Полный текст (657 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الإسفرايينيّ «١» والإمام أبا منصور عبد القاهر البغداديّ «٢» للتدريس في مدرسته، وطلب إلى الوزير أن يهيئ أسباب معاشهم.
وكانت أوقات المقيمين بتلك المدرسة منقسمة على ثلاث أقسام: قسم منها للتدريس، وآخر لإملاء الأحاديث، والثالث لتذكير المسلمين ووعظهم.
وكان الشيخ أحمد بن الحسين البيهقيّ «٣» المحدث مصنف كتب الأحاديث ووحيد عصره تلميذا له، وله اختلاف إليه.
ومن أشعاره:
تفكّرت طول الليل فيما جنيته ... وذكّرت نفسي كلّ ذنب أتيته
وأنكرت فيها ما تعاطيت في الصّبا ... كأن شبابي كان سهما رميته
فسوّد صحفي بالذنوب أوانه ... وولى سريعا مثل حلم رأيته
ومن رسائله الرسالة التي كتبها إلى المقدم الرئيس أبي سعد محمد بن منصور «٤» والد الرئيس أبي المحاسن الجرجانيّ «٥» ، التي دأب أفاضل الكتّاب على استنساخها، ولا يسع هذا الكتاب ذكرها.
стр. 317
الفقيه الرئيس أبو محمد المعلّى بن أحمد البيهقيّ «١»
هو جد القضاة الصّاعديّين بنيسابور من جانب الأم، وكان من مفاخر بيهق، ولد ونشأ في قرية كنبد من ربع زميج، وعنه ورث قضاة نيسابور الضياع والأملاك، وقد بقي منها بقية إلى الآن، تولى رئاسة نيسابور مدة من الزمن، وله آثار محمودة في ذلك الشغل الخطير.
ألّف الأفاضل في مدائحه [١٧٣] التصانيف.
قال سوري بن المعتز- الذي كان واليا على نيسابور- يوما على ملأ من الناس: لم أر من هو أكثر أريحية وعزة من المعلى البيهقيّ، فقد أختلف إليّ زمنا طويلا كان في كل يوم يزورني، فيأخذنا الانبساط، ويبدأ بعرض مصالح المسلمين والشفاعة للمستضعفين عليّ، إلا أنه لم يسمعني قط كلمة واحدة عن أشغاله هو.
كان للشيخ أبي منصور الثّعالبيّ معه مذاكرة وامتزاج ومؤانسة ومجالسة، وقد ذكره كثيرا في تصانيفه.
روي عن الشيخ الفقيه الرئيس المعلى أنه قال: جلس مرة كردي وصائغ ومعلم وديلمي وعاشق في الصحراء، وكان الجو قد لبس الرداء الأسود، وفجأة طلع القمر مشرقا بشعاعه الذهبي على الأرض، كانوا يجلسون وجها لوجه. فطلبوا إلى بعضهم أن يصف كل منهم- على سبيل التشبيه- القمر بقدر فهمه وخياله، فتقدم الصائغ- لأن
стр. 318
عزة الذهب قدمته على غيره- وقال: إن هذا القمر هو كسبيكة الذهب الخالص التي خرجت لتوّها من بوتقة الصهر.
وقال الكرديّ إنه كالجبن الذي يحكي عطارد وقد خرج من القالب.
وقال العاشق: كأنه استعار من وجه حبيبي حسنه وجماله، فحكى بهاءه وإشراقه.
قال المعلم: إنه مثل الرغيف الحواري الذي أرسل من بيت أحد المتمولين «١» يوم خميس إلى المعلم.
قال الديلمي: هو كالدرع المطلي بالذهب الذي قدّم أمام الملك عند الحركة للقتال.
ثم قال: كل يعمل على شاكلته، وينفق على مقدار بضاعته، ويسير براحلته، ويرمي عن كنانته.
قال أبو منصور الثّعالبيّ مهنئا له بقدومه:
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بقدوم الفتى الأجلّ المعلّى
وقال أبو مسعود أحمد بن عثمان النّيسابوريّ الخشناميّ «٢» في مدحه:
[١٧٤] سهام الدهر ترمي بي إلى من ... له في مجده السهم المعلّى
فهل يشفي لهيب صداي حر ... إذا استسقى العطاش الهيم علّا
لعل الله يحدث بي لعلّا ... بيمن رعاية الشيخ المعلّى
رعاه الله في الدنيا مصونا ... عن الأقدار ذا قدر معلّى
وقد راعى في أبياته لزوم مالا يلزم.
стр. 319
كان غض الشباب عند ما دهمه الأجل المسمى. وكان قاضي القضاة أبو الحسن إسماعيل بن صاعد وأخوه قاضي القضاة أبو سعيد محمد بن صاعد قد ذهبا لعيادته، فرأوا على وجهه قطرات الحسرات، فقالا بتململ وتذلل وتوجع وتفجع: «الموت باب وكلّ الناس وارده» ، فأجابهم الشيخ المعلى: نعم، الموت منهل الكلّ وارده، وبقاؤهم مرهون بأنفاسهم المعدودة، إلا أن بالي منشغل ببناتي اللواتي أخشى أن يضعن بعدي «١» :
لولا بناتي وسيّئاتي ... لطرت شوقا إلى الممات
ثم أنشد هذه الأبيات «٢» :
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجى في حندس الظّلم
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
كان للقاضي أبي الحسن ابنان: القاضي منصور والقاضي أبو علي، وأما القاضي أبو سعيد فكان له ابن واحد، وهو رئيس الرؤساء أبو نصر أحمد.
فقال القاضيان: اعطنا وكالة بعقد نكاح هؤلاء المخدّرات الثلاث على أبنائنا الثلاثة، فأوكل إليهم ذلك، وعينوا مهورهن، وأحضروا أبناءهم الثلاثة، وجعلوا من مجلس العيادة ذاك مجلس عرس- وكانت إحدى بناته قد زوجت قبل ذلك للشيخ أبي الفتح المظفر بن أبي الحسن البازرقان- فقامت القرابة بينهم، وهان على قلب هذا
стр. 320
الشيخ [المعلى] ألم مفارقة الدنيا، وانقطاع علائقه، وتوجّه تلقاء الآخرة بوجه مستبشر، حيث لم يطل به العمر أكثر من أسبوع [١٧٥] ، انتقل بعده إلى جوار رحمة الخالق جلت عظمته، رحمة الله عليه.
أبو المظفر إبراهيم بن محمد البيهقيّ «١»
ولد ونشأ في قصبة جشم، وكان صاحب منصب في عصره، كتب الشيخ أبو منصور الثّعالبيّ كتابا باسمه وسماه نهاية الصناعة في الحسن والبراعة، قال الشيخ أبو منصور في هذا الكتاب: إن من الكبائر أن تسير مؤلفاتي ومصنفاتي في العالم كالأمثال، وتسافر في البر والبحر كالخيال، ولم أصنف كتابا باسم هذا الرئيس، الذي ظهرت آثار أياديه وبرّه وإفضاله على صفحات أحوالي.
الشيخ أبو الفضل محمد بن الحسين الكاتب البيهقيّ «٢»
كان كاتب السلطان محمود نيابة عن أبي نصر بن مشكان، وكاتب السلطان محمد بن محمود، ثم كاتبا للسلطان مسعود، أصبح بعدها كاتبا للسلطان مودود، ثم للسلطان فرخزاد، وعندما انتهى حكم السلطان فرخزاد، اختار العزلة وانصرف إلى التأليف.
كان مولده في قرية حارث آباد، ومن تصانيفه: كتاب زينة الكتّاب، الذي لا نظير
стр. 321
له في فنّه، وكتاب التاريخ الناصري «١» الذي دوّن فيه التاريخ من أول أيام سبكتكين إلى أوائل أيام السلطان إبراهيم يوما فيوما، يزيد حجمه على ثلاثين مجلدا منصّفا، رأيت عدة مجلدات منه في مكتبة سرخس، وعدة مجلدات في مكتبة مهد العراق «٢» رحمها الله، وعدة مجلدات في أيدي الناس، ولم أر منه نسخة كاملة.
ومع الفصاحة والبلاغة، كان له نصيب وافر من استماع الأحاديث، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السّلميّ «٣» في سنة إحدى وأربع مئة قال حدثنا جدي إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا عبد الله بن حامد، قال: حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الحلوانيّ، قال: حدثنا علي بن داود القنطريّ، قال: حدثنا وكيع بن الجراح إنه قال:
إذا أخذت فألا من القرآن، فاقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، أو المعوذتين وفاتحة الكتاب مرة، ثم خذ الفأل «٤» .
وقال الشيخ أبو الفضل البيهقيّ: إن الثلج سقط في نيسابور سبعا وستين مرة في عام أربع مئة، فكتب لي السيد أبو البركات العلوي الجوريّ «٥» آنذاك رسالة وفيها هذان البيتان: [١٧٦]
стр. 322
هنيئا لكم يا أهل غزنة قسمة ... خصصتم بها فخرا ونلتم بها عزّا
دراهمنا تجبى إليكم وثلجكم ... يردّ إلينا، هذه قسمة ضيزى
وإن القحط الذي وقع بنيسابور سنة إحدى وأربع مئة، إنما كان سببه تلف الغلال من ذلك البرد، وقد عمّ ذلك القحط أيضا خراسان والعراق، لكنه كان شديدا في نيسابور ونواحيها، حتى إنه أحصي عدد الذين ماتوا بنيسابور من الناس فبلغوا أكثر من مئة ألف وسبعة- كما ذكر ذلك أبو النصر العتبيّ في كتاب اليميني «١» - وقيل إن عددا من المقابر قد فتحت وأخرجت العظام البالية منها للاستفادة منها، وبلغ الحال أن الأمهات والآباء كانوا يأكلون أولادهم، وقد ذكر الإمام أبو سعد الخركوشيّ في تاريخه «٢» ، أن كل محلة كانت تنقل في اليوم ما يزيد على أربع مئة جنازة إلى المقابر.
ولم يكن سبب ذلك القحط هو قلة الطعام فحسب، بل استيلاء الجوع الكلبي على الناس.
ورد في كتاب اليميني بأنه كان هناك في تلك الأيام طباخ في السوق وضع عدة أمنان من أصناف من الخبز في دكانه، إلا أن أحدا لم يشتر منها، على الرغم من أن ثمن
стр. 323
سبعة عشر منا من الخبز كان ربع درهم، كان الناس لا يشبعون مهما أكلوا من الطعام، قال العبد لكاني الزّوزنيّ «١» في هذه الأبيات يصف ذلك القحط:
لا تخرجنّ من البيوت لحاجة ولغير حاجه ... والباب أغلقه عليك موثّقا منه رتاجه
لا يقتنصك الجائعون فيطبخوك بشور باجه «٢»
يقول الشيخ أبو الفضل البيهقيّ: لا ينبغي لمن هو في خدمة السلطان أن يدخر الأموال، لأن ذلك يجعله شريكا في الملك، فتكديس الخزانة بالأموال والذخائر من [١٧٧] صفات وعادات الملوك؛ كما لا ينبغي له أن يمتلك الضياع والعقارات، لأن ذلك من أعمال الرعية؛ وخادم السلطان له درجة هي بين الرعية والسلطان، فهو فوق الرعية إلا أنه أدنى من السلطان، ولا ينبغي لتشبهه بالسلطان أن يجعله يدخر الأموال، ولا لتشبهه بالرعية أن يقتني الضياع والعقارات، بل يكتفي بالأجر المقرر، وأن يقتصد في التصرف به من خلال الجاه ونفاذ الأمر. والاقتصاد في خدمة السلاطين هو أن لا يصل حدّ الطمع، أو أن يكسب الدنيا بهذا الجاه، فالجاه إن أصبح سببا لكسب الدنيا، سيؤدي إلى زوال الجاه والمال معا، وربما أدى إلى هلاك النفس.
وحيثما كانت دار الملك فيجب على الملك أن يعمرها، لكي لا يقع عبء ذلك على الرعية، وحيثما أقام الملك أو سافر فإن من المصلحة أن يكون معه مجموعة من الأغنام، تعطى إلى من سدت بوجهه باب المروءة والضيافة لضيق ذات يده، وأن يزيد له السلطان شيئا على المقرر له، ليظهر مروءته إضافة إلى سدّ النقص المبتلى به.
стр. 324
وأن يكون (من كان في خدمة السلطان) أمينا في القول والكتابة، ليأمن العزل، وإن استخدم جاهه هذا في إغاثة الضعفاء وإعانه المحتاجين، حصل على ركن من أركان السعادة الأخروية، وعلى هذا يكون ممن دفع البلاء عن نفسه في الدنيا، فضلا عن حصوله على الأمل الفسيح برحمة الحق تعالى.
ومن منظومة قوله:
جرمي قد أربى على العذر ... فليس لي شيء سوى الصبر
فأسر عني خاطري كلّه ... لأنفق الأيام بالشكر
وقد سجن في غزنة بأمر من القاضي «١» ، فلما استولى طغرل برار- وهو أحد الغلمان المحموديين الآبقين- على ملك غزنة، وقتل السلطان عبد الرشيد، وأرسل حاشية الملك إلى القلعة، كان من بينهم أبو الفضل البيهقيّ الذي نقل من سجن القاضي إلى سجن القلعة، وقد قال في تلك القلعة [١٧٨] :
كلما مرّ من سرورك يوم ... مرّ في الحبس من بلائي يوم
ما لبؤسى وما لنعمى دوام ... لم يدم في النعيم والبؤس قوم
فما انقضى وقت قصير حتى قتل طغرل برار على يد نوشتكين حامل المزراق ولم تزد مدة استيلائه على الملك أكثر من سبعة وخمسين يوما، وعاد الملك للمحموديين، ولم يكن خروجه على ولي نعمته مباركا، ولم يمهله طويلا، ومن سلّ سيف البغى قتل به.
стр. 325
توفي الشيخ أبو الفضل محمد بن الحسين البيهقيّ الكاتب في صفر سنة سبعين وأربع مئة.
الشيخ أبو المظفر عبد الجبار بن الحسن الجمحيّ البيهقيّ «١»
كان من أمراء بيهق، ومولده في قصبة سبزوار، وكان له في مجالس السلاطين والملوك نصيبه التام، من الاحترام والإنعام. وكان من ذوي اللسانين «٢» ، وقد ذكره الشيخ أبو منصور الثّعالبيّ وقال فيه:
فتى كثير المحاسن مليح الشعر، يعيش في ظل الكفاية، يخدم السلطان ويعاشر الإخوان.
