← Фикх общий

Фикх общий · id 11767

الخراج وصناعة الكتابة

قدامة بن جعفر

Полный текст (617 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بجاره. وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة «٦» عن ثور الديلى، قال: سمعت عكرمة يقول حريم ما بين العينين مائتا ذراع، قال ثور: رأيت رجلا من المهندسين فسألته فقال: رب أرض لا يكون هذا فيها انما يكون ذلك في جلد الارض وحزونتها فأما الارض الرخوة فأن خمسمائة ذراع فيها يكاد أن يكون مقدارا حسنا. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام «٧» : في كتابه في الاموال، لم يأت في حريم النهر شيء. وحكي عن بشر انه قال، قال أبو حنيفة: لا حريم للنهر، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وبشر: حريم النهر ما يحتاج اليه لملقى طينه وغير ذلك مما لابد منه.

стр. 247

الباب الثامن عشر في اخراج مال الصدقة ولمن يحل وعلى من يحرم قال الله ﵎ «١» : «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ» «٢» . وقال رسول الله «٣» ، ﷺ : «المسألة لا تحل الا لثلاثة، رجل تحمل بحمالة بين قوم، فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل اصابته جائحة «٤» فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك. ورجل اصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه ان قد أصابته فاقة وان قد حلت له المسألة، فيسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسائل سحت» .

стр. 248

وقال ﵇ «من سأل من غير فقر فانما يأكل الجمر» «٥» ، وقال صلى الله عليه «٦» : «الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى» «٧» . فأما الفصل بين الغني والفقير فقد جاءت الروايات فيه بأحوال مختلفة ففي بعضها السداد والقوام من العيش وفي البعض انه الغداء والعشاء وفي البعض انه مالك خمسين درهما أو بحسابها من الذهب، وفي البعض أوقية من ورق، والاوقية المأخوذ بها والتي تعمل الفقهاء عليها أربعون درهما. وقد ذهب الى كل ذلك قوم وقال بعضهم: في العوام من العيش انه عقدة القيم «٨» الرجل وعياله سنتهم فاذا ملك هذه العقدة فهناك تحرم عليه الصدقة. وكان سفيان يأخذ في الغنى انه مالك خمسين درهما وأرى ان مالك بن

стр. 249

انس «٩» يقول: بالاوقية، وقالوا: ان ذلك يكفه اذا كانت فضلا عن مسكنه الذي يأويه ويأوي عياله ولباسهم الذي غناء بهم عنه، ومملوك ان دعتهم الحاجة اليه. وقد روي عن الحسن، انه سئل عن الرجل تكون له الدار والخادم هل ذلك مانع له من الصدقة، فقال: يأخذها ان احتاج ولا حرج عليه. وروي عن عمر بن عبد العزيز «١٠» : انه كتب في الغارمين «١١» ان يقضي عنهم فكتب اليه انا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والاثاث. فكتب عمران المسلم لابد له من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الاثاث في بيته، وأمر بأن يقضى عمن هذه سبيله، وقد يكون أيضا من الناس المحدود والمحروم من الرزق وهو المحارف «١٢» فاذا كان الانسان كذلك مع اجتهاده في السعي لعياله فأن له حقا في أموال المسلمين لقول الله ﵎ «١٣» «وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» . وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام «١٤» : ان ابن عباس كان يفسر هذه الآية بأن المحروم، هو المحارف. وقال بعض أهل العراق: ان الصدقة تحل لمن يملك أقل من مائتي درهم، ولو بدرهم واحد، واحتج بحديث «١٥» رسول الله صلى الله «١٦» حين قال: «ان الصدقة

стр. 250

تؤخذ من أغنيائهم فترد الى فقرائهم» «١٧» وان الفقير هو الذي لا تجب «١٨» عليه الصدقة ومن كان ملكه أقل من مائتي درهم بدرهم واحد لم تجب «١٩» الصدقة عليه. وقال أبو عبيد «٢٠» القاسم بن سلام: أمر عمر بن عبد العزيز الفقهاء أن يكتبوا له السنة في الثمانية الاسهم التي ذكرها الله في كتابه فكتب: «ان سهم الفقراء نصفه لمن غزا منهم في سبيل الله، أول غزوة حين يفرض له من الامداد، وأول عطاء يأخذونه ثم تقطع عنهم بعد ذلك الصدقة، ويكون سهمهم من الفيء. والنصف الثاني للفقراء الذين لا يغزون مثل الزمنى والمكث الذي يأخذون العطاء. وسهم المساكين فالنصف منه لكل مسكين به عاهة «٢١» لا يستطيع معها حيلة ولا تقلبا [في الارض] «٢٢» والنصف الثاني للمساكين الذين يستطعمون ويسألون ومن في السجون من أهل الاسلام ممن ليس له أحد. وسهم العاملين عليها فلمن «٢٣» سعى على الصدقات بأمانة وعفاف يعطي على قدر ولائه وما يجمعه من مال الصدقة ولعماله على قدر ولايتهم وجمعهم ولعل ذلك يبلغ قريبا من ربع هذا السهم. ويرد الذي يبقى بعد الذي يعطى عماله على من يغزو

стр. 251

من الامداد «٢٤» والمشترطة «٢٥» وسهم المؤلفة قلوبهم لمن يفترض «٢٦» له من امداد الناس أول عطاء يعطونه ومن يغزوا مشترطا ممن لا عطاء له وهم فقراء ومن يحضر المساجد من المساكين الذين لا عطاء لهم، ولا سهم ولا يسألون الناس وسهم الرقاب، نصفان لكل مكاتب يدعي الاسلام وهم على أصناف شتى، فلفقهائهم في الاسلام فضيلة ولمن سواهم منهم منزلة اخرى على قدر ما أدى كل واحد منهم من الكتابة وما بقى «٢٧» عليه. والنصف الباقي تشترى به رقاب ممن قد صلى وصام وقدم في الاسلام من ذكر وانثى ثم يعتقون. وسهم الغارمين على ثلاثة أقسام منهم صنف لمن يصاب في سبيل الله في ماله وظهره، ورقيقه وعليه دين ولا يجد ما يقضيه منه ولا ما يستنفق الا بدين. والصنفان الاخران لمن يمكث ولا يغزوا وهو غارم «٢٨» قد أصابه فقر وعليه دين لم يكن منه شيء في معصية الله لا يتهم في دينه، أو قال ذنبه. وسهم في سبيل الله فمنه لمن فرض له ربع هذا السهم ومنه للمشترط الفقير ربع هذا السهم ومنه لمن تصيبه الجائحة٢» في ثغره ولمن هو غاز في سبيل الله. وسهم ابن السبيل يقسم ذلك لكل طريق على قدر من يسلكه ويمر به من الناس لكل رجل «٣٠» من ابن السبيل ليس له مأوى ولا أهل يأوى اليهم ويطعم «٣١» حتى يجد منزلا أو يقضى حاجته ويجعل في منازل معلومة على أيدي امناء لا يمر بهم ابن سبيل به حاجة الا آووه وأطعموه، وعلفوا دابته حتى ينفذ ما بأيديهم.

