Полный текст (617 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وكان أبو بكر، أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من «١٦٧» ذلك، قالوا:
ولما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد، كره ذلك عمر، وقال: انه رجل فخور سيجعل الامر على المغالبة والتعصب فبعث أبو بكر أبا أروى الدوسى، فأخذ اللواء منه ودفعه الى يزيد بذى الروة، فسار به أخوه معاوية يحمله بين يديه، وصار جيش خالد مع يزيد وسار خالد محتسبا في جيش شرحبيل.
وتقدم أبو بكر الى عمرو بن العاص أن يسلك طريق آئلة عامدا لفلسطين.
وأمر يزيد أن يأخذ طريق تبوك وكتب الى شرحبيل في أن يأخذ طريق تبوك أيضا. وكان العقد لكل أمير على ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الامداد حتى صار مع كل أمير منهم سبعة آلاف وخمسمائة رجل، ثم تتامّ جمعهم «١٦٨» بعد ذلك أربعة وعشرون ألفا. وروي الواقدي: ان أبا بكر ولي عمرا فلسطين، وشرحبيل الاردن ويزيد دمشق، وقال: اذا كان بكم قتال فأميركم من تكونون في عمله.
وروي: انه أمر عمرا مشافهة أن يصلي بالناس اذا اجتمعوا واذا تفرقوا صلى كل أمير بأصحابه، وأمر الامراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم. وقالوا: فلما صار عمرو بن العاص الى أول عمل فلسطين كتب الى أبي بكر يعلمه كثرة عدد العدو وعدتهم وسعة أرضهم ونجدة مقاتلتهم، فكتب أبو بكر الى خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهو بالعراق، يأمره بالمسير الى الشام فقال قوم: انه جعله أميرا على الامراء في الحرب، وقال آخرون: بل كان أميرا على أصحابه الذين شخصوا من العراق معه وكان المسلمون اذا اجتمعوا
стр. 282
لحرب أمره الامراء فيها لبأسه وقوة مكيدته، فأول وقعة كانت بين المسلمين وعدوهم بقرية من قرى غزة يقال لها داثن كانت بينهم وبين بطريق «١٦٩» غزة، فأقتتلوا فيها قتالا شديدا. ثم ان الله أظهر أولياءه وهزم أعداءه وفض جمعهم وذلك قبل قدوم خالد بن الوليد عليهم. ثم بلغهم ان ستة قواد من الروم نزلوا العربة فسار اليهم أبو أمامة الصدي بن عجلان الباهلي، في كثف من المسلمين، فهزمهم، وقتل أحد القواد، ثم صاروا الى الدابية، فاتبعهم فهزمهم وغنم المسلمون غنما حسنا. ولم يمر المسلمون منذ فصلوا من الحجاز بشيء من الارض الى موضع الوقعة الا غلبوا عليه بغير حرب وصار في أيديهم.
ورد كتاب أبي بكر، على خالد بن الوليد وهو بالحيرة فخلف المثنى ابن حارثة الشيباني على ناحية الكوفة، وسار في شهر ربيع الاخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة، ويقال: في ستمائة، ويقال في خمسمائة، وأتى عين التمر ففتحها عنوة، وأتى صندوداء وبها قوم من كندة، وأياد، والعجم، فقاتلوه فظفر بهم وخلف بها سعد بن عمرو بن حزام الانصاري فولده اليوم بها. وبلغه ان جمعا لبني تغلب «١٧٠» بالمضيّح، والحصيد مرتدين، وعليهم ربيعة بن بجير فأتاهم فقاتلهم فهزمهم وسبى وغنم وبعث بالسبي الى أبي بكر، فكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي «١٧١» أم عمر بن علي بن أبي طالب «١٧٢» . ثم أغار على مياه مر بها في طريقه منها
стр. 283
قرار وهو ماء لكلب، ومنها [الى] «١٧٣» سوى وهو ماء لهم أيضا. ومر بناحية قرقيسيا، فخرج اليه صاحبها في خلق فتركه وانحاز الى البر ومضى لوجهه فأتى أركة وهي- ارك- وأغار على أهلها وحاصرهم ففتحها صلحا على شيء أخذ منهم، وأتى دومة الجندل، ففتحها ثم أتى قصم فصالحه بنو مشجعة بن التيم «١٧٤» بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكتب لهم أمانا. ثم أتى تدمر من عمل حمص فأمتنع أهلها وتحصنوا ثم طلبوا الامان، فآمنهم على أن يكونوا ذمة وعلى أن يقروا «١٧٥» المسلمين، ورضخوا لهم، ثم أتى القريتين فقاتله أهلها فظفر وغنم ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه، وقد جاءهم مدد [أهل] «١٧٦» بعلبك، وأهل بصرى، وهي مدينة حوران، فظفر بهم فسبي وقتل ثم أتى مرج راهط، فأغار على غسان في يوم فصحهم وكانوا نصارى، فسبى وقتل ووجه بسر بن أبي ارطاة العامري من قريش، وحبيب بن مسلمة الفهري الى غوطة دمشق، فأغار على قرى من قراها وصار خالد الى الثنية «١٧٧» التي تعرف بثنية العقاب من دمشق، فوقف عليها ساعة ناشرا رايته وهي راية كانت لرسول الله ﵇، سوداء فسميت ثنية العقاب. يومئذ والعرب تسمى الراية عقابا، ونزل خالد الباب الشرقي، ويقال:
احفظ لي هذا العهد فوعده ذلك. ثم سار حتى انتهى الى المسلمين وهم بقناة بصرى، ويقال: انه أتى الجابية وبها أبو عبيدة في جماعة من المسلمين فألتقيا ثم مضيا الى بصرى.
стр. 284
فتح بصرى قصبة حوران
قالوا: لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين ببصرى «١٧٨» ، اجتمعوا عليها والصقوا بها وحاربوا بطريقها حتى الجأوه وكماة أصحابه اليها. ثم ان أهلها صالحوه على أن يؤمنوا على دمائهم، وأموالهم ويؤدوا الجزية، وزعم بعض الرواة، ان أهل بصرى صالحوا على أن يؤدوا عن «١٧٩» كل حالم دينارا، وجريب حنطة. وافتتح المسلمون جميع أرض كورة حوران، وغلبوا عليها.
واتاهم صاحب اذرعات فطلب الصلح، على مثل ما صولح عليه اهل بصري، وعلى أن جميع أرض الثنية «١٨٠» أرض خراج، وسار يزيد بن أبي سفيان الى عمان ففتحها فتحا يسيرا على مثل صلح بصرى، وغلب على ارض البلقاء، وتوجه ابو عبيدة بن الجراح في جماعة كثيفة من المسلمين من أصحاب الامراء ضموا اليه، فأتى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو، فافتتحها صلحا على مثل صلح بصرى، وكان أبو عبيدة أمير الناس، حتى فتحت مدينة دمشق، الا ان الصلح كان لخالد بن الوليد واجاز ابو عبيدة صلحه.
يوم اجنادين
ثم كانت واقعة اجنادين فشهدها من الروم زهاء مائة الف سرب هرقل أكثرهم، وتجمع باقوهم من النواحي، وهرقل يومئذ مقيم بحمص فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا، ثم ان الله هزمهم ومزقهم كل ممزق، وقتل المسلمون منهم خلقا، واستشهد يومئذ من المسلمين جماعة «١٨١» وابلى خالد بن الوليد بلاء حسنا.
стр. 285
ولما انتهى خبر الوقعة الى هرقل، نخب قلبه وسقط في يده وملئ رعبا فهرب من حمص الى انطاكية. وقد ذكر قوم ان هربه من حمص الى انطاكية «١٨٢» كان عند قدوم المسلمين الشام، كانت واقعة اجنادين يوم الاثنين لاثنتي عشرة بقيت من جمادي الاولى سنة ثلاث عشرة، ويقال لليلتين خلتا منه. قالوا:
ثم جمعت الروم جمعا بالياقوصة- وهو واد فمه الفوارة- فلقيهم المسلمون هناك، فهزموهم وقتلوا كثيرا منهم، ولحق فلهّم بمدن الشام، وتوفي أبو بكر في جمادي الاخرة سنة ثلاث عشرة فأتى المسلمين «١٨٣» نعيه، وهم بالياقوصة.
يوم فحل من الاردن
كانت وقعة فحل من الاردن لليلتين بقيتا من ذي القعدة، بعد خلافة عمر بن الخطاب بخمسة أشهر، وأمير الناس أبو عبيدة بن الجراح، لان عمر، قد كان كتب اليه بولاية الشام، وإمرة الامراء مع عامر بن أبي وقاص، أخي سعد بن أبي وقاص، وقوم يقولون: ولاية أبي عبيدة الشام، أتته والناس محاصرون دمشق، فكتمها خالدا أياما لان خالدا كان أمير الناس في الحرب. فقال له خالد: ما دعاك الى ما فعلت، فقال: كرهت أن أكسرك وأوهن أمرك وأنت بازاء عدوك. وكان سبب هذه الوقعة، ان هرقل لما صار الى انطاكية، استنفر الروم وأهل الجزيرة، وبعث عليهم رجلا من خاصته وثقاته فلقوا المسلمين بفحل من الاردن، فقاتلوهم قتالا شديدا حتى أظهرهم «١٨٤» الله عليهم، وقتل بطريقهم وزهاء عشرة آلاف منهم، وتفرق الباقون في مدائن الشام حتى سألوا الامان على اداء الجزية
стр. 286
عن رؤوسهم، والخراج عن أرضهم، فأمنوا على أنفسهم وأموالهم وإلا تهدم حيطانهم، وتولى عقد ذلك لهم أبو عبيدة بن الجراح، ويقال: بل تولاه شرحبيل بن حسنة.
