Полный текст (657 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ابن الصلاح.
والعبارة هي: «وإن ابن الصلاح نقل ذلك من كتاب وسائل الألمعي في فضائل أصحاب الشافعي من (تصنيف) أبي الحسن ابن أبي (القاسم) البيهقي المعروف بفندق ... رأيته منقولا عن مجموع يشتمل على جماعة من الشافعية جمعه أبو النجيب السهروردي ﵀ » «١» .
٨٢. وشاح دمية القصر ولقاح روضة العصر، مجلد ضخم (مشارب؛ خريدة القصر «شعراء إيران» ، ٢/٩٨، وفيه: «وصنف كتابا في شعراء عصره سماه وشاح دمية القصر، وهو موجود بخراسان» ؛ كشف، ٢/٢٠١١؛ هدية، ١/٧٠٠؛ الذريعة، ٢٥، ٩٣) .
قال البيهقي إنه بدأ بتصنيفه في غرة جمادى الأولى سنة ٥٢٨ هـ، وفرغ منه في شهر رمضان سنة ٥٣٥ هـ «٢» . نقل منه البيهقي نفسه مقتطفات في غرر الأمثال (٦٥ أ، ١٩٩ أ) وفي لباب الأنساب (٢/٥١٥، ٥١٧، ٥١٩، ٥٣١، ٦٢٠) وذكره في تتمة صوان الحكمة (ص ١٥٩، ١٧٠) . أكثر ياقوت في النقل منه في معجم الأدباء (انظر فهرست الكتاب، ٧/٣٥١٠) ، كما نقل منه ابن الفوطي (الترجمة ٥٥٧٤) . وفي بغية الطلب (٦/٢٦٩٢) قال ابن العديم: «قال أبو سعد السمعاني وقرأت في وشاح دمية القصر ... » .
٨٣. الوقيعة في منكر الشريعة، مجلد واحد، (مشارب؛ كشف، ٢/٢٠١١؛ هدية، ١/٧٠٠، ٢/٧١٤) .
وفي معجم البلدان نقل ياقوت من «أبي الحسن ابن زيد البيهقي» الذي لا شك في أنه مؤلفنا، تسعة مواقع جغرافية جميعها مدن وقرى تابعة إما لنيسابور أو بيهق،
стр. 72
لكنه لم يحدد اسم المصدر الذي اقتبس منه، ويبدو أنه كان ينقل بالواسطة من مصدر نقل من أحد مؤلفات البيهقي (انظر: فهرس الكتاب، ٣٥٣) .
هذه الترجمة إلى العربية
تحاشيا لما يقع به بعض مترجمي النصوص التراثية حين يستخدمون مفردات ومصطلحات حديثة ومعاصرة في ترجمة نصوص غبرت عليها القرون، مما يشكل عيبا فاضحا في الترجمة، فقد اخترت منهجا صارما في ترجمتي لتاريخ بيهق يعتمد على استخدام المفردات العربية التي كان البيهقي يستخدمها في مؤلفاته والمفردات الشائعة في مؤلفات علماء وأدباء وكتّاب نبغوا في بيهق ونيسابور وما وراء النهر، وهي البلدان التي عاش فيها البيهقي أو تردد عليها، لتظل لغة الكتاب منسجمة مع عصر المؤلف وثقافته، آخذا بنظر الاعتبار السؤال التالي: لو قيض للبيهقي أن يؤلف كتابه تاريخ بيهق بالعربية فأية مفردات كان سيستخدم؟ والجواب البسيط على ذلك هو أنه سيستفيد من مخزونه من المفردات التي دأب على استخدامها في مؤلفاته. وعندها التجأت إلى المتوفر من مؤلفاته مما نجا من عوادي الزمن وهو واف بالغرض لوجود كمية متنوعة يمكن الاستعانة بها في هذا المضمار، وكان تنوعها عاملا مساعدا على ترجمة شتى المفردات والجمل سواء أكانت في اللغة والشعر والأمثال أم في الحديث والتفسير والبلاغة والفقه وغير ذلك.
والترجمة مع الالتزام بهذا الشرط عملية عسيرة لكوني قد ألزمت نفسي- طوعا ولغايات علمية جمالية- باستخدام لغة المؤلف التي كان يكتب ويتحدث بها في بيئة خراسان وما وراء النهر قبل ما يزيد على ثمانية قرون ونصف، مستعينا بقراءة مؤلفاته الباقية بين أيدينا، وقد دعت الحاجة أحيانا إلى إعادة قراءتها لترسيخ مفرداتها في الذهن وطريقة المؤلف في صياغة عباراتها، وهي: تتمة صوان الحكمة، معارج نهج البلاغة، لباب الأنساب، وهي مطبوعة. وغرر الأمثال وهو مخطوط. كما استعنت بالمعجمات العربية- الفارسية التي كانت رائجة في تلك الأصقاع على عهد المؤلف، وبشكل
стр. 73
خاص التي درسها في صباه أو شبابه وهي: كتاب المصادر في اللغة للقاضي الزوزني الذي حفظه في عهد الصبا، وكتاب تاج المصادر الذي حفظه على مؤلفه أبي جعفر المقرئ، والسامي في الأسامي الذي قرأه على مؤلفه أحمد بن محمد الميداني، والبلغة في اللغة لأبي يوسف يعقوب بن أحمد الكردي النيسابوري وهو والد شيخه الحسن بن يعقوب الذي قرأ عليه نهج البلاغة، وأفدت أيضا من مقدمة الأدب لمعاصره الشهير محمود بن عمر الزمخشري. وجميع هذه المعجمات مطبوع. وهذه الطريقة وما رافقها من صعوبات، حيث أجيل الفكر زمنا طويلا أحيانا بحثا عن مفردة عربية خراسانية مما كان يتكلّم به علماء خراسان وأدباؤها قبل ٩٠٠ سنة قد جعلتني أكثر رضا عنها.
تحقيق الكتاب
استغرقت علمية تحقيق الكتاب سنوات كنت أضعه أحيانا جانبا لأعود إليه بعد مدة وقد عثرت على معلومة جديدة أو ترجمة حياة ممن ضاع خبره علي فيما بين يدي من مصادر قبل ذلك. وكنت خلال ذلك أترقب ما يطبع من كتب التراث بالعربية والفارسية لأجد فيها ما يوضح غامضا أو يضيف شيئا. وحدث أحيانا أن صدرت طبعات جديدة لكتب كانت قد طبعت فيما مضى، فكنت أبادر إلى مراجعة هوامشي زيادة في التأكيد على صحة ما نقلته منها. فقد أعدت النظر مثلا في جميع نقولي من طبعة معجم الأدباء عند صدور الطبعة المتقنة التي دبجها يراع الأخ الغالي علّامة فلسطين الدكتور إحسان عباس (طيّب الله ثراه) «١» للدقّة التي روعيت فيها، حيث اعتمد- فضلا عن مخطوطات الكتاب المتوفرة لديه- على نسخة مختصرة له وجد فيها حوالي ١٦٠ ترجمة لم تكن موجودة فيما صدر من طبعاته، وتلك غنيمة كبرى.
وكذلك في نقولي من كتاب تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي الذي ظل يعاني
стр. 74
الغلط والنقص والتحريف والتصحيف حتى صدور طبعته المتقنة على يد المحقق الماهر الدكتور بشار عواد معروف.
وفضلا عن ضبط ما في الكتاب من وقائع تاريخية وأدبية ومعلومات جغرافية، فقد شغلت بضبط أسانيده وأسماء أعلامه التي فشا فيها الخرم والغلط والتصحيف والتحريف، فقد وجدنا مثلا عبد الجبار الأعلى (ص ١٤١) وبعد لأي رأينا صوابه:
عبد الجبار الأيلي؛ أو أحمد بن مغيرة (ص ١٥١) وصوابه ابن عميرة؛ وعبد الجبار بن بغاطر، الذي صوابه: أحمد بن يعقوب بن عبد الجبار بن بغاطر. وحدث قلب في الأسانيد أحيانا حيث وجدنا: أخبرنا عبد المنعم بن إدريس عن عيسى بن موسى الأنصاري (ص ١٥٩) ، والصواب عكس ذلك أي أن يحدّث عيسى الأنصاري عن عبد المنعم، فضلا عن أن صواب اسم عيسى هو: عيسى بن إسحاق بن موسى، وغير ذلك في عشرات المواضع، وقد نبهت إلى كل ذلك في الهوامش فلعل لأفاضل المحققين رأيا آخر فيما ارتأيته؛ كما حرصت على التعريف بأعلامه المترجم لهم، وبشكل خاص أولئك الذين لم أجدهم في المظانّ المتوفرة لديّ، فحين لا يكون في النص ما يدلّ على العصر الذي عاش فيه هذا، لجأت إلى ما كنت قد لجأت إليه في تحقيقي كتاب القند في ذكر علماء سمرقند، وهو أن أعرّف بشكل موجز جدا بشيخ المترجم له أو الراوي بشكل مباشر عنه، على أن أذكر تأريخ وفاة هذا الشيخ أو الراوي، ليعلم بشكل تقريبي عصر المترجم له، باذلا في ذلك ما استطعت من جهد لمعرفتي بأهمية الكتاب لمكتبتنا العربية، وآمل أن أكون قد وفّقت إلى شيء من الإتقان، والله الموفق للصواب.
يوسف الهادي دمشق، آب ٢٠٠٣
стр. 75
كلمات ورموز
دأب البيهقيّ في «تأريخه» هذا على استخدام بعض الكلمات الدالة على معان خاصة، مما شاع استخدامه على عهده وما تلاه لدى الكتاب والمؤرخين وهجر فلم نعد نألفه في عربيتنا المعاصرة. ولما وجدناه يستخدم هذه الكلمات نفسها في مؤلفاته التي دوّنها بالعربيّة، آثرنا الإبقاء عليها في ترجمتنا للكتاب:
ارتبط
اختار، عيّن، ضمّ إلى حاشيته. ورد في «تاريخ بيهق» (في ترجمة المغيثيّ) : «ارتبطه الأمير عبيد الله بن عبد الله فنال بمذاكرته كمال المؤانسة» ، وفي ترجمة البحرويّ: «ارتبطه الفقيه الأجل شقيق نظام الملك في نيسابور لتأديب أولاده» (ص ١٥١، ٢١٠) . وقد شاع استخدام هذا الفعل لدى مؤرخي ذلك العصر وما تلاه، ففي «دمية القصر» : «استكرمه الصاحب نظام الملك فارتبطه» ، وفيه أيضا:
«ارتبط لمنادمته نفرا من الفضلاء، ولو بعثرت خراسان لم تجد لواحد منهم نظيرا» (١/١٩٦، ٢/٣٧٩، ط العاني) . وفي ترجمة مسعود السّجزيّ من «المنتخب من السياق» (ص ٤٧٢) : «ارتبطه نظام الملك بناحية بيهق ثم بطوس للاستفادة منه» . وفي «تاريخ مدينة دمشق» (٢٣/٣٨٨) : «ارتبطه بها إسماعيل بن أحمد والي خراسان» .
الحبالة
كون المرأة في عصمة الزوج. من ذلك مثلا ما ورد في «تاريخ بيهق» (ص ٢٢٦) : «وله بنتان إحداهما في حبالة السيد ذخر الدين» . والحبالة مطلقا هي شراك الصائد وكذلك الشبكة. وقد استخدم المؤلف بكثرة هذه الكلمة مجرّدة في «تاريخ بيهق» وكذلك في «لباب الأنساب» عندما قال مثلا: «كانت كريمة من كرائمه في حبالة السيد الأجلّ ... »
стр. 76
(٢/٦١١، انظر أيضا: ١/٣٣٧، ٢/٦٠١) . وترد لدى الكتّاب الناطقين بالفارسيّة مجرّدة أيضا (انظر مثلا: «طبقات ناصري» ، ١/٢٤٠، ٢٥٨) ، وقد ترد مضافة كما في «شيراز نامه» (ص ٩١) :
«في حبالة النكاح» . أما في العربيّة فالغالب أن تأتي مضافة، ففي «فتح العزيز» (١١/٢٥٢) : «كون الزوجة في حبالة الزوج» ، وفي «مفردات غريب القرآن» (ص ٣٠٦) : «هي طالق: مخلاة من حبالة النكاح» ، وفي «فقه القرآن» (٢/٢٠٥) : «في حبالة الزوج» .
درج
مات ولم يخلّف نسلا. روى المؤلف عن الحسن القطان المروزيّ قوله:
«درج: مات صغيرا قبل أن يبلغ مبلغ الرجال» ( «لباب الأنساب» ٢/٧١٨) . وقال في «لباب الأنساب» أيضا (١/٣٢٦) : «أهل المغرب يطلقون لفظ درج على من مات فحسب، وأهل العراق يطلقون لفظ درج على من انقرض ولم يخلف نسلا وانقرض، أي كان له عقب فانقرض هو وعقبه» . قلت: لعل صواب العبارة: «ولم يخلّف نسلا [أو خلّف نسلا] وانقرض» . وقال في «تاريخ بيهق» (ص ١٠٥) :
«درج الإمام حمزة ولا عقب له» ، وقال في الصفحة ٦٢: «وكان للسيد محمد الأصغريّ أولاد وأعقاب في ميدان، لم يبق منهم الكثير، درجوا وانقرضوا» ، لكنّه قال في الصفحة ١٠٥: «درج عن بنات» ، وفي الصفحة ١١٨: «درج عن بنت» .
الفترة
الفتنة واضطراب الأوضاع الأمنية لصراعات داخلية أو لهجوم قوات غازية. والكلمة عربية في أصلها وتعني الانكسار والضعف. قال في «تاريخ بيهق» : «حفظ هذا السيد هذه الناحية في عهد الفترة من العيارين والمفسدين» و «.. انتقل إلى رحمة الحق تعالى بجاجرم خلال
стр. 77
أيام الفترة هذه» ، و «ظهرت الفترة واستولى العيارون على القصبة» (ص ٥٩، ٢٣٠، ٢٧٤) . وقد استخدم هذه الكلمة في «لباب الأنساب» عندما قال: «في فترة الغز سنة ٥٤٩ هـ» (٢/٦٠٥) ، واستخدم لنفس هذه الواقعة مرة كلمة الفتنة عندما قال: «توفي بنيسابور قبل الفتنة الأولى في شهور سنة ٥٤٩ هـ» ( «تاريخ بيهق» ، ٢٣٠) ، لكن الغالب عليه استخدامه «الفترة» . وهي شائعة لدى المؤرخين الناطقين بالفارسيّة، فهذا الخليفة النّيسابوريّ يدعو لمدينته فيقول: «نيسابور، صينت من الفتور» ( «ترجمة تاريخ نيسابور» ، ٦٢) ، بل إن الآقسرائي يجمع بينها وبين الفتنة في جملة واحدة فيقول:
«لجأ عامة الخلق إلى المغارات والحصون، خوفا من الفتور والفتون» ( «مسامرة الأخبار» ، ١٨٥) . أما في العربيّة، ففي «تتمة يتيمة الدهر» : «نظر فيها (في الوزارة) أيام الفترة بمؤخر عينه» (ص ٢٤٩) .
وفي «التحبير» (٢/٤٢٢) و «منتخب معجم شيوخ السمعاني» (٢٩٤ ب) في ترجمة عائشة بنت أحمد الصّفّار: «فقدت أيام الفترة وإغارة الغزّ منتصف شوال سنة ٥٤٩ هـ» .
المثال
المنشور أو كتاب التوصية من الخليفة أو السلطان إلى جهة رسمية (وزير أو موظف حكومي) للتعريف بشخص ما وتوفير ما يحتاجه وتيسير أمره أو لتعيينه في منصب. قال في «تاريخ بيهق» (ص ٥٩) : «كتب له مثال من ديوان السلطان سنجر فوجّه إلى وزير دار الخلافة» (انظر أيضا:
ص ١٢٣، ١٤٠) . وقال في «لباب الأنساب» متحدثا عن نقيب أستراباد: «والتمست له من الحضرة مثالا لنقابة سادات أستراباد، فورد عليّ المثال في أواخر جمادى الآخرة سنة ٥٤٦ هـ، وبعثت المثال
стр. 78
إليه» (٢/٥٨٤) ، ونقرأ في «اليمني» (٨٠ أ- ٨٠ ب) : «كان للسلطان سنجر ﵀ شريك في التجارة معروف يقال له موفق الدين، وكان معه أمثلة السلطان لئلا يتعرض له في طرف من الأطراف عشّار ولا بيّاع» . وفي «تاريخ دولة آل سلجوق» للعماد الأصفهانيّ:
«مضمون المثال السّلطانيّ» و «كان يوقّع الأمثلة السّلطانيّة» (ص ١٢٩، ١٤٨) . وفي «أخبار الدولة السّلجوقيّة» (ص ٢٠) : «يقول: مولانا! وقّع هذا المثال» .
المصافّ
المعركة. قال في «تاريخ بيهق» مثلا: «قتل الاثنان في مصاف الخان الصيني مع السلطان سنجر» و «عندما ذهب السلطان سنجر لمصاف قراجه» (ص ٢٢٦، ٢٧٠) . والكلمة عربية وهي من صفّ القوم إذا رتّبهم صفوفا استعدادا للحرب وغيرها، وصافّ القوم مصافّة في الحرب: وقفوا مصطفّين. واستخدمها بكثرة في «لباب الأنساب» :
«رماه بسهم في المصافّ» و «قتل في المصافّ بكربلاء» و «قتله أصحاب القلاع في المصافّ» (١/٣٢٧، ٣٩٧، ٤٢٤) ، وفي «معارج نهج البلاغة» : «مصافّ بين التّرك والعرب» (ص ٢٢٠، ط دانش بزوه) .
وشاع استخدامها في كتابات مؤرخي تلك الحقبة وما قبلها وما تلاها من عرب وفرس (انظر مثلا: «زين الأخبار» ، ٤٣٧؛ «طبقات ناصري» ، ١/٩٦، ٢٤١ ... ؛ «تاريخ غزنويان ... » ، ٤٣٧؛ «تاريخ دولة آل سلجوق» للعماد، ٨٣، ٨٤، ١٢٥؛ «أخبار الدولة السّلجوقيّة» ، ٨٢، ١٤٨، واستخدم هنا فعل الكلمة: «ثمّ صافّ أخاه الملك» ؛ «سير أعلام النبلاء» ، ٢١/٣٢٢؛ «الكامل في التاريخ» ، ٣٦٧؛ «كنز الدرر» ، ٩/٧٢، ٨١؛ «عجائب الآثار» ، ١/١٩٦، ٥٧٧) .
стр. 79
() ما وضع بينهما مأخوذ من المخطوطات الأخرى ل «تاريخ بيهق» غير مخطوطة المتحفة البريطانية التي اتخذها أصلا أحمد بهمنيار محقق الطبعة الفارسيّة واعتمدناها بدورنا، مثلا: وجيه (وحيد) الفضلاء، أو:
النبي ﵇ ﷺ ، أو: النبي ﷺ ﵌ ، أو: بلاد سقسن (سقسين) .
[] ما وضع بينهما أضيف لإكمال معنى أو سياق.
* ما وضعت أمامه هذه النجمة فهو الشعر الفارسيّ المترجم.
الأصول
مخطوطات الكتاب المعتمدة في التحقيق.
الأرقام الإنجليزية المطبوعة ما بين عضادتين هكذا [] في متن الكتاب هي أرقام صفحات الطبعة التي حققها الدكتور أحمد بهمنيار. وقد تمت الإحالة إلى أرقام صفحاتها عند الاقتباس من «تاريخ بيهق» في المقدمة وهوامش الكتاب.
стр. 80
القسم الأول تأريخ بيهق
مقدمة المؤلف
стр. 81
بسم الله الرحمن الرحيم [١] الحمد لله الذي دلّت الدلائل الواضحة، والبراهين الراجحة، حقا وصدقا على عزته ووحدانيته، وفتح عارفوه بمفاتيح العرفان أبواب الألباب، ولم يحرم الشائم لبوارق لطائفه من ظلال نيل الآمال، والتحليق بجناح هزّة الإيمان وعزته في آفاق حسن الاتفاق، وسلك العارفون به طرائق الجد والاجتهاد طلبا لغايات رضوانه.
ومن تعرّض لنفحات كرمه، يسمعه هاتف ألطافه في كل ساعة، بل في كل لحظة، نداء البشارات، ويقر عين سره المكنون وأبصار بصيرته ببرود «١» الهداية وكحل التوفيق. الذي لا تبلغ مقاود اللسان ومقالد البيان غاية بريق درر الشكر من أصداف ألطافه، وتعجز الأذواق عن اجتناء بواكير تفاصيل حكمته وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«٢» .
والصلوات والتحيات الوافرة لحضرة سيد الأولين والآخرين محمد المصطفى، الذي زيّن ساعد السعادة الكبرى بأساور مفاخر متابعة شريعته، وعجزت الأقلام عن التقرير، والأوهام عن التوهم والتصوير، لغايات فضائله، وهي لن تبلغ غايتها [٢] :
وما حملت من ناقة فوق ظهرها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد «٣»
تبسّم به وجه الزمان، وقرّت عين الشريعة بحلل رسالته، وفتحت أبواب أرباب
стр. 82
الألباب بمفاتيح الأمن والأمان، فالحق زاه والباطل حيران. والتحيات التي آياتها في سور العقائد الطاهرة مذكورة، ورقومها في جرائد البقاء مسطورة:
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري «١»
وعلى آله وأولاده الطاهرين المنتجبين الذين قدروا مواهب الخالق جلّت عظمته، وسعدت قلوبهم بمتابعة سيّد ولد آدم:
تحيات كأنفاس الغوالي ... تمازج عرفها ريح الشمال
وبعد، فيقول أبو الحسن علي بن الإمام شمس الإسلام أبي القاسم زيد بن شيخ الإسلام جمال القضاة والخطباء أبي سليمان الأمير محمد بن الإمام المفتي فخر القضاة أبي علي الحسين بن القاضي الإمام إمام الآفاق أبي سليمان فندق، بن الإمام أيوب بن الإمام الحسن بن عبد الرحمن بن القاضي أحمد بن عبيد الله بن عمر بن الحسن بن عثمان بن أيوب بن خزيمة بن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين صاحب رسول الله صلى الله عليه، بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عثمان ابن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو آدم الثاني ﵉:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع «٢»
[٣] كان أهل العلم قبل هذا مستظهرين بوسائل العلم وذرائعه، وكانوا يؤدون
стр. 83
شكر لذة طلب العلم على قدر الاستطاعة والإمكان، وينشدون بإخلاص وابتهال في الأوقات المباركة ثبات أقدامهم على جادة السنة والشريعة وبعون عناية سلاطين ذلك الزمان بلغوا أصول السعادة، محترزين من المطامع الدنية، والمطاعم الوبية:
وكان الصديق يزور الصديق ... لكسب المعالي ونشر العلوم
فصار الصديق يزور الصديق ... لشكوى الزمان وبثّ الهموم «١»
أما في هذه الأزمان غير المؤاتية والعصر الغدار، والزمن الملآن بالمحن والفتن، حيث الآمال والأماني على شفا الاضمحلال، وجدة العلم لدى الناس منسوخة، وعارفها كالعنقاء والكبريت الأحمر «٢» ، والكل يشكو جور الزمان:
زماننا ذا زمان سوء ... لا خير فيه ولا صلاحا
فكلّنا منه في عناء ... طوبى لمن مات فاستراحا «٣»
стр. 84
عندها دعاني داع على حين غرة لإحياء العلوم على قدر المستطاع، والتجديد في كل فن منوط بمقدار السعي «وجهد المقلّ غير قليل» «١» .
وقد عزّت علوم في بلاد خراسان هذه الأيام، واندرست آثارها، منها: علم الحديث النبوي، حتى إنه لو كتب أحدهم عشرة أسانيد: خمسة منها صحاح، وخمسة خطأ، فقلّما يوجد الشيخ الذي يعرف الصحيح والسقيم من تلك الأسانيد، أو المحدث العارف لأستاذه الذي يروي عنه، وما هي مفرداته، وكم هو عدد الطلاب والمستفيدين الذين نقلوا عنه، ومن كان منهم العدل أو المجروح. وإنها لمصيبة عظمى وبلاء كبير أن لا يكون في أمة محمد رسول الله فيما يزيد على مئة فرسخ عالمان اثنان ناقدان لأسانيد وأحاديث المصطفى ﷺ [٤] :
مضى العلماء وانقرضوا ... وها أنا للردى غرض «٢»
وأما العلم الآخر، فهو علم الأنساب، وهو علم شريف، إذ لكل أمة علم خاص بها: فللروم علم الطب، ولليونانيين علوم الحكمة وأصول الطب وميزان المنطق التي ارتوت مراعي المساعي ومسارح مناجح العالمين بقطرها، وانجلت بمجاهدات ومعالجات الأطباء، غمرات الأسقام، وعبرات الآلام، ووصلت القلوب بعلم ميزان المنطق من الحيرة والأقاويل إلى مرتبة الاطمئنان، وللهند الحساب والتنجيم، وللفرس علوم آداب النفس والمعرفة، وهو علم الأخلاق، وللترك علم الفروسية، وآداب السلاح، ولأهل الصين الصنائع والحرف العجيبة. قال تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
«٣» ، وكل ذات ذيل تختال.
стр. 85
وللعرب الذين شرفوا على أصناف الخلائق بسبب صاحب شريعتنا محمد المصطفى صلوات الله عليه، علوم النسب وعلوم الأمثال، ومعلوم أن العلم بهذين العلمين عزيز الوجود في يومنا هذا.
وباستثناء العرب، لا توجد أمة من الروم والتّرك والهند تعرف أسماء أجدادها، ولهذا السبب ظلت أنساب العرب وأولادهم مصونة محروسة من الشوائب، وجمعوا بين شرف الآداب وكرم الأنساب.
وما تستوي أحساب قوم توورثت ... قديما وأحساب نبتن مع البقل «١»
والعلم الآخر هو علم التاريخ، حيث انقرض عهد المؤرخين، واستقرت همم بقايا الأمم، في مهاوي القصور والنقصان، والكل يعرف لذة الجمع والمنع، وهي لذة ضئيلة إذا ما قيست إلى اللذة الكبرى، وهي كنسبة حليب الأم إلى الأطعمة اللذيذة لدى الطفل الذي ما إن يمر عليه حولان كاملان، ويدرك لذات الأطعمة والأشربة حتى لا يعير انتباها لحليب المرضع:
ومن قصد البحر استقلّ السواقيا «٢»
***
وما متعة الأعمى من شعاع شمس الصيف؟
***
[٥]
إذا عدم المرء الكمال فما له ... حياة بها يحيا ومال به يبقى
بل إن نسيم الشمال، ودبيب شمول الأوزان والألحان، في النفوس والأبدان، ليس له ذلك التأثير العجيب الذي لسوانح الفكر في مسارح العلوم والحكم، كما
стр. 86
قيل: لذة العرفان تنسي لذة الأبدان، وقيل: أين أبناء الملوك عن لذة العلم؟
تعلم فإن المرء يولد جاهلا ... وليس أخو علم كمن هو جاهل «١»
لأن العلم أنس النواظر والأسماع، وصيقل الخواطر والطباع، وغصون شجرة الإنسانية تعطي بتحصيل العلم ثمرات السعادة، والعلم في الدارين هو المرعى المونق والغدير المغدق. ومن كمال العلم، أن العلماء في المرتبة الثانية بعد الملائكة، قال تعالى وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
«٢» ، وكانت شهادتهم بعد شهادة الحق تعالى، قال تعالى قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
«٣» .
* العلم هو مفتاح كنز الوجود ... وهو عصارة المقصود
ولإن العلم نافع في الدارين ... ترى من سيستغني عنه؟
حين يسهر العالم بالبحث ... يغط الجهلة في نوم عميق
من الجهل تأتي المحن والمظالم ... وليس أحد سعيدا بالجهل
إن سير العلم في الآفاق ... أظهر كنز الفضل ومكارم الأخلاق
والمصنّف، بحكم صنوف صروف الدهر، والضعف والشيخوخة، والزمان غير المؤاتي- وهو ما لا علاج له- وقلة المال وكثرة العيال، واستغناء الخلق عن الإفادة والاستفادة:
بغير بضاعة نالوا مناهم ... فلم يسعون في طلب البضاعة؟
الذي وقفت موانع وحواجز في طريقه:
стр. 87
[٦]
تدافعني الأيام عمّا أرومه ... كما دفع الدّين الغريم المماطل «١»
***
وأخو الدراية والنباهة متعب ... والعيش عيش الجاهل المجهول «٢»
يرى بأن شكره للمواهب الإلهية منوط بما يستحصل من العلوم بنشرها وتدوينها وتصنيفها، وأن لا يدع للعتاب والملامة إليه سبيلا:
كل امرئ أسدى إليك صنيعة ... من علمه فكأنّها من ماله «٣»
ومن اللائق بعد كل تلك الأيام والأعوام المتتالية، مفرقة الأحباب، ما حقة صفات المعروف والكرم والعلوم والآداب، أن تبسّم فم المرام، وراجت بضاعة العلم بعد كسادها، وظهر الطمع في فتح باب العلوم بمفاتيح الهمّة القعساء:
كل نهر فيه ماء قد جرى ... فإليه الماء يوما سيعود
وهذا المصنّف هو دال على الخير والعلم، لأنه بتحمل السابقين للصعاب، بلغ اللاحقون المرتبة العليا:
فلولا الشمس ما لمع الثّريّا ... ولولا الأصل ما زكت الفروع
ولهذا السبب ثبتت أفضال المتقدم على المتأخر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إذا لشفيت النفس قبل التندّم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها، فقلت: الفضل للمتقدم «٥»
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه.............
стр. 88
وعلم بلا إفادة كشجرة بلا ثمرة:
إذا الغصن لم يثمر ولو كان شعبة ... من المثمرات، اعتدّه الناس في الحطب
****
ماذا تصنع بسفينة بلا نوح ... وماذا يجديك جسد بلا روح
إنّ نفع العلم كضوء المصباح ... وثمرة العلم كثمرة البستان
والعطاء بلا ذلّة هو من العلماء ... والعدل الخالص من الحكماء
[٧]
ولو كان الجهلة يملكون مال قارون ... فهم بلا شك كاللفيف المقرون
لا جعل الله تعالى- بمنّه ولطفه- القول والكتابة من أسباب الندامة في يوم القيامة:
وفي التاريخ إن أبصرت رشدا ... فوائد من علوم مستعارة
****
علم التاريخ هو كنز الأخبار ... وهو كنسيم الشمال طيّار
كل من يركب في مركبه ... يصبح كل علم من علومه ألفا
فلو كان في هذا الزمان شكلا ... فهو في السماء معنى
رأى الدنيا والعصور ... فغدا حمالا ولم يحمل حملا
***
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وسيأتي تفصيل ذلك مرتّبا إن شاء الله تعالى.
التواريخ خزائن أسرار الأمور، وفيها العبر والمواعظ والنصائح؛ ونقدها منقوش بسكة التقدير الإلهي. تصون الناس من حدة مضارب النوائب؛ شهودها عدول، مصونون من الجروح، ودلائلها وأماراتها أحلى من الشهد، وأشد ضياء من الشهاب؛ مدار أفلاكها على قطب الرواية، قال رسول الله صلى الله عليه: العلم علمان: «علم الأديان، وعلم الأبدان» ، وقال قوم إن هذا أثر، ورووه عن المصطفى
стр. 89
عليه السلام، ونقلوه عن الإمام المطّلبيّ الشافعي «١» .
وعلم التواريخ مركب من علم الأديان وعلم الأبدان؛ أما المتعلق بالدين، فهو معرفة بدء خلق آدم ﵇، وأخبار الماضين من الأنبياء والرسل ﵈، والخلفاء والملوك، وما في كتب الأنبياء ﵈، وأحوال الأئمة والمقدمين في الأديان ومقام كل واحد منهم، وتفاصيل الملل والنحل والمذاهب وواضعيها، وما وقع من الأخبار في عهد الرسول ﵇، من المخالفين والموافقين؛ [٨] ومعجزات الأنبياء ﵈، وأمثال ذلك.
وأما المتعلق بالأبدان، فلأنه لم تسنح سانحة من خير أو شر إلا كان قد وقع مثلها أو قريب منها في العهد الماضي، وكما أن الأطباء ينتفعون من الأمراض التي كانت قد وقعت للماضين، ووضع لها كبار الأطباء الدواء، فيقتدون بهم ويتخذونهم أئمة:
يشقى أناس ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام «٢»
فكذا حال الوقائع الحادثة، حيث تعلم أسباب التوفيق فيما مضى، ويحترز مما احترز منه، وتتوقّى النازلة بنفس الطريقة التي جرى التوقي منها في الماضي، وتدفع بما دفعت به، فمن النادر أن تقع واقعة ولم يكن قد وقع مثلها أو قريب منها:
وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي «٣»
стр. 90
كفى زاجرا للمرء أيّام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي «١»
فائدة أخرى: إن وسائل المعرفة لدى الإنسان هي: العقل والحس والمشاهدة، والمسموعات هي من أبواب المحسوسات، ولا يمكن معرفة أحوال العالم عن طريق العقل؛ كما لا يمكن لإنسان ما أن يبقى حيا مدى الدهر ليطلع على أحوال وأخبار العالمين.
إذن فالطريق لمعرفة أحوال وأخبار البشر، والطريق لمعرفة الأقوال والأخبار والآثار هو طريق التأمل في التواريخ، وفوائده مستنبطة بالاستماع.
فائدة أخرى: علم التواريخ علم لذيذ ومستساغ تغلب فيه الهشاشة والبشاشة على الملل والسأم؛ ولا تعجز خطوات خطراته عن نيل المقصود [٩] ، ولا يقصر البنان واللسان عن تحصيله وتفصيله، ولا ينقص من قدره الانقطاع عن مشاهدة المحسوسات من وقائعه، ويعبق نسيم عرفه من بساتين أنس الصدور وحظائر قدس القلوب، والإنسان مجبول على حب الإحاطة بالعلم وأحوال العالم الكائنة والموجودات، وحال حاسة السمع عند استماعها الأخبار والحكايات، كحال العين في نظرها للوجوه الجميلة؛ فكما أن كمال العين هو بالنظر إلى الوجوه الجميلة، فإن كمال السمع بالاستماع إلى التواريخ والأخبار، وليس في حواس الإنسان أشرف من حاستي السمع والبصر، وقيل في الأمثال: «لا تشبع عين من نظر، ومسمع من خبر، وأرض من مطر» «٢» .
стр. 91
والإخبار والاستخبار من غرائز بني الإنسان، ألا ترون الناس لا يقرّ لهم قرار عند وقوع حادث ما، حتى يسمعوا ويسمعوا أخباره- حتى لو لم يكن يعنيهم- ويشغلوا به أنفاسهم المعدودة، وحواسهم المحدودة، ويستبينوا مختلفات أنواع الأخبار، ومؤتلفات أجناس الآثار؛ فإذا بلغ خبر إلى مسامع أحد من الناس، كان كتمانه عسيرا عليه، ومن هنا كان الكتمان عادة وخلقا محمودا، ونادرا ما يقوى عليه أحد، لأن ذلك خلاف الغريزة الإنسانية، ولأن الحق تعالى خلق الإنسان محبا للإخبار والاستخبار، اللذين لا يصونان خزانة حفظ الأسرار عن الظهور، وشمس ودائع أسرار الأصدقاء عن كسوف الصروف، وتحصيصها بالانجلاء.
وعلى ذلك، فإن معرفة تواريخ وأخبار العالم تستلزم هذا الحب- حب الاستخبار والإخبار- الذي لو لم يكن مركبا في غرائز الآدميين، لما وصل للمتأخرين شيء من سنن وفضائل وأخبار وحكايات المتقدمين، ولبلغ خلل أحوال العالمين حدا لا يمكن تداركه، وسد طريق الراحة والدعة بالاقتداء بالماضين، وتلاشى بالفكر والحيرة قوام الأشباح ونظام الأرواح، ولما ظهرت آثار ثناء الأسلاف، على شعار ودثار الأرواح؛ ولانطمست أسرار البدائع والصنائع، باستار الفجائع والفظائع.
[١٠]
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشّعر «١»
وعلى ما في معرفة التاريخ من فائدة عظيمة فإنه سهل التناول، ليس في الاستفادة منه كلفة أو مشقة لأن المعول في سائر العلوم إنما يقع على الحفظ والفهم، وهو في هذا العلم- التاريخ- يقع على الحفظ مطلقا؛ لأن ذلك الذي تعلمه يجعله قريبا من الوقائع والحوادث الواقعة، فيحصل له التذكر والاستعادة، ولميل النفس لذلك، فإن حفظ هذا العلم أسهل، والتجربة تشهد على ذلك، حيث يحفظ الناس من التواريخ
стр. 92
والحكايات في مدة لا يحفظون بها عشر ذلك من النحو واللغة والفقه والحساب وغير ذلك.
فائدة أخرى: إن الإنسان يستفيد في مدة قصيرة من أخبار وحكايات الماضين، وأحوال وعمران العالم والملوك والممالك، استفادة لا تتيسر له عن طريق المشاهدة إلا بالأعمار الطويلة، حتى ليكاد- وهو يتأمل التواريخ والقصص- أن يرى عيانا تلك الوقائع والحوادث، وتستنشق روحه عبير رياحين تلك القصص والأخبار، فيفرق بين التزوير والبهتان، والغش والأسطورة، فتدفع عنه كدورة الوحشة من منابع الوحدة، وتزيل ظلمة انقسام الخاطر عن ساحات الراحات:
يزيل الاكتئاب وقد يؤدّي ... إلى كل امرئ ما غاب عنه
وقد رووا أنّ عامر الشّعبيّ- وهو من علماء التابعين رحمة الله [١١] عليهم أجمعين- كان جالسا في مسجد مكة يحدث بأخبار مغازي المصطفى ﵇، وقد ازدحم الخلق على الحلقة التي يحدث فيها، ممتعين الأسماع بحسن الاستماع، تجللهم آثار الخضوع والخشوع، وكان من بينهم جماعة من بقايا صحابة رسول الله صلوات الله عليه ورضي عنهم، من الذين قسموا أوقاتهم بين العبادات الجسدية والروحية، وشرفوا ب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
«١» ، والذين كانوا أنامل ساعد صاحب الشريعة، ووابل سحائب صدر النبوة، وأنجم أفلاك الديانة، وسهام كنانة الفتوة والمروءة، قالوا: لقد شاهدنا القوم، والشّعبيّ أعلم بتلك المغازي منا «٢» ، أي:
إننا قد نلنا سعادة حضور ومشاهدة تلك الغزوات، ورأيناها رأي العين، لكن أفكارنا لم تصل إلى وصف هذه الأحوال، وعيوننا لم تدرك دقائق نور سهيل هذا الفلك،
стр. 93
الذي لم تصل غايته مواقع الأقلام ومطالع الأوهام؛ بينما عامر الشّعبيّ الذي تلقى أخبار هذه المغازي سماعا، يرويها مفصلة كاملة أكثر من تلك المودعة في خزائن حفظنا.
ولما كان الأمر كذلك، فإن كل من أعرض عن علوم التواريخ، تطاولت عليه يد الدهر، وانهالت عليه النوائب من كل الجوانب، ولم يكن له طريق من المسموع والمنقول ينجيه من تلك الآفات، فعقله لم يستنز بالتجربة؛ لأن مسالك الأوهام، ومناهج الأفهام، قد بلغت بالقصص والأخبار غاية السعة، والرجل العالم بالتواريخ يأنس بمعرفة التجربة ونورها:
بصير بأعقاب الأمور كأنّه ... يرى بجميل الظنّ ما الله صانع «١»
[١٢] فائدة أخرى: إن التجربة من فضائل بني الإنسان، والتجارب مقدمات معلومة في المعارف المعروفة؛ وإن الوصول إلى الكمال إنما هو بمداد التجربة، ومهما كان الفكر محكما وثابتا، فإنه يتيه في ظلمة الوقائع، وخوف الفجائع، ولا يمكن لهذا الفكر أن ينور إلا بالتجربة، والعيش لا يهنأ بسوى معرفة أسباب النفع ودفع الضر؛ وأشجار الأخلاق لا تزدان إلا بتهذيب التجربة، وإن من بين العقول عقلا يقال له:
عقل التجارب، فكما أن كمال الثمرة في النضج، فإن كمال الفكر في التجربة، ومن الأقوال السائرة على السن العامة قولهم للمجرب: نضيج الرأي.
وللتجربة ثلاثة طرق:
стр. 94
الأول: ما يكسبه الإنسان من الأمور التي يباشرها بنفسه حلوها ومرها.
الآخر: ما يراه في غيره من أترابه وأقرانه ممن عاشها وعاصرها.
والثالث: أن تصله أحوال وأخبار المتقدمين، فيتيقّن أسباب سعادتهم وابتلائهم.
وليس بين الطرق الثلاثة المذكورة ما هو أكثر يقينا من أن يباشر الإنسان التجربة بنفسه؛ ويليه، أن يشاهد ما يقع للناس من أبناء عصره؛ ثم ما يقرأه في التاريخ- بشرط أن يكون ناقله ثقة- فيكون كمن رآها بعينه فلا يفاجأ بشيء خلاف العادة والمعهود، ويقيس ساحة أسباب عيشه بمقاييس العقل، ويصيب بسهام آماله أهدافه ويتفرس بفراسته أنوار السعادة:
كريم خبير أخو مأقط ... نقاب يحدّث بالغائب «١»
كما أوردنا ذلك في حديث الشّعبيّ.
[١٣] فائدة أخرى: إن المتأمل في التواريخ، والعالم بأخبار الماضين، يعلم أنه يشاور في كل حادثة وواقعة حدثت قبله، من عهد آدم ﵇ إلى عهده، مجموعة من عقلاء العالم؛ وهذا الأمر- العلم بأخبار الماضين- أكثر نفعا من المشاورة لأن الأكابر من الماضين والمتقدمين، كانوا ينظرون إلى مصالحهم الخاصّة في الوقائع التي يبتلون بها، بينما ينظر من يشاور في الوقت الحاضر إلى مصالح غيره- أي مصالح من يستشيره- واهتمام الناس بمصالحهم الخاصّة أصدق من اهتمامهم بمصالح الآخرين، وهم أكثر حرصا على حفظها من حرصهم على حفظ ما للآخرين.
ولا شك في أن المتدبر في التاريخ، في كل واقعة وقعت قبله إنما يغنم خلاصة عقول مجموعة من عقلاء العالم، فتظل يد الفتنة، وجيوش الوقائع والحوادث عن
стр. 95
نهب ذخائر أفكاره مغلولة، ولا تقطع شيئا من علائق قدرته؛ فيزداد نور تحمله، ويخيط نظره العبرة بخيوط الغيرة، ولا يتراكم غبار تشتت البال على فكره، فيرد البلاء، ويأمن القضاء؛ يشتري نتائج عقول الماضين بالمجان، ويستضيء بالنار التي أشعلها الآخرون:
سعدت بنو بكر بشعر مساور «١» ... إن السعيد بغيره قد يسعد
وفي الحديث النبوي: «السعيد من وعظ بغيره» «٢» .
ومحمد المصطفى، الذي أضاء المشرق والمغرب بنور نبوته وجلالته، وعطّر العالمان من روائحهما، ودان جبابرة العالم لشريعته، والنجاة في الدارين رهن إشارته [١٤] وانكشفت به رقوم خذلان المخالفين، ورسوم أمن وأمان المتابعين، ولا ينال نسخ النحوس من كوكب شريعته إلى يوم القيامة ويظل دائرا محفوظا بختم محبته، ويهب نسيم الصبا على حضرته:
стр. 96
*
السعادة لا تغادره كالصدق من الحق ... والشرف لا ينفصل عن جوهره كالنور من النار
ليس من بني البشر من لم يثن عليه ... ذلك أن الثناء عليه جوهر الكلام
فليكن قلبي هو الذي يقبّله ... لأن محبته استقرت فيه
عند ما طلع خاتم سعادته، وفلك حساب سيادته، في حرب الأحزاب، أخبره سلمان الفارسيّ ﵀، بأن من رسوم العجم إذا داهمهم جيش جرار كالسيل، وكحلكة ليل الأجل في سعته وانتشاره؛ فلا يقر للمقاتلين قرار إلا على مراكب شجاعتهم، وإلا أن تصاب نياط القلوب في زوايا خبايا الصدور بضربهم وطعنهم:
مغموسة في النصر يصدر عن يد ... مملوءة ظفرا يروح ويغتدي «١»
****
في فعالهم كفعل السم في الكبد ... وفي كثرتهم ككثرة الذرات في الهواء
لا تؤثر فيهم طوارق الحدثان ... ولا يسعهم العالم الفسيح
جاءوا يحملون السيوف والحراب ... لا بسين الدروع والمغافر
أي جيش هذا الذي أحل لنفسه الدم ... كما أحلّ له حليب الأم؟
أيوجد دنس في طباع هؤلاء القوم ... الذين الآجال أحلى لديهم من الآمال؟
عند ما يقصد- أي ذلك الجيش- المدينة، [١٥] ولا يقوى سكانها على مقاومته عند اختلاط الكتائب، واختراط القواضب، وتمكين الرماح من الصدور، والسيوف من المفاصل والأعضاء، ولا يجدون ملجأ وموئلا ومعقلا يلجأون إليه:
стр. 97
إذا هم نكصوا، كانوا لهم عقلا ... وإن هم جمحوا، كانوا لهم لجما «١»
فإنهم يحفرون حول المدينة خندقا يحيطها كما تحيط الهالة القمر وقد سر المصطفى صلوات الله عليه من ذلك الكلام، وقاس الواقعة التي هو فيها على الواقعة الماضية، وأصدر أمره النبوي بحفر خندق يحيط بالمدينة بعرض عشرة أمتار وبعمق عشرة أيضا.
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر «٢»
ولأن المصطفى ﵇ مع كونه نبيا رسولا- قد انتفع من تواريخ وأخبار الماضين، واستضاء بمصابيح أفكارهم في دفع البلاء، فإن على العالمين الاقتداء بالمصطفى سيد ولد آدم صلوات الله عليه، وأن يستفرغوا وسعهم في الاغتراف من بحار التواريخ وأنوار القصص، والاعتقاد بأن ما فعله المتقدمون في حفظ مصالحهم، ينبغي أن يكون درسا للمتأخرين:
وريش الخوافي تابع للقوادم «٣»
فصل: وليس هناك من هو أشد حاجة لهذا العلم- التاريخ- من الملوك والأمراء، لأن كل مصالح الخلق مرهونة بفكرهم ودرايتهم، وكل ما يقع في الممالك من خير وشر، فتدبيره ودفعه منوط بأوامرهم؛ وهم بحاجة إلى معرفة الحوادث، ووقائع الملك، ومكائد الحرب، والتدابير التي اتخذها الملوك السابقون، كما يحتاج الأطباء إلى أصول ومعالجات وكتب المتقدمين، والأدباء والفصحاء إلى كتب وتصانيف
стр. 98
الماضين والأسلاف:
ولن تبلغ العليا بغير التجارب «١»
ثم إن الملوك عند ما يتدبرون التواريخ أو [١٦] تبلغ مسامعهم، يرغبون في مكارم الأخلاق والعدل والرأفة وما فيه دوام الملك، ويجتنبون ما هو سبب في البلاء والضرر وزوال الملك:
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع «٢»
ونخص بذلك الأمير أو الملك ذا الهمة العالية، الذي تقتضي همته أن يزيد في تفحص فضائل الملوك الماضين، وتحصل لديه الغبطة والمنافسة كما هو حاصل بين الأقران:
هي النفس ما حسّنته فمحسّن ... إليها، وما قبّحته فمقبّح «٣»
فصل: إذا عرضت لأحدهم شبهة أن بعض التواريخ موضوعات ومفتريات وأساطير الأولين، وأن التمييز فيها عسير، لا متزاج الصدق بالكذب، واختلاط الغث بالسمين، والصواب بالخطإ، فالجواب على ذلك هو أنه لا ينبغي لنا أن نأخذ بعين التحقير والتصغير وقلة المبالاة أي شيء يمكن أن ننتفع به منه- من التاريخ- و «كل ما سد جهلا فهو محمود» «٤» ، فالحكايات التي وضعت على ألسن الحيوانات في كليلة
стр. 99
ودمنة موضوعة للخبرة والتجربة، وهي مفيدة ومقبولة بصورة عامة.
حكاية: حضر في زماننا نديم مجلس وزير اختاره لمجالسته ومنادمته، وكان الوزير بخيلا، ممسكا، جعد اليدين، فجرى في ذلك المجلس حديث سماحة وسخاء البرامكة ﵏، ولما كان ذلك الوزير يجد تلك الحكايات مخالفة لطبيعته وعاداته «الحر يعطي، والعبد يألم قلبه» «١» :
وغيظ البخيل على من يجو ... دأعجب عندي من بخله «٢»
[١٧] لذلك ظن أن تلك الحكايات مستحيلة وموضوعة؛ فما أكثر الناس الذين يفتقرون لصفة ما في أنفسهم، فيتوهمون عدم وجودها في غيرهم:
والأرض لولا الغذاء واحدة ... والناس لولا الفعال أشكال «٣»
فقال ذلك الوزير: إن حكايات البرامكة هذه موضوعات ومفتريات، فقال النديم: أطال الله في حياة الأمير وليّ النعم في سعادة، وجعل ملكه نافذا في الموالي والأعيان، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يفتروا أمثال هذه الحكايات الموضوعات والكرم المكذوب على سيدنا الوزير؟ ألا يعني هذا انعدام ذلك هنا، ووجوده هناك؟ «٤»
الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان
فائدة أخرى: عادة ما يبتلى الملوك والأمراء بحفظ مصالح الملك، وتغرق أفكارهم في تلك المعاني، ويمكنهم الاستراحة من تحمل أعباء الملك بالتدبر وسماع التواريخ، لأن خواطرهم وضمائرهم تصاب بالكلل والفتور والتعب والنصب الكثير،
стр. 100
وليس هناك علم أكثر ملائمة لهم من علم التواريخ في أوقات الانبساط والراحة.
فصل في ذكر البلدان
نذكر في هذا الفصل البلدان المشهورة، والنواحي في الربع المعمور من العالم:
بلاد الزنج التي تدعى زنجبار «١» ، واعظم مدنها تدعى سفالة «٢» الزنج وقنبله؛ بلاد السودان وهي في انتهاء عمارة أقصى المغرب وأكبر مدنها يقال لها غانه؛ بلاد اليمن ومدنها العظيمة هي صنعاء [١٨] وعدن ونجران؛ بلاد الهند، وفي هذه البلاد كثير من المدن الكبيرة، يقال للواحدة منها نرسي، حتى إن السلطان محمودا عندما شنّ الغارة على هذه المدينة بمائة ألف فارس، لم يتمكن جيشه منذ الفجر حتى وقت الظهر، إلا من نهب سوق العطارين في المدينة، ولم يكن باقي أهل المدينة يعلمون بذلك، ثم خرج الجيش منها وخاف أن يظل فيها، وقيل إن هذه الغارة شنّها الأمير أحمد بن ينالتكين، الذي كان طليعة الجيش «٣» .
ومن مدنها الأخرى نهروالة التي قيل إن أفيالا كثيرة تحمل منها في كل يوم ثياب الغسالين إلى الصحراء؛ بلاد الصين، ومدينتها الكبيرة سنقو «٤» ؛ بلاد الإسكندرية؛ بلاد مصر؛ بلاد البوارج «٥» ؛ بلاد السند؛ بلاد تركستان؛ بلاد البربر؛ بلاد إفريقية؛
стр. 101
بلاد الأردن؛ بلاد الشام؛ بلاد العرب وتهامة؛ بلاد العراق؛ بلاد الأهواز؛ بلاد فارس؛ بلاد كرمان؛ بلاد عمان؛ بلاد جيلان؛ بلاد الديلم؛ بلاد شروان؛ بلاد طبرستان؛ بلاد مازندران؛ بلاد قومس؛ بلاد قوهستان؛ بلاد كابل؛ بلاد بست؛ بلاد الغور وغرشه؛ بلاد سجستان ونيمروز؛ بلاد خوارزم؛ بلاد خراسان؛ بلاد سقسن (سقسين) «١» وبلغر؛ بلاد فرغانة؛ ما وراء النهر؛ ثغور الروم؛ الأرمن؛ بلاد الكرج؛ بلاد الروم؛ [١٩] بلاد آذربيجان؛ بلاد الخزر ودار ملك اليهود «٢» ؛ بلاد الروس والآلان؛ بلاد الصقالبة؛ بلاد طخارستان؛ بلاد بلور؛ بلاد قشمير؛ بلاد الثلج؛ بلاد السغد؛ بلاد الصّغانيان والقتا (الخطا) «٣» .
تلكم هي خمسون بلدا معتبرا، ولكل بلاد منها نواح كثيرة، وفي كل ناحية فيها أرباع كثيرة، والله تعالى أعلم.
فصل في أعداد التواريخ المشهورة
إن أول من صنف المغازي والتواريخ في الإسلام هو محمد بن إسحاق بن يسار «٤» ، وكان من التابعين، صدوقا وأمينا، وقيل إن جده يسارا كان مولى المصطفى ﵇، بينما قال بعضهم إنه كان مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف،
стр. 102
ولهذا قالوا، محمد بن إسحاق بن يسار القرشيّ، لأنه كان من موالي قريش.
وجاء بعده وهب بن منبه اليماني «١» وأخوه همام بن منبه؛ وكان وهب تابعيا، روى عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وألف كتاب المبتدأ.
وكان بعد ذلك محمد بن جرير الطّبريّ، الذي كان خال أبي بكر الخوارزميّ الأديب، وألف التاريخ الكبير، ولي نسب عرقي بمحمد بن جرير المؤرخ، كما أورد ذلك الحاكم أبو عبد الله الحافظ في تاريخ نيسابور «٢» . والآخر فتوح أعثم «٣» ؛ وتواريخ الملوك لابن المقفع «٤» ؛ وكتاب تهذيب التاريخ «٥» ، وكتاب تجارب
стр. 103
الأمم «١» من تأليف الحكيم أبي علي مسكويه؛ والآخر هو كتاب تواريخ آل بويه «٢» الذي ألفه الصابي وغيره.
[٢٠] والآخر كتاب اليميني «٣» . وقد ألفت أنا كتابا بدأت فيه من حيث انتهى إليه اليميني إلى يومنا هذا، عنوانه مشارب التجارب وغوارب الغرائب.
والتاريخ الآخر عنوانه مزيد التاريخ «٤» من تصنيف أبي الحسن محمد بن سليمان صنفه على عهد السلطان محمود.
وكتاب آخر لابن طباطبا العلوي في التواريخ والأنساب عنوانه التذكرة والتبصرة «٥» ، وهو جامع ومما يعتمد عليه.
стр. 104
وقد ألف الشيخ أبو الفضل البيهقيّ الذي كان كاتب السلطان محمود بن سبكتكين وكان أستاذ الصناعة والمستولي على مناكب وغوارب البراعة، تاريخ آل محمود «١» بالفارسيّة، ويقع فيما يزيد على ثلاثين مجلدا كان بعضها في مكتبة سرخس وبعضها في مكتبة مدرسة الخاتون مهد العراق رحمها الله بنيسابور.
تلك هي التواريخ والكتب التي كل واحد منها صراط الألفة، وبساط الزلفة؛ وحظائر الأنس، ومحك خواطر ضمائر الإنس؛ وأنوار الأوهام، وأزهار الأفهام؛ وأرواح أشخاص القدرة والعلم، وقوانين الفصاحة والبراعة، وغايات آيات المقامات؛ وعناصر الآداب، وأواصر الأنساب والأنساب.
في نظام من البلاغة- ما ... شك امرؤ أنه نظام- فريد
ومعان لو فصّلتها القوافي ... هجّنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنّبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدر ... كن به غاية المرام البعيد «٢»
стр. 105
ذكر تواريخ المدن والبلدان ومؤلفيها
تاريخ بغداد «١» : ويقع في عشرة مجلدات، وبغداد هي التي يدعونها جنة الأرض؛ وقال أبو إسحاق الزّجّاج: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية «٢» ، قال الشاعر «٣» :
[٢١]
هيهات، بغداد الدنيا بأجمعها ... عندي، وسكّان بغداد هم الناس
ومن عجائب بغداد أنه لم يمت فيها خليفة، إلا المقتفي الذي توفي هذه الأيام «٤» .
تاريخ مرو: من تأليف العباس بن مصعب «٥» ، وآخر من تأليف أحمد بن
стр. 106
سيار «١» ، وآخر من تأليف المعدانيّ «٢» .
تاريخ هراة: وألف فيه اثنان، واحد لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن يونس البزّاز «٣» ، والآخر لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن سعيد الحدّاد «٤» .
تاريخ بخارى وسمرقند: من تأليف سعيد بن جناح «٥» .
стр. 107
تاريخ خوارزم: في مجلدين ضخمين من تأليف السري بن دلويه «١» ، ومن تأليف أبي عبد الله محمد بن سعيد «٢» .
تاريخ بلخ: من تأليف محمد بن عقيل الفقيه «٣» .
تاريخ نيسابور: واحد من تأليف أبي القاسم الكعبيّ البلخيّ «٤» ، وقد احترق، وأصله في مكتبة مسجد عقيل، والآخر من تأليف الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله
стр. 108
ابن حمدويه بن نعيم بن الحكم الحافظ «١» ، وهو في اثني عشر مجلدا، والآخر: تتمته وهو كتاب سياق التاريخ، من تأليف الإمام أبي الحسن عبد الغافر الفارسيّ رحمة الله عليه «٢» ، وآخر باللغة الفارسيّة من تأليف أحمد الغازي «٣» في مجلدين.
تاريخ بيهق: للإمام علي بن أبي صالح الخواريّ «٤» ﵀، وهو عدة أجزاء باللغة العربيّة، وقد حال الأجل دون إتمامه.
كتاب الثار: من تأليف السّلّامي «٥» ، في تاريخ خوار.
стр. 109
تاريخ ولاة خراسان «١» : وهو أيضا من تأليف السّلامي، وقد جمعت كتابي هذا تاريخ بيهق، من تاريخ نيسابور الذي يعتبر أتمها، ومن أجزاء كتاب الإمام علي بن أبي صالح الخواريّ ﵀، ومن كتب أخرى، وذكرت فيه بعضا من أنساب أهل بيهق وبيوتها القديمة ليكون أكثر إحاطة، فرايات أبوابه مشرعة، وفصوله برقوم الترتيب على ألواح التهذيب موزّعة، وحروفه في أوعية التصحيح مودعة؛ ومعانيه مصونة من الاضمحلال، وألفاظه محروسة من الزوال.
[٢٢]
تتغذى بها المسامع منا ... فهي نعم الغذاء للأسماع
باب في فضائل بيهق
قال رسول الله صلى الله عليه: «ما أحد من أصحابي يموت ببلدة، إلا كان قائدا ونورا لهم يوم القيامة» «٢» .
стр. 110
وبمقتضى هذا الحديث، فإن أي بقعة يستشهد فيها واحد من كبار الصحابة، أو يودع الحياة عن طريق الأجل المسمى، لها شرف على البقاع العاطلة عن هذا الشرف، ويكون ذلك الصحابي النور والإمام لتلك الجماعة في يوم القيامة.
وقد وصل إلى أرض بيهق عدة من صحابة المصطفى صلوات الله عليه، واختاروا المقام فيها، وانتقل بعضهم إلى الدار الآخرة هناك كما سيأتي ذكره.
قال رسول الله صلى الله عليه: «خير بلاد خراسان نيسابور» «١» ، ولأن نيسابور أحسن بلاد خراسان، كانت نواحيها أفضل النواحي.
وقد وصل عزير النبي ﵇ إلى بلاد خراسان وأقام في كل المدن، وذلك في الوقت الذي لم يبق فيه من بني إسرائيل أكثر من سبطين على الإيمان، والسبب في ذلك أن إرمياء النبي ﵇، كان قد أعطاه كمية من التراب، وقال له: اتجه نحو المشرق، وحيثما نزلت في مدينة، زن هذا التراب بترابها، فمتى ما رأيته قد تعادل معه في الوزن، فانزل هناك.
وقد قدم إلى بيهق ونيسابور، وذهب حتى بلغ مرو، فرأى أن التراب الذي معه قد تعادل في الوزن مع ترابها، فأقام هناك وبنى في مدينة مرو كنيسا، وكان ذلك الكنيس معظما لدى بني إسرائيل، وظل إلى عهد الملك أرسلان أرغو بن ألب أرسلان «٢» .
ذكر من كان من الصحابة ﵃ ببيهق
أبو رفاعة نعيم بن أسيد العدويّ «٣»
[٢٣] كان من أصحاب المصطفى ﵇، وقد هرب من السجن بنيسابور،
следующие страницы →