Полный текст (657 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الفقيه من خوار الري، هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خراسان (؟) الخواريّ «١»
من خوار الري ونشأ في خسروجرد، اختلف إلى الإمام الحافظ أحمد البيهقيّ، والشيخ أبي بكر بن الحارث الأصفهانيّ، وقرأ عليه كتاب مولد النبي ﵇، وسمع منه هذا الكتاب بنيسابور.
كان له ابنان: الإمام أبو محمد عبد الجبار «٢» ، والحاكم الإمام عبد الحميد «٣» ، وقد اختلف كلاهما إلى إمام الحرمين «٤» .
وكان الإمام عبد الجبار إمام الجامع المنيعي، ومفتيا لنيسابور سنين طويلة بعد وفاة عمر السّديميّ «٥» ، توفي في حدود سنة أربعين وخمس مئة. والعقب منه:
الشيخ محمد، والإمام الأجل ظهير الدين نادر الدهر عبد الجليل «٦» - وكان وحيد عصره في علوم الإسلام وعلوم الحكمة، ومتخلقا بأخلاق الحكماء الكبار- والشيخ رشيد وغيرهم.
стр. 387
وقد تولى الإمام عبد الحميد مدة حكومة خسروجرد، ثم استعفى منها، وكلاهما قضى عمرا طويلا في العلم والطاعة والحرمة.
والعقب من الحاكم الإمام فخر القضاة عبد الحميد: شمس الدين أبو القاسم- وهو حي- أطال الله بقاءه.
مقدم الرؤساء منصور بن محمد بن إسحاق «١»
كان رئيسا كبيرا في ناحية بيهق، عالما بأسباب السياسة والرئاسة [٢١٧] وهو فرع من دوحة نظام الملك- كما تقدم- وله أسانيد عالية.
قال: حدثنا أبو مسلم عبد الله بن المعتز بن منصور الساكن بقرية نزلاباد، قال:
حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد الخفّاف، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثّقفيّ السّرّاج، قال: حدثنا أحمد بن موسى العسكريّ، قال:
حدثنا محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه أنه قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» «٢» .
قال عزيز الملك أبو الفتح محمد بن محمد الخشّاب «٣» ، الذي كان كاتب السلطان
стр. 388
ملك شاه، وطغرائي السلطان سنجر ﵀، في رثاء مقدم الرؤساء منصور:
صلى عليك الله من ماجد ... بكلّ خير فيه مذكور
قبرت والمجد فقوموا بنا ... نبك على المجد ومنصور
لله ذاك الحرّ من هالك ... بالدين والعفة مشهور
إن أظلم العالم من فقده ... وخيف فيه عوز النور
فثق بشبليه فقد أطلعا ... شمسين في طخياء ديجور
وقال شرف الدين ظهير الملك بن الحسن «١» في رثائه:
ضاعت خراسان وانحلّ النظام بها ... وبدلت من صفايا صدقها الزورا
بفقدها مجتبى السلطان سيّدها ... مقدّم الرؤساء الشيخ منصورا
قد عاش بالعرف والمعروف مشتهرا ... حتى ثوى في جوار الله مشكورا
ابنه الرئيس العالم المختص شمس الرؤساء أبو الحسن علي «٢»
تولى الوزارة نيابة عن فخر الملك المظفر بن نظام الملك، وكان شيخا تام المروءة، وكان يعطي كل فقير يفطر على مائدته في شهر رمضان ما يكفيه من المعاش حتى العالم القادم، وقد آثر العزلة في آخر عمره، وبنى له صومعة عند بداية ماء قصبة سبزوار، وأقام في تلك الصومعة طائفة من صلحاء المتصوفة.
تقع مدائحه باللغتين العربيّة والفارسيّة في مجلّد منصّف ضخم.
من منظومه هذه الأبيات التي قالها في أبيه:
[٢١٨] رئيس نمت في كلّ فن وسؤدد ... له همة فوق السّماكين والنّسر
стр. 389
توقّل طود المجد مذ كان يافعا ... بعرض زكيّ طيّب الأصل والنّجر
أتيتك يا بدر الزمان وصدره ... بعذراء من غرّ القصائد والشعر
إذا أنشدت في مجمع طار في الورى ... وسار بها الركبان في البلد الفقر
تضوّع منها طيب لفظ كأنه ... تضوّع مسك فائق العرف والقطر
وتوفي في رمضان سنة تسع عشرة وخمس مئة، قال الإمام علي بن أبي صالح «١» في رثائه:
صبرا جميلا يا بني منصور ... فلقد رأيتم يوم نفخ الصّور
بكسوف شمس المجد في رأد الضحى ... من بعد تعميم الورى بالنور
من للفتوّة والمروءة والقرى ... من للنّدى والبذل للميسور
يا آل منصور عليكم لم يعد ... عيد الصيام ببهجة وسرور
ابنه الأوسط الرئيس العالم المحدث الحاجي محمد بن منصور «٢»
كان كبيرا، ووحيدا في الفضل والمروءة والعفة، نظم الأفاضل فيه المدائح الكثيرة التي لم يكونوا في أغلبها بحاجة إلى أن يستغفروا لأنفسهم. قال أقضى قضاة بغداد زين الإسلام أبو سعد محمد [بن نصر] «٣» بن منصور في حقه مجيبا:
стр. 390
أتى شعر يفوق الشّعريين ... ويزري حسنه بالنّيرين
ألذّ من التصابي والتصافي ... وأحلى من وصال العاشقين
نماه معشر غرّ كرام ... حماة الملك من وهن وشين
بنو إسحاق قد فخروا وباهوا ... ببدر الدين شمس المشرقين
محمد بن منصور جواد ... عفيف النفس وهّاب اليدين
وللأستاذ الإمام أحمد الميداني قصائد كثيرة في مدحه.
ومن شعر الشيخ محمد ﵀ هذان البيتان المشهوران، مع أنّ ديوانه يقع في عشرين طبقة من الورق:
[٢١٩] خدمت فضلي أعواما مجرّمة ... لعل يوما من الأيام ينفعني
فما انتفعت به والحال يشهد لي ... يا ليت معرفتي إيّاه لم تكن
القاضي الرئيس الإمام أبو الحسن السّيّديّ «١»
هو الإمام أبو الحسن محمد بن الإمام أبي بكر عبد الله بن الإمام المؤيد الملقب بالسّيّديّ أبي المعالي عمر بن قاضي القضاة الإمام أبي عمر محمد بن أبي سعد الحسين بن محمد بن يحيى البسطامي.
وكان الإمام الموفق، والإمام المؤيد أحفاد الإمام شمس الإسلام أبي الطيب سهل بن محمد الصّعلوكيّ.
انتقل الإمام أبو الحسن السّيّديّ وأخوه أبو نصر المؤيد من نيسابور إلى خسروجرد.
اختلف الإمام أبو الحسن السّيّديّ إلى إمام الحرمين، وتولى قضاء ناحية بيهق مدة، وتولى مدة أخرى الرئاسة نيابة عن الأجل جمال الدين الحسين بن علي البيهقيّ، ولم
стр. 391
يكن نافذ الأمر في الرئاسة.