الاردن
قالوا: فتح شرحبيل بن حسنة الاردن عنوة، ما خلا طبرية [فأن أهلها صالحوه على أنصاف، منازلهم، وكنائسهم، وفتح شرحبيل طبرية] «١٨٥» صلحا بعد حصار أيام على ان آمن «١٨٦» أهلها على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم ومنازلهم، الا ماجلوا عنه وخلوه، واستثنى لمسجد للمسلمين موضعا. ثم انهم في خلافة عمر أيضا، نقضوا واجتمع اليهم من سواد الروم وغيرهم، فأمر أبو عبيدة، عمرو بن العاص، بغزوهم فسار اليهم في أربعة آلاف ففتحها على مثل صلح شرحبيل ثانية، وفتح شرحبيل جميع مدن الاردن، وحصونها على هذا الصلح، فتحا يسيرا بغير قتال، وفتح بيسان، وافيق، وجرش وبيت رأس، وقدس، والجولان، وعكا، وصور، وصفورية، وغلب على سواد الاردن وجميع «١٨٧» أرضها. وكان أبو عبيدة، وجه عمرو بن العاص الى سواحل الاردن فكثر به الروم، فكتب الى أبي عبيدة، يستمده فوجه أبو عبيدة اليه يزيد بن أبي سفيان، فسار يزيد وعلى مقدمته معاوية أخوه ففتح يزيد، وعمرو سواحل الاردن، فكتب أبو عبيدة بفتحها لهما وكان لمعاوية في ذلك بلاء حسنا وأثر جميل، ورم معاوية عكا عند ركوبه منها الى قبرص ورم صور، ثم ان عبد الملك جددهما بعد، وقد كانتا خربتا وكانت الصناعة من الاردن بعكا، فنقلها هشام بن عبد الملك الى صور فهي بها الى اليوم.
стр. 287
فتح مدينة دمشق
لما فرغ المسلمون من قتال من أجتمع لهم بمرج الصفر، وكان اجتمع الهم من الروم جمع عظيم، ولقوهم بهذا المرج، أول يوم من المحرم سنة أربع عشرة، أقاموا «١٨٨» بعد ذلك خمس عشرة ليلة، ثم رجعوا الى مدينة دمشق لاربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع عشرة، فأخذوا الغوطة وكنائسها عنوة وتحصن أهل المدينة وأغلقوا أبوابها «١٨٩» ، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي في زهاء خمسة آلاف ضمهم اليه أبو عبيدة بن الجراح، وسمي الدير الذي نزل خالد عنده دير خالد، ونزل عمرو بن العاص على باب توما، ونزل شرحبيل على باب الفراديس، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية «١٩٠» ، ونزل يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير الى الباب الذي يعرف بكيسان، وجعل أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجي على مسلحة ببرزة «١٩١» ، وكان الاسقف الذي أقام لخالد النزل في بدأته «١٩٢» ربما «١٩٣» وقف على السور يدعوا به خالد فاذا أتى سلم على خالد وحادثة فقال له الاسقف: ذات يوم: يا أبا سليمان «١٩٤» [ان] «١٩٥» أمركم مقبل ولي
стр. 288
عليك «١٩٦» عدة فصالحني عن هذه المدينة، فدعى خالد بداوة وقرطاس فكتب فيه:- «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق، اذا دخلها أعطاهم أمانا عن أنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من بيوتهم ودورهم «١٩٧» . لهم، بذلك عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه والخلفاء والمؤمنين لا يعرض [لهم] «١٩٨» إلا بخير اذا أعطوا الجزية» . ثم ان بعض أصحاب الاسقف أتى خالدا في ليلة من الليالي فأعلمه انها ليلة عيد لاهل المدينة، وانهم في شغل، وان الباب الشرقي قد ردم بالحجارة، وترك «١٩٩» ، وأشار عليه بأن يلتمس سلما يصعد عليه فأتاه قوم من أهل الدير بسلمين، فرقى جماعة من المسلمين عليهما الى أعلى السور، ونزلوا الى الباب وليس عليه أحد الا رجل أو رجلان فتعاونوا عليه ففتحوه وذلك عند طلوع الشمس.
وقد كان أبو عبيدة، عانى فتح باب الجابية، وأصعد جماعة من المسلمين على حائطه، فأنصب «٢٠٠» مقاتلة الروم الى ناحيته، وقاتلوا المسلمين قتالا شديدا ثم انهم ولوا مدبرين، وفتح أبو عبيدة والمسلمون معه باب الجابية عنوة ودخلوا منه، فألتقى أبو عبيدة وخالد بالمقسلاط، وهو
стр. 289
موضع النحاسين بدمشق الذي يسمى البريص، وذكره حسان بن ثابت في شعره فقال «٢٠١» :
يسقون من ورد البريص «٢٠٢» عليهم ... كأسا يصفق بالرحيق السلسل «٢٠٣»
وقد روى، ان الروم أخرجوا ميتا لهم من باب الجابية «٢٠٤» [ليلا] ، وقد أحاط بجنازته خلق من شجعانهم وكماتهم، وأنصب سائرهم الى الباب، فوقفوا عليه ليمنعوا المسلمين من فتحه ودخوله الى رجوع أصحابهم من دفن الميت، وطمعوا في غفلة المسلمين عنهم وان المسلمين بدروا بهم، فقاتلوهم على الباب أشد قتال وأبرحه، حتى فتحوه في وقت طلوع الشمس، فلما رأى الاسقف، ان أبا عبيدة قد قارب دخول المدينة، بدر الى خالد فصالحه وفتح [له] «٢٠٥» الباب الشرقي، فدخل [و] «٢٠٦» الاسقف معه ناشرا كتابه الذي كتبه له، فقال بعض المسلمين: والله ما خالد بأمير فكيف يجوز صلحه، فقال أبو عبيدة: انه يجيز على المسلمين أدناهم، وأجاز صلح خالد وأمضاه، ولم يلتفت الى ما فتح عنوة فصارت دمشق كلها صلحا.
وكتب بذلك الى عمر فأنفذه وفتحت أبواب المدينة فالتقى القوم جميعا.
стр. 290
وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام، ان حسان بن مالك خاصم عجم أهل دمشق في كنيسة اقطعه، كل واحد من الامراء أياها، فقال عمر «٢٠٧» : ان كانت من الخمس العشرة الكنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لغيرهم عليها.
وقالوا: انه لما ولى معاوية بن أبي سفيان، أراد أن يزيد كنيسة يوحنا في المسجد الجامع بدمشق، فأبى النصارى ذلك فأمسك، ثم طلبها عبد الملك بن مروان في أيامه لمثل ما كان طلبها معاوية، وبذل لهم مالا، [فأبوا أن يسلموها اليه، ثم ان الوليد بن عبد الملك جمعهم في أيامه وبذل لهم مالا] «٢٠٨» عظيما، على ان يعطوه أياها فأبوا، فقال: لئن لم تفعلوا لاهدمنها، فقال بعضهم «٢٠٩» : يا أمير المؤمنين، ان من هدم كنيسة جن، فأحفظه ذلك حتى دعا بمعول فجعل يهدم بعض حيطانها بيده، وكان عليه قباء خز أصفر ثم جمع المفعلة والنقاضين فهدمها وأدخلها في المسجد.
فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكى اليه النصارى ما فعله الوليد، فكتب الى عامله يأمره برد ما زيد في المسجد منها عليهم، فكتب اليه، ان أهل دمشق قد كرهوا ذلك، وقالوا: يهدم «٢١٠» مسجدنا بعد ان أذنا فيه وصلينا ويرد بيعة، وفيهم يومئذ سليمان بن حبيب المحاربي «٢١١» وغيره
стр. 291
من الفقهاء، وأقبلوا على النصارى فسألوهم أن يعرضوا منها رد جميع كنائسهم بالغوطة التي أخذت منهم عنوة، وصارت في أيدي المسلمين، على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا ويمسكوا عن المطالبة بها، فرضوا بذلك وأعجبهم، فكتب به [الى] «٢١٢» عمر فسره وأمضى الامر فيه، وفي المسجد الجامع في الرواق القبلي مما يلي المئذنة، كتاب في رخامة بقرب السقف (مما أمر ببنائه أمير المؤمنين الوليد، سنة ست وثمانين) .
