Полный текст (617 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
[المنزلة الثامنة]
الباب الاول في صدر هذه
[بسم الله الرّحمن الرّحيم] «١» الباب الاول: في صدر هذه المنزلة.
الباب الثاني: في السبب الذي احتاج له الناس الى التغذي.
الباب الثالث: في السبب الذي احتاج له الناس الى اللباس والكسوة.
الباب الرابع: في السبب الذي احتاج له الناس [الى التناسل] «٢» من أجله.
الباب الخامس في السبب الذي احتاج له الناس الى المدن والاجتماع فيها.
الباب السادس: في حاجة الناس الى الذهب والفضة، والتعامل بهما وما يجري مجراهما.
الباب السابع: في السبب الداعي الى أقامة ملك وامام للناس يجمعهم.
الباب الثامن: في ان النظر في علم السياسة واجب على الملوك والائمة.
الباب التاسع: في اخلاق الملك وما يجب أن يكون عليه منها في ذات نفسه.
الباب العاشر: في الخلال التي ينبغي أن تكون مع خدام الملك والقرباء منهم.
الباب الحادي عشر: في أسباب بين الملك والناس «٣» اذا تحفظ منها زادت محاسنة وانصرفت المعايب عنه وتمكنت له سياسته.
الباب الثاني عشر: في استيزار الوزراء، وما يحتاج اليه الملوك منهم وما يلزم الملوك لهم «٤» .
стр. 422
الباب الاول في صدر هذه المنزلة قال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب: ان الله تقدس وعلا لما خلق الاشياء بقدرته وفطرها بحكمته أثبت كل مخلوق في حقه ورتب كل مصنوع على كنهه، وجعل لكل من جميع ذلك ما يحتاج اليه ويكتفي به فخلق الملائكة المقربين أحياء مميزين، مستغنين عن التغذي، والتناسل وما يتبعهما مما الحيوان محتاج اليه غير مستغن «١» عنه، وخلق البهائم وما يجري مجراها من الحيوان غير المميز محتاجا الى التغذي والتناسل، وما يتبعهما مما لا يستغنى الحيوان عن مثله، وجعل الانسان قصدا لاستكمال القدرة واستيعاب الحكمة ممتزجا من صيغة الملائكة بالتميز، ومن صيغة الحيوان غير المميز بالتغذي والتناسل وما يتبعهما مما لا يجوز مفارقتهما له، فلما حل في الانسان من بين سائر الحيوان قوة التمييز الغالبة في علا شأنه وقهر الحيوان كله وصار جميعه مذللا ومتصرفا على مشيئة واختياره، ولما شارك سائر الحيوان بما شاركه فيه حصلت فيه أموال مختلفة وأسباب متنازعة اذ كان مركبا من قوة الاهمية ومادة أرضية، وصار لا في «٢» منزلة الملائكة المقربين عاليا ولا في محلة سائر الحيوان البهيمي مبطوحا، وجعله الله لاختلاط أحواله مكلفا مأمورا منهيا، واحتاج بما فيه من قوة التمييز أن يسوس ما قد خلط فيه من البهيمة ولكثرة تصاريف ما في قوة التمييز من الافعال
стр. 423
وزيادتها على ما يفي به الواحد من الناس احتيج الى الاجتماع والتمدن ليكون في المدنية ناس كثير يتصرفون في هذه الافعال الكثيرة المختلفة، ومع اختلاف الصيغ الكثيرة، واجتماعهم في المدينة يتصل بذلك الافعال المختلفة التي يلزم قودها الى حسن السيرة، وسداد الطريقة. فعند ذلك ومن أجله وقع الاضطرار الى السياسة التي انما هي قود الملوك والائمة، رعاياهم الذين ينقادون لهم ويدخلون تحت طاعتهم الى الافعال الحميدة المرضية، والطرائق السديدة القوية، ونحن نبين وجوه ذلك وأحواله وتقدم ذكر الاسباب التي من أجلها احتيج الى السياسة على شرح [ان شاء الله] «٣» .
стр. 424
الباب الثاني في السبب الذي احتاج له الناس الى التغذي
لما فطر الله جل اسمه جسم الانسان، من عناصر يلحقها التحلل والسيلان، والانقسام، وهي النار والهواء والماء والارض، وجعل العمدة في بقاء روحه، وتسهيل تصاريف أفعاله الحارة والرطوبة، فان بهما كان نشوءه ونموه وعليها مدار حركته وجمهور أمره، ومن شأن الحرارة تحليل الرطوبة وافناؤها وفتها وابطالها لم يكن بدله اذ كان مركبا مما يفنى بعضه بعضا، ونقصه دائما متصلا من اخلاف مكان ما يبطل منه مثله، واعادة ما يضمحل من جملته الى حالة، ولم يوجد في ذلك أقرب الى ممايلة الانسان في الصيغة، ومشابهته في البنية من الحيوان والنبات لانهما مخلوقات من مثل العناصر التي خلق منها الانسان فجعل الله سبحانه، هذين الجنسين غذاءا له، لئلا يبطل جسمه الذي هو كالوعاء لنفسه، فهذا كان سبب الحاجة الى التغذي والامر الموجب له.
стр. 425
الباب الثالث في السبب الذي احتاج له الناس الى اللباس والكسوة
لما خلق الله جل وعز الانسان مقصودا به، تلقا غرض يحس به نحوه، ومرهونا بخلقه نحو أمر من الامور، قصد به قصده، ركبه في جسد يلين بذلك المقصد، وجعل له من الآلات ما يشاكل الغرض المعتمد، كما انه لما خلق الاسد ذا شجاعة وجرأة جعله في ذي أيد وشدة، وجعل له من الآلات ما يوافق البطش والنجدة، من الانياب والمخاليب، الجارية مجرى ما يتخذه الناس من الاسلحة، وكما انه لما خلق الفرس للاحضار «١» والسرعة، جعل جسمه مناسبا للحال التي خلقه لها، في الشكل والهيئة.
وكذلك لما خلق الانسان للتمييز والمقايسة جعله في جسد متأت للحال التي أرادها سبحانه، وجعل آلات جسده مشاكله لما ينحى به نحو هذه الغاية من اليد التي تليق بالصناعات المختلفة، والرجل التي على مثل هذه الحال زيادة، حتى انه لوعد ما بهيئة الانسان من يده وأكثر أعضائه في تصاريف الاحوال التي يحتاج اليها لكانت كثيرة معجبة الى ان جعله تعالى: لما أراد به من أن يكون زائدا على أحوال سائر الحيوان، في حسن «٢» اللمس الذي به يقع صحة الاعتبار، في الاشياء المباشرة، ومعري الجسد من الشعر الكثيف الذي لما خلا غيره من الحيوان، أن يكون
стр. 426
مخلوقا لمثل هذه الحال، لم يعدمه أياه اذ كان في كونه عليه وقاية له، فبعض من ريش لما يصلح الريش فيه، وبعض من شعر لما يحتمل أن يكون الشعر كثيرا في جسده. وبعض من وبر لما كان الوبر لائقا به، وبعض صوف لما يصلح الصوف لمثله. وبعض قشور لما تصلح لمثله، بعض صدف لما كانت حاله تحتمله. ولما خلا الانسان من الشعر والوبر والريش والصوف والقشور وقد عوض قوة التمييز صنع لنفسه ما يقي جلده ويكنه، من أصناف الكسي والملابس بحسب ما استنبط بالقوة المميزة امكان عمله، من الحيوان والنبات مثل الصوف والشعر، والقز والقطن والكتان وغير ذلك، مما تهيأ له استعماله من الكسي والملابس.
стр. 427
الباب الرابع في السبب الذي احتيج الى التناسل من أجله
لما كان الله بتصاريف حكمته المعجبة، خلق الاشياء، فمنها ما أبقاه وامهله الى يوم الحشر، ومنها ما جعله يموت ويبطل وما كان جعله يموت وينقرض لولا التناسل الذي قدره [بلطفه] «١» أنواع الحيوان كله ... وزال ما قضى بقاءه منه، الى وقت افناء جمعيه، فجعل ﵎ التناسل سبيا لاخلاق، وكان المنقوص منه ومعيدا بدل الفاني ما يكون خلفا منه. ثم لما كان الانسان المميز فضلا عن سائر الحيوان الذي لا تميز له، لو ترك واختياره لجار «٢» فيه، بل كان في الاكثر من فعله أن يختار ما يبعده عن الصواب، ويهمل ما في فعله الحزم والانتفاع، وعلم الله ذلك في سائر علمه، ولم يجعل التدبير الى الانسان لا في وقت تغذية، واستدعائه له الذي به قوام شخصه، ولا في تناسله الذي به بقاء نوعه، بل جعل له في استعمال ذلك مقتضيا عنيفا ان ذهب الى التقصير فيه قاده اليه وبعثه كل البعث عليه، وهو الجوع والعطش والشوق الى النكاح، حتى ان كثيرا من الناس المميزين، يقتنون من النساء من لا يسأل له جمعهم، أو أولو حصافة الرأي منهم ان ألم التصير عنهن أيسر من تكليف القيام بمصلحتهن، فلمشيئة الله وارادته وتقصيه وما فيه عمارة العالم ومصلحته، صار العامل في هذا الباب ممنوعا من رأيه مقودا نحو ما قضاه الله عليه، واختاره له، اذ كان تعالى لا تغالب قدرته ولا تدافع أقضيته جده وتقدس.