وقال الشيخ الرئيس علي بن الحسن الباخرزيّ:
نزل بناحيتنا وهو على البريد بخراسان عند اجتياز السلطان أبي سعيد مسعود بن محمود، ومدحه والدي بقصيدة رويتها بين يديه تقربا إليه.
وكان له أهاج كثيرة بالعربيّة والفارسيّة بحق عميد خراسان سوري بن المعتز «٣» ، منها:
كأن الله من غضب وسخط ... يقول لأرض نيسابور بوري
بقحط والجدوبة والمنايا ... وكل هيّن في ظلم سوري
وقال أيضا:
стр. 326
تنبّه أيها المغرور وانظر ... إلى آثار مسعود وسوري
ولا تغترّ بالدنيا سرورا ... فإنّ الموت يهدم كلّ سور
وقال:
بجور سوري وأفعاله ... انقلبت دولة مسعود
جار على الناس فلم يبق في ... بيوتهم عودا على عود
****
تطلع أيها الأمير صوب خراسان ... فسوري أغار على كل الأموال
[١٧٩] وإن بقيت يده الظالمة طليقة ... فسيجلب عليك داهية كبيرة
فسيكون حيثما أحللته منصبا ... كالراعي الشرير الذي يكوي ماشيته
وكان له ديوان شعر كبير الحجم بالعربيّة، وآخر أضعاف ذلك بالفارسيّة.
وكان لأخيه الحاكم أبي القاسم المختار بن الحسين الجمحيّ الملقب بأميرك «١» ، منصب كبير وجاه. وله أشعار كثيرة. وكان شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن الإمام المحدث أحمد بن الحسين البيهقيّ يختلف إليه، وقد رأيت أنا شيخ القضاة هذا، واستمعت منه الأحاديث.
ومن شعر الحاكم أبي القاسم الجمحيّ:
قل لمن رام عزة أو توقّى ... ذله أو أحبّ أن لا يهونا
جانب الناس واعتزل ما أحبّوا ... من حطام تعش عزيزا مصونا
واتق الله واسأل الفضل منه ... فهو للخلق ضامن أن يمونا
стр. 327
أبو الحسين علي بن عبد الله بن علي الخسروجرديّ «١»
ولد ونشأ في قصبة خسروجرد، وقد روى عنه الإمام الحافظ أحمد البيهقيّ «٢» ، وله تصانيف كثيرة، كما روى عنه الحاكم أبو منصور محمد بن أحمد بن الحسين «٣» ، كان رجلا معمرا ومبارك النفس لطيفا.
السيد أبو سعيد زيد بن محمد بن ظفر العلوي الحسينيّ «٤»
وهو ابن السيد أبي الحسن محمد بن ظفر، وله أسانيد وروايات كثيرة عن جده السيد أبي منصور ظفر بن محمد بن زبارة. وقد روى عنه الإمام المحدث أحمد بن الحسين البيهقيّ.
توفي هذا السيد في جمادى الأولى سنة أربعين وأربع مئة.
روى عن الجوزقيّ «٥» مصنفاته، كما روى عن النامي «٦» أشعاره، ومن رواياته هذه القطعة:
سأصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لمثلك من أمير أو وزير
стр. 328
رجوناهم فلما أخلفونا ... تمادت فيهم غير الدهور
[١٨٠] فبتنا بالسلامة وهي غنم ... وباتوا في المحابس والقبور
ولمّا لم ننل منهم سرورا ... رأينا فيهم كلّ السرور «١»
السيد أبو إبراهيم جعفر بن محمد بن ظفر العلوي الحسينيّ «٢»
هو أخو السيد أبي سعيد.
قال السيد أبو إبراهيم: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكّيّ، حدثنا أبو أحمد حمزة بن العباس البزّاز، حدثنا عبد الملك بن محمد الرّقاشيّ، حدثنا عمرو ابن العاص الكلابيّ، حدثنا عمران القطان عن الشّيبانيّ، عن ابن أبي أوفى أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه: «إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار برئ منه، ولزمه الشيطان» «٣» .
كما روى بإسناد صحيح عن المصطفى صلوات الله عليه: «إن من أعظم الناس أجرا، لوزير صالح مع أمير يطيعه في ذات الله» «٤» .
روى بإسناد صحيح أيضا عن جابر بن عبد الله بأن رسول الله صلى الله عليه قال:
стр. 329
«لكل بني آدم عصبة ينتمون إليهم سوى بني فاطمة، فإني وليّهم وعصبتهم» «١» .
قال السيد أبو الحسن محمد بن علي العلوي «٢» في رثائه:
أبى الدهر إلا أن يعود لنا حربا ... فيسلب ما أسدى وينقص ما أربى
فوا أسفا وا جعفر بن محمد ... وهل ينفعن والهف نفسا وواقلبا
أبيت إذا ما أسبل الدمع منشدا ... فديناه مفقودا وإن زادنا كربا
فلا رمقت عين امرئ لم تفض دما ... على ابن رسول الله إذ جاور التربا
ولا تربت أيدي التراب فقد حوت ... به معقلا للعزّ بل للعلى تربا
ولا زال من نوء السّماكين عارض ... يصبّ على ذاك الثرى لؤلؤا رطبا
الشيخ أبو يعلي البيهقيّ الحنيفيّ «٣»
كان صاحب ديوان الإنشاء على عهد السلطان مسعود بن محمود، وكان أغلب مقامه في دار الملك بغزنة، وله تصنيف اسمه السيرة المسعودية بلغ فيه حدا من الكمال أنه لم يؤلف مثله في حق أيّ من ملوك خراسان.
ومن أشعاره هذه الأبيات في وصف الشيب:
[١٨١] وكنت كرهت لفظ الشيب جدّا ... وإن قالوا يكون الشيب زينا
فشين إن جعلت الباء نونا ... وعيب إن جعلت الشّين عينا
وقوله:
стр. 330
قد قلت حين سئلت ما ... فعل المشيب إذا نزل
جلّت إساءته إليّ ... عن السؤال فلا تسل
لكن أريد بقاءه ... وأجلّه مع ما فعل
فالشيب لي بدل الشباب ... وليس من شيبي بدل
وقوله:
أفض الدمع أبا ... يعلى على فقد شبابك
أيها العيش النضير ... الغضّ من لي بإيابك
أيها الشيب ترفّق ... وتلبّث في نصابك
لا ترعني بذهابي ... فذهابي بذهابك
وقد نظم هذا الدوبيت «١» الفارسيّ بالعربيّة:
أنا من نديم السوء صرت مقيدا ... وغدوت وعظا للأنام جميعا
سلّيت يا ملك الورى قلبي بأن ... ذلّي وعزّك يمضيان سريعا
وله أيضا:
صن العرض بالمال لا المال به ... نصحتك فاعمل به وانتبه
ترى ماء وجه الفتى ذاهبا ... إذا صرف المال عن مذهبه
أبو محمد إسماعيل بن محمد بن جعفر الحنيفيّ «٢»
ولد ونشأ في قرية دويين، وكان رجلا فقيها ووجيها ونبيها، وهو خال الحاكم أبي
стр. 331
العلاء صاعد بن محمد الحنيفيّ «١» ، وله ديوان شعر بالعربيّة وتصانيف أخرى، ومن شعره:
ينعى المشيب إليك نفسك فانتبه ... فكأنه عما قليل قد ورد
وكفى بشيب الرأس وعظا فاتّعظ ... فالموت مرتقب ليوم أو لغد
عش ما تشاء كما تشاء فإنه ... لا بدّ من موت وإن طال الأمد
[١٨٢] إن لم يكن لك شيب رأسك واعظا ... أو لم يكن لك واعظا شيب الولد
العمر لو أضحى حسابا مثبتا ... في الكتب كان الشيب تاريخ العدد
لو كان يبقى في الورى حيّ إذن ... يبقى للقمان بن شدّاد لبد
ويزيد ديوان أشعاره على مجلدين.