وكانت الجزية بالشام في بدئ الامر على كل جمجمة جريبا، ودينارا، حتى وضعها عمر بن الخطاب على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما ثم جعلهم طبقات على قدر غنى الغني واقلال المقل وتوسط المتوسط وكانت اليهود بالشام كالذمة للنصارى يؤدون اليهم الخراج فدخلوا في الصلح معهم. ثم أتى يزيد بن أبي سفيان بعد فتح مدينة دمشق. وصيدا وعرقة وجبيل، وبيروت، وهي سواحل دمشق وعلى مقدمته أخوه معاوية ففتحها فتحا يسير وجلا كثيرا من أهلها وتولى فتح عرقة معاوية نفسه ثم ان الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان فقصد لهم معاوية حتى فتحها ثم رمها وشحنها بالمقاتلة وأقطعهم القطائع.
وقالوا: لما استخلف عثمان وولى معاوية الشام وجه معاوية، سفيان «٢١٣» بن مجيب الازدي الى طرابلس وكانت ثلاثة مدن مجتمعة فبنى في مرج على أميال منها حصنا سمى حصن سفيان، وقطع المادة عن أهلها من البحر وغير البحر وحاصرهم فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد
стр. 292
الحصون الثلاثة وكتبوا الى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث اليهم بمواكب ليهربوا فيها الى ما قبله فوجه اليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلا وهربوا فلما أصبح سفيان وكان يبيت كل ليلة في حصنه ويحصن المسلمين معه ثم يغدو «٢١٤» من الحصن، وجد الحصن الذي كانوا فيه خاليا فدخله وكتب بالفتح الى معاوية فأسكنه معاوية جماعة من اليهود وهو الحصن الذي فيه الميناء اليوم. وكان عبد الملك بعد ذلك بناه وحصنه.
فتح بعلبك
قالوا: لما فرغ أبو عبيدة من أمر مدينة دمشق، سار الى حمص، فمر ببعلبك فطلب أهلها «٢١٥» الامان والصلح، فصالحهم على أن أمنهم على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم، وكتب لهم بذلك كتابا.
فتح حمص
روى الكلبي «٢١٦» : ان أبا عبيدة لما فرغ من أمر دمشق، قدم أمامه خالد بن الوليد، وملحان بن زياد الطائي، فلما توافوا بحمص قاتلهم أهلها، ثم لجأوا الى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فصالحوه على مائة ألف وسبعين «٢١٧» ألف دينار.
وقال الواقدي وغيره. بينما المسلمون على أبواب دمشق، اذ أقبلت خيل للعدو، فخرجت اليهم جماعة من المسلمين، فلقوهم بين بيت لهيا والثنية، فولوا منهزمين نحو حمص على طريق قارا، وأتبعوهم حتى وافوا حمص، ورآهم الحمصيون وكانوا
стр. 293
منخوبين «٢١٨» لهرب هرقل عنهم، وما كان يبلغهم «٢١٩» من قوة كيد المسلمين وبأسهم وظفرهم، وكفوا أيديهم عنهم، فأخرج الحمصيون اليهم النزل، وأقام المسلمون على الاربط٢٢»
وهو النهر الذي يمر بانطاكية ويصب في البحر، وما كان على المسلمين السمط بن الاسود الكندي «٢٢١» . ثم لما فرغ أبو عبيدة من أمر دمشق، واستخلف عليها يزيد بن أبي سفيان، قدم حمص على طريق بعلبك، فنزل باب الرستن «٢٢٢» فصالحه أهل حمص على ان أمنهم على أنفسهم، وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم، وأرحائهم، واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد، واشترط الخراج «٢٢٣» على من أقام منهم، ثم استخلف بحمص، عبادة بن الصامت الانصاري، ومضى نحو حماة فتلقاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية في رؤوسهم، والخراج في أرضهم، ومضى نحو شيزر، فخرجوا يكفرون ورضوا بمثل ما رضي به أهل حماة، وبلغت خيله الزراعة، والقسطل، ثم مر «٢٢٤» أبو عبيدة بمعرة «٢٢٥» حمص وهي التي تنسب اليوم الى النعمان بن بشير الانصاري «٢٢٦» فخرجوا يقلسون بين يديه، ثم أتى أفامية، ففعل أهلها مثل ذلك،
стр. 294
وأذعنوا بالخراج والجزية واستتم أمر حمص. وأتى عبادة بن الصامت [الانصاري] اللاذقية، فقاتله أهلها فكادهم عبادة حتى دخل باب المدينة، وفتحها عنوة وكبر على الحصن، وبنى عبادة باللاذقية مسجدا جامعا ووسع بعد ذلك، وفتح المسلمون مدينة تعرف ببلدة على فرسخين من جبلة عنوة.
ثم أنها خربت وجلا أهلها فأنشأ معاوية جبلة وكانت حصنا «٢٢٧» للروم جلوا عنها عند فتح المسلمين حمص. وفتح المسلمون مع عبادة أيضا أنطرطوس، وكان حصنا، ثم جلا أهله عنه، فبنى معاوية مدينة أنطرطوس ومصرها، وأقطع المقاتلة بها القطائع، وكذلك فعل بمرقية وبلنياس، وبيت «٢٢٨» سلمية. ثم أن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس اتخذها وبنى وولده فيها ومصروها، ونزلها من نزل من ولده فهي لهم وارضوها.
ثم جمع هرقل جموعا عظيمة من الروم، وأهل الشام، والجزيرة وأرمينية، تكون زهاء مائتي ألف، وولى أمرهم رجلا من خاصته، وبعث على مقدمته جبلة بن الايهم الغساني، في مستعربة الشام من لخم وجذام وغيرهم، وعزم على محاربة المسلمين والعمل على انه ان ظفر والا دخل قسطنطينية، واجتمع المسلمون فرجعوا اليه فاقتتلوا على اليرموك- وهو نهر- أشد قتال وأبرحه، وكان اجتمع من المسلمين لهم يومئذ نحو أربعة وعشرين «٢٢٩» ألفا، وتسلسلت «٢٣٠» الروم، وأتباعها لئلا يهربوا، فقتل منهم زهاء تسعين ألفا وهرب فللهم فلحقوا بانطاكية، وحلب والجزيرة
стр. 295
وأرمينية، وفلسطين، وبلغ هرقل خبرهم فهرب من انطاكية الى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: «عليك يا سورية السلام» . وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة.
ثم سار أبو عبيدة الى قنسرين وانطاكية ففتحها ولم تزل قنسرين وكورها مضمومة الى حمص حتى جعل يزيد بن معاوية قنسرين، وانطاكية، ومنبج، ودوانها جندا.
فلما استخلف الرشيد أفرد «٢٣١» قنسرين بكورها فصير ذلك جندا، وأفرد منبج، ودلوك، ورعبان، وقورس، وانطاكية، وتيزين «٢٣٢» وسماها العواصم، لان المسلمين يعتصمون بها في ثغورهم فتعصهم.
فتح فلسطين
قالوا: كانت أول وقعة واقعها المسلمون الروم في خلافة أبي بكر بأرض فلسطين، وعلى الناس «٢٣٣» عمرو بن العاص، ثم ان عمرا فتح غزة في خلافة أبي بكر. ثم فتح بعد ذلك سبسطية، ونابلس، على ان أعطاهم «٢٣٤» الامان على أنفسهم وأموالهم، ومنازلهم على أن الجزية في رقابهم والخراج في أرضهم، ثم فتح مدينة لد وأرضها ثم فتح يبنى، وعمواس، وبيت جبرين، وفتح، يافا. وقيل: بل فتحها معاوية، وفتح رفح مثل ذلك. ثم قدم أبو عبيدة عليه بعد فتح قنسرين ونواحيها، وذلك في سنة ست عشرة وهو محاصر ايلياء. وهي مدينة بيت المقدس، وطلب أهل ايلياء من أبي عبيدة الامان، والصلح على مثل ما صولح عليه أهل «٢٣٥» مدن الشام، من اداء
стр. 296
الجزية والخراج، والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم، على أن يكون المتولى للعقد لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة بذلك الى عمر، فقدم عمر، فنزل الجابية من دمشق ثم صار الى ايلياء فأنفذ صلحهم وكتب به «٢٣٦» لهم، وكان فتح ايلياء في سنة سبع عشرة.
ثم كان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة فتوفي فيه خلق من المسلمين، وكان ممن توفي فيه أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة. فلما أتت عمر بن الخطاب وفاة أبي عبيدة، كتب الى يزيد بن أبي سفيان بولاية الشام، مكانه، وأمره أن يغزو قيسارية، وقد قال قوم:
ان عمر انما ولى يزيد الاردن وفلسطين. وانه ولي أبا الدرداء دمشق، وولي عبادة بن الصامت حمص.
وقال الواقدي: اختلف علينا في أمر قيسارية.
فقال قائلون: فتحها معاوية وقال آخرون: بل فتحها عياض بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة، وهو خليفته «٢٣٧» [وقال قائلون: فتحها عمرو بن العاص] «٢٣٨» وقال قائلون: خرج عمرو الى مصر، وخلف ابنه عبد الله بن عمرو فكان الثبت «٢٣٩» من ذلك. والذي أجمع عليه من يوثق بقوله، ان أول الناس حاصرها عمرو بن العاص نزل عليها في جمادي الاولى سنة ثلاث عشرة، فكان يقيم عليها ما أقام، فاذا كان للمسلمين اجتماع في أمر عدوهم سار اليهم فشهد اجنادين، وفحل، والمرج، ودمشق، واليرموك. ثم رجع الى قيسارية فحاصرها وخرج الى مصر من قيسارية، ثم لما ولى يزيد بن
стр. 297
أبي سفيان وكان أخاه معاوية محاصرا «٢٤٠» فيسارية، وتوجه الى مصر مطعونا فمات بها.