توفي بخسروجرد ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، وكانت له مصاهرة مع شرف الرؤساء أبي عبد الله محمد بن الرئيس حمزة بن الفقيه الرئيس أبي عبد الله محمد بن يحيى «١» ، وقد رزق ثلاث مخدرات في آخر عمره من تركية كانت جاريته.
مات أخوه أبو نصر المؤيد في سنة سبع وعشرين وخمس مئة بخسروجرد، رحمة الله عليه.
أبو الحسن علي بن أبي علي أحمد بن محمد الفلوي البيهقيّ «٢»
ولد ونشأ في خسروجرد، وسمع الأحاديث من أبي زكريا يحيى بن إبراهيم المزكّي عن الأصمّ «٣» .
الفقيه أحمد بن أبي علي السّويزيّ البيهقيّ «٤»
هو والد الحاكم أبي منصور، وقد تقدم قبل هذا ذكر الحاكم أبي منصور وأخيه.
وكان من أولاده: الإمام أبو الفضل أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي علي
стр. 392
السّويزيّ «١» ، وكانت لي معه صداقة حميمة، وهو خال أولاد القاضي الإمام موفق الدين الحسين بن [٢٢٠] الإمام المفتي أحمد بن علي البيهقيّ، توفي في شهور سنة ست وعشرين وخمس مئة، رحمة الله عليه.
أبو الحسن علي بن محمد بن حمدون الفسنقري «٢»
من قرية فسنقر، روى الحديث عن أبي زكريا «٣» عن الأصمّ «٤» عن ابن عبد الحكم، وكان رجلا زاهدا وعابدا وعالما ومحدثا.
روى بإسناد صحيح عن المصطفى صلوات الله عليه أنه قال: «إذا أعطى الله أحدكم خيرا، فليبدأ بنفسه وأهله وأنا فرطكم على الحوض» «٥» .
وكان تلميذ الإمام أبي حامد الإسفرايينيّ ببغداد، رحمة الله عليه.
الشيخ أبو بكر بن المعتز البيهقيّ «٦»
ولد ونشأ في قرية نزلاباد، وقد رأيته، وكان من المواظبين على مجلس شمس
стр. 393
الرؤساء أبي الحسن علي بن منصور.
روى بإسناد صحيح عن أبي زكريا عن الأصمّ جده، عن الرسول صلوات الله عليه- راوي حديث سراقة بن جعشم- أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه فقال: «خيركم المدافع عن عشيرتي وعن أهل بيتي وأصحابي» «١» .
المقرئ أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز البيهقيّ «٢»
من قرية كهناب حمويه، روى عن أبي زكريا عن الأصمّ، فذكر في تلك الرواية عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: «من أظلّ رأس غاز، أظلّه الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله تعالى، بنى الله له بيتا في الجنة» «٣» .
الإمام أبو ذر محمد بن محمد المطّوعيّ النّيسابوريّ «٤»
هو أبو ذر محمد بن أبي الحسين محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن
стр. 394
الحسن بن طلحة بن علي بن رجب- من أولاد أبي ذر الغفاريّ- شقيق أبي الحسين عبد الواحد بن محمد.
وكان أسلاف أبي ذر هذا علماء وغزاة ومطّوّعة، توفي الفقيه أبو ذر المطّوّعيّ في الثالث عشر من شوال سنة إحدى وأربع مئة.
وعقبه: الفقيه أبو بكر عبيد الله، وأبو سهل، وانتقلا إلى سبزوار، وقد بنى لهما الشيخ أبو القاسم بن عمرو [٢٢١] مدرسة في محلة شادراه- كما ذكرنا ذلك- ولم يبق منها اليوم كثير أثر.
والعقب من أبي بكر عبيد الله بن أبي ذر: القاسم.
والعقب من القاسم: علي، ورشيد الأئمة أبو سعد المحسن بن أبي القاسم بن أبي ذر وهو حي الآن، وله أولاد وأعقاب منهم الحسين المؤذن المعلم وناصر ومحمد.
الإمام نجم الأئمة أبو سعد المحسّن بن القاسم بن كامة «١»
هو من أولاد أمير الجيش علي بن كامة، وقد ذكرنا علي بن كامة قبل هذا، ونسبه: المحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن كامة الأسفهبد، وكان لعلي بن كامة هذا ابنان: شاه فيروز، وإبراهيم.
والإمام أبو سعد هذا كان تلميذ جدّ والدي الحاكم الإمام أبي علي «٢» ، وتلميذ الحاكم الإمام أبي سعد بن كرامة «٣» ، توفي الإمام أبو سعد بسبزوار يوم الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة سبع وعشرين وخمس مئة.
стр. 395
والعقب منه: الإمام علي، توفي علي بن أبي سعد بن كامة في شهور سنة خمسين وخمس مئة، والعقب منه أبو سعد المحسن.
والعقب من أخيه أبي جعفر بن القاسم بن كامة: الحاجي المحتسب المعرف (المعروف) أبو القاسم علي، ولأخيه الأكبر أيضا عقب في كروزد.
السيد الرئيس العالم أبو الحسن محمد بن علي بن أبي علي أحمد بن
أبي الحسن محمد بن أبي منصور ظفر الزّبارة العلوي الحسينيّ «١»
قال الشيخ علي بن الحسن بن أبي الطيب في كتاب دمية القصر بحقه: كريم طرفاه، تنوس على العلم والشرف ذؤابتاه.
روى الأحاديث عن الحاكم أبي عبد الرحمن محمد بن أحمد الشّادياخيّ «٢» ، وعن الأمير أبي الفضل الميكالي «٣» ، وكان يلقب بجمال السادة ذي اللسانين، قال في مدح نظام الملك:
أطيب نسيم هجت من مطلع الفجر ... وصوب حيا جادت به ديمة تجري
ألمّا على عصر الشبيبة بلّغا ... إليه سلامي، جدّدا عنده ذكري
وقال:
ليهن بني إسحاق أرجاء دولة ... تدور على قطب الزيادة والوفر
стр. 396
يدبّرها خيراتها ويديرها ... على نهر جار يمدّ بلا جزر
[٢٢٢] وقال:
أهو الشيخ تراه ... أم ترى شيخا سواه
غاب عنا أطيباه ... حين خانته قواه
إن تكن تبصر حيا ... بعضه ميت فها هو
ولابنه السيد أبي طالب شعر بالفارسيّة، وقصيدة غرّاء مطلعها:
* أإنّ من همّ هذا الدهر وهذه الآه ... حيث ذهب كل ما هو سبب السرور والبهجة
اشتعل الرأس شيبا وأدبر إقبال العمر ... اضطرب حالنا بيد الدهر ونام حظنا
أخوه السيد الرئيس العالم أبو علي أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن ظفر «١»
كان كأخيه السيد أبي الحسن في الفضل والزهد والورع ونزاهة النفس والصيانة، وتجنب كل ما يثلم الدين والمروءة، قال الإمام مسعود الصّوابيّ «٢» في مدحه:
يا سيدا نفسه لمّا علت صعدا ... زهر الكواكب باخت في مراقيها
له مكارم لا تحظى بغابرها ... صيد الكرام فلا تسمو لباقيها
يا من أبوه إذا ما أترعت برك ... الفردوس شهدا تصدّى وهو ساقيها
أنشأ السيد أبو علي هذا في وداع أحد الأماجد من ذوي الثروة والمال شعرا هو:
стр. 397
حقيق عليكم يا أكابر عصرنا ... إعانة حرّ ماجد قلّ ماله
فتى عاش أعواما بخير وهمة ... فلما أباد المال خانته حاله
تمسّك بالتقوى لينسى فما خلت ... من الغرم يوما نفسه وعياله
تخلّى عن الأوطان «١» في دار غربة ... تعذّر فيها حلّه وارتحاله
أكابرنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم زلاله
الشيخ الرئيس العالم الحسين بن أحمد بن الحسين الدّاريج «٢»
ذكره الشيخ علي بن الحسن في كتاب دمية القصر. وكان من ذوي اللسانين، قال في مدح نظام الملك:
[٢٢٣] هذا العلى بقنا الخطّيّ لا الخطب ... وبالكتيبة لا الأقلام والكتب
والمرهفات تمشّى في صفائحها ... فرندها كتمشّي الماء في اللهب
وللوزارة طرف ليس يركبه ... إلا أغرّ كريم الخيم والنّسب
فمن علا ظهره دون النظام أبى ... [إلا] على الحسن الموفي على الرتب
أتى بشنعاء ما أن تستقال ولا ... تفضي بصاحبها إلا إلى العطب
وقد تولى حسين هذا رئاسة بيهق مدة بالنيابة عن رؤساء وأمراء جشم ﵏.
وكان له ابنان: أبو نصر هبة الله، وبدر الرؤساء أحمد.
والعقب من أبي نصر: علي ومسعود، والعقب من علي: الأمير الإمام المعتوه محمد، والأمير أسعد.
стр. 398
وللأمير أبي نصر أشعار كثيرة بالفارسيّة، وآخر أشعاره هذان البيتان:
* إذا رماك نذل بسهم ... لا تقف بوجهه مجادلا معاندا
اقبل نصيحتي ولا تشح بوجهك عنها ... ادع له واسقه شراب الليل
وللشيخ أحمد أشعار بالعربيّة والفارسيّة، ومدائح كثيرة في حق والدي وحقي، ومن شعره هذه الأبيات التي ذكرتها في وشاح دمية القصر:
تصدّيت لي حتى تملكت مهجتي ... وأذكيت في الأحشاء نارا توقّد
وهيأت أسباب الرحيل وأدمعي ... يكفن سراعا والفرائص ترعد
وأحسب في نفسي خبالا وفترة ... وكانت لريب الدهر لا تتبلّد
كذا حال من لم يصحب القلب جسمه ... وأضحى على جمر الغضا يتردّد
قفوا قبل شدّ الكور نبغي رحالكم ... فقلبي في بعض الظعائن يوجد
وإني لأرضى حكم يوسف فيكم ... وحكم صواع عند من هو ينشد
والعقب من الشيخ أحمد أربعة أبناء كما تقدم: أبو المعالي، والحسين، وأبو سعيد عبد الله، وعلي.
درج أبو المعالي قبل العشرين، وقتل أبو سعيد بعد سنين من اشتغاله في عمل الناحية- كما سيأتي بعد هذا- في يوم [٢٢٤] السبت الثاني عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة مع ابنه أحمد.
ومات الحسين من الجوع في شهور سنة ست وخمسين وخمس مئة فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
«١» .
стр. 399
وقد اتصل الشيخ أحمد بن الحسين الدّاري في خدمة الملك العالم العادل عضد الدولة والدين علاء الدولة فرامرز بن علي شاه «١» ، وذهب معه إلى بلخ، وهناك أسلم نفسه إلى قابض الأرواح في شهور سنة ست عشرة وخمس مئة.
الشيخ الإمام الزّكيّ أبو الفضل أحمد بن الحسين البديليّ «٢»
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن بديل من أولاد بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وهم أجدادي من طرف جدة والدي من قبل الأم.
والعقب من أبي الفضل أحمد: الفقيه أبو القاسم علي، ومن أحفاده الإمام الزاهد بدر الدين أحمد، وجمال الأئمة علي، وهما ابنا الفقيه محمد بن الفقيه الزّكيّ أبي القاسم علي بن أبي الفضل أحمد البديليّ، وأمهما بنت عم أبي، وهو القاضي الإمام سديد القضاة أبو الحسن علي بن الحسين بن فندق، وقد ذكر الشيخ علي بن الحسن في كتابه دمية القصر الشيخ أبا الفضل هذا.
ومن بنات أفكار أبي الفضل هذه الأبيات التي قالها في شرف السادة البلخيّ «٣» :
سبط الذي شرع الشرائع للورى ... وأقام للدين القويم منارا
فهو الكريم إذا أتاه سائل ... أجرت يداه على الأنام نضارا
وهو الغمام (الهمام) إذا تبسّم ضاحكا ... عاد الظلام المدلهمّ نهارا
стр. 400
الإمام الأديب أبو علي الحسن بن علي بن أحمد الغازي «١» ، وابنه الأكبر شمس الأئمة أبو القاسم إسماعيل المقيم والمدرس بكورة مرو «٢» ، وشرف الدين ظهير الملك أبو الحسن علي بن الحسن البيهقيّ «٣»
كان والده علي الغازي سجستانيا، إلا أن ولادته ونشأته في سبزوار، وكان من فحول أفاضل بيهق، وقد تولى تأديب السيد الأجل العزيز، وأخيه السيد الأجل الزاهد عماد الدين [٢٢٥] يحيى، رحمهما الله، كما ناب عن جدي شيخ الإسلام أميرك في خطابة بيهق، وله أشعار كثيرة، منها هذان البيتان اللذان بلغا الغاية في الشهرة:
ليس له عيب سوى أنه ... ليس له عيب يقي العينا
لو رضي العين له حرملا ... نثرت في مجمره العينا
العقب منه كما تقدم: شمس الأئمة أبو القاسم إسماعيل، وشرف الدين ظهير الملك أبو الحسن علي، وبنت هي أم جمال الدين الحسين بن علي البيهقيّ، وصائن الدين حمزة بن علي «٤» .
стр. 401
توفي صائن الدين حمزة ﵀ يوم الخميس سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وخمس مئة والعقب منه: القاضي الإمام السعيد أبو الحسن علي بن حمزة، وأبو القاسم المجنون، والحاجي فخر الدين علي، وكان قضاء الناحية [بيهق] بيد ضياء الدين أبي الحسن علي بن حمزة من سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة إلى وقت وفاته ﵀، توفي في شعبان سنة اثنتين وستين وخمس مئة.
وبنت أخرى للإمام الحسن الغازي، هي أم شمس الأئمة محمد، والقاضي الإمام الخطيب ظهير الدين حسن، وهما ابنا الشيخ أبي الحسين علي بن أحمد بن سعيد البيهقيّ.
سكن شمس الأئمة أبو القاسم إسماعيل في مرو، وانشغل هناك بنشر العلم، وله تصانيف كثيرة في كل فن من فنون العلم، في الفقه والخلاف والأدب، وكتاب سمط الدر «١» في معاني غريب الحديث.
توفي في شهور سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، ولا عقب له، ومن منظومه قوله:
قنعت بالبلغة ما بقيت ... وعن لئام الناس قد غنيت
وفي مهاوي الصبر لي مبيت ... وليس من أمري لي ما شيت
وكان شرف الدين ظهير الملك قد أناب في البداية عن أبيه في تأديب السيد الأجل عماد الدين يحيى، ثم إنه قال قصيدة في عميد خراسان محمد بن منصور «٢» ، مطلعها:
لنا في ضمان الراحلين إذا شطّوا ... ودائع من روح الحياة لها قسط
стр. 402
[٢٢٦] فأمر عميد خراسان بإكرامه والإنعام عليه، وامتلك من تلك العطية فرسا وثيابا وغلاما، وتصل بخدمة الملك جلال الدين بوري برس بن ألب أرسلان، ولم يمض وقت طويل، حتى ألحق الملك أرغو الهزيمة بأخيه الملك بوري برس، عند مدخل مرو قرب قرية دريجه «١» ، فلبس ظهير الملك ثوبا خلقا والتجأ إلى أخيه شمس الأئمة، وبقي متواريا في مدرسته بسرماجان إلى أن هدأت تلك الفتنة.
كان أول عمل خطير أسند إليه هو تعيينه حاكما على هراة خلال عهد السلطان سنجر ﵀ «٢» ، ثم رقي بعدها إلى وزارة الأمير الإسفهسالار عز الدين طغرلتكين «٣» ، ومنها إلى وظيفة استيفاء المملكة.
كان رجلا جوادا باذلا، ما أنصفه الدهر، قال في شكوى الزمان:
تراجعت الأمور على قفاها ... كما يتراجع البغل الجموح
وتستبق الحوادث مقدمات ... كما يتقدم الكبش النطوح
وآخر أعماله سفره إلى العراق حيث أسندت إليه أعمال العراق وبغداد، فذهب إلى بغداد، وباشر أعماله منذ شهور سنة سبع عشرة وخمس مئة في العراق، بينما كان ابنه مجير الدين محمد يدير أعمال الري، ولم ينتقل من هناك حتى سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، إذ قدم الأب والابن إلى الحضرة السّلطانيّة، ثم أنهما استشهدا في
стр. 403
المصاف الذي جرى بين الخان الصيني والسلطان سنجر ﵀ «١» في صفر سنة ست وثلاثين وخمس مئة، قال ظهير الملك في موت أحد أعدائه:
جرى قلم القضاء بما أردنا ... فلم نشمت بما كتب القضاء
لأنّ يد المنون تسلّ سيفا ... له في كلّ مخلوق مضاء
وبقي منه بنتان: واحدة في حبالة السيّد الأجل ذخر الدين نقيب نقباء خراسان أبي القاسم زيد بن الحسن، وأخرى في حبالة السيد الأجل علاء الدين بن معز الإسلام وكان نقيب هراة، وقد أصبح بيت هذه العائلة عامرا بهاتين الحرّتين:
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال «٢»
[٢٢٧] آل الكسائيّ
وهذا البيت هم جمال بيهق، وهم أولاد علي بن حمزة بن علي بن عبد الله الكسائيّ النحوي «٣» ، وهو معروف بين الأدباء والنحويين.
وكان هارون الرشيد قد اصطحب معه الكسائيّ ومحمد بن الحسن الإمام الشّيبانيّ إلى بلاد الري، وكلاهما انتقل هناك من بحر الحياة إلى ساحل الفناء، فقال هارون الرشيد: دفنّا الفقه والأدب في الري وانصرفنا. أما أولاد الكسائيّ فذهب بعضهم من الري إلى بغداد، بينما جاء بعضهم مع الرشيد إلى خراسان.
стр. 404
فلما ودع هارون الرشيد الحياة في طوس، ذهب حمزة ابن الكسائيّ إلى بيهق وأقام هناك، وقد قتل حمزة هذا في رباط علي آباد في حرب حمزة بن آذرك الخارجي كما تقدم، وبقي له في قرية أفجنك طفل اسمه حسين، وكان الخوارج قد قتلوا كل الأطفال الذكور، إلا إنهم لم يصلوا تلك القرى.
وقد ترعرع الحسين بن حمزة الكسائيّ الأديب، وحصل على نصيب من الأدب، واشتغل بالتجارة والسفر بالبحار، وكان له ابن يدعى إسماعيل، وقد ذكر إسماعيل هذا في تاريخ بغداد «١» . وذكره الإمام أوحد الدين أبا المعالي الرشيدي «٢» في تاريخه فقال: من أولاد إسماعيل بن الحسين بن حمزة بن علي الكسائيّ النحوي: محمد بن إسماعيل.
والعقب من محمد: عبد الرحمن.
ومن عبد الرحمن: أبو الحسن.
ومن أبي الحسن علي بن أبي عبد الله بن أبي الحسن بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن حمزة بن الإمام الكسائيّ على بن حمزة الكسائيّ: جمال الدين أبو عبد الله الحسين بن علي، وصائن الدين حمزة بن علي.
وجمال الدين هو البطن العاشر من الكسائيّ النحوي، والعقب من جمال الدين:
الأمير علاء الدين محمد، وأمه أم ولد «٣» ، وقد درج ولم يكن له عقب.
والعقب من صائن الدين حمزة القاضي: ضياء الدين أبو الحسن- وله عقب- وأبو
стр. 405
القاسم العزيز المجنون، وفخر الدين علي، وله عقب.
[٢٢٨] الشيخ الرئيس أبو علي البارويّ الخواريّ «١»
لم يظهر في خوار بيهق مثل اثنين كنّي كل منهما بأبي علي: أبو علي السّلّامي صاحب التاريخ، وأبو علي البارويّ.
ذكره الشيخ أبو عامر الجرجانيّ «٢» في كتاب قلائد الشرف والشيخ علي بن الحسن في كتاب دمية القصر أيضا.
وله قصيدة في مدح نظام الملك، مطلعها:
حسرات قلبي إن ربعك نازح ... بين اللّوى والواخدات روازح
وله غير هذا، أشعار كثيرة، منها ما كتبه من البصرة إلى ابنيه محمد وعلي:
لعمر أبي إن الفرات ودجلة ... لأطيب من ماء على الرمل سائح
ولكن بها نجمان لاحا ولا ترى ... مكانهما نجما لغاد ورائح
اقتصرت على هذا المقدار منها.
العميد زين الأفاضل شاه العنبريّ «٣»
وعميد شاه هذا هو ابن الشيخ أبي سعد العنبريّ، وقد تقدم التفصيل في هذه
стр. 406
الأسرة، ومن منظوم العميد شاه هذا، هذان البيتان:
يرضى الحسود بأن أموت تأسفا ... ورضى الحسود مطالب لا تدرك
قد متّ دهرا ميتة مستورة ... فرأيت من يبكي ومن هو يضحك
الأديب أبو سعد أسعد بن محمد المزينانيّ «١»
كان يدعى الأديب أبا سعد المزينانيّ، وهو أديب فاضل منفق، من منظومه هذه الأبيات التي قالها في الإمام محمد بن حمويه «٢» :
يا صاحب الدّير إن زمّت جمالكم ... بجانب الجزع من جرعاء واديها
بلّغ سلامي إلى الذلفاء من دنف ... وأنشديها قريضا قاله فيها
هو ابن حمّوية الفاروق نهجته ... بين الضلال وبين الرشد ناديها
ومن شعره [٢٢٩] :
وأقوام بلا فضل وجود ... بظلمهم على الضعفاء سادوا
سعوا نحو المعسكر واسترحنا ... معاذ الله لو ردّوا لعادوا
الإمام ناصح الدين محمد بن الزّكيّ أبي القاسم عبد الله القاضي «٣»
هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن الحسين، كان عالما عاملا وناصحا أمينا، مع رقة
стр. 407
الطبع وجودة الخط وكثرة الحظ.
توفي في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة، ومن منظومه هذه الأبيات التي قالها في شرف الدين ظهير الملك البيهقيّ:
لاحت لنا من بروج الصبح أقمار ... لما تجلّى لصبح النجح إسفار
بيمن من كفّه عند الندى ديم ... أنوارها بعقود الدّرّ مدرار
صدر الورى شرف الدين الذي ظهرت ... للمجد من فعله المحمود آثار
من أيده للعلى سور ومن يده ... لمعصم الفضل والإفضال أسوار
إن جار دهر على قوم فراحته ... لجاره بالندى من جوره جار
فكم عبيد بنعمى كفّه انعتقت ... كما استرقّت بها في الناس أحرار
لو قسّم الله في الدنيا كفايته ... لم يبق بين غمار الناس أغمار
حنّت لطول النوى نفسي كعادتها ... لما ترادف لي في الأرض أسفار
فقلت صبرا فبالأيام في سفر ... يقضى لزيد المنى يا نفس أوطار
أخذه من قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً
«١» ...... الآية.
وكان ابنه نجم الأئمة جعفر حسن الطبع والسيرة ومن ذوي اللسانين، انتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى بين أسفرايين وبيهق في شهور سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، من منظومه بالعربيّة هذه الأبيات:
إمام لو انّ العقل والعلم صوّرا ... لما كان إلا شخصه لهما بدن
أرى سير قوم خبط عشواء في العلى ... إذا سلكوها وهو جار على السّنن
стр. 408
كأنّ إله العرش إذ برأ العلى ... وسوّاه لم يخلق سواه لها سكن
أمولاي، إي والله يعلم مضمري ... وحسبك ربي عالم السر والعلن
سويداء قلبي في مكامن سرها ... هواك مع التوحيد قد لزّ في قرن
[٢٣٠] فوا حسرتا إن الزمان يسوقني ... إلى أجل في مكمن الغيب قد كمن
سأفنى ولمّا أقض منه لبانة ... ولم تدرك الأجفان لي لذة الوسن
أما ابنه الآخر فهو مهذّب الأئمّة أبو سعد، وكان له في الاستيفاء نصيب وافر، توفي بنيسابور قبل الفتنة الأولى في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
وله ابن آخر هو منتجب الدّين أميرك، وكان فاضلا رقيقا ودودا، متبحرا في علم الأصول وعلم الأدب، وقد بلغ في النحو غاية الكمال، حيث أفاد في تلك العلوم من الإمام عمر الطبريّ، والإمام سديد الدين محمود بن أميرك الرازي المتكلم «١» .
من منظومه، هذه الأبيات التي قالها في رشيد الأئمة أبي سعد بن أبي ذر الذي تقدم ذكره، كتبها في رسالة ألّفتها أنا في تفضيل التطفيل على لسان طفيل العرائس:
فخرا رشيد الدين بل ... شرفا على أهل الزمن
شيخ الضيوف مقدّم ... السيّاح هياج الفتن
لا يعبد الله العظيم ... بغير منقود الثمن
ثم استنابك واستخار ... الله فيه على السنن
стр. 409
خذه كتاب نصيحة ... مع كل لطف في قرن
متضمنا شرح المراسم ... والمواسم والسّنن
من لا يحيط بفضله ... وكماله غور الفطن
فكأنما أهدى به ... عسلا مشوبا باللّبن
أو حلة موشية ... صنعت بصنعاء اليمن
واللفظ مثل السّحر ... يملأ مقلتي رشأ أغن
مولاي ما أحد عليك ... بزائد في كلّ فن
ولقد حللت من الأفاضل ... كالفؤاد من البدن
الأمير السيد العالم شهاب الدين محمد بن أبي سعيد زيد بن حمزة العلوي الحسينيّ «١»
ذكرت أنسابهم وتفاصيل أحسابهم في كتاب لباب الأنساب، وكان السيد أبو سعيد [زيد بن] حمزة «٢» هذا رجلا من أهل الفضل، وكان مقيما في قرية ستاربد من ربع بشاكوه بيهق، وكان ابنه السيد محمد فاضلا وحافظا، انتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى في أيام الفترة هذه بجاجرم، من منظومه هذه الأبيات:
جلت الهموم عن القلوب وزارة ... علوية صدر المعالي صدرها
[٢٣١] شرقية غربية خضعت لها ... صيد الورى لما تقرّر أمرها
لقياك علياها وعيشك فخرها ... وذراك حاميها وعمرك عمرها
نفرت بغاث الطير عن أرجائها ... لمّا طلعت لها لأنك صقرها
стр. 410
السيد الإمام بهاء الدين محمد بن علي زبارة «١»
قضى هذا السيد عمره بالصلاح والعفة والمروءة، وسافر كثيرا واختلط بالمشايخ، انتقل إلى جوار رحمة الحق تعالى سعيدا مغفورا له في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وقد قلت في رثائه بضعة أبيات، كان آخرها:
وإني ناثر درر المآقي ... على قبر بهاء الدين فيه
وتبلغ أشعار ابنه كمال الدين أبي الحسن «٢» زبارة مجلدات بالعربيّة والفارسيّة، منها هذه الأبيات المشهورة:
الله يشهد أنّا معشر نجب ... حلت بعقوتنا العلياء والكرم
ما ضرّنا أننا قلّت دراهمنا ... والبيت منزلنا والحلّ والحرم
بيوتنا بنيت للمجد مذ بنيت ... ترى لديها رقاب المال تهتضم
فقل لمعتسف يرجو اللحاق بنا ... تسعى كثيرا وعقبى سعيك الندم
وكان أخوه السيد الإمام الرئيس الزاهد ضياء الدين علي «٣» ، نقي الجيب، مأمون الغيب، محروسا عن العيب، زيّن عمره بمكارم الأخلاق، من منظومه هذه الأبيات في وصف التفاح:
أهدى إليّ بهاء الدين من لطف ... تفاحة قطفت من خدّ مهديها
وجدت طيب سجاياه العذاب إذا ... شممتها وغدت للروح تحييها
مهما نظرت إليها قلت من عجب ... سبحان خالقها سبحان باريها
стр. 411
[٢٣٢] السيد الإمام محمد بن مانكديم بن زيد العلوي الحسنيّ السّيلقيّ «١»
وهو محمد بن مانكديم بن زيد السّيلقيّ الحسنيّ، توفي في شهور سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، ومن منظومه هذه الأبيات التي قالها في رثاء ابنه عوض بن محمد «٢» :
أيا ولدي فارفتني وتركتني ... برغمي مقصوص الجناح حزينا
وكيف أرى وجه السرور بناظري ... ووجهك أضحى في التراب دفينا
وإني وإخواني وسادة عترتي ... بحكم إله العرش فيك رضينا
فما هذه بدء الفجائع عندنا ... وما هذه ختم المصائب فينا
وقد غنم ابنه السيد الإمام أبو الحسن «٣» حظا وافرا من كل علم، وتوفي في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وكان لحفيده السيد الإمام أبي الفتوح الرضي «٤» سهم في الأدب، وكان له ميل إلى نظم الشعر في عهد الصبا، ومن منظومه هذه الأبيات:
تذكّرت ربعا بالعذيب قواءا ... فهيّج شوقا في الضلوع وداءا
لقد سحبت أيدي السحاب رداءها ... عليه صباحا بعدها ومساء
وقال:
له قلم فيه المنية والمنى ... لعاف وعات حين سّر وساءا
متى تلقه تلق المكارم والندى ... وإن جئت مغناه أمنت غناءا
стр. 412
تعاليت عن قدر المديح وفقته ... وكاد يكون المدح فيك هجاء
السيد الإمام ولي الدين أبو علي الحسين بن محمد بن علي بن الحسين العلوي الحسينيّ «١»
هو أبو علي الحسين بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أحمد بن الحسن المحترق بن أبي عبد الله محمد بن الحسن بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين الأصغر [٢٣٣] بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وهو وأخوه تاج الدين يحيى أبناء عمتي، وأبوهما السيد محمد ابن عمة أبي.