стр. 252

الباب التاسع عشر في فتوح النواحي والامصار أول الفتوح وأجلها المدينة التي اليها كان مهاجر رسول الله ﵇ «١» . وقالت عائشة، قال رسول الله ﷺ : ما يفتح من مصر أو مدينة عنوة فان المدينة فتحت بالقرآن. وقال صلى الله عليه «٢» : «ان لكل نبي حرما واني حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة، ما بين حرميها لا يحتل خلاها «٣» ولا يعضد «٤» شجرها ولا يحمل فيها السلاح لقتال فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرف ولا عدل «٥» ) . وروى عن جعفر بن محمد عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه، حرم من الشجر ما بين أحد الى عير واذن لصاحب الناضج في العصى وما تصلح به محاربه وعربه ودعا [﵇] «٦» للمدينة وأهلها وسماها طيبة.

стр. 253

اموال بني النضير من اليهود كان هؤلاء اليهود غدروا برسول الله صلى الله عليه «٧» ، وقد أتاهم في بعض حاجاته وهموا أن يلقوا عليه رحى فانصرف عنهم وبعث اليهم يأمرهم بالجلاء عن المدينة فأقاموا وأذنوا بحرب فزحف ﵇ اليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة ثم صالحوه على أن يخرجوا من بلده ولهم ما حملت الابل إلا الحلقة وهي الدروع والاله وسائر السلاح فكانت أموالهم خالصة له وذلك في سنة أربع من الهجرة. أموال بني قريظة كانت بين رسول الله «٨» وبينهم موادعة عقدها حيي بن أخطب على الا يظاهروا عليه أحدا وجعلوا الله على ذكر ذلك كفيلا، فنكثوا وأعانوا عليه الاحزاب في غزوة الخندق فلما فرغ من أمر الاحزاب قصدهم فحصرهم خمس عشرة ليلة «٩» ثم انهم نزلوا على حكمه فحكم فيهم سعد بن معاذ الاوسي، فحكم بقتل من جرت عليه المواسي وبسبي النساء والذرية، وأن يقسم مالهم بين المسلمين فأجازوا رسول الله ذلك وقال: لقد حكمت بحكم الله من سبعة أرفقه ثم عرضوا على رسول الله، فمن كان منهم محتلما أو قد أنبت على السهام قتل «١٠» ، ومن كان دون ذلك استبقى وقسم «١١» أرضهم بين المسلمين.

стр. 254

خيبر قالوا: غزاها رسول الله ﷺ سنة سبع [للهجرة] «١٢» فطاوله أهلها وماكثوه وقاتلوه فحصرهم «١٣» قريبا من شهر، ثم أنهم صالحوه على حقن دمائهم وترك ذراريهم وعلى أن يجلوا «١٤» ويخلوا بينه وبين الارض، والصفراء والبيضاء، والحلقة وسائر البزة «١٥» ، الا ما على أجسادهم والا يكتموه شيئا، فخمس رسول الله صلى الله «١٦» عليه الغنيمة من الارض وغير ذلك، وقسم الباقي بين المسلمين، وكانت من أرض خيبر «١٧» الكتيبة بحق الخمس، والشق والنطاة وسلالم والوطيحة للمسلمين ولم يكن للمسلمين فراغ للقيام على الارضين فدعا رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٨» من نزل على الجلاء من أهل خيبر الى القيام بها على أن يكفوا العمل فيها ولهم النصف وللمسلمين النصف من الزرع والنخل، وكان عبد الله بن رواحة يصير اليهم في كل سنة فيخرص عليهم ثم يخيرهم بين أن يخرص ويختاروا أو يخرصوا ويختار فقالوا: بهذا قامت السماوات والارض، فلما كانت خلافة عمر أجلاهم ودفع الارض الى من كان له فيها سهم من المسلمين.

стр. 255

أمر فدك بعث رسول الله ﷺ ، بعد منصرفه من خيبر الى أهل فدك يدعوهم الى الاسلام فصالحوه ﵇ على نصف الارض بتربتها فقبل ذلك منهم فكان النصف من فدك خالصا له لانه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب «١٩» . وكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل. ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر اليهود فوجه اليهم من قوم نصف التربة بقيمة عدل فدفعها الى اليهود وأجلاهم الى الشام. وكان لما قبض رسول الله عليه «٢٠» السلام: قالت فاطمة: رضوان الله عليها: لابي بكر [ان] «٢١» رسول الله جعل لي فدكا فأعطني أياها، وشهد لها علي بن أبي طالب رضوان «٢٢» الله عليه فسألها شاهدا آخر فشهدت لها أم أيمن «٢٣» مولاة النبي صلى الله عليه «٢٤» ، فقال: قد علمت يا بنت رسول الله انه لا تجوز إلا شهادة رجل وامرأتين «٢٥» فانصرفت. ولما ولي عمر بن عبد العزيز خطب الناس وقص قصة فدك وخلوصها: كان لرسول الله [﵇] «٢٦» فدك وانه كان ينفق منها ويضع فضلها في

стр. 256

أبناء السبيل وذكر ان فاطمة [﵍] «٢٧» سألته أن يهبها لها فأبى وانه لما قبض ﵇ فعل أبو بكر وعمر فعله ثم لما ولى معاوية أقطعها مروان بن الحكم [جاء في كتاب نسمة السحر: ان معاوية اقطع ثلثها مروان بن الحكم وثلثها عمر بن عفان وثلثها يزيد بن معاوية وذلك بعد موت الحسن ج ٢ ص ٧١ (مخطوط) ] وان مروان وهبها لعبد العزيز [هو والد عمر بن عبد العزيز] ولعبد الملك، ابنيه ثم انها صارت له وللوليد وسليمان وانه لما ولى الوليد سأله فوهبها له. وسأل سليمان حصته فوهبها له أيضا فاستجمعها، وقال: انه ما كان له مال أحب اليه منها، وقال: اشهدوا انني قد رددتها الى ما كانت عليه. ولما كانت سنة عشرين ومائتين أمر المأمون بدفعها الى ولد فاطمة رضى الله عنها، كانت سنة عشرين ومائتين أمر المأمون بدفعها الى ولد فاطمة رضى الله عنها، وكتب الى قثم بن جعفر عامله على المدينة بأنه قد كان رسول الله ﵇ «٢٨» أعطى ابنته فاطمة فدك وتصدق بها عليها وان ذلك كان أمرا ظاهرا معروفا عنه آله ﵇. ولم تزل تدعى منه «٢٩» ما هو أولى من صدق عليه وانه قد رأى ردها الى ورثتها وتسليمها الى محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [﵇] ٣» ومحمد بن عبد الله بن الحسن «٣١» بن علي بن أبي طالب [﵇] «٣٢» ليقوما بها لاهلها. ولما استخلف المتوكل ردها الى ما كانت عليه [قبل المأمون] .

стр. 257

أمر وادي القرى قالوا: أتى رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٣٣» منصرفة من خيبر [الى] «٣٤» وادي القرى فدعا أهلها وهم يهود الى الاسلام فامتنعوا من ذلك وقاتلوا ففتحها عنوة وغنمه الله ﵎ أموال أهلها، وأصاب المسلمون بها أثاثا ومتاعا فخمس رسول الله ﵇ «٣٥» ذلك وترك الارض والنخل في أيدي من كان بها وعاملهم على نحو مما عامل عليه أهل خيبر، فلما كانت أيام عمر بن الخطاب وأجلى اليهود قيل انه أجلاهم فيمن أجلى، وقيل انه لم يجلهم لان وادي القرى خارج عن الحجاز، وكان قتال النبي «٣٦» ﵇ أهل وادي القرى في جمادي الاخرة سنة سبع. أمر تيماء لما بلغ تيماء ما وطئ به رسول الله «٣٧» ﵇ أهل وادي القرى صالحوه على الجزية فأقاموا ببلادهم وأرضوهم في أيديهم. ولما أجلى عمر اليهود قيل انه أجلاهم مع أهل فدك وخيبر.

