Полный текст (1 410 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
ومن تأمل التّوقيعات الصادرة عنه «١١٠» أيده الله تعالى وأحاط علما بمحصولها، لاح له فضل ما وهب الله لمولانا من البلاغة التي فطره عليها، وجمع له بين الطبيعي والمكتسب منها.
وأما صدقاته الجارية وما أمر به من عمارة الزوايا بجميع بلاده لإطعام الطعام للوارد والصادر فذلك ما لم يفعله احد من الملوك غير السلطان أتابك أحمد «١١١» ، وقد زاد عليه مولانا أيده الله بالتصدق على المساكين بالطعام كل يوم والتصدق بالزرع على المتستّرين من أهل البيوت! قال ابن جزي: اخترع مولانا أيده اله في الكرم والصدقات أمورا لم تخطر في الأوهام ولا اهتدت اليها السلاطين، فمنها إجراء الصدقة على المساكين بكل بلد من بلاده على الدّوام، ومنها تعيين الصدقة الوافرة للمسجونين في جميع البلاد أيضا، ومنها كون تلك الصدقات خبزا مخبوزا متيسرا للانتفاع به، ومنها كسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشايخ والملازمين للمساجد بجميع بلاده، ومنها تعيين الضحايا لهؤلاء الأصناف في عيد الأضحى، ومنها التصدق بما يجتمع في مجابي أبواب بلاده يوم سبعة وعشرين من رمضان إكراما لذلك اليوم، وقياما بحقه، ومنها إطعام الناس في جميع البلاد ليلة المولد الكريم ١١»
واجتماعهم لاقامة رسمه، ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء «١١٣» ، ومنها صدقته على الزّمنى والضعفاء بأزواج الحرث «١١٤» : يقيمون بها
стр. 1017
أودهم، ومنها صدقته على المساكين بحضرته بالطّنافس الوثيرة والقطائف الجياد يفترشونها عند رقادهم، وتلك مكرمة لا يعلم لها نظير، ومنها بناء المارستانات في كل بلد من بلاده، وتعيين الأوقاف الكثيرة لمؤن المرضى وتعيين الأطباء لمعالجتهم والتصرف في طبّهم «١١٥» ، إلى غير ذلك مما أبدع فيه من أنواع المكارم وضروب المآثر كافى الله أياديه وشكر نعمه.
وأما رفعه للمظالم عن الرعية فمنها الرتب التي كانت توخذ بالطرقات، أمر أيده الله بمحو رسمها وكان لها مجبى عظيم فلم يلتفت إليه، وما عند الله خير وأبقى «١١٦» ، وأما كفه أيدي الظلام فأمر مشهور، وقد سمعته أيده الله- يقول لعماله: لا تظلموا الرعية! ويؤكد عليهم في ذلك الوصية.
قال ابن جزي: ولو لم يكن من رفق مولانا أيده الله برعيته إلا رفعه التّضييف الذي كانت عمّال الزكاة وولاة البلاد تأخذه من الرّعايا، لكفى ذلك أثرا في العدل ظاهرا، ونورا في الرفق باهرا، فكيف وقد رفع من المظالم وبسط من المرافق ما لا يحيط به الحصر.
وقد صدر في أيام تصنيف هذا من أمره الكريم في الرفق بالمسجونين ورفع الوظائف الثّقيلة التي كانت توخذ منهم ما هو اللائق بإحسانهم والمعهود من رأفته، وشمل الأمر بذلك جميع الاقطار، وكذلك صدر من التنكيل بمن ثبت جوره من القضاة والحكام ما فيه زاجر الظّلمة وردع المعتدين! وأما فعله في معاونة أهل الاندلس على الجهاد ومحافظته على إمداد الثغور بالاموال والاقوات والسلاح وفتّه في عضد العدو بإعداد العدد وإظهار القوة فذلك أمر شهير لم يغب علمه عن أهل المغرب والمشرق ولا سبق إليه أحد من الملوك «١١٧» .
стр. 1018
قال ابن جزي: حسب المتشوف إلى علم ما عند مولانا أيده الله من سداد النظر للمسلمين ودفاع القوم الكافرين ما فعله في فداء مدينة طرابلس إفريقية فإنها لما استولى العدوّ عليها ومد يد العدوان إليها ورأى أيده الله أن بعث الجيوش إلى نصرتها لا يتأتى لبعد الاقطار كتب إلى خدّامه ببلاد افريقية أن يفدوها بالمال، ففديت بخمسين الف دينار من الذهب العين، فلما بلغه خبر ذلك، قال: الحمد لله الذي استرجعها من أيدي الكفار بهذا النزر اليسير، وأمر للحين ببعث ذلك العدد إلى افريقية، وعادت المدينة إلى الإسلام على يديه «١١٨» ، ولم يخطر في الأوهام أن أحدا تكون عنده خمسة قناطير «١١٩» من الذهب نزرا يسيرا حتى جاء بها مولانا أيده الله مكرمة بعيدة، ومأثرة فائقة قلّ في الملوك أمثالها وعز عليهم مثالها.
ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل «١٢٠» واستكثاره من عدد البحر، وهذا في زمان الصلح والمهادنة إعدادا لأيام
стр. 1019
القرّة «١٢١» وأخذا بالحزم في قطع أطماع الكفار، واكد ذلك بتوجّهه- أيده الله بنفسه- إلى جبال جاناتة «١٢٢» في العام الفارط، ليباشر قطع الخشب للانشاء، ويظهر قدر ما له بذلك من الاعتناء، ويتولّى بذاته أعمال الجهاد مترجّيا ثواب الله تعالى وموقنا بحسن الجزاء.
رجع، ومن أعظم حسناته، أيده الله عمارة المسجد الجديد بالمدينة «١٢٣» البيضاء دار ملكه العلي، وهو الذي امتاز بالحسن واتقان البناء وإشراق النور وبديع التّرتيب، وعمارة المدرسة الكبرى «١٢٤» بالموضع المعروف بالقصر «١٢٥» مما يجاور قصبة فاس ولا نظير لها في المعمور اتساعا وحسنا وإبداعا وكثرة ماء وحسن وضع، ولم أر في مدارس الشام ومصر والعراق وخرسان ما يشبهها.
وعمارة الزاوية العظمى «١٢٦» على غدير الحمّص «١٢٧» خارج المدينة البيضاء، فلا
стр. 1020
مدرسة أبي عنان
стр. 1021
مثل لها أيضا في عجب وضعها وبديع صنعها، وأبدع زاوية رأيتها بالمشرق زاوية سرياقص التي بناها الملك الناصر «١٢٨» ، وهذه أبدع منها واشد احكاما وإتقانا والله سبحانه ينفع مولانا أيده الله بمقاصده الشريفة ويكافىء فضائله المنيفة ويديم للاسلام والمسلمين أيامه وينصر ألويته المظفرة وأعلامه «١٢٩» .
ولنعد إلى ذكر الرحلة فنقول: ولما حصلت لي مشاهدة هذا المقام الكريم وعمّني فضل إحسانه العميم قصدت زيارة قبر الوالدة فوصلت إلى بلدي طنجة وزرتها ...
الزاوية العظمى كما تخيّلها سعيد لحميني فكيف تتخيلها أنت من خلال وصف ابن الحاج النميري؟
стр. 1022
طنجة العاصمة الدبلوماسية للمغرب بالأمس القريب- رسم المتحف الوطني في قيينا-
стр. 1023
الفصل السابع عشر الرحلة إلى الاندلس
جبل الفتح في حديث ابن بطوطة اهتمام الدولة بالجبل المعمار في الجبل ... صورة مجسّمة له بالقصر الملكي بفاس حضور الشّعر في الجبل الحديث عن رنده ... ومربلة مالقة- الحمّة غرناطة ومجالسها ...
التقاء ابن جزي بابن بطوطة لأول مرة! حديث عن العجم المستوطنين بالمدينة وإهمال لآثار الحمراء!! عودته للمغرب ومقامه بمدينة أصيلا ثم التحاقه بمدينة مراكش مصاحبة ابن بطوطة لركب أبي عنان الذي حمل شلو والده من مراكش لدفنه في شالة الرباط.
стр. 1024
وتوجهت إلى مدينة سبتة «١» فأقمت بها أشهرا وأصابني بها المرض ثلاثة أشهر ثم عافاني الله فأردت أن يكون لي حظ من الجهاد والرباط، فركبت البحر من سبتة في شطّي «٢» لأهل أصيلا «٣» ، فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى، حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والظاعن، وكان ذلك أثر موت طاغية الرّوم أدفونش «٤» وحصاره الجبل عشرة أشهر، وظنه أنه يستولي على ما بقي من بلاد الاندلس للمسلمين فأخذه الله من حيث لم يحتسب ومات بالوباء الذي كان أشد الناس خوفا منه.
وأول بلد شاهدته من البلاد الأندلسية جبل الفتح «٥» فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكرياء يحيى بن السراج الرّندى «٦» وقاضيه عيسى البربري، وعنده نزلت وتطوفت معه على الجبل، فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبو الحسن ﵁ وأعد فيه من العدد وما زاد على ذلك مولانا أيده الله، ووددت أن لو كنت ممّن رابط به إلى نهاية العمر.
стр. 1025
جبل طارق ... وكان يحتوي على رحى كانت هناك لطحن الاقوات بالريح ...
стр. 1026
قال ابن جزي: جبل الفتح هو معقل الاسلام المعترض شجا في حلوق عبدة الاصنام حسنة مولانا أبي الحسن «٧» ﵁، المنسوبة إليه، وقربته التي قدمها نورا بين يديه، محل عدد الجهاد ومقر أساد الأجناد»
، والثغر الذي افترّ عن نصر الايمان وأذاق أهل الأندلس، بعد مرارة الخوف، حلاوة الأمان ومنه كان مبدأ الفتح الاكبر وبه نزل طارق بن زياد مولى موسى بن نصير «٩» عند جوازه، فنسب إليه فيقال له: جبل طارق، وجبل الفتح، لان مبدأه كان منه.
وبقايا السور الذي بناه ومن معه باقية إلى الآن تسمى بسور العرب شاهدتها أيام إقامتي به عند حصار الجزيرة «١٠» أعادها الله، ثم فتحه مولانا أبو الحسن رضوان الله عليه، واسترجعه من أيدي الروم بعد تملكه له عشرين سنة ونيفا، وبعث إلى حصاره ولده الامير الجليل أبا مالك وأيده بالاموال الطائلة والعساكر الجرّارة، وكان فتحه بعد حصار ستة أشهر، وذلك في عام ثلاثة (وثلاثين) وسبعماية «١١» .
стр. 1027
ولم يكن حينئذ على ما هو الآن عليه فبنى به مولانا أبو الحسن رحمة الله عليه القلهرّة «١٢» العظمى بأعلى الحصن وكانت قبل ذلك برجا صغيرا تهدم بأحجار المجانيق، فبناها مكانه «١٣» ، وبنى به دار الصناعة، ولم يكن به دار صنعة، وبنى السور الأعظم المحيط بالتّربة الحمراء الآخذ من دار الصنعة إلى القرمدة ثم جدد مولانا أمير المومنين أبو عنان، أيده الله عهد تحصينه وتحسينه وزاد بناء السور بطرف الفتح، وهو أعظم أسواره غناء وأعمها نفعا وبعث إليه العدد الوافرة والأقوات والمرافق العامة وعامل الله تعالى فيه حسن النية وصدق الاخلاص.
ولما كان في الأشهر الأخيرة من عام ستة وخمسين «١٤» وقع بجبل الفتح ما ظهر فيه أثر يقين مولانا أيده الله وثمرة توكّله في أموره على الله، وبان مصداق ما اطّرد له من السعادة الكافية، وذلك أن عامل الجبل، الخائن الذي ختم له بالشقاء، عيسى بن الحسن بن أبي «١٥» منديل نزع يده المغلولة على الطاعة، وفارق عصمة الجماعة، وأظهر النفاق وجمح في الغدران والشقاق، وتعاطى ما ليس من رجاله، وعمى عن مبدأ حاله السيئ ومآله، وتوهّم الناس أن ذلك مبدأ فتنة تنفق على إطفائها كرائم الأموال، ويستعد لاتقائها بالفرسان والرجال، فحكمت سعادة مولانا أيده الله ببطلان هذا التوهم، وقضى صدق يقينه بانخراق العادة في هذه الفتنة، فلم تكن إلا أيام يسيرة، وراجع أهل الجبل بصائرهم، وثاروا على الثائر، وخالفوا الشقيّ المخالف، وأقاموا بالواجب من الطاعة، وقبضوا عليه وعلى ولده المساعد له في النفاق، وأتي بهما مصفّدين إلى الحضرة العلية فنفذ فيهما حكم الله في المحاربين وأراح الله من شرّهما.
ولما خمدت نار الفتنة أظهر مولانا أيده الله من العناية ببلاد الاندلس ما لم يكن في حساب أهلها وبعث إلى جبل الفتح ولده الاسعد المبارك الأرشد أبا بكر المدعوّ من السمات
стр. 1028
السلطانية بالسعيد أسعده الله تعالى، وبعث معه أنجاد الفرسان ووجوه القبائل وكفاة الرجال وأدرّ عليهم الارزاق ووسع لهم الإقطاع، وحرر بلادهم من المغارم، وبذل لهم جزيل الإحسان.
وبلغ من اهتمامه بأمور الجبل أن أمر- أيده الله- ببناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور فمثّل أشكال أسواره وأبراجه وحصنه وأبوابه ودار صنعته، ومساجده ومخازن عدده وأهرية زرعه، وصورة الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء فصنع ذلك بالمشور السعيد فكان شكلا عجيبا أتقنه إتقانا يعرف قدره من شاهد الجبل وشاهد هذا المثال، وما ذلك إلا لتشوقه أيده الله إلى استطلاع أحواله وتهمّمه بتحصينه وإعداده، والله تعالى يجعل نصر الإسلام بالجزيرة الغربية على يديه، ويحقق ما يؤمله في فتح بلاد الكفار وشتّ شمل عبّاد الصليب، وتذكرت حين هذا التقييد قول الأديب البليغ المفلق أبي عبد الله محمد بن غالب الرّصافي البلنسي «١٦» ، ﵀، في وصف هذا الجبل المبارك، من قصيدته الشهيرة في مدح عبد المؤمن بن علي «١٧» التي أولها
لو جئت نار الهدى من جانب الطّور ... قبست ما شئت من علم ومن نور!!
стр. 1029
وفيها يقول في وصف الجبل، وهو من البديع الذي لم يسبق اليه، بعد وصفه السّفن وجوازها «١٨» .
حتى رمت جبل الفتحين من جبل «١٩» ... معظّم القدر في الأجيال مذكور
من شامخ الأنف في سحنائه طلس ... له من الغيم جيب غير مزرور
تمسي النجوم على إكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير!
стр. 1030
وربّما مسحته من ذوآئبها ... بكلّ فضل على فوديه مجرور
وأدرد من ثناياه بما أخذت ... منه مقاحم أعواد الدّهارير
محنّك حلب الأيام أشطرها ... وساقها سوق حادي العير للعير
مقيّد الخطو جوّال الخواطر، في ... عجيب أمريه من ماض ومنظور
قد واصل الصّمت والإطراق مفتكرا ... بادي السّكينة مغبّر الأسارير «٢٠»
كأنّه مكمد مما تعبّده ... خوف الوعيدين من دكّ وتسيير
أخلق به! وجبال الارض راجفة ... أن يطمئنّ غدا من كلّ محذور!!
ثم استمر في قصيدته على مدح عبد المومن بن علي.
قال ابن جزي: ولنعد إلى كلام الشيخ أبي عبد الله، قال: ثم خرجت من جبل الفتح إلى مدينة رندة وهي من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعا «٢١» ، وكان قائدها إذا ذاك الشيخ أبو الربيع سليمان ابن داود العسكري «٢٢» ، وقاضيها ابن عمي الفقيه أبو القاسم
стр. 1031
محمد ابن يحيى بن بطوطة، ولقيت بها الفقيه القاضي الاديب أبا الحجاج يوسف المنتشاقري «٢٣» ، وأضافني بمنزله، ولقيت بها أيضا خطيبها الصالح الحاج الفاضل أبا إسحاق ابراهيم المعروف بالشندرخ المتوفّى بعد ذلك بمدينة سلا من بلاد المغرب، ولقيت بها جماعة من الصالحين منهم عبد الله الصفار «٢٤» وسواه.
وأقمت بها خمسة أيام، ثم سافرت منها إلى مدينة مربلة «٢٥» والطريق بينهما صعب شديد الوعورة، ومربلة بليدة حسنة خصبة، ووجدت بها جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقة، فأردت التوجه في صحبتهم، ثم إن الله تعالى عصمني، بفضله، فتوجهوا قبلي فأسروا في الطريق، كما سنذكره، وخرجت في إثرهم فلما جاوزت حوز مربلة، ودخلت في حوز سهيل «٢٦» مررت بفرس ميت في بعض الخنادق، ثم مررت بقفة حوت مطروحة بالأرض، فرابني ذلك! وكان أمامي برج الناظور، فقلت في نفسي: لو ظهر هاهنا عدوّ لأنذر به صاحب البرج، ثم تقدمت إلى دار هنالك فوجدت عليها «٢٧» فرسا مقتولا، فبينما أنا هنالك سمعت الصياح من خلفي، كنت قد تقدمت أصحابي فعدتّ إليهم فوجدت معهم قائد حصن سهيل، فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك ونزل بعض عمارتها إلى البر، ولم يكن الناظور بالبرج، فمر بهم الفرسان الخارجون من مربلة، وكانوا اثنى عشر، فقتل النصارى أحدهم وفر واحد وأسر العشرة، وقتل معهم رجل حوّلت، وهو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض، وأشار عليّ ذلك القائد بالمبيت معه في موضعه ليوصّلني منه إلى مالقة، فبتّ عنده بحصن الرابطة المنسوبة إلى سهيل، والأجفان المذكورة مرساة عليه، وركب معي بالغد فوصلنا إلى مدينة مالقة «٢٨» ، إحدى قواعد الاندلس وبلادها الحسان، جامعة بين مرافق البر والبحر،
стр. 1032
كثيرة الخيرات والفواكه، رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير، ورمّانها المرسى الياقوتي لا نظير له في الدنيا، وأما التين واللّوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب «٢٩» .
قال ابن جزي: وإلى ذلك أشار أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي في قوله وهو من مليح التّجنيس:
مالقة حييت ياتينها ... فالفلك من أجلك ياتينها
نها طبيبي عنك في علة ... ما لطبيبي عن حياتي نها؟!
وذيّلها قاضي الجماعة أبو عبد الله ابن عبد الملك «٣٠» بقوله في قصد المجانسة
وحمص لا تنس لهاتينها ... واذكر مع التّين زياتينها!
رجع، وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب، ويجلب منها، إلى أقاصي البلاد، ومسجدها كبير الساحة، شهير البركة وصحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة.
ولما دخلت مالقة وجدت قاضيها الخطيب الفاضل أبا عبد الله بن خطيبها الفاضل أبي
стр. 1033
جعفر بن خطيبها وليّ الله تعالى أبا عبد الله الطنجالي «٣١» قاعدا بالجامع الأعظم، ومعه الفقهاء ووجوه الناس يجمعون مالا برسم فداء الأساري الذين تقدم ذكرهم، فقلت له: الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني منهم! وأخبرته بما اتفق لي بعدهم، فعجب من ذلك، وبعث إلي بالضيافة ﵀ وأضافني أيضا خطيبها أبو عبد الله الساحلي المعروف بالمعمّم «٣٢» .
ثم سافرت منها إلى مدينة بلش «٣٣» وبينهما أربعة وعشرون ميلا، وهي مدينة حسنة بها مسجد عجيب، وفيها العناب والفواكه والتين كمثل ما بمالقة، ثم سافرنا منها «٣٤» إلى الحمّة وهي بلدة صغيرة لها مسجد بديع الوضع عجيب البناء وبها العين الحارة على ضفة واديها، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه، وهنالك بيت لاستحمام الرجال وبيت لاستحمام النساء.
ثم سافرت منها إلى مدينة غرناطة قاعدة بلاد الاندلس، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلا يخترقه نهر شنيل «٣٥» وسواه من الأنهار الكثيرة والبساتين والجنّات والرياضات والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة، ومن عجيب مواضعها عين «٣٦» الدمع وهو جبل فيه الرياضات والبساتين، لا مثل له بسواها.
стр. 1034
قال ابن جزي: لولا خشيت أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة، فقد وجدت مكانه ما اشتهر كاشتهارها لا معنى لإطالة القول فيه! ولله درّ شيخنا أبي بكر محمد ابن أحمد ابن شبرين السّبتي «٣٧» نزيل غرناطة حيث يقول:
رعى الله من غرناطة متبوأ ... يسرّ حزينا أو يجير طريدا
تبرّم منها صاحبي عند ما رأى ... مسارحها بالثّلج عدن جليدا
هي الثّغر صان الله من أهلت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا؟
رجع، ذكر سلطانها
وكان ملك غرناطة في عهد دخولي اليها السلطان أبو الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر ولم ألقه بسبب مرض كان به «٣٨» ، ويعثت إليّ والدته الحرة الصالحة الفاضلة بدنانير ذهب ارتفقت بها.
стр. 1035
لقطات من الحمراء لم تثر انتباهه!
стр. 1036
ولقيت بغرناطة جملة من فضلائها: منهم قاضي الجماعة بها الشريف البليغ أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسيني السبتي «٣٩» ، ومنهم فقيهها المدرس الخطيب العالم أبو عبد الله محمد بن ابراهيم البيّاني «٤٠» ، ومنهم عالمها ومقرئها الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم الشهير بابن لب «٤١» ، ومنهم قاضي الجماعة نادرة العصر وطرفة الدهر أبو البركات محمد بن محمد بن ابراهيم السّلمي «٤٢» البلفيقي، قدم عليها من المرية في تلك
стр. 1037
لكي نأخذ فكرة عن صور القوم على ذلك العهد رأينا أن ننقل هنا جانبا من الرسوم المنقوشة في سقف إحدى قباب قصر الحمراء في غرناطة
стр. 1038
جنة العريف- عن مجلة ابن بطوطة الإسبانية عدد -G ٢٨٠٠٦/٤ مدريد
стр. 1039
الأيام فوقع الاجتماع به في بستان الفقيه أبي القاسم محمد بن الفقيه الكاتب الجليل أبي عبد الله بن عاصم «٤٣» وأقمنا هنالك يومين وليلة «٤٤» .
قال ابن جزي: كنت معهم في ذلك البستان وأمتعنا الشيخ أبو عبد الله باخبار رحلته، وقيّدت عنه أسماء الأعلام الذين لقيهم فيها واستفدنا منه الفوائد العجيبة، وكان معنا جملة من وجوه أهل غرناطة منهم الشاعر المجيد الغريب الشأن أبو جعفر أحمد بن رضوان بن عبد العظيم الجذامي «٤٥» وهذا الفتى أمره عجيب، فإنه نشأ بالبادية ولم يطلب العلم ولا مارس الطّلبة، ثم إنه نبغ بالشعر الجيد الذي يندر وقوعه من كبار البلغاء وصدور الطلبة مثل قوله:
يا من اختار فؤادي منزلا ... بابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكم ... فابعثوا طيفكم يغلقه
رجع، ولقيت بغرناطة شيخ الشيوخ والمتصوفين بها الفقيه أبا علي عمر بن الشيخ الصالح الولي أبي عبد الله محمد بن المحروق «٤٦» ، وأقمت أياما بزاويته التي بخارج
стр. 1040
غرناطة، وأكرمني أشد الإكرام وتوجهت معه إلى زيارة الزاوية الشهيرة البركة المعروفة برابطة العقاب، والعقاب جبل مطل على خارج غرناطة، وبينهما نحو ثمانية أميال وهو مجاور لمدينة ألبيرة «٤٧» الخربة، ولقيت أيضا ابن أخيه الفقيه أبا الحسن علي بن أحمد المحروق «٤٨» بزاويته المنسوبة للّجام، بأعلى ربض نجد «٤٩» من خارج غرناطة المتصل بجبل السّبيكة، وهو شيخ المتسبّبين من الفقراء.
وبغرناطة جملة من فقراء العجم «٥٠» استوطنوها لشبهها ببلادهم، منهم الحاج أبو عبد الله السمرقندي، والحاج أحمد التّبريزي، والحاج إبراهيم القونوي، والحاج حسين الخراساني والحاجان عليّ ورشيد الهنديان وسواهم.
стр. 1041
حوار الحضارات: بين الأندلس وبلاد فارس ...
стр. 1042
ثم رحلت من غرناطة إلى الحمّة، ثم إلى بلّش ثم إلى مالقة، ثم إلى حصن ذكوان وهو حصن حسن كثير المياه والاشجار والفواكه «٥١» ، ثم سافرت منه إلى رندة ثم إلى قرية بني رياح «٥٢» فأنزلني شيخها أبو الحسن علي بن سليمان الرياحي وهو أحد كرماء الرجال، وفضلاء الأعيان يطعم الصادر والوارد وأضافني ضيافة حسنة.
ثم سافرت إلى جبل الفتح وركبت البحر في الجفن الذي جزت فيه أولا وهو لأهل أصيلا فوصلت إلى سبتة وكان قائدها إذا ذاك الشيخ أبو مهدي عيسى بن سليمان بن منصور وقاضيها الفقيه أبو محمد الزجندري «٥٣» .
ثم سافرت منها إلى أصيلا وأقمت بها شهورا «٥٤» ، ثم سافرت منها إلى مدينة سلا «٥٥» ، ثم سافرت من سلا فوصلت إلى مدينة مراكش «٥٦» ، وهي من أجمل المدن، فسيحة الأرجاء متسعة الأقطار كثيرة الخيرات، بها المساجد الضّخمة كمسجدها الأعظم المعروف بمسجد الكتبيين «٥٧» وبها الصومعة الهائلة العجيبة، صعدتها وظهر لي جميع البلد منها،
стр. 1043
وقد استولى عليه الخراب «٥٨» ، فما شبّهته إلا ببغداد إلا «٥٩» أن أسواق بغداد أحسن، وبمراكش المدرسة العجيبة «٦٠» التي تميّزت بحسن الوضع وإتقان الصنعة وهي من بناء مولانا أمير المسلمين أبي الحسن رضوان الله عليه.
قال ابن جزي: في مراكش يقول قاضيها الامام التّاريخي أبو عبد الله محمد ابن عبد الملك الأوسي «٦١» :
لله مراكش الغرّاء من بلد ... وحبّذا أهلها السادات من سكن
إن حلّها نازح الأوطان مغترب ... أسلوه بالأنس عن أهل وعن وطن
بين الحديث بها أو العيان لها ... ينشا التّحاسد بين العين والأذن!!
رجع. ثم سافرت من مراكش صحبة الرّكاب العلي: ركاب مولانا أيده الله فوصلنا إلى مدينة «٦٢» سلا ثم إلى مدينة مكناسة العجيبة الخضرة النضرة ذات البساتين والجنات المحيطة بها بحائر الزيتون من جميع نواحيها ثم وصلنا إلى حضرة فاس حرسها الله تعالى فوادعت بها مولانا أيده الله ...
стр. 1044
الكتبية بمراكش
стр. 1045
مدرسة السلطان أبي الحسن
стр. 1046
باب المريسة المريني بسلا صحن المدرسة البوعنانية بسلا لقطات من مدينة سلا
стр. 1047
الفصل الثامن عشر الرحلة إلى بلاد السودان
نحو مدينة سجلماسة، وصف المدينة أصحاب التكشيف في مسوّفة وشياطين الصحراء! إلى تغازّى مدينة الملح الوصول إلى ايوالّاتن: أول عمالة السودان الحديث عن مركز المرأة في ايوالّاتن نحو مالّي حضرة بلاد السودان حديثه عن ملك مالي الذي أقام مجلس عزاء للسلطان أبي الحسن ...
حديث ابن بطوطة عن وادي النيجر الذي اعتقد أن له صلة بالنّيل! حديثه عن أكلة لحوم البشر!! حديثه عن حج السلطان منسي موسى ...
وصول البريد لابن بطوطة بالعودة إلى المغرب.
اجتماعه بالسلطان أبي عنان الذي أصدر أمره بانتساخ الرحلة
стр. 1048
بلاد السودان
стр. 1049
ثم سافرت من مراكش صحبة الرّكاب العليّ: ركاب مولانا أيده الله فوصلنا إلى مدينة سلا، ثم إلى مدينة مكناسة العجيبة الخضرة النّضرة ذات البساتين والجنّات المحيطة بها بحائر الزيتون من جميع نواحيها ثم وصلنا إلى حضرة فاس حرسها الله تعالى، فوادعت بها مولانا أيده الله.
وتوجهت برسم السفر إلى بلاد السودان «١» فوصلت إلى مدينة سجلماسة «٢» ، وهي من أحسن المدن وبها التّمر الكثير الطيب، وتشبهها مدينة البصرة في كثرة التمر، لكن تمر سجلماسة أطيب، وصنف إيرار «٣» منه لا نظير له في البلاد، ونزلت منها عند الفقيه أبي محمد البشري وهو الذي لقيت أخاه بمدينة قنجنفو من بلاد الصين «٤» فيا شدّ ما تباعدا! فأكرمني غاية الاكرام واشتريت بها الجمال وعلّفتها أربعة أشهر.
ثم سافرت في غرة شهر الله المحرم سنة ثلاث وخمسين «٥» في رفقة مقدّمها أبو محمد يندكان المسّوفي ﵀، وفيها جماعة من تجار سجلماسة وغيرهم، فوصلنا بعد خمسة وعشرين يوما إلى تغازّى «٦» وضبط اسمها بفتح التاء المثناة والغين المعجم وألف وزاي مفتوح أيضا، وهي قرية لا خير فيها، ومن عجائبها أن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح! وسقفها من جلود الجمال! ولا شجر بها، إنما هي رمل فيه معدن الملح يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نحتت ووضعت تحت الأرض
стр. 1050
سوق قريب من موقع سجلماسة القديمة وادي زيز شمال أطلال سجلماسة عن I.B.INBLACK AFRICA
стр. 1051
يحمل الجمل منها لوحين «٧» ، ولا يسكنها إلّا عبيد مسّوفة «٨» الذين يحفرون على الملح، ويتعيّشون بما يجلب اليهم من تمر درعة «٩» وسجلماسة، ومن لحوم الجمال، ومن أنلي «١٠» المجلوب من بلاد السّودان، ويصل السودان من بلادهم فيحملون منها الملح، ويباع الحمل منه بايوالّاتن «١١» بعشرة مثاقيل إلى ثمانية «١٢» ، وبمدينة مالي بثلاثين مثقالا إلى عشرين وربّما انتهى إلى اربعين مثقالا.
وبالملح يتصارف السودان كما يتصارف بالذهب والفضة، يقطعونه قطعا ويتبايعون به. وقرية تغازّى على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التّبر، وأقمنا بها عشرة أيام في جهد لان ماءها زعاق وهي أكثر المواضع ذبابا، ومنها يرفع الماء لدخول الصحراء التي بعدها «١٣» وهي مسيرة عشر لا ماء فيها إلّا في النادر، ووجدنا نحن بها ماء كثيرا في غدران أبقاها المطر، ولقد وجدنا في بعض الأيام غديرا بين تلّين من حجارة ماءه عذب فتروّينا منه وغسلنا ثيابنا.
والكمأة بتلك الصّحراء كثيرة، ويكثر القمل بها، حتى يجعل الناس في أعناقهم خيوطا فيها الزئبق فيقتلها «١٤» ! وكنا في تلك الأيام نتقدم أمام القافلة فإذا وجدنا مكانا، يصلح
стр. 1052
للرعي رعينا الدواب به، ولم نزل كذلك حتى ضاع في الصحراء رجل يعرف بابن زيري فلم أتقدم بعد ذلك ولا تأخرت، وكان ابن زيري وقعت بينه وبين ابن خاله، ويعرف بابن عدي، منازعة ومشاتمة فتأخّر عن الرفقة فضلّ، فلما نزل الناس لم يظهر له خبر، فأشرت على ابن خاله بان يكتري من مسّوفة من يقصّ أثره لعله يجده، فأبى. وانتدب في اليوم الثاني رجل من مسوفة دون أجرة لطلبه فوجد أثره وهو يسلك الجادة طورا ويخرج عنها تارة، ولم يقع له على خبر، ولقد لقينا قافلة في طريقنا فأخبرونا أن بعض رجال انقطعوا عنهم فوجدنا أحدهم ميتا تحت شجيرة من أشجار الرّمل، وعليه ثيابه وفي يده سوط، وكان الماء على نحو ميل منه.
ثم «١٥» وصلنا إلى تاسرهلا «١٦» ، بفتح التاء المثناة والسين المهمل والراء وسكون الهاء، وهي أحساء ماء تنزل القوافل عليها، ويقيمون ثلاثة أيام فيستريحون ويصلحