Полный текст (657 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سيار «١» ، وآخر من تأليف المعدانيّ «٢» .
تاريخ هراة: وألف فيه اثنان، واحد لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن يونس البزّاز «٣» ، والآخر لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن سعيد الحدّاد «٤» .
تاريخ بخارى وسمرقند: من تأليف سعيد بن جناح «٥» .
стр. 107
تاريخ خوارزم: في مجلدين ضخمين من تأليف السري بن دلويه «١» ، ومن تأليف أبي عبد الله محمد بن سعيد «٢» .
تاريخ بلخ: من تأليف محمد بن عقيل الفقيه «٣» .
تاريخ نيسابور: واحد من تأليف أبي القاسم الكعبيّ البلخيّ «٤» ، وقد احترق، وأصله في مكتبة مسجد عقيل، والآخر من تأليف الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله
стр. 108
ابن حمدويه بن نعيم بن الحكم الحافظ «١» ، وهو في اثني عشر مجلدا، والآخر: تتمته وهو كتاب سياق التاريخ، من تأليف الإمام أبي الحسن عبد الغافر الفارسيّ رحمة الله عليه «٢» ، وآخر باللغة الفارسيّة من تأليف أحمد الغازي «٣» في مجلدين.
تاريخ بيهق: للإمام علي بن أبي صالح الخواريّ «٤» ﵀، وهو عدة أجزاء باللغة العربيّة، وقد حال الأجل دون إتمامه.
كتاب الثار: من تأليف السّلّامي «٥» ، في تاريخ خوار.
стр. 109
تاريخ ولاة خراسان «١» : وهو أيضا من تأليف السّلامي، وقد جمعت كتابي هذا تاريخ بيهق، من تاريخ نيسابور الذي يعتبر أتمها، ومن أجزاء كتاب الإمام علي بن أبي صالح الخواريّ ﵀، ومن كتب أخرى، وذكرت فيه بعضا من أنساب أهل بيهق وبيوتها القديمة ليكون أكثر إحاطة، فرايات أبوابه مشرعة، وفصوله برقوم الترتيب على ألواح التهذيب موزّعة، وحروفه في أوعية التصحيح مودعة؛ ومعانيه مصونة من الاضمحلال، وألفاظه محروسة من الزوال.
[٢٢]
تتغذى بها المسامع منا ... فهي نعم الغذاء للأسماع
باب في فضائل بيهق
قال رسول الله صلى الله عليه: «ما أحد من أصحابي يموت ببلدة، إلا كان قائدا ونورا لهم يوم القيامة» «٢» .
стр. 110
وبمقتضى هذا الحديث، فإن أي بقعة يستشهد فيها واحد من كبار الصحابة، أو يودع الحياة عن طريق الأجل المسمى، لها شرف على البقاع العاطلة عن هذا الشرف، ويكون ذلك الصحابي النور والإمام لتلك الجماعة في يوم القيامة.
وقد وصل إلى أرض بيهق عدة من صحابة المصطفى صلوات الله عليه، واختاروا المقام فيها، وانتقل بعضهم إلى الدار الآخرة هناك كما سيأتي ذكره.
قال رسول الله صلى الله عليه: «خير بلاد خراسان نيسابور» «١» ، ولأن نيسابور أحسن بلاد خراسان، كانت نواحيها أفضل النواحي.
وقد وصل عزير النبي ﵇ إلى بلاد خراسان وأقام في كل المدن، وذلك في الوقت الذي لم يبق فيه من بني إسرائيل أكثر من سبطين على الإيمان، والسبب في ذلك أن إرمياء النبي ﵇، كان قد أعطاه كمية من التراب، وقال له: اتجه نحو المشرق، وحيثما نزلت في مدينة، زن هذا التراب بترابها، فمتى ما رأيته قد تعادل معه في الوزن، فانزل هناك.
وقد قدم إلى بيهق ونيسابور، وذهب حتى بلغ مرو، فرأى أن التراب الذي معه قد تعادل في الوزن مع ترابها، فأقام هناك وبنى في مدينة مرو كنيسا، وكان ذلك الكنيس معظما لدى بني إسرائيل، وظل إلى عهد الملك أرسلان أرغو بن ألب أرسلان «٢» .
ذكر من كان من الصحابة ﵃ ببيهق
أبو رفاعة نعيم بن أسيد العدويّ «٣»
[٢٣] كان من أصحاب المصطفى ﵇، وقد هرب من السجن بنيسابور،
стр. 111
وانقاد وامتثل لأمر الحق تعالى، عندما ودّع الدنيا بين سبزوار وخسروجرد، ومرقده في قرية خسروآباد ببيهق، وقيل في رثائه الكثير، وأحكمه:
أبا رفاعة قد أوقدت في كبدي ... نارا تقطّع منها القلب والكبد
أبا رفاعة قد أمسيت منفردا ... بأرض بيهق لا أهل ولا ولد
وكيف حال امرئ قد عال ناصره ... وكيف حال يد قد خانها العضد
زهير بن ذؤيب وابن بشر الأنصاريّ
ماتا ببيهق، فقال فيهما الحريش؛ الأبيات للحريش لا للحصين، كذا وصلت إلينا بالأسانيد الصحيحة العالية «١» :
أعينيّ إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دما لا رضى لي غير أن تسكبا دما
على فارس لا يسقط الروع رمحه ... إذا كان صوت المرء خوفا تغمغما
أعاذل إنّي كلّ يوم كريهة ... أكرّ إذا ما فارس القوم أحجما
أعاذل قد قاتلت حتى تبددت ... رجالي وحتى لم أجد متقدما
أبعد زهير وابن بشر تتابعا ... وورد أرجّي في خراسان مغنما؟
أتاه نعيم يبتغيه فلم يجد ... ببيهق إلا جفن سيف وأعظما
وإلا بقايا رمّة لعبت بها ... أعاصير سابزوار حولا مجرّما
ويروى «أعاصير نيسابور» ، فزهير بن ذؤيب العدويّ من بني عامر بن مالك، وابن بشر هو عثمان بن بشر.
стр. 112
قطن بن عمرو بن الأهتم
[٢٤] كان من الصحابة، وله أولاد ببيهق، يقال لهم إذا نسبوا: فلان القطنيّ، وقد نجا من سجن أسلم بن زرعة، الذي كان أمير خراسان، وهو المذكور في الأمثال «ألأم من أسلم» «١» ، وانتقل ببيهق إلى الدار الآخرة، وله أخ هو نعيم بن عمرو، وقد رثاه «٢» :
إذا ذكرت قتلى الكرام تتابعت ... عيون بني سعد على قطن دما
أتاه نعيم يبتغيه فلم يجد ... ببيهق إلا جفن سيف وأعظما
الأمير المهلّب بن أبي صفرة «٣»
كان من صحابة المصطفى، وقد روى عنه الحديث، وكانت ابنته هند زوج عبد الملك بن مروان، وكانت مشغولة بالغزل، فقيل لها: أتغزلين وأنت امرأة خليفة؟
قالت: لأني سمعت والدي المهلب بن أبي صفرة يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول لنسائه: «أطولكن طاقة، أعظمكن أجرا يوم القيامة، وهو يطرد الشيطان، ويذهب بحديث النفس» «٤» .
стр. 113
وقد أقام الأمير يزيد بن المهلب مدة في بيهق وكان معه من علماء التابعين شهر ابن حوشب، وعكرمة مولى عبد الله بن العباس ﵄، وسنذكر قصته وأولاده بعد هذا في موضعه إن شاء الله.
همام بن زيد بن وابصة «١»
[٢٥] كان من صحابة الرسول صلوات الله عليه، وكان مقيما في قرية إيزي، وكان معه قصعة للنبي المصطفى، وقد دعاه الله إليه في هذه الأرض، وله أولاد وأعقاب ينتسبون إليه.