فقد دللنا على السبب الذي من أجله احتاج الحيوان الى التناسل بكلام وجيز فيه كفاية لمن كان ذا فهم.
стр. 428
الباب الخامس في السبب الذي احتاج له الناس الى المدن والاجتماع فيها
لما كانت ما قلنا أفعال النفس «١» المميزة، وتصاريفها كثيرة مختلفة، وحاجات الانسان بسببها وبسبب والجسم الذي لم يكن النفس في هذا العالم بد منه، واسعة منتشرة، وتبعت هذه الاحوال الصناعات والمهن فصارت على حسبها في الكثرة ولم يكن في وسع انسان واحد، استيعاب جميع الصناعات الكثيرة المتفرقة، وكان لابد للناس من جميعها ضرورة قادتهم الحاجة الى الترافد، واستعانة بعضهم ببعض ليكمل باجتماع جميعهم ما لم يكن بد ضرورة منه، لان هذا يبذر لهذا قمحا يتقوته وهذا يعمل لهذا ثوبا يلبسه، وهذا يصنع لهذا بيتا يكنه ونشره، وهذا ينجز لهذا بابا يغلقه على بيته، وهذا يخزر لهذا خفا يمنع به الافات عن رجله، وغير ذلك، مما لا يكاد العدد يدركه من فنون الصناعات وضروب الحاجات، لانه لم يكن في استطاعة انسان واحد أن يكون فلاحا، نساجا، بناء، نجارا، أسكافا، ولو انه كان محسنا لهذه الصناعات كلها، لم يف وحده بما يحسنه منها ثم يجوز بعد هذا كله، ان تأتى صناعات لا يتأتى للواحد من الناس النفاذ في جميعها كالطب والفلاحة مثلا فأنه لم يكن يتأتى لانسان واحد، أن يأخذ السبيل فيقلب الارض قلبا دائما، وهذه الحال محتاجه الى الغلظة والجسارة، فان الفلاح ان لم يكن غليظا،
стр. 429
بطل أمره أول ذلك، لان جسمه أن كان لطيفا ضعف عند احتمال مثل مهنته. وثانيا: لحاجته الى مباشرة الشمس في الصيف دائما، ثم البرد والماء في الشتاء وقتا طويلا، فكانت هذه الاحوال لو لم يكن جاسيا، متينا يحتمل مثلها جسمه بطل وهلك، فهذه حال الاكار «٢» وهو الفلاح، لا يحتمل أن يكون على غيرها فلو انه حتى يجمع الى ذلك مثلا نظرا في الطب أو ما جانسه من «٣» الصناعات الغامضة لكان «٤» ذلك غير متأت له أما لان احدى الصناعتين يشغله الاخذ فيها عن التشاغل بغيرها أو لان معنى كل واحدة لا يتأتى من مراد «٥» له أن يكون جامعا للامر الاخر معه فان الذي يغلظ حتى يقوى مثلا على قلب الارض يوما الى الليل وأكثر منه وتباشره الشمس في الصيف مع قلبه الارض ويخوض في الشتاء المياه الباردة للسقي وما جرى مجراه لا يكاد يفهم من لطائف صناعة الطب مثلا أو غيرها من الصناعات اللطيفة ما يفهمه. أما المدمن للنظر فيها أو اللطيف القادر بلطفه على مثلها فلما كان الامر على هذا في الكثرة والاجتماع في المدينة وكان علم ذلك ما بقى «٦» عند الله سبحانه فطر الانسان محبا للموانسة موثرا للاجتماع مع ذوي جنسه فأتخذ الناس المدائن والامصار واجتمعوا فيها للتعاضد والتوازن للذين ذكرناهما.
стр. 430
الباب السادس في حاجة الناس الى الذهب والفضة والتعامل بهما وما يجري مجراهما لما كان كل واحد من الناس محتاجا في تدبير معاشه ومصلحة «١»
أمره، الى غيره ممن قدمنا ذكر حاجته اليه، من سائر الناس لمعاونته، وموازرته لم يكن متسهلا أن ينفق أوقات حاجات الجميع، ومتيسرا أن يوافي أدواتهم «٢» ، حتى اذا كان أحد «٣» منهم [مثلا نجارا أتفق] «٤» له أن يجد اذا احتاج الى خف أسكافا، يحتاج الى باب، والا اذا كان عنده مثلا قمح، وقد احتاج الى زيت يجد زياتا، يحتاج الى قمح وكذلك كل من عنده صنف من أصناف التجارات، أو معه ضرب في أضراب الصناعات، أن ينفق له اذا أراد شيئا، أن يجد من يريد ما عنده ممن قبلة أرادته، وكان مع ذلك لو أن ما بينا عسره وقلة وجوده، موجود، متسهل، من ان يجد كل من يحتاج الى نوع من أنواع المطلوبات من عنده ذلك المطلوب مريدا ما عنده المحتاج، لكان ذلك على بعده ومحتاجا الى أن يعرف مقدار كل صنف من غيره، وقدر كل عمل مما سواه، حتى يعلم مثلا قدر الحياكة من النجارة «٥» ومن غيرها من كل صناعة، وكذلك قدر النجارة «٦» من
стр. 431
سائر الصناعات سوى الحياكة، وعلى هذا قدر القمح من الزيت، ومن غيره من سائر المطلوبات «٧» وقدر الزيت من غير القمح من جميع الصناعات فكان حفظ ذلك وتحصيله يصعب ويشق على من يبتنه وتفقده فضلا عن الامي والمرأة، والصبي، وجميع من يبتاع ويبيع حاجة من أصناف الناس كافة. فلما كان هذا على هذه الحال من المشقة لطف الناس بالتمييز الذي منحهم الله أياه، الى طالبوا شيئا يجمع جميع الاشياء ويكون عند كل من يحتاج اليه من صناعة، أو مهنة، أو حبة، أو ثمرة أو غير ذلك، مما يدخل تحت الارادة ثمنا وقيمة، واعتمدوا أن يكون هذا الشيء باقيا اذ كان هذا حكم ما يجعل ثمنا بجميع المطلوبات للحاجة، الى حفظه وادخاره، وكان ما يسرع اليه الفساد والغير مما لا يصلح ذلك فيه، فكان ما جعلوه ثمنا لكل مراد الذهب لطول بقائه على الزمان واحدة، ثم لا نطباعه على ما يطمح عليه وقبوله للعلامات التي تصونه والسمات التي تحفظه من الغش ثانية، ثم كانت الفضة دون الذهب في النقاء، فنزلوا لها مرتبة من القيمة حسب قدرها من بقاء الذهب، وتطاول مدته، ثم كان النحاس دون الفضة في البقاء، فنزلوا له مرتبة في القيمة على حسب طبقته، وكان أجود جميع المطلوبات في هذه الثلاثة الاصناف. أولى في التدبير من الامر الاول، اذ كان يغرب وذاك لا يكاد يضبط ولا يتحصل ولهذه العلة، احتيج الى اتخاذ العين، والورق، وما يجري مجراهما واستعمال ذلك فيما تقدم شرحنا له.
стр. 432
الباب السابع في السبب الداعي الى اقامة امام أو ملك للناس يجمعهم
لما دعت الحاجة الى اجتماع الناس في المدائن والامصار واجتمعوا فيها وتعاملوا وأخذ بعضهم من بعض وأعطوا، وكانت مذاهبهم في التناصف والتظالم مختلفة وكان الله سبحانه قد شرع لهم شرائع وحد حدودا مبينة، احتيج الى من يأخذ الناس باستعمال فروض الشرائع المسنونة، ويقيم الحدود المبينة حتى يلزمها الناس كافة. ولا يتعداها منهم أحد، الا أحلت به العقوبة التي تقوده الى الشرع والسنة، وتأتلف الكلمة وتلتئم البيضة وتجري أمور الكافة على التناصف والمعدلة، ولا يقع في تعاملهم جور ولا مظلمة فانه لا ملك الا بدين وشرع، ولا دين الا بملك وضبط، وقد وفق اردشير ابن بابك ان قال في ذلك قولا ليس عنه معدل: وهو ان الدين والملك اخوان توأمان لا قوام لاحدهما الا بصاحبه، وجعل الدين أسا والملك عمادا وقال في ذلك قولا صوابا. وقد كتب ارسطاطاليس الى ذي القرنين في رسالته المنسوبة الى سياسة الكل وتدبير الملك وأي «١» ملك خدم دينه ملكه. فالملك وبال عليه. وأي «٢» ملك جعل ملكه خادما لدينه انتفع بملكه وبكل أمره في عاجلة وآجلة. وقد يقع في الظن جواز كون أكثر من ملك واحد لامة واحدة أو عصابة غير مختلفة وفي ذلك غلط اذ ظن
стр. 433
لان فيه فسادا غير مخيل، اذ كان الذي يحتاج اليه من الملك انما هو القيام بالامور على حقها، والحق واحد لا يجوز ان يظن به، غير هذا فليس يكاد يقوم بالحق الذي هو واحد الا واحد والا فلو ظن انه يقوم به أكثر من واحد، لكان في الجائز أن يقع من الكثرة خلاف ولو من واحد، واذا خالف واحد فلا محالة انه يخالف الحق واذا خالف الملك الحق فسدت الامور. فاذن «٣» لم يكن يجب أن يقوم بالامور الا واحد. فأما من دون ذلك ممن يستعان بهم في الحفظ والحراسة والاعمال المهنية فيجوز أن تقوم به فليس يصلح أن يكون الا واحد لا يشركه فيه غيره، ولهذه العلة كان الاله واحدا لا شريك له وليس هذا موضع يحتاج ايضاح ذلك بالبراهين الدالة عليه، فلا جرم انا لم نأت فيه وقد أجمل الله سبحانه القول في ذلك بما شرحه واتضاحه عند الراسخين في علمه، وهو قوله (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) «٤» تبارك الله الاحد الله الصمد وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
стр. 434
الباب الثامن في ان النظر في علم السياسة واجب على الملوك والائمة
لما كان هذا النظر مما يلزم الملوك تعلمه، ويليق بهم تقبله، فقد يحق على افاضلهم دراسته، ويجمل بهم وعيه وتحفظه، لانهم اذا فعلوا ذلك حتى يحكموا أسبابه وعلله استقامت آراؤهم، واذا استقامت آراؤهم صلحت أفعالهم، واذا صلحت أفعالهم عمّ نفع ذلك رعاياهم وجميع من يكون أمورهم. وان الصلاح والفساد اللذين يكونان في الازمنة والاوقات، انماهما باستقامة أفعال الملوك وأعوجاجهم فاذا صلحت تدبيراتهم بصواب الرأي وسداد الفعل في وقت، نسب ذلك الوقت الى أنه وقت حميد وزمان شديد واذا فسدت أحوالهم واضطربت مجاري أمورهم في آخر نسب الوقت الذي يقع فيه هذا الى انه وقت شديد، بما يعرض لاهله من الفساد وسوء التدبير، وأكثر الناس يظنون ان الملك يجري مجرى سائر الرياسات التي تستقيم لاكثر من منصب فيها، لما شاهدوه وجرى في عاداتهم من ان كل من يوضع في رئاسة ما يقوم بها وترجوا أفعاله فيها، وان كان غير مستحق لها ولا مضطلع بشأنها، لان خلله أما أن يكون مضرا يشعر به، أو يكون مما لا يتلافاه أعوانه وكفاته، أو يكون آخر أمره معروفا، فيهون صرفه والاستبدال به غيره، والملك فلا يحتمل خلة من الخلال التي ذكرناها، لانه أشرف منازل البشر قدرا وأعظم الامور خطرا، فأن الملك المقيم لنظام الملك بالتحقيق لا بالذي
стр. 435
يأخذه بالهوينا، وعلى جهة التشفيق يحتاج الى أن يكون من المخاطرة بمهجته وتجشم الامور التي يقيم بها أود مملكته ويصلح معها شأن من يتولى سياسته بمنزلة الحال، في قلة مهواتها هلكة فأن لم يكن معه من شدة النفس وقوة الشكيمة ما يمضي به الامور العظام التي يحتاج في الملك الى امضائها، اضطربت الاحوال التي هو مضطر الى تقويمها، والتاثت الاسباب التي يقصد لنظمها وتعديلها، فان أيسر مخاوف الملوك انهم يحتاجون الى أن تتمكن رهبتهم في نفوس الرعية، ومن ينأ عنهم من الاعداء في المحال النائية، ومع اشتداد الهيبة من الناس اللشيء يقع لهم اضطرار بغضه، ويتمكن في نفوسهم بغضه ومقته والشنأن له والابتهاج بمأساة وخالف محبته على ان هذا المقت للملوك لا يخلو من ان يخالطه الاستكانة، ويشوبه الخضوع والمهانة، ولا تكون المحبة للملك من رعيته نافعة، الا أن يكون معها هيبة، فأن مما هو معلوم من الحكم القديمة «انه الا ينفع الانسان محبته من فوقه «١» ، الا ان يكون معها رحمة، ولا محبة النظير له الا أن يكون معها شفقة، ولا محبة من دونه الا أن يكون معها هيبة» .
ولما قدمناه من بغض العامة للملوك ما قال اردشير بن بابك: في عهده (ان من صيغ العامة بغض الملوك) وفي هذا القول، اذا أتى مطلقا ما يعجب منه لان من يسمعه ولا يعرف سببه ينكره، ويتعجب من كونه، والسبب فيه ان في صيغ الناس محبة، الفراغ والكراهة لمن يأخذ على أيديهم ينحوا بهم نحو الاستقامة ويمنعهم من الجري على ما تقوده اليه نفوسهم من اتباع الهوى والارادة. ومن هذا بغض الصبيان للمؤدبين وكراهة الاحداث للمشايخ.
стр. 436
وقد قال بعض الشعراء اليونانيين: شعرا صورة الشعر لما ثقل من لسانهم الى العربية وبقي معناه (وهو الشيخ عند الاحداث رجل سوء) .
والملك الذي يقصد لاقامة الناس على العدل ويقودهم نحو الواجب مضطر الى أن يكون كما قدمنا مهيبا، مخوف الجانب، يرهب الناس بأكثر مما يرغبهم، ويشتد عليهم بأزيد مما يلين لهم، ويكون معه من الغلظة أضعاف ما يكون معه من الرأفة، لان الذي يجده مستحق السطوة بغية أكثر من مستوجب الرأفة بصالح سعيه [اذا كان القليل من الناس ذوى هدى وحسن استقامة والكثير] «٢» منهم أهل حسب وعرامة. ويجتمع للملك بهيبته مع صلاح رعيته صلاح أعدائه، ومن يقدر غلبته على مملكته ممن هو مقارب له أو نأى عنه، فان في قول رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٣» دليلا بينا على ما قلته وذلك حيث قال (نصرت بالهيبة دون غيرها) فيما كان فيه من الاخلاق الرضية والحكم البليغة والشيم الشريفة وقد جاء في الاثر ما وزع الله بالسلطان أكثر مما وزع بالقرآن، لان القرآن انما هو حكم ومواعظ وترغيب في الجنة وتخويف من النار، فلا جرم ان أكثر الناس لم ينقد لما وجب عليه من الوعظ والانذار دون ما انزل بهم من التأديب والايقاع، وهذا كله أكبر دليل على ان الهيبة من أخص أدوات الملوك التي يكون معها من العامة البغضة، ومما فيه دليل على ما قلته من ذلك أيضا قول شاعر العرب يذكر سادتهم وقياس السادة فيهم
стр. 437
عند جمهور الناس منهم قياس الملوك في غيرهم عند سائر عوامهم [مصرع] «٤» . (دماؤهم من الكلب الشفاء) .
قال أحمد بن يحيى النحوي «٥» : ذكر لي ان تفسير ذلك انما هو لان دم السيد «٦» غاية الثأر، وانه اذا أصيب فقد أدرك الثأر كله، ووقع الشفاء بعده، قال: وانما الكلب هاهنا الغيظ والغضب كما قال بعض الشعراء [مصرع] «٧» :
كلب بضرب جماجم ورقاب
فالغيظ عندي من العرب على ساداتهم من جنس، غيظ سائر الامم على ملوكهم، واذ قلنا ما قلناه، فليكن أول ما نتبع به ذلك ذكر أخلاق الملك وسجاياه «٨» ، وما يجب أن يكون عليه منها في ذات نفسه اذ كان ذلك مبدأ التدبير والسياسة ومنشأ الافعال الشائعة في العامة. ثم يتبع ذلك ما يجب أن يكون تابعا له.
стр. 438
الباب التاسع في أخلاق الملك وما يجب أن يكون عليه منها في ذات نفسه
ليس أحد أولى بسياسة نفسه ورياضتها، على التهذيب، والاستقامة، والعقل، والفضيلة، والرأي والرجاحة من الملك، لانه اذا فعل ذلك كان حقيقا في أول الامر، أن يرى نفسه فوق من هو سائس له مستوجبا للعلو على من هو دونه، اذ كان ليس من الحق أن يكون الادنى فوق «١» الاعلى ولا الاقصى متقدما للافضل، ولا الجاهل مملكا على العاقل. فأول ما ينبغي أن يكون من صيغة الملك العقل فانه أفضل قوى النفس، والعاقل أثير مكرم مرأس مقدم عند من به من الناس اليه حاجة، وعند من لا حاجة به اليه، والعقل منه مخلوق مع أول الفطرة، ومنه مستفاد ومكتسب بعد ذلك باقتناء العلوم الحقيقية، والتجربة البادرة، عن الفهم والروية ومجاراة ذوي الآراء الوثيقة وأهل الآداب الصحيحة، فاذا كان مع الملك العقل الاول أمكنه أن يضيف اليه اكتساب الثاني، واذا اجتمعا قويا قوة لا يحتاج معها الى وصية، صار الملك بهم الى السعادة التامة في الدنيا والاخرة. وقد يعترض بينهما ويعوق عن اجتماعهما الهوى، وغلبته وكثرة فنونه، وتشعبه فليحذر الملوك من تسلطه، فأنما هو كالنار التي تنمي من ضعف وقلة، وتسعر من الشرارة الدنية، حتى اذا اضطرمت وقويت، لم يدرك اطفاؤها بالهوينا والحال السهلة، فاذا دوركت قبل أن تقوى وبودر باضعاف الهوى قبل ان يتمكن ويشظى كانت القدرة عليه أسهل واستدفاعه قبل تمكنه أولى وأيسر، وأمثل الطرق المأخوذ فيها بجسمه، وأخلق السبل
стр. 439
التي تسلك في افنائه وتمحيقه، هو أن يقصد الملك لعلم ما كان يجهله، وتفهم ما كان غير فهم به فانه عند وصوله الى ذلك، يزول عنه ما كان متشعبا في نفسه من فنون الهوى، ويضمحل ذلك أو جله ويتلاشى، والهوى فمما لا ينبغي للملوك أن يحذروا شيئا، أشد من حذرهم منه، والا يكونوا مجاهدين لعدو من أعدائهم قبل مجاهدتهم له، فانه اذا عجز الملك عن مجاهدة هواه الخاص به كان أولى بالعجز عن غير ذلك مما [هو] «٢» خارج عنه فقد كان يقال من كان عقله لا يقوم بمصلحة خاصة لم يكن أهلا لان يستصلح به أمر عامته. ثم العفة من رأى أن السخاء من الكرم [بأن يقال ان الكرم] «٣» انما يستحق بالسخاء، وذكر كما قدمنا انهما جنسان لا يعم أحدهما الاخر ولا يدخل تحته. وذكر اختلاف أهل المشرق والشمال في المواهب، وانها أنفس ما جرى في باب الكيفية، أو ما كان داخلا في معنى الكمية وفضل مواهب الكيفية على مواهب الكمية، لدخول الحكمة وسائر الصناعات في باب الكيفية. وقال: بعد ذلك لما صحح ان السخاء والكرم ممدوحان انهما بالملوك أزين وباخلاقهم أبهى وأحسن. وحكي قول شاعرهم المعروف بهوميروس حيث قال [أنظر: ارسطو كتاب السياسة وتدبير الرياسة، ص ١٣ (مخطوط) ] :
«لا ينال المراتب بخيل ولا يرتقى الدرجات العليا الا كريم» .