стр. 258

مكة قالوا: لما هادن رسول «٣٨» الله ﵇، قريشا عام الحديبية على أن يأمن بعضهم بعضا، وانه من أحب أن يدخل في عهد قريش دخل. كانت كنانة فيمن دخل في عهد قريش وخزاعة في عهد النبي ﵇ «٣٩» . ثم ان رجلا من خزاعة سمع رجلا من كنانة ينشد هجاء [في] «٤٠» رسول الله ﵇ «٤١» فوثب عليه فشجه فهاج ذلك بينهم الشر وأعانت قريش بني كنانة وخرج معهم رجال فبيتوا خزاعة وهم غازون فكان ذلك مما نقضوا به العهد وقدم على رسول الله ﵇ «٤٢» عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي فقال: [لاهم] «٤٣» اني ناشد محمدا ... حلف أبيه وأبينا الأتلدا فانصر هداك الله نصرا أبدا ... وأدع عباد الله يأتوا مددا وانما قال: الأتلدا لانه كان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم فلما أحست قريش وبان «٤٤» فعلها قالوا: لابي سفيان بن حرب انطلق فاجد الحلف واصلح بين الناس فقدم المدينة فلقي أبا بكر فقال له: يا أبا بكر

стр. 259

أجد الحلف واصلح بين الناس فقال أبو بكر «٤٥» : قطع الله ما كان منه متصلا وابلى ما كان منه جديدا، فقال أبو سفيان: ما رأيت شاهد عشيرة شرا منك فانطلق الى فاطمة، فقالت له: ألق عليا، فلقيه فذكر له مثل ما ذكر لابي بكر، فقال له: «أنت سيد قريش فأجد الحلف واصلح بين الناس» فضرب أبو سفيان يمينه على شماله، وقال: «قد جددت الحلف واصلحت بين الناس» . ثم انطلق حتى أتى مكة. وقد كان النبي ﵇ «٤٦» ، قال: ان أبا سفيان قد أقبل وسيرجع راضيا بغير قضاء حاجة، فلما رجع الى أهل مكة أخبرهم الخبر، فقالوا: «تالله ما رأينا أحمق منك ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بسلام فنأمن» . وجاءت خزاعة تشكوا ما أصابهم فقال رسول الله: «اني قد أمرت بأحدى القريتين، مكة، والطائف» «٤٧» . وخرج في أصحابه فقال: «اللهم اضرب على آذانهم فلا يسمعوا حتى نبغتهم «٤٨» بغتة» . وأغذ السير «٤٩» حتى نزل (مر الظهران) وقد كانت قريش، قالت: لابي سفيان، ارجع، فلما بلغ [مر] «٥٠» الظهران رأى النيران والاخبية، قال: ما شأن الناس كأنهم أهل عرفة، وغشيته خيول رسول الله فأخذوه

стр. 260

أسيرا، فأتى به النبي صلى الله عليه «٥١» . وجاء عمر فأراد قتله فمنعه العباس وأسلم فدخل على رسول الله، فلما كان عند صلاة الصبح تحشحش الناس وضوءا للصلاة «٥٢» ، فقال أبو سفيان: للعباس بن عبد المطلب، ما شأنهم أيريدون قتلي، قال: لا، ولكنهم قاموا للصلاة، فلما دخلوا في صلاتهم رآهم اذا ركع رسول الله، ركعوا، واذا سجد سجدوا، فقال: تالله ما رأيت كاليوم طواعية، قوم جاءوا من هاهنا، ومن هاهنا، ولا فارس الكرام، ولا الروم ذوات القرون، فقال العباس: يا رسول الله، ابعثني الى أهل مكة، أرغبهم في الاسلام، فبعثه ثم بعث في أثره، فقال: ردوا عليّ عمي لا يقتله المشركون فأبى أن يرجع حتى أتى مكة، فقال: أي قوم أسلموا تسلموا أتيتم، اتيتم، واستبطنتم باشهب بازل، هذا خالد بأسفل مكة وهذا الزبير بأعلاها وهذا رسول الله في المهاجرين والانصار، وخزاعة، فقالت قريش: وما خزاعة المجدعة الانوف «٥٣» . وجمعت قريش أوباشها وأتباعها وقالوا: نقدم هؤلاء فان أصابوا ظفرا كنا معهم وان أصيبوا أعطينا الذي نسأل «٥٤» ، فقال رسول الله: للانصار وقد كان جمعهم، وقال لابي هريرة لما بعثه لجمعهم، لا يأتيني الا أنصاري، فكانوا مطيفين به من سائر الناس أترون أوباش «٥٥» قريش، قالوا نعم، فقال: باحدى

стр. 261

يديه على الاخرى يشير ان اقتلوهم ثم قال: «وافوني بالصفا» فانطلقوا، فما يشاء أحد أن يقتل أحد الا قتله، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت «٥٦» خضراء «٥٧» قريش [فلا قريش] «٥٨» بعد اليوم، فقال رسول الله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن» «٥٩» . فقال بعض الانصار أدركت الرجل رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته، وجاء رسول الله صلى الله عليه «٦٠» الوحي، وكان اذا جاءه لم يخف علينا، فقال: يا معشر الانصار قلتم كذا، قالوا: قد كان ذلك يا رسول الله، قال: كلا اني عبد الله ورسوله، هاجرت الى الله واليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، فجعلوا يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلناه الا للضن برسول الله. وأقبل الناس الى دار أبي سفيان وأغلقوا أبوابهم ووضعوا أسلحتهم، وأقبل رسول الله ﵇ الى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت وأتى على صنم كان الى جنب الكعبة وفي يده قوس فأخذ بسيتها وجعل يطعن في عيني الصنم ويقول «جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا» «٦١» .

стр. 262

ولما فرغ ٦» من طوافه أتى الصفا فعلاه حتى نظر الى البيت ثم رفع يديه يحمد الله ويدعوه وقد جاء في بعض الروايات، ان رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٦٣» : قال: يوم فتح مكة، لا يتبعن مدبر ولا يجهزن «٦٤» على جريح، ولا يقتلن أسير. وكانت غزوة الفتح في شهر رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله بمكة الى الفطر، ثم توجه لغزوة حنين، وولي مكة عتاب بن اسيد بن أبي العيص، ابن أمية، وأمر رسول الله ﵇ «٦٥» ، بهدم الاصنام ومحو الصور التي كانت في الكعبة. وقال «٦٦» : اقتلوا ابن خطل «٦٧» ولو كان متعلقا باستار الكعبة فقتله، أبو برزة الاسلمي وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله فقتلت احداهما. ويقال: في الاخرى انها بقيت حتى كسرت لها في أيام عثمان ضلع فماتت. وفي حديث آخر ان قينة، هلال بن عبد الله وهو ابن خطل «٦٨» الادرمي جاءت الى النبي [صلى الله عليه] «٦٩» متنكرة فأسلمت وبايعت وهو لا يعرفها، فلم يعرض لها فأسلم عبد الله بن الزبعرى السهمي قبل أن يقدر عليه وكان النبي صلى الله عليه «٧٠» قد أباح في يوم الفتح دمه. وخطب رسول الله يوم فتح

стр. 263

مكة. فقال «٧١» «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصره جنده، وهزم الاحزاب وحده، الا ان كل مأثرة كانت في الجاهلية، وكل دم، وكل دعوى موضوعة تحت قدمي الا سدانة البيت وسقاية الحاج» «٧٢» . وقال رسول الله في خطبته «الا ان مكة حرام ما بين أخشبيها ولم يحل لاحد قلبي ولا يحل لاحد بعدي [ولم تحل لي الا] «٧٣» ساعة من نهار، لا يختلى خلاها ولا يعضد عضاها ولا ينفر صيدها ولا يلتقط لقطتها الا أن يعرّف- أو يعرف-» . فقال العباس «الا الاذخر فانه للقيون وطهور البيوت، فقال النبي: الا الاذخر» . وفي حديث آخر ان النبي ﵇ قال «٧٤» «مكة حرام لا يحل بيع رباعها «٧٥» ولا أجور بيوتها» وفي حديث آخر مرفوع الى عائشة انها قالت «٧٦» : «قلت لرسول الله أبن لك بناء يظلك من الشمس بمكة، فقال: لا انما هي مناخ من سبق» «٧٧» .