الشيخ الرئيس الوزير أبو العباس إسماعيل بن علي بن الطيب بن محمد بن علي العنبريّ «٢»
ولد ونشأ في قصبة سبزوار، وكان له تصانيف كثيرة، أحدها كتاب الفرح بعد الترح، وقد تولى الوزارة لإيلك خان بما وراء النهر سنوات عديدة «٣» ، ثم إنه استقال منها، ولما ورد السلطان محمود إلى خراسان عرض عليه وزارته، فرفض، فأمر السلطان بحبسه، وهناك دس له سم في طباهجة «٤» ، وكنا قد تحدثنا قبل هذا عن بيت
стр. 332
العنبريّين.
وله من الشعر ما يزيد على خمسة مجلدات، ويغلب عليه التجنيس، قال:
إذا ما دعا الله عبدا له ... وأخلص إيمانه مانه
ومن لزم الصدق في قوله ... وثقّل ميزانه زانه
ومن شأنه ضيم جيرانه ... يرى عاجلا شانه شانه
ومن رسائله هذا الفصل:
مثل الدنيا كمثل غادة فيها رعونة، ولها عادة ملعونة؛ تقتل بعلها ونخطبها، وتهلك أبناءها ونطلبها.
ومن رسالة أخرى له:
وصل لفلان كتاب أتقن كتاب الود، وخطاب تضمن خطب العهد؛ وكفى خطوب الجوى، وفل غروب النوى، وذكر أيام ترقيع الكوى بمحاجر الدمى، وعهد تيماء باللوى؛ والروض نضر والغمام سجام، والعيش غض والزمان غلام. شمائله شمول، شؤبوبها صوب مشمول.
والعقب من أبي الطيب محمد العنبريّ: علي بن الطيب العنبريّ، والعزيز بن الطيب.
والعقب من علي بن الطيب العنبريّ: عبد الحميد بن علي بن الطيب، والعالم الوزير الفاضل أبو العباس إسماعيل بن علي بن الطيب [١٨٣] وأبو جعفر محمد بن علي بن الطيب.
ومن أولاد محمد: مستوفي الناحية أبو سعد محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي العنبريّ، وكان العميد تاج الأفاضل شاه ابنه «١» .
стр. 333
أبو محمد الحمداني البراكوهي «١»
كان من براكوه من قرية كيذر، قصده المستفيدون من أطراف العالم ليستفيدوا منه، سكن في العراق مدة، ثم جاء إلى بيهق، وأفاد ما استفاد.
كتب إلى عميد الحضرتين أبي الفتح المستوفي، يعتذر له عن الحضور لخدمته، بسبب ألم ألمّ بعينه:
أيها الصاحب العميد ومن لم ... يؤت إدراك شأوه أحد
صوم وعين رمداء موجعة ... وفوت رؤياك فوق ما أجد
فالعين لا تستطيع هائجة ... تقابل الشمس حين تتّقد
الإمام الحافظ المحدث أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ «٢»
لا ثاني له في علم الحديث، تفقه على الإمام سهل الصّعلوكيّ «٣» ، ولم يكن في
стр. 334
عصره بخراسان من له قدرته على إدراك أحاديث المصطفى صلوات الله عليه، على أوجهها.
روى عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ مصنف كتاب تاريخ نيسابور، وعن الإمام أبي طاهر محمد بن محمد الزّياديّ، والأستاذ الإمام ابن فورك، وعن أبي عبد الرحمن السّلميّ.
وحدث مرة أنه كان في مجلس الحاكم أبي عبد الله الحافظ- وكان غاصا بجمع كثير من العلماء- أن روى الحاكم أبو عبد الله حديثا، فأسقط أحد رواته، فقال الإمام أحمد لقد تركت أحد الرواة، ولما غضب الحاكم أبو عبد الله، طلب إليه أن يحضر الأصل، فأحضره، فكان الأمر كما قال الإمام أحمد.
ومن مشاهير مصنفات الإمام أحمد البيهقيّ ﵀: كتاب المبسوط، وكتاب السنن، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب معرفة علوم الأحاديث، وكتاب البعث والنشور [١٨٤] ، وكتاب الآداب، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب الاعتقاد، وكتاب فضائل الأوقات «١» .
وكان أصله من شامكان ونوبهار، وكان أسلافه ينتسبون إلى شامكان، أما هو فكانت ولادته ببيهق في خسروجرد وأباري.
كان الأستاذ أبو القاسم الفورانيّ «٢» - جد الإمام الحسين بن أبي العباس الفوران «٣» - أستاذه في الفقه، وتلميذه في علم الحديث.
стр. 335
قال أبو القاسم البرزهيّ «١» البيهقيّ في حق الإمام أحمد البيهقيّ:
يا أحمد بن الحسين البيهقيّ لقد ... دوّخت أرض المساعي أيّ تدويخ
أنت المليّ بتقديم وتكرمة ... أنت الحريّ بتأميم وتشييخ
هذا كتاب ولكن حشوه حجج ... يغادر الكفر ممنوّا بتقليخ
«كدار بطيخ تحوي كلّ فاكهة ... وما اسمها الدهر إلا دار بطيخ»
والعقب منه: شيخ القضاة إسماعيل «٢» - وكان قاضي خوارزم، وقد رأيته وسمعت منه الحديث حين عاد إلى بيهق في شهور سنة ست وخمس مئة- وابن آخر.
والعقب من شيخ القضاة إسماعيل: القاضي أحمد المقيم بقرية أباري «٣» ، ومات في سنة خمس وعشرين وخمس مئة.
أبو الحسن علي بن محمد المؤذن (المؤدب) الخسروآباديّ «٤»
ولد ونشأ في خسروآباد، وكان تلميذ الأستاذ الإمام أبي سعد الخركوشيّ، وروى عنه الكثير من أحاديثه ومصنفاته.
قال: حدثنا الأستاذ الإمام أبو سعد عبد الملك الواعظ الخركوشيّ ﵀، حدثنا محمد بن عبد الواحد الخزاعيّ بالري «٥» ، حدثنا أبو علي البلخيّ حدثنا الحسين
стр. 336
ابن محمد، حدثنا أحمد بن أبي صالح، قال سمعت إبراهيم الدّلّال يقول: سمعت ابن عيينة يقول: رأيت سفيان الثّوريّ يقول لي: أقلّ من معرفة الناس، أقلّ من معرفة الناس «١» .