وقد قال قائلون: ان من السخاء الامساك عما في أيدي الناس، مما لا حق يوجب أخذه منهم، وليس هذا من السخاء، ولا من الكرم، بل هو في طريق المروءة اذهب وأمضاها الزم. ومما ينبغي أن يكون الملك مجبولا عليه ومكتسبا لتقويته في نفسة، عظم الهمة، اذا كان ليس من شأن الملك الا أن تكون كل أفعاله الانسانية مبالغا فيها ينحو نحو الغاية القصوى على حسب قدره من المنزلة، وعلوها ومحلة من ارتفاع الدرجة
стр. 440
وسموها، ويحتاج الملك أن يكون شجاعا والشجاعة ضربان، أحدهما الصبر على النوازل الملمة والخطوب النائبة. والاخر الجرأة على الملاقاة والمنازلة على الحرب والمباطشة، فان اجتمع الصنفان للملك فهو الكامل، والا أجزاه أن يكون الضرب الاول منهما.
ومما يحتاج الملك اليه، أن يكون بعيد الفكر متطلعا نحو العواقب، ذا عزيمة في نفسه وشكيمة في رأيه، حتى اذا صح عنده ما يوافق الصواب، وان كان فيه بعض المخاطر أمضى تدبيره فيه ولم ينكل عنه ولا يداخله فشل فيه ولا خوف منه، والحلم فلا يصلح أن يكون الملك غير لابس له لانه في أول الامر بها يكسبه زينة ويكسوه وقارا وبهجة، ثم يتلوا ذلك أن يصل الى رعيته، ومن يسوسه من الناس نفعة، لان ذلك اذا كان معه سهل السبيل الى التثبت «٤» في مواضع العقوبات على الاجرام التي يتكون بعضها واقعا على شبهة، وبعض جاريا بسبب أقوال كاذبة، وبعض على سبيل حيلة وعلى وجه معاداة غيلة، فاذا كان مع الملك حلم ووقار وترفق وثبات، لم تقع عقوبته الا في حقها، ولا مجازاته الا في موضعها، ولم يكن منه ما يوجب الذم ولا وقع من جهته ما يذكر معه ندم. ومما لا يصلح مفارقة الملك أياه ولا خلوه منه الصدق في وعده ووعيده، فانه اذا كان حليما متثبتا، لم يعد الا ما يتيقن قدرته على الوفاء به، ولم يتوعد الا من يستحق أن يتوعده، بمثل ما يوجبه جرمه، ولم يتهدد أيضا الا بما له أن يفعله، فاذا وعد في حقه وواعد في كنهه لزمه أن ينجز ما وعده ولا يخلف ما توعد به.
ومن كمال الخلال التي قدمنا حاجة الملك اليها، أن يكون عادلا في نفسه مكتسبا لما حفظ هذه الفضيلة، وزاد عليها بجودة البحث «٥» وعم الصواب كل أحواله، واستقامت الخلال المحمودة التي تكون معه،
стр. 441
وصواب النظر. فان الملك اذا كان عادلا شمل الاقساط جميع أفعاله، وعم الصواب كل احواله واستقامت الخلال المحمودة التي تكون معه حتى لا يجري شيء منها على سرف ولا تكثير، ولا نقص ولا تقصير والشح، من الخلال المذمومة، التي لعلها تعرض «٦» له حتى يخلو منها، أو من أكثرها بمعاتبته نفسه عليها، ونهيه لها عنها وقد يستغنى الملك اذا كان عادلا من ان يكون رحيما لان الرحمة انما هي تركيب في خلق النفس من ود وجزع، فاذا عدل الملك حتى لا يضع عقوبته الا في حقها، كانت الرحمة ناقصة منها، وعاد ذلك بالضرر في التدبير. ومما يحتاج الملك أن يكون متطلبا له، وناظرا فيه، سير من تقدمه من الملوك ليقبل «٧» أفعال من حمدت أفعاله، وكانت متصفة بالسداد أحواله ويتجنب سيرة من ذمت سيرته، ولم يكن ممن ترتضى طريقته، ويحتاج الملك أن يخلوا من خلال في كونها معه ضرر عليه في ذات نفسه، وفي تدبير رعيته، ومصالح مملكته منها اللجاج والمحك فانهما لا يكونان الا في الطباع الرديئة، ومن الخلائق الدنيئة، وهما مع هذا يعوقان مجارى الرأى عن «٨» الانبعاث.
ومنها البذخ، فانه تابع أبدا لصغر الهمة، ومنها التهاون بالامور فان اليسير في ذلك ينتج كثيرا من الخطأ وعظيما من البلاء.
وقد ذكر مروان بن محمد: وكان من أكابر ملوك بني أمية وشجعانهم، وذوي الرأي والسياسة منهم؛ لما دفع الى ملك قد وهت قواه وانتفضت عداه باهمال المضيعين وتقصير المترفين، فأخذ يروم تلافيه وقد عسر، وتقصد لرتقه وقد زاد الخرق واتسع وباشر من حرب المسودة «٩» ما اشتد عليه حتى انهزم فلجأ في انهزامه
стр. 442
الى موضع حصل فيه، ومعه خادم رومي يقال له: بسيل، وكان هذا الغلام فيما يقال من أشراف الروم فوقع عليه سبى صار به الى مملكته مروان فقال مروان: في تلك الحال (يالهفاه على كف ما ظفرت ودولة ما نصرت ونعمة ما شكرت) فأجابه بسيل بأن قال: من أغفل الصغير حتى يكبر واليسير حتى يكثر والخفي حتى يظهر لقي مثل هذه الحال التي نحن عليها واغلظ.
وقال بعض حكماء الفرس: ما أورث راحة ما أعقب نصبا ومعونة «١٠» .
وقال آخر منهم: ما أهون الكد المؤدي الى الدعة، وأصعب الدعة المعقبة تعبا ومشقة. وقال بعض البلغاء في ذلك: ينبغي أن يستعمل الملك الحزم محتملا مؤونته بصلاح بغيته وبجانب العجز تاركا عاجل راحته لمكروه عاقبته. فان للحزم مؤونة تودى أهلها الى الخفض والدعة وللعجز يسيرا من الراحة، يفضي بمستعمله الى الذل والضعة والكبر، فينبغي للملوك الرجح أن يعدلوا عنه، وينتفوا منه فانه يكفى اذا كانت معه الخلائق التي قدمناها ان يعظم بها خطره ويجزيه ان يكرم من أجلها، فان الكبر يكسب صغرا ومقتا، والتواضع يجلب لمستعمله كبرا وودا. وقد قالت حكماء الفرس: التواضع مع السخف والبخل أحمد من الوقار والسخاء مع الكبر، فأجمل بحسنة عفت من صاحبها على سيئتين، وأقبح بسيئة محت من مستعملها جمال حسنتين.
وقالوا: ان أصل التكبر أعجاب المرء بنفسه، ووضعه أياها الموضع الذي يتزيد فيه على حقه، وذكروا ان ذلك غاية التكدر، والبلوغ فيه نهاية حال المتزيد، لان من ترسم بالكذب وندم عليه انما يكذب بأن يقول ما لا وجود له، ويزيد على منزلة الكاذب بالقول من يكذب في فعله، وهو المرائي لانه يظهر بالفعل ما لا يعتقه، ومنزلته عندهم في الكذب أغلظ من منزلة الذي يكذب فجد قوله، لان هذا
стр. 443
يجمع الى كذب القول، كذب الفعال. والاول انما كذبه في اللسان.
والمنزلة المتناهية في الكذب هي منزلة من يكذب باعتقاده، لانه يعتقد في نفسه ما لا يجده منه غيره فيكون المعجب قد جمع الكذب باللسان والفعال والاعتقاد. فان كان الكذاب «١١» مذموما فالمرائي أذم منه، وان كان المرائي أشد في باب الذم من الكذب، فالمعجب أولى من المرائي الذي يتقدم في الكذب طبقته، واذا كان الملك أولى الناس بالبعد عن الكذب باللسان، وأزيد من ذلك أن يبعد عن الكذب بالفعال، وأزيد منهما أن يكون كاذبا بالاعتقاد الذي ينضاف اليه الكذب باللسان والفعال، وواجب عليه أن ينفى العجب بالتواضع، ويغني عن الكبر بلين الجانب، لانه لا شيء أجل من أن تقابل النعمة كلما عظمت بالشكر، ويجازي المنة كلما جلت بالحمد، كما كان من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه) ولا خلق أولي بأن يتقبل من خلقه، وليس لاحد عظم شأنه ولا للملك وان عز سلطانه ان يظن بنفسه ارتفاعا عن حاله وقد كان التواضع سجيته وترك الكبر خليقته (صلى الله عليه) .
ومما يحق على الملك أن يفعله ولا يخلو منه مجالسة الحكماء ومعاشرة ذوي الراي والحجى، فان انطياعه لهم وتقبله مذاهبهم واخلاقهم يبعده عن أمر العامة الذي هو في غاية المضرة، ولا سيما على الملوك وذوي الاقدار العالية، وفي ذلك وحده لو لم يتعلق بغيره مجزي وكفاية، فكيف به اذا شذا الشيء بعد الشيء منهم وتعلق بحكمهم وعلومهم وفيما أثبت من توقيع انوشروان انه رفع اليه يسأل عن السبب في مجالسة أهل العلم والرؤساء من أهل كل صناعة. فوقع ان انتشار ذلك عنا تقوية لملكنا واضافة لعددنا. والوجه ان يعلم ان هذا الرأي الذي وقع لانوشروان،
стр. 444
مما لم تزل الحكماء تأمر به والملوك الحزم تتحاض [عليه] «١٢» ، وتجتهد في ان تنشر عنها فعله واستعماله، وممن كان على هذه الحال في اختياره العلماء ومعاشرته أياهم وقبوله مشوراتهم، الاسكندر ذو القرنين.
ولا جرم انه ما يذكر، ان ملكا استولى على ملك الشرق والغرب وما بينها ودانت له انه ما يذكر، ان ملكا استولى على ملك الشرق والغرب وما بينها ودانت له الامم كلها غيره، وان معلمه كان ارسطاطاليس وعنه أخذ الحكمة، وكان أول أمر الاسكندر، ان أباه فيليب [في النسخ الثلاث: فيليس] كان ملكا من ملوك اليونانيين، وكان حكيما ففكر بعد مضي أكثر عمره في أمور الناس المضطربة، ومذاهبهم المختلفة الفاسدة، فتشكى الى جلسائه من الحكماء اغتمامه بذلك، وتوقه الى الصلاح العام، وعزمه على قصد الملوك الضلال، ليبصرهم الحق ويجاهدهم عليه فرأى من يليه من الحكماء ويحف به من صالحي الجلساء صواب هذا الرأي، وخاطبوه بأنه، ان ما بعثه عليه ودعاه اليه همة عالية ونفس سامية، وان سنة «١٣» قد تعالت، ولا يؤمن أن ينهض نحو هذه الحال، وهي مما يحتاج فيه الى مباشرة أمور عظيمة، وتجشم أسفار شاقة، وملاقاة حروب صعبة ومدة يرجى في مثلها تمام هذا الامر من الصلاح وتطاوله، وأنهم لا يأمنون ان تخترمه قبل ذلك المنية، وأشاروا عليه بالاستكثار من النساء للطروقة «١٤» ، وكان متجنبا لذلك فيما خلا من عمره، على مذهب الفلاسفة، طلبا لولد ينشئوا نشوءا صالحا ويعهد اليه في طلب ما رام فعله فولد له الاسكندر، فلما ترعرع أنفذه الى أثينا مدينة الحكماء، وكان صاحب التعليم بها في ذلك الوقت أرسطاطاليس بعد افلاطون، فأقام عنده حتى شد من الفلسفة طرفا، وتقبل أخلاف أهلها، ثم
стр. 445
أتاه نعي أبيه وجاء أهل مملكته بعد موته الى الاسكندر، ومعهم التاج وما يتبعه من أدوات الملك، وكانت له أقاصيص مع معلمه ليس يدخل أكثر فيما يحتاج في هذا الموضع الى ذكره، وانما وصفت ما وصفته من حاله المتقدمة، ليعلم ان الملك انه اذا تشاغل بالحكمة كان أمره عظيما وشأنه جسيما كما كان ذو القرنين. وقد جاء في الاخبار القديمة ان الله اذا أراد بامة خيرا جعل الملك في علمائهم والعلم في ملوكهم. وقد قال عز من قائل في كتابه المحكم «انما يخشى الله من عباده العلماء» «١٥» وتفسير الخشية في هذا الموضع، التقى وكف اليد عن جميع المساوئ وليس أحد يظن انه أعلم «١٦» بما يرضى الله ويسخطه من العالم الذي يعلم أمر الله على كهنه، وأقصى ما جعل الله للبشر علمه من ملكوته وسلطانه، على ان العالم بذلك قليل والفاحص عنه والمتبحر له يسير لا جرم ان التقى قليل والجهل كثير والله قبل ذلك وبعده ولي الارشاد والتوفيق.
ومما ينبغي أن تعرفه الملوك، ان أمورهم ليست كأمور سائر الناس الذين يجوز لهم التساهل في شؤونهم، لان كل انسان من السوقة المنفردين بما يخصهم يكفيه من الفضائل وتضره من الرذائل «١٧» دون [ما يكفى ويضر من يضم الجماعة الكثيرين الذين تصرفهم به ورجوعهم الى الاتمار له فان الواحد من السوق مثلا يكفيه في أن يكون فهما أن يفهم أمره وأمر ما يخصه ويجزيه من العلم يسير ما يسد به ويقتنيه «١٨» ، وكذلك يجزيه أن يكون شجاعا ان يفي بقرنه وفي أن يكون أمينا يؤدي ما يؤتمن عليه نفسه، وفي أن يكون عادلا أن يعدل فيما يأخذه ويعطيه وحده، وفي أن يكون
стр. 446
جائزا مع هذا يسئل عما لا يخبره كل الخبر، ولم يقع له تصحيحه بغاية الصحة، ولا متمكن منه، فكم من نافذ في شيء يضعف من غيره وما هو بشيء لم يقع له التمهر بسواه حتى ان......... «٢١» لم يسلم علمه بغيره وتكلف منه مالا يتحقق معرفته لان في طبائع الناس المشاحة في فطرهم والمساماة والمغالبة، حتى اذا سلم المستشار من كل ما عددته، وكان مستقيم الرأي غير خطلة، وسديد التدبير غير مختلة «٢٢» ، لم يأمن أن تعرض له آفة اخرى في أن يكون له أرب فيما ليس الصواب للملك قبوله منه، أما من التعصب لمن يودي عن صدق النصيحة في أمره، أو المعاداة لمن يحض على مكروهه ويبعث على مساءه وضره، واذا خلا من جميع ما عددته، جاز بعد هذا أن يكون له خليفة في نفسه، لا تليق بمن يكون على مثلها الرجوع في الراي الذي يشاور فيه، الى ما عنده مثل أن يكون قصير الهمة، ثم ليستشار في الامور السامية، أو يكون جبانا فيشار في الاقدام على الاحوال الخطيرة الهائلة، أو يكون بخيلا ضنينا ويشاور في صلات من يستحق التوسعة في صلته «٢٣» ، وما جانس هذا وشاكله من الخلائق التي تكون في الناس ولا يمكن ضبطها، ويعجز العالم عن مقاومتها ومقاومة ما فيه منها. فكم من عالم عاقل يعلم ان فيه من الخلائق المذمومة ما هو مبلحا به ويجتهد في الزوال عنه فلا تبلغه قدرته ويعجز عنه محالته فاذا كانت هذه الافات لاحقة للمشاورين فكيف بتصحيح مشوراتهم وكيف يستخلص حقيقة الصواب من جهتهم الا بأن يكون للملك في النهاية من الفهم والدراية، حتى يعلم صحة فهم من يشاوره فيما يشاوره فيه، وتصرف خلائقه في الوجوه الخاصة به وسلامته من أن يدخله في ذلك هوى، أو يكون له في شيء انحراف أو عداوة ...
стр. 447
جوادا أن يجود على من تبلغ قدرة الجود على مثله. وكذلك الرذائل يجزيه اذا بلى بواحدة منها الا يعدوه عيب مما بلى به، ولا يتخطاه أي غيره.
وليس الملك كذلك لانه لا يكفيه من العلم أن يكون معه منه ما يقوم بأمره حتى يقوم بأمر غيره ممن اليه تدبير شأنه. وكذلك فلا يجزيه في الامانة أن يؤديها هو وحده، حتى يؤديها أصحابه والمؤتمنون من قبله، ويكونوا من الامانة على مثل ما هو عليه. وكذلك في الشجاعة ولا يجزيه أن يقاوم قرنه حتى يدبر جيوشه تدبيرا يقوم معه كل واحد منهم أيضا بقرنه، ويحمل كل واحد منهم نفسه. وكذلك في العدل يحتاج أن يفيضه هو ويفيض مثله أصحابه وكفاته. وكذلك جوده] «١٩» يحتاج أن يكون أهم «٢٠» من جود غيره وأشد احتياطا في ان يوضع مواضعه، وعند مستحقه ولا يخلوا مستوجب له مما شكل نظيره منه، وكذلك أيضا فليست عيوبه وما يبدو منه من قبيح أموره يخصه دون أن يفسد أحوالا كثيرة، من الامور التي يتصل به، مما لا يشاكله فساد السوق ولا يقاربه. فلذلك لا يجب أن يكون موارد رأيه ومصادرها خارجة الا بعد أحكامها وتهذيبا من شوائب الزيغ والفساد، ودواعي الهوى المبعد عن الصواب، وهذه الحال فما أبعد تمامها للانسان وحده، دون المشاورة والرجوع الى ذوى الرأي والحنكة، ومن قد هذبت العلوم الصحيحة رأيه وثقفت المعارف الحقيقية لبه ومن قد جرب التجربة المستوفاة لمثل ما يرجع فيه الى رأيه ومعرفته، وفي رجوع الملك الى غيره من المشورات نفع، ودفع للافات وعوارض الخطأ والنكبات، لان المستشار ينبغي أن يكون أولا: صحيح العلم في ذاته، مهذب الرأي في نفسه. فما أكثر من العلماء من تكون آراؤهم معوجة، ومقاصدهم مقاصد غير مستقيمة، فاذا سلم المستشار من هذه الخلة كان
стр. 448
وقد أوصى مهبوذ أحد حكماء الفرس بعض ملوكهم فقال: اتخذ من نصحاء علمائك مرآة لطباعك ليجود بها رأيك فأنك الى صلاح طباعك أحوج منك الى تحسين صورة وجهك، والعالم الناصع في تعريف المخبر أصدق من الجديد المجلو في تبين النظر. وقد قال شاعر من شعراء العرب:
وما كل ذي لّب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب «٢٤»
ولكن اذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب
فاذا عرف الملك سلامة من يشاوره من هذه الشوائب التي وصفنا، وشاوره فيما يحتاج اليه، طالبه بالدليل على أن يكون الذي يرتئيه وينص عليه هو الصواب دون غيره، فاذا أتى بالحجة في انه أصوب الوجوه التي يوجها الرأي ميز «٢٥» الملك ذلك بعقله، ووزنه بمعيار نظره واعتباره. فأن الملك عند فعله ما قدمته اذا أتمن انسانا كان امينا، واذا استنجد رجلا كان نجدا واذا استكتب كاتبا واتخذ صنيعا من سائر صنوف أصحاب الصناعات والمهن، كان في معناه بليغا سديدا، وتحصل له جمهور ما يعلمه على حقه وصدقه وصوابه وتظهر أفعاله متعجبا «٢٦» منها مفضلا بها بينا فيها «٢٧»
стр. 449
الجزالة وصواب الراي، ما يكسبه شدة الطاعة من الخاصة، ومن العدل والرأفة وما يصيره الى الود الخالص من العامة، ويتم له مع ذلك الملك الصحيح الذي هو الملك بالحقيقة لا الذي يجري على سبيل القهر والغلبة، فان مثل هذا ليس ملكا على الصحة ولا رئاسة يوثق بها الثقة التامة، اذا كانت الرئاسة انما هي رئاسة عفو الطاعة لا رئاسة الاستكراه والقهر، والمملكة مملكة الرضا والمحبة، لا مملكة التسلط والقهر.
ومما ينبغي أن تذكره من أمر خلائق الاسكندر ذي القرنين ليتقبل الملوك ذلك ويذهبوا بنفوسهم نحوه، ولا ييأسوا من بلوغ مثل حاله، فأن الناس واحد في المعنى، وأفضلهم عند الله التقي، الذي يجده- عندما يحب ويرضى، فأنه يبلغ الغاية القصوى، ويسمو الى الدرجة العليا، ولو كان من الملوك ما بلغه موضعا من أحاديثه ما تسمعه الملوك، ولا ينكلوا عن تعاطي مثل أمره والله ولي التوفيق [بقدرته] «٢٨» . فما كان من أمر الاسكندر بعد ما اقتصصناه من ذكر أوليته وابتداء، نشوئه وتعليمه، انه كان مع حاله التي وصفناها عنه موذنا بالنجابة منذ أولية كونه، وابتداء صباه ونشوئه، ومن ذلك انه كان لما أشخصه أبوه الى مدينة الحكمة، كان وجماعة من أولاد الملوك بحضرة المعلم المتقدم ذكره فأراد معلمهم امتحانهم والمقايسة بينهم، فقال: لفتى «٢٩» منهم يقال له مينوان، افضى اليك الملك ما أنت صانع بي، فقال: أفوض اليك جميع أمري. وقال: لاخر منهم يسمى فاليغا مثل ذلك، فقال أتخذك وزيرا ومشيرا، وقال: لاخر يعرف بارقيطن، فأنت ما تصنع بي، قال: أشركك في ملكي. فقال للاسكندر مثل ما قاله لكل واحد منهم، فقال: يا أيها الحكيم لا ترتهنني اليوم لغد، ولا تسألني الان عما أفعله بعد، وانظر
стр. 450
فأني ان أصير الى الحال التي أومأت اليها، أفعل بك ما ينبغي ان يفعل بمثلك في تلك الحال. فقال معلمه: حقا أنك لتخيل بملك كبير، وعلى ذلك تدل قريحتك والفراسة فيك.
ثم لنرجع الى حديثه الاول الذي كنا بدأنا به، فلما رجع الاسكندر بعد موت أبيه ورجوع الملك اليه الى دار مملكتهم وكانت في ذلك الوقت بمقدونية وهي بالقرب من المغرب، ولم يكن بالقسطنطينية التي هي في هذا الوقت دار ملكهم. وبدأ في أول أمره باصلاح مملكته حتى أقامها على ما وجب اقامتها عليه من السنن العادلة والسير الفاضلة، ثم عزم بعد ذلك على تدويخ الارض ومجاهدة الملوك الضالين، وكانت للفرس على اليونانيين الى ذلك الوقت أتاوة ولم تزل يحملها ملوكهم في كل سنة، فأخذ في منع دارا بن دارا ملك فارس كان على عهده منها وأقبل دارا يكاتبه بالوعيد الشديد ويتهدد معلمه التهدد الغليظ، وينسب المشورة عليه بترك حمل الاتاوة اليه، والاسكندر يجيبه عن كتبه بأنه لو علم حقا يوجب حمل الاتاوة لحملها ولم يمتنع منها، ويدعوه الى التوحيد وترك الكفر، ويحضه على اتباع أمر الله والتسليم له واعتماد طاعته والتناهي عن مخالفته، ويحذره عقوبته وسخطه، الى ان أحس دارا ذلك فدلف اليه وقصد حربه ومناجزته وصار الى ديار ربيعة، ما بين المدينة المسماة باسمه وأقبل الاسكندر نحوه مظهرا مجاهدته مخاطبا له بأنه، ما يريد ماله ولا شيئا مما يملكه، وانه انما يريد منه أن يقر بالتوحيد، ويؤمن به ويدع الكفر وينزع عنه لينصرف عن حربه، ويخلى بينه وبين مملكته. وأقبل دارا في جواب هذه المكاتبات يتعالى تعالي الجبارين ويتسطى تسطي الملوك المتعظمين، الى ان كان الظفر للاسكندر به، فاستباح عسكره، وتزوج روشك ابنته، وأقبل الى بلد بابل حتى دخله ووطئه، واجتمعت ملوك الفرس من الافاق اليه فأحسن عشرتهم، واستعمل العدل في أمورهم ولم يهجم بسوء في شيء
стр. 451
من أحوالهم. وكان عند انجذابه لملاقاة دارا قد استخلف معلمه أرسطاطاليس على ما خلفه، وكان يطالعه بأحواله ويستمد الرأي من جهته، فكتب اليه عند حلوله بأرض فارس، واجتماع من اجتمع من ملوكهم قبله كتابا يقول [فيه] «٣٠» :
أما بعد فان الاقدار وسابق الاتفاقات، وأن كانت أصارت بنا الى ما نحن عليه، من علو الشأن فليس ذلك بمانع لنا من الرجوع الى رأيك والاستضاءة بنور حكمتك، وأني لما حللت ببلاد فارس، اجتمع الي ملوكهم من الاقطار فرأيت أجساما عظيمة ونفوسا عالية، وهمما «٣١» سامية، وشجاعة كاملة، وأحوالا ضخمة واسعة، ووجدت مقامي وسط بلادهم وقد استوليت على مملكتهم، وظفرت بملكهم غرارا اذا كنت لا أمن أقدامهم، وفكرت في قتلهم فاحجمت عنه لاني لم أعرف وجهه، وقد صرت في أمورهم على حال محيرة، فأشر بما تراه صوابا في تدبيرهم.
فأجابه أرساطاليس: وهو معلمه الذي أنشأه، وبصره جوابا ينبغي أن يمتثل في جوابات الملوك، ويتقبل في مخاطباتهم. فأن الملك لو جاز أن يتعالى عليه أحد، لوجب لذلك الحكيم الذي كان سبب تثقيفه، ولكن من شأن الملك أن يتواضع له كل ذي عمل ويتطأطأ دونه كل ذي فضل، فان في جواب هذا الحكيم لهذا الملك العظيم تبصرا في مخاطبة الملوك، واحدة: مع ما فيه من الارشاد الى تعلم صواب الرأي، ثانية، وهو هذا:
وصل اليّ كتاب الملك وفهمته، فأما قوله، أن الاقدار والاتفاقات ساقت اليه الاحوال التي هو بها فليت الاقدار اذا ساقت الى أحد حالا عظيما كان مستحقا لها كأستحقاق الملك المنزلة التي وصل اليها، فأن، الفراسة فيه قد كانت توجيها، وأقوال الكهنة تؤذن بها وتدل عليها.
стр. 452
وأما قوله في رجوعه في الرأي اليّ، فالاحوال الكبار تشغل الملك عن الانفراد بالرأي، وتقطعه عنه، وليس رجوعه فيه اليّ لنكوله عن عمله ولا قصور من رأيه عن بلوغه ولكن لا ذكره بما أفدته منه وأرد عليه ما اسلفنيه من قريحته، والله يوفق من ذلك ما يرضي الملك ويزلف عنده:-
فأما ما شاهده الملك من بأس الفرس ونجدتهم، فينبغي أن يعلم الملك ان الامم اقتسمت الفضائل، فالذي وقع للفرس منها هو الشجاعة، والنجدة فأما قتلهم فلست أراه لانه ان قتل ملوكهم وليس بد من أن يستعمل عليهم بعضهم، اضطر الى رفع سفلتهم. وسياسة الملوك أسهل من سياسة السفلة لان الملوك أشد طاعة وأسلس انقيادا وعريكة. وسياسة السفلة شاقة «٣٢» متعبة، وأنا أرى رأيا يكتفي به الملك مؤونه قتلهم مع ما يجتمع له به من طاعتهم، ويستثمره من اخلاص نياتهم والانتفاع بهم، وهو ان يجمعهم في محفل عظيم عام، ويعمد الى أولاد الملوك الذين لا يأبى أحد من كافتهم رياستهم، فيقسم المملكة بينهم، ويجعلها طوائف في أيديهم. فانه اذا رأى كل امرى منهم، انه قد ساوى نظيره في التمليك، لم تطعه نفسه للانقياد له، وان يكون دونه، ولقلة مقدار الطائفة التي في يده من المملكة عند جميعها، ما ينقص همته عن معصية الملك والخلاف عليه، ويستجمع الملك طاعتهم ويكفى ما ترهبه من غدرهم وشرتهم:- فرأى الاسكندر صواب هذا الرأي، فقبله فلم يزل ملوك الطوائف يؤدون الاتاوة الى اليونانيين، وينحون لهم بالطاعة خمسمائة واحدى عشرة سنة الى أن جمعهم اردشير بن بابك، وقال: لما تكلف من جهادهم على الجمع
стр. 453
المشقة الشديدة والكلفة «٣٣» المتعبة، حتى صارت المملكة واحدة نحن نضرب بسيف أرسطاطاليس مذ هذه المدة البعيدة.
وكتب أرسطاطاليس الى الاسكندر رسائل كثيرة في حال محاربته دارا الى ان ظفر به. وبعد ذلك في حال مسيره الى الهند ومحاربته (فور) ملكهم الى أن ظفر أيضا به. ثم في نفوذه الى الصين، وأقصى المشرق، بين له وجوه الرأي والتدبير ويحضه على الحكمة والعلوم النظرية، ويبصره الاخلاق الشريفة والافعال الجليلة، منها رسالته المعروفة برسالة (التدبير) فأنه يقول: الحكمة رأس التدبير، وهي صلاح النفس ومرآت العقل، وبها تزول المكروهات، وتعز المحبوبات، ما أحسن رأي من حقق في طلبها، وأبهى نتائج الحكمة في نفوس طالبيها، وهي أس الممادح، وأصل المفاخر، وكفى بالحكمة فضلا ان في حجة من رام أبطالها تثبيتها ومن قصد لدفعها بحقيقها وكفاها بأنها معشوقة في الطبيعة ومتشوق اليها في أول الصيغة وان الدليل على ذلك ما قلناه في كتاب يسمع «٣٤» الكيان من أن الصبيان يشتاقون الى سماع أحاديث الخرافات، وان جميع الحواس سريعة الى استنباط محسوساتها، وكفاها فضلا ان الجهل ضدها، وهو الشيء الذي ينتفي منه الناس جميعا ويتدافعونه طرا، وبها ينال الدنيا حق المنالة، وهي العائدة الى الفوز في العاقبة وبها تنجوا النفس من العقوبة، وخاطبه فيها مخاطبات اخرى نحن نضع كل باب منها في موضعه.
ومما يصلح أن يكون في هذا الموضع ان قال له: اعلم يا اسكندر ان الرئاسة مرغوب فيها ليحرز الذكر بها، والذكر محمود لمن مال اليه من طريقه، ومذموم لمن يقصده بالافراط فيه، فطلب الذكر من وجهه ينتج الصدق، والصدق ينتج الورع، وجميع الممادح، والورع ينتج
стр. 454
العدل، والعدل ينتج التآلف، والتآلف ينتج الكرم، والكرم ينتج المؤانسة، والمؤانسة تنتج الصداقة، والصداقة تنتج البذل، والبذل والمؤساة توجب الذبّ والمحاماة، وفي ذلك اقامة السنة وعمارة الدنيا وهو موافق للطبيعة، وكفى بالطبيعة التي هي قوة الباري، ففي جميع الموجودات في أصلاح جميع الامور الفاسدة المضطربة، وطلب الذكر من غير جهته ينتج الحسد، والحسد ينتج الكذب، والكذب أصل المذام كلها، وان الكذب ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء «٣٥» تنتج الجور، والجور ينتج «٣٦» التصادم، والتصادم ينتج الحقد، والحقد ينتج المنازعة، والمنازعة تنتج العداوة، والعداوة تنتج المحاربة، والمحاربة تنقض السنة وتذهب بالعمارة، وهذا مخالفة الطبيعة، ومخالفة الطبيعة فساد الامر كله، وقد ينازع النفس أيضا منازع غليظ المؤونة وهو الشهوة المفرطة، وينتج افراط الشهوة الميل الى البدن وتضييع اصلاح خواص النفس وقواها، فان الميل الى الجسد ينتج الاهتمام المفرط، وافراط الاهتمام ينتج البخل، والبخل ينتج محبة اليسار، وحب اليسار يدعوا الى النذالة، والنذالة تنتج الطمع، والطمع ينتج الخيانة، والخيانة أصل السرقة، والسرقة تهتك المروة، ومنها تنشى المحاربة التي الف بعدها بالحقيقة، والمحاربة أصل لنقض الدين وزوال التآلف، وخراب الدنيا وفناء عمارتها، وذلك مخالف لارادة الباري ومشيئته، وقد ينازع النفس أيضا منازع، ليست مؤونته بالسهلة وهو النهم لان النهم ينتج الدنأة، والدنأة تنتج سقوط الهمة، وسقوط الهمة تنتج الميل الى المحقرات، وذلك هتك كل فضلة، ومن هذه الافة تحدث الاوجاع العظيمة، والآلام المؤذية والاسقام المزمنة والفجور، وما
стр. 455
أشبهه من الامور القبيحة. وكذلك القحة فانها من خواص الدوائر الغالب عليها سوء المزاج، وهي معدن الاوساخ التي تحارب الفكر وأصل لاكثر الرذائل.
وقال بعد ذلك انه قد يجب على الملك أن يختص بأحسن الخواص، وذلك انه علم يشار اليه، وأمام يؤتم به، وصغير العيب في الملك عظيم وكذلك الفضل منه ضوء كثير.
وكان معاوية ابن أبي سفيان يقول: ان الامور لترد عليّ فيطول بها نظري حتى أخاف ان احبس عقلي فاستجم عقلي «٣٧» بمحادثة العقلاء، تم أعاود النظر فيها وقد انقشعت عنه صبابة الحيرة، فاصدرها مصادرها.
وأخبرني سنان بن ثابت بن قرّة ان المعتضد بالله- وكفى به من الملوك فضلا وحزما- انه لما أراد بناء قصره في أعلى بغداد، على الموضع المعروف بالشماسية استزاد في الذرع بعد ان فرغ لها من تقدير جميع ما أراده للقصر، فسئل عما يريد ذلك له فذكر انه يريده ليبني فيه دورا «٣٨» ومساكن ومقاصير يرتب في كل موضع منها رؤساء كل صناعة، ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية ويجري عليهم الارزاق السنية ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره. فيأخذ عنه، ولو مد له في العمر حتى يفعل هذا لظهر فضل هذه الامة على جميع الامم، ورجوت أن يكون في تناهي هذا الفعل وحده، الى سائر الاجيال والملل المخالفة للاسلام «٣٩» ما يفت في أعضادهم وينل من عزمهم ويصد عن الوثبة، اذا فكروا فيها عزمهم هذا الى ما كان يستمر بذلك من فيض الحكمة وعمومها اذا أعان الملك عليها والقوة الشريفة بما يتفق من وجوه البصر فيها مراماة
стр. 456
الاعداء والملحدين بالحجج البينة التي تزيل الشبة المضلة والتلاوات الباطلة التي بها ضل وعند من عند وبيان لجميع وجوه الحق ومذاهب الرشد، وما كان يتفق به أيضا من وجوه الصناعات، التي يتخذ بها المكائد والآلات النافعة، في محاربة أهل الجهل، ان قصدوا البيضة وصدهم عنها باهون المساعي، وأيسر المعاني، والله يوفق أمير المؤمنين، ويعينه على مصالح الامة وحراسة الدين، وان يرينا العدل شائعا والقول به مستفيضا ذائعا بقدرته.