стр. 264

وقال بعض المفسرين في قوله «سواء العاكف فيه، والباد» ، البادى من يخرج من الحاج والمعتمرهم سواء في المنازل ينزلون «٧٨» حيث شاءوا غير انه لا يخرج أحد من بيته. وقد جاءت عن كثير من الائمة أحاديث في تسوية الثبور بين أهل مكة وغيرهم ممن «٧٩» يحج وكراهية ايجاد الابواب، على دورها حتى ينزل البادي حيث شاء ورخص أكثر فقهاء الحجاز وغيرهم في ذلك وفيما أبنته الناس بمكة، أن يتناول منه مثل البقل وسائر الزروع، ورخص في الرعي، أن يرعى اذا لم يحتش منه ورخص عطاء في القضيب للسواك وما جرى مجراه. أمر الطائف قالوا: لما هزمت هوازن يوم حنين أتى فلهم أوطاس فبعث اليهم رسول الله ﵇ أبا عامر الاشعري فقتل، فقام بأمر الناس أبو موسى عبد الله بن قيس الاشعري وأقبل المسلمون الى اوطاس فلما رأى ذلك، مالك أبن عوف البصري [أحد بني دهمان] «٨٠» بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان رئيس هوازن يومئذ هرب الى الطائف فوجد أهلها مستعدين للحصار، فأقام بها وسار رسول الله ﵇ «٨١» بالمسلمين حتى نزل على الطائف فرمتهم ثقيف وحاصرهم رسول الله خمس عشرة ليلة ونزل اليه

стр. 265

رقيق أهل الطائف، منهم أبو بكرة «٨٢» بن مسروح مول رسول الله واسمه (نفيع) ومنهم الازرق الذي نسبت اليه الازارقة من الخوارج اليه وكان عبدا روميا حدادا، وهو أبو نافع الازرق «٨٣» فعتق من نزل بنزولهم. ثم ان رسول الله صلى الله عليه «٨٤» انصرف «٨٥» الى الجعرانة ليقسم سبي أهل حنين «٨٦» وغنائمهم، فخافت ثقيف أن يعود اليهم فبعثوا اليه وفدهم فصالحوا على أن يسلموا ويقروا على ما في أيديهم من أموالهم وركازهم فاشترط رسول الله عليهم «٨٧» : الا يحشروا ولا يعشروا، ولا يعبر طائفهم ولا يؤمر عليهم الا رجل منهم واشترط عليهم ان [لا] «٨٨» يكون مالهم من رباء أدى اليهم رؤوس أموالهم دونه وكانوا أصحاب رباء وكانت الطائف تسمى (وجّ) فلما حصنت وبنى سورها سميت الطائف. امر تبالة وجرش قالوا: أسلم أهل تبالة وجرش من غير قتال، فأقرهم رسول الله على ما أسلموا عليه وجعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا واشترط عليهم ضيافة المسلمين وولى أبا سفيان بن حرب، جرش.

стр. 266

تبوك وأيلة «٨٩» واذرح ومقنا والجرباء قالوا: لما توجه رسول الله ﵇ الى تبوك من أرض الشام [لغزو] «٩٠» من انتهى اليه انهم قد جمعوا له من الروم وعاملة ولخم، وجذام وغيرهم وذلك في سنة تسع من الهجرة لم يلق كيدا وأقام بتبوك أياما فصالحه أهلها على الجزية. وأتاه وهو بها صاحب «٩١» أيلة فصالحه على أن جعل له من كل حالم بأرضه في السنة دينارا فبلغ ذلك ثلثمائة دينار، واشترط عليهم قرى من يمر بهم من المسلمين، وكتب لهم كتابا ان يحفظوا ويمنعوا، فكان عمر بن عبد العزيز لا يزداد من أهل آئلة على ثلثمائة دينار شيئا، وصالح رسول الله ﵇ «٩٢» أهل أذرح على مائة دينار في كل رجب، وصالح أهل الجرباء على الجزية وكتب لهم كتابا وصالح أهل مقنا على ربع عروكهم- وهي خشب يصطاد عليه- وربع كراعهم وحلقتهم، قال الواقدي: ربع عروكهم وربع ثمارهم وأهل مقنا من اليهود. دومة الجندل بعث رسول الله صلى الله عليه «٩٣» ، خالد بن الوليد المخزومي سنة تسع من الهجرة الى اكيدر بن عبد الملك الكندي، ثم السكوني بدومة الجندل فأخذه أسيرا وقتل أخاه وقدم باكيدر على رسول الله ﵇ «٩٤»

стр. 267

فكتب له ولاهل دومة كتابا بالصلح نسخته (هذا كتاب من محمد رسول الله لاكيدر، حين أجاب الى الاسلام، وخلع الانداد والاصنام «٩٥» ، ولاهل دومة ان لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي واغفال الارض، والحلقة والسلاح، والحافر، والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها عليكم، بذلك عهد الله والميثاق [ولكم] «٩٦» به الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين) «٩٧» . تفسير ذلك: الضاحي البارز، والضحل الماء القليل، والبور الارض التي لا تحرث، والمعامي «٩٨» ، البلاد المجهولة والاغفال «٩٩» التي لا آثار بها، والحلقة، والدروع، والحافز، الخيل، والبراذين، البغال والحمير، والحصن حصنهم. والضامنة، النخل الذي معهم في الحصن. والمعين، الظاهر من الماء الدائم، مثل ماء العيون ونحوها. وقوله لا يعدل سارحتكم «١٠٠» أي لا تصدق ما شيتكم الا في مراعيها ومواضعها لا نحشرها،