أبو الحسن علي بن محمد السّويزيّ المقيم بسبزوار «٢»
ولد في قرية سويز، ونشأ وأقام في قصبة سبزوار، وكانت وفاته في سنة عشرين وأربع مئة.
قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن محمد بن صابر «٣» ببخارى سنة ثمان [١٨٥] وستين وثلاث مئة، قال: حدثنا أبو علي صالح بن محمد البغداديّ، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن الزبير قال: حدثنا أبو شهاب عبد الله بن نافع، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبي ﷺ ، اشتكى، فرقاه جبرئيل وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله يشفيك من كل داء يوديك «٤» .
стр. 337
الإمام الزاهد المفسر علي بن عبد الله بن أحمد النّيسابوريّ المعروف بابن أبي الطيب «١» :
كان مولد هذا الإمام في نيسابور، وأقام في قصبة سبزوار، وقد بنى له الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو- وكان من دهاقين ومتموّلي «٢» القصبة- مدرسة في محلة أسفريس في رمضان سنة ثمان عشر وأربع مئة، وما زال أثرها قائما إلى يومنا هذا.
وكان من تلاميذه ومريديه من مشايخ القصبة: الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو، ومحمد بن الحسين بن عمرو، جد الحسن بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عمرو ﵏.
ومن تلاميذه: الحاكم الإمام أبو سعد بن كرامة «٣» ، والإمام أبو حنيفة البوياباديّ النّيسابوريّ «٤» ، والإمام حمزة المقراضيّ المتكلم «٥» .
وله عدة تفاسير: التفسير الكبير وهو في ثلاثين مجلدا، والتفسير الوسيط في خمسة عشر مجلدا، والتفسير الصغير في ثلاثة مجلدات، وقد أملاها جميعها من حفظه، وكانت مباحثه فيها معتبرة.
стр. 338
قيل إنه لما توفى ﵀، وجد في مكتبته أربعة كتب: واحد في الفقه، الثاني في الأدب، وكتابان في التاريخ، ولم يكن له من تركة غير ذلك.
توفي في الثامن من شوال سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، ومرقده في مقبرة قصبة سبزوار، ومن المجرب أن كل حاجة تطلب من الحق تعالى هناك تكون مقرونة بالإجابة.
ولم يكن له عقب.
جيء به إلى السلطان محمود في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وأربع مئة، فروى خبرا عن المصطفى من غير أن يؤذن له، فقال السلطان لأحد غلمانه: ناوله، فضربه الغلام بقبضة يده على رأسه، فضعف سمعه من أثر ذلك الجرح، إلا أن السلطان اعتذر له بعد ذلك، عند ما علم بعلمه وورعه وديانته ونزاهة نفسه، وأعطاه مالا، لكنه لم يقبله، ولم يرض قلبه بالعذر الذي قدّمه، وقال: لقد سلبت ظلما مني [١٨٦] الهدية التي وهبها لي الحق تعالى، أعطني سمعي لكي أكون مسرورا، ثم اتجه نحو السلطان وقال: الله بيني وبينك بالمرصاد، إن رواية خبر عن المصطفى ﵇ ووعظ الناس لا يحتاجان إلى إذن من الملوك، وإن عقوبتك هذه ليست في موضعها، فخجل السلطان وطأطأ رأسه، فانصرف من عنده «١» .
وقد أورد هذا الفصل في خطبة كتاب التفسير:
الزمان زمان السفهاء السفل، والقران قران انقلاب النحل؛ والفضول في أبنائه فضول، وطلوع التمييز فيهم أفول؛ والدّين دين، والدنيا عين؛ وإن تحلّى في الندرة أحدهم بالعلوم، وادعى أنه في الخصوص من العموم؛ فغايته أن يقرأ القرآن وهو غافل عن معانيه، وتحلى بالفضل وهو لا يدانيه؛ ويجمع الأحاديث والأخبار، وهو فيها كمثل الحمار يحمل الأسفار.
стр. 339
كان له ديوان شعر، ذكر بعضه في رثاء الأمير زياد الزّياديّ، ومن شعره أيضا هذه المقطعة التي كنت قد ذكرتها في كتاب وشاح دمية القصر:
فلك الأفاضل أرض نيسابور ... مرسى الأنام وليس مرسى بور
دعيت «أبر شهر» البلاد لأنها ... قطب وسائرها رسوم السور
هي قبة الإسلام نائرة الصوى ... فكأنها الأقمار في الديجور
من تلق منهم تلقه بمهابة ... وفّت عليه لفضله الموفور
لهم الأوامر والنواهي كلّها ... ومدى سواهم رتبة المأمور
وكان لهذا الإمام الفريد اختلاف إلى جدّ جديّ إمام الآفاق أبي سليمان فندق بن أيوب في الفقه، في المدرسة التي في وسط سوق القصبة، وفي مدرسة الصّاعديّ بنيسابور.
السيد الرئيس الأجل أبو يعلى زيد بن السيد العالم علي بن محمد بن يحيى العلوي الحسينيّ زبارة الفريومديّ «١»
من بيت النقابة والسيادة، ذكرت مفاخره ومفاخر آبائه في كتاب لباب الأنساب، وكان سيدا منعّما متجملا وذا مروءة تامة، وكانت إقامته في فريومد، وله في تلك البقاع أملاك كثيرة، روى [١٨٧] الأحاديث عن السيد أبي منصور ظفر «٢» ، والحاكم أبي القاسم الحسكانيّ الحذّاء «٣» الذي كان محدث خراسان، ودّع نيسابور وانتقل إلى
стр. 340
قرية فريومد، وسمع من هذا السيد الأحاديث، ومن مسموعات هذا السيد، ما روي من أن السيد أبا منصور قد روى- وكنا قد ذكرنا ذلك من قبل- عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: «من سمع منا حديثا فليبلغه كما سمعه، فإنه ربّ مبلغ أوعى من سامع» «١» .
روي أن ابنه السيد الأجل فخر الدين أبا القاسم علي، لمّا خرج من القرار المكين إلى عالم التكوين كان هو آنذاك بقرية فيروز آباد، مغادرا العراق إلى أصفهان، وقد بلغ عمره معترك المنايا، فلما بلغته البشارة بذلك المولود، أطرق ساعة مفكرا، ثم انهمرت الدموع على وجهه وقال: بالأمس كنت بحاجة إلى الولد، إلا أن الحق تعالى لم يقدّر ذلك، وغدا سيكون هذا الطفل بحاجة إلى الأب، حيث لن أكون موجودا، والفأل على ما جرى.
وقد ودع الدنيا في هذا السفر بأصفهان، وانتقل إلى رحمة الحق تعالى في شهور سنة سبع وأربعين وأربع مئة.
أما ابنه فخر الدين أبو القاسم اليتيم هذا، فقد أنبته الله نباتا حسنا، حتى ضرب به المثل في العراق وخراسان والعرب والعجم في الزهد والحسب والنسب والسخاء، وآثاره في طريق مكة ظاهرة، وقد كتبت مفاخره بأقلام الدوام، على صحائف الأيام.
توفي السيد الأجل فخر الدين أبو القاسم بقرية فريومد، يوم الخميس الرابع من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة «٢» .
стр. 341
الإمام أبو جعفر محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن علي بن مهران «١»
من مشايخ علماء بيهق، وكان مفسرا ومحدثا ومذكرا، وقد روى عن أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدّهّان «٢» ، وروى عنه الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحذّاء الحسكانيّ «٣» .
قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الدّهّان التّميميّ قال: حدثنا ابن طرخان البلخيّ «٤» قال: حدثنا أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي قال: حدثنا عبد القدوس قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن كيسان، عن خلاد بن منده، عن سعيد بن جبير، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه [١٨٨] أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «من عكف نفسه ما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن، كان حقا على الله تعالى أن ينزله قصرين في الجنة، مسير ما بين قصرين مئة عام، ويغرس له بينهما أغراسا لو نزلها أهل الدنيا لوسعهم» «٥» .
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن معاذ البيهقيّ «٦»
مع أنه قد ولد في بيهق، إلا أن إقامته كانت في نيسابور، وكان مشهورا ومعتمدا في
стр. 342
رواية الأحاديث.
قال وهو بنيسابور: حدثنا أبو عمرو بن حمدان الحيريّ «١» قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا إسحاق بن نجيح، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله: «من حفظ على أمتي أربعين حديثا من السنّة، كنت له شفيعا يوم القيامة» «٢» .
شعيب بن محمد بن جعفر الحنيفيّ الواعظ البيهقيّ «٣»
كان مزينانيا، وتقدم ذكر أبيه، أناب عن والده في الوعظ والتذكير، ولما عجز والده الهرم، حيث تحدث عدة كلمات، ارتقى هو المنبر وأكمل الخطبة عن طريق التذييل، وكانت الكلمات التي قالها والده قد بلغت النهاية، وكان رجلا عالما زاهدا لا يأكل إلا من الرزق الحلال، وقد دعوه إلى نيسابور وولوه إمامة الجامع القديم فيها، إلا أنه استقال وانتقل إلى بيهق، حيث أزعجه حب الوطن من نيسابور، وانتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى.
الإمام أبو عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن حميد الأديب البيهقيّ «٤»
ولد ونشأ في قرية كرّاب، وله تصانيف كثيرة منها كتاب زهرة معاني البيان في
стр. 343
معاني القرآن، وهو تلميذ الإمام أبي سهل الصّعلوكيّ «١» ، واتصل بخدمته سنة ستين وثلاث مئة.
روى الشيخ الزاهد الحسين الكرّابيّ، أن قافلة للحجاج وصلت من بلاد ما وراء النهر إلى خسروجرد.
وكان إمام بخارى قد رأى في المنام أن المصطفى صلوات الله عليه قال له: إن أردت أن يقبل الحق تعالى حجك [١٨٩] ويجعل سعيك مشكورا، فاقطع هذه الفراسخ الثلاثة الموصلة إلى مقبرة ذلك الأديب الكرّابيّ وزره، فعرض ما رأى في المنام على من معه، فهبّ كل من كان في القافلة لزيارة ذلك القبر، وقد ظلت القوافل القادمة من ما وراء النهر، الذاهبة لزيارة الكعبة، تجتاز على قرية كرّاب وتتقرب إلى الحق تعالى بزيارة ذلك القبر، وقد حكم بهذا الواجب تلك الرؤيا الصالحة.
قال أبو عبد الله محمد بن منصور البيهقيّ الكرّابيّ: حدثنا أبو نعيم المهرجانيّ «٢» قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشّرقيّ «٣» ، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم، قال، حدثنا يحيى عن ابن جريج عن رجاله، أن النبي صلى الله عليه قال:
«إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدّ الخصم» «٤» .
стр. 344
ومن منظومه، قوله وهو يناجي ربه:
فما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
قال الأديب الكرّابيّ: إن قول المرء مخبوء تحت لسانه «١» ، مأخوذ من قول الحق تعالى إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
«٢» .
وروى الإمام الكرّابيّ هذا أنه كان لسفيان الثّوريّ مجلس، كان الأخفش فيه حاضرا، فقال الثّوريّ: ماذا تقول في الفردوس، أمذكر هو أم مؤنث؟ فقال الأخفش إنه مذكر.
فقال الثّوريّ: إن الحق تعالى يقول: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ
«٣» فقال الأخفش: إن المراد بذلك الجنة، و (ها) عائدة إلى الجنة.
فقال الثّوريّ: ولماذا قيل الفردوس الأعلى، ولم يقولوا الفردوس العليا؟
فقال الأخفش: أعلى على زنة أفعل، وليس فعلى.
قال مصنف هذا الكتاب: رأيت كثيرا في الكتب أن فردوس، معرّب كلمة بروست وفروست وهو بالفارسيّة نوع من أنواع البساتين «٤» ، والله اعلم.
стр. 345
يقول الإمام الكرّابيّ: ثلاثة من الأقوال مشهورة، إلا إن قائلها مجهول [١٩٠] ولا يعلم أحد من قالها: إذا لم تستح فاصنع ما شئت «١» ؛ وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن «٢» ؛ ومن طلب وجدّ، وجد «٣» .
ويقول عجبت لمن تحمل مشقّة تحصيل النحو عمرا ليصون كلامه من الخطأ، لكنه غافل عن صيانة أفعاله من الخطأ، لأن صيانة الأفعال من الخطأ أولى من صيانة الأقوال، ثم أنشد هذين البيتين «٤» :
لبسنا للجمال لنا ثيابا ... وقد صدأت بقسوتها القلوب
وأعربنا الكلام فما لحنّا ... ونلحن في الفعال فلا نصيب
حمزة بن أحمد بن سعيد بن محمد البلخيّ «٥»
جاء إلى هذه الناحية قادما من بلخ، ذاهبا لزيارة الكعبة سنة إحدى وثمانين ومئتين،
стр. 346
وعند ما عاد أقام في كرّاب، وبقى له هناك أولاد وأعقاب.
فصل: كان من أرباب بيوتات بيهق «١» ، أميرك بن علي بن طيفور، ومن أعقابه:
الفقيه الأديب فقيه القوم الحسن بن محمد بن الحسن بن طيفور «٢» ، وسكة طيفور معروفة في باب معمر بنيسابور.
وإبراهيم بن الحسن بن علي.
والفقيه علي بن الحسن بن علي الدلقنديّ.
والشيخ الحسن بن الحسين بن علي الفاميّ، والفاميّ هذه هي التي تلتبس بالتصريف مع كلمة القاضي، كما أشرنا إلى ذلك.
والفقيه بهرام بن عبد الرحمن، وكان من طبرستان وله بها أعقاب.
والفقيه علي بن الحسين اليعقوبي.
والفقيه علي بن أحمد القمّيّ، ﵏.
الأمير السيد أبو الحسن علي بن أحمد بن ظفر العلوي الحسينيّ زبارة «٣»
كان مقدّم السادات ببيهق، ولم يكن في السادات من يتقدم عليه في كتابة فصول المحاضر [١٩١] ، والحلّ والترحال «٤» .
وكان من علماء السادات، وهو والد السيد أبي الحسن، الذي ذكر في الطبقات،
стр. 347
وللسيد أبي الحسن هذا ديوان شعر، وروى الأحاديث عن أبي سعيد البصرويّ «١» .
قال: حدثنا أبو سعيد البصرويّ قال: حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد، قال:
حدثنا محمد بن عمار بن عطية، قال: حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا عبد الله بن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: «من تقحّم في الدنيا فهو يتقحم في النار» «٢» .
