Полный текст (617 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وأما الحدث فيقال: ان حصنها مما كان فتح أيام عمر فتحه حبيب ابن مسلمة من قبل عياض بن غنم، وكان معاوية يتعهده بعد ذلك وكان بنو أمية يسمون درب الحدث (درب «٢٩٤» السلامة) تطيرا منه، لان المسلمين كانوا أصيبوا به. وقال آخرون: انما سمي الحدث لان المسلمين لقوا بدرب الحدث غلاما حدثا فقاتلهم في اصحابه فقيل درب الحدث. ولما كانت سنة اثنتين وستين ومائة وجه المهدي الحسن بن قحطبة غازيا خرج من درب الحدث فساح في بلد الروم وثقلت وطأته عليهم حتى صوروه في كنائسهم، فيقال: انه نظر الى موضع مدينتها وأخبر ان ملك الروم كان قد خرج من ذلك الدرب فلما انصرف كلم المهدي في بنائها «٢٩٥» ، وبناء طرسوس، فأمر بتقديم بناء الحدث فأنشأها علي بن سليمان بن علي وهو على الجزيرة وقنسرين، وتوفي [المهدي سنة تسع وستين ومائة مع فراغهم من بنائها وسمت] «٢٩٦» المهدية والمحمدية، وكان أول بنائها باللبن. وفرض محمد فيها لاربعة آلاف وأسكنهم أياها من أهل خراسان والشام والجزيرة، وهجم الشتاء بعد وفاة المهدي وتقلد موسى وكثرت الامطار والثلوج فشعثتها وثلمت سورها، ونزلت الروم بها فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى فقطع بعثا مع المسيب بن زهير «٢٩٧» ، وبعثا مع روح بن حاتم، وبعثا مع حمزة بن مالك فمات موسى قبل أن ينفذوا. ثم ولى الرشيد فأمر ببنائها وتحصينها وشحنها واقطاع مقاتليها المساكن والقطائع.
стр. 317
وأما زبطرة فكانت على ما حكوا، حصنا قديما روميا، ففتح مع حصن الحدث «٢٩٨» القديم، فتحه حبيب بن مسلمة الفهري، وكان قائما الى ان أخربته الروم في أيام الوليد بن يزيد فبنى بناء غير محكم. ثم أناخت الروم عليه في أيام فتنة مروان بن محمد فهدمته فبناه المنصور، ثم خرجوا اليه فشعثوه فبناه الرشيد على يد محمد بن ابراهيم وشحنه، فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه وأغاروا على سرح أهله فأستاقوه، فأمره المأمون بمرمته وتحصينه. ثم خرجت الروم الى زبطرة في خلافة المعتصم بالله فقتلوا الرجال، وسبوا النساء، وأخربوها فاحفظه ذلك فغزاهم حتى بلغ من بلادهم عمورية «٢٩٩» ، ففتحها وقتل وسبى وأمر ببناء زبطرة فلم تعد، وبنيت في مواضع منها حصون ينسب اليها. وأما حصن منصور [فان الذي تولى بناءه منصور بن جعونة بن الحارث العامري، من قيس فنسب اليه وكان] «٣٠٠» منصور هذا مقيما بتلك الناحية أيام مروان ابن محمد في خيل كثيفة من أهل الشام والجزيرة. ثم اتهم بغش الاسلام، فلما قدم المنصور الرقة من بيت المقدس سنة احدى وأربعين ومائة وجه اليه من أتاه به فضربت عنقه بالرقة ثم انصرف الى الهاشمية بالكوفة، وكان الرشيد بنى حصن منصور وشحنه في خلافة المهدي.
وأما المرج المعروف بعبد الواحد على باب حصن منصور، فكان حمى للمسلمين قبل أن يبني الحدث وزبطرة فلما بنيتا استغنى بهما فعمر وضمه «٣٠١» الحسين الخادم الى الاحواز في خلافة الرشيد ثم توثب الناس عليه فغلبوا على مزارعه حتى قدم عبد الله بن طاهر الشام فرده الى الضياع،
стр. 318
ويقال: ان عبد الواحد الذي نسب هذا المرج اليه، هو عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص ابن عمر [ابن] «٣٠٢» عبد الملك وكان المرج له فجعله «٣٠٣» حمى للمسلمين.
فتوح أرمينية
كانت شمشاط، وقليقلا «٣٠٤» ، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس تدعى أرمينية الرابعة وكانت كورة البسفرّجان، ودبيل، وسراج طير، وبغروند، تدعى أرمينية الثالثة، وكانت جرزان تدعى أرمينية الثانية «٣٠٥» . وكانت السيسجان، وأران تدعى أرمينية الاولى، ويقال:
ان شمشاط وحدها كانت تدعى أرمينية الرابعة، وكانت قليقلا، وخلاط، وأرجيش، وباجنيس، وسراج طير، وبغروند، ودبيل، والبسفرجان تدعى أرمينية الثالثة. والسيسجان وأران تدعى أرمينية الثانية، وتفليس، وهي جرزان تدعى أرمينية العليا. وكانت جرزان وأران في أيدي الخزر، وسائر أرمينية في أيدي الروم يتولاها صاحب أرميناقس وهو الذي تسميه العرب في هذا الوقت الارميناق، وكانت الخزر تخرج فتغير فربما بلغت الدينور فوجه قباذ بن فيروز الملك قائدا من عظماء قواده في اثنى عشر الفا فوطئ بلاد أران، وفتح ما بين النهر الذي يعرف بالرس الى شروان. ثم ان قباذا لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان، ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، ومدينة قبلة وهي الخزر، ثم بنى سد اللبن فيما بين أرض شروان وباب اللّان، وبنى على سد اللبن ثلثمائة وستين مدينة خربت بعد
стр. 319
بناء الباب والابواب، ثم ملك بعد قباذ «٣٠٦» ، ابنه انوشروان «٣٠٧» ، فبنى مدينة الشابران. ومدينة مسقط، ثم بنى مدينة الباب والابواب، وسميت الابواب لانها بنيت على طرق في الجبل وأسكن ما بنى من هذه المواضع قوما سماهم السياسيجين «٣٠٨» وبنى بأرض أران «٣٠٩» أبواب شكن، والقمبيزان وبنى الدرذوقيّة وهي اثنا عشر بابا، كل باب منها قصر من حجارة، وبنى بأرض جرزان مدينة يقال: لها سغدبيل، وأنزلها قوما من السغد وعليها مسلحة، وبنى مما يلي الروم قصرا يقال له باب فيروزقباذ «٣١٠» ، وقصرا، يقال له باب لاذقة، وقصرا آخر يقال له، باب بارقة، وهو على بحر طرابزندة، وبنى باب اللّان، وباب سمسخي، وبنى قلعة الجردمان، وقلعة شمشلدي، وفتح انوشروان جميع ما كان في أيدي الروم من أرمينية، وعمر مدينة دبيل وحصنها، وبنى النشوى وهي قصبة كورة [البسفرجان] «٣١١» وبنى حصن ويص وقلاعا بأرض السيسجان، منها قلعة الكلاب، وساهيونس، وأسكن هذه الحصون والقلاع ذوي الباس والنجدة من سياسيجية، ثم
стр. 320
كتب أنو شروان الى ملك الخزر بعترة «٣١٢» ويحتال عليه لبناء الحائط وقد اقتصصنا ذلك في المنزلة التي قبل هذه، وذكره في هذا الموضع اعادة، وملك أنو شروان ملوكا «٣١٣» رتبهم وجعل لكل منهم شاهية ناحية، فمنهم خاقان الجبال وهو صاحب السرير ويدعى وهرازرا «٣١٤» نشاه، وملك اللكز، ويدعى جرشانشاه، وملك ليران ويدعى ليرانشاه، وملك شروان ويدعى شروانشاه، وملك صاحب بخ علي بخ، وصاحب زريكران عليها، وأقر ملوك جبل القبق على ممالكهم، وصالحهم على الاتاوة. ولم تزل أرمينية في أيدي الفرس حتى ظهر الاسلام. فرفض من السياسيجين «٣١٥» حصونهم ومدائنهم حتى خربت، وغلب الخزر والروم على ما كان في أيديهم بديا «٣١٦» .
قالوا: وقد كانت أمور الروم تشتت في بعض الازمنة، وصاروا كملوك الطوائف من الفرس، فملك أرمنياقس وهو بلد الارميناق رجل منهم، ثم مات فملكته بعده امرأته تسمى (قالى) فبنت مدينة قاليقلا وسمتها قاليقالا، وتفسيره (احسان قالى) ، فأعربت ذلك العرب، وقالوا: قاليقلا.