العباس بن مرداس السّلميّ الشاعر
كان من صحابة المصطفى ﵇، وهو الذي قال فيه الرسول صلوات الله عليه في غزوة حنين: «اقطعوا عني لسانه» «٢» ، وكان من المؤلفة قلوبهم، وقبره في خسروجرد، وله أولاد هناك، يدعون أولاد مرداس، وكان من أولاده الشيخ أبو علي الحسين بن أبي القاسم مرداس، وكان محدث زمانه، وقد روى أحاديث كثيرة عن شيخ السنة أحمد بن علي بن فطيمة البيهقيّ.
стр. 114
قنبر مولى وحاجب أمير المؤمنين علي
استوطن بيهق مدة، وتزوج فيها، وقبره بنيسابور حيث مسجد هاني، وهاني الذي سمي ذلك المسجد باسمه، هو من أولاد قنبر، وهو هاني بن قنبر، ومن عقبه علي بن جمعة بن هاني «١» ، والسليطيون بنيسابورهم من أولاده، وهذا البيت معروف، وقد ولد لقنبر في سبزوار ولد اسمه شادان بن قنبر، وإليه ينسب مسجد شادان بسبزوار، وقد ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في المجلد السادس من التاريخ، وكان من أعقاب شادان ببيهق جعفر بن نعيم بن شادان بن قنبر «٢» .
فصل في ذكر فتح بيهق
في سنة ثلاثين من الهجرة، ورد عبد الله بن عامر بن كريز إلى ديورة عن طريق كرمان، ومر على بيهق، فقال أهل بيهق: إذا آمن أهل نيسابور فنحن نؤمن أيضا [٢٦] ولم يحاربوا عبد الله بن عامر بن كريز وجيش الإسلام «٣» .
وصل عبد الله نيسابور، وأقام أربعة اشهر فيها، وأرسل الربيع الحارثي إلى سجستان، والأحنف بن قيس إلى قهستان، واتجه هو إلى سرخس، إلا أن حلول الشتاء، وتراكم الثلوج على جسر طوم، جعلاه يرى المصلحة في العودة إلى نيسابور
стр. 115
كي لا يهلك العرب من البرد، واتّجه نحو نيسابور، واستعاد بالحرب المدينة والقلعة.
ثم أرسل يزيد الجرشي إلى جام وباخرز ليفتح تلك الناحيتين، كما وفد إليه ملك نسا وأبيورد، ووافق على دفع مال الصلح والجزية.
وأرسل عبد الله بن خازم السّلميّ إلى سرخس، والأسود بن كلثوم العدويّ إلى ناحية بيهق- كما بين ذلك المعدانيّ في تاريخ مرو- إلا أن الأسود قتل في بيهق، فقاتل بعده نائبه، وكانت النهاية أن أهل بيهق صالحوا كما سيأتي «١» .
وقبل هذه الحوادث بعامين، كان ملك العجم يزدجرد بن شهريار، آخر ملوك العجم، قد وصل إلى بيهق، وخيم قرب القرية، فذهب إليه رئيس القرية، فخلع عليه يزدجرد خلعة.
وكان يزدجرد شابا جميل الصورة، أسمر اللون، مقرون الحاجبين، مجعد الشعر، حلو الشفة والأسنان، لطيف الحديث، ومهابا، وكل من رآه، داخلته منه هيبة، وكان من أعرق ملوك العجم.
باب في ذكر هواء بيهق
يقول الأطباء إنه كلما ارتفع المسكن، كان هواؤه ملائما، ونسيمه أشد طيبا، وتنشقه أسهل؛ وكلما كان المسكن منخفضا، كان هواؤه أكثر حرارة، وأبخرته كثيفة، والتنفس فيه غير مريح.
وكل مسكن يقع الجبل في جهة منه، والبحر في جهته الأخرى، يكون هواؤه رطبا، ويكثر فيه سقوط الأمطار.
[٢٧] وكلما كانت أرضه صلبة جافة، وجبله صخريا كان ضرره أقل؛ وإذا كان الجبل طينيا والأرض رخوة، كانت رطوبة ذلك الهواء أكثر ضررا.
فإن كان جو المدينة حارا، انتشرت فيها العفونة والأوبئة، خاصة إذا وقعت في
стр. 116
مكان منخفض.
وإذا كانت البلاد حارة وفي منخفض، لا تصلها ريح الشمال، وتقع في الجنوب، فإن الأمراض والأوبئة تكثر فيها.
وكل مسكن يقع بين السباخ ومعدن الكبريت والنفط، يكون هواؤه بعيدا عن الاعتدال.
أما المساكن الصحراوية- كما في مرو وسرخس- فتكون صحيحة يابسة، وسرخس أكثر صحراوية من مرو.
ويكون هواء مساكن البحر مرطوبا.
ومساكن الجبال- خاصة إذا كان الجبل مقابلا للمشرق، ومفتوحا من جانبه أي من جانب الشرق- يكونه هواؤها صحيحا، وسكانها أقوياء ومعمرين، ومزاجهم حسنا.
والمسكن الذي تكون أرضه طينا نقيا، ويكون الجبل والبحر بعيدين عنه، يكون هواؤه لطيفا معتدلا.
والمسكن الذي يقع وسط الغابة يكون رديئا، وتكثر فيه الحشرات المائية وغيرها.
وكل مسكن يقع على ساحل البحر، يكون هواؤه أصح، لأن البحر لا يتعفن.
وإذا كان موقع المدينة رديئا، وأراد أحد أن يبني بيتا في موقع حسن فيها، فعليه أن يتجه إلى المشرق، وأن يكون مفتوحا على الشمال، بحيث تبلغ فيه أشعة الشمس أقصى ما يمكن من البناء، وأن يجعل سقف البناء عاليا، وأبوابه واسعة متماثلة.
ولا يوجد ما هو أهم للإنسان والحيوانات البرية من الهواء، فإذا منع عنهم- عن الإنسان والحيوان- الطعام والماء يوما أو أكثر فإنهم لا يموتون، أما إذا منع الهواء عنهم ولو لربع ساعة يموت أغلبهم.
وإذا كان التراب رديئا فإن الماء المجاور له سيغدو مرا أو ملحا أو آسنا، وسيفسد الهواء تبعا لذلك.
стр. 117
وسمي الإقليم الرابع ب «سرة الأرض» ، إذ ليس هناك إقليم في الربع المعمور أكثر اعتدالا منه [٢٨] قال الجاحظ:
«الإقليم الرابع: واسطة القلادة، ومكان السرة من الجثة، واللبة من المرأة، ومكان العذار من خد الفرس، والمح من البيضة، والعنوان من الكتاب» «١» .
والحديث طويل في هذا الباب في علم الطب، إلا أن هدفنا من هذا الكتاب هو التاريخ.
وتقع ناحية بيهق في غائط من الأرض؛ وكلما كان التراب جيدا وبعيدا عن الجبل، ومفتوحا على المشرق ومهب الشمال، كان أفضل، وكل ما وقع إلى جهة الجنوب من الأراضي الجبلية، ولم يكن جانباه الشّرقيّ والشمالي مغلقين، كان الناس فيه أصح أمزجة وأبدانا، وأطول أعمارا، وتميل هذه المنطقة إلى الحرارة أكثر من نيسابور، لأن الحاكم أبا عبد الله قال: لو وجد شخص ماهر بالفلاحة لاستطاع أن يزرع النخل في خسروجرد، وقد بقيت أسمع إلى عهد قريب أن في خسروجرد نخلة تضاهي الرجل طولا، والله أعلم وكفى به عليما.
فصل في ذكر المضاف والمنسوب إلى كل مدينة
لكل ناحية وبلد شيء منسوب لتلك الناحية أو البلد، فيقال حكماء اليونان؛ وصاغة مدينة حرّان؛ ونساجو اليمن؛ وكتّاب بغداد؛ ووراقو سمرقند؛ وصبّاغو سجستان؛ وعيّار وطوس؛ ومحتالو مرو؛ وملاح بخارى؛ ومهرة ونقاشو الصين؛ ورماة التّرك؛ ودهاة بلخ؛ وأصحاب غيرة غزنين؛ وسحرة ومشعوذ والهند؛ وضعفاء كرمان؛ وأكراد فارس؛ وتركمان حدود قونية وأنكوريه «٢» وطرف الروم؛
стр. 118
وصوفية الدينور؛ واللصوص والمتوارون بنواحي الري؛ وأكلة زهّاد خوارزم؛ وأدباء بيهق.