стр. 268

وقوله لا تعد فاردتكم يقول لا تضم الفاردة الى غيرها لتجتمع فتجب عليها الصدقة. ثم ان اكيدر وبعد قبض «١٠١» النبي ﵇ نقض العهد ومنع الصدقة وخرج من دومة الجندل، فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء سماه دومة. وأسلم حريث بن عبد الملك، أخوه على ما في يده فسلم ذلك له، وزوج يزيد بن معاوية لعبد الله ابنته وكتب أبو بكر، الى خالد بن الوليد، وهو بعين التمر يأمره أن يسير الى أكيدر فسار اليه فقتله وفتح دومة. صلح نجران قالوا: أتى رسول الله ﷺ ، السيد، والعاقب وافدا أهل نجران «١٠٢» فسألاه الصلح فصالحهما عن أهل نجران على ألفي حلة، ألف منها في صفر وألف منها في رجب ثمن كل حلة أوقية، والاوقية وزن أربعين درهما فأن أدوا حلة بما فوق الاوقية حسب لهم فضلها، وان أدوا بما دون الاوقية، أخذ منهم النقصان، على ان يقبل «١٠٣» منهم ما أعطوه من سلاح أو خيل أو ركاب، أو عرض من العروض بقيمته قصاصا من الحلل وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله ﵇ شهرا، فما دونه ولا يحبسون فوق الشهر، وعلى أن عليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا ان كان باليمن كيد، وان ما هلك من تلك العارية فالرسل ضامنون له حتى يؤدوه، وجعل لهم ذمة الله وعهده الا يفتنوا عن دينهم ومراتبهم، ولا يحشروا، ولا يعشروا «١٠٤» ، واشترط الا يأكلوا الربا،

стр. 269

ولا يتعاملوا به فما زال «١٠٥» أمرهم جاريا على هذا في خلافة أبي بكر، فلما استخلف عمر، قيل: انهم أصابوا الربا وكثروا فخافهم على الاسلام، فأجلاهم، وكتب لهم بأن من وقعوا بأرضه من أهل العراق، والشام فليوسع لهم من خريب «١٠٦» الارض، وقال قوم: من خريب الارض ما اعتملوا من شيء فهو لهم فكان أرضهم باليمن، فتفرقوا فنزل بعضهم «١٠٧» النجرانية بناحية الكوفة، ودخل يهود نجران مع النصارى في الصلح اذ كان اليهود كالاتباع لهم. فلما استخلف عثمان بن عفان، كتب الى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو عامله على الكوفة «أما بعد فان العاقب، والاسقف، وسراة أهل نجران، أتوني بكتاب رسول الله ﵇، وأروني شرطا من عمر، وقد سألت عنه أبن حنيف «١٠٨» فأنبأني انه كان بحث عن أمرهم فوجده ضارا للدهاقين لروعهم «١٠٩» عن أرضهم، واني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله وعقبى لهم «١١٠» من أرضهم، واني أوصيك بهم فأنهم قوم لهم ذمة» . فكان صاحب النجرانية بالكوفة يبعث رسله الى جميع من بالشام «١١١» والنواحي من أهل نجران يجبونهم ما يقسمه «١١٢» عليهم لاقامة الحلل فلما كانت أيام معاوية أو يزيد شكوا اليه

стр. 270

تفرقهم وموت من مات واسلام من أسلم منهم وأحضروه كتاب عثمان بما حطه عنهم، وقالوا: قد أزددنا ضعفا «١١٣» فوضع عنهم مائتي حلة اخرى، تتمه أربعمائة حلة، فلما ولى الحجاج بن يوسف العراق، وخرج عليه ابن الاشعث اتهم الدهاقين بموالاته فردهم الى ألف وثمانمائة حلة. ثم لما ولى الامر عمر بن عبد العزيز شكوا اليه فناءهم والحاح الاعراب عليهم وظلم الحجاج أياهم، فأمر باحصائهم فوجدوا على العشر من عدتهم الاولى، فقال: أرى هذا الصلح انما هو عن جزية رؤوسهم وليس هو بصلح عن أرضهم وجزية الميت والمسلم ساقطة فألزمهم مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم. فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق في أيام الوليد بن يزيد ردهم الى أمرهم الاول عصبية للحجاج. فلما استخلف أبو العباس «١١٤» عمدوا الى طريقه «١١٥» فألقوا فيه الرياحين ونثروا عليه فأعجبه ذلك من فعلهم ثم انهم رفعوا اليه أمرهم، وأعلموه قلتهم وما كان من أمر عمر بن عبد العزيز، ويوسف بن عمر ومتوا اليه بخؤولته في بني الحارث بن كعب وتكلم فيهم عبد الله بن الربيع الحارثي، وصدقهم الحجاج بن ارطاة، فردهم الى مائتي حلة قيمتها ثمانية آلاف درهم. ثم لما حج الرشيد وشخص الى الكوفة رفعوا اليه وشكوا أعنات العمال اياهم، فكتب لهم بالمائتي حلة كتابا وأمر أن يعفوا من معاملة العمال وأن يكون مؤداهم في بيت المال بالحضرة.

стр. 271

اليمن قالوا: لما بلغ أهل اليمن ظهور رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١١٦» وعلو حقه، أتته وفودهم فكتب لهم كتابا باقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضيهم وركازهم «١١٧» فأسلموا ووجه اليهم رسله وعماله لتعريفهم «١١٨» شرائع الاسلام وسنته، وقبض صدقاتهم وجزية رؤوس من أقام على النصرانية واليهودية والمجوسية منهم. وكان ممن وجه من العمال المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فولاه صنعاء فقبض ﵇ وهو عليها، وقال قوم: انما ولي المهاجر صنعاء، أبو بكر وولى خالد بن سعيد مخاليف أعلى اليمن. وقال هشام بن الكلبي، والهيثم بن عدي: ولي «١١٩» رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٢٠» المهاجر كندة، والصدف، فلما قبض رسول الله كتب أبو بكر الى زياد بن لبيد البياضي بولاية كندة والصدف الى ما كان يتولاه «١٢١» من حضرموت. وولي المهاجر، صنعاء ثم كتب اليه بانجاد زياد بن لبيد، ولم يعزله عن صنعاء وأجمعوا جميعا، على ان رسول الله ﷺ ، ولي زياد بن لبيد حضرموت، وولى رسول الله أبا موسى الاشعري، زبيد، ورمع، وعدن، والساحل. وولي معاذ بن جبل، الجند وصير اليه القضاء، وقبض جميع الصدقات باليمن. وولي نجران، عمرو بن حزم الانصاري، ويقال: انه ولي أبا سفيان، نجران بعد عمرو ابن حزم.

стр. 272

عمان لما كانت سنة ثمان من الهجرة، بعث رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٢٢» أبا زيد الانصاري، واسمه فيما ذكر الكلبي، قيس بن يزيد ابن حزام، وقال: غيره غير ذلك، وهو أحد من كان يجمع القرآن على عهد رسول الله ﵇ الى عمان، وكان الاغلبيين عليها الازد، وكان بها من غيرهم بشر كثير في البوادي وبعث عمرو بن العاص السهمي، الى عبيد، وجيفر ابني الجلندي «١٢٣» ، بكتاب منه يدعوهما الى الاسلام، وقال: ان أجاب القوم الى شهادة الحق، وأطاعوا الله ورسوله فعمرو الامير وابو زيد على الصلاة، وأخذ شرائع الاسلام على الناس، فلما قدم أبو زيد وعمرو، عمان وجدا عبيدا وجيفرا بصحار على ساحل البحر فأوصلا كتاب النبي صلى الله عليه [وسلم] «١٢٤» اليهما، فأسلما ودعوا العرب هناك الى الاسلام فأجابوا اليه ورغبوا فيه، فلم يزل عمرو وأبو زيد بعمان «١٢٥» ، الى ان قبض رسول الله. ويقال: ان أبا زيد قدم المدينة قبل ذلك. ثم ارتدت الازد، عند وفاة النبي [﵇] «١٢٦» وعليها لقيط «١٢٧» بن مالك ذو التاج، وانحازت الى دبا «١٢٨» فوجه أبو بكر اليهم حذيفة بن