وهو ابن السيد أبي علي أحمد بن السيد أبي الحسن محمد بن ظفر العلوي الحسينيّ زبارة «٣» ، وقد ذكرت تفصيل هذا النسب في كتاب لباب الأنساب.
الشيخ الرئيس العالم طاهر بن عبد الله البيهقيّ «٤»
من دستجرد «٥» من ربع كاه، وكان الشيخ عبد الله الدستجرديّ من أولاده، وقد رأيت أنا هذا الشيخ وكان رجلا ذا فضل وكفاءة، يسأل أدباء القصبة عن معاني الأبيات، وكان كتاب إصلاح المنطق «٦» على طرف لسانه، وقد ترجم الشيخ أبو منصور الثّعالبيّ في كتاب تتمة اليتيمة للشيخ طاهر بن عبيد الله «٧» - وهو جد هذا
стр. 348
المترجم له هنا- كما ذكره الأستاذ يعقوب مع شعره في كتاب جونة النّدّ «١» .
قال الشيخ طاهر الدستجرديّ لأحمد بن عثمان الخشناميّ «٢» :
يا ابن عثمان يا كريم السجايا ... حاطك الله من جميع البلايا
أنت في الفضل والبلاغة والظرف ... وزهر الخصال فقت البرايا
صحّ لّما رأيتك اليوم عندي ... قولهم إنّ في الزوايا خبايا
كان له أعقاب من المشايخ من أهل الكفاية: الشيخ سديد الدين الحسين وتولى عمل طخارستان، والشيخ أبو علي طاهر الذي كان بيده عمل نيسابور وبيهق.
توفي سديد الدين الحسين يوم السبت الثاني عشر من ذي القعدة سنة خمسين وخمس مئة بسبزوار.
وتوفي أخوه مجير الدين طاهر أبو علي يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة خمسين وخمس مئة [١٩٢] ، أيضا بقصبة سبزوار، وكانا في خدمة الأمير الإسفهسالار حسام الدين قزل السّلطانيّ «٣» ، رحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 349
الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد الزّياديّ البيهقيّ «١»
كان يقال له خواجكك الزّياديّ، ومن أكابر الزّياديّين وأفاضل ناحية بيهق، وخوطب من ديوان المحموديين ب «الشيخ العالم» ، ورأيت مثالا كتب له من ديوان السلطان طغرل السّلجوقيّ: «مع وافر الاحترام، الشيخ الرئيس العالم» . له نظم ونثر وتصانيف كثيرة، ومن تصانيفه كتاب شرف المكلف، كما كانت له مقامات على نمط مقامات بديع الزمان الهمذانيّ، وروزنامجه كتبها نظما ونثرا وهي في غاية الفصاحة. والعقب منه: علي، والحسين.
وشعر الحسين كثير، والقليل منه في أيدي الخراسانيين، لأن حسينا هذا قد انتقل إلى رحمة الله ببغداد، ومن منظومه:
شعر أتى فحكى الروض المجود وقد ... هبّت عليه الصّبا غنّاجة سحرا
لله أنت وطبع قد ملكت به ... قياد كلّ مقال أعجز البشرا
بقيت للفضل ركنا لا انحلال له ... ما كابد المدنفون الهمّ والسّهرا
وأما علي، فقد كان معمرا وسافر كثيرا، وصل في آخر عمره إلى القصبة، وهناك توفي في شهور سنة ثلاث عشر وخمس مئة، والعقب منه ببيهق: مقبل الملك خواجكك أبو عبد الله أحمد، ومحمد بهراة، ولمحمد بهراة عقب.
والعقب من مقبل الملك خواجكك أحمد بن علي بن خواجكك الزّياديّ: الشيخ الحسين المعتوه- وله مع عتهه خط كجناح الطاووس- وحيدر.
стр. 350
والعقب من حيدر: محمد، وكان صاحب الخط، قتل بمرو عند ورود الملك العادل خوارزم شاه آتسز بن محمد، كورة مرو في شهور سنة ست وثلاثين وخمس مئة.
والعقب من الحسين المعتوه: مقبل الملك الحاجي الصائن علي بن الحسين بن أحمد الزّياديّ.
[١٩٣] وكان خواجكك الزّياديّ الذي هو جدهم الأعلى، رجلا غازيا وشجاعا وعالما بآداب السلاح، وقد شاع في تلك الأيام استعمال السوط المغولي الذي توضع في وسطه سكّين، وبينما كان مسافرا في طريق ربع طبس، أمسك الركابدار «١» بعنان فرسه ليترجل عنه، ثم هجم عليه بسيفه ليقتله، ولو لم يكن معه ذلك السوط الذي في وسطه سكين، لقتل خواجكك.
وبهذا السلاح استطاع خواجكك الخلاص من الركابدار، وذهب إلى القصبة مع حصانه.
وله ديوان شعر بالعربيّة والفارسيّة، ومن منظومة ما قاله في الوزير شمس الكفاة أحمد بن الحسن الميمنديّ «٢» :
جدود الأماثل أهل النهى ... قد استيقظت بعد طول الوسن
بشمس الكفاة جمال الورى ... أبي قاسم أحمد بن الحسن
وقال في حق والدي الإمام شمس الإسلام أبي القاسم ﵀، وهو يراعي اللزوم:
إذا نحن أثنينا عليك فإنّما ... على الشمس نثني والنجوم الثواقب
стр. 351
ونمدح من باء الزمان بفضله ... وأصبح مختصّا بزهر المناقب
فما مثله في الشرق يبدو لطالب ... وما مثله في الغرب يبدو لراقب
أبا قاسم أنت المراد بذكره ... وقد حزت دون الخلق أعلى المراتب
وكان الأديب البارع أسعد بن علي الزّوزنيّ»
قد قال في حق هذا الشيخ:
حبذا أحمد بن عبد الله ... وعتاب له كشوك العضاه
حبذا لفظه كأن الأفاويه ... بها أجريت على الأفواه
إن تكن غفلة فمن غير عمد ... أو تكن فلتة فمن سهو ساه
يا زياديّ يا زياد دهاء ... صرف الله عنك كلّ الدواهي
[١٩٤] لست ممن أنساك طول زمان ... يا رئيسا أضحى بلا أشباه
إن تكن آمرا فأمرك جار ... أو تكن ناهيا فمثلك ناه
أنت فخر الزمان نورا وقدرا ... وضياء، عليك عين الله
الشيخ الرئيس أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو «٢»
كان من أكابر هذه الناحية، ورجلا متموّلا وكريما، وهو من بيت قديم، منه الشيخ الرئيس أبو نصر حسينك، وشيخ الملك أبو محمد زيد حسينك.
وأبوه أبو جعفر محمد بن الحسين بن عمرو، وعمه أبو نصر أحمد بن الحسين بن عمرو، والشيخ الحسن بن الحسين بن عمرو، وشيخ الملك أبو محمد زيد بن أحمد بن الحسين بن عمرو، والأمير أبو عبد الله الحسين شيخ الملك.
стр. 352
وهو من طريق الأم ميكالي، وقد عرّف نفسه بهذه النسبة، وعلماء الأنساب يقولون: إن أيّا من الأم أو الأب يكون أكثر شرفا، فإن شرفه يغلب على الولد، وينسبون الولد إليه.