والهدف من هذه النسب، أنه لا يوجد في أي موضع آخر من أمثال تلك التي ذكرناها [٢٩] إلا في تلك النواحي والبلاد.
قال المأموني لأبي عباد يهجوه «١» :
زهو خراسان وتيه النّبط ... ونخوة الخوز وغدر الشّرط
اجتمعت فيك، ومن بعد ذا ... إنك رازيّ كثير الغلط
وقال آخر «٢» :
بياض خراسان ولكنة فارس ... وجثّة روميّ وشعر مفلفل
فصل في ذكر آفات وأمراض البلدان
يوجد في كل بلد آفة ومرض قبيح ففي مصر: البرغوث والحصبة والوباء، وقلة المطر، فإذا نزل جلب الضرر، قال الشاعر «٣» :
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم ... بما فيه خصب العالمين من القطر
وقال الجاحظ: إذا تواصلت بمصر ريح الجنوب، التي يسمونها المريسية ثلاثة
стр. 119
عشر يوما، فإن أهل مصر يهيئون الأكفان والحنوط ويكتبون وصاياهم، لأنهم يعلمون بأنه سيعقبها وباء عام مهلك «١» ، إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
«٢» .
وقد ضرب العرب المثل بثعابين مصر، ولو لم يكن النمس موجودا- وذلك الحيوان عدو الثعابين- لهلك أهل مصر بالثعابين، فعندما يدنو النمس من الثعبان، يحاول الثعبان أن يبتلعه، فينفخ النمس فيه نفخة، يقطعه فيها إلى نصفين «٣» ، سبحان المقدر لما يشاء.
وأفاعي سجستان مثل ثعابين مصر، وقد قالوا: أفاعي سجستان، كبارها حتوف، وصغارها سيوف «٤» ؛ وكان مما عاهد عليه [٣٠] أهل سجستان العرب أن لا يقتلوا القنفذ، لأنهم إن قتلوه، فلن تكون لهم قدرة على أفاعي تلك البلاد «٥» .
ويوجد في البطائح «٦» بعوض يهجم على الإنسان النائم، فيمتص دمه ويأكل لحمه، فلا يبقى منه في اليوم التالي إلا عظام خالية من اللحم والدم.
ويكون الشتاء في مدينة همذان في غاية الرداءة، كما قال الشاعر «٧» :
стр. 120
بلاد إذا ما أقبل الصيف جنة ... ولكنها عند الشتاء جحيم
وأول هذه القصيدة هو:
إذا همذان اعترّها البرد وانقضى ... برغمك أيلول وأنت مقيم
وفي الهند والسند «١» : الجرب والحصبة، ولكي يسلموا فإنهم يطلون أسافلهم بطحين الشعير والبقلة الحمقاء والخل.
وفي قاسان: العقرب اللادغة.
وفي الموصل وديار ربيعة يوجد حيوان كحبّة الباقلاء يقال له الجرادة، كل من عضّه يموت في الحال.
وكلّ من أقام بالموصل تزداد قوّته في كل عام «٢» .
ومن أقام في التبت فإنّه يكون ضاحكا منبسطا إلى أن يخرج منها «٣» ، كما أنه لا يهتمّ بمنفعته ولا يفكر فيها، وهذا بلاء عظيم.
وفي طبرستان: الوباء والأمراض المعدية، والأفاعي والعقارب التي لا حصر لها.
وفي بلخ: العقارب والقرحة البلخيّة.
وأما ماء طخارستان فإنه يصيب الفم بالورم.
وفي البحرين: عظم الطحال «٤» .
стр. 121
وفي المصيصة يصاب الغرباء بالجنون في أقصر مدة «١» .
وفي مرو: البعوض والدوالي، وهما في صنعاء اليمن وأبيورد أيضا.
وفي بغداد والبصرة، مرض الجذام، والعقارب فيهما كثيرة.
وفي الدامغان وقومس شيء كالعدس، يقال له شوكز، إذا [٣١] لدغ أي عضو من البدن فإنه يصبح عفنا.
وفي كرمان تظهر علل الكبد، وهم يسمونها الأمراض الكبدية، والمعمّرون في تلك الديار قليلون.
وفي زنجان يظهر الجرب «٢» .
وفي خوارزم: الحر والبرد المفرطان، والقولنج، والجوع الكلبي «٣» .
وفي بلاد النوبة يوجد نوع من الأفاعي التي خلقها الله من محض غضبه، فما من طائر يحلق فوق رأسها إلا سقط على الأرض، وما من مخلوق سمع صفيرها إلا أغمي عليه، واجتاز بها فارس في إحدى المرات، فلدغت شفة حصانه، فمات الفارس في الحال، وحدث أن مرّ به فارس آخر، فلامس ذلك الميت، فمات ذلك الفارس أيضا من ساعته «٤» .
стр. 122
وأما قزوين، فكل من شرب ماءها، إذا لم يتحرك كثيرا أو يتريض فإن قدميه تتعفنان.
ومن أقام في الأهواز عاما واحدا، وكان عاقلا متفرسا فإن النقصان يظهر في عقله وفراسته «١» .
وجرارات الأهواز يضرب بها المثل كثعابين مصر وأفاعي سجستان، وفيها الحمى، حتى إن الطفل يولد وهو محموم «٢» ، ويصاب الغرباء فيها بالجنون.
وفي بست وسجستان تكثر أوجاع العين.
وتكثر الهوام والحشرات ببلاد الهند كثرة مفرطة، حتى إنه يخشى من النوم على الأرض ليلا.
ولا يموت أحد باليمامة والهند وعمره أقل من سبعة وخمسين عاما، وإن مات كان من النوادر.
وفي نسا وجرجان: حمى الرّبع، والحمى النافضة، ووجوه أهل هذين البلدين خالية من النضارة.
وفي نصيبين وشهرزور: العقارب القاتلة كثعابين مصر.
وينتشر في بلاد دهستان مرض ضربة الشمس وجراحاته تكون متقيّحة.
وفي عسكر مكرم: العقرب الطائر القاتل.
وبمجرد أن يضاء مصباح في الصيف بسرخس وباورد، فإن أنواعا من الحشرات القارصة تتجمع حوله، إلى الدرجة التي لا يستطيع الناس معها الجلوس قربه.
[٣٢] أما في بلاد شروان فيوجد داء الأدرة.
وهكذا، ففي كل بلد توجد آفة إذا أردنا أن نذكرها كلها أدى ذلك إلى الملل.
стр. 123
أما مدينة بيهق، فلا يوجد فيها شيء مختص بها من تلك الآفات التي ذكرناها، اللهم إلا الأمراض التي اعتاد الناس أن يبتلوا بها، وأكثر أمراض هذه المدينة يجيء من الحرارة، والمرضى بهذه المدينة قليلون بتقدير الله تعالى.
ذكر أمهات البلدان
إن كل بلدة يقال لها «أم» تعني أنها أصل، ففي بلاد العرب أم القرى هي مكة، قال تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها
«١» ؛ وفي العراق في الزمن القديم كانت أم القرى البصرة، والآن هي بغداد التي يسمونها دار السلام؛ وأما فيما دون بغداد فأم القرى أصفهان؛ وفي كابل، أم القرى غزنة؛ وفي ما وراء النهر، أم القرى سمرقند؛ وفي خراسان أم القرى مرو؛ وببلاد الشام، أم القرى دمشق، وقالوا: بيت المقدس؛ وفي الروم أم القرى القسطنطينية؛ وبطبرستان، أمّ القرى آمل؛ وفي كرمان، أم القرى جيرفت؛ وببلاد الصين، أم القرى كاجغر «٢» ؛ وأما العواصم والثغور فليس بها أمهات قرى يعتد بها.