стр. 273

محصن البارقي من الازد، وعكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي، فواقعا لقيطا ومن معه، فقتلاه وسبيا من أهل دبا سبيا بعثا به الى أبي بكر. ثم ان الازد رجعت الى الاسلام، وارتدت طوائف من أهل عمان، ولحقوا بالشجر فسار اليهم عكرمة فظفر بهم وأصاب منهم مغنما وقتل منهم بشرا وجمع [منهم] «١٢٩» قوما من مهرة بن حيدان جمعا، فأتاهم عكرمة فلم يقاتلوه وأدوا الصدقة، وولى أبو بكر حذيفة بن محصن عمان فمات أبو بكر وهو وال عليها، ثم صرف ووجه الى اليمن. ولم تزل عمان مستقيمة الامر يؤدي أهلها صدقات أموالهم ويؤخذ ممن بها من الذمة جزية رؤوسهم الى ان كانت خلافة الرشيد، فولاها عيسى بن جعفر بن سلمان بن علي بن العباس فخرج اليها بأهل البصرة، فجعلوا يفجرون بالنساء ويسلبونهن ويظهرون المعازف في طريقهم، فبلغ ذلك أهل عمان، وجلّهم شراة فحاربوه ومنعوه من دخولها. ثم قدروا عليه فقتلوه وصلبوه، وامتنعوا على السلطان فلم يعطوه طاعة وولوا أمرهم رجلا منهم. وذكر المدائني: ان عمر بن الخطاب كتب الى عامله بقسمة ما يؤخذ من عشور التمر والحب بعمان في فقراء أهلها. ومن سقط اليها من أهل البادية ومن أضافته اليها الحاجة والمسكنة وانقطاع السبل «١٣٠» .

стр. 274

امر البحرين كان في أرض البحرين، خلق كثير من عبد القيس، وافناء بكر بن وائل، وتميم، مقيمين «١٣١» في باديتها وكان على العرب بها، على عهد رسول الله، المنذر بن ساوى، أحد بني عبد الله بن دارم ابن مالك بن حنظلة، فوجه النبي ﵇ في سنة ثمان من الهجرة العلاء بن عبد الله بن عمار الحضرمي، حليف بني عبد شمس، الى البحرين ليدعو أهلها الى الاسلام أو الجزية «١٣٢» ، وكتب معه الى المنذر بن ساوى والى سيبخت مرزبان هجر، يدعوهما الى ذلك فأسلما وأسلم معهما جميع العرب وغيرهم، ولم يسلم في ذلك الوقت صالح عن أرضه، وكتب العلاء بينه وبينهم كتابا بأن: عليهم أن يكفونا العمل، ويقاسمونا على النصف، من الحب، والتمر وان على كل حالم منهم دينارا. وروي عن العلاء، انه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٣٣» الى البحرين. أو قال: الى هجر، فكتب آتي الحائط بين الاخوة قد أسلم بعضهم فأخذ من المسلم [العشر ومن المشرك الخراج، وروي ان العلاء بعث الى رسول الله] «١٣٤» مالا مبلغه ثمانون ألفا، وقيل: ان ما أتاه أكثر منه قبله ولا بعده، وكان قد ارتد، بعد وفاة النبي ﵇، من ولد قيس بن ثعلبة مع الحطم، وهو شريح بن ضبيعة بن عمرو بن مرثد «١٣٥» ، أحد بني قيس بن ثعلبة، وانما سمي الحطم لقوله «قد لفها الليل بسواق

стр. 275

حطم» «١٣٦» ، وارتد سائر من بالبحرين من ربيعة، وأمروا عليهم ابنا للنعمان ابن المنذر [يقال له منذر] «١٣٧» ، وأقام ابن الجارود، وهو بشر بن عمرو العبيدي ومن بايعه من قومه على الاسلام، وبلغ العلاء بن الحضرمي الخبر، فسار بالمسلمين حتى نزل جواثا، وهو حصن البحرين، فدلفت اليه ربيعة، فخرج اليها بمن معه من العرب والعجم، فقاتلها قتالا شديدا، وقتل الحطم وفض ذلك الجمع، فلحق المنذر بن النعمان، ومن نجا معه من فل ربيعة بالخط، فأتاها العلاء ففتحها وقتل المنذر ومن كان معه، ويقال: بل نجا فدخل المشقر وأرسل الماء حوله فلم يوصل اليه حتى صالح على أن يخلى المدينة فخلاها ولحق بمسيلمة فقتل معه، وتحصن المعكبر الفارسي صاحب كسرى الذي كان وجهه لقتل تميم «١٣٨» حين

стр. 276

عرضوا لعيره، واسمه دافيروز «١٣٩» بن جشيش، بالزارة «١٤٠» ، وانظم اليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف وامتنعوا من اداء الجزية، فأقام العلاء على الزارة فلم يفتحها في خلافة أبي بكر وفتحها في خلافة عمر، وذلك ان رجلا خرج منها مستأمنا فدل على شرب القوم وهو من العين الخارجة من الزارة، فسدها العلاء فلما رأوا ذلك صالحوه على ان له ثلث المدينة وثلث ما فيها من ذهب وفضة، وعلى ان يأخذ النصف مما كان لهم خارجا. وأتى الاخينس العامري، العلاء، فقال له: انهم لم يصالحوك عن ذراريهم وهم «١٤١» بدارين ودله كراز النكري على المخاضة اليهم، فلم يشعر أهل دارين الا بالتكبير، فخرجوا فقاتلوهم من ثلاثة أوجه، فقتلوا مقاتلتهم، وحووا الذراري والسبي، فلما رأى المكعبر «١٤٢» ذلك أسلم، وبارز البراء ابن مالك، مرزبان الزارة فطعنه فوق صلبه وصرعه، ثم نزل اليه فقطع يديه وأخذ سواريه ويلقما كان عليه ومنطقة فخمسه عمر لكثرته وكان أول سلب خمس في الاسلام. ولم يزل العلاء على البحرين حتى توفي سنة عشرين، فولى عمر بن الخطاب مكانه أبا هريرة الدوسي، ويروى ان عمر ولي أبا هريرة قبل موت العلاء، فأتى العلاء توج من أرض فارس عازما على المقام بها، ثم رجع الى البحرين فمات هناك، ويروى عن أبي هريرة، انه قال استعملني عمر على البحرين فاجتمعت لي اثنا عشر ألفا، فلما قدمت عليه، قال لي: يا عدو الله وعدو كتابه، سرقت مال الله، فقلت: لست بعدو الله ولا لكتابه، ولكني عدو من عاداهما، ولكن خيلا تناتجت وسهاما اجتمعت، قال: فأخذ مني اثنى عشر ألفا.