فأما على يد من جرى فتح أرمينية في الاسلام، فانه لما استخلف عثمان بن عفان كتب الى حبيب بن مسلمة الفهري وكان ذا أثر جميل في فتوح الشام وغزو الروم. وقد علم ذلك منه عمر ثم عثمان، فيأمره بغزو أرمينية. فنهض اليها في ستة آلاف، ويقال: في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة، فأتى قاليقلا فاناخ عليها وخرج اليه أهلها، فقاتلهم حتى
стр. 321
الجأهم الى المدينة فطلبوا الامان على الجلاء والجزية «٣١٧» فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب فيمن معه بها أشهرا، ثم بلغه ان بطريق أرمنياقس قد جمع للمسلمين جمعا عظيما، وانضمت اليه أمداد أهل اللّان وافخار، وسمندر من الخزر، فكتب الى عثمان يسأله المدد، وكتب الى معاوية يسأله ان ينفذ اليه من أهل الشام والجزيرة، من يرغب في الجهاد أو الغنيمة، فبعث اليه معاوية ألفى رجل، أسكنهم قاليقلا وأقطعهم بها القطائع، وجعلهم مرابطة بها. ولما ورد على عثمان كتاب حبيب كتب الى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وهو عامله على الكوفة، يأمره بامداده بجيش عليهم سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو سلمان الخيل، وكان خيرا غزاء، فسار اليه سلمان في ستة آلاف رجل من أهل الكوفة، وأقبلت الروم ومن معها، فنزلوا على عبر الفرات، وقد أبطأ على حبيب المدد فبيتهم «٣١٨» بمن معه من المسلمين، فأجتاحوهم وقتلوا عظيمهم، وورد سلمان وقد فرغ المسلمون من عدوهم فطلب أهل الكوفة اليهم، أن يشركوهم في الغنيمة، فلم يفعلوا حتى تغالظ حبيب وسلمان في القول، وتوعد بعض الشاميين سلمان بالقتل، فقال الشاعر:
وان تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم ... وان ترحلوا نحو ابن عفان نرحل «٣١٩»
стр. 322
وكتب الى عثمان، فكتب أن الغنيمة باردة لاهل الشام وكتب الى سلمان يأمره بغزو أران، قالوا: ولم تزل مدينة قاليقلا مذ فتحت ممتنعة بمن فيها من أهلها، حتى خرج الطاغية في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فحصر أهل ملطية وهدم حائطها، وأجلى من بها من المسلمين [الى الجزيرة] «٣٢٠» ، ثم نزل مرج الحصى ووجه كوشان الارمني «٣٢١» ، حتى أناخ على قاليقلا فحصرها، وأهلها يومئذ قليل، فنقب أخوان من الارمن من أهل قاليقلا ردما كان في سورها وخرجا الى كوسان، فأدخلاه المدينة، فغلب عليها وقتل وسبى، وهدمها وساق ما حواه الى الطاغية، ففرق السبي على أصحابه.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائة فادى المنصور بمن كان حيا من أسارى قاليقلا، وعمرها، ورد من فادى به اليها، وندب اليها جندا من أهل الجزيرة، وغيرهم، وقد كان طاغية الروم خرج «٣٢٢» الى قاليقلا في خلافة المعتصم بالله، فهدم سورها «٣٢٣» فانفق المعتصم عليها حتى حصنها.
ثم سار حبيب بعد فتحه قاليقلا الى خلاط، فأتاه بطريقها بكتاب عياض بن غنم، الذي صالحه فيه على ماله وبلاده، وقاطعه على ما يؤديه من الاتاوة فانفذ حبيب ذلك له. وقاطع صاحب مكس، وهي من نواحي البسفرّجان «٣٢٤» عن بلادة وكتب له كتاب صلح وأمان ووجه الى قرى أرجيش، وباجنيس، بمن غلب عليها، وجبى جزية رؤوس أهلها، ولم
стр. 323
يعرض لبحيرة (الطريخ) ولم تزل هذه البحيرة مباحة حتى ولي محمد بن مروان بن الحكم الجزيرة وأرمينية، فحوى صيدها وكان يستغلها، ثم صارت لمروان بن محمد فقبضت عنه.
قالوا: ثم سار حبيب حتى نزل مرج دبيل فسرب الخيول اليها، ثم زحف حتى نزل على بابها فتحصن أهلها، ورموه فوضع عليها المنجنيق الى أن طلبوا الامان والصلح، فأعطاهم أياه وسارت خيله حتى غلب على جميع قرى دبيل، ووجه الى سراج طير، وبغروند فأتاه بطريقهما فصالحه على أتاوة يؤديها، وعلى مناصحة المسلمين وقراهم، ومعاونتهم على أعدائهم.
ثم أتى حبيب النشوى ففتحها على مثل صلح دبيل، وقدم عليه بطريق البسفرجان فصالحه على جميع بلاده على خراج يؤديه في كل سنة. ثم أتى السيسجان فحاربه أهلها فهزهم وغلب على ويص وصالح أهل القلاع بالسيسجان على خراج يؤدونه، ثم سار الى جرزان فلقيه رسول بطريقها وأهلها، فأدى اليه عنهم رسالة يطلبون فيها الامان والصلح، فكتب لاهل تفليس أمانا وشرط عليهم انه على أهل كل بيت منهم دينار، وعلى الا يجمعوا بين أهل البيوتان تخفيفا للجزية وليس عليهم أن يفرق بينهم تكثيرا لها، وعلى أن يؤدوا الاتاوة عن أرضهم.
وفتح حبيب خوارح «٣٢٥» وكسفربيس، وكسال، وخنان، وسمسغي، والجردمان، وكستسجي «٣٢٦» ، وشوشت، وبازليت صلحا على حقن دماء أهلها، واقرار مصلياتهم وحيطانهم وعلى أن يؤدوا أتاوة عن أراضيهم ورؤوسهم، وصالح أهل قلرجيت وأهل ثرياليت وخاخيط، وخوخط، وارطهال، وباب اللان، وصالح الصنارية والدودانية «٣٢٧» على أتاوة،
стр. 324
وسار سلمان بن ربيعة الباهلي حين أمره عثمان بالمسير الى أران ففتح مدينة البيلقان صلحا على ان آمنهم على دمائهم وأموالهم وحيطان مدينتهم واشترط عليهم اداء الخراج والجزية. ثم أتى سلمان برذعة فعسكر على نهر يقال له (الثرثور) «٣٢٨» مسافة ما بينه وبينها أقل من فرسخ وأغلق أهلها أبوابها فعاناها أياما وشن الغارات في قراها وكانت زروعها مستحصدة فصالحوه على مثل صلح البيلقان وفتحوا أبوابها فدخلها وأقام بها وسرت خيله ففتحت شفشين والمسقوان، وأوذ، والمصريات، والهرحليات، وتبار، وهي رساتيق وفتح غيرها من أران، ودعا أكراد البلاسجان الى الاسلام فقاتلوه فظفر بهم وأقر بعضهم بالجزية وأدى بعض الصدقة وهم قليل.
ووجه الى شمكور وهي مدينة قديمة من فتحها ولم تزل مسكونة الى ان أخربها السياوردية الذين كانوا تجمعوا عند انصراف يزيد بن أسيد السلمى عن أرمينية فغلظ أمرهم وكثرت بوايقهم «٣٢٩» ، ثم عمرها بغامولى المعتصم في سنة أربعين ومائتين وهو آنذاك والي أرمينية وأذربيجان، وأسكنها قوما من الخزر خرجوا راغبين في الاسلام، ونقل اليها التجار من برذعة وسماها (المتوكلية) نسبة الى المتوكل، ثم سار سلمان الى مجمع البرس، والكرخلف برزنج، وعبرا الكر ففتح قبله وصالح صاحب شكن والقمبيران على أتاوة، وصالحه أهل خيزان، وملك شروان وسائر ملوك الجبل، وأهل مسقط والشابران، ومدينة الباب، ثم أغلقت بعده ولقيه
стр. 325
خاقان في جيشه «٣٣٠» خلف نهر البلنجر، فقتل في أربعة آلاف من المسلمين ﵏ . وفيه وفي قتيبة بن مسلم يقول ابن جمانة الشاعر «٣٣١» الباهلي:
وإن لنا قبرين قبرا بلنجر ... وقبرا بصين استان يالك من قبر «٣٣٢»
ولما ورد على عثمان نعي سلمان، كتب الى حبيب بأن يكون مقيما بالثغور الشامية والجزرية للغزو بها، وولى أرمينية حذيفة بن اليمان العبسي، فشخص الى برذعة ووجه عماله على ما بينهما وبين قاليقلا. ثم أمره عثمان بتخليف صلة بن زفر العبسي، على عمله والانصراف اليه.
وولي عثمان المغيرة بن شعبة أرمينية وأذربيجان، ثم عزله وولي القاسم ابن ربيعة بن أمية بن أبي الصلت الثقفي. ثم ولى الاشعث بن قيس لامير المؤمنين علي بن أبي طالب (رحمة الله عليه) «٣٣٣» أرمينية وأذربيجان ثم وليها عبد الله بن حاتم بن النعمان بن عمرو الباهلي لمعاوية فمات بها، فولاها
стр. 326
معاوية أخاه عبد العزيز «٣٣٤» فبنى مدينة دبيل وحصنها وكبر مسجدها، وبنى مدينة النشوى ورم مدينة برذعة، ويقال: انه جدد بناءها وأحكم حصن الفارقين حولها وجدد بناء مدينة البيلقان، وكانت هذه المدن متشعثة مستهدمة ويقال: ان الذي جدد بناء برذعة محمد بن مروان في أيام عبد الملك ابن مروان.
ولما كانت فتنة ابن الزبير انقضت «٣٣٥» أرمينية وخالف أحرارها واتباعهم، فلما ولي محمد بن مروان لاخيه عبد الملك ظفر بهم فقتل وسبى وغلب على البلاد، ثم وعد من بقى منهم أن يفرض لهم في الشرف «٣٣٦» وجمعهم لذلك في كنائس من عمل خلاط فاغلقها عليهم ووكل بأبوابها ثم حرقهم فيها، وولى سليمان بن عبد الملك أرمينية عدي بن عدي ابن عميرة الكندي، وكان عدي بن عميرة ممن نزل الرقة مفارقا لعلي ابن أبي طالب ﵀ ثم أقره عليها عمر بن عبد العزيز، وهو صاحب نهر عدى بالبيلقات. ثم يزيد بن عبد الملك، معلق بن صفار البهراني، ثم عزله وولي الحارث بن عمرو الطائي، وولى الجراح بن عبد الله الحكمي، فنزل برذعة فرفع اليه اختلاف المكاييل بها وموازينها فأقامها على العدل والوفاء واتخذ، مكيالا يدعى الجراحي فأهلها الى اليوم يتعاملون به.