وكان السيد علي عالما وورعا، ويميل بطبعه إلى نظم الشعر، ومن منظومه:
طلعت نجوم العدل في فلك العلى ... تهدي العفاة إلى النعيم الأرغد
فكفى به نورا لعين المجتدي ... في حندس الأمل البهيم الأسود
إنسان عين المرتجي، وصباح ... ليل الملتجي، وشجى حلوق الحسّد
كالنار يلحق نورها بالمهتدي ... وشرارها بالقابس المتنكّد
لا أبتغي غيري إليك وسيلة ... فامنن عليّ بحق آل محمد
وكان السيد أبو علي مئناثا، وتوفي ﵀ في سنة أربعين وخمس مئة.
الإمام محمد بن أحمد المعموريّ الفيلسوف «٢»
كان الإمام محمد هذا من كبار علماء عصره، ولم يكن له نظير في علوم الحكمة، اعترف له جميع حكماء عصره بالتقدم، وله في علم المخروطات الذي هو غاية العلم الرياضي، تصنيف لم يدرك أحد غايته.
стр. 413
اتصل بخدمة تاج الملك «١» بأصفهان، وكانت الوزارة قد أعطيت له بعد مقتل نظام الملك.
وقد ابتلي أصحاب القلاع «٢» في تلك الأيام بالقتل والإحراق، فحدث أن رأى الحكيم المعموريّ هذا في قياس طالعه، أن التسيير من درجة الطالع والهيلاج والكدخداه قد وصل كل منها إلى ثلاثة قواطع، حيث اتصلت [بجرم نحس وشعاع نحس، فخاف ذلك الاتصال «٣» ، فخرج من دار السلطان وكان فيها محترما مكفيّ المؤونة] ودخل دار صديق له وانزوى في زاوية بيته، بمكان مظلم مبالغة في الاحتياط والحذر.
فلما أخذ الغوغاء أصحاب القلاع، علت النساء السطوح للنظر، فعثرت عليه امرأة على سطح ذلك البيت الذي كان فيه مختبأ فصاحت إن احد أصحاب القلاع في هذا البيت- لأنه لم يكن أحد يختبأ في تلك الأيام إلا من كان من أفراد هذه الطائفة- فهجم الغوغاء على الدار وقتلوه، فوصل الخبر إلى تاج الملك الذي جاء مع أئمة أصفهان [٢٣٤] وصلّوا عليه، وأقاموا مجلسا للعزاء.
стр. 414
ولم يكن القصاص ممكنا- وجرح العجماء جبار «١» - والغوغاء قتلة الأنبياء ومعادن الفتن، إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، وذلك في شهور سنة خمس وثمانين وأربع مئة، ومن منظومه:
دعاك الربيع وأيامه ... ألا فاستمع قول داع نصوح
يقول اشرب الراح ورديّة ... ففي الراح يا صاح روح وروح
وغنى البلابل عند الصباح ... أيا نائمين الصبوح الصبوح
الإمام فخر الزمان مسعود بن علي بن أحمد الصّوابيّ «٢»
ينتهي في نسبه إلى العزيزيّين، وقد تقدم أن العزيزيّين هم من أولاد عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان أبوه الحكيم علي الصّوابيّ متكلما وشاعرا، وأشعاره الفارسيّة مشهورة.
стр. 415
وكان هذا الإمام فريد عصره، محترما لدى الوزراء والأكابر، وقد أسعفته الثروة واليسار، وديوان شعره مجلد ضخم «١» ، وله تصانيف كثيرة، منها كتاب صيقل الألباب «٢» ، والآخر كتاب القوامع واللوامع «٣» في علم الأصول، وكتاب التنقيح «٤» في أصول الفقه، والتذكير «٥» في أربعة مجلدات، وكتاب نفثة المصدور، وكتاب أعلاق الملوين وأخلاق الأخوين «٦» ، وتفسير كتاب الله تعالى «٧» .
وقد سارت أشعاره في الدنيا وطارت، وشحنت بها الكتب، منها ما كان قد قاله على البديهة عند عزل مجير الملك أبي الفتح علي بن الحسين الأردستانيّ «٨» ، وجلوس
стр. 416
الصاحب الأجل فخر الملك المظفر بن نظام الملك «١» رحمهما الله، إذ خاطب فخر الملك قائلا:
كميتك من ورده أفره ... ودارك من داره أنزه
وبيتك أشرف من بيته ... وجدّك من جدّه أنبه
ولكنما الصدر أولى به ... وأفعاله بالعلى أشبه
ودهر رماه بمكروهه ... سيرميك بعد بما تكره
وقال في حق الإمام الأجل أبي الفضل الكرمانيّ «٢» :
يا من به بلدتنا جنة ... كجنّة الخلد بلا مثل
[٢٣٥] فثمّ فضل الله سبحانه ... وها هنا فضل أبي الفضل
توفي ذلك الإمام الكامل قدس الله روحه وغفر له، يوم الثلاثاء الثامن عشر من محرم سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وقد كتب لي في مرض موته رسالة، هي آخر رسالة كتبها قال فيها:
* أصبحت كالزّجاج الذي فيه صدع ... وستسمع فجأة أن الزّجاج قد كسر
стр. 417
فأخذت أنا هذا المعنى ونظمته:
أيا مسعود إنك قلت يوما ... أعيش وعذب أيامي أجاج
ودائي صار مقرونا بشيبي ... وداء الشيب ليس له علاج
ويشبهني زجاج فيه صدع ... ستسمع أن قد انكسر الزّجاج
وكان مرضه جرب المثانة مع وجع ناخس، وقد سمعت أنه قد كتب لفظ الجلالة «الله» على إبهامي يديه، وظل يحدق فيهما إلى أن أسلم روحه إلى قابض الأرواح، وقد زاره أحد الفضلاء في مرض موته، وسأله بلطف عن حاله، فقال هذا الإمام ﵀: إن أمامي سفرا طيبا، حيث سأذهب إلى العالم الذي ليس فيه ظلم: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
خائف من العدل، ورجائي في الفضل، بينما العالم الذي أودعه يخاف فيه من الظلم، ولا أمل فيه للعدل والفضل «١» ، اللهم حقق أمله، وأصلح عمله، واغفر له ولنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
تتلمذ في الأدب على الإمام الحسن الغازي، وفي الفقه على ابنه شمس الأئمة أبي القاسم إسماعيل، ثم على الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي، ثم على والدي شمس الإسلام ﵀.
