← Тараджим

Тараджим · id 11758

تاريخ بيهق/تعريب

البيهقي، ظهير الدين

Полный текст (657 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وناصر الدين الذي قضى عشرين سنة شمسية في الوزارة، مع نفاذ الأمر والقدرة، وزر للسلطان سنجر أعظم السلاطين وكان غائبا؛ وللسلطان سليمان، وكان يجلس في ديوان واحد ويصدر التوقيع، وقد ذكرت تفاصيل ذلك في كتاب مشارب التجارب الذي ألفته في التاريخ. والعقب من الوزير الأجل ناصر الدين محمد: صدر الدين، وقوام الدين الحسن، وشهاب الدين أحمد. أما قوام الدين الحسن بن ناصر الدين الذي شغل منصب الوزارة للسلطان سليمان، وللسلطان محمود خان بالنيابة فقد أقام في بيهق منذ سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة وإلى يومنا هذا. والعقب من الفقيه الأجل أبي القاسم عبد الله شقيق نظام الملك: الإمام الوزير شهاب الإسلام عبد الرزاق، والأمير أبو الحسن طاهر، وبنت كانت في حبالة الرئيس الأجل ضياء الدين شمس الأمراء زين المعالي أبي الحسن علي بن الحسين بن المظفر بن محمد الجشميّ، وكانت والدة الأمير الرئيس الأجل السعيد ضياء الدين محمود ﵀. ومن عائلة نظام الملك، هذا العرق النزاع. ومن أبناء الشيخ أبي نصر أخي نظام الملك، جماعة باقية في أسفل قرية ششتمد. ومن أبناء مقدم الرؤساء منصور: شمس الرؤساء أبو الحسن علي، والإمام بدر الدين محمد الحاج والزاهد والسخي والمفضل، وجمال الرؤساء أبو علي [٧٦] الحسين، ولم يبق من أعقابهم أحد، وقد وجد الانقراض والانقطاع طريقه إلى نسلهم وأعقابهم، إلا ما شاء الله ممن في الزوايا، عجوز تترقب الموت مع اختلال الحال، وقلة المال. وحينما عزل عميد الملك عماد الدين أبو نصر الكندريّ، ثم قتل في مروالرود «١» ، استقرت الوزارة لنظام «٢» الملك، يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة خمس

стр. 177

وخمسين وأربع مئة، وكانت مدة وزارته ثلاثين عاما تقريبا. قتل نظام الملك بالوجاء، وجأه واحد من أصحاب القلاع، في العاشر من شهر الله المبارك رمضان سنة خمس وثمانين وأربع مئة بأصفهان. وكانت ولادته في سنة عشر وأربع مئة، وطالعه الميزان، والسماك على درجة طالعه، والشمس في الحمل هاه، والقمر في الثور ح هـ، وزحل في الجدي، والمشتري في السرطان، والمريخ في الحمل، والزهرة في الحوت، وعطارد في الثور، والله أعلم. قال البارع الفضلويّ «١» في رثاء نظام الملك: * كان إقبال نظام الملك في ازدياد ... وكانت وزارته ميمونة على الخلق وأمان الدنيا مقرون بيمنه ... فالآن وقد رحل أخشى أن تكون القيامة قد أزفت وكانت مدة بقاء السلطان ملك شاه من بعده، كحسوة الطائر، وزورة الزائر، وقد سقي سما على يد خادمه- وكان ذلك السم شحم أرنب بحري «٢» - فانتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى، في شوال سنة خمس وثمانين وأربع مئة، وكان بين قتل نظام الملك ووفاة السلطان ملك شاه أقل من أربعين يوما رحمهما الله. قال البارع الهرويّ في رثائهما: * ذهب من كان ملكا على ملوك العالم ... وكان قدره الفلك لسموّ رفعته غادرنا برفقة صدر العالم في سفره ... فواحسرتاه، كان ذهابهما على حين غرة

стр. 178

وكان قتل فخر الملك في عاشوراء سنة خمس مئة «١» ، وأنا أتذكر [٧٧] ذلك، حيث كنت آنذاك في عهد الطفولة أدرس في الكتّاب بنيسابور. وقد توفي الفقيه الأجل أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق «٢» ، في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربع مئة في مدينة سرخس، حيث كان ابنه شهاب الإسلام «٣» محبوسا في قلعة ترمذ آنذاك. أما الشيخ أميرك النّزلاباديّ الذي مرّ ذكر نسبه، فقد انتقل إلى جوار رحمة الحق تعالي في صفر سنة ثمان وستين وأربع مئة وهو جدّ السيد الأجل العالم الأطهر بهاء الدين فخر الإسلام رئيس النقباء علي بن أبي القاسم الحسينيّ الفريومديّ «٤» ، وجدّ الإمام ظهير الدين أبي المكارم عبد الملك بن شهاب الإسلام، وجدّ صفي الدين الحسن بن شمس الرؤساء علي بن منصور بن محمد بن إسحاق «٥» . ومات الشيخ الرئيس شاه أخوه، في ذي القعدة سنة تسع وسبعين وأربع مئة. ومات شمس الرؤساء أبو الحسن علي في رمضان سنة تسع عشرة وخمس مئة «٦» . ومات أخوه الرئيس الإمام بدر الدين محمد «٧» في طريق الحج سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة ودفن ببغداد في مقابر قريش. قال السيد الأجل العزيز بن هبة الله «٨» يرثيه:

стр. 179

* إن البدر الذي دخل المحاق بمرحلة واحدة ... أسلم روحه في طريق العراق كان هجرة جزئيا إلا أن فراقه كلي ... هلّ من الهجر وغاب في الفراق من أعقاب نظام الملك في عهدنا نصير الدين أبو الفضل نصر بن أحمد بطوس «١» . وببغداد أخوه نظام الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن نظام الملك، وأخوه شهاب الدين أفضل العالم أبو نصر محمد بن نظام الملك. وفي أصفهان: ظهير الدين أبو الحسن علي بن عثمان بن نظام الملك، وأبناء صدر الدين أبي الحسن بن فخر الملك: أبو الفتح محمد، وأبو بكر، وأبو المفاخر عثمان، وعلاء الدين أحمد، وكمال الدين يوسف. وفي هراة: علاء الدين أبو علي الحسن بن مسعود بن مؤيد الملك بن نظام الملك. وفي جوين: مسعود ومحمد ابنا إبراهيم بن جمال الملك. ومن أبناء جمال الملك: الأمير ظهير الدين أبو سعد بن أحمد بن جمال الملك، ولم يكن له ولد، توفي في سبزوار من علة الفالج والسرسام «٢» في ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة تسع [٧٨] وأربعين وخمس مئة. ومن أولاد جمال الملك وأحفاده بالشادياخ وكليان: صدر الدين مسعود وأخوه تاج الدين محمود ابنا علاء الدين محمد، ومحمود بن تاج الدين أخوه، وكلاهما كريم الأطراف، وأمهما بنت قاضي القضاة شمس الدين محمود بن شيخ الإسلام قاضي القضاة محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، وأم أمهما بنت الرئيس جمال الرؤساء أبي

стр. 180

علي الحسين بن المظفر رئيس بيهق. ومن أبناء قوام الدين أبي بكر رئيس خراسان ﵀: ركن الدين الحسن، وعلاء الدين عثمان، وبهاء الدين مسعود، ومؤيد الدين يوسف، وصدر الدين يعقوب، وعمدة الدين علي، وعز الدين أبو الفتح محمد، ونصير الدين محمود، ومعين الدين أبو القاسم عبد الملك. مات قوام الدين رئيس الشرق أبو بكر محمد بن طاهر بن عبد الله ﵀ بقصبه جشم أواخر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مئة غفر الله له وقدس روحه. وكانت ولادته في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. وتوفي ركن الدين الحسن في شهور سنة ستين وخمس مئة، بنيسابور، ﵀. عدنا إلى التاريخ والقصة: ثم إن إسحاق الدّهقان عندما أشرف من بحر الحياة الدنيا على ساحل الفناء، جاء بخمسة آلاف درهم (دينار) محمودي وقال: لم أستطع طيلة حياتي وبكل الوسائل أن أجمع أكثر من هذا، ثم أودع ذلك المبلغ لدى أبي الحسن، وجعله وصيا وأودع لديه أولاده، وأسلم روحه إلى قابض الأرواح، وكان عمره خمسا وتسعين سنة. اتصل الشيخ أبو الحسن بخدمة صاحب الديوان عميد خراسان أبي الفضل سوري بن المعتز، فكانت خدماته على منهاج الاستقامة وأدب الصدق والصواب، إلى أن ولّاه أبو الفضل سوري بن المعتز «١» أعمال وبندرة «٢» طوس [٧٩] ، وقد خاض في ذلك العمل سنين، وتزوج هناك، وكانت ولادة نظام الملك في أرض طوس، قال الشاعر: * كان كل وزير وعالم وشاعر ... كنظام الملك والغزالي والفردوسي

