من الجانب الصليبي أو الجانب الماركسي- تجد "فراغا" عند المسلمين حال دون ملئه حتى الآن ركود الفكر الإسلامي، وعدم قيامه بالدور الإيجابي في حياتهم المعاصرة، فما هي النسبة التي يملأها "الإصلاح الديني" الحديث من هذا الفراغ؟؟.. إن مستقبل الإسلام في الجماعة الإسلامية يتحدد بناء على جواب هذا السؤال، وهذا الجواب يرتبط ارتباطا وثيقا بموضوع "الثقافة" الذي يتثقف بها المسلم في الشرق الإسلامي. والثقافة في هذا الشرق الإسلامي, لم تساير الحركات التحريرية التي قامت فيه أول الأمر لمنازلة المستعمر، ولا ما صاحبها من وعي إسلامي عام. وتخلت الثقافة عن هذه الحركات، ولم تعن بتوضيح الوعي الإسلامي الذي صاحبها، ولذا بقي هذا الوعي"شعارا" و"نسبة" فقط؛ يحمله المسلم كعنوان له، ولا يدرك من إسلامه إلا أنه ينتسب إلى الجماعة الإسلامية فحسب. ونتج عن هذا التخلف: تلك "الانفصالية" التي أرادها المستعمر الغربي منذ أن وضع قدمه في بلاد المسلمين، وهي الانفصالية في توجيه المسلم، وبعبارة أخرى هي"دفع" الإسلام عن أن يكون ضمن موضوع ثقافة المسلم المعاصر، ونشأ عن هذه الانفصالية، ذلك "الفراغ" عند المثقفين من المسلمين، ولم يستطع نمو الحركات التحريرية التي أخذت بعد جمال الدين الأفغاني الطابع السياسي القومي، أن ينال من هذه الانفصالية، بل بالعكس كلما تقدمت هذه الحركات خطوة نحو "الاستقلال السياسي" كلما اتسع البعد في هذه الانفصالية؛ لأن الاستعمار الغربي الصليبي كان يضع شروطا للموافقة على الخطوات الاستقلالية في البلاد الإسلامية، من شأنها أن تزيد في عمق هذه الانفصالية، كشرط "حماية الأقليات" في معاهدة

стр. 382

١٩٢٥ بمصر. وشرط تعهد الحكومة المصرية باتباع "روح" التشريع الغربي في معاهدة "مونترو" سنة ١٩٣٨، وأمثال هذين الشرطين فيما عقد من اتفاقيات بين المستعمرين الغربيين، وبين دعاة "الاستقلال" في البلاد الإسلامية الأخرى، وهدف هذين الشرطين واضح، وهو عدم احتضان الإسلام والأخذ بتعاليمه في حياة الجماعة الإسلامية، سواء في توجيه المسلمين عن طريق الثقافة المدرسية أو الجامعية أو ممارسة الفصل والقضاء في الخلافات التي تقع بينهم. وتحولت بذلك الحركات التحريرية إلى حركات "عزل" الإسلام عن الحياة العلمية العامة للجماعات المسلمة، بعد ما أصبحت حركات "استقلال سياسية" ثم نفذ الفكر الغربي الاستشراقي الإلحادي المادي منه، إلى "البعد" الذي أوجدته الانفصالية السابقة، وكلما بعد الطرف الإسلامي في هذه الانفصالية، كلما نفذ الفكر الغربي السابق، وكلما قرب إلى دائرة "الفراغ" المتخلف؛ بل كلما اقتحمه وملأ منه جزءا بعد جزء. وفي وقت بلغت فيه الحركة الاستقلالية السياسية حدا فاصلا في تاريخ الاحتلال الغربي لمصر -وهو وقت معاهدة سنة ١٩٣٦، بما لها من ظروفها إذ ذاك- ظن أحد الكتاب المعاصرين أن الوقت قد آن لإعلان التخلص نهائيا من الإسلام واللغة العربية، فنادى في عام ١٩٣٨ بتقليد الغربيين في ثقافتهم وفي تفكيرهم وفي تعلم لغتهم قديمها وحديثها حرفا بحرف، بما في ذلك من خير وشر، وممدوح ومذموم!! أو بعبارة أخرى طلب هذا الكاتب من الحكومة وقتئذ، إعلان هذه "الانفصالية" بصفة قاطعة حتى لا يكون هناك كفاح بين القديم والجديد، وحتى يشعر المصريون بالاطمئنان إذا ما مضوا ثقافيا وروحيا إلى مجموعة شعوب البحر الأبيض المتوسط, وهي الشعوب الإيطالية، والفرنسية، واليونانية، ولاقى هذا النداء ترحيبا في بعض الطبقات، كما شجع كثيرين من الشبان في كتاباتهم ضد "القديم" بناء عن تقليد وتبعية فحسب، ولحق معنى "القديم" عندئذ معنى آخر هو التخلف أو البدائية، كما لحق معنى "التجديد" معنى التقدم والحضارة!! واستمر هذا الوضع، على عهد دعاة الاستقلال السياسي، طوال النصف الأول من قرننا الحاضر، إلى أن جاء التحول الأخير في السياسة التحريرية سنة ١٩٥٢، وتبعته محاولة "تصفية" ماضي الاستعمار في الثقافة والتوجيه، وفي مقدمة بقايا هذا الماضي: تلك "الانفصالية" التي أشرنا إليها، في موضوع الثقافة المدرسية والجامعية، ولكن هذه التصفية -فيما أعتقد- تحتاج إلى وقت، حتى يضعف أثرها السلبي في التوجيه، وتحتاج