وقد بنى هذا الشيخ أربع مدارس في القصبة لأربعة مذاهب: واحدة للحنفيين باسم جدي الإمام أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، وهي عامرة إلى الآن.
وأخرى للشافعيين في محلة نوكوي باسم الإمام أبي الحسن الحنّانيّ الواعظ، وهي اليوم عامرة.
وثالثة للكراميين في محلة شادراه، ولم يبق منها أثر.
ورابعة للسادات وأتباعهم، والعدليين، والزيديين، في محلة أسفريس باسم الإمام السعيد علي بن أبي الطيب، وما زال أثرها باقيا إلى الآن.
وقد أنهى صاحب البريد هذا الأمر إلى السلطان محمود، الذي أرسل غلاما، فأخذ الشيخ إلى الحضرة بغزنة في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وأربع مئة، فلما وصل، عاتبه السلطان قائلا: لماذا لم تنصر المذهب الذي هو معتقدك، ولم تبن مدرسة لأئمة ذلك المذهب؟ [١٩٥] فمن بنى لجميع المذاهب مدرسة وخرّج فيها طلابا، فقد عمل خلافا لمذهبه. ومن عمل خلافا لمذهبه كان ذلك منه رياء وتظاهرا لا تقرّبا إلى الحق تعالى. فتوسّط الشفعاء لإنقاذه، فنجا.
وقد أنابه الشيخ الرئيس أبو نصر منصور بن رامش «١» عنه في ناحية بيهق، وأرسل بذلك مثال في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربع مئة، وقد كتب أهل الناحية رسالة بالعربيّة أرسلوها إلى دار رئاسة نيسابور ضمنوها شكرهم، ومن تلك الرسالة هذا الفصل:
стр. 353
وصل كتاب الشيخ الرئيس في معنى ما وفقه الله تعالى، من تعيين الشيخ الفاضل أبي القاسم علي بن محمد بن الحسين للزعامة والنظر في أحوال الخاصّة والعامة؛ فأوصل السرور، ونظم الأمور؛ وآثار هذا الشيخ بناحيتنا بيض، وفعاله مستفيض؛ وخيره شائع، وبرّه جامع، تشهد على محاسنه مدارس شريفة، وتنادي بفضائله مساجد منيفة؛ وتؤذن بمفاخره أوقاف فاخرة، وصدقات بحارها زاخرة.
وكان نائب هذا الشيخ في الرئاسة، الشيخ أبو علي أحمد بن إبراهيم بن علي، وله بيت قديم في هذه الناحية، غفر الله لهم ولجميع أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه.
الشيخ العالم علي بن محمد الشّجاعيّ «١»
كان مولده في نيسابور، ونشأ ببيهق، وكان من أفاضل العالم، وله وجه بلغ حدا من الجمال أن قيل فيه إنه أناب عن القمر، وحكت شفتاه وأسنانه النجوم المتلألئة، كانت محاسن الدهر من جماله، وزينة المدينة من كماله، وله خط كموشيّ الثياب، لا بل كروضة مزينة بأزهار الألفاظ وثمار المعاني:
وخطّ كموشيّ البرود منظّم ... أنيق لعين الناظر المتوسّم
نظم كنظام الدر والعقود على النحور، ونثر مزين بالبيان الشافي، والاختصار الكافي يطوف بالأرواح، كأن أنفاس الرياحين جمّعت صوب فوائحه. [١٩٦] ذكره الأستاذ يعقوب وذكر شعره في كتاب جونة النّدّ «٢» .
عرّب الشيخ علي الشّجاعيّ هذا بيتين من الفارسيّة هما:
وأغيد ساجي الطرف أغرى به الصّبا «٣» ... وقصّر يومي في ليال أطالها
стр. 354
رنا فسألناه أمالك من فم؟ ... فقال بلى، قلنا فأين؟ فقال ها
وقد قال قصيدة في رثاء جدّ جدي الإمام أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، مطلعها:
أميمة ذات الساعد العبل أنصفي ... ولا تعنفي بالعاشق المتلهّف
فإني أخو الستين لو تعلمينه ... قبيح إلى وصل الحسان تشوّفي
فإن الرزايا السود أنسينني الهوى ... وألهين عن وصل الغزال المشنّف
ونغّص لذّاتي منّية عالم ... منيف على ظهر السّماك مشرّف
إمام هو المشهور باسم وكنية ... أبو قاسم عبد العزيز بن يوسف
مضى بعدما قد كان كالسيف ماضيا ... على مفصل الآداب عند التصرّف
فوا حسرتا لو كان يجدي تحسّري ... ووا أسفا لو كان يغني تأسّفي
ودفن أخي الآداب مثلك حجة ... على أنّ هذا الدهر ليس بمنصف
عليك سلام الله ما لاح كوكب ... وناح حمام من حمائم هاتف
ولا زال سمح الغيث يسقي ثراك من ... غمام من المزن الربيعيّ أوطف
الحاكم أبو القاسم علي بن إبراهيم الزّياديّ الملقب بالحاكم أميرك «١»
كان يقال له الحاكم أميرك الزّياديّ، وسماه الشيخ علي بن الحسن الباخرزيّ في كتاب دمية القصر علي بن إبراهيم السّبزواريّ، وهو من أفاضل العصر وبلغاء خراسان.
والعقب منه: نادر الدهر جعفر الحاكم- ولا عقب له- والحاكم الزّكيّ أبو الفضل عبد الله، ومجد الخطباء القاسم بن الحاكم.
стр. 355
ولم يكن للشيخ جعفر «١» نادر الدهر عقب، وقد غرق وهو يتوضأ في الماء سنة ثمان وخمس مئة. وتوفي الحاكم أبو الفضل عبد الله في شهور سنة [١٩٧] اثنتي عشرة وخمس مئة.
وتوفي قاسم بن الحاكم في شهور سنة أربع عشرة (أربع وعشرين) وخمس مئة، وكان خطيب القصبة مدة مديدة.
والعقب من أبي الفضل الحاكم الزّياديّ: علم الدين أبو منصور علي- وهو حفيد جدي شيخ الإسلام أميرك- وسراج الدين مهدي، والحاكم مسعود.
والعقب من علم الدين أبي منصور: أبو علي الحسين، وأحمد.
توفي الحاكم أبو منصور في سنة سبع وعشرين وخمس مئة وتوفي ابنه أبو علي في شهور سنة تسع وعشرين وخمس مئة، وكان مئناثا.
وتوفي الحاكم أحمد في شهور سنة ثمان وأربعين وخمس مئة. وقد تولى أهل هذا البيت القضاء في الناحية زمانا، كما ذهبوا إلى الحج جميعا.
وكان الحاكم المهدي فقيها وقاضيا وموسرا، توفي في سلخ ربيع الأول سنة خمسين وخمس مئة. ولم يبق من هؤلاء الأكابر عقب تتجدد به مآثر أسلافه، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
ومن أشهر أشعار الحاكم أميرك الزّياديّ هذه الأبيات:
ألمت بعيد الأربعين مفاصلي ... وغدت تعاديني «٢» الطباع الأربع
عجل المشيب إليّ قبل أوانه ... إنّ المشيب إلى المعنّى أسرع
следующие страницы →