الإمام جمال الإسلام الحسين بن أبي العباس محمد بن الحسن الفوران «٢»
كان الإمام الحسين الفوران هذا من تلاميذ الإمام أبي محمد الجوينيّ والد إمام الحرمين، ومن أبناء الحسين بن فوران النّيسابوريّ، الذي روى عن عيسى [٢٣٦] بن أحمد القطان.
стр. 418
كانت ولادته في سبزوار، وكان حافظا للمذهب، وأسلافه مذكورون في تاريخ نيسابور.
وكان فوران من محدثي وعلماء نيسابور، وقد عيّن الإمام الحسين هذا بمكان الإمام أحمد بن فطيمة- وهو أحمد بن علي البيهقيّ الإمام المفتي- وكان له نسب متصل بالبديليّين عن طريق الأم، وكان رجلا حسن المعاشرة، إذ كان يرسل لكل من جفاه أو آذاه بتحفة أو هدية ويقول له: لقد أردت بي خيرا حيث ادخرت لي في العالم الآخر ثوابا وعوضا، ولذا أكافئك في هذا العالم بما أستطيعه.
ذهب والدي شمس الإسلام قدس الله روحه يوما إلى مجلسه، فقطع حديثه، وقرأ هذين البيتين وختم المجلس:
* لا عجب أن تفيض عيني كنهر النيل ... وأن ينوء الفلك بحمل عبئي الثقيل
بلا دليل ولا صوى ودون أي عديل ... وفجأة، تقحم بيت العنكبوت فيل
وله أسانيد عالية في رواية الأحاديث، من الشيخ الحافظ أبي محمد الحسن بن أحمد السّمرقنديّ «١» ، والإمام أحمد البيهقيّ «٢» وغيرهم.
بنى في ناحية بيهق أبنية كثيرة، فقد بنى مدرسة سكة سيّار في القصبة، ومسجد الجمعة في قرية نامين، ومسجدي الجمعة في قريتي كسكن وقبره بمدرسته في سكة سيار، رحمة الله عليه.
جمال الأئمة والأفاضل والكفاة حيدر بن محمد المؤذن «٣»
وبيت المؤذنين بيت قديم، وأكثرهم أهل صلاح وعلم، وأصلهم من بديل، وكان
стр. 419
أبو علي المؤذن جد الإمام حيدر موسرا، وهو الذي بنى وقف مؤذن الجامع هذا، حيث وقف نصف طاحونة رخشان التي على نهر القصبة، على مؤذن الجامع الذي بناه، غفر الله له.
وكان واسطة عقد هذا البيت الفقيه علي بن أبي القاسم الحسين بن علي بن أحمد المؤذن، وكان رجلا فقيها ومتكلما وأديبا.
والعقب منه أبو القاسم إسماعيل الحاجي، والفقيه الصالح الزاهد أبو علي يحيى، والفقيه الحاجي الحسين.
توفي الفقيه الحاجي الحسين في شهور سنة سبع وخمس مئة، والعقب [٢٣٧] منه:
محمد.
والعقب من الفقيه الصالح أبي علي يحيى: محمد، ولمحمد: أبو القاسم وغيره.
والعقب من الحاجي أبي القاسم إسماعيل: الفقيه علي، والفقيه الحسن، وكان من هذا الرهط محمد بن أبي القاسم بن علي المؤذن.
والعقب من محمد بن أبي القاسم: جمال الأئمة، والثقات حيدر الأديب الشروطي العدل، وأبو علي، وأبو القاسم، وغيرهم.
والإمام حيدر رجل من بيت الصلاح، مبارك النفس، ومبارك القدم، فكل من درس لديه في الكتّاب أصبح مبرزا، وكان عالما بشرائط وآداب الشرع، ومن منظوم الإمام حيدر هذه الأبيات:
إذا انسلّ عن غمد الحجى نصل فكره ... تجزّ رؤوس المشكلات لدى الشهر
فأعطاه رب الناس للخلق رحمة ... بمنزلة الغيث الدّرور لدي العسر
وثّنى كتاب جاءني بسخائه ... قلائد كافور نظمن مع الدّرّ
ألا بل حكت ألفاظه الغرّ روضة ... تضاحك فيها الأقحوان مع الزهر
وأيّ لبيب لم يقرّ بأنه ... لقد أدرك الغايات في النظم والنثر
стр. 420
وحيد الدين علي بن إبراهيم الكاتب «١»
ولد في قصبة جشم، ونشأ في قصبة سبزوار، وقد يسّر الله له الاستفادة فيها، ووفقه الحق تعالى ثلاث مرات لزيارة بيت الله والروضة النبوية، ومن شعره:
هنّ المعالم قد عفت آياتها ... وتلبّست حلل البلى عرصاتها
يا صاحبيّ قفا لنطفي بالبكا ... نارا توقّد في الحشا جمراتها
مسكية نفحاتها غصنية ... قاماتها وردية وجناتها
قرم إذا ما حرّكت أقلامه ... سكنت لعمري في الجفون طغاتها
ما روض ورد باكرته ديمة ... وارفضّ فوق عذاره قطراتها
بأتمّ حسنا من رياض مكارم ... تفترّ عن أخلاقه زهراتها
فليشكرنّك أهل بيهق إنها ... أرض بلا عشب وأنت نباتها
الزّكيّ جمال التجار أبو الفضائل سعيد بن المختار الحلبيّ «٢» :
كانت ولادته بمدينة حلب، إلا أنه أقام في بيهق، والمرء من حيث [٢٣٨] يوجد، لا من حيث يولد، وخلف في القصبة أولادا وأعقابا: محمد ويوسف وعلي، وهو من مشايخ التجار ومشاهير الأزكياء في الأمصار والبلدان ومن شعره:
عليّ أن أرضى من الدهر ... مذ أسفر الليل عن البدر
وحان أن أبلغ ما أرتجي ... من أمل ضاق به صدري
يعود مولانا إلى أهله ... وأوبة الصدر إلى الصدر
قدومه ردّ شبابي كما ... قد كان لي في أوّل العمر
стр. 421
أرى التباشير وقد أسفرت ... في ليلتي من مطلع الفجر
وبشّرتني بالتلاقي كما ... يبشّر المجدب بالقطر
قد كان لي فيما مضى حرمة ... أعلى من العيّوق والنّسر
فالآن قد آمل تجديدها ... لأقلب الشكوى إلى الشكر
يا من إذا رمت مدى مدحه ... ألفيت عجزي منتهى أمري
انظر إلى ألطاف ربّ العلى ... وارض به في العسر واليسر
الأديب علي بن أبي سهل الفسنقري «١»
كان أبوه من قرية فسنقر، اشتغل بالتعليم في قرية أشتر، وكان رجلا سليم القلب، من أكثر أهل الجنة، جلس على غصن شجرة توت ونشر أصل ذلك الغصن بالمنشار فانكسر، ووقع هو إلى الأرض ومات، هذا ليس غريبا على طيبة قلوب المعلمين، وكان ينبغي أن تلحق هذه الواقعة بتصنيف الجاحظ «٢» ، وقد اكتسب ابنه هذا نصيبا وافرا من الأدب، وكان مطبوعا في الشعر، قتل بنيسابور في الفترة الأولى على أيدي الغزّ في شهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة، من شعره:
[٢٣٩] هاج النزاع إليها صاحب وقفا ... فسال من غربنا قاني دم وكفا
ذكرت بالجزع ملهى ناظريّ به ... فظلت أجزع من تذكاره نكفا
فتى تشرّفت الدنيا بمنصبه ... لمّا أقام لدين المصطفى شرفا
لمّا غدت سنّة الإسلام عاطلة ... أضحت مساعيه في آذانها شنفا
يأبى لي الدهر أن أرضى بمنقصة ... وأن يكون سواك الدهر لي كنفا
стр. 422
محمد بن طيفور النّيسابوريّ «١»
كان عالما ومحدثا، وتعزى إليه سكة طيفور بنيسابور، وله أولاد وأحفاد عاشوا ببيهق، من أولاده فقيه القوم الحسن بن محمد بن الحسن بن طيفور المؤدب، وتوفي الفقيه الحسن بن طيفور في سلخ رجب سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة.
العالم الأصيل محمد بن أبي عبد الله السالار «٢»
هو محمد بن أبي عبد الله المحسن بن أبي نصر علي بن محمد السالار، استقر هذا البيت- بيت السالاريين- في قصبة بيهق، وكان هذا الشيخ شابا رقيقا وخلف صدق، وكان يختلف إليّ، توفي في الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمس مئة وقلت في رثائه:
طوى محمد المحمود سيرته ... من عمره بغتة أقصى مراحله
وأبيضّ عيني من فرط البكاء إذا ... نظرت في شعره أو في رسائله
حوى الكمال وشمس العمر بازغة ... فالنقص في عمره لا في فضائله
من منظومه قوله:
أهدى الحبيب إليّ طيف خياله ... عن رمل حزوى من لنا برماله
أهلا وسهلا بالخيال وطيفه ... ومسيره عجلا على أوجاله
فكأن قلبي في معاطف صدغه ... عان شتيت الدهر في إعلاله
ولعل مولانا يفك إساره ... إن العناة فكاكهم من ماله
стр. 423
[٢٤٠] اليوم أطلع للرئاسة سعدها ... فتجملت وتعطرت بجماله
وغدت مراعي المسلمين مريعة ... في خصب دولته وفيض سجاله
لا زال في التأييد والإقبال ما ... صلى الإله على النبي وآله
الفقيه أبو الفتح أحمد بن محمد البخاريّ «١»
ولد في بخارى، ونشأ في ناحية بيهق، كان محدثا ومذكرا وفقيها، روى الأخبار عن أئمة بخارى، وهو من تلاميذ القاضي أبي زيد، وله عقب هناك هو محمد، ولمحمد ابنان: شهاب الملك أبو الفتح أحمد، وصاعد، وكان لأبي الفتح هذا خط كريش الطاووس، وكان بارعا في أنواع الخطوط، أشتغل محررا في ديوان الأمير الأجل الشهيد اختيار الدين جوهر التاجيّ، ونائبا لخطير الدين المستوفي، وقد قتل في مصاف قطوان «٢» ، أما صاعد فكان عالما بوجوه قراءات القرآن، اغترب ولم يسمع منه خبر، ﵀.
стр. 424
الإمام النادر ظهير الدين علي بن شاهك القصّاريّ «١»
ولد ونشأ في قصبة سبزوار، من البيوتات الصالحة، وقد فقد بصرة في عهد الصبا، ومع فقده البصر، بلغ الشأن في علوم القرآن والنحو ووجوه القراءات من المشهور والشواذ، ثم نبغ بعد ذلك في علوم الأدب واللغة والنحو وملحقاتها، ثم في علوم الفقه والمناظرة والأصول وأمثال ذلك، وقد حاز قصب السبق في علوم الحكمة والمعقولات، كما بلغ المدى في علوم الحساب والرياضيات من أقليدس والمجسطي، وكان من نوادر العالم وعجائب الدهر ممن لم يجد التاريخ والزمان بمثله، من حيث شرحه أشكال أقليدس والمجسطي، وعرف عنه تفهيمه تلاميذه بأوضح صورة، وأسهل طريق، وظل لسنين طويلة ينظم تقويم الكواكب في هذه الديار، حيث كانوا يملون عليه الحروف من الزيج، فيحفظها في مخيلته، ثم يستخرج منها حساب الأوساط والأوجات والمقومات والعروض وتسيير الكواكب [٢٤١] ، وكان تقويمه هذا يتنقّل في البلاد، فيستعين بذلك على معاشه، وبلغت مهارته حدا أن حذّاق المنجمين المبصرين كانوا يخطئون الحساب مع وجود الزيج بأيديهم واللوح قدّامهم، بينما لم يخطئ هذا الإمام الضرير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
لولا عجائب صنع الله ما نبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب
الحكيم داود الطبيب «٢»
ولد في نيسابور، وكان يهوديا ثم رغب في الإسلام، ودعوه للإقامة في القصبة، وكان عالما بحساب النجوم وطبيبا حاذقا ومعالجا فريدا مع الحدس الصائب، فكأن علاجاته للمرضى تملى عليه من الإلهام الإلهي، وكانت له فراسة عظيمة تجعله يعرف
стр. 425
إن كان المرض مرض موت، لذلك يمتنع عن المعالجة.
رأيت كتابا جمع فيه تلميذه الحكيم حسين الكرجيّ- وهو من فحول تلاميذه- نوادر معالجاته، على غرار كتاب التجارب لمحمد بن زكريا «١» .
توفي الحكيم داود في شهور سنة ثمانين وأربع مئة، والعقب منه محمد، وهو في الأحياء في محلة أسفريس.
الحكيم علي بن محمد الحجازيّ القائنيّ «٢»
ولد في مدينة قاين، فلما أصبحت خرابا انتقل إلى نيسابور، واختلف هناك إلى الإمام عمر الخيّام «٣» وغيره في الطب وغير ذلك، ثم إن الأمير الرئيس الأجل الشهيد شمس المعالي أبا الحسن علي بن الحسين بن المظفر الجشميّ ﵀ دعاه إلى الناحية، فأفاد المرضى من معالجاته، وقد وجد في مجالس الملوك الحظوة والمكرمة والخلع.
له تصانيف كثيرة ككتاب مفاخر الأتراك الذي كتبه باسم السلطان الأعظم السعيد سنجر، وله في الطب رسائل [٢٤٢] كثيرة، وقد بلغ عمره ما يقرب من مئة سنة شمسية، وتوفي في القصبة في شهور سنة ست وأربعين وخمس مئة، وله عقب بقصبة فريومد من أم ولد تركية.
الحكيم يحيى بن محمد الغزنويّ المنجم المذهب «٤»
следующие страницы →