стр. 181

وقد حصلت السعادة بتلك الولادة، ورتبت بالتربية، واختصت برضاع الاصطناع في قماط الاغتباط، بواسطة قابلة الإقبال، وداية الهداية. وكانت بداية دولة آل سلجوق قد جلبت نهاية ملك المحموديين، حيث انكسر مال الخراج، وكانت أعمال طوس من المدن التي انكسر فيها. وقد استحصل سوري خمسين ألف درهم من الشيخ أبي الحسن، واستوفى منه كل ما لديه من ضياع وعقار وأثاث مما قدر بثلاثين ألف درهم، بينما سجل الباقي عليه قبالات «١» ، ثم فرّ سوري إلى غزنين، وجاء الشيخ أبو الحسن إلى بيهق مع نظام الملك، الذي كان فيه حنكة الشيوخ مع كونه طفلا، وبرد شبابه كان طراز الكبر، وثوب صباه علم الكياسة والشهامة. روى جدي شيخ الإسلام أميرك ﵀، بأن رئيس هذه الناحية في ذلك الوقت، كان الرئيس حمزة بن محمد بن الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى، بينما كانت دار رئاسة خسروجرد في قصر شرف الرؤساء أبي عبد الله محمد بن حمزة. وفي ذلك الوقت، كنت قد طلبت إعفائي من منصب القضاء، بسبب الاضطراب والفترة، ثم جئت إلى بيهق. وفي يوم من الأيام ذهبت إلى الرئيس حمزة، لأداء آداب التحية والسلام، وقد رأيت الشيخ أبا الحسن البندار في وسط السوق جالسا في أحد الدكاكين، وكان معه نظام الملك، الذي كان في عهد الصّبا تهبّ عليه نسمات صبا الشهامة، فقال لي: إنني انتظر هنا منذ الصباح الباكر ولم أعط إذنا بالدخول. فما كان مني إلا أن دخلت وسألت الرئيس حمزة، وكان مما قلته أثناء كلامي: إن الشيخ أبا الحسن كان صاحب دولة، وكان من الكفاية والهداية رئيسا على رأس العصر، فأبعده عقال العلل عن إقدام العمل، وهو اليوم [٨٠] تعب بضربة النوائب، مقطوعة علائقه بالدولة بسبب شربه شراب المصائب؛ حتى ابتلي بذل الحجّاب،

стр. 182

خاصة وأنه قد قطع المسافة من نزلاباد إلى هنا، وذلك غير لائق بكرمه وسيادته، فإن الحرّ يخاف بواب الدار، كما يخاف عذاب النار. فقال لي الرئيس حمزة: صدقت فيما نطقت؛ لكنني رأيت عن طريق التفرّس في ذلك الولد، أن وجهه عنوان رسالة الإقبال، وأراه- أي ابنه- لتكبره بتلك الدولة التي لم تقم بعد كمن ضمّه جبريل تحت جناحه، وتلألأت الشمس المشرقة على مفرق رأسه: لا تسأل المرء عن ضمائره ... في وجهه شاهد من الخبر «١» وطبعي لا يسمح لي بمجالسته؛ فلو كان الشيخ أبو الحسن يأتي وحده لكان عزيزا مكرما، ولما نازعه البواب بالمنع. ثم إن الشيخ أبا الحسن جاءه وحده، وودّع الرئيس حمزة قائلا: سأذهب إلى غزنين لحقوق لي من الممالحة والمجالسة مع الوزير أحمد بن عبد الصمد العبّاسيّ، ولخشيتي من جباة الضرائب أن ينزلوا على رأسي كما تنزل اللعنة على إبليس بغتة. ثم ذهب إلى غزنين. واتفق أن وصل الشيخ أبو الحسن البندار في كنف السلامة إلى غزنين، وفي الحال رأى ضرورة الاستحمام لإزالة الأوضار والأوساخ والأدناس ووعثاء السفر، وعندما فرغ، وصل إلى الحمام سوري مع غلمانه، فعرفه سوري وقال: أتتك بحائن رجلاه «٢» ، ثم أمر بإلقاء القبض عليه، فقال: أتغلق باب السجن دوني وهمّتي ... إذا هبطت أوفت على مطلع النسر لقد رضت أوصال الزمان وإن طغى ... ولكنها الأقدار تجري كما تدري وكان الوقت آنذاك في شهر رمضان، فلما حان وقت صلاة العشاء ومدت مائدة

стр. 183

الإفطار، أحضروا الشيخ أبا الحسن البندار، فجلس وقد عزل نفسه إثر ما لاقاه من المشقة، مانعا نفسه من تناول الطعام. واتفق أن التفت إليه سوري، فقال أيها الشيخ! إن الصفاء على الإفطار شرط في رمضان، فرد الشيخ أبو الحسن: لم يبق مجال للغذاء، لأن الطبيعة والمزاج متلاشيان، والقلب محترق، والحيرة قد استولت على الفكر، ثم ما حاجتي إلى الغذاء ولم يبق لي إلا الوقت القليل للوصول إلى الآخرة؟ وزاد الآخرة ليس الطعام والشراب، بل الإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة، إن كل الذي جمعته طيلة حياتي، قد أخذته مني لأجل سد النقص الحاصل في الأموال المنكسرة، كما تريد منّي خمسين ألف درهم، وأنا ليست لي القدرة على جمعها وأدائها، بل إنه مما لا يقدر سعي الناس عليه: ومن لم ير الإيثار لم يشتهر له ... فعال ولم يبعد بسؤدده ذكر وإن الذي أعطي عقله ثمرة التمييز، ووجهه النور المتلألئ وأفعاله علامة الرئاسة، يعذرني من تناول الطعام: لو كنت تعلم ما شجوي وما شجني ... رقّت عليّ حواشي قلبك الخشن فنادى سوري بفظاظة طبعه وغلظته على الدواتي أن يحضر الخريطة «١» ، فقابل الدواتي الأمر بالانقياد والامتثال، فمزق سوري من تلك القبالة مقدار عشرين ألف درهم [٨٢] ورمى الورقة أمام الشيخ أبي الحسن وقال: إن هذا المبلغ لا يستحق من الرجل الامتناع عن الطعام، وإن أحرم أنا من مؤاكلته. فقال الشيخ أبو الحسن: يا عميد خراسان! لقد زينت وجه العظمة بنور كرمك، ونشرت بالمحامد والمآثر سماء المعالي، وكانت مناقبك النجوم الثواقب لدروع الأيام: ولبست منك مواهبا منشورة ... لو كنّ في فلك لكنّ نجوما

стр. 184

وجعلت تلك الليلة ليلة عيد سعيد بالأمل الواسع والقلب الجذلان. وفي يوم آخر قررت عرض المسألة على الوزير، وذهبت إلى الديوان ووقفت بحيث تراني عين الوزير، فتأمل فيّ الوزير ساعة ثم طأطأ رأسه، فقلت صارت المعرفة نكرة: نسيتم أخلائي عهودي كأننا ... على جبلي نعمان لم نتجمّع وأردت العودة، إلا أن أحد الخدم جاء وأخذني إلى البيت الخاص بالوزير، الذي ما أن انتهى من عمله حتى جاء وأظهر لي ما كان ينبغي من الإكرام وقال: تذكّر ليلى وعهدا قديما ... وملكا كبيرا وفوزا عظيما وقال سقى الله عهدا تولّى ... فأبلى شبابا وأفنى نعيما زمانا كألفاظ سعدى صحيحا ... فعاد كألحاظ ليلى سقيما وعرضت عليه المسألة، فقال: غدا، عندما تتلألأ الشمس بأشعتها الذهبية، وتعود شياطين الظلمة إلى سجن الأرض، ويأتي الشيخ سوري إلى الديوان ليخدم الحق، فتعال أنت على أثره، لكي يصيبك منه الإكرام والإنعام الذي تستحقه، وأشكره- الوزير سوري- بلغة يعجز عن بلوغ نهايتها وغايتها البنان والبيان، ولا تصل القدرة الإنسانية والاستطاعة البشرية إلى درك جملها وتفصيلها [٨٣] لأن شكر شجرة البستان، ثمرته المزيد من الإحسان، وسوري في يومنا هذا هو من أشد الناس فقرا في هذه الدولة التي شارفت على نهايتها، ولا يمكن مخاطبته بلغة الزجر والتأديب. فقال الشيخ أبو الحسن: فعملت طبق وصيته، ونظمت درر عقد ذلك الشكر، فلما خرج سوري قال لي: أيها الشيخ! أتشكر نعمة لم أنعم عليك بها بعد؟ فأية حالة عجيبة، وصفة بديعة هذه؟ أسأنا إليكم ثم أنتم شكرتم ... إساءتنا، هذا لديّ عجيب وإن امرءا يهدي إليك كرامة ... وبرا ويرعى حقكم لمصيب