وقال غير الواقدي: ولى عمر بن الخطاب، يزيد بن أبي سفيان، فلسطين مع ما ولاه من أجناد الشام، فكتب اليه أن يغزوا قيسارية، وقد كانت حوصرت قبل ذلك، فنهض اليها في سبعة عشر ألفا فقاتله أهلها، ثم حصرهم، ومرض في آخر سنة ثمان عشر، فمضى الى دمشق، واستخلف عليها معاوية ففتحها، وكتب اليه بفتحها، فكتب به يزيد الى عمر. ويقال: ان معاوية فتحها بعد موت يزيد. وكان عمر ولى معاوية الشام بعد موت أخيه يزيد فشكر له أبو سفيان ذلك. وقال يا أمير المؤمنين وصلتك رحم. وكانت مدة حصار قيسارية، سبع سنين، وفتحها في شوال سنة تسع عشرة ففتحها «٢٤١» معاوية قسرا، بعد ان كان يئس من فتحها، ولما فتحت وجد فيها من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثين ألفا، ومن اليهود مائتي ألف، ووجد بها ثلثمائة سوق قائمة، وكان يحرسها على سورها كل ليلة مائة ألف «٢٤٢» ، وكان سبب فتحها يهودي دل المسلمين على طريق، في سرب فيه الماء الى حقوى الرجل، فدخلها المسلمون من ذلك الموضع، وكبروا «٢٤٣» فيها فأراد الروم أن يهربوا من السرب فوجدوا المسلمين عليه، وكان بها خلق من العرب، ومنهم شقراء التي يقول فيها حسان بن ثابت الانصاري: «٢٤٤»
стр. 298
تقول شقراء لو صحوت عن الخمر لاصبحت مثري العدد
وقدم سبي قيسارية على عمر، وكانوا أربعة آلاف رأس، فأنزلوا الجرف، ثم قسمهم عمر على يتامى الانصار، وجعل بعضهم في الكتاب والاعمال للمسلمين، وكان من قتل بقيسارية من مقاتلة المشركين ثمانين ألفا، وكتب عمر الى معاوية، يأمره بتتبع ما بقى من فلسطين ففتح عسقلان صلحا بغير كيد «٢٤٥» ، وأخربت الروم عسقلان في أيام ابن الزبير، فلما ولي عبد الملك بن مروان بناها وحصنها ورم قيسارية وبنى بها بناء كثيرا، وبنى مسجدها، وبنى أيضا صور وعكا الخارجة وكانت هذه سبيلها، ولم تكن مدينة الرملة قديمة وانما كان موضعها رملة، فولى الوليد بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك جند فلسطين فنزل لدّ، ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها، وكان أول ما بنى منها قصره، والدار التي تعرف بدار الصباغين، وجعل في الدار صهريجا، ثم اختط المسجد الجامع وبناه، وولى الخلافة قبل استتمامه، فبنى فيه بعد خلافته، وأتمه عمر بن عبد العزيز، ونقص من خطة سليمان، وقال: أهل الرملة يكتفون بهذا، وبنى الناس في الرملة بعد بنائه أياها المنازل بأذنه، واحتفر لاهل الرملة قناتهم التي تدعى بردة واحتفر بها آبارا، والنفقة عليها من مال السلطان محتسب بها في جماعات العمال الى هذا الوقت، لان المعتصم بالله كان يحل بها.
стр. 299
فتح قنسرين والعواصم
قالوا: سار أبو عبيدة بعد فراغه من أمر «٢٤٦» اليرموك الى حمص، فأستقراها ثم أتى قنسرين وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فقاتله أهل مدينة «٢٤٧» قنسرين، ثم لجأوا الى حصنهم وطلبوا الصلح فصالحهم أبو عبيدة على مثل صلح أهل حمص، وغلب المسلمون على أرضها وقرارها، وكان حاضر قنسرين لتنوخ منذ «٢٤٨» أول ما تنخوا بالشام نزلوه وهم في بيوت الشعر، ثم ابتنوا المنازل، فدعاهم أبو عبيدة الى الاسلام فأسلم بعضهم، وأقام البعض على النصرانية، فصالحهم على الجزية، وكان أكثر من أقام على نصرانيته بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ويقال: ان جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي، فكتب على أيديهم بالخضرة قنسرين.
ثم سار أبو عبيدة يريد حلب، فبلغه ان أهل قنسرين نقضوا فرد اليهم السمط بن الاسود الكندي فحصرهم ثم فتحها.
ووجد بها بقرا وغنما فقسم بعضها فيمن حضر، وجعل الباقي في المغنم وكان حاضر طيئ قديما، نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم، حين نزل الجبلين من نزل منهم، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصالح كثير منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير الا من شذ منهم. وكان بقرب حلب حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ وغيرهم، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية. ثم انهم أسلموا بعد ذلك وجرت بينهم وبين أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب، فانتقلوا الى قنسرين، ثم أرادوا التغلب عليها فأجلاهم اهلها فتفرقوا في البلاد. وكان حيار بني القعقاع بلدا معروفا قبل الاسلام، وبه كان مقيل المنذر بن ماء السماء، فنزله بنو القعقاع بن
стр. 300
خليد بن جزء بن الحارث العبسي، وأوطنوه لان عبد الملك بن مروان، أقطع القعقاع فيه قطيعة، وأقطع عمه العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة، قطيعة أوغرت «٢٤٩» له الى اليمن، وكانت بنته ولادة عند عبد الملك، فولدت له الوليد وسليمان. ودخل أبو عبيدة حلب وعلى مقدمته، عياض بن غنم «٢٥٠» ، فوجد أهلها قد تحضوا، فنزل على حصنهم فلم يبثوا ان طلبوا الصلح والامان على أنفسهم، وأولادهم وسور مدينتهم وكنائسهم ومنازلهم والحصن الذي بها فأعطوا ذلك واستثنى عليهم موضع المسجد، وكان الذي صالحهم عياض فأنفذ أبو عبيدة صلحه، ثم سار أبو عبيدة من حلب الى انطاكية وقد تحصن بها خلق من قنسرين فلما صار بقرية مهروبة، وهي من انطاكية على فرسخين، لقيه جمع العدو ففضهم وألجأهم الى المدينة، وحاصر أهلها من جميع أبوابها وكان معظم الجيش على باب فارس، والباب الذي يدعى باب البحر. ثم انهم صالحوه على الجزية أو الجلاء، فجلا بعضهم وأقام البعض، فأمنهم ووضع على كل حالم دينارا وجريبا، ثم نقضوا فوجه اليهم عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة الفهري، ففتحاها على الصلح الاول، وصار أبو عبيدة الى معرة مصرين، ففتحها على مثل صلح حلب، وجالت خيله فبلغت بوقا «٢٥١» ، وفتحت قرى الجومة وسرمين، ومرتحوان «٢٥٢» ، وتيزين، وصالحوا أهل دير طايا، ودير
стр. 301
الفسيلة على أن يضيفوا من حربهم من المسلمين، وغلبوا على جميع أرض قنسرين وانطاكية، والتاث أهل حلب فعاد أبو عبيدة اليهم فلم يزل بهم حتى أذعنوا، وفتحت أبواب مدينتهم. ثم سار يريد قورس، وقدم أمامه عياض بن غنم، فتلقاه راهب من رهبان هذه الناحية، يسأل الصلح عن أهلها، فبعث به الى أبي عبيدة وهو بين جبرين، وتل عزاز، فصالحه عن قورس، ثم وردها فعقد لاهلها عهدا وأعطاهم مثل الذي أعطى أهل انطاكية وغلب على جميع أرض قورس الى آخر حد نقابلس. وبعث عياضا الى منبج ثم لحقه، وقد صالح أهلها على مثل صلح انطاكية، فانفذ ذلك وبعثه الى ناحية دلوك ورعبان، فصالحه أهلها على مثل صلح منبج، واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم، ويكاتبوا بها المسلمين، وصار الى بالس فرتب بها جماعة من المقاتلة، وأسكنها قوما من عرب الشام الذين أسلموا بعد قدوم المسلمين، وكانت بالس والقرى المنسوبة اليها عشرية، فمر بهم مسلمة بن عبد الملك غازيا من ناحية الثغور الجزرية، فاجتمع اليه جماعة من أهلها، فسألوه أن يحتفر لهم نهرا يسقى أرضهم من الفرات، على أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم، بعد العشر الواجب بحق بيت المال، فحفر النهر المعروف بمسلمة ووفوا له بالشرط، ورم سور المدينة وأحكمه.
ثم صارت بالس وقراها لورثته فلم تزل في أيديهم الى ان زالت دولة بني أمية، فأقطعها أبو العباس، سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، فصارت لابنه محمد بن سليمان فأقر بها للرشيد ونزل [عنها له] «٢٥٣» لسعاية أخيه جعفر اليه به، فأقطعها الرشيد المأمون فصارت لولده من بعده، ثم خرجت عن أيديهم فيما بعد.
стр. 302
امر جزيرة قبرص
قال الواقدي، وغيره: غزا معاوية في البحر غزوة قبرص الاولى ولم يركب المسلمون بحر الروم قبلها، وقد كان معاوية استأذن عمر في غزو البحر فلم يأذن له، فلما ولي عثمان كتب اليه يستأذنه في غزو قبرص ويعلمه قربها وسهولة الامر فيها فكتب اليه، قد شهدت مارد عليك عمر حين استأذنته في غزو البحر، فلما دخلت سنة سبع عشرة كتب اليه يهون عليه ركوب البحر الى قبرص، فكتب اليه عثمان: فأن أردت ان أذن لك فليكن معك امرأتك والا فلا. فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته (فاختة بنت قرظة) «٢٥٤» ، وحمل عبادة بن الصامت الانصاري معه أيضا امرأته أم حرام بنت ملحان الانصارية وذلك في سنة ثمان وعشرين، فلما صار المسلمون الى قبرص فأرقوا الى ساحلها بعث اليهم صاحبها يطلب الصلح واذعن أهلها فصالحهم معاوية على سبعة آلاف ومائتي دينارا يؤدونها في كل سنة وفارقهم الروم على مثل ذلك، واشترط المسلمون عليهم مع اداء الاتاوة، النصيحة وانذار المسلمين بسير الروم اليهم، وقد كانوا نقضوا الشرائط المشترطة عليهم حتى حوربوا مرات، أولهن في سنة ثلاث وثلاثون. وبعض الرواة يقول: في سنة خمس وثلاثين، ثم أحدثوا في ولاية عبد الملك بن صالح على الثغور الشامية حوادث أراد بها نقض صلحهم فاستفتى جماعة من الفقهاء، فأفتى أكثرهم بالابقاء عليهم. ثم آخر ما ظهروا من مخالفة ما شورطوا عليه في سنة احدى وثلثمائة فغزاهم المسلمون المتولي كان للبحر بالثغور الشامية وثغور ميانة وسبوا حتى عادوا الى النجوع بأمرهم الاول، فكف عنهم وجرى أمرهم بعد ذلك الى هذا الوقت على صلحهم القديم.
стр. 303
امر الثغور الشامية
قالوا: كانت ثغور المسلمين المعروفة بالشامية أيام عمر وعثمان وما بعد ذلك، انطاكية وغيرها من المدن المدعوة بالعواصم، وكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوهم اليوم ما وراء طرسوس، وكان فيما بين الاسكندرونة وطرسوس حصون ومسالح للروم كالحصون والمسالح التي يمر بها المسلمون اليوم فيما وراء طرسوس، فربما أخلاها أهلها وهربوا الى بلاد الروم خوفا على نفوسهم وربما نقل اليها الروم من المقاتلة من يشحنونها بهم الى ان طال الخوف عليهم ودام استيحاشهم فانتقلوا الى بلد الروم فلما غزا معاوية غزوة عمورية في سنة خمس وعشرين وجد الحصون فيما بين انطاكية وطرسوس خالية فحبس بها جماعة من أهل الشام والجزيرة وأمرهم بالوقوف عندها حتى انصرف من غزاته، فلما انصرف وجد من كان خلفه قد بنوا مسجدا جامعا من ناحية كفربيا التي عند المصيصة فاتخذ هناك صهريجا وكان اسمه عليه مكتوبا، ثم جدد المسجد في خلافة المعتصم بالله وهو يدعى الان مسجد الحصن. ثم غزا معاوية سنة احدى وثلاثين من ناحية المصيصية حتى بلغ درولية فلما خرج جعل لا يمر بحصن فيما بينه وبين انطاكية الا هدمة.
ولما كانت سنة أربع وثمانين، غزا على الصائفة عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فدخل من درب انطاكية وأتى المصيصية فبنى حصنها على أساسه القديم، ووضع بها سكانا من الجند، فيهم ثلاثمائة رجل، انتخبهم من ذوي الباس والنجدة، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى فيها مسجدا فوق تل الحصن ثم سار «٢٥٥» في جيشه حتى غزا حصن سنان، ففتحه ووجه يزيد بن حنين الطائي الانطاكي فأغار، ثم انصرف اليه، فتم بناء المصيصية وشحنها سنة خمس وثمانين، وكانت في
стр. 304
الحصن كنيسة جعلت هريا وكانت الطوالع من انطاكية تطلع عليها في كل عام، فتشتوا بها، ثم تنصرف، وعدة من كان يطلع اليها ألف وخمسمائة رجل الى ألفين، قالوا: وشخص عمر بن العزيز حتى نزل هرى المصيصية، وأراد هدمها لانه خاف أن يحاصرها الروم ومن بها فاعلمه الناس انها انما عمرت لتدفع عن انطاكية، فانه ان أخربها لم يكن للعدو ناهية دون انطاكية.
ثم بني هشام بن عبد الملك ربض المصيصية. وبنى مروان بن محمد الحصون «٢٥٦» في شرقي جيحان وبنى عليها حائطا وأسكنها قوما من الفرس، والصقالبة، والانماط، والنصارى، وجعل حواليها خندقا وعليها بابا من خشب.
ثم لما استخلف أبو العباس فرض بالمصيصية لاربعمائة رجل زيادة في شحنتها وأقطعهم. فلما استخلف المنصور فرض لاربع مائة رجل آخرين.
ثم لما دخلت سنة تسع وثلاثون ومائة، أمر بعمران مدينة المصيصية وكان حائطها متشعثا من الزلازل، وأهلها قليلون في داخل المدينة، فبنى سورها وأسكنها أهلها سنة أربعين ومائة، وسماها المعمورة وبنى فيها مسجدا جامعا في موضع هيكل كان فيها، ونقل أهل الحصون الى المدينة، وأعطاهم خططا بها ومنازل عوضا من منازلهم.
ولما استخلف المهدي فرض بالمصيصة لالفي رجل، ولم يقطعهم لانها قد كانت شحنت بالجند والمطوعة، ولم تزل الطوالع تأتيها من انطاكية في كل عام، حتى كثر من بها وقووا في خلافة المهدي. وبنى الرشيد كفربيا وحصنها بخندق، ثم رفع الى المأمون في غلة كانت على منازلها فأبطلها، وكانت منازلها كالخانات. وأمر بأن يبنى عليها سور، فما استتم حتى توفي فقام المعتصم [بالله] «٢٥٧» بتمامه وتشريفه، وكان الذي بنى حصن
стр. 305
المثقب هشام ابن عبد الملك، على يد حسان بن ماهويه الانطاكي. وبنى هشام أيضا حصن قطرغاس، على يد عبد العزيز بن حسان الانطاكي، وبنى أيضا حصن مورة، وكان سبب بنائه أياه ان الروم عرضوا لرسوله في درب اللّكام عند العقبة البيضاء، ورتب فيه «٢٥٨» أربعين رجلا وجماعة من الجراجمة وأقام ببغراس مسلحة في خمسين رجلا، وابتنى لهم «٢٥٩» حصنا.
وبنى هشام أيضا حصن بوقا من عمل انطاكية، ثم جدد وأصلح بعد ذلك.
وكان الطريق فيما بين انطاكية والمصيصية مسبعة يعترض الناس فيها الاسد، فلما كانت أيام الوليد بن عبد الملك، شكى اليه ذلك، فوجه أربعة آلاف جاموس وجاموسة، مما كان الحجاج بعث به من الجواميس مع الزط، الذين كان محمد بن القاسم الثقفي بعث بهم من السند، بعث ألفي جاموس جعلت في أجام كسكر، فانتفع الناس في الطريق بين انطاكية والمصيصية بها.
وقال جماعة من أهل انطاكية: ان أذنة «٢٦٠» بنيت سنة احدى وأربعين ومائة واثنتين وأربعين ومائة والجنود من أهل خراسان معسكرون عليها مع مسلمة بن يحيى البجلي، ومن أهل الشام مع مالك بن أدهم الباهلي وجهها صالح بن علي ولما كانت سنة خمس وستين ومائة، أغزى المهدي ابنه هارون الرشيد بلاد الروم فنزل على الخليج ثم خرج فبنى جسر أذنة على سيحان وقد كان المنصور أغزى صالح بلاد الروم فوجه هلال بن ضيغم في جماعة من أهل دمشق والاردن وغيرهم فبنى هلال القصر ولم يكن بناؤه محكما فهدمها الرشيد وبناه ثم لما كانت سنة أربع وتسعين ومائة
стр. 306
بنى أبو سليم فرج الخادم أذنة فأحكم بناءها وحصنها وندب اليها رجالا من أهل خراسان وغيرهم على زيادة في العطاء، وذلك بأمر محمد بن الرشيد، ورم قصر سيحان، وكان الرشيد توفي سنة ثلاث وتسعين [ومائة] «٢٦١» وعامله على أعشار الثغور أبو سليم فاقره محمد وأبو سليم هذا هو صاحب الدار بانطاكية.
وكان الحسن بن قحطبة الطائي لما غزا بلاد الروم في سنة اثنتين وستين ومائة في أهل خراسان، وأهل الموصل، والشام، وأمداد اليمن ومتطوعة العراق والحجاز، خرج راجعا من بلد الروم مما يلي طرسوس، وكان معه في غزاته تلك مندل العنزي المحدث الكوفي، ومعتمر ابن سليمان البصري، فنزل في مرجها «٢٦٢» وركب الى مدينتها وهي خراب فنظر اليها وأطاف بها من جميع جهاتها وحزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف. فلما قدم على المهدي وصف له أمرها وذكر ما في بنائها وشحنتها من غيظ العدو وكبته، وعز الاسلام وأهله وأخبره في الحدث من الثغور الجزرية أيضا بخبر رغبة في بناء مدينتها، فأمر بناء طرسوس «٢٦٣» ، وان يبدأ بمدينة الحدث فبنيت، وأوصى المهدي ببناء طرسوس.
فلما كانت سنة احدى وسبعين ومائة بلغ الرشيد ان الروم قد ائتمروا «٢٦٤» بالخروج الى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتلة فيها، فأغزى الصائفة في تلك السنة هرثمة بن اعين، وأمره بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها ففعل وأجرى
стр. 307
أمرها على يد [فرج] «٢٦٥» أبي سليم الخادم فوكل أبو سليم ببنائها وتوجه الى مدينة السلام فأنهض الندبة الاولى من أهل خراسان وهم ثلاثة آلاف رجل فوردوا طرسوس ثم أشخص الندبة الثانية وهم ألفا رجل منهم من أهل المصيصية ألف رجل، ومن أهل انطاكية ألف رجل على زيادة لكل رجل في أصل عطائه عشرة دنانير، فعسكروا مع الندبة الاولى بالميدان على الباب المعروف بالجهاد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين وسبعين ومائة الى ان استتم بناء طرسوس وتحصينها وبناء مسجدها ومسح فرج ما بين النهر الى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطة كل خطة عشرون ذراعا في مثلها واقطع أهل طرسوس الخطط وسكنتها، الندبتان في شهر ربيع الاخر سنة اثنتين وسبعين ومائة.
ولما كانت سنة ثمانين ومائة أمر الرشيد بابتناء مدينة عين زربة وتحصينها وندب اليها ندبة من أهل خراسان وغيرهم وأقطعهم بها المنازل ثم لما كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة، أمر ببناء الهارونية. فبنيت وشحنت أيضا بالمقاتلة ومن نزح من المطوعة ونسبت اليه.
قالوا: وكانت الكنيسة السوداء من حجارة سود بناها الروم على وجه الدهر ولها حصن قديم أخرب فيما أخرب، فأمر الرشيد بناء الكنيسة السوداء وتحصينها وندب اليها المقاتلة على زيادة في العطاء.
قالوا: وكانت بالثغور ايغارات قد أبطلت وتحيفت أكثر ما يرتفع من أعشارها وأمر المتوكل على الله في سنة ثلاث وأربعين ومائتين بابطال تلك الايغارات فأبطلت.
стр. 308
فتوح الجزيرة
كل الجزيرة من فتوح عياض بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة «٢٦٦» ، لما توفي بطاعون عمواس الذي كان في سنة ثماني عشرة، وكان قبل موته استخلف عياضا فكتب اليه عمر بتولية الجزيرة، فسار اليها فأول ما بدا بالرها، فصالحه أهلها على ان لهم هيكلهم وما حوله وعلى ان لا يحدثوا كنيسة، وعلى معاونة المسلمين وارشادهم، واصلاح الجسور، فأن تركوا شيئا مما شورطوا عليه فلا ذمة لهم. ثم انتهت طليعة عياض الى الرقة، فأغاروا على حاضر كان حولها من العرب، وعلى قوم من الفلاحين، فأصابوا وهرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة، وأقبل عياض في عسكره حتى نزل من الرقة على الباب المسمى بالرها في تعبئته فرمى المسلمون ساعة حتى جرج بعضهم، فتأخر عياض [عنهم] «٢٦٧» لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم وركب فطاف حول المدينة ورتب على أبوابها روابط ثم رجع الى عسكره وبث السرايا فكانوا يأتون بالاسرى «٢٦٨» من القرى وبالاطعمة فلما مضت خمسة أيام أو ستة، أرسل «٢٦٩» بطريق المدينة الى عياض يطلب الامان فصالحهم عياض على ان آمن جميع أهل الرقة على أموالهم ومدينتهم، وقال، عياض: «الارض لنا وقد وطئناها وأحرزناها» وأقرها في أيديهم على الخراج، ودفع «٢٧٠» منها ما رفض الى المسلمين، ووضع الجزية على رقابهم، وألزم كل رجل منهم سوى الصبيان والنساء دينارا. وقد قيل:
стр. 309
ان عمر ألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير. ثم سار عياض الى حران فطلب الحرانية الصلح، ثم أتبعهم النصارى وكتب لهم كتابا فصالحهم على الجزية عن كل رجل دينار ومدي قمح، وان عليهم ارشاد الضال واصلاح الجسور ونصيحة المسلمين.
ثم قدم صفوان بن المعطّل وحبيب بن مسلمة الفهري الى سميساط وسار في آثارهما فوجدهما قد غلبا على قرى وحصون منها فصالحه أهلها على مثل صلح الرها «٢٧١» . ثم أتى سروج وراس كيفا والارض البيضاء فغلب على أرضها وصالح أهل حصونها على مثل صلح الرها. ثم أتى قرايات الفرات ففتحها على مثل ذلك، وأتى عين الوردة، وهي ورأس العين فأمتنعت عليه فتركها وأتى تل موزن، وموزن امرأة قديمة نسب التل اليها. ففتحها على فتح ما تقدم وذلك في سنة تسع عشر، ووجه عياض الى قرقيسيا حبيب بن مسلمة الفهري ففتحها صلحا على مثل صلح الرقة، وفتح عياض آمد [بغير] قتال على مثل صلح الرها، وفتح ميافارقين على مثل ذلك، وفتح حصن كفر توثا ونصيبين، وطور عبدين وحصن ماردين، ودارا، على مثل صلح ما تقدم. وفتح باقردى، وبازبدي «٢٧٢» على مثل ذلك، وأتاه بطريق الزوزان «٢٧٣» فصالحه
стр. 310
عن أرضه على أتاوة ثم سار الى ارزن «٢٧٤» ففتحها صلحا على مثل ما تقدم ودخل الدرب، فبلغ بدليس وجازها الى خلاط وصالح بطريقها ثم انتهى الى العين الحامضة من أرمينية فلم يتجاوزها. ثم عاد فضمن صاحب بدليس خراج خلاط «٢٧٥» وجماجمها وما على بطريقها ثم انصرف فبعث الى سيحان ففتحها على مثل الصلح فيما تقدم. وبعث الى بلد ففتحها وأسكنها قوما من العرب. ثم سار الى الرقة. ثم الى حمص، وقد كان عمر ولاه أياها فمات بها سنة عشرين.
ثم ولى عمر بعده سعيد «٢٧٦» بن عامر فلم يلبث الا بعد قتال شديد. ثم دخلت عنوة وصولحوا بعد ذلك على ان دفعت الارض اليهم، ووضعت] «٢٧٧» الجزية على كل رجل منهم، أربعة دنانير، ولم تسب نساؤهم ولا أولادهم وجلا خلق منها، فاعتمل المسلمون أراضيهم وازدرعوها باقطاع. ثم سلك الخابور حتى فتح حصون الفرات حصنا حصنا، عانات، وتلبس، والناووسة، وآلوسة [وهيت] «٢٧٨» .
وقال الحجاج بن منيع: بحكمة عن أبيه عن جده عن ميمون بن مهران، أخذ الزيت والخل والطعام لمرفق المسلمين بالجزيرة مدة، ثم خفف عنهم، واقتصر بهم على ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين واثنى عشر درهما.
وكان على كل انسان مع جزيته مدان من قمح وقسطان من زيت، وقسطان من خل. فأما قسمة الجزيرة على ما هي عليه الان من ديار ربيعة، وديار مضر.
стр. 311
فأنه لما ولى عمر بن الخطاب معاوية الشام والجزيرة أمره عمر أن ينزل العرب مواضع نائية عن المدن والقرى ويأذن لهم في اعتمال الارضين التي لاحق فيها لاحد فأنزل بني تميم الرابية المعروفة بهم من ديار مضر، وأنزل المازحين [والمديبر] «٢٧٩» اخلاطا من قيس وأسد وغيرهم، وفعل ذلك في جميع نواحي ديار مضر ورتب ربيعة في الديار المنسوبة اليها. وأما نهر سعيد فكان موضعه غيضة ذات سباع فاقطعها سعيد بن عبد الملك بن مروان وهو الذي كان يقال له سعيد الخير لانه كان يظهر تنسكا فحفر النهر وعمر ما [هناك، وقال بعضهم: الذي أقطعها الوليد بن عبد الملك.
وقال آخرون: الذي أقطعه ذلك عمر بن عبد العزيز، قالوا ولم يكن للرافقة أثر قديم «٢٨٠» وانما] بناها المنصور سنة خمس وخمسين ومائة على بناء بغداد، ورتب فيها جندا من أهل خراسان وجرت على يد المهدي وهو ولي عهد. ثم ان الرشيد بنى قصره بها.
وأما رصافة هشام فأن هشام بن عبد الملك أحدثها وكان ينزل قبلها الزيتونة، وحفر الهني، والمري، واستخرج الضياع المنسوبة اليهما وأحدث بها واسط الرقة، ثم صارت اقطاعا لام جعفر زبيدة بنت جعفر المنصور، فأبتنت فيها القطيعة التي تنسب اليها، وزادت في عمارتها، ولم تكن الرحبة المنسوبة الى مالك بن طوق مما له أثر قديم، وانما بناها طوق بن مالك بن عتاب التغلبي في خلافة المأمون، وكانت كفر توثا حصنا قديما فاتخذها ولد أبي ر؟؟؟ يمثة التغلبي «٢٨١» منزلا ومصروها وحصنوها.
стр. 312
والاعشار بديار ربيعة، وكور البرية فهي أعشار ما أسلمت عليه العرب، أو عمرته من الموات الذي لم يكن في يد أحد، أو رفضه النصارى فمات [وغلب] «٢٨٢» عليه الدغل فأقطعه قوم، واستحيا بعضه آخرون فحصل أمر الجزيرة على ان مدائنها كلها صلحا وأرضوها عنوة الا الخلاف في رأس العين بالثغور٢٨»
الجزرية.
لما استخلف عثمان بن عفان جمع لمعاوية الى الشام الجزيرة وولاية ثغورهما وأمره أن يغزو شمشاط وهي أرمينية الرابعة أو يغزيها فوجه معاوية اليها حبيب بن مسلمة الفهري، وصفوان بن المعطل «٢٨٤» السلمي، ففتحها بعد أيام من نزولهما عليه على مثل صلح الرها، وأقام صفوان بها وتوفي فيها في آخر خلافة معاوية. ولم تزل شمشاط خراجية على مثل ما عليه بلد الجزيرة الى أن صيرها المتوكل على الله عشرية، أسوة غيرها من سائر الثغور. وغزا صفوان حصن كمخ بعد في سنة تسع وخمسين وهي السنة التي مات فيها ومعه عمير بن الحباب السلمي، فعلا عمير سور كمخ ولم يزل يجالد عليه حتى كشف الروم وصعد المسلمون ففتحه لعمير بن الحباب، وبذلك كان يفخر ويفخر له. ثم غلبت الروم على هذا الحصن بعد ذلك ولم يزل يفتحه وتغلب الروم عليه، الى ان كانت سنة تسع وأربعين ومائة، فان المنصور شخص عن بغداد حتى نزل حديثة الموصل، ثم أغزى منها الحسن بن قحطبة وبعده محمد بن الاشعث، وجعل عليهما العباس بن محمد وأمره أن يغزوا كمخ فمات محمد بن الاشعث بآمد، وسار العباس، والحسن، حتى صار الى ملطية «٢٨٥» فحملا منها الميرة،
стр. 313
ثم أناخا «٢٨٦» على كمخ ونصب عليه المجانيق الى ان فتح. ثم ان الروم بعد ذلك استولوا عليه وأغلقوا بابه. فلما كانت سنة سبع وسبعين ومائة غزا محمد [بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عميرة الانصاري وهو عامل عبد الملك بن صالح على شمشاط ففتحه ودخله لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع] «٢٨٧» الاخر من تلك السنة فلم يزل في أيدي المسلمين حتى كان الهيج في أيام محمد بن الرشيد فهرب أهله عنه وغلبت الروم عليه، ويقال:
ان عبيد الله بن الاقطع سلمه الى الروم وتخلص ابنه منهم. ثم ان عبد الله ابن طاهر فتحه في خلافة المأمون فكان في أيدي المسلمين حتى احتال قوم من نصارى شميشاط، وقليقلا «٢٨٨» ، وبقراط بن اشوط بطريق خلاط في دفعه الى الروم، والتقرب اليهم بذلك بسبب ضياعهم التي كانت في أعمالهم وهو على حاله في أيديهم الى هذا الوقت.
وكان أول أمر ملطية ان عياض ابن غنم، وجه حبيب بن مسلمة الفهري من شميشاط اليها ففتحها ثم أغلقت، فلما ولى معاوية الشام والجزيرة وجه اليها حبيب بن مسلمة الفهري من شميشاط اليها ففتحها عنوة ورتب فيها رابطة من المسلمين مع عاملها، وقدمها معاوية وهو داخل الى بلد الروم فشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرهما فكانت طريق الصوائف. ثم ان أهلها انتقلوا عنها في أيام عبد الله بن الزبير وخرجت الروم فشعثتها ثم تركها فنزلها قوم من الارمن، والنبط، والنصارى.
فلما غزا عبد الله بن عبد الملك في سنة ثلاث وثمانين بنى المسلمون بطرندة وهي من ملطية على ثلاث مراحل واغلة في
стр. 314
بلاد الروم [مساكن ونزلوها وملطية حينئذ خراب ليس فيها الا الارمن والنبط والنصارى الذين قدمنا خبرهم وكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة في الصيف فيقيمون بها الى أن] «٢٨٩» تسقط الثلوج فاذا كان ذلك قفلوا فلما ولى عمر بن عبد العزيز رحل أهل «٢٩٠» طرندة اشفاقا عليهم من العدو، فاحتملوا وهم كارهون. ثم خرجت الروم عند تولى هشام ابن عبد الملك الى ملطية فغزا هشام سنة ثلاث وعشرين ومائة وعسكر على ملطية حتى بنيت ولما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة أقبل قسطنطين طاغية الروم عامدا ملطية حتى حصر من فيها فوجهوا رسولا يستعرضون عامل الجزيرة وهو موسى بن كعب، وكان بحران، فلم يمكنه اصراخهم لشغل بني أمية كان بأمر المشورة، فلما وقف طاغية الروم على ذلك وضع عليها المجانيق حتى اذا جهدهم البلاء نزلوا على الجلاء وحملوا معهم ما خف عليهم حمله وألقوا كثيرا مما ثقل عليهم في الابار والمخابئ وخرجوا وقد قام لهم الروم صفين من باب المدينة الى منقطع اخرهم مخترطي سيوفهم وطرف «٢٩١» سيف كل واحد منهم مع طرف سيف الذي يقابله حتى كأن سيوفهم عقد قنطرة ثم شيعوهم حتى بلغوا مآمنهم فتوجه المسلمون نحو الجزيرة وتفرقوا فيها وهدم الروم ملطية فلم يبقوا منها الا هريها، فأنهم شعثوا منه شيئا يسيرا وهدموا حصن قلوذية فلما كانت سنة تسع وثلاثين [ومائة] «٢٩٢» وجه المنصور عبد الوهاب بن ابراهيم الامام واليا
стр. 315
على الجزيرة وثغورها، فنفذ في سنة أربعين ومائة ومعه الحسن بن قحطبة في جنوده أهل خراسان، وضرب البعوث على أهل الجزيرة والشام فتوافى معه سبعون ألفا فعسكر على ملطية وقد جمع الفعلة من كل بلد فأخذ في بنائها، وكان الحسن بن قحطبة ربما حمل الحجر حتى يناوله البناء، وجعل يقول من سبق الى شرفة فله كذا حتى فرغ من بناء ملطية ومسجدها في ستة أشهر، وبنى لها مسلحة «٢٩٣» على النهر المعروف بقباقب، وهذا النهر يدفع في الفرات، فأسكن المنصور ملطية أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، لانها من ثغورهم، على زيادة عشرة دنانير في عطاء كل رجل منهم، ومعونة مائة دينار، وبنى حصن قلوذية، وأقبل قسطنطين طاغية الروم في أكثر من مائة ألف رجل فنزل جيحان فلما بلغه كثرة المسلمين أحجم عن ملطية. ثم تعرضت الروم لها في أيام الرشيد فلم يقدروا عليها.
أما مرعش، فأن أبا عبيدة كان وجه، وهو بمنبج خالد بن الوليد، اليها، ففتح حصنها على ان جلا أهلها عنه ثم أخربه، وبنى مدينة مرعش وأسكنها جندا فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا، ثم ان العباس بن الوليد بن عبد الملك صار الى مرعش فعمرها وحصنها ونقل الناس اليها وبنى لهم مسجدا جامعا، وكان يقطع في كل عام أهل قنسرين بعثا اليها فلما كانت أيام مروان بن محمد وشغل بمحاربة أهل حمص خرجت الروم فحصرت أهل مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء فجلوا الى الجزيرة وجند قنسرين بعيالاتهم وأخربها الروم فلما فرغ مروان من أهل حمص بعث جيشا لبناء مرعش فبنيت ومدنت فخرجت الروم في فتنته فأخربتها فبناها صالح بن علي في خلافة المنصور، وحصنها وندب الناس اليها على زيادة في العطاء، واستخلف المهدي فزاد في شحنتها وتقوية أهلها.
стр. 316
وأما الحدث فيقال: ان حصنها مما كان فتح أيام عمر فتحه حبيب ابن مسلمة من قبل عياض بن غنم، وكان معاوية يتعهده بعد ذلك وكان بنو أمية يسمون درب الحدث (درب «٢٩٤» السلامة) تطيرا منه، لان المسلمين كانوا أصيبوا به. وقال آخرون: انما سمي الحدث لان المسلمين لقوا بدرب الحدث غلاما حدثا فقاتلهم في اصحابه فقيل درب الحدث. ولما كانت سنة اثنتين وستين ومائة وجه المهدي الحسن بن قحطبة غازيا خرج من درب الحدث فساح في بلد الروم وثقلت وطأته عليهم حتى صوروه في كنائسهم، فيقال: انه نظر الى موضع مدينتها وأخبر ان ملك الروم كان قد خرج من ذلك الدرب فلما انصرف كلم المهدي في بنائها «٢٩٥» ، وبناء طرسوس، فأمر بتقديم بناء الحدث فأنشأها علي بن سليمان بن علي وهو على الجزيرة وقنسرين، وتوفي [المهدي سنة تسع وستين ومائة مع فراغهم من بنائها وسمت] «٢٩٦» المهدية والمحمدية، وكان أول بنائها باللبن. وفرض محمد فيها لاربعة آلاف وأسكنهم أياها من أهل خراسان والشام والجزيرة، وهجم الشتاء بعد وفاة المهدي وتقلد موسى وكثرت الامطار والثلوج فشعثتها وثلمت سورها، ونزلت الروم بها فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى فقطع بعثا مع المسيب بن زهير «٢٩٧» ، وبعثا مع روح بن حاتم، وبعثا مع حمزة بن مالك فمات موسى قبل أن ينفذوا. ثم ولى الرشيد فأمر ببنائها وتحصينها وشحنها واقطاع مقاتليها المساكن والقطائع.
стр. 317
وأما زبطرة فكانت على ما حكوا، حصنا قديما روميا، ففتح مع حصن الحدث «٢٩٨» القديم، فتحه حبيب بن مسلمة الفهري، وكان قائما الى ان أخربته الروم في أيام الوليد بن يزيد فبنى بناء غير محكم. ثم أناخت الروم عليه في أيام فتنة مروان بن محمد فهدمته فبناه المنصور، ثم خرجوا اليه فشعثوه فبناه الرشيد على يد محمد بن ابراهيم وشحنه، فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه وأغاروا على سرح أهله فأستاقوه، فأمره المأمون بمرمته وتحصينه. ثم خرجت الروم الى زبطرة في خلافة المعتصم بالله فقتلوا الرجال، وسبوا النساء، وأخربوها فاحفظه ذلك فغزاهم حتى بلغ من بلادهم عمورية «٢٩٩» ، ففتحها وقتل وسبى وأمر ببناء زبطرة فلم تعد، وبنيت في مواضع منها حصون ينسب اليها. وأما حصن منصور [فان الذي تولى بناءه منصور بن جعونة بن الحارث العامري، من قيس فنسب اليه وكان] «٣٠٠» منصور هذا مقيما بتلك الناحية أيام مروان ابن محمد في خيل كثيفة من أهل الشام والجزيرة. ثم اتهم بغش الاسلام، فلما قدم المنصور الرقة من بيت المقدس سنة احدى وأربعين ومائة وجه اليه من أتاه به فضربت عنقه بالرقة ثم انصرف الى الهاشمية بالكوفة، وكان الرشيد بنى حصن منصور وشحنه في خلافة المهدي.
وأما المرج المعروف بعبد الواحد على باب حصن منصور، فكان حمى للمسلمين قبل أن يبني الحدث وزبطرة فلما بنيتا استغنى بهما فعمر وضمه «٣٠١» الحسين الخادم الى الاحواز في خلافة الرشيد ثم توثب الناس عليه فغلبوا على مزارعه حتى قدم عبد الله بن طاهر الشام فرده الى الضياع،
стр. 318
ويقال: ان عبد الواحد الذي نسب هذا المرج اليه، هو عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص ابن عمر [ابن] «٣٠٢» عبد الملك وكان المرج له فجعله «٣٠٣» حمى للمسلمين.
فتوح أرمينية
كانت شمشاط، وقليقلا «٣٠٤» ، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس تدعى أرمينية الرابعة وكانت كورة البسفرّجان، ودبيل، وسراج طير، وبغروند، تدعى أرمينية الثالثة، وكانت جرزان تدعى أرمينية الثانية «٣٠٥» . وكانت السيسجان، وأران تدعى أرمينية الاولى، ويقال:
ان شمشاط وحدها كانت تدعى أرمينية الرابعة، وكانت قليقلا، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس، وسراج طير، وبغروند، ودبيل، والبسفرجان تدعى أرمينية الثالثة. والسيسجان وأران تدعى أرمينية الثانية، وتفليس، وهي جرزان تدعى أرمينية العليا. وكانت جرزان وأران في أيدي الخزر، وسائر أرمينية في أيدي الروم يتولاها صاحب أرميناقس وهو الذي تسميه العرب في هذا الوقت الارميناق، وكانت الخزر تخرج فتغير فربما بلغت الدينور فوجه قباذ بن فيروز الملك قائدا من عظماء قواده في اثنى عشر الفا فوطئ بلاد أران، وفتح ما بين النهر الذي يعرف بالرس الى شروان. ثم ان قباذا لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان، ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، ومدينة قبلة وهي الخزر، ثم بنى سد اللبن فيما بين أرض شروان وباب اللّان، وبنى على سد اللبن ثلثمائة وستين مدينة خربت بعد
стр. 319
بناء الباب والابواب، ثم ملك بعد قباذ «٣٠٦» ، ابنه انوشروان «٣٠٧» ، فبنى مدينة الشابران. ومدينة مسقط، ثم بنى مدينة الباب والابواب، وسميت الابواب لانها بنيت على طرق في الجبل وأسكن ما بنى من هذه المواضع قوما سماهم السياسيجين «٣٠٨» وبنى بأرض أران «٣٠٩» أبواب شكن، والقمبيزان وبنى الدرذوقيّة وهي اثنا عشر بابا، كل باب منها قصر من حجارة، وبنى بأرض جرزان مدينة يقال: لها سغدبيل، وأنزلها قوما من السغد وعليها مسلحة، وبنى مما يلي الروم قصرا يقال له باب فيروزقباذ «٣١٠» ، وقصرا، يقال له باب لاذقة، وقصرا آخر يقال له، باب بارقة، وهو على بحر طرابزندة، وبنى باب اللّان، وباب سمسخي، وبنى قلعة الجردمان، وقلعة شمشلدي، وفتح انوشروان جميع ما كان في أيدي الروم من أرمينية، وعمر مدينة دبيل وحصنها، وبنى النشوى وهي قصبة كورة [البسفرجان] «٣١١» وبنى حصن ويص وقلاعا بأرض السيسجان، منها قلعة الكلاب، وساهيونس، وأسكن هذه الحصون والقلاع ذوي الباس والنجدة من سياسيجية، ثم
стр. 320
كتب أنو شروان الى ملك الخزر بعترة «٣١٢» ويحتال عليه لبناء الحائط وقد اقتصصنا ذلك في المنزلة التي قبل هذه، وذكره في هذا الموضع اعادة، وملك أنو شروان ملوكا «٣١٣» رتبهم وجعل لكل منهم شاهية ناحية، فمنهم خاقان الجبال وهو صاحب السرير ويدعى وهرازرا «٣١٤» نشاه، وملك اللكز، ويدعى جرشانشاه، وملك ليران ويدعى ليرانشاه، وملك شروان ويدعى شروانشاه، وملك صاحب بخ علي بخ، وصاحب زريكران عليها، وأقر ملوك جبل القبق على ممالكهم، وصالحهم على الاتاوة. ولم تزل أرمينية في أيدي الفرس حتى ظهر الاسلام. فرفض من السياسيجين «٣١٥» حصونهم ومدائنهم حتى خربت، وغلب الخزر والروم على ما كان في أيديهم بديا «٣١٦» .
قالوا: وقد كانت أمور الروم تشتت في بعض الازمنة، وصاروا كملوك الطوائف من الفرس، فملك أرمنياقس وهو بلد الارميناق رجل منهم، ثم مات فملكته بعده امرأته تسمى (قالى) فبنت مدينة قاليقلا وسمتها قاليقالا، وتفسيره (احسان قالى) ، فأعربت ذلك العرب، وقالوا: قاليقلا.
فأما على يد من جرى فتح أرمينية في الاسلام، فانه لما استخلف عثمان بن عفان كتب الى حبيب بن مسلمة الفهري وكان ذا أثر جميل في فتوح الشام وغزو الروم. وقد علم ذلك منه عمر ثم عثمان، فيأمره بغزو أرمينية. فنهض اليها في ستة آلاف، ويقال: في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة، فأتى قاليقلا فاناخ عليها وخرج اليه أهلها، فقاتلهم حتى
следующие страницы →