ومما أذكره ليقبله الملوك ويأخذوا به، ان أنو شروان وقع الى وزرائه، بأن يسارعوا الى ما يخرج أمره به من أمور الخير وأحواله، من غير تربيت له ولا توقف عنه وان يسألوه عنه وليخبرهم بسببه فيكونوا هم أشد استبصارا فيه وعلما بحقيقة ما يمضى منه، ويتوقفوا عما يخرج به أمره من الشرور، حتى يراجعوه فيه أياما ثلاثة ليتأمل ما أمره به منه حق تأمله، ويستثبت [فيه بما يستثبت] «٤٠» به في مثله، ويعمل بما يوجبه التأمل من امضائه، أو التوقف عنه، وهذه خليقة مع انها شريفة موافقة لما توجبه الديانة، وينفع مثلها في السياسة والمصلحة العامة.
وأخبرني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: قلت للمعتمد على الله:
ان الكريم ينخدع فقال نعم ذاك: اذا علم انه ينخدع، فأما اذا ظن انه يخدع فلا يخلص المعتمد بقريحته وجودة خاطرة الكرم من الغباء تخليصا بالغا.
ومما تكلم به البلغاء، والملك محتاج الى تقبله، وان كانت أحوال ما قاله هذا البليغ قد قدمنا حاجته اليها في موضعه. فان ما ذكره من فنون ذلك وفروعه هو قوله «الكريم لا تغلبه الشهوة، ولا يحكم عليه الشرة بسوءة، ولا القدرة بسطوة، ولا الفقر بذلة، ولا الغنى بعزة، ولا الصبر
стр. 457
بضجر، ولا النعمة ببطر» . ومن شجاعة الملوك التي ينبغي أن توضع في مواضعها، وقد قدمنا ذكر جملها ومعناها. انه رفع الى أنو شروان يسأل عن مبارزته العدو بنفسه:- فوقع لتشتهر في الافاق شجاعتنا وتنتشر أخبارنا فيرهبنا عدونا. وهذا القول مما ينبغي أن يسمعه الملك، ولا يعمل في كل وقت به، بل يفعله اذا حضر وقت يصلح له، وحال يمكن فيها من الظفر بعدوه، كما فعل الاسكندر بفور ملك الهند، فانه بارزه لما توجهت له المكيدة عليه، ووثق من نفسه باستظهار في مبارزته. فأما اذا لم يتوجه له ما يتقن الغلبة معه، فينبغي أن يعمل الملك كما عمل المنصور مع ابن هبيرة، وهو محاصر له بواسط، أني خارج اليك يوم كذا، وداعيك الى المبارزة فأنه بلغني تجبينك إياي فأجابه المنصور عن هذه الرسالة، بأن قال له: يا بن هبيرة قد تعديت طورك، وجريت في عنان غيك، وسأضرب لك مثلا يشاكل أمرك. بلغني ان أسدا لقي خنزيرا فقال له الخنزير، قاتلني، فقال له الاسد لست بكفء لى لانك خنزير ومتى فعلت الذي دعوتني اليه فغلبتك، لم اكتسب بذلك ذكرا ولا نلق به فخرا، وان نالني شيء كان علي في ذلك سبّه، فقال الخنزير: ان أنت لم تفعل رجعت الى السباع فاعلمتها انك نكلت عني وضعفت عن قتالي، فقال له الاسد: احتمالي على كذبك «٤١» أيسر علي من لطخ شاربي بدمك.
ومما يحتاج الملك الى التذكير «٤٢» به هو ما تقدم في باب الشهوات والاحتماء من الافراط فيها:- انه رفع الى أنو شروان بأن الموكل بالمائدة وصف امساك الملك عما كانت تميل اليه شهوته من المطاعم فوقع. تركنا ما نحبه لنستغني عن التعالج بما نكرهه ... وفي المثل السائر والقول الغابر اعجز العجزة من عجز سياسة نفسه. وسئل بعض الحكماء فقيل له:
стр. 458
أي الملوك أولى بالحزم، فقال «٤٣» : (من ملك جده هزله «٤٤» ، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن حظه، ولا غضبه عن كيده) . وقال آخر من الفلاسفة: في صفة ملك بالحزم: (انه ينبغي الا يبلغ من الشدة الى ما يلحق معه الفظاظة، ولا من اللين الى ما ينسب معه الى المهانة) . وهذا من جنس قول عمر بن الخطاب [رضى الله عنه] «٤٥» حيث قال «انه ينبغي للوالي ان يكون شديدا في غير عنف ولينا في غير ضعف» ... ولعبد الملك ابن مروان فصل من كلام يحتاج الملوك الى تقبله، وهو قوله: (ان أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وانصف عن قوة) .
ومما يحتاج اليه الملوك ويزيد في قوتهم عليه، التمهر في العلوم، ومجالسة أهل الآداب والحلوم، والحذق بالمحاجة ومقاومة ذوي الجدل عند المخاصمة، فانه يحكى عن المأمون انه قال لرجل من الخوارج أدخل اليه: ما الذي حملك على خلافنا والخروج علينا فقال الخارجي: آية وجدتها في كتاب الله قال قوله (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)
«٤٦» فقال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة قال نعم، قال: وما الدليل على ذلك، قال: أجماع الامة. فقال له المأمون: فلما رضيت باجماعهم في التنزيل، فأرض باجماعهم في التأويل، فقال الخارجى: صدقت والسلام عليك يا أمير المؤمنين. فنجوع هذا الخارجي بالطاعة التي قاده اليها بالحجة، أحسن من غلبته بالقتال والحرب ...
стр. 459
ودخل ناس من أهل مصر على عتبة بن أبي سفيان فقال له: انك سلطت السيف على الحق، ولم تسلط الحق على السيف. وجئت بها عشواء صفينية: فقال لهم: كذبتم بل سلطت الحق «٤٧» فتسلط معه السيف، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف قبل معرفتكم بالحق، فأنكم] «٤٨» الحاملون له حيث وضعه أعدل والواضعون له حيث حمله أفضل. وانتم في أول لم يأت آخره وآخر دهر قد مات أوله فصار المعروف عندكم منكرا والمنكر عندكم معروفا واني لا قول لكم مهلا قبل أن أقول لنفسي مهلا قالوا:
نخرج سالمين كما دخلنا آمنين، قال غير، راشدين ولا مهذبين) .
وقال أكثم بن صيفي «٤٩» : وهو من خطباء العرب وحكمائهم، كلاما يصلح للملوك ان يسمعوه، وهو قوله: (اللبيب من حذر السقطة وحسن خروجه من الورطة) ... وقال في موضع آخر: (الاديب من تجرع الغصة ووثب عند الفرصة) ومما يصلح ان تعرفه الملوك ليتقبلوا أحسنه، ويجانبوا أضره وأرذله ويتفهموا مواقع الرأي منه ما كان. فالاسكندر ذو القرنين كتب به الى أرسطاطاليس، فان الاسكندر كتب اليه يذكر ان في عسكره جماعة من خاصته وذوي حشمة، وأهل الحزمة، وانه مع هذا لا يأمنهم على نفسه، لما يرى من بعده همهم وقوة شجاعتهم وشدة دالتهم، فانه لا يجد لهم عقولا تفي بالفضائل التي فيهم، ويكره الاقدام بالقتل عليهم بالظنة، مع واجب الحرمة، ويسأله عن الرأي في أمرهم فكتب اليه أرسطاطاليس: فهمت كتاب الملك بما وصفه من أمر القوم الذين يضمهم عسكره، فأما بعد هممهم فينبغي أن يعلم الملك ان الوفاء من بعد الهمة، وان هذه الحال وان كانت مرهبة ممن له من جهة اقدامه، وان كان يكله
стр. 460
الى ناحية بسبب وفائه ... وأما ما يكره الملك من شجاعتهم ونقصان عقولهم، عن الوفاء بها، فمن كانت هذه حاله فره في معيشته، وحوله حسان النساء يحبب السلامة وتباعد ركوب المخاطرة، وليكن خلقك حسنا ستدع به صفو النية وخلوص المقة «٥٠» ولا يتناول من لذيذ العيش، ما لا يمكن أوسط أصحابك تناول مثله، فليس مع الاستئثار محبة ولا مع المواساة بغضة. واعلم ان المملوك اذا أستوى فليس يسأل عن مال مولاه، وانما يسأل عن خلقه. ففيما ذكرناه متعلم لاهل التأمل وذوي الروية والتبصير لان فيه تبيانا عن صواب الرأي في مثل هذا الامر اذا عرض، وتعريفا لوجوب الاحجام عن قتل من يتهم بالظنين وترفيعا عما يوحي العزم ويحبب السلامة من الاسباب التي يستعمل، أو تذكيرا لما يلزم من ترك الاستبداد برغد العيش على من يستصحب، وارشادا الى أحسن الخلق مما يوجب أن يؤثر ولا يغفل. وقالت حكماء الفرس: ان الملك اذا صان وحرس كان فيه أربع خلال من الفضائل، ويكوّن له من ثماني عوارض من الافات يلحقها كثيرا، وتتصل بها أبدا، كان مستظهرا في أمره مستحقا لملكه موثقا لاركانه في جميع شأنه وهي النعمة من السكر والبطر، وصحة الرأي من الجبن، والفشل، والقوة من البغي، والعدوان، والجرأة من السرف والاقتار.
следующие страницы →