стр. 185

ثم إنه عوّضنني عن الثلاثين ألف درهم التي كان قد أخذها مني، وانتهت تلك المسألة على أحسن وجه، ونجوت منها نجاة السيف من يد الصيقل. وكان غرضنا من تقرير حال الشيخ أبي الحسن على سبيل التفصيل لكونه من بيهق، ومن قرية أنكو، وهو أبو الفقيه الأجل؛ والفقيه الأجل هو جد الأمير الرئيس الأجل ضياء الدين محمد بن علي بن الحسين بن المظفّر «١» ، ويوجد من هذه الأسرة في هذه الناحية- بيهق- فرع شامخ. المهلّبيّون كان أبو صفرة من اليمن؛ وأصبح أميرا على اليمن من قبل الإمام علي بن أبي طالب ﵇ خلال خلافته. كما كان المهلّب صحابيا أيضا، وقد تشرف برؤية المصطفى صلوات الله عليه، وتشرف بالرواية عنه، كما ذكرنا ذلك. وكان أمير خراسان يزيد بن المهلب من التابعين، وروى أحاديث عن أنس بن مالك، الذي كان خادما للمصطفى ﵇ (صلوات الله عليه وآله) . [٨٤] ونسب المهلب- كما هو مذكور في تاريخ نيسابور وغيره- هو: المهلب بن أبي صفرة بن سراق بن صبح (صبيح) بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن عتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان بن عابر- وهو هود النبي ﵇ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.

стр. 186

والعقب من أبي صفرة: المهلب، وعبد الله، وكعب، والمغيرة، وصفرة، وبشر، وهاني السحاب، والحوفزان، والمنجاب، والنضر. وكان يقال للمهلب شيخ العراق، قال زياد الأعجم «١» : فلله عينا من رأى كقضيّة ... قضى لي بها شيخ العراق المهلّب قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير إذ يبكي شجاه ويندب ولهذين البيتين قصة لطيفة. ويلتقي نسب مصنف هذا الكتاب بنسب المهلب عند عمرو مزيقياء، لأن المهلب من أبناء عمران بن عمرو مزيقياء، ومصنف هذا الكتاب من أبناء ثعلبة بن عمرو مزيقياء. وكان يقال لأبناء المهلب: سيوف الله، كما ذكر في كتاب ثمار القلوب «٢» . والعقب من أمير جيوش المسلمين المهلب بن أبي صفرة: أمير خراسان يزيد بن المهلب، وحبيب، وقبيصة، ومحمد، ومروان ومدرك، والمفضل، والمغيرة، وسراق، وعبد الملك، وعمرو، وشبيب، وبشر، وأبو عيينة. والعقب من أمير خراسان يزيد بن المهلب: مخلد، والمغيرة، ويوجد من هذه البطن ببيهق: المغيرة بن أحمد بن محمد بن هارون بن المغيرة البيهقيّ، وكان المغيرة هذا فقيها. وعندما جمعت إمارتا خراسان والعراق للحجاج بن يوسف الثّقفيّ، أجهد نفسه ليعزل المهلب عن إمارة الجيوش فلم يفلح.

стр. 187

[٨٥] وقد تولى المهلب إمرة الجيوش من جهة عبد الله بن الزبير أثناء خلافته، ولم تستقم حرب الخوارج إلا بالمهلب. كان المهلب يوما عند الحجاج، فأنشد الحجاج هذه الأبيات بمدحه وكان قائلها أحد الشعراء «١» : وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... وليس إن عضّ مكروه به خشعا ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متّبعا يوما ومتّبعا فقام رجل وقال: أصلح الله الأمير، والله إني سمعت قطري بن الفجاءة رئيس الخوارج ينشد هذه الأبيات في المهلب، فسرّ الحجاج لذلك وقال: الفضل ما شهدت به الأعداء. ومن أولاد المغيرة بن المهلب: أولاد حمويه بن الحسين بن معاذ بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة. وكان عبد الملك بن مروان قد ولى أمية بن عبد الله بن خالد أسيد بن العاص بن عبد شمس إمارة خراسان، ولم يكن أمر الحجاج نافذا لدى أمية، كما لم يكن سلس القياد له، لذلك سعى الحجاج إلى أن يعزل أمية من الإمارة؛ فأرسل المهلب بن أبي صفرة إلى إمارة خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان. وصل المهلب إلى خراسان سنة تسع وسبعين للهجرة، وفتح كش ونخشب، وكان له ابن أخ يدعى البحتريّ بن قبيصة بن أبي صفرة، فلم يستخدمه في أي عمل، كما كان حاجب عمه يمنعه من زيارته، فأرسل البحتريّ هذه الأبيات إلى عمه:

стр. 188

أقر السّلام على الأمير وقل له ... إنّ المقام على الهوان بلاء أصل الغدوّ مع الرواح وإنما ... إذني وإذن الأبعدين سواء [٨٦] إلا أن الأمير لم يستجب له، فأرسل إليه ثانية هذه الأبيات: جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... فأما يزيد الخير فازورّ جانبه وكلّهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تنوب فإنّ الدهر جمّ عجائبه أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه فلمّا بلغت هذه الأبيات مسامع المهلب سرّ بها، وولاه ولاية مرو. وحدث في الوقت الذي كان فيه سعيد بن عثمان بن عفان أميرا على خراسان، وكان المهلب معه في غزو تركستان، أن أصيبت عين المهلب بآفة، فأنشأ المهلب هذه الأبيات: لئن ذهبت عيني فقد بقيت نفسي ... وفيها بحمد الله عن تلك ما ينسي إذا جاء أمر الله أعيا حويلنا ... ولا بدّ أن تعمى العيون لدى الرمس أوصى المهلب ابنه يزيد قائلا: استعقل الحاجب، واستظرف الكاتب، فإن حاجب الرجل وجهه، وكاتبه لسانه. انتقل المهلب إلى الدار الآخرة في قرية زاغول في سنة اثنتين ومئة قال نهار بن توسعة في رثائه: ألا ذهب الإقبال والعزّ والعلى ... ومات الندى والجود بعد المهلّب وكان المغيرة بن المهلب قد توفي في حياة أبيه بمرو، وقد رثاه زياد الأعجم:

стр. 189

إن السماحة والمروءة ضمّتا ... قبرا بمرو في الطريق الواضح مات المغيرة بعد طول تعرّض ... للموت بين أسنّة وصفائح [٨٧] وقد منح المهلب هذا الشاعر مئة ألف درهم وراوي القصيدة ألف درهم أيضا. أما يزيد بن المهلب فقد أصبح واليا على خراسان ثلاث سنوات بعد أبيه، وهو الذي قال فيه الشاعر: فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى، ما للندى عنك معدل «١» فأعطاه على هذا البيت مئة ألف درهم خالصة، ثم إن الحجاج عزله وولى أخاه المفضل بن المهلب إمارة خراسان، وكان المفضل هذا رجلا عالما سخيا. وللفرزدق أبيات في عزل يزيد بن المهلب «٢» : أبا خالد ضاعت خراسان بعد كم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد فما لسرير الملك بعدك بهجة ... وما لجواد بعد جودك جود قيل ليزيد: أي بيت استحسنته من المدائح التي قيلت فيك؟، فقال هذا البيت: فتى زاده السلطان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السلطان كلّ خليل «٣» ومن أشعار الأمير يزيد بن المهلب بن أبي صفرة هذان البيتان:

стр. 190

وإذا جددت فكلّ شيء نافع ... وإذا حددت فكل شيء ضائر وإذا أتاك مهلّبيّ في الوغى ... في كفه سيف فنعم الناصر وقد أعاد سليمان بن عبد الملك في أيام خلافته، إمارة خراسان ليزيد بن المهلب، فأرسل ابنه مخلد بن يزيد نائبا عنه، ثم التحق في أثره، وقد فتحت على يده جرجان ونسا وأبيورد. قال محمد بن جرير ﵀: قيل إن أهل خراسان قد سبحوا في بحار السرور لدى قدوم يزيد بن المهلب، ونثروا الرياحين في الصحارى والمدن التي كان يمر بها، كما نثروا الدراهم والدنانير ابتهاجا وحاز رعاياه [٨٨] طائر السعادة بأيديهم، وصارت أيامهم أعيادا وأفراحا. ولبس أحباؤه الأمان، وتجرع أعداؤه السم القاتل، وقد قيل فيه «١» : وإذا الملوك رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار وإذا الفحول سمعن صوت هديره ... بصبصن ثم قذفن بالأبعار ولقد رجعت وإنّ فارس كلّها ... من كردها لخوائف المرّار فتركت خائفها وإن طريقه ... ليجوزه النبطي بالقنطار ولما أفضت الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله، عزل عمر بن عبد العزيز، يزيد بن المهلب عن إمارة خراسان، وفوض إمارتها إلى الجراح بن عبد الله وأمر بحبس يزيد بن المهلب، أما ابنه مخلد بن يزيد، فقد حبسه أمير خراسان الجراح بخراسان، ثم بعث به مقيدا إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق وفي الطريق، وزع مخلد- وهو في القيد- ثمان مئة ألف درهم على الفقراء والمحتاجين والصلحاء.

стр. 191

ولما وصل مخلد إلى الشام، رضي عنه عمر بن عبد العزيز، كما أطلق سراح أبيه بشفاعته. ثم مرض مخلد، وبسبب مرضه، امتنع أبوه يزيد عن تناول الطعام والشراب، فلما انتقل مخلد إلى جوار رحمة الخالق، لم يظهر يزيد الجزع، وانشغل بأعماله وقال: لقد ذهب ولدي، ولا ينبغي أن أضيع من يدي أجر الصابرين: فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب وكان عمر مخلد لما فارق الدنيا ستا وعشرين سنة، وصلى عليه الخليفة عمر بن عبد العزيز، ووقف على قبره وقال: لو أراد الله بيزيد بن المهلب خيرا لأبقى له هذا الفتى، فإنه من فتيان العرب. قال حمزة بن بيض في رثائه «١» : [٨٩] أمخلد هجت حزني واكتئابي ... وسدّ علي يوم هلكت بابي وعطّلت الأسرّة منك إلا ... سريرك يوم زيّن بالثياب ولما ثقل المرض بعمر بن عبد العزيز، انتقل يزيد بن المهلب مع أهله وخدمه إلى البصرة، فوصلها ليلة النصف من رمضان سنة إحدى ومئة. ثم إن يزيد بن عبد الملك أرسل أخاه مسلمة لحرب يزيد بن المهلب، الذي انصرف عنه أعوانه، فقتل على يد مسلمة. ويزيد بن المهلب هو القائل: إن سكني في الدنيا ببيتين: إما السجن أو قصر الإمارة.

стр. 192

ولو كانت النفس العزيزة والحياة الكريمة تشترى من الأجل المسمى بنفائس الأموال وذخائر الكنوز أو العدد والعدة، لكان ذلك قد نفع هذا الأمير العادل. قيل في رثاء الأمير يزيد بن المهلب «١» : كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه طائعين وساروا حتى إذا حمي الوغى وجعلتهم ... تحت الأسنّة، أسلموك وطاروا إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك، وبعض قتل عار وقد استحرّ القتل بآل المهلب مرتين: مرة في العقر- وهو موضع قرب الكوفة «٢» -، والآخر في قندابيل «٣» ، ولم يبق منهم إلا القليل، ثم إن الحق تعالى أحيا ذلك البيت بروح بن حاتم المهلّبيّ، [٩٠] ويزيد بن حاتم المهلّبيّ، قال أحد الشعراء وهو يشكو من يزيد بن حاتم: وإني- ولا كفران لله- راجع ... بخفّي حنين من يزيد بن حاتم وقد قيل: إن أسخياء البشر لو أرادوا مفاخرة الجن بالسخاء والكرم لبلغوا ذلك بأولاد المهلب. ذكر المدائني في كتابه أنه بعد أن قتل يزيد بن المهلب، مرت تسع وعشرون سنة لم تولد بنت لآل المهلب، بينما كان البقاء نصيب كل الأولاد الذكور فلم يلق الموت

стр. 193

عليهم ظلا. بقي للأمير يزيد بن المهلب أولاد وأعقاب في خراسان. ومن أحفاده: الفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى «١» : فأكرم بفرع هؤلاء أصوله ... وأعظم ببيت هؤلاء قواعده ويوجد بهذه الناحية- بيهق- أولاد لأخي المهلب بن أبي صفرة وهم من أولاد أحمد بن عبد الله بن زكريا بن عبد الكريم بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن شيبان بن الفروخ بن الحرب بن حريث بن بارق بن صالح بن أبي صفرة «٢» ، وهم أبناء عم يزيد بن المهلب. وكان أبو الحسين عبد الله بن زكريا قد انتقل من جرجان إلى نيسابور في شهور سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وكان منهم رئيس في قصبة جشم بأرض بيهق، يدعى الرئيس أبا علي محمد بن علي بن الحسين الجشميّ، والآخر يدعى الرئيس أبا العباس أحمد بن الحسين بن محمد الجشميّ «٣» ، وآخر يدعى الرئيس أبا الحسن علي بن الحسين البيهقيّ الجشميّ، وكان الفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى خاله. وكانت رئاسة هذه الناحية بيد الرئيس أبي الحسن الجشميّ، وكان رجلا وجيها مبجلا لدى الملوك والأمراء والوزراء والسلاطين، آثار الرئاسة والسيادة ظاهرة فيه؛ فشمع سخائه كالشمس الساطعة، ومصابيح رأيه كالنجوم اللامعة: ما السيف عضبا يضيء رونقه ... أمضى على النائبات من قلمه

стр. 194

ثم إنه عزل عن رئاسة بيهق. [٩١] وكل ولاية لا بدّ يوما ... تؤول إلى انقضاء وانقراض وأعطيت الرئاسة إلى خاله الفقيه الرئيس محمد بن يحيى، وكان رجلا عادلا شهما، الكفاية في كنفه محدودة، ونجوم المعالي في سماء رئاسته مسعودة: ثقاف الليالي في يديه فإن تمل ... صروف زمان ردّ منها فقوّما وقد قال الرئيس علي الشّجاعيّ» في مدح الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى ﵀: * أثني على العميد الرئيس الأوحد الخطير ... العالم الفرد الفقيه الخالص الدين عديم النظير الشامخ محمد الشيخ أبو عبد الإله ... صانع الشهرة المبارز ذي الصيت الذائع الشهير برغم كوني حرا في هذا العالم، لكن الأمير استرقّني بفضله ... وبرغم كوني أمير البيان لكنه أخرسني بوافر عطائه لا غرو أن يذاع شكره على لساني ... ولا غرو أن أنثر اللؤلؤ في مدحه وأعلن جهارا كما قال الأعرابي للقمر ... عند ما عثر على بعيره أقول للبحر أنت الجواد وللأسد أنت الشجاع ... وللفلك أنت السامي وللقمر أنت المنير

стр. 195

والفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى هذا، هو الذي دعا جد جدي الإمام أبا القاسم عبد العزيز بن الإمام يوسف بن جعفر النّيسابوريّ «١» من نيسابور إلى بيهق بالإنعام والإكرام، وارتبط معه بالمساعي الخيرة، وكانت بينهما مكاتبات في الإخوانيات، تظهر فيها آثار صفاء الاعتقاد والاتحاد، وأغلب تلك الكتب والرسائل محفوظ لدي. وسبب تلك الصداقة، أن الرئيس الفقيه أبا عبد الله كان في نيسابور يختلف إليه، ويستضيء بمصابيح علومه، ويستفيد من غرر علومه، وإن الإفادة والاستفادة تثمر السعادة في الدارين، ولم تنسخ الأمة هذه الطريقة بأية حادثة؛ لأن المفيد والمستفيد أشد احتياجا للمحاورة والمجاورة، واللقاء والمذاكرة، كالكبد الظمآن إلى الماء، والنبات الذابل إلى صوب السحاب. [٩٢] تلك العهود بأسرها مختومة ... بين الفؤاد وعقدها لم يحلل «٢» وقد قيل لذي القرنين الإسكندر الرومي: ما بالك تعظم أستاذك أكثر مما تعظم أباك؟ فقال: لأن أبي كان سبب وجودي بتقدير الله تعالى، وأستاذي كان سبب سعادتي في الدنيا والآخرة، وسبب جودة وجودي.

стр. 196

من المدائح التي قيلت في الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى: أخلائي! محمد بن يحيى ... أنار بفضله قلبي وأحيا محيّاه لأهل الفضل نور ... ومحياه لأهل الفضل محيا وقد أنشأ الفضلاء المقامات عند ما جاء الفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى إلى رئاسة بيهق، وكانت واحدة من تلك المقامات هي التي قالها الشيخ أبو عبد الله الزّياديّ المعروف بخواجكك «١» وفيها يقول: جعل الله ورود الشيخ الفقيه الرئيس هذه الناحية، ورود خير ونجاح، وغبطة وارتياح؛ وقرن بقدومه مساعدة السعادات، ومسارعة الفوائد والزيادات؛ فلا فضل إلا وهو منسوب إليه، ولا عدل إلا وهو موقوف عليه: إن غاب بدر الدّجن عنّا فقد ... أسفر عن بدر الأماني عيان ببهجة وضّاحة صوّرت ... من ماجد يحسدها النّيّران وكان له ابن هو الرئيس حمزة، وابنتان، إحداهما في حبالة الرئيس أبي سعد المظفر بن محمد، والأخرى والدة السيد الأجل ركن الدين أبي منصور هبة الله الذي كنا قد ذكرناه. وذكروا أن حياة الفقيه الرئيس ختمت بالشهادة في أوائل ملك السلطان طغرل السّلجوقيّ «٢» ، رحمة الله عليه. [٩٣] فولادوند يعتبر بيت فولادوند أشرف بيوتات الديالمة، وكذلك بيت دروداوند، ولما بلغ

стр. 197

فولادوند العالم المئة من عمره، وقوّس الدهر ظهره، وضعفت حواسه، اتفقت كلمة الديالمة على أن كل من رضي أن يضع صدره لطعنة المزراق «١» هدفا، ولم ير في الموت عارا، فإن السيادة والرئاسة تكون وقفا على أولاده وأحفاده، ولا أحد يخلع ربقة الطاعة لهم. كان فولادوند هرما، شارفت أيامه غروب العمر، فقبل ذلك قائلا، بقي القليل من عمري، وليس أفضل في هذا العمر الذي يتصرّم ساعة فساعة، من أن أبيعه بالسيادة والرئاسة لأولادي إلى يوم القيامة، ثم أسلم نفسه، وجعل صدره هدفا لذلك المزراق، وتناول شراب تلك الضربة بابتهاج، إلا أن الحق تعالى لم يكن مقدرا أجله آنذاك، ونعم المجنّ أجل مستأخر- فإن الخلائق عاجزون عن دفع الأجل المسمى، وهم أشد عجزا عن تقديمه- ولم يمت ثم عولج وعاش أعواما بعد ذلك، وسلمت لأبنائه السيادة والتقدّم على الديالمة. وكان له ابنان اثنان: كياكي وفيروزان، والعقب من كياكي: ما كان، ومن فيروزان: نصر بن الحسن بن فيروزان، وكان مقدم الديالمة، ذكر في كتاب مزيد التاريخ «٢» أن نصر بن الحسن هذا قد وصل خراسان في ابتداء دولة المحموديين، وأقام في قصبة جشم، حيث كانت نفقاته ونفقات عسكره مؤمنة من القصبة، ثم إنه اتصل بهم عن طريق المصاهرة. وهؤلاء الأكابر من أبنائه من جانب الأم، وكان الفقيه الرئيس أبو عبد الله من أبنائه وأحفاده، ولهذا السبب كان ملوك ذلك الزمان يعرفون له السعي المشكور، ويذكرونه بالمحامد والتشريف.

стр. 198

[٩٤] وقد ظلت رئاسة بيهق في ذلك البيت، كما ظلّ ميراث الشعر في بيت حسان الذي كان أولاده إلى يومنا هذا شعراء، ببركات كون حسان مادح المصطفى. انتقلت الرئاسة بعد الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى، إلى الرئيس أبي سعد المظفر بن محمد بن الحسن «١» وهو صهره. ثم صارت مدة إلى الرئيس حمزة بن محمد «٢» ، وهو ابن الفقيه الرئيس أبي عبد الله الذي كان مقامه في خسروجرد، وأرسل ابنه الرئيس حمزة هذا إلى رئاسة تبريز ومراغة، حيث بقي هناك. وقد شمل نظام الملك برعايته وعنايته الرئيس أبا سعد صهر الفقيه الرئيس أبي عبد الله، بما يعجز عن وصفه الشرح والبيان. رعى الرئيس أبو سعد المعوزين والمحتاجين، وكان نشر العدل من عاداته، ولهذا كان نظام الملك يذيع مفاخره على الملوك والرؤساء. قال الشيخ علي الشّجاعيّ قصيدة في مدحه، أولها: * تتجه الشمس دوما صوب الأعالي ... غير أن الشمس والقمر قد اختفيا الآن كأنك الشمس ونسيم السحر أريجك ... وهذا الروح ورياحين الربيع العديدة الألوان أخذت روائحها من يد السيد أبي سعد المظفر ... حين يفتحها مانحا عطاياه

стр. 199

السيد الذي ينعم في كل حين ... الفضل والأدب والعلم والحرية والمعرفة يفيض سيل الكرام والجود من طبعه ... كما يتفجر الماء من فم القناة إذا ما سقطت قطرة من يده على حجر ... نمت وردة بلا شوك في قلب الحجر الصلد وللشيخ الرئيس أبي عبد الله أحمد الزّياديّ المعروف بخواجكك مدائح وأشعار كثيرة، منها: [٩٥] حلفت بربّ النجم والأنجم السعد ... لقد ساد أهل الفضل طرا أبو سعد إذا احتجت في فطر إلى عطر إذخر ... فتقت سجاياه فأغنت عن النّدّ وإن عنّ محذور تعوّذت باسمه ... فأصبح بيني والمكاره كالسّدّ وأخرى في مدحه يقول فيها: إذا قيل من في الأرض للجود والبذل ... وللدين والتقوى وللفوز والفضل وللحسن والإحسان والرأي والنهى ... وللفضل والإفضال والقسط والعدل أحبت هو الشيخ الرئيس أخو العلى ... أبو سعد المشهور في الوعر والسهل لقد كان من شخص العلى حرّوجهه ... وغير أبي سعد غدا أخمص الرّجل انتقل الرئيس أبو سعد هذا إلى جوار رحمة الخالق في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة، وجلس في مكانه ابنه جمال الرؤساء أبو علي الحسين.

стр. 200

فإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد «١» وقد تجاوزت راية رعاية الرئيس أبي علي هذا لرعاياه كوكب زحل، ونقشت آثار كفايته وهدايته على صفحات العصر، وساس هذه الناحية- بيهق- بالإنصاف، وتوفي ليلة السبت فجأة بدون مرض في السابع من ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وقيل إنه أصيب بالسكتة «٢» ، ودفنوه من غير أن يعلموا ذلك، ودامت مدة رئاسته عشرين عاما، وقد أنشد الدهر في رثائه هذه الأبيات: كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا [٩٦] أمسى المرجى أبو علي ... موسّدا في الثرى دفينا حتى استوى وانتهى شبابا ... وصدّق الرأي والظنونا أصبت فيه وكان حقا ... على المصيبات لي معينا وكان له أخ يدعى فخر العلماء أبا عبد الله محمد بن المظفر «٣» ، وهو رجل عالم وفاضل وزاهد ومفضل، معروف بالصيانة ونزاهة النفس، وكان كلما رأى أبي أو رآني قال: صداقة الآباء قرابة الأبناء، وله هذان البيتان في حق أبي:

стр. 201

ورث الإمامة زيد بن محمد ... عن جدّه وأبيه بالإسناد أضحى كمثل أبيه أوحد عصره ... وكجده فردا من الأفراد وقد قال فيه الأفاضل مدائح كثيرة، منها تلك التي قالها نادر الدهر جعفر الحاكم الزّياديّ «١» ، وفيها يقول: فتى فتحت بنائله الأماني ... كما ختمت بسؤدده الرقاب يزين قديمه شرف حديث ... فقل في الجيد زيّنه السّخاب «٢» وقول الشيخ الرئيس العالم محمد بن منصور بن إسحاق «٣» : رئيس لو العيّوق ينشد مدحه ... لكان على الشهب الثواقب سيدا هو البحر والضر غام والشمس في الضحى ... علاء وبذلا واقتدارا على العدى ولفخر العلماء ابن اسمه حمزة درج ولم يعقب، ومخدّرة في حبالة السيد الأجل العالم المرتضى السعيد العزيز بن هبة الله. مضى فخر العلماء لسبيله في سنة تسع وخمس مئة، وكان للرئيس جمال الرؤساء أبي علي ابن هو الرئيس الأجل شمس الأمراء زين المعالي أبو الحسن علي بن الحسين بن المظفر بن [محمد] بن الحسن. وكان شابا له جمال يوسف وصباحة نصر بن الحجاج وملاحة سيف بن ذي يزن، وشجاعة رستم، وهمة إسفنديار، [٩٧] وقد عمرت آثاره وشمائله أطراف هذه الناحية، ودعا العمال من الأطراف بلطفه وسخائه إلى صداقته وطاعته، لبس

стр. 202

أهل الناحية في عهده الميمون وأيامه السعيدة ملابس الأمن والأمان، وصل الصغار والكبار بظل إقباله إلى مناهم، واستجاب لنداء الضعفاء والمساكين بتخليصهم من أيدي أصحاب القلاع «١» ، واتجه لحربهم مرات عديدة، ومنها حينما هجم فوج منهم بغته على ششتمد ليلة عيد الأضحى في سنة سبع وتسعين وأربع مئة، قتلوا حاكم القرية المعلى بن أبي الفتح المظفر بن أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد البازرقان مع عشرين دهقانا مسالما، وهم الشيخ أبو الحسن بن مسعود بن أبي الحسن البازرقان، والشيخ أحمد بن أبي سعدك، ومحمد بن القاسم، وأخوه علي بن القاسم، وعلي ومحمد وإسماعيل أبناء أبي الحسن بن محمد بن إسحاق، ومحمد بن أمير، وأخوه أبو الحسن، والحسن بن أحمد النجار، وغيرهم، وكان هؤلاء قد غادروا القرية، فالتقوا على نشز من الأرض بين ششتمد وزميج، وقتل هؤلاء العشرون هناك، فنزل الغم على أهل هذه الناحية، وتغلبت لواعج هذه المصيبة على العزائم القوية، ورفعت الستار عن الصبر والتحمل، فالتجأ الجميع إلى رب العزة وطلبوا العون من هذا الأمير، فنهض للانتقام، وأدى ما عليه من شرط حظ الرعايا ودفع الأذى عنهم، وزين أيامه بهذا المسعى؛ ثم جمع جيشا جرارا من المشاة والفرسان، وقصد قلعة بيار التي كان مستحفظها علي بن حميد البياريّ، في شهر شوال. وفي ذي القعدة سنة إحدى وخمس مئة جاء رجل عجوز إليه وقال إنه يحمل رسالة من الري، وبهذه الحيلة وصل إليه وطعنه بسكين فجرحه، فلم يبق بعد هذا الجرح إلا أياما، وتفرق عسكره عن تلك القلعة، وابتلي بالكسوف نور شمس

стр. 203

الأمراء، [٩٨] وحجب ضوء ذلك القمر بغيوم الفناء، وقرأوا عليه إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ «١» . * ذهب الذي سعد به الدين والدولة ... آجركما الله أيها الدين وأيتها الدولة وقيل: * عيوننا وقلوبنا مستودع للماء والنار ... حينما أصبحت شفتاه ورأسه طعمة للتراب والرياح عقب وفاتك يا فخر البشر ... شاركتنا أركان العالم أحزاننا وكان الإمام علي بن أبي صالح الصالحي الخواريّ قد بعث رسالة استغاثة إليه، ضمنها شكره لرئيس خوار الحسين بن سلم، وهذه القطعة التي أرسلها إليه: الغياث الغياث زين المعالي ... من أناس تشبهوا بالسعالي قسموا قسمة بها استأصلونا ... بفنون الإنزال والإجعال وأذلّوا عزيزنا فكأنا ... بين أيديهم دروس النعال غير أن الرئيس أعني حسينا ... قد رعى حرمتي وفيها سعى لي فأعنّا بحسن رأيك فيها ... يا عزيز الندى كريم الفعال وكان لهذا الأمير مع كل ما كان يتمتع به من وسائل الحياة وزينتها، طبع وقاد، وخاطر عاطر، وله أشعار كثيرة بالعربيّة، وعند ما بنى قصره، طلب إلى والدي أن يقول قطعة من الشعر تكتب على ذلك القصر، فقال والدي ﵀ هذه الأبيات على البديهة:

стр. 204

بنيت ضياء الدين يا خير من بنى ... على اليمن دارا دارة البدر دونها وشيّدت بهوا بالبهاء متوّجا ... تفيض له زهر النجوم عيونها يمينك فيها البحر بالعين مزبدا ... فما ضرّ أن لم تجر فيها عيونها ومن نسيج خاطر هذا الأمير هذه الأبيات التي كنت قد أوردتها في كتاب وشاح دمية القصر، وقد قالها في جوابه للأمير الأديب أبي الحسن السّعيديّ: [٩٩] يا من صفا ذهنا ودرا ... وعلا الورى نظما ونثرا أنظمت درا أم جلوت عقيلة أم صغت سحرا أم حكت وشي الروض غازله الندى طلا وقطرا لله درك كيف قد ... أسكرتني ولم اسق خمرا لما رحلت زعمت أنك لا تقيم هناك شهرا وحلفت بالأيمان يلزم حفظها سرا وجهرا أن تحفظ العهد المؤكّد لا تسوق إليه غدرا وقيل في حق أبيه جمال الرؤساء أبي علي: لا زال جدّك دائم الإشراق ... وفضاء مجدك مشرق الآفاق جعلت يد الأيام صفحة بدركم ... محروسة عن كف كل محاق يفنى وينقطع الزمان وأهله ... ومديحكم بين الأفاضل باق وقد بقي له ابنان اثنان: الأمير الرئيس الأجل ضياء الدين محمد، والأمير الرئيس الأجل جمال الدين أبو علي الحسين. وأم ضياء الدين محمد، هي بنت الفقيه الأجل عبد الله أخي نظام الملك. أما أمّ الأمير أبي علي، فهي أم ولد، وكانت أم أبيهما الأمير أبي الحسن أم ولد أيضا.

стр. 205

وقد انتقلت الرئاسة إلى فخر العلماء أبي عبد الله محمد بن المظفر إلى أن بلغ ضياء الدين محمد مبلغ الكمال. وللأمير ضياء الدين محمد طبع رقيق في الشعر الفارسيّ، وقد بلغ حد الكمال في الشجاعة والسخاء. إن الفضائل كانت فيه كاملة ... والنقص أجمع منه كان في العمر *** زين الشباب أبو فراس لم يمتّع بالشباب «١» ومن رباعيات الأمير السعيد محمد، هذه الأبيات السائرة: [١٠٠] * أيها البدر المنير، أصبحت مقوّسا كالهلال في مصابك ... وصرت كالظل حزنا عليك يا شجرة السرو الباسقة يا شبيه الشمس صرت كالذر لفراقك ... وظهري منحنيا كحرف الدال حزنا عليك يا شبيه حرف الألف وله: * لم أنت يا قلب دائما في حرب معي ... حين تهيم بذؤابة تلك الحسناء؟ إنني أخشى عليك إن هربت مني ... أن تقع في شباك ضفائرها فتشنق بها ولما عاد سلطان ذلك الوقت الأعظم السعيد سنجر «٢» ﵀ من مصاف العراق، وكان الأمير ضياء الدين في مجلس السلطان وقد حظي بشرف مؤاكلته

стр. 206

ومنادمته، قال: * أنت الملك الذي أشار النبي ... إلى ملك أمته في آخر الزمان أنت الفخر إلى يوم القيامة ... فأصلك وجوهرك من ألب أرسلان واتفق أنني ذهبت في ذلك اليوم إلى الحضرة وقلت خطبة افتتحتها بهذا الحديث: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» «١» ، وشرحت ذلك بأن وصول ظلال الرايات السّلطانيّة إلى أطراف وأكناف العالم هو معجزة المصطفى، وأنه ﵇ قد أنبأ بهذا. ثم إن الأمير محمدا ﵀، مرض في مسجد بناه صاحب جيش الإسلام عبد الله بن عامر بن كريز، في رزناباد الأعلى بناحية جوين، فلما نقل إلى قنوز آباد جوين، قضى نحبه وانتقل إلى العقبى في يوم الثلاثاء غرة ربيع الأول سنة سبع وعشرين وخمس مئة، ومات أخوه الأمير أبو علي في صفر سنة عشرين وخمس مئة، وكنت عند وفاة محمد في مدينة الري، وكتب لي صديق خبر وفاته في هذين البيتين: * ذهب أمير العالم وخلّف اسمه المحمود ... وفي الجنة، قرأ منشور الدولة الأبدية لم ير العالم مثل ذاته ما دام حيا ... إذ لم يبق في العالم رجل له هذه الذات والعقب من الأمير الإسفهسالار الرئيس الأجل ضياء الدين: ملك الرؤساء أبو الحسن [١٠١] زنكي، وكانت ولادته في شهور سنة ست عشرة وخمس مئة، والعقب منه: الأمير محمد، وبنات درجن؛ والأمير الرئيس مؤيد الدين الحسن، وكانت ولادته في سنة ست عشرة وخمس مئة، وأمه أم ولد أخرى، والأمير الرئيس الأجل علي، وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة.