ثم عبر الكر وسار حتى قطع النهر المعروف بالسمور وغزا بلاد الخزر فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقاتل أهل بلاد حمزين ثم صالحهم على أن ينقلهم الى رستاق خيزان، وجعل لهم منه قريتين وأوقع بأهل غوميك وسبى منهم، ثم قفل فنزل شكى، وشتى «٣٣٧» جنده ببردغة، والبيلقان وجاشت الجزر
стр. 327
وعبرت الرس فحاربهم في صحراء ورثان ثم انحازوا الى ناحية أردبيل فواقعهم على أربعة فراسخ منها مما يلي أرمينية فأقتتلوا ثلاثة أيام فأصيب ومن كان معه فسمى ذلك النهر نهر الجراح ونسب جسر كان عليه الى الجراح أيضا. ثم ان هشام بن عبد الملك ولى مسلمة أخاه أرمينية وانفذ على مقدمته سعيد بن عمرو بن أسود الجرشي ومعه أسحق بن مسلم العقيلي وأخوته، [و] «٣٣٨» جعونه بن الحارث العامري، وذفافة، وخالد ابنا عمير بن الحباب السّلمي، والفرات بن سلمان الباهلي، والوليد بن القعقاع العبسي فواقع الخزر وقد حاصروا ورثان فكشفهم عنها فأتوا ميمذ من عمل أذربيجان، فلما تهيأ لقتالهم أتاه كتاب مسلمة يلومه على قتال الخزر قبل قدومه، ويعلمه انه قد ولى أمر عسكره عبد الملك بن مسلم العقيلي، فلما سلم العسكر أخذه رسول مسلمة فقيده وحمله الى برذعة، وانصرف الخزر فاتبعهم مسلمة وكتب بذلك الى هشام فكتب اليه:-
أتتركهم بميمذ قد تراهم ... وتطلبهم بمنقطع التراب
وأمره باخراج الجرشي من السجن، وصالح مسلمة أهل خيزان وأمره بحصنها فهدم واتخذ بها ضياعا تدعى في هذا الوقت حوز خيزان، وسالمه ملوك الجبل [وصار اليه شروانشاه، وليرانشاه، وطبرانشاه، وفيلانشاه وجرشانشاه] «٣٣٩» وصار اليه صاحب مسقط وصمد لمدينة الباب، ففتحها وكان في قلعتها ألف أهل بيت من الخزر فحاصرهم ورماهم بالحجارة، ثم بحديد اتخذه على هيئة الحجارة فلم ينتفع بذلك، فعمد الى العين التي كان انوشروان أجرى منها الماء الى صهريجهم، فذبح الغنم والبقر وألقى
стр. 328
الفروث والحلتيت فيها، فلم يلبث ماؤهم الا ليلة حتى دود وأنتن وفسد، فلما جن عليهم الليل هربوا وأخلوا القلعة وأسكن مسلمة مدينة الباب والابواب أربعة وعشرين ألفا من أهل الشام على العطاء، فأهل الباب الى اليوم لا يدعون عاملا «٣٤٠» يدخل الا ومعه مال يفرقه فيهم.
ثم ولى هشام بعد مسلمة، سعيدا الجرشي فأقام بالثغر سنتين، ثم ولاه مروان بن محمد فنزل كسال وهو بنى مدينتها من برذعة على أربعين فرسخا ومن تفليس على عشرين فرسخا. ثم دخل أرض الخزر مما يلي باب اللان وأدخلها أسيد بن زافر السلمي، أبا يزيد معه ملوك الجبال من ناحية الباب والابواب. فأغار مروان على صقالبة كانوا بأرض الخزر فسبى منهم عشرين ألف أهل بيت فأسكنهم خاخيط ثم انهم قتلوا أميرهم وهربوا فلحقهم وقتلهم.
ولما بلغ عظيم الخزر كثرة من وطئ به مروان بلاده من الرجال وما هم عليه من النجدة والبأس نخب ذلك قلبه وملاءه رعبا، فلما دنا منه مروان أرسل اليه رسولا يدعوه الى الاسلام، أو الحرب، فقبل الاسلام، وسأل ان يوجه اليه بمن يأخذه عليه، فلما فعل مروان ما سأله من ذلك ليظهر الاسلام، وو أدع مروان على ان أقره على مملكته، وسار مروان نحوه بخلق كثير من الخزر، فأنزلهم ما بين السمور والشابران في سهل أرض اللكز. ثم ان مروان دخل أرض ملك السرير فأوقع بأهلها، وفتح قلاعا فيها ودان له ملك السرير واطاعه وصالحه على ألف راس وخمسمائة جارية سود الشعور والحواجب واشفار العيون في كل سنة، وعلى مائة ألف مدى تصب «٣٤١» في اهراء الباب والابواب، وأخذ منه بذلك الرهن. وصالح مروان توامان على مائة راس وخمسين غلاما، وخمسين
стр. 329
جارية خماسيين سود الشعور والحواجب وأهداب الاشفار، وعشرين ألف مدى للاهراء في كل سنة، ثم دخل «٣٤٢» أرض زريكران «٣٤٣» فصالحه ملكها على خمسين راسا وعشرة آلاف مدي للاهراء في كل سنة. ثم أتى أرض حمزين فأبى حمزين «٣٤٤» أن يصالحه، وافتتح حصنهم بعد ان حاصرهم فيه شهرا، وأحرق وأخرب ثم نجع بالصلح فكان صلحه على خمسمائة رأس يؤديها دفعة واحدة. ثم لا يكون عليه سبيل وعلى أن يحمل ثلاثين ألف مدى الى أهراء الباب في كل سنة. ثم أتى سندان فأفتتحها صلحا على مائة رأس يعطيه أياها صاحبها دفعة، ثم لا يكون عليه سبيل فيما يستقبل، وعلى أن يحمل في كل سنة الى أهراء الباب خمسة آلاف مدى.
ووظف على طبر سرانشاه عشرة آلاف مدى في كل سنة تحمل الى أهراء الباب ولم يوظف على فيلانشاه شيئا وذلك لحسن «٣٤٥» غنائه وجميل بلائه واحماده أمره ثم نزل مروان على قلعة اللكلز، وقد امتنع صاحبها من اداء شيء من الوظيفة، وخرج يريد صاحب الخزر فقتله راع بسهم رماه وهو لا يعرفه، فصالحه أهل اللكلز على عشرين ألف مدى تحمل الى الاهراء، وولى عليهم خشرما٣٤»
السلمي، وسار مروان الى قلعة صاحب شروان وهي تدعى خرش، وهي على البحر فاذعن بالطاعة والانحدار الى السهل وألزمهم عشرة آلاف مدي في كل سنة، وجعل على صاحب شروان أن يكون في المقدمة اذا بدأ المسلمون لحرب الخزر، ثم في الساقة اذا رجعوا، وعلى فيلانشاه أن يغزوا معهم فقط. وعلى طبر سرانشاه أن يكون في الساقة وفي المقدمة اذا انصرفوا، ثم سار مروان الى الدوادنية فأوقع بهم، ثم جاءه
стр. 330
قتل الوليد بن يزيد، وخالف عليه ثابت بن نعيم الجذامي، وتقلد مسافر القصاب من أهل الباب من قبل الضحاك الخارجي أرمينية وأذربيجان، والتاثت «٣٤٧» الامور الى أيام أبي العباس فلما كانت تلك الايام تولى أبو جعفر الجزيرة وأرمينية أنقذ قائدا من أهل خراسان فقتل مسافرا وظفر بمن معه من الخوارج.
ثم لما استخلف المنصور ولى يزيد بن اسيد السلمي أرمينية ففتح باب اللان «٣٤٨» ، ورتب فيه رابطة من أهل الديوان، ودوخ الصنارية حتى أدوا الخراج، وكتب اليه المنصور يأمره بمصاهرة ملك الخزر ففعل، وولدت له ابنته ابنا فمات وماتت في نفاسها، وبعث الى يزيد نفاطة أرض شروان وملاحتها فجباهما ووكل بهما وبنى يزيد مدينتي ارجيل الكبرى والصغرى، وأنزلهما أهل فلسطين. وكانت أرمينية انتفضت في ولاية الحسن بن قحطبة الطائي بعد عزل يزيد بن اسيد، وبكار بن مسلم العقيلي، وقاتلته الارمن «٣٤٩» ورئيسهم موشائيل «٣٥٠» الارمني فأمده المنصور بجيوش عليها عامر بن اسماعيل [الحارثي] فواقع الحسن، موشائيل. [فقتل وفضت الجموع واستقامت له الامور وهو الذي نسب اليه نهر الحسن بالبيلقان والباغ الذي يعرف بباغ الحسن، وببرذعة والضياع المعروفة بالحسينية.
وولي بعد الحسن بن قحطبة عثمان بن عمارة بن خريم، ثم روح بن حاتم المهلبي، ثم خزيمة بن خازم، ثم يزيد بن مزيد الشيباني، ثم عبيد الله بن المهدي، ثم الفضل بن يحيى، ثم سعيد بن سالم، ثم محمد بن يزيد بن مزيد. وكان خزيمة أشدهم ولاية وهو الذي سن المساحة بدبيل والنشوى ولم يكن قبل ذلك.