стр. 277

اليمامة قالوا: كانت اليمامة تدعى جو فصلبت امرأة في الجاهلية، يقال لها اليمامة بنت مر بن جديس على بابها، فسميت اليمامة، والله أعلم، وقالوا: لما كتب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٤٣» الى ملوك الافاق في سنة ست «١٤٤» من الهجرة، كتب الى هوذة «١٤٥» بن علي الحنفي، وأهل اليمامة يدعوهم الى الاسلام، وانفذ كتابه بذلك مع سليط بن قيس بن عمرو الانصاري، ثم الخزرجي، فبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٤٦» وفدهم وفي الوفد مجاعة بن مرارة فأقطعه رسول الله [صلى الله عليه] «١٤٧» أرضا مواتا سأله أياها، وكان فيهم أيضا مسيلمة الكذاب ثمامة بن كبير «١٤٨» بن حبيب. فقال مسيلمة: لرسول الله [ ﷺ ] «١٤٩» ان شئت خلينا لك الامر وبايعناك على انه لنا بعدك، فقال رسول الله ﵇ «١٥٠» لا ولا نعمة عين، ولكن الله قاتلك. وكان هوذة بن علي الحنفي، قد كتب الى النبي يسأله أن يجعل الامر له بعده،

стр. 278

على ان يسلم ويصير اليه فينصره، فقال رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «١٥١» : لا ولا كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل، فلما انصرف وفد بني حنيفة الى اليمامة ادعى «١٥٢» مسيلمة الكذاب النبوة وشهد له الرّجال بن عنفوة أحد الوفد، بأن رسول الله [ ﷺ ] «١٥٣» أشركه في أمره، فأتبعته بنو حنيفة وغيرهم ممن باليمامة، وكتب الى رسول الله [﵇] «١٥٤» مع عبادة بن الحارث أحد بني عامر بن حنيفة وهو ابن النوّاحة الذي قتله عبد لله بن مسعود بالكوفة لما بلغه انه وجماعة يؤمنون بكذب مسيلمة كتابا نسخته (من مسيلمة رسول الله، الى محمد رسول الله، أما بعد فأن لنا نصف الارض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم لا ينصفون والسلام عليك. وكتب عمرو بن الجارود الحنفي) . فكتب اليه رسول الله ﵇ (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي الى مسيلمة الكذاب: أما بعد، فأن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام على من اتبع الهدى، وكتب أبي بن كعب) . فلما تولى رسول الله ﵇، واستخلف أبو بكر. فأوقع بأهل الردة من أهل نجد وما والاها في أشهر يسيرة. بعث خالد بن الوليد المخزوني الى اليمامة وأمر بمحاربة الكذاب مسيلمة فلما شارفها ظفر بقوم من بني حنيفة فيهم مجاعة [بن مرارة بن سلمى فقتلهم واستبقى مجاعة] «١٥٥» وحمله معه موثقا، وعسكر خالد

стр. 279

على ميل من اليمامة فخرج اليه بنو حنيفة وفيهم الرّجال «١٥٦» ومحكم بن الطفيل بن سبيع «١٥٧» الذي يقال له محكم اليمامة فرأى خالد البارقة فيهم فقال يا معشر المسلمين قد كفاكم الله مؤونة القوم [و] «١٥٨» قد شهر [بعضهم] «١٥٩» السيوف على بعض. واحسبهم قد اختلفوا، ووقع بأسهم بينهم، فقال مجاعة: وهو في وثاقه، كلا ولكنها الهنداوية، وخشوا «١٦٠» تحطمها فأبرزها للشمس لتلين متونها، ثم التقى الناس فكان أول من لقيهم الرّجال «١٦١» بن عنفوة فقتله الله واستشهد وجوه الناس، وقراء القرآن. ثم ان المسلمين فاءوا وأثابوا وأنزل الله عليهم نصره فهزم أهل اليمامة وأتبعهم المسلمون يقتلونهم قتلا ذريعا، وقتل محكم والجأوا الكفرة الى الحديقة فسميت يومئذ (حديقة الموت) ، وقتل الله مسيلمة في الحديقة، وكان فيمن استشهد في الحديقة أبو دجانة سماك بن خرشة. وكانت الحرب قد نهكت المسلمين، فقال مجاعة: لخالد ان أكثر أهل اليمامة «١٦٢» لم يخرجوا [لقتالكم] «١٦٣» ، وانما قتلتم منهم القليل، وقد بلغوا منكم ما أرى وأنا [مصالحك] «١٦٤» عنهم، فصالحه على نصف السبي ونصف الصفراء

стр. 280

والبيضاء، والحلقة، والكراع، ثم ان خالد توثق منه وبعثه اليهم، فلما دخل اليمامة أمر الصبيان والنساء، ومن باليمامة من المشايخ، ان يلبسوا السلاح ويقوموا على الحصون، ففعلوا ذلك، فلم يشك خالد والمسلمون معه حين نظروا اليهم انهم مقاتلة، فقالوا: صدقنا مجاعة. ثم ان مجاعة خرج حتى أتى عسكر المسلمين، فقال: ان القوم لم يقبلوا ما صالحتك عليه عنهم، واستعدوا لحربك فهذه حصون العرض مملوءة رجالا، ولم أزل بهم حتى رضوا بأن يصالحوا على ربع السبي ونصف الصفراء والبيضاء «١٦٥» والكراع، فاستقر الصلح على ذلك ورضي به خالد وأمضاه وأدخل مجاعة خالدا اليمامة، فلما رأى من بها قال خدعتنا يا مجاع، وأسلم أهل اليمامة فأخذت منهم الصدقات. أمر الشام لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة، رأى توجيه الجيوش الى الشام فكتب الى أهل مكة، والطائف، واليمن، وجميع العرب بنجد «١٦٦» ، يستنفرهم للجهاد ويرغبهم في غنائم الروم، فسارع الناس اليه من بين محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل أوب، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال، لخالد بن سعيد بن العاص بن أمية، ولشرحبيل بن حسنة وهي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي، وكانت حسنة مولاة معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، ولعمرو بن العاص بن وائل السهمي. وكان عقده هذه الالوية، يوم الخميس غرة صفر سنة ثلاث عشرة، وذلك بعد مقام الجيش معسكرين بالجرف المحرم كله، وأبو عبيدة يصلي بهم،

стр. 281

وكان أبو بكر، أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من «١٦٧» ذلك، قالوا: ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد، كره ذلك عمر، وقال: انه رجل فخور سيجعل الامر على المغالبة والتعصب فبعث أبو بكر أبا أروى الدوسى، فأخذ اللواء منه ودفعه الى يزيد بذى الروة، فسار به أخوه معاوية يحمله بين يديه، وصار جيش خالد مع يزيد وسار خالد محتسبا في جيش شرحبيل. وتقدم أبو بكر الى عمرو بن العاص أن يسلك طريق آئلة عامدا لفلسطين. وأمر يزيد أن يأخذ طريق تبوك وكتب الى شرحبيل في أن يأخذ طريق تبوك أيضا. وكان العقد لكل أمير على ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الامداد حتى صار مع كل أمير منهم سبعة آلاف وخمسمائة رجل، ثم تتامّ جمعهم «١٦٨» بعد ذلك أربعة وعشرون ألفا. وروي الواقدي: ان أبا بكر ولي عمرا فلسطين، وشرحبيل الاردن ويزيد دمشق، وقال: اذا كان بكم قتال فأميركم من تكونون في عمله. وروي: انه أمر عمرا مشافهة أن يصلي بالناس اذا اجتمعوا واذا تفرقوا صلى كل أمير بأصحابه، وأمر الامراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم. وقالوا: فلما صار عمرو بن العاص الى أول عمل فلسطين كتب الى أبي بكر يعلمه كثرة عدد العدو وعدتهم وسعة أرضهم ونجدة مقاتلتهم، فكتب أبو بكر الى خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهو بالعراق، يأمره بالمسير الى الشام فقال قوم: انه جعله أميرا على الامراء في الحرب، وقال آخرون: بل كان أميرا على أصحابه الذين شخصوا من العراق معه وكان المسلمون اذا اجتمعوا

стр. 282

لحرب أمره الامراء فيها لبأسه وقوة مكيدته، فأول وقعة كانت بين المسلمين وعدوهم بقرية من قرى غزة يقال لها داثن كانت بينهم وبين بطريق «١٦٩» غزة، فأقتتلوا فيها قتالا شديدا. ثم ان الله أظهر أولياءه وهزم أعداءه وفض جمعهم وذلك قبل قدوم خالد بن الوليد عليهم. ثم بلغهم ان ستة قواد من الروم نزلوا العربة فسار اليهم أبو أمامة الصدي بن عجلان الباهلي، في كثف من المسلمين، فهزمهم، وقتل أحد القواد، ثم صاروا الى الدابية، فاتبعهم فهزمهم وغنم المسلمون غنما حسنا. ولم يمر المسلمون منذ فصلوا من الحجاز بشيء من الارض الى موضع الوقعة الا غلبوا عليه بغير حرب وصار في أيديهم. ورد كتاب أبي بكر، على خالد بن الوليد وهو بالحيرة فخلف المثنى ابن حارثة الشيباني على ناحية الكوفة، وسار في شهر ربيع الاخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة، ويقال: في ستمائة، ويقال في خمسمائة، وأتى عين التمر ففتحها عنوة، وأتى صندوداء وبها قوم من كندة، وأياد، والعجم، فقاتلوه فظفر بهم وخلف بها سعد بن عمرو بن حزام الانصاري فولده اليوم بها. وبلغه ان جمعا لبني تغلب «١٧٠» بالمضيّح، والحصيد مرتدين، وعليهم ربيعة بن بجير فأتاهم فقاتلهم فهزمهم وسبى وغنم وبعث بالسبي الى أبي بكر، فكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي «١٧١» أم عمر بن علي بن أبي طالب «١٧٢» . ثم أغار على مياه مر بها في طريقه منها

стр. 283

قرار وهو ماء لكلب، ومنها [الى] «١٧٣» سوى وهو ماء لهم أيضا. ومر بناحية قرقيسيا، فخرج اليه صاحبها في خلق فتركه وانحاز الى البر ومضى لوجهه فأتى أركة وهي- ارك- وأغار على أهلها وحاصرهم ففتحها صلحا على شيء أخذ منهم، وأتى دومة الجندل، ففتحها ثم أتى قصم فصالحه بنو مشجعة بن التيم «١٧٤» بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكتب لهم أمانا. ثم أتى تدمر من عمل حمص فأمتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الامان، فآمنهم على أن يكونوا ذمة وعلى أن يقروا «١٧٥» المسلمين، ورضخوا لهم، ثم أتى القريتين فقاتله أهلها فظفر وغنم ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه، وقد جاءهم مدد [أهل] «١٧٦» بعلبك، وأهل بصرى، وهي مدينة حوران، فظفر بهم فسبي وقتل ثم أتى مرج راهط، فأغار على غسان في يوم فصحهم وكانوا نصارى، فسبى وقتل ووجه بسر بن أبي ارطاة العامري من قريش، وحبيب بن مسلمة الفهري الى غوطة دمشق، فأغار على قرى من قراها وصار خالد الى الثنية «١٧٧» التي تعرف بثنية العقاب من دمشق، فوقف عليها ساعة ناشرا رايته وهي راية كانت لرسول الله ﵇، سوداء فسميت ثنية العقاب. يومئذ والعرب تسمى الراية عقابا، ونزل خالد الباب الشرقي، ويقال: احفظ لي هذا العهد فوعده ذلك. ثم سار حتى انتهى الى المسلمين وهم بقناة بصرى، ويقال: انه أتى الجابية وبها أبو عبيدة في جماعة من المسلمين فألتقيا ثم مضيا الى بصرى.

стр. 284

فتح بصرى قصبة حوران قالوا: لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين ببصرى «١٧٨» ، اجتمعوا عليها والصقوا بها وحاربوا بطريقها حتى الجأوه وكماة أصحابه اليها. ثم ان أهلها صالحوه على أن يؤمنوا على دمائهم، وأموالهم ويؤدوا الجزية، وزعم بعض الرواة، ان أهل بصرى صالحوا على أن يؤدوا عن «١٧٩» كل حالم دينارا، وجريب حنطة. وافتتح المسلمون جميع أرض كورة حوران، وغلبوا عليها. واتاهم صاحب اذرعات فطلب الصلح، على مثل ما صولح عليه اهل بصري، وعلى أن جميع أرض الثنية «١٨٠» أرض خراج، وسار يزيد بن أبي سفيان الى عمان ففتحها فتحا يسيرا على مثل صلح بصرى، وغلب على ارض البلقاء، وتوجه ابو عبيدة بن الجراح في جماعة كثيفة من المسلمين من أصحاب الامراء ضموا اليه، فأتى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو، فافتتحها صلحا على مثل صلح بصرى، وكان أبو عبيدة أمير الناس، حتى فتحت مدينة دمشق، الا ان الصلح كان لخالد بن الوليد واجاز ابو عبيدة صلحه. يوم اجنادين ثم كانت واقعة اجنادين فشهدها من الروم زهاء مائة الف سرب هرقل أكثرهم، وتجمع باقوهم من النواحي، وهرقل يومئذ مقيم بحمص فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا، ثم ان الله هزمهم ومزقهم كل ممزق، وقتل المسلمون منهم خلقا، واستشهد يومئذ من المسلمين جماعة «١٨١» وابلى خالد بن الوليد بلاء حسنا.

стр. 285

ولما انتهى خبر الوقعة الى هرقل، نخب قلبه وسقط في يده وملئ رعبا فهرب من حمص الى انطاكية. وقد ذكر قوم ان هربه من حمص الى انطاكية «١٨٢» كان عند قدوم المسلمين الشام، كانت واقعة اجنادين يوم الاثنين لاثنتي عشرة بقيت من جمادي الاولى سنة ثلاث عشرة، ويقال لليلتين خلتا منه. قالوا: ثم جمعت الروم جمعا بالياقوصة- وهو واد فمه الفوارة- فلقيهم المسلمون هناك، فهزموهم وقتلوا كثيرا منهم، ولحق فلهّم بمدن الشام، وتوفي أبو بكر في جمادي الاخرة سنة ثلاث عشرة فأتى المسلمين «١٨٣» نعيه، وهم بالياقوصة. يوم فحل من الاردن كانت وقعة فحل من الاردن لليلتين بقيتا من ذي القعدة، بعد خلافة عمر بن الخطاب بخمسة أشهر، وأمير الناس أبو عبيدة بن الجراح، لان عمر، قد كان كتب اليه بولاية الشام، وإمرة الامراء مع عامر بن أبي وقاص، أخي سعد بن أبي وقاص، وقوم يقولون: ولاية أبي عبيدة الشام، أتته والناس محاصرون دمشق، فكتمها خالدا أياما لان خالدا كان أمير الناس في الحرب. فقال له خالد: ما دعاك الى ما فعلت، فقال: كرهت أن أكسرك وأوهن أمرك وأنت بازاء عدوك. وكان سبب هذه الوقعة، ان هرقل لما صار الى انطاكية، استنفر الروم وأهل الجزيرة، وبعث عليهم رجلا من خاصته وثقاته فلقوا المسلمين بفحل من الاردن، فقاتلوهم قتالا شديدا حتى أظهرهم «١٨٤» الله عليهم، وقتل بطريقهم وزهاء عشرة آلاف منهم، وتفرق الباقون في مدائن الشام حتى سألوا الامان على اداء الجزية
следующие страницы →