стр. 207

والعقب من الأمير السعيد أبي على الحسين بن علي بن المظفر: الأمير الرئيس الأجل جمال الدين أبو الحسن علي، وله عقب أيضا. فصل: وقد اتصل السيد الأجل أبو الحسن بن السيد الأجل أبي جعفر بالمصاهرة بهذا البيت، وكانت والدة السيد الأجل ركن الدين هبة الله منهم، وكذلك جمال الرؤساء أبو علي نفسه وابن خالته السيد الأجل أبو منصور. وكان أسلاف السيد الأجل أبي منصور ملوك خراسان وساداتها ونقباء أشرافها، ولهم من الملوك الطاهريين عرق نزاع، كما بينت ذلك بالتفصيل في كتاب لباب الأنساب. فصل: وقد تزوج السيد الأجل ذخر الدين نقيب النقباء أبو القاسم زيد بن الحسن نقيب نقباء نيسابور، كريمة الأجل العالم شرف الدين ظهير الملك أبي الحسن علي بن الحسن البيهقيّ «١» . مات السيد الأجل أبو محمد [الحسن بن] «٢» زيد الملقب بتاج الدين نقيب النقباء في شهور سنة اثنتين وعشرين وخمس ومئة. الحاكميّون والحاكميّون والفندقيّون، الذين هم أسلافي، ينحدرون من خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان مقرهم الأصلي قصبة سيوار، من نواحي والشتان من توابع بست. [١٠٢] ومنها قدم الحاكم الإمام أبو سليمان فندق بن الإمام أيوب بن الإمام

стр. 208

الحسن «١» ، إلى ولاية نيسابور للقضاء والفتوى بأمر السلطان محمود بن سبكتكين ورعاية الوزير أحمد بن الحسن الميمنديّ الملقب بشمس الكفاة «٢» ؛ وقد بقي في قضاء نيسابور بالأصالة مدة، وأخرى نيابة عن قاضي القضاة عماد الإسلام أبي العلاء صاعد بن الإمام الأديب أبي سعيد محمد بن أحمد «٣» ، ثم طلب إعفاءه، واشترى بناحية بيهق ضياعا في قرية سرمستانة من حدود القصبة وأقام هناك، وناب عنه في قضاء هذه الناحية الحاكم أبو الحسن العزيزيّ بينما أو كل قضاء بسطام ودامغان لابنيه، وهما أبو سعد الحسن وأحمد. انتقل الحاكم الإمام مفتي الأمة إمام الآفاق أبو سليمان فندق بن أيوب بناحية بيهق إلى جوار رحمة الله تعالى، ليلة الجمعة التاسع من شوال سنة تسع عشرة وأربع مئة. والعقب من أبي سعد الحسن: الفقيه أبو نصر محمد وله علي. والعقب من أحمد: محمد وعلي وبنتان. وكان الحاكم الإمام أبو علي راتق فتوق المشاكل الشرعية، وإليه الرجوع في معضلات الفتاوى؛ وقد ناب مرات عديدة عن قاضي القضاة أبي علي الحسن بن إسماعيل بن صاعد بقضاء نيسابور، ومرات بقضاء بيهق. ولما ذهب لزيارة الكعبة، صدر من ديوان السلطان طغرل بك محمد بن ميكائيل

стр. 209

ابن سلجوق، مثال بحقه إلى وزير دار الخلافة، وهو الشيخ الرئيس الزّكيّ عبد الملك ابن محمد بن يوسف وزير القائم بأمر الله- ولم يكن لقب «وزير الخليفة» موجودا قبل هذا- ومضمون المثال هو: كتابنا- أطال الله بقاء الشيخ الرئيس الزّكيّ وأدام عزه- من الري، ونعم الله تعالى عندنا جديدة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الأخيار المنتجبين، هذا وقد عرف الشيخ الزّكيّ صدق اهتمامنا بأحوال العلماء حتى تستمر على النظام، وشدة اعتنائنا بأمورهم لتجري على انتفاء الخلل وحصول المرام؛ وهذا الحاكم أبو علي بن أبي سليمان «١» أدام الله فضله، ممن له البيت القديم [١٠٣] والمحتد الصميم؛ ورد بابنا زائرا داعيا مجددا للعهد على جناح النهج، مستطلعا رأينا في زيارة بيت الله الحرام والحج؛ فقبلنا أدعيته، وأمضينا عزيمته؛ وأوجبنا على من يجتاز به ويحل بجانبه، أن يوطئ له كنفا وسيعا، وينزله منزلا مباركا مريعا؛ ويعينه بإنعام عليه، وخفير إن احتاج إليه؛ والشيخ الزّكيّ أولى من يبذل في حقه عنايته، ويكتسب بسعيه الجميل شكره ومدحته؛ مكتسبا لإحمادنا اللطيف، وارتضائنا المنيف، إن شاء الله تعالى. وكتب بالمثال ورسالة الحاجب الخاص أبي منصور ساوتكين في أواخر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وأربع مئة. وكانت ولادة الحاكم الإمام أبي علي ليلة الجمعة السابع والعشرين من شوال سنة تسع وتسعين وثلاث مئة، ووفاته في سنة ثمانين وأربع مئة، ولم يهدأ حتى ولا يوما واحدا طيلة أعوامه الواحد والثمانين- إلا في أيام المرض- عن المطالعة والمذاكرة والرياضة، وكان مشغولا بالطاعة والعبادة؛ وقد وقعت له مصاهرة مع الإمام الذي كان الفقيه الرئيس أبو عبد الله محمد بن يحيى قد دعاه من نيسابور إلى بيهق، وأقام هناك مكرما، وهو الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن الإمام يوسف بن

стр. 210

الإمام جعفر بن الإمام محمد بن إبراهيم بن كشمرد، وكشمرد هو الإمام أبو علي محمد بن عمرو بن النضر بن حمران النّيسابوريّ «١» ، وكان مسكن أبي علي كشمرد في سكة حرب، وله مسجد معروف، وسمع الإمام يحيى بن يحيى. توفي الإمام أبو علي كشمرد سنة سبع وثمانين ومئتين. وكان هذا الإمام مقدم علماء أصحاب الإمام أبي حنيفة بنيسابور، وحظي من دار الخلافة بالرعاية والإقبال، ومن شعره بحق واحد من السادات: يا سيّد السادات يا بدر الدجى ... قد حل في قلبي هواك حلولا وإذا افتخرت بفضل جدّك لم تدع ... لذوي الفخار من الأكارم قيلا [١٠٤] أعطاك ربك رفعة وسيادة ... وكفى بربّك هاديا ووكيلا وقد بنى قراتكين الأصفهبديّ والد منصور بن قراتكين، لابنه الإمام يوسف بن جعفر النيسابوريّ مدرسة بجوار مسجد رجاء «٢» ، وكان أمير خراسان ناصر الدولة أبو الحسن محمد بن إبراهيم السّيمجوريّ يأتي كل يوم جمعة لزيارته والسلام عليه، ولدي رسائل أمراء ذلك الزمان التي كتبوها إليه بالاحترام التام. والإمام يوسف هذا، ذهب خمس مرات لزيارة الكعبة والروضة النبوية، ومن منظومه هذان البيتان: طلب العلوم مذلّة وعناء ... والسّهو عنها كربة وبلاء فاصبر على طلب العلوم فإنها ... بعد المذلة رفعة وعلاء