стр. 331
ولم يزل بطارقة أرمينية مقيمين في بلادهم يحمي كل واحد منهم ناحيته. ووليهم خالد بن يزيد بن مزيد في خلافة المأمون فقبل هداياهم وخلطهم بنفسه فأفسدهم ذلك وجرأهم على من بعده من عمال المأمون.
ثم ولى المعتصم بالله الحسن بن علي الباذغيسى المعروف بالمأموني الثغر، فأهمل بطارقته وأحراره ولان لهم حتى ازدادوا فسادا على السلطان وكلا على من يليهم من الرعية، وغلب اسحاق بن اسماعيل بن شعيب مولى بني أمية على جرزان، ووثب سهل بن سنباط البطريق على عامل حيدر ابن كاوس الافشين على أرمينية فقتل كاتبه وافلت بحشاشة نفسه، ثم ولى أرمينية عمال كانوا يقبلون من أهلها العفو ويرضون من خراجها بالميسور.
ثم ولى المتوكل على الله يوسف بن محمد بن يوسف المروزي أرمينية لسنتين من خلافته، فلما صار بخلاط أخذ بطريقها بقراط بن اشوط، فحمله الى سر من رأى فأوحش البطارقة والاحرار والمتغلبة ذلك منه. ثم انه عمد عامل له يقال له العلاء بن أحمد الى دير بالسيسجان يعرف بدير الاقداح لم تزل نصارى أرمينية تعظمه وتهدي اليه فأخذ منه جميع ما كان فيه وعسف أهله فأكبرت البطارقة ذلك وأعظمته، وتكاتبت فيه وحض بعضهما على بعض على الخلاف والنقض ودسوا الى الخويثية وهم علوج يعرفون بالارطان في الوثوب بيوسف وحرضوهم عليه لما كان من حملة بقراط بطريقهم ووجه كل امرئ منهم ومن المتغلبة خيلا ورجالا ليؤيدوهم على ذلك فوثبوا به بطرون، وقد فرق أصحابه في القرى فقتلوه وأحتووا على ما كان في عسكره فولى أمير المؤمنين المتوكل على الله بغا الكبير أرمينية فلما صار الى بدليس أخذ موسى بن زرارة وكان ممن هوى قتل يوسف وأعان عليه غضبا لبقراط، وحارب الخويثية فقتل منهم مقتلة عظيمة
стр. 332
وسبى سبيا كثيرا، ثم حاصر أشوط بن حمزة بن جاجق بطريق البسفرجال وهو بالبلق فاستنزله من قلعته وحمله الى سر من رأى وسار الى جرزان فظفر باسحاق بن اسماعيل فقتله صبرا، وفتح جرزان وحمل من بأران وظاهر أرمينية ممن بالسيسجان من أهل الخلاف والمعصية من النصارى وغيرهم حتى صلح ذلك الثغر صلاحا لم يكن على مثله ثم قدم سر من رأى فى سنة احدى وأربعين ومائتين.
فتوح مصر والمغرب
كان عمر بن العاص حاصر قيسارية بعد انصراف الناس من حرب اليرموك، ثم استخلف عليها ابنه حين ولي يزيد بن أبي سفيان ومضى الى مصر من تلقاء نفسه في ثلاثة آلاف وخمسمائة، فغضب عمر لذلك وكتب اليه يوبخه ويعنفه على افتياته عليه برأيه وأمره بالرجوع الى موضعه ان وافاه كتابه دون مصر. فورد عليه الكتاب وهو بالعريش، وقيل أيضا:
ان عمر كتب الى عمرو بن العاص يأمره بالشخوص الى مصر فوافاه كتابه وهو محاصر قيسارية وكان الذي أتاه شريك بن عبدة فأعطاه ألف دينار، فأبى شريك قبولها، فسأله أن يستر ذلك ولا يخبر به عمر.
قالوا: وكان مسير عمرو الى مصر في سنة تسع عشرة فنزل العريش ثم أتى الفرماء وبها قوم مستعدون للقتال فحاربهم فهزمهم وحوى عسكرهم ومضى قدما الى الفسطاط فنزل جنان الريحان] «٣٥١» وقد خندق أهل الفسطاط عليهم وكان اسم مدينة الفسطاط (اليونة) ، فسماها المسلمون الفسطاط لانهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم، وقيل: ان عمرو بن العاص ضرب بها فسطاطا فسميت بذلك، وكان عمرو بن العاص قد دخل
стр. 333
الى مصر في ثلاثة آلاف وخمسمائة فلم يلبث ان ورد عليه الزبير بن العوام في عشرة آلاف، ويقال: اثنتي عشر ألفا «٣٥٢» متطوعا محتسبا، قالوا:
فكان عمرو يقاتل من وجه والزبير في آخر، ثم ان الزبير أتى بسلم فصعد عليه حتى صار في أعلى الحصن وهو مجرد سيفه فكبر وكبر المسلمون معه وأتبعوه ففتح الحصن عنوة، واستباح المسلمون ما فيه وأقر عمرو أهله على أنهم ذمة، ووضع عليهم الجزية في رقابهم، والخراج في أرضهم، وكتب بذلك الى عمر فأجازه. واختط الزبير بمصر وابتني دارا معروفة به، والناس يختلفون في مصر انها صلح أو عنوة، وانما السبب في اختلافهم ان الزبير لما علا الحصن وأتبعه المسلمون فدخلوا، قال صاحب اليونة وهي الفسطاط: انه قد بلغنا فعلكم بالشام ووضعكم الجزية على النصارى واليهود واقراركم الارض في أيدي أهلها يعمرونها ويؤدون خراجها وان فعلتم بنا ذلك كان أرد عليكم من قتلنا وسبينا واجلائنا فاستشار الناس فأشاروا عليه «٣٥٣» بأن يفعل، الا نفرا منهم رأوا أن يقسم الارض بينهم فوضع على كل حالم دينارين الا أن يكون فقيرا وألزم كل ذى أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة، وقسطي زيت، وقسطي عسل، وقسطي خل رزقا للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم، وأحصى المسلمين فألزم أهل مصر لكل واحد منهم جبة صوف، وبرنسا وعمامة وسراويل، وخفين في كل عام. أو مكان الجبة الصوف ثوبا قبطيا، وكتب عليهم بذلك كتابا وشرط لهم اذا وفوا به الا تباع نساؤهم وأبناؤهم ولا يسبوا وان تقر أموالهم وكنوزهم في أيديهم وكتب به الى عمر فأجازه، وصارت الارض أرض خراج الا انه لما وقع هذا الشرط والكتاب، قال بعض الناس: انها فتحت صلحا. ولما فرغ ملك اليونة من أمر نفسه ومن معه
стр. 334
في مدينته صالح عن جميع أهل مصر على مثل صلح اليونة فرضوا به ووضع عمرو بن العاص على أرض مصر الخراج فجعل على كل جريب دينارا وثلاثة أرادب طعام وعلى رأس كل حالم دينارين وكتب به الى عمر فأنفذه وكتب عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص «٣٥٤» في سنة احدى وعشرين يعلمه ما أهل المدينة فيه من الجهد، ويأمره أن يحمل ما يقبض من الطعام في الخراج الى المدينة في البحر فكان ذلك يحمل ويحمل معه الزيت، فاذا ورد الجار حمل منها الى المدينة فجعل في دار بها وقسم بين الناس بمكيال «٣٥٥» ، فانقطع ذلك في الفتنة الاولى، ثم حمل في أيام معاوية ويزيد ثم انقطع في زمن عبد الملك بن مروان، ولم يزل بعد ذلك يحمل الى خلافة أبي جعفر أو قبيلها.
وفي رواية اخرى ان أهل مصر صولحوا في خلافة عمر بعد الصلح الاول مكان «٣٥٦» الحنطة والزيت والخل والعسل على دينارين زيادة في الجزية فألزم كل رجل منهم أربعة دنانير فرضوا به وآثروه. ولما فتح عمرو بن العاص الفسطاط وجه عبد الله بن حذافة السهمي الى عين شمس فغلب على أرضيها وصالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط ووجه خارجة بن حذافة العدوي الى الفيوم، والاشمونين، واخميم، والبشرودات «٣٥٧» ، وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك. ووجه عمير بن وهب الجمحي الى تنيس، ودمياط، وتونة، ودميرة وشطا
стр. 335
ودقهلة، وبنا، وبوصير، ففعل ذلك، ووجه عقبة بن عامر الجهني، ويقال: وردان مولاه صاحب السوق بمصر الى سائر قرى أسفل الارض ففعل مثل ذلك واستجمع عمرو بن العاص ففتح مصر فصارت كلها خراجية.
وجبى «٣٥٨» عمرو خراج مصر وجزيتها ألفي ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أربعة آلاف ألف دينار، فقال عثمان: لعمرو ان اللقاح بمصر بعدك قد درت ألبانها فقال عمرو: انما ذلك لانكم أعجفتم أولاها.
وذكر المدائني: ان عمر بن الخطاب كان يكتب أموال عماله اذا ولاهم ثم يقاسمهم ما يزيد على ذلك اذا رجعوا وربما أخذ جميعه منهم فكتب الى عمرو بن العاص «انه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن حين وليت مصر» فأجابه عمرو بن العاص بأن أرضه أرض متجر ومزدرع وانه أصاب فضلا عما يحتاج اليه لنفقته فكتب اليه: اني قد خبرت من عمال السوء ما كفي وكتابك كتاب من قد أقلقه لاخذ بالحق وقد سؤت بك ظنا وقد وجهت اليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك فأطلعه طلعة وأخرج اليه مما يطالبك به واعفه من الغلظة عليك فأنه برح الخفاء، قال المدائني: فلما قاسم محمد بن مسلمة، عمرو بن العاص، قال: ان زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة هذه المعاملة «٣٥٩» لزمان سوء، فقال محمد: لولا زمان ابن حنتمة هذا الذي تكرهه الفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك يسرك غزرها ويسوءك بكاؤها، قال: أنشدك الله ان لا تخبر عمر بذلك فأن المجالس بالامانة، فقال: لا أذكر شيئا مما جرى وعمر حي.
стр. 336
فتح الاسكندرية
قالوا: لما فتح عمرو بن العاص مصر أقام «٣٦٠» بها وكتب الى عمر يستأمره في الزحف الى الاسكندرية، فكتب اليه عمر يأمره بذلك؛ فسار اليها في سنة احدى وعشرين [واستخلف على مصر] «٣٦١» خارجة بن حذافة وكان من دون الاسكندرية من [الروم والقبط] «٣٦٢» قد تجمعوا له ليصيروا اليه فلقيهم بالكريون «٣٦٣» فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكان فيهم من أهل، سخا، وبلهيت، والخيس، وسلطيس وغيرهم قوم رفدوهم وعاونوهم. ثم سار عمرو الى الاسكندرية، فوجد أهلها معدين لقتاله، الا ان القبط منهم يحبون الموادعة، فأرسل اليه المقوقس يسأله، الصلح والمهادنة الى مدة، فأبى عمرو ذلك.
فأراد المقوقس أجابه عمرو الى ما سأله أياه من الصلح فأبى عليه أصحابه وأغلظوا له في القول، وأبو الا المحاربة فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا وحصروهم ثلاثة أشهر. ثم ان عمروا فتحها بالسيف وغنم ما فيها، واستبقى أهلها وجعلهم ذمة كأهل اليونة. وكتب الى عمر بالفتح وبعث «٣٦٤» اليه بالخمس.
وقد روى بعضهم: ان المقوقس صالح عمروا على ثلاثة عشر ألف دينار على أن يخرج من الاسكندرية من أراد الخروج، ويقيم بها من أحب المقام. وعلى ان يفرض على كل حالم من القبط دينارين وكتب لهم بذلك كتابا، وكتب عمر «ان الله قد فتح الاسكندرية
стр. 337
علينا بلا عهد» . وجعل بها رابطة، واستخلف «٣٦٥» عليها وانصرف الى الفسطاط. فبعث طاغية الروم ثلثمائة مركب مشحونة بالمقاتلة وعليهم رجل من أصحابه يقال له، منوئيل، فدخل الاسكندرية، وقتل من بها من المسلمين الا من لطف للهرب، وذلك في سنة خمس وعشرين، وبلغ ذلك عمروا «٣٦٦» فسار اليهم في خمسة عشر ألفا فتحصن من بها من الروم فنصب عمرو عليها المجانيق وألح بالحرب حتى أخرب جدارها «٣٦٧» ، ودخلها بالسيف عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقتل منوئيل، وهدم المسلمون ما بقى من جدار الاسكندرية [لان] «٣٦٨» عمرا كان قد نذر أنه ان فتحها فعل ذلك وسبى أهل القرى الذين نقضوا أو أعانوا في الحرب وهي بلهيت والخيس، وسلطس، فودع سبيها «٣٦٩» الى المدينة فردهم عمرو وصيرهم وجماعة القبط أهل ذمة «٣٧٠» ، فالاسكندرية في القول الاكثر انها عنوة وفي قول يزيد بن أبي حبيب انها صلح.
وروى عن الواقدي، يرفعه الى عمر بن عبد العزيز انه قال: لم نفتح قرية من المغرب على صلح الا ثلاثا: الاسكندرية، وكفرطيس، وسلطيس، وانه كان يقول: من أسلم من أهل هذه المواضع خلي سبيله وسبيل ماله.
قالوا: قامت الحبش من البيما بعد فتح مصر يقاتلون سبع سنين ما يقدرون عليهم لما يفجرونه من المياه في الغياض «٣٧١» .
стр. 338
فتح برقة وزويلة
وسار عمرو بن العاص، بعد فتحه الاسكندرية في جنده يريد المغرب، حتى قدم برقة وهي مدينة أطرابلس، فصالح أهلها على الجزية وهي ثلاثة عشر ألف دينار يبيعون «٣٧٢» فيها من أبنائهم من اختاروا بيعه. وكتب لهم بذلك كتابا، وكتب الى عمرو بن الخطاب يعلمه ان من بين برقة وزويلة سلم كلهم حسنة طاعتهم فأدى مسلمهم الصدقة، وأقر معاهدهم بالجزية، وانه قد وضع على أهل زويلة ومن بينه وبينها ما رأى انهم يطيقونه، وأمر عماله جميعا ان يأخذوا الصدقة من الاغنياء فيردوها في الفقراء، ويأخذوا الجزية من الذمة فتحمل اليه الى مصر، وان يؤخذ من أرض المسلمين العشر ونصف العشر ومن أهل الصلح صلحهم.
وقال يزيد بن أبي حبيب: ان عمرو بن العاص كتب في شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة ان عليكم ان تبيعوا أبناءكم ونساءكم فيما عليكم من الجزية، قال الليث بن سعد: فلو كانوا عبيدا ما جاز ذلك منهم.
وروي: ان عمر بن عبد العزيز، كتب في اللواتيات ان من كان عنده لواتية فليخطبها الى أبيها، أو فليرددها الى أهلها، ولواتة قرية من البربر كان لهم عهد.
فتح طرابلس
وسار عمر بن العاص حتى نزل طرابلس في سنة اثنتين وعشرين، فقوتل ثم [افتتحها عنوة وأصاب بها احمال بزيون مع تجارها، فباعه وقسم ثمنه في «٣٧٣» المسلمين، وكتب الى عمر يعرفه بلوغهم الى طرابلس، وان بينهم
стр. 339
وبين أفريقية تسعة أيام، ويستأذنه في غزوها، وكان قد بلغ عمر بن الخطاب ان أهلها كانوا يؤدون الى ملك الروم شيئا فكانوا يغدرون به كثيرا. وكان ملك الاندلس صالحهم ثم غدر بهم فكتب اليه عمر في الجواب ينهاه عنها ويذكر له ما تناهى اليه من حال أهلها، وقال بعض الرواة: ان طرابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص] «٣٧٤» .
[فتح] «٣٧٥» أفريقية
قالوا: ولما ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، مصر والمغرب، وكان عثمان بن عفان متوقفا عن غزوها، ثم انه عزم على ذلك بعد ان استشار فيه، فكتب «٣٧٦» الى عبد الله [بن سعد] «٣٧٧» في سنة سبع وعشرين، ويقال: في سنة ثمان وعشرين، ويقال: في سنة تسع وعشرين يأمره بغزوها وأمده بجيش كثيف فيهم معبد بن العباس بن عبد المطلب، ومروان بن الحكم، والحارث أخوه وعبد الله بن الزبير، والمسور٣٧»
بن مخرمة، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعبد الله بن عمر «٣٧٩» ، وعاصم بن عمر، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وبسر بن [أبي «٣٨٠» ارطاة] «٣٨١» ، وأبو ذؤيب «٣٨٢» الهذلي الشاعر، وبأفريقية مات.
стр. 340
فسار عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حتى حل بعقوبة «٣٨٣» وكان بها بطريق سلطانه من «٣٨٤» طرابلس الى طنجة فقاتله أياما. ثم ان الله قتله وهرب جيشه فتمزقوا وكان المتولي لقتله عبد الله بن الزبير، وبث ابن أبي سرح السرايا ففرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة. فلما رأى ذلك عظماء أفريقية طلبوا الى عبد الله [ابن سعد] «٣٨٥» أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم، ويخرج من بلادهم فقبل ذلك. وقال الواقدي: ان هذا الصلح بلغ ألفي ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألفا. فدل على ان القنطار ثمانية آلاف وأربعمائة دينار «٣٨٦» .
فلما صالح عبد الله بن سعد أهل أفريقية رجع الى مصر، ولم ينزل على أفريقية أحدا، ولم يكن لها حينئذ قيروان «٣٨٧» ولا مصر جامع. فلما قتل عثمان وقد كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة ابن ربيعة تغلب على مصر وانغلها على عثمان، وكان الوالي على مصر من قبل معاوية، عمرو بن العاص، ثم عزله معاوية. وولي معاوية بن حديج السكوني فبعث في سنة خمسين الى أفريقية عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط الفهري، فبناها واختط قيروانها، وكان موضوعها غيضة ذات شجر وطرفاء فيها السباع والحيات التي لا ترام، وبنى بها المسجد الجامع، ووجه ابن نافع،
стр. 341
بسر بن أبي ارطاة الى قلعة على أيام من القيروان عنده «٣٨٨» معدن الفضة، وبالقرب من مدينة تدعي مجانة فافتتحها وقتل وسبى فسميت تلك القلعة قلعة بسر، وهي تعرف بذلك الى اليوم. وقد كان علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه «٣٨٩» ، ولي قيس بن سعد بن عبادة الانصاري مصر، ثم عزله واستعمل محمد بن أبي بكر الصديق، ثم عزله وولي مالك الاشتر، فاغتيل بالقلزم، فأعاد اليها محمد بن أبي بكر، فقتله معاوية بن حديج وأحرقه في جوف حمار، ثم عزل معاوية بن أبي سفيان، معاوية بن حديج، وولى مصر والمغرب، مسلمة بن مخلد الانصاري، فولى المغرب، أبا المهاجر مولاه فلما ولي الامر يزيد بن معاوية رد عقبة بن نافع الى عمله من المغرب، فغزا السوس الادنى وهو خلف طنجة، وجول فيما هناك لا يعرض له أحد بقتال، فانصرف «٣٩٠» ومات يزيد بن معاوية، وبويع لابنه معاوية بن يزيد وهو أبو ليلى، فنادى الصلاة جامعة، ثم تبرأ من الخلافة وجلس في بيته ومات بعد شهرين.
فولى عبد الله بن الزبير مصر ابن جحدم، وهو عبد الرحمن ابن عقبة الفهري، فاخرج عن مصر. ويقال: قتل بها فولى مروان عقبة بن نافع ولما استقام الامر لعبد الملك بن مروان بعد فتنة ابن الزبير استعمل أخاه عبد العزيز بن مروان على مصر فولى أفريقية زهير بن قيس البلوي ففتح تونس ثم انصرف الى برقة وبلغه ان جماعة من الروم خرجوا من مراكب كانوا فيها فعاثوا فتوجه اليهم في جريدة خيل فاستشهد ومن كان معه فولى
стр. 342
عبد العزيز بن مروان، حسان بن النعمان الغساني مكانه، فغزا ملكة البربر الكاهنة فهزمته فأتى قصورا في حيز برقة فنزلها فسميت قصور حسان الى اليوم، ثم ان حسان غزاها ثانية فقتلها وسبى سبيا من البربر وبعث «٣٩١» بهم الى عبد العزيز وهم السبي الذين ذكر نصيب الشاعر انه رآهم عند عبد العزيز بن مروان فلم ير وجوها أحسن من وجوههم.
ثم وجه عبد العزيز بن مروان موسى بن نصير مولى بني أمية، وأصله من عين التمر، ويقال بل هو من بلى «٣٩٢» من اراشة، ويقال، هو من لخم، واليا على أفريقية ففتح طنجة وبلغت خيله السوس الادنى وبينه وبين السوس الاقصى مسيرة نيف وعشرين يوما، ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ولى المغرب اسماعيل بن عبيد الله بن المهاجر مولى بني مخزوم فسار أحسن سيرة ودعا البربر الى الاسلام [و] «٣٩٣» كتب عمر بن عبد العزيز اليهم في ذلك كتبا فأسلم منهم خلق وغلب الاسلام على نواحي المغرب مذ ذاك.
وولي يزيد بن عبد الملك فولى يزيد بن مسلم مولى الحجاج «٣٩٤» أفريقية [والمغرب فقدم أفريقية] «٣٩٥» في سنة اثنتين ومائة وكان حرسه من البربر فوسم على يد كل منهم حرسي فأنكروا ذلك وكرهوا سيرته فقتلوه فولى يزيد بن عبد الملك مكانه بشر بن صفوان الكلبي فضرب عنق عبد الله بن موسى بن نصير صبرا لانه اتهمه بتأليب الناس على يزيد بن مسلم. ثم ولى هشام بن عبد الملك فأقر بشر بن صفوان أيضا، فتوفي بالقيروان سنة تسع
стр. 343
ومائة، فولى هشام مكانه عبد الله «٣٩٦» بن عبد الرحمن القيسي «٣٩٧» . ثم استعمل بعده عبد الله بن الحبحاب مولى بنى سلول، فأغزى عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري السوس، وأرض السودان فظفر ظفرا لم يظفر مثله أحد. ثم ولى بعد ابن الحبحاب، كلثوم بن عياض القشيري، فقدم أفريقية في سنة ثلاث وعشرين، فقتل فولي بعده حنظلة ابن صفوان الكلبي، أخا بشر بن صفوان فقاتل الخوارج، وتوفي هناك، وهو وال وقام الوليد بن يزيد بن عبد الملك فخالف عليه عبد الرحمن بن حبيب الفهري وكان محببا في ذلك الثغر لما كان من اثار جده عقبة بن نافع فيه فمكث متغلبا عليه، وقام يزيد بن الوليد فلم يبعث الى المغرب عاملا «٣٩٨» ، وقام مروان فكاتبه عبد الرحمن بن حبيب. وأظهر له الطاعة وبعث اليه هدايا فأقره «٣٩٩» مروان على الثغر ومات فولى بعده الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن، ثم غلب البربر والاباضية من الخوارج، ودخل محمد بن الاشعث الخزاعي أفريقية واليا عليها في آخر خلافة أبي العباس، في خلق بعض الناس، يقول: في سبعين ألفا وبعضهم يقول في أربعين ألفا فوليها أربع سنين ورم مدينة القيروان ثم عزله المنصور وولي عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة العتكي «٤٠٠» وهو الذي يسمى هزار مرد وكان المنصور به معجبا فدخل أفريقية وغزا منها حتى بلغ بلد البربر، وابتنى هناك مدينة سماها العباسية، ثم ان أبا حازم السدراتي الاباضي من أهل سدراتة، وهو مولى لكندة قاتله فاستشهد
стр. 344
وجماعة من أهل بيته وانتقض الثغر وهدت «٤٠١» تلك المدينة الى أساسها، وولي بعد هزار مرد، يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فخرج في خمسين ألفا وشيعه المنصور الى بيت المقدس وانفق عليه مالا عظيما فسار يزيد حتى لقى السدراتي بطرابلس «٤٠٢» فقتله ودخل أفريقية، فاستقامت. ثم ولى بعد يزيد بن حاتم روح بن حاتم، ثم الفضل بن روح فوثب الجند عليه فذبحوه وكان الاغلب بن سالم التميمي من أهل مرو الروذ فيمن قدم من المسودة «٤٠٣» من خراسان فولاه موسى الهادي المغرب فجمع له حريش، وهو رجل كان من جند الثغر من أهل تونس- جمعا وسار اليه وهو بقيروان أفريقية فحصره. ثم ان الاغلب خرج اليه فقاتله فأصابه في المعركة سهم فسقط ميتا وأصحابه لا يعلمون ولم يعلم أصحاب حريش أيضا بذلك ثم ان حريشا انهزم وجيشه فأتبعهم أصحاب الاغلب ثلاثة أيام فقتلوا عامتهم وقتلوا حريشا بموضع يعرف بسوق الاحد، وكان ابراهيم بن الاغلب من وجوه جند مصر، فوثب اثنا عشر رجلا معه فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم لم يزدادوا على ذلك شيئا وهربوا فلحقوا بموضع يقال له الزاب وهو من القيروان على مسيرة أكثر من عشرة أيام، وعامل القيروان يومئذ من قبل الرشيد هرون بن هرثمة بن اعين وراسل ابراهيم من كان بتلك الناحية من الجند وغيرهم، وأقبل يهدي الى هرثمة ويلاطفه ويكتب اليه بأن الذي دعاه الى ما فعله الخلة، والضرورة، فولاه هرثمة ناحيته واستكفاه أمرها فلما صرف هرثمة وولي بعده ابن العكي ساء أثره في الثغر حتى انتقض عليه فاستشار الرشيد هرثمة في رجل يوليه، فأشار باستصلاح ابراهيم وتوليته فكتب اليه الرشيد بأنه قد صفح عن جرمه وقلده الثغر
стр. 345
اصطناعا له، فأبتنى ابراهيم القصر الابيض الذي في قبلة القيروان على ميلين منها، وخط الناس «٤٠٤» حوله فبنوا ومصر ما هناك، وبنى فيه مسجدا جامعا بالجص والاجر وجعل له عمد الرخام وسمى تلك المدينة، العباسية فهي اليوم آهلة عامرة وكان من أمر ابن الاغلب ما كان.
[فتح] «٤٠٥» طنجة
قد تقدم أخبارنا بأن عبد العزيز بن مروان، لما وجه موسى بن نصير واليا على أفريقية في سنة تسع وثمانين في ولاية الوليد بن عبد الملك كان من أمره فيها ما تقدم الا انه لما فتح طنجة نزلها وهو أول من نزلها واختط بها المسلمون، وانتهت خيله الى السوس الادنى فوطئهم وسبى منهم وأدوا اليه الطاعة وقبض عامله منهم الصدقة ثم انه استخلف عليها طارق بن زياد مولاه وانصرف الى قيروان أفريقية.
[فتح] «٤٠٦» الاندلس
وغزا طارق بن زياد الاندلس، وهو أول من غزاها وذلك في سنة اثنين وتسعين فلقيه اليان، وكان واليا على مجاز الاندلس، فأمنه طارق على ان حمله وأصحابه الى الاندلس في السفن فلما صاروا اليها حاربه أهلها وكان ملكها فيما يزعمون من الاسبان وأصلهم من أصبهان ففتحها طارق فكتب موسى الى طارق كتابا غليظا يلومه فيه وافتتانه بالرأي عليه وتغريره بالمسلمين وأمره الا يجاوز قرطبة وسار موسى اليها فتلقاه طارق واعتذر اليه فصفح عنه. وافتتح طارق مدينة طليطلة وهي مدينة مملكة الاندلس وهي مما يلي فرنجة.
стр. 346
ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ولي المغرب اسماعيل بن عبد الله ابن المهاجر «٤٠٧» مولى بني مخزوم فسار أحسن سيرة ودعا البربر الى الاسلام فأسلم جلهم. ولما ولي يزيد بن عبد الملك، ولي يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف أفريقية والمغرب فكان من أمره وأمر من ولي بعده ما قد اقتصصناه الى ان بلغنا الى ابراهيم بن الاغلب [في أيام الرشيد، كان محمد ابن الاغلب بن ابراهيم بن الاغلب] «٤٠٨» أحدث في سنة تسع وثلاثين ومائة مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية أيضا فأخربها، أفلح بن عبد الوهاب الاباضي وكتب الى الاموي صاحب الاندلس يعلمه ذلك تقربا اليه فبعث اليه الاموي بمائة ألف درهم.
وبالمغرب أرض تعرف بالارض الكبيرة، بينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يوما أو أقل قليلا وبها مدينة على شاطيء البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى وليسوا بروم، غزاها جبلة مولى الاغلب فلم يقدر عليها، ثم غزاها خلفون البربري، ويقال: انه مولى ربيعة ففتحها في أول خلافة المتوكل وقام بعده المفرج بن سلام ففتح أربعة وعشرين حصنا من حصونها فأستولى [عليها] «٤٠٩» وكتب الى صاحب البربر بمصر يعلمه خبره وانه لا يرى لنفسه ولمن معه من المسلمين صلاة الا بأن يعقد له الامام على ناحيته أو يبنى مسجدا جامعا. ثم ان أصحابه شغبوا عليه فقتلوه، وقام بعده سوران فوجه رسوله الى المتوكل يسأله عقدا وكتاب ولاية فتوفي قبل أن ينصرف اليه رسوله.
وقام المنتصر٤١»
وتوفى، وقام أحمد بن محمد بن المعتصم بالله، وهو المستعين بالله فأمر عامله على المغرب وهو أوتامش أن يعقد له على ناحيته
стр. 347
فلم يشخص «٤١١» رسوله عن سر من رأى حتى قتل أوتامش وولى الناحية وصيف مولى أمير المؤمنين.
فتح جزيرة صقلية
قد تقدم وصفنا لموقع هذه الجزيرة في المنزلة التي قبل هذه، فأما غزوها في الاسلام فأن أول من غزاها معاوية بن حديج الكندي أيام معاوية ابن أبي سفيان ولم تزل بعد ذلك تغزى «٤١٢» ، وقد فتح الاغلب بن سالم منها نيفا وعشرين مدينة وهي في أيدي المسلمين، وفتح أحمد بن محمد بن الاغلب منها في خلافة المتوكل على الله قصريانة وحصن غليانة.
فتح رودس وارواد
قالوا: بعث معاوية بن أبي سفيان الى هذه الجزيرة، جنادة بن أبي أمية الازدي ونزلها قوم من المسلمين معه في سنة اثنين وخمسين وكانوا في حصن اتخذ لهم وكانت هذه الجزيرة كالغيطة، فأقام المسلمون بها سبع سنين فلما كانت أيام يزيد بن معاوية، كتب الى جنادة يأمره بهدم الحصن والقفل عنها. وفتح جنادة بن أبي أمية في سنة أربع وخمسين جزيرة أرواد، وهي بالقرب من القسطنطينية ودخلها بمن معه من المسلمين وتركوها من غير أن يثبتوا فيها.
فتح اقريطش «٤١٣»
قالوا: غزا جنادة أقريطش في زمن معاوية فلما كان زمن الوليد فتح بعضها ثم أغلقت وغزاها حميد بن معيوف الهمداني في خلافة الرشيد ففتح بعضها. ثم غزاها في خلافة المأمون أبو حفص عمر بن عيسى الاندلسي المعروف بالاقريطشي فافتتح بها حصنا واحدا ونزله ولم يزل يوالي منه الغارات ويفتتح الشيء بعد الشيء حتى أجلى جميع الروم عنها وأخرب حصونها وسكنها المسلمون بعدهم.
стр. 348
أمر النوبة والبجة
لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاص الى النواحي التي حولها الخيل ليطاءهم فكان ممن بعث لذلك، عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع أخا العاص لامه في جماعة من المسلمين فدخلت خيولهم أرض النوبة كما تدخل الصوائف بلد الروم فلقى المسلمون بالنوبة قتالا شديدا، ورماة النبل لا يكادون أن يحيطوا فلم يزل المسلمون يغزوهم ويكالبونهم ويأبون صلحهم مدة ولاية عمرو بن العاص، فلما تولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أجابهم الى الهدنة على ثلثمائة رأس كل سنة، وعلى أن يهدى اليهم طعاما بقدر ذلك.
قال الواقدي: وبالنوبة ذهبت عين معاوية بن حديج الكندي. وقال: أبو عبيد القاسم بن سلام من أشياخه يرفعه الى يزيد بن حبيب ليس بيننا وبين الاساود عهد ولا ميثاق انما هي هدنة على ان يعطوا شيئا من قمح، ويعطونا رقيقا فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم.
وحكى أبو عبيد عن عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد انه، قال: انما الصلح بيننا وبين النوبة على الا نقاتلهم ولا يقاتلونا وأن يعطونا رقيقا ونعطيهم بقدر ذلك طعاما فان باعوا نساءهم وأبناءهم، لم أر بذلك بأسا أن يشترى، وكان المهدي أمر بالزام النوبة في كل سنة ثلثمائة رأسا وستين وزرافة على أن يعطوا قمحا وخلا وثيابا وفرشا أو قيمة ذلك. فقد أدعوا ان البقط لا يجب عليهم الا في كل ثلاث سنين مرة واحدة وليس لذلك «٤١٤» ثبت، الا انهم لم يؤدوه منذ سنين كثيرة.
стр. 349
فأما البجة: فان المتوكل على الله كان أمر بتوجيه رجل يقال له، محمد بن عبد الله القمي واليا على المعدن بمصر، وولى أيضا القلزم، وطريق الحجاز وبذرقة، حاج مصر، فلما وافى المعدن حمل الميرة في المراكب الى بلاد البجة، ووافى ساحلا يعرف بعيذاب، فوافته المراكب هناك، فاستعان بتلك الميرة حتى وصل الى قلعة ملك البجة، وناهضه في عدة يسيرة وخرج اليه البجوي في الدهم على أبل محزمة، فعمد القمي الى الاجراس فقلدها الخيل، فلما سمعت الابل أصواتها تقطعت بالبجويين في الاودية، والجبال وقتل صاحب البجة، فقام بعده ابن أخيه، وطلب الهدنة، فأبى المتوكل ذلك الا أن يطأ بساطه، فقدم سر من رأى وصولح في سنة احدى واربعين ومائتين، على اداء الاتاوة، والبقط، ورد مع القمي «٤١٥» . فأهل البجة على العهد يؤدون ما فورقوا عليه، ولا يمنعون المسلمين العمل في معدن الذهب. وكان ذلك في الشرط عليهم.
فتوح السواد
كان المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم «٤١٦» الشيباني يغير على أكناف السواد في رجال من قومه، أيام الفرس فأتى أبا بكر الصديق فقال:
يا خليفة رسول الله استعملن على من أسلم من قومي أقاتل هذه الاعاجم من فارس فكتب «٤١٧» أبو بكر بذلك عهدا، وسار حتى نزل خفان ودعا قومه الى الاسلام، فأسلموا. ثم ان أبا بكر وجه خالد بن الوليد الى العراق وكتب الى المثنى بن حارثة بالسمع والطاعة له. ثم كتب عمر بن الخطاب بعد ذلك اليه مثل ما كان أبو بكر كتب به، وقد كان مذعور بن عدي العجلي كتب الى أبي بكر في قومه بمثل ما كان المثنى كتب به في قومه، فكتب
стр. 350
اليه عمر بأن ينضم الى خالد فيصير معه مقيما اذا قام وشاخصا اذا شخص.
فلما نزل خالد النباج تلقاه المثنى بن حارثة بها وقدم خالد البصرة وبها سويد ابن قطبة الذهلي، ومعه جماعة من قومه وهو يريد ان يفعل بالبصرة كفعل المثنى بالحيرة لان الكوفة لم تكن مصّرت في ذلك الوقت. وكان أهل الابلة قد جمعوا لسويد عن أن يلقوه فذكر ذلك خالد «٤١٨» ، فأوقع خالد بهم فيمن اجتمع معه فهزموهم وقتلوا منهم بشرا وغرق طائفة في دجلة البصرة. ثم مر خالد بالخريبة ففتحها وسبى من كان بها وكانت مسلحة للعجم ويقال: انه أتى نهر المرأة فصالح أهله وانه أيضا قاتل جمعا بالمذار ثم سار يريد الحيرة وخلف سويد بن قطبة على ناحيته. وقال له: قد عركنا بناحيتك عركة أذلتهم لك. ومر خالد بزند ورد من كسكر. فافتحتها، وافتتح درني وذواتها بأمان بعد ان كانت من أهل زند ورد فراماة «٤١٩» للمسلمين ساعة، وأتى هرمز جرد، فأمن أهلها أيضا وفتحها وأتى خف آليس «٤٢٠» فخرج اليه جابان عظيم العجم فقدم اليه المثنى بن حارثة الشيباني فلقيه بنهر الدم وصالح خالد أهل آليس على أن يكونوا عيونا للمسلمين على الفرس، وادلاء وأعوانا وأقبل خالد الى مجتمع الانهار فلقيه أزاذبه صاحب مسالح كسرى فيما بينه وبين العرب فقاتله المسلمون فهزموه ونزل خالد خفان ويقال: بل سار قاصدا الى الحيرة، فلقيه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة، واسم بقيلة الحارث، وكان كبير السن، فقال له خالد: من أين أقصي أثرك يا شيخ، فقال: ظهر أبي، فقال: فمن أين خرجت، قال: من بطن أمي. قال [ويحك في أي شيء أنت قال في
стр. 351
ثيابي] «٤٢١» وقال: ويحك على أي شيء أنت، قال: على الارض، قال:
أتعقل «٤٢٢» ، قال: نعم وأفيد، قال: ويحك انما أكلمك بكلام «٤٢٣» الناس، قال: وانما انما أجيبك جواب الناس، قال: أسلم أنت أم حرب، قال:
بل سلم، قال: فما هذه الحصون، قال «٤٢٤» : بنيناها للسفيه حتى يحضر الحليم، ثم تذاكرا الصلح فاصطلحا على مائة ألف درهم، يؤديها في كل سنة، فكان ما أخذ منهم، أول مال حمل الى المدينة من العراق. واشترط عليهم أن لا يبغوا المسلمين غائلة وأن يكونوا «٤٢٥» عيونا على أهل فارس وذلك في سنة اثنتي عشرة. وقال يحيى بن أدم: كان أهل الحيرة ستة آلاف رجل فالزم كل رجل أربعة عشر درهما وزن خمسة فبلغ ذلك أربعة وثمانين ألفا يكون ذلك وزن ستين ألفا، وكتب لهم خالد بذلك كتابا قد قرائة.