فصل في بيان أن التعويل على هواء المدن دون العناصر الأخرى
تباحث الحكماء في تعليل قول الناس: إن هواء هذه المدينة وماءها وترابها أحسن وأطيب مما هو في مدينة أخرى، ولم يقولوا هذه المقالة في النار التي هي رابعة العناصر الأربعة: الهواء والماء والتراب والنار، فلم نجد أحدا يقول إن نار هذه المدينة أشدّ حرا أو لهبا أو إحراقا من نيران المدن الأخرى.
وفي الجواب على ذلك قالوا: إن النار أقل هذه العناصر قبولا [٣٣] للتأثير،
стр. 124
واختلاطها أصعب مع العناصر الأخرى، فالأرض التي يقال لها البر، تتقبل التأثيرات الناتجة عن اختلاط الماء والهواء لتصبح طينا، ووحلا، وملحا، وزاجا أبيض وأمثال هذا، ويتأثر الماء من مجاورته للأرض بحسب طبيعة التراب من حيث الملوحة والمرارة، ويأخذ الهواء كيفيته من الماء، حيث يتعفن الهواء في المكان الذي يكون ماؤه عفنا، فكل واحد منها يتأثر بالآخر، ويخرج من حد الاعتدال ليظهر فيه الضرر، إلا أن النار لا تقبل أمثال هذا الفعل والانفعال إلا قليلا، ولا يتغير أو يتبدل في أي مكان ضياؤها وإحراقها ولهيبها، وذكر الانفعال الذي يظهر فيها عند مجاورتها لأخواتها- التراب والماء والهواء- قليل إذا ما قسناه إلى ما يقع في العناصر تلك.
فالنار التي مادتها النفط الأسود والكبريت الخالص، وتلك التي مادتها الحطب، وتلك التي من حطب رطب، وما هي من الخشب الذي فيه مادة دهنية تتميّز عن بعضها، يوجد الإحراق والضياء فيها جميعا، والناس يعتدّون بخاصيتي الإحراق والإنارة، ولا يعيرون أهمية لتلك المواد.
باب في اشتقاق لفظ بيهق وحدودها
وفي ذلك عدة أقوال:
الأول: أنه بيهه، الذي كان أصله باللغة الفارسيّة بيهين، ويعني أن هذه الناحية من أحسن نواحي نيسابور.
الثاني: أنه بيهه، وهو مرتبط بكلمة القدم. أي أن مساحة هذه الناحية قاسوها بالأقدام.
وقال قوم آخرون: إن رجلا عاش في عصر الملك بهمن وكان يقال له بيهه، أقام قرية مقابل قرية آمن آباد، ولا يزال بالإمكان مشاهدة آثار تلك القرية وسورها، وإنها دعيت باسمه، كما دعيت حسين آباد باسم بانيها، وحارث آباد باسم الحارث، ومعاذ آباد باسم معاذ.
стр. 125
[٣٤] وكان أول عمارة المدينة هو ما بناه بيهه وهو أول حدّ هذه المدينة، أما انتهاؤها فحدّه قومس، وقد حوّلت خوار وطابران من قومس وأضيفتا إلى بيهق، كما ذكر في كتاب الثار «١» .
أما جاجرم فهي جزء من جوين، وتدعى خوار ب «خوار بيهق» ، وكان خراجها- إلى عهد قريب- يجمع مع أموال بيهق.
وعرض المدينة من قرية سبه، التي هي حد ولاية طريثيث، إلى قرية نوديه تماما.
وقد قال أمير خراسان عبد الله بن طاهر «٢» ﵀، الذي على يديه تمت عمارة نيسابور ونواحيها: خير قرى بيهق جلين، وأطيبها فريومد، ولا بأس بالسدير والحارث آباد.
ومن مجموع قرى بيهق التي كان عددها على عهد ملك خراسان، أمير المشرق عبد الله بن طاهر ٣٩٥ قرية، كان الخراج يؤخذ على ٣٢١ قرية منها، وكان مقداره على عهد ملوك آل طاهر ﵏ ٧٩٦، ١٧٨ درهما، وأعشاره من ٧٤ قرية هو ٧٥٨٠٠ درهما.
ومدينة بيهق مقسمة على اثني عشر قسما، كل قسم منها يسمى ربعا. ولا يمكن لأحد منها أن يزيد على الربع، ذلك أن الرّبع هو واحد من أربعة، فالمراد إذن الرّبع وليس الرّبع، وقد ورد في كتاب مجمل اللغة لابن فارس أن الرّبع: محلة القوم، فكل مكان تجمع فيه قوم متجاورين وبنوا فيه وعمروه يسمونه الرّبع لدى العرب.
стр. 126
[٣٥] أما في بلاد العجم، فكل مكان لتجمع الناس وإقامتهم في مكان واحد بالمدينة يقال له «محلة» ، وما كان في الصحراء والجبل يقال له ربع.
أما تفصيل الاثني عشر ربعا التي كانت على عهد أمير خراسان عبد الله بن طاهر فهي كما يلي:
الأول: أعلى الرستاق وفيه: سنقريدر، آمن آباد، بيهق، أحمد آباد منزل، معاذ آباد، كروزد، نزلاباد، آزاد منجير، زياد آباد، حديثة، جلين، حسين آباد، باغن، دلقند، إيزي، بركه آباد، أبكو، عبد الله آباد، أضيف إليه: صلاح آباد، أما قرية سيدي الواقعة في حدود دلقند فهي محدثة، وذكر أن قرية سنجريدر هي من ربع ريوند.
الثاني: ربع قصبة سبزوار: قرية عبد الرحيم بن حمويه المتصلة بقصبة سبزوار، راز، كهناب، رزقن، قمنوان العليا والسفلى، ونقابشك الجديدة والقديمة، أحمد آباد باغن، وقرى أخرى. وليس من المعهود في ديار خراسان والعراق أن توجد عدة قنوات جيدة للماء على امتداد فرسخ واحد، بينما توجد عشر قنوات ضمن فرسخ واحد يمتدّ من قصبة سبزوار حتى خسروجرد. بحيث لو جمعت إلى بعضها لأصبح ماؤها مما يعبر بالقارب من حيث كثرته.
ومعالم القدرة الإلهية في هذه الخطة واضحة. وأصناف الأوصاف في الصور والأجناس والأنواع في أرجاء وأكناف هذه البقاع مصورة ومقدرة:
فاليمن أصبح موصولا بيمناها ... واليسر أصبح مقرونا بيسراها «١»
الثالث: ربع طبس وهي تبشن، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى عين ماء حارة موجودة هناك، ويكتبونها: طبشن، وقد صحف هذا الاسم أحد [٣٦] الولاة الغرباء
стр. 127
الذين حلوا فيها، فقيل لهذا الربع طبس، وفي ذلك الربع تقع قرى طبشن، أفجنك، هارون آباد، قارزي، بازقن، كرد آباد، بلغون آباد، سيف آباد، شيرو، ديواندر، صاهه.
ومن الدساكر: هماي در، فرخاردس، جهازشك، كمال آباد، نوديه، دواندر، وهي قرية الأئمة الدلشاديّة.
وهناك مزارع وينابيع، وهي متصلة ببلدة جوين من جهة العرض.
الرابع: ربع زميج وزميج باللغة الفارسيّة: الأرض المعطاء، وتعني مزرعة الغلال، ولأن بهرام بن يزدجرد، الذي يسمونه بهرام جور، كان قد نزل هناك، وأمر بزراعة الغلال والقطن وأمثال ذلك، فقد سموا تلك القرية زميج، وهي تدعى أيضا باسمه: بهرام جور.
ويقع هذا الربع في الجنوب، وليس هناك ربع هواؤه أكثر اعتدالا منه، أما هواء فريومد فهو أطيب، لأنها سهلية جبلية، كما أن هواء بشاكوه (بساكوه) معتدل أيضا، وهناك تزرع شجرة الغبيراء، التي يسمونها عندما تثمر «ششتمد» :
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها «١»
وهي عذبة المياه، طيبة الهواء، قليلة الدواء، تربتها حمراء، وسنبلتها صفراء، وشجرتها خضراء، ليلها سحره كله، كأن ابن المعتز عبر عن لياليها بقوله:
يا ربّ ليل سحر كلّه ... متّضح البدر عليل النسيم
وقلت فيها أبياتا منها:
قل للنسيم الذي فاحت نوافحه ... إذا هببت فلا جاوزت ششتمذا
стр. 128
فماؤها العذب سلسال ونحن نرى ... هواءها يتحاشى عنه كل أذى
وفي حدائق واديها لنا ثمر ... كالزّقّ بالشّهد والماء المعين غذا
وعندليب تصيد القلب نغمته ... برغم كلّ غراب يقنص الجرذا
لكنّ حالي فيها غير خافية ... وقد تطيش سهام فارقت قذذا
وفي الحلوق من الإقتار كل شجى ... وفي العيون من الأقدار كل قذى
وليس ينفعنا علم ولا حسب ... ولا مقالتنا كنا كذا وكذا
وليس ينفعنا علم ولا حسب ... ولا مقالتنا كنا كذا وكذا
و «مذ» كثيرة في اللغة البهلوية، يقولون: برغمذ، وفريومذ، وششتمذ، وأنجمذ.
وفي المسترقة «١» إسفند مذ.
وفي أسماء الأيام فإن كلمة الأيام اسمها باللغة الفارسيّة هو «رذ» ، و «رذ» تقال للعاقل والعقل، قال الفردوسي «٢» :
أقام محفلا ضم أصحاب الرأي ... من الأذكياء وذوي الخبرة
و «مذ» : كلمة مدح للبقاع والمواطن، وفي الزمان القديم كان يقال للأرض الطيبة: «مذ» ، وكانت «مذ» من كلمات مدح الناس، وقد وردت «مذ» كثيرا في اللغة البهلوية.
стр. 129
ومن القرى المسكونة في هذا الربع: زميج، أنجمد، كنبد، حيث كان هناك بيت للنار، ويسمون القرية باسمه أيضا، وكيذقان، وششتمد، وبرازق، وكانت الخنازير فيها كثيرة، وقرية أشتر- وكان هناك مربط جمال بهرام- كيذر، بيذخ، طزرق، عليا باد، سبح، أحمد آباد، روح، حارث آباد، قناة أبي الأسود، جاشك (جاسك) ، كلا بدشك، بيد خشيدر، فضلوي آباد، جابر آباد، جلار، كارن التي يكتبونها خارسف، بزدن، رزسك، بيد ستانه، زرين، دربر، مهر كند، شادياخ، وقراها متصلة بها.
[٣٨] الخامس: ربع خواشد ووريان وفي هذا الربع قرى كثيرة أمثال: برقن، ستاج، دارين، باشين، كاموند العليا والسفلى، سلم آباد.
السادس: ربع خسروجرد وتتصل بذلك الربع قرى أباري، عثمان آباد، قرية سدير، حفير، كسكن، كرّاب، دسكرة بيت النار، فسنقر، برزه، نحاب (نخاب) ، بلاش آباد، شاره، دربر، وغير ذلك.
السابع: ربع باشتين وفيه باشتين، نامين، ريود، دستجرد نامين، كده آباد، شعراني، بلا جرد، كرد آباد، بفره، ساروغ، بشتنق، وغير ذلك.
الثامن: ربع ديوره وهو قرى كثيرة، يقال لها: قرى الجبل، ميلون، برون (فدوقن) دويين، برآباد، عبد الملكي، وغير ذلك مما هو من هذا الربع.
التاسع: ربع كاه (زركاه) وفيه قصبات جشم، بروغن، مغيثة، ساسان قاريز، يحيى آباد منزل، فارياب، شقوقن (سقوقن) ، خسرو آباد، بزدر، دستجرد، بادغوس، وغير ذلك، (وكان في هذا الربع قرية يقال لها زردكاه، قيل إنها كانت منذ قديم الزمان، وكان بها في شهور سنة أربع وعشرين وثمان مئة، قناة للماء جارية، وهذا الربع ينسب لتلك القرية) «١» .
стр. 130
[٣٩] العاشر: ربع مزينان وفيه: مزينان، مايان، كموزد، داورزن، صدخرو، طزر، بهمن آباد، مهر، حيث توجد مزارع الأقلام البحرية، ماشدان، سويز، وغير ذلك.
الحادي عشر: ربع فريومد وفيه: فريومد، إسحاق آباد، فيروز آباد، نهار دان، وغير ذلك.
الثاني عشر: ربع بشاكوه وهو عدة قرى معدودة مثل: إستاربد، قرية بيشين، وغير ذلك.
باب في بناء سبزوار، والوقائع العظيمة التي حدثت هناك
كان بهمن الملك ملكا كبيرا، وهو ابن إسفنديار، وكان الملك الأعظم، الذي حكم في الأرض مئة واثني عشر عاما، كانت ذاته صحيفة السياسة، وفهرس السخاوة، والأرواح بنسيمه معطرة، وآثار أسلافه من الملوك بفوح شميم عرف عرفه معنبرة:
ملك كأنّ التاج فوق جبينه ... متهلّل الإمساء والإصباح
****
هكذا سخرت له الأرض والزمان ... من كان ذا دولة قوية
نسبه: بهمن بن إسفنديار بن وشتاسب بن لهراسب بن فنوخي بن كيمنثر بن كيفاشين بن كنابيه بن كيقباد بن زاب بن نودكان بن مايسو بن [٤٠] نوذر بن منوجهر الملك، واسمه عامر، ويقال بنيمين بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وهو الذي بنى بهمن آباد بيهق، وكانت بهمن آباد في عصره مدينة كبيرة.
وكان لبهمن هذا ولد اسمه «ساسان» ، وبنت اسمها «هما» ، وقد تزوج بهمن بابنته- كما هو جائز لدى أمة المجوس- فحملت منه، ولما اقتربت وفاة بهمن، ولم تكن مدة الحمل قد انتهت، قام بوضع تاجه على بطنها وقال: إن ولي عهدي هو هذا
стр. 131
الطفل الذي في بطن أمه، وإلى حين ولادتها لطفلها، قامت الأم بتدبير مهام الملك:
* لا تتكئ على حسبك ونسبك ... فجوهر فعالك هو المعوّل عليه
فإما أن يحمر وجهك منها خجلا ... أو تصبح شهيرا ذائع الصيت
وفي أي مكان حارا كان أم باردا ... فإن في أصلاب الرجال أولادا نجباء
ولما رأى ساسان أن أباه فضّل عليه جنينا، نهض واشترى مجموعة من الخراف وتوجه إلى بيهق، وأقام في ساسان قاريز التي يقال لها ساساقاريز، ثم حفر هناك قناة:
* كل ما آل إلى اليسر ... لا بد أن بدايته كانت عسيرة
ووضع خرافه هناك حيث قصبة ساسان آباد التي يقال لها اليوم سبزوار، وبنى هذه القلعة، وأما القناة التي حفرها وسط المدينة، فكأن لسان حالها يقول:
* مع أن قدري أسمى من هذا ... وأن الفلك الدوار أكبر مني
وهذا حديث طويل طويل وقلبي ... مفعم بالألم واللوعة والحاجة
الطريق متاهة ولا يوجد دليل ... وقد سكنت الغربان في وكر العنقاء
ثم توجّه إلى حدود يوزكند بتركستان، التي تدعى هناك أوزجند، حيث بنى هناك قرية تسمى سبزار (سابزوار) ، وأصلها ساسان آباد أيضا، وهي اليوم معمورة مسكونة.
وتوجد في تركستان قريتان بنيتا بجوار ساسان آباد: إحداهما تدعى «راز» ، والأخرى باسم «إيزي» ، كما قلنا عند ذكرنا لبيهق.
والعقب من ساسان بن بهمن: مهر، ومهر هرمز، وبه آفريد، وذكروا أن الذي بنى هذه البقعة ليس ساسان بن بهمن، وإنما هو ساسان بن بابك بن ساسان بن مهر بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار، والله أعلم.
اتفق على أن باني خسروجرد وخسرو آباد هو الملك كيخسرو بن سياوخش بن كيكاوس، أما بلاشاباد، فقد بناها بلاش بن فيروز عم نوشيروان، والله أعلم.
стр. 132
وقد بنيت هذه المدينة على شكل التعبئة العسكريّة، فربع جلين وحدوده المقدمة، وربع زميج وخواشد كالميمنة، وربع طبس وحدوده كالميسرة، ومن سبزوار إلى خسروجرد كالقلب، ومن خسرو جرد إلى أسد آباد على شكل الساقة، ولذا تدعى هذه المنطقة قدم البلدة، ولسان الحال يقول:
* لا يدور الأمر مدار العاقل والجاهل ... وليس الحكم على ما هو ظاهر
أن يدمى قلبك وتموت إثره ... أفضل من أن تعيش حياتك مع وضيع
وفي سنة خمس وخمسين وخمس مئة وصل من أطراف يوزكند «١» ، جمع من العلماء وهم في طريقهم لزيارة الكعبة، وكان قسم منهم من قرى: إيزي وراز وساسان آباد يوزكند، قرأوا عليّ شيئا من التفاسير، وأخذوا مني إجازات في الأحاديث.
[٤٢] فصل: وقد أفاض الناس في الانتقاص من ساسان هذا، وأطالوا ألسنتهم بتفصيل دناءة همته، وكان أبوه قد رأى بفراسته أنه غير لائق للملك.
* انظر لذلك الغصن وذلك الجذر ... وصن ذلك العهد والتاريخ
قال أبو ساسان لولده: اغرب عن وجهي ... ولتكن أبدا مسودّ الوجه متألما
انقلبت الأمور رأسا على عقب ... واسودّ كل الزمان بوجهه
وأصبح العالم في قلبه تافها ... وامتلأت لذلك روحه بالألم
سأعمر البلاد كلها الآن ... وأصبح أميرا على هذه الأغنام
وهذا هو شأن دار الخديعة ... إذ يكون الانحدار فيها بعد كل ارتفاع
أصبح أملي بالملك هباء ... فليأت العدو ويشمت بي
فلو جاء الموت لأراحني ... من هذا العناء المريع
стр. 133
وإلى يومنا هذا، يسمي الناس عديم الحياء الذي يريدون انتقاصه وتوبيخه ساسيا، ويسمون الشحاذين «الساسيين» و «الساسانيين» «١» .
* فليغّيب في الثرى وليذهب إلى الجحيم ... ذلك الفتى الذي لا يعبأ بأبيه
ومن ساسان «٢» هذا انحدر ملوك العجم، وكان الملوك الآخرون يقرعونهم ويسمونهم أولاد ساسان الراعي، وليس عجيبا أن مسخت دولة بني ساسان بهذا الإدبار، ومسخت رقوم محاسنها، وأصبح بدرها هلالا، ونهارها ليلا.
وكان الأكاسرة ظالمين- إلا نوشروان- فلم يكن أحد من الناس يمتلك الجرأة ليطبخ طعاما طيبا لذيذا، أو أن يخيط ثوبا جميلا، أو أن يعلم ولده العلم والأدب، أو أن تكون له دابة ثمينة، حتى إن النبي الذي عاش في عهدهم ﵇ قال: إلهي، لم آتيت الأكاسرة [٤٣] ما آتيتهم؟ فأوحى الله تعالى إليه: «لأنهم عمروا بلادي، حتى عاش فيها عبادي» «٣» . وكانوا مولعين بعمارة العالم.
стр. 134
أما نوشروان بن كيقباد فقد كان الملك العادل من بينهم، ولذلك قال النبي ﵇: «ولدت في زمن العادل نوشروان «١» » . وعند مضي تسعة أعوام من حكمه، ولد المصطفى ﵇.
وذكروا أن ساسويه بن شابور الملك هو الذي بنى سبزوار، وسابور هو الذي بنى نيسابور، وكان اسم هذه المدينة بناسابور، إلا أن الألف والباء أسقطا، وأبدل الألف ياء، لأن ني باللغة البهلوية بناء، ونيسابور، تعني بناء نيسابور.
أما ساسان قاريز، فقد كانت ساسوقاريز، وسبزوار كان أصلها ساسويه آباد وقيل إن ابن ساسويه هذا هو يزد خسرو الذي بنى مدن: خسرو شير جوين وخسرو آباد بيهق وخسرو جرد وكان الحاكم بنيسابور في قديم الأيام من أبنائه، وهو الحاكم أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسن بن علي بن السري بن يزد خسرو بن ساسويه بن سابور الملك «٢» ، وله عقب بنيسابور، وقد توفي الحاكم أبو الحسين بنيسابور في رمضان سنة سبعين وثلاث مئة وهو ابن تسعين سنة، وكان أعقابه من المعمرين، ولم يكن فيهم من عاش أقل من تسعين سنة، وتجاوز الكثير منهم سن المئة سنة.
وقد أصبحت سبزوار مدينة كبير مكتظة بالأشجار المثمرة الوارفة الظلال، والناس هناك يسمونها سابزوار، أي الملائمة، كما نسبوا نيسابور من حيث التأسيس إلى سابور الملك، إلا أنهم سموها نيسابور كما أوردنا ذلك.
стр. 135
وقالوا: سبزوار، كجنات تجري من تحتها الأنهار. وعمرانها وأسواقها ومحلاتها متصلة حتى قرية إيزي من طريق زورين، وما زالت أطلال ذلك العمران باقية إلى الآن.
[٤٤] ولما وصل الأمير عبد الله بن عامر بن كريز إلى خراسان، لم يحاربه أهل سبزوار، وقالوا: إذا آمن أهل نيسابور، فنحن نؤمن، ولم يبدأوا جيش المسلمين بالحرب، وقد رغبوا في الإيمان بعد فتح نيسابور، تركوا هوى النفس والرياء، ورفعوا علم قبول الإسلام إلى العلاء، زرعوا في عراص الاختصاص بذور السعادة، ليحصدوا ريع السعادة، زينوها بحلية الشرع، وأنبتوها في صدق السنة والحق.
وقد ظلوا على هذه القاعدة وهذا النسق إلى أن جاء حمزة بن آذرك الخارجي «١» من سجستان بجيشه في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشر ومئتين، حيث انحدر من جانب قهستان وترشيز فوصل أولا إلى ششتمد- المدينة التي كانت ولادتي بها- وكانت هناك آنذاك قلعة من غير ماء، وقد حارب أربعين يوما، فلم يتيسر له فتحها، فقام بحفر قناة ششتمد وما تزال تلك القناة موجودة إلى الآن وتعطي قليلا من الماء، وتسمى القناة السفلى.
ولم يرعو حمزة بن آذرك عن رعونته، حيث استولى على رأيه شيطان هواه، فمزق ثوب الصلاح، ومحا من لوح أعماله رقوم الرحمة والشفقة، وأدار برأسه خمار الحقارة وخبائث البدعة والضلالة:
على غير حزم في الأمور ولا تقى ... ولا نائل جزل تعدّ مناقبه «٢»
стр. 136
وعندما اتجه من هناك إلى القصبة، صادف وقت ارتفاع الماء في نهر شور، فخاف من عبور الماء، وكان جيش سبزوار قد خرج من المدينة ووقف محاذيا لشط الوادي.
وحدث أن جاء حائك من أهل سبزوار، فألقى بنفسه في الماء وعبر، فتجرأ الخوارج على العبور:
نزو الفرار استجهل الفرارا «١»
وحملوا، فقتلوا خلقا كثيرا، ومن هناك- حيث رباط علي آباد- اتجهوا إلى مدخل القصبة [٤٥] فدخلوها، وظلوا سبعة أيام بلياليها يقتلون الذكران من البالغين أو الأطفال، لأن حكم الأطفال في مذهب الخوارج كحكم آبائهم وأمهاتهم «٢» ، وقد
стр. 137
حوصر مجموعة من الأطفال مع معلمهم في أحد المساجد، فهدّوا سقف المسجد على رؤوسهم، حتى لم يبق في القصبة من الذكور أحد إلا الذي كان هاربا أو غائبا عنها.
وذكروا أن من قتل في أيام حمزة بن آذرك في سبزوار قد تجاوز الثلاثين ألفا من الرجال والأطفال.
ماذا أؤمل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
أرض تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد «١»
****
احترق العالم تحت أقدامهم ... من بساتين وصحارى وجبال وسهول
وتحول لعاب السيوف الهندية نارا ... وأصبح العيش مرّا على الناس
اضمحل الناس بعد صخبهم ... ذابوا كالرصاص في النار الملتهبة
لم يشمل الأمان أحدا منهم ... ولم ينج أحد منهم من القتل
وعندما غادر القصبة، لم يكن هناك فيها- لمدة شهر- ولا رجل واحد؛ حيث بدأ بعد ذلك بعض الضعفاء الذين كانوا قد آثروا السفر، بالعودة إليها، ولكن «بقية
стр. 138
السيف أنمى عددا، وأكثر ولدا» «١» ، فقد قدر الخالق في هذه الدنيا، أن يتصل كل أول بآخر، وكل عمران بالخراب، وأن يمر قلم الفناء والزوال على ناصية كل نظام في العالم [٤٦] .
* إن كنت ذكيا فاكشف السر ... وتحدث عن المخفي من أحوال العالم
فلطالما مرّ الزمان مسرعا ... على الملك والجيش، والجبل والسهل
وطالما تحول ذوو التيجان ترابا ... وأصبح العالم خاليا منهم ومن آثارهم
وفي أي مكان وضعت قدمك ... فإن تحتها ملكا مدفونا
وكان أهل هذه القلعة الواقعة في وسط القصبة، المسماة سبيد دز «٢» ، يجصصونها من الخارج في كل عام بالكلس الأبيض، ولم يبق في القصبة خلق أكثر من أولئك الذين اتخذوا من القلعة القديمة ومن هذه القلعة مسكنا:
خابوا جميعا بعد ما غنموا ... قلّوا زمانا بعد ما كثروا
غابوا فما أبقوا لنا أثرا ... ماتوا وعنهم ما لنا خبر
****
تعلم نظام هذا الفلك ... حيث لم يكتب الخلود لأحد
تصعد به إلى العيّوق ليقع ... وتحافظ عليه بمائة حيلة كي ينكسر
وكان يحيى بن زيد بن زين العابدين علي بن الإمام الشهيد المظلوم الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه (عليهم) السلام، بعد مقتل أبيه زيد، قد فرّ من
стр. 139
المعركة وجاء إلى سبزوار، وكان يحيى من أئمة الزيدية، وقد نزل في مسجد شادان «١» ، وقد فصلنا فيما مضى خبر شادان هذا، الذي هو من أولاد قنبر، وكان مجيء يحيى سنة ست وعشرين ومئة وكان محمد بن علي بن موسى الرضا عليه (عليهم) السلام الملقب بالتّقيّ «٢» ، قد عبر البحر عن طريق طبس مسينا، حيث لم يكن طريق قومس مسلوكا آنذاك، إذ أصبح هذا الطريق مسلوكا منذ عهد قريب، فوصل بيهق ونزل في قرية ششتمد، ومن هناك ذهب لزيارة والده علي بن موسى الرضا، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
[٤٧] وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ مؤلف كتاب تاريخ نيسابور، أن هارون الرشيد لم يذهب إلى طوس عن طريق بيهق، وإنما عن طريق أسفرايين أما بقية المؤرخين فقد قالوا إنه ذهب عن طريق بيهق.
وعندما وصل- هارون الرشيد- إلى قرية كهناب، التي تدعى «لويد سي» ويسميها بعضهم «لوسي» ، و «لوسي» تعني الثعلب بلسان البيهقيّين، وكان فيها قحط، فنصب هناك ثلاثين قدرا «سي لويد» أطعم منها الفقراء، وقال قوم غير هذا، والله أعلم.
وكان دهقان كهناب حمّويه، وهو أبو عبد الرحمن حمويه بن عباد النّيسابوريّ السراج الطّهمانيّ «٣» .
ومن أولاده: أبو القاسم بن عبد الله بن أبي بكر محمد بن أحمد بن حمويه
стр. 140
السراج، وقد توفي أبو القاسم هذا، في ذي الحجة سنة ثلاث مئة وأربع وأربعين وهو البطن الرابع من حمويه الدّهقان الطّهمانيّ «١» .
وكانت هناك قناة قديمة، قام حمويه بعمارتها، وأجرى فيها الماء، ولذلك قيل لها «كهنه آب» «٢» .
وعندما حلّ هارون الرشيد ضيفا لديه، سأله: كم تستطيع أن تستضيفني في أيام القحط هذه؟
قال حمويه: إن كانت هناك عدالة، فإلى ما تشاء.
قال: أي عدالة تريد؟
قال: أن لا يتعرّض للمزروعات والمحاصيل، وأن تأمر الشحنة وأعوانه أن لا يسرفوا في القش والحطب، لأن كلا الإتلاف والإسراف مضر بالمنافع:
ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطيّ بلا سنام «٣»
وقد جعل هارون الرشيد حاجاته وطلباته ومقاصده، مقرونة بالنجح والإجابة والإسعاف؛ وقد أقام أربعة أشهر، بسبب المرض الذي حلّ به.
وعندما أراد هارون الرشيد التوجه إلى طوس، قال لوزيره الفضل بن الربيع، لقد كان لهذا الدّهقان يد بيضاء في تشييد معالم الضيافة، ولم يترك شيئا من أعمال المروءة، لذا فقد أصبح لزاما علينا أن نكافئه، وأن نصونه من العجب، وأن لا نضيع
стр. 141
[٤٨] شيئا من أياديه وحسن خدمته.
وحدث أن حضر بختيشوع «١» الطبيب في حضرة الخليفة، وأعلن عن احتياجه للفلفل الأبيض، لعلاجه، فاستدعى الخليفة حمويه للمثول في حضرته، والوقوف خاشعا قرب سدّته، وقال له، أيها الدّهقان نحن بحاجة للفلفل الأبيض، وإحضاره فرض عليك، كي لا ينقص من ضيافتك لنا شيء.
ذهب حمويه وهو في حيرة من أمره إلى بيته، وكان له بنت عاقلة، فعرض الأمر عليها، وكان لتلك الفتاة عقد لؤلؤ على جيدها كل حبة فيها تامة الوزن من اللؤلؤ الرطب القطري الذي وزن الحبّة الكبيرة منه تزن مثقالا، والعمانيّ الذي قيمة حبته تعادل نصف قيمة القطري، واللؤلؤ المقعد وخماناخ «٢» ، والأصفر القطري «٣» المدحرج واللازك والورديّ والمضرّس واللباني مما لم يشاهد مثله. فقطعت البنت عقدها هذا ووضعته في طبق وأعطته إلى أبيها قائلة: اذهب إلى الخليفة وبعد التمهيد وتقديم الاعتذار قل له: لقد كان في بيتنا فلفل أبيض، لكن لما حل ظل راية الخليفة على هذه البقاع، وتحول الليل إلى نهار، وهزم الإقبال الإدبار، تحول الفلفل الأبيض إلى لؤلؤ قطري رطب. حفظ حمويه وصية ابنته وذهب إلى الخليفة الذي رحب به وقال:
إذا الله سنّى عقد شيء تيسّرا «٤»
стр. 142
ولم ينقص من تلك الضيافة شيء وكان الختام أحلى من البدء، وأمر الخليفة بوضع خراج كهناب وقرية عبد الرحيم عنه، وكان عبد الرحيم هذا ابن حمويه، كما كان لحمويه هذا قرية قرب نيسابور تدعى حمويه آباد.
وفي العام مئتين واثنتين من هجرة النبي ﵇، عندما كان المأمون متوجها إلى بغداد، قتل وزيره ذو الرئاستين، الفضل بن سهل في الحمام بمدينة سرخس، [٤٩] وسقي علي بن موسى الرضا (الإمام علي بن موسى الرضا ﵇ السم بسناباد طوس «١» .
وقد قصد المأمون بغداد، بعد أن بايع أهل بغداد ابن عمه إبراهيم بن المهدي، بسبب تعيين المأمون عليّ بن موسى الرضا ﵇ خليفة ووليا للعهد؛ وقد اجتاز المأمون ببيهق، وأقام فيها مدة، حيث نزل بأعلى الرستاق في قرية نزل آباد، وأنقص جزءا من خراج بيهق، وتوجه من هناك إلى جرجان، فحكم وعدل، ولما رأى جرجان بلدة ممطرة موحلة، قال: أخرجوني من هذه البقعة البوّالة الرشاشة، وأنقص من خراجها، وتوجه إلى الري، وأسقط من خراجها ألف ألف درهم مرتين، والله أعلم.
فصل: كان المسجد الجامع لقصبة سبزوار قد خرّب على عهد حمزة بن آذرك الخارجي، وكان الناس يذهبون إلى خسروجرد لصلاة الجمعة والأعياد، وكان في القصبة امرأة متمولة متوطنة فيها، وحدث في يوم من الأيام أن تنازع أهل خسروجرد مع أهل قصبة سبزوار حول رؤية الهلال، وقالوا: إن اليوم ليس عيدا لدينا، فتشاور
стр. 143
المشايخ وقالوا: ربما كان بستان هذه المخدرة المتموّلة يحل هذه المعضلة، ونهضوا، وذهبوا إلى باب قصرها، فسمعوا صرير مغزلها، فقالوا لبعضهم: إننا لن نغنم منها شيئا، إلا أنهم عرضوا الأمر عليها، فقالت تلك العجوز رحمها الله؛ أخبروني كم سيكلّف بناء المسجد، لكي أكتب ذلك في شهادة الوقف، وكم سيقطع من أشجار هذا البستان لتشييد سقوف المسجد، وعن مقدار أجور الأجراء والفعلة لأدفعها.
فقال القوم: شكر الله سعيك، إن ديانتك هي التي جعلتك سخية، وجودك قد أخذ المعنى من جود معن، ولكن ما الذي دعاك إلى الغزل مع هذه الهمة والديانة التي جعلتك تقرئين الفاتحة على الشباب وتخلعين ثوب حب الدنيا وتختارين الآخرة لك عنوانا؟
فقالت: بلغني حديث عن المصطفى صلوات الله عليه [٥٠]- وكنا قد روينا هذا الحديث في بداية هذا الكتاب عن المهلب بن أبي صفرة «١» -، وأنا أرى التبرك بهذا الحديث واجبا، والأمر الآخر، إن غاية صلاح المرأة في جلوسها، وليس هناك من عمل يعين على الجلوس إلا الغزل.
وقد بنوا هذا المسجد في التاريخ الذي كان فيه المعتمد على الله خليفة، وحاكم خراسان الأمير أحمد بن عبد الله الخجستانيّ. وقد رأيت المنبر الذي كتب عليه اسم أحمد الخجستانيّ وتاريخ سنة مئتين وست وستين، وإلى عصرنا هذا كان هناك منبر أسود مصنوع من خشب الآبنوس، وعضادتاه من خشب الجوز المصبوغ باللون الأسود، وقد أخذ- بعد ذلك- العميد عبد الرحمن بن إسماعيل بن حسين الدّهّان ذاك المنبر، ووضع بدلا منه المنبر الموجود الآن، وذلك في شهور سنة خمس وخمس مئة.
وقد جدّد الأمير أبو الفضل الزّياديّ عمارة هذا المسجد بصورة لائقة، في شهور
стр. 144
سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وما زال أثر من تلك العمارة باقيا إلى الآن، أما بناء منارته، فقد أعطى السهم الأول من تكاليفها- وقدره ألف درهم- الشيخ أميرك الكاتب، إلى الشيخ أبي نعيم أحمد بن علي «١» ، الذي تكفل بإعطاء الباقي من ماله الخاص، وصك التسليم، وورقة الحوالة المذكوران هما الآن عندي، وكان إعطاء الشيخ أميرك المال المذكور في سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، ثم إن المنارة المذكورة سقطت مرة أخرى بعد ذلك في الزلزال الذي حدث عام أربع وأربعين وأربع مئة.
وكان بدء عمارة تلك المنارة، أنهم بنوها حتى وصلوا بها إلى الحجرة، ثم تركوها عاما كاملا، وقيل إن السبب في ذلك، أنهم أرادوا للمنارة أن تستقر وترسخ طيلة هذه السنة، ولا يظهر فيها الخلل.
وقد قام الشيخ أميرك النّزلاباديّ في سنة أربع وستين وأربع مئة بتشجير المسجد؛ وكان فضاؤه مفتوحا قبل هذا، فأتم الشيخ أميرك [٥١] على هذه الهيئة عمرانه.
وكان الأمير أبو الفوارس شاه ملك بن علي البرّانيّ، في بداية دولة آل سلجوق، قد هاجم القصبة- قصبة سبزوار- بجيش جرار، وأشعل فيها نيران الحرب، وقد رأيت بنفسي أولئك الشيوخ الذي شهدوا تلك الحرب، فذكروا أن شيخا له مئة عام من العمر يدعى أبو عليك الحذّاء، ذهب مرة حافيا لقضاء حاجته، وكان أحد العساكر التّرك كامنا برمحه الخطّيّ، فرمى ذلك الشيخ برمحه، فأصاب قدمه، فهبّ الشيخ واقفا، ولشدة فزعه، سقط على الأرض، فانكسر الرمح إلى قطعتين في قدمه، فأمسك القطعة المكسورة وبقية الرمح، وكرّ على التّركيّ الذي هرب إلى شاه ملك، وشرح له ما وقع، فقال شاه ملك، إن أرضا يركل فيها شيخ عمره مئة عام رمحا خطيا فيكسره، لا يمكن أخذها بالحرب، وعاد يائسا دون أن يصل إلى هدفه:
стр. 145
وجيش تكون أميرا لهم ... قصارى أولئك أن يهزموا «١»
وكان لقب شاه ملك هو خوارزم شاه حسام الدولة ونظام الملة، وقد ورد القصبة وحاصرها بعد أن حلّت به الهزيمة على أيدي الخوارزميّة، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وفي شهور سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة، تجمّع لفيف من مدن طوس وأسفرايين وجوين، واتجهوا نحو القصبة، بعد أن تبايعوا على تخريب تلك البقعة، وتدمير قنواتها، إلا أن أهل القصبة بعثوا طالبين العون من أهالي ربع كاه، وربع ديوره، فهبوا لنجدتهم يتقدمهم رئيس المقاتلين، الذي قاد جموع المحاربين الذين رضعوا الملاحم في المهد من ثدي الطعن والضرب، ففرقوا جموعهم:
وإذا ما أتوك بالخيل فاعلم ... أنّها عدّة ليوم الفرار
وفي شهور سنة ست وتسعين وثلاث مئة، هاجم القصبة جيش من الرماة بقيادة أحمد توانكر، حيث التجأ الناس إلى القلعة، وتواصلت الحرب شهرا كاملا، إلى أن رمى أحد غلمان الشيخ أميرك الكاتب البيهقيّ «٢» بسهم، فأصاب أحمد توانكر فقتله [٥٢] ، فكان ذلك السهم- بتقدير الله- رسول أجله، وقد دفنوه في أعلى قرية إيزي، وتفرق جيشه.
ومن ظنّ ممن يلاقي الحروب ... أن لا يصاب فقد ظنّ عجزا «٣»
وفي غرة صفر من سنة أربع وأربعين وأربع مئة ابتدأ وقوع الزلازل في بلدة بيهق وخاصة في ربعها، وتواصلت طويلا، بحيث لم يتمكّن الناس من الإقامة في مساكنهم
следующие страницы →