стр. 211

أما ولده الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، الذي أتى إلى بيهق من نيسابور، فقد كان فريد عصره، متبحرا بأنواع العلوم، بلغ في كل منها الغاية، بل أصبح فيها آية، وبحقه قال الإمام أبو عامر الجرجانيّ «١» : تبيّن لي أن ليس للناس كلهم ... إمام تردّى بالكتاب المشرّف كمثل الإمام المستضاء بنوره ... أبي قاسم عبد العزيز بن يوسف تولى نيابة القضاء بنيسابور مدة، نائبا عن قاضي القضاة أبي الهيثم عتبة بن خيثمة «٢» ، وهو جد جدي الحاكم الإمام الشيخ الإسلام أميرك أبي سليمان محمد بن الحسين. صاهر الإمام شرف الصالحين أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف في قرية باورين، الشيخ محمد بن أحمد بن مريم «٣» ، وكان الإمام أبو القاسم عبد العزيز مئناثا. كانت ولادة جدي الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك في نيسابور سنة عشرين وأربع مئة، وقد أوكلت إليه الخطبة بنيسابور مرات عدة نيابة عن الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني «٤» ، ومرات بالأصالة بمثال من الإمام القادر بالله، كما عيّن مرة أخرى للجلوس للوعظ بعد صلاة الجمعة في الجامع القديم بمثال من دار الخلافة [١٠٥] وأمثلة السلاطين، وإلى الوقت الذي كانت فيه نيسابور عامرة، كنت أقوم بهذا

стр. 212

العمل بحكم الإرث، وأبعث إلى أرواح أسلافي الأدعية الصالحة. كما أنيط به قضاء نيسابور مدة نيابة عن القاضي الهمام منصور بن إسماعيل بن صاعد «١» ، وفوض إليه القضاء بالناحية عشر سنوات، وتوفي في سنة إحدى وخمس مئة. وفوض قضاء ناحية بيهق وناحية أستراباد مدة، لأخيه القاضي الإمام سديد القضاة أبي الحسن؛ وانتقل إلى جوار رحمة الله في شهور سنة ثلاثين وخمس مئة، وقلت في رثائه: قضى نحبه عمي الإمام أبو الحسن ... وغادر حزنا بيننا واسع العطن وكان غريبا في الزمان وأهله ... فآب إلى الجنات شوقا إلى الوطن وله: * انمحت بوفاة الأجل رضي الدين آثار العلم والفضل تحولت الشعور السود بيضا ... وأصبحت الوجوه البيض سودا فبعلمه وديانته وورعه وأمانته، طلب الزمان العذر لجناياته، واستظلت أموال وأملاك المسلمين بظل الأمان، ونفر من الظلم والتعدي والتزوير والتلبيس، واستقامت الأعمال على الطريقة المثلى. والعقب من الحاكم الإمام أبي علي الحسين بن أبي سليمان فندق بن أيوب، هو الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك أبو سليمان محمد، والقاضي الإمام الرئيس أبو الحسن علي. والعقب من القاضي أبي الحسن علي بن الحسين بن فندق: جمال القضاة ناصر، وبدر القضاة أبو علي الحسين، درج أبو علي الحسين عن بنات.

стр. 213

والعقب من جمال القضاة ناصر: محمد وأبو القاسم، درج أبو القاسم عن بنات في سنة خمسين وخمس مئة. والعقب من محمد بن ناصر: أبو منصور، وأبو علي، وبنات. والعقب من الحاكم الإمام شيخ الإسلام أميرك أبي سليمان محمد بن الحسين بن فندق، هو الإمام والدي شمس الإسلام إمام الأئمة أبو القاسم زيد بن محمد، والإمام حمزة، والإمام الحسن، وقد درج الإمام حمزة ولا عقب له، ومن منظومه قوله: أيا من رأيه عين الصواب ... ويا من بابه حسن المآب حضرت الباب مرات وإني ... رضيت من الغنيمة بالإياب حجبت الآن عنك وأنت شمس ... ونور الشمس يستر بالضباب إليك احتاج عزمي وانتظاري ... كما احتاج السؤال إلى الجواب فأكرمني بفضلك يا ملاذي ... وشرفني بإبطال الحجاب عتاب ثم حرمان وهجر ... عذاب في عذاب في عذاب وأما عمي الحسن فقد بلغ في حفظ مبادئ الأدب حدا أن قال معه أستاذنا الإمام أحمد الميداني «١» في حقه: نحن الخلجان وهو البحر. وكانت ولادة والدي الإمام السعيد شمس الإسلام أبي القاسم زيد بن محمد «٢» في يوم عيد شوال سنة سبع وأربعين وأربع مئة، ووفاته في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وخمس مئة، قضى منها ما يزيد على عشرين عاما في بخارى، وأقام هناك، واختلف إلى أئمة تلك البلاد، وحصل على حظ وافر

стр. 214

من أنواع العلوم، وكان من أساتذته في تلك الأيام: الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن الفضل الفارسيّ؛ والإمام أبو عبد الله الحسين بن أبي الحسن الكاشغريّ الملقب بالفضل؛ والإمام الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السّرخسيّ؛ والسيد الإمام أبو بكر محمد بن علي بن حيدر الجعفريّ. وكان من الدارسين معه: الإمام الأجل برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز المازه. وكانت عينه قد أصيبت في آخر عمره بالضعف، ليبوسة الدماغ وكثرة الدرس والمطالعة، وقد عالجته عجوز قيل إنها من عجائز قوم عاد مشهورة في الكحالة إلا أن عدم معرفتها بأصول المداواة أدى إلى تلف عينه وذلك في سنة ثلاث وخمس مئة [١٠٧] وقد اتخذت تلك العجوز من الليل جملا وفرت، فتعقبوها ولم يعثروا لها على أثر، كأن الأرض أكلتها أو السماء رفعتها، وقد نظم هذين البيتين عند ما ابتلي بذلك البلاء وهما: لئن غاب عن عيني برغمي نورها ... فما غاب عن دار الجزاء ثوابي شياطين دهري قاربوا فلك التقى ... فأتبعتهم من ناظري بشهاب وذكره مبسوط بالتفصيل في تاريخ نيسابور المسمى ب سياق التاريخ للإمام أبي الحسن عبد الغافر الفارسيّ الخطيب بنيسابور «١» ، وكذلك ذكره الإمام علي بن أبي صالح الصالحي الخواريّ، فهما أولى بأن يعطيا الموضوع حقه بأقلامهما وبيانهما، وفم الأعرابي أفصح، ومن مدح أباه فكأنما مدح نفسه. والعقب من والدي الإمام أبي القاسم زيد بن محمد البيهقيّ:

стр. 215

الإمام يحيى، ومصنف هذا الكتاب أبو الحسن علي، ومحمد والحسين وعلي، ومحمد والحسين توأمان وقد درجا، كما درج علي، وأما يحيى فقد عاش عشرين سنة ولم يعقب، ومن منظوم أخي يحيى بن الإمام أبي القاسم قوله وهو يشكو من مؤدبه الخرف الهرم الملقب بموسيجه: أديبي في الكتّاب أصبح داءا ... فهل أرتجي يا قوم منه شفاءا يضرّ ولا يسخو بنفع وإنه ... يضيّع خبزا أو ينجّس ماء ألا يا إمام الدهر هل أنا واجد ... لداء صروف الدهر منك دواءا البيهقيّون كانوا جماعة من الأكابر والأفاضل، وأغلب ربع زميج من أملاكهم، وهم أسلافي عن طريق الوالدة، وكان جدي هو الرئيس العالم أبا القاسم علي بن أبي القاسم الحسين بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن طاهر بن أحمد بن مسكوب البيهقيّ؛ وأبو الطيب طاهر بن أحمد الفقيه يروي عن خاله الفضل بن المسيب. توفي في مسكنه بيحيى آباد من توابع بيهق في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وهو ابن أخ عبد الله بن طاهر بن أحمد الفقيه، ابن عم الشيخ أبي الحسن البيهقيّ. [١٠٨] وكان الشيخ أبو القاسم الحسين بن أبي الحسن البيهقيّ رجلا شجاعا وشهما وعزيزا محترما، وأمه هي بنت أبي الفضل بن الأستاذ العالم أبي بكر الخوارزميّ، والأستاذ العالم الفاضل أبو بكر الخوارزميّ هو ابن أخت محمد بن جرير الطّبريّ المؤرخ الذي يعزى إليه تاريخ جرير (الجريري) والتفسير، وقد ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ في تاريخ نيسابور «١» ، ولمصنف هذا الكتاب عرق نزّاع لتصنيف
следующие страницы →