стр. 383

قبل الوقت إلى "تربويين" من صنف آخر، لا يعيشون على آثار مدرسة "ديوي"١. وإنما يفهمون معنى "المواطن" فهما صحيحا، وأنه يعيش على ماض، بروح الحاضر, متطلعا إلى المستقبل، وماضيه هو الذي يكيف شخصيته الخاصة، التي يتميز بها عن معاصر معه في وطن آخر، والتي يقوم عليها مستقبل "وطنه" ذلك الوطن الذي يعيش هو فيه، ومن أجله. ولكن محاولة تصفية ماضي الاستعمار في الثقافة والتوجيه، وقفت -حينا- عند برامج المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم، ولم تتخطاها حتى الآن إلى مؤسسة أكثر أهمية وأبلغ أثرا في الحياة العامة، والحياة الجامعية الخاصة في مجال الدراسات الإسلامية، وهي "الأزهر" حتى صدر القانون بتنظيمه الجديد في صيف عام ١٩٦١.

стр. 384

الفراغ في الحياة التوجيهية العامة: وبجانب انفصال موضوع الثقافة، وعزله عزلا تاما عن الإسلام، ذلك الانفصال الذي هيأ للفكر الغربي الاستشراقي والمادي فرصة قبول المثقفين له، دون أن يجدوا في ثقافتهم التي يحملونها وفي أنفسهم ما يناقش هذا الفكر, حتى يكون قبولهم إياها نتيجة اقتناع وتأمل, وجد فراغ آخر في الحياة التوجيهية العامة، وهي حياة الجماهير من العمال والفلاحين. وهذا الفراغ سببه عزلة الأزهر عن الحياة الجارية، وهي عزلة رسمت له في ظل الاستعمار، أو عاون على بقائها الاستعمار، وأصبحت حياة العمال والفلاحين خالية من توجيه صالح يعالج لهم مشاكلهم اليومية، والمشاكل الأخرى التي تأتي بها الحضارة الحديثة، وخضعوا للأنانية في حل هذه المشاكل وللتيارات السطحية التي تحملها الدعاية المغرضة لمذهب من المذاهب الإنسانية المعاصرة, وتقلص الإسلام من جديد في حياة العامة كما تقلص من قبل في ثقافة المثقفين، وسارت حياة الطرفين تحت تأثير "الصدفة" وتحت ما يجد من نزعات فكرية توجيهية، من وقت لآخر.

стр. 385

وتعقدت حياة الفلاح والعامل ... - وزادت مشاكلهما في الأسرة بسبب فهم تعدد الزوجات، والطلاق، وفهم "التوكل على الله". وأثر ذلك على مستقبل الأسرة. - واضطراب رأي الفلاح في "التعاون" الاقتصادي، والتأمين على الثروة الحيوانية، وفي استخدام وسائل الحضارة الحديثة في الزراعة لتقليل نفقات الإنتاج مع الزيادة في كمه ونوعه. - واضطراب رأي العامل في الصلة التي بينه وبين صاحب العمل، وفي تقدير رأس المال الدائر في تشغيل العمل. - وحجز الثري مدخراته من المال عن تشغيلها في سوق الصناعة، أو عن التعامل بها في السوق المالية بوجه من الوجوه. وسبب هذا كله "سوء فهم" لهذه المشاكل ... ولا يرفع سوء الفهم هذا في حياة الجماهير إلا توضيح موقف الإسلام من كل مشكلة من هذه المشاكل. ولقد أراد الاتجاه الحديث في الإدارة الحكومية بعد الحرب العالمية الثانية، أن يعمل على حل هذه المشاكل في حياة الفلاح والعامل، وحياة الجماهير على العموم باسم "الإرشاد الاجتماعي"، و"الخدمة الاجتماعية" و"التوجيه الريفي"، وما شاكل ذلك من منظمات، ومع هذا لم تصل هذه المنظمات -رغم ما توفر لها من إمكانيات- إلى جذور هذه المشاكل في نفس الفلاح والعامل؛ لأن هذه الجذور مشتبكة اشتباكا قويا مع نوع "الإيمان" الذي يسكن نفس كل منهما من قبل، وهو إيمان اختلط فيه التسليم بالخرافة وغشي عناصره سوء الفهم، أو سوء التبصير، وكان ذلك نتيجة "للفراغ" الذي ذكرناه وهو أمر ترتب بدوره على عزلة الأزهر عن الحياة الجارية. وكلا النوعين من "الفراغ": في حياة المثقفين، أو في حياة الفلاحين والعمال، أتاح الفرصة لغير الإسلام في التوجيه، وفي التطبيق العملي في الحياة. واتجاه الصليبية في الدراسات الاستشراقية للإسلام، إن اتخذ -بحكم طبيعته- من المثقفين أو من الذين يباشرون شئون التثقيف مجالا لنشاطه، فالفكر المادي الإلحادي في صحبة الدعوة الماركسية يستطيع أن

стр. 386

يكون له مجال أوسع، يتناول المثقفين وغيرهم من طبقات الجماعة؛ لأنه كما ذكرنا له جانب أكاديمي وجانب آخر شعبي ولو أن الإصلاح الديني، في مقابل ذلك كان متتابعا، وله دعاة يزداد عددهم بانقضاء الزمن، وكان متنوعا في مجال الفكر الأكاديمي، وفي مجال الدعوة الدينية، لرجح جانب الإسلام في الاحتكاك مع الصليبية والماركسية، ولاستطاع -بعد فترة قصيرة في حياة الأمم- أن يملأ ذلك "الفراغ" سواء في حياة العامة أو حياة الخاصة، ولكن انقطاع الإصلاح في الفكر الإسلامي، وظهوره من فترة إلى أخرى, مضافا إلى قلة أعوانه، وضيق نطاقه، يجعل من الصعب التنبؤ بالنتيجة الأخيرة لهذا الاحتكاك، وإن كان يجعل من السهل تصور طول الزمن الذي سيمر به كفاح الإسلام, وكذا تصور المرارة التي يحملها هذا الكفاح إليه. أما أنه من الصعب التنبؤ بالنتيجة الأخيرة لهذا الاحتكاك، فإن يقظة الوعي الإسلامي -وإن كانت لا تقوم على فهم سليم للإسلام أو على قوة الإيمان به إلى حد التضحية في سبيله، بل تقوم أكثر على تعصب المسلمين له، كمصدر ينتسبون إليه- وتزايده، كلما اشتدت صليبية الغرب أو ماركسية الشرق ضغطا على المسلمين، ولا يسهل احتمال "سقوط" الإسلام في ميدان هذا الاحتكاك. أما طول الزمن الذي يجب أن يمر به كفاح الإسلام، وأما شدة المرارة التي ينتظر له أن يذوقها في صراعه مع الصليبية والماركسية, فذلك مرتبط بوضع الإصلاح في الفكر الإسلامي قوة وضعفا، وهذا الإصلاح نفسه مرتبط في حاله، بالقائمين بشأنه، وبالمؤسسات الإسلامية، التي لها طابع البحث أو الدعوة في مجال التعاليم الإسلامية. وفي مقدمة هذه المؤسسات: الأزهر. هناك ضعف لا شك فيه: - إن قبول بعض الكتاب المسلمين -هنا في الشرق الإسلامي- تفكير القرن التاسع عشر الاستشراقي والمادي الإلحادي، وقبولهم أيضا هجوم بعض كتاب الغرب في القرن السابق على الكنيسة الكاثوليكية هناك، ومحاولتهم تطبيق ذاك الهجوم هنا على الإسلام والعلماء، وتأثر كثيرين بهذه المحاولة، ليس آية فحسب على وجود "الانفصالية" في

стр. 387

الأزهر: وفي مقدمة هذه المؤسسات: الأزهر. هناك ضعف لا شك فيه: - إن قبول بعض الكتاب المسلمين -هنا في الشرق الإسلامي- تفكير القرن التاسع عشر الاستشراقي والمادي الإلحادي، وقبولهم أيضا هجوم بعض كتاب الغرب في القرن السابق على الكنيسة الكاثوليكية هناك، ومحاولتهم تطبيق ذاك الهجوم هنا على الإسلام والعلماء، وتأثر كثيرين بهذه المحاولة، ليس آية فحسب على وجود "الانفصالية" في التعليم، التي عاون عليها الاستعمار الغربي والتي لم تزل رواسبها باقية، وربما تبقى قوية فترة أخرى من الزمن, بل آية أيضا من جانب آخر على أن الأزهر لم يؤد رسالته، أو لم يتمكن فيما مضى من أداء رسالته كما يجب، وإلا لقضى على هذه الانفصالية منذ زمن طويل، أو على الأقل لاستطاع أن ينفذ بتعاليم الإسلم إلى نفوس المثقفين المدنيين!! وهناك إذن لا شك "ضعف" في الأزهر. - وآية أخرى على هذا الضعف، بقاؤه في عزلة عن مواجهة المذاهب الاقتصادية الاشتراكية، ببيان "توازن" الإسلام من الجانب الاقتصادي في حياة الجماعة, وكذلك بقاؤه في عزلة أيضا عن أن يبدي الرأي في حل المشاكل الاجتماعية التي تعانيها اليوم الشعوب الإسلامية من وجهة نظر الإسلام، ولعلنا نذكر كيف أن "إقبال" تطلع فيما سبق إلى جود بحوث فقهية اقتصادية اجتماية إسلامية، يتغلب بها على الأزمات الحالية في الجماعة الإسلامية, ويقابل بها نظم الغرب الاشتراكية. - وآية ثالثة على هذا الضعف: أن تفكير الشيخ محمد عبده الإصلاحي قُبل وإنما خارج الأزهر، بينما عورض معارضة قوية داخل الأزهر، ولم تزل هذه المعارضة تظهر من وقت لآخر في صورة فتاوى رسمية حتى الآن.. فالفتوى بتمجيد تعدد الزوجات، وبتحريم ترجمة القرآن، وبصلاحية الإسلام للشعوب البدائية فحسب، تمثل معارضة واضحة لتفكير الشيخ عبده الإصلاحي في داخل الأزهر، كما تمثل في الوقت نفسه جمودا في فهم الإسلام. هناك ضعف لا شك فيه ... وسببه أن الأزهر دار بتفكيره في صورة معينة، انقطع بها عن صورة الحياة التي تمر عليه، ولكنها لم تستطع أن تنفذ إلى داخله فتلتقي بالصورة التي يحتفظ بها، وتتفاعل معها، وما سمي بإصلاح للأزهر في فترات متكررة يشبه مرور صورة الحياة القائمة عليه، دون أن تنفذ إلى داخله فتتفاعل مع ما له من صورة أصيلة، وإصلاح الأزهر لذلك كان "إضافات" ملحقة، وظلت إضافات تابعة، لم تتكون منها ومما كان يعنى به الأزهر من قبل ... "ذاتية" واحدة. طلب "إقبال" في "تجديد الفكر الديني في الإسلام" تأكيد صلة المسلم بالعالم المادي الواقعي، وتنحية نظرة التصوف العجمي من حياة

стр. 388

المسلم، وهي النظرة إلى هذا العالم على أنه "شر" يجب الهرب منه، وعلى هذا النحو ظلت "الإضافات" التي أضيفت إلى الفكر الأزهري التقليدي، بمثابة هذا العالم الواقعي في نظر التصوف العجمي. هذا "الانقطاع" عن الحياة "كان واضحا في حياة الأزهر في القرن التاسع عشر" وكان هو نفسه مركز إصلاح الشيخ عبده إذ ذاك، فيما سماه: إصلاح الأزهر، وإصلاح المحاكم الشرعية، وإصلاح الوعظ والتدريس، وإصلاح اللغة العربية، وأحس المستعمر الغربي بهذا الانقطاع فساعد على تقويته، عندما تولى الإشراف على التعليم، وحال دون مباشرة المتخرجين في الأزهر التعليم الرسمي في أية مرحلة من مراحلة، إلا إذا اعدوا إعداد خاصا رسمه هو، بدعوى عدم ملاءمتهم للعصر وروحه!! لم يعن الأزهر عناية جدية بتعليم اللغات الأوروبية١، ولا بمنهج البحث الأوروبي في دراساته ... ومن ثم كانت استطاعة المتخرجين فيه لمواجهة الصليبية الاستعمارية، والماركسية الإلحادية، محدودة للغاية كما ظل عرضهم للفكر الإسلامي في الدائرة التي هي أقرب لدائرة التفكير في العصور الوسطى، منها إلى دائرة التفكير المعاصر، وقد أصيب الأزهر بنكسة في السنوات الأخيرة٢ وعاد إلى الجمود وحارب اتصال علمائه بالفكر الغربي المعاصر، ووقوفهم على منهاج البحث في الجامعات الأوروبية، كما نزل بمستوى رسالة الأزهر إلى تعلم اللغة العربية وتعليمها وحدها، مهملا شأن الدراسات الإسلامية، أو واضعا إياها في منزلة ثانوية، وبذلك ضعف الأمل في استعانة الفكر الإسلامي الإصلاحي على تقوية شأن نفسه بمؤسسة إسلامية عالية مثل الأزهر. الأزهر في رأيي، هو قمة المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي، التي كانت تستطيع مواجهة الصليبية الاستعمارية والماركسية الإلحادية، وكانت تستطيع أيضا أن تقدم للحياة الإسلامية في مصر، ووراء مصر،

стр. 389

أكبر العون في حل المشكلات التي تدور في حياة الأسر الإسلامية، والاقتصاد الإسلامي والتوجيه الإسلامية، وبذلك كان يمكن أن تكون هناك قوة فكرية روحية ثالثة في الشعوب الإسلامية، تواجه القوتين العالميتين الرئيسيتين اليوم: الصليبية الغربية، والشيوعية الدولية، ولا عوض عن الأزهر، وكل يوم يمر عليه في أزمته يزيد في ضعف قيمته، ويقلل من الانتفاع به في تكوين تلك القوة الثالثة التي كان يجب أن يكون لها شأن اليوم. وإصلاح الأزهر ليس رفع مرتبات، ولا إعادة طبع الكتب المتأخرة، ولا اقتباس نظام وزارة التربية والتعليم، ولا ملاحقة هذه الوزارة بطلب مشورتها والإفادة من خبر رجالها، ولا بزيادة كم العلماء والطلاب ... إصلاح الأزهر فكرة، وتنفيذ رسالة، هي فهم الإسلام، وحسن عرضه، والملاقاة به لما يواجه المسلم من مشاكل، وهي رسالة فريدة، لا يمكن لمؤسسة تعليمية أخرى أن تنهض بها، ولذلك لا تجدي مشورة وزارة التربية والتعليم في شأنها. ومشيخة الأزهر ليست وظيفة يذل أو يستخدم القائم بأمرها لهدف سياسي وليست إدارة لجامعة على نحو أية جامعة أخرى في الشرق ... هي إيمان وإدراك للقيم، وفهم صادق للحياة والإيمان، هو الإيمان بالله أولا، والإدراك للقيم هو الإدراك أولا للكرامة الإنسانية، والفهم الصادق للحياة هو الفهم أولا لوضعية الشعوب الإسلامية في خضم المجال الدولي المعاصر، وفي التنافس الغربي والشرقي على جعلها تابعة تسير في فلك هذا أو ذاك. إن حركة التحرير في مصر -بعد النصف الأول من قرننا الحاضر- تحاول "تصفية" رواسب الاستعمار في السياسة التعليمية، ومن هنا كان عليها أن تضع الأزهر وضعه الصحيح، فتباشر فيه تصفية رواسب الماضي الضعيف، وتجعله ذا رسالة إيجابية في تهيئة المجال الحيوي لمصر في إفريقيا الإسلامية، وفي مقابلة الاستعمار الغربي، في أية صورة من صوره في قوة، وفي الإسهام في حل مشاكل الشعوب الإسلامية، والاجتماعية والاقتصادية, وهي كثيرة معقدة، وفي مقدمتها شعب مصر. إن "السراي" على عهد الخديوية والملكية على السواء، كان لها هدف خاص من الأزهر يبعده عن رسالته الأصلية، وإن الأحزاب السياسية.

стр. 390

المصرية على اختلافها، منذ تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ زادت من ضعف الأزهر بإدخال الاتجاه الحزبي في تصريف شئونه. إن الإسلام في غده يتأثر قوة وضعفا، بقوة الأزهر وضعفه، اليوم وبعد اليوم! وقد جاء صدور القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١ ... إيذانا بتطور جديد في تاريخ الأزهر ... فما هو دور الأزهر التعليمي والثقافي والاجتماعي في ظل القانون الجديد؟
следующие страницы →