وكان خزيم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، قال للنبي صلى الله عليه [وسلم] «٤٢٦» ان فتح الله عليك الحيرة فاعطني ابنة بقيلة، فلما أراد خالد، صلح بن بقيلة ذكر له خريم ما كان سأله النبي ﵇ وسأله الا يدخل ابنة بقيلة في صلحه وشهد له بشير بن سعد، ومحمد بن مسلمة الانصاريان فاستثناها في الصلح ودفعها «٤٢٧» الى خريم فاشتريت منه وقد صارت عجوزا
стр. 352
حينئذ بألف درهم فقيل له ويحك أرخصتها، فقال: ما كنت أظن ان عددا يكون أكثر من عشر مائة، قالوا: وبعث خالد بن الوليد بشير بن سعد، أبا النعمان بن بشير الانصاري الى بانقيا فلقيته خيل الاعاجم عليها، فرخبنداذ، فرشقوا من معه بالسهام وحمل عليهم فهزمهم وقتل فرخبنداذ، ثم انصرف بشير وبه جراحه انتفضت وهو بعين التمر فمات منها. ثم أتى بصبهري بن صلوبا صاحب بانقيا، خالد بن الوليد فاعتذر من القتال وعرض الصلح فصالحه على ألف درهم، وطيلسان، وكتب له كتابا ووجه الى أبي بكر بالطيلسان، والالف الدرهم مع مال الحيرة.
وسار خالد الى الانبار فتحصن أهلها ثم أتاه من دله على سوق بغداد وهي سوق كانت تعرف بالعتيقة تقام عند قرن الصراة فبعث خالد المثنى بن حارثة، فأغار عليها فملأ المسلمون أيديهم من الصفراء، والبيضاء، وما خف محمله من المتاع ثم باتوا بالسيلحين وأتوا الانبار، وخالد بها فحصروا أهلها وحرقوا في نواحيها، وانما سميت الانبار لان أهراء العجم كانت بها وكان أصحاب النعمان ابن المنذر يعطون أرزاقهم منها فلما رأى، أهل الانبار ما نزل بهم صالحوا خالدا على شيء رضى به، وقال يحيى بن أدم: ان الشعبي كان يقول لاهل الانبار عهد وعقد. وقال غيره: ليس لشيء من السواد عهد الا الحيرة، وأ ليس وبانقيا. وروى يحيى بن أدم: انه لا يصلح بيع أرض دون الجبل الا أرض «٤٢٨» بني صلوبا، وأرض الحيرة.
ثم أتى خالد عين التمر فألصق بحصنها وكانت فيه مسلحة للاعاجم فقاتله أهل الحصن وحصرهم خالد والمسلمون حتى فتحه عنوة وقتل وسبى ووجد في كنيسة هناك جماعة سباهم فكان من ذلك السبي حمران بن أبان بن خالد التمري، مولى عثمان بن عفان، وسيرين أبو محمد وأخوته، يحيى وانس ومعبد موالي انس بن مالك الانصاري، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد
стр. 353
الاعلى الشاعر، ونفيس بن محمد بن زيد بن عبيد صاحب القصر عند الحرة، ونصير أبو موسى بن نصير صاحب المغرب، وهو مولى لبني أمية وأبو فروة «٤٢٩» عبد الرحمن بن الاسود وكان ابنه «٤٣٠» عبد الله بن أبي فروة من سراة «٤٣١» الموالى، والربيع، حاجب «٤٣٢» المنصور هو الربيع بن يونس ابن محمد بن أبي فروة، ويقال: انه لقب أبا فروة لفروة كانت «٤٣٣» عليه حين سبى. وبعض الرواة يرون ان خالد بن الوليد صالح [أهل] «٤٣٤» عين التمر، وكتب لهم كتابا، وهذا كله في خلافة أبي بكر [﵀] «٤٣٥» .
فلما استخلف عمر بن الخطاب وجه أبا عبيدة الثقفي أبا المختار بن أبي عبيد في استخلف عمر بن الخطاب وجه أبا عبيدة الثقفي أبا المختار بن أبي عبيد في ألف، وكتب الى المثنى بن حارثة يأمره بتلقية والسمع والطاعة له، وبعث مع أبي عبيد سليط بن قيس الانصاري فلم يمر أبو عبيد بحي العرب الا رغبهم في الجهاد والغنيمة فصحبه خلق كثير ولقى جموعا للعجم فهزمهم فبعثت الفرس بذي الحاجب واسمه مردانشاه وكان أنو شروان لقبه بهمن تبركا به فلقي المسلمين في الموضع المعروف بقس الناطف وكان يوم اللقاء هو يوم الجسر، فأبلى المسلمون بلاء حسنا حتى استشهد أبو عبيدة وسليط
стр. 354
وجماعة من خيار المسلمين [﵏] «٤٣٦» . وكان هذا اليوم في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة «٤٣٧» فمكث عمر بن الخطاب لا يذكر العراق سنة، لمصاب أبي عبيد وسليط.
ثم انه بعد ذلك ندب الناس لغزو العراق فجعلوا يتحامونه ويتثاقلون عنه الى ان صار اليه جرير بن عبد الله البجلي ففارقه على أن يعطى وقومه ربع ما غلبوا عليه وسار نحو العراق واجتمع المسلمون بدير هند في سنة أربع عشرة وقد هلك شيرويه وملكت بوران بنت ابرويز «٤٣٨» الى ان يبلغ يزدجرد ابن شهريار فبعث الفرس اليهم مهران بن مهربنداذ الهمذاني في اثنى عشر ألفا فالتقوا وعلى المسلمين فيما تقول بجيلة جرير بن عبد الله وفيما تقول ربيعة، المثنى بن حارثة [وقيل انهم كانوا متساندين على كل قوم رئيسهم بالموضع المعروف بالنخيلة فأصيب من المسلمين نفر منهم مسعود بن حارثة أخو المثنى بن حارثة] «٤٣٩» ثم حملوا على المشركين، فقتلوا مهران وتنازع في قتله جرير بن عبد الله، والمنذر بن حسان بن ضرار الضبي فأخذ المنذر منطقته، وأخذ جرير سائر «٤٤٠» سلبه. وأتبعوا الفرس يقتلونهم حتى أتوا كوثى، ونهر الملك، وبادوريا، وتفرقوا في أكناف السواد يغيرون وقد نخبت قلوب الاعاجم، ووهن سلطانهم وضعف أمرهم ثم كتب المسلمون الى عمر يعلمونه كثرة من قد تجمع لهم من أهل فارس [ويسألونه المدد] «٤٤١» فأراد [أن] ٤٤»
يغزوا بنفسه وعسكر لذلك ثم استقر الرأي على أن
стр. 355
يندب «٤٤٣» سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب «٤٤٤» ، لذلك فسار سعد وأقام بالثعلبية ثلاثة أشهر حتى تلاحق به الناس. ثم قدم العذيب سنة خمس عشرة وكان المثنى مريضا واشتد وجعه فحمل الى قومه فمات فيهم، وتزوج سعد امرأته.
ووجهت الفرس رستم وزعموا أنه من أهل الري. وقال قوم: بل من أهل همذان فنزل برس ثم سار، فأقام بين الحيرة والسيلحين «٤٤٥» أربعة أشهر لا يقدم على المسلمين، وقدم رستم ذا الحاجب فكان معسكرا بطيزناباذ والمسلمون معسكرون بين العذيب والقادسية وعدتهم ما بين تسعة آلاف الى عشرة آلاف والمشركون زهاء مائة ألف وعشرين ألفا ومعهم ثلاثون فيلا ثم ان علافة المسلمين لقيت خيلا للاعاجم فكان ذلك سبب الوقعة أغاثت الاعاجم خيلها ونصر المسلمون علافتهم فالتحمت الحرب بينهم، وذلك بعد الظهر فابلى عمرو بن معدي كرب [الزبيدي] . وكان أبو محجن الثقفي محبوسا في قصر العذيب لانه شرب الخمر فضربه سعد وحبسه فقال:
كفى حزنا ان تدعس الخيل بالقنا ... واترك مشدودا عليّ وثاقيا
اذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصم المناديا «٤٤٦»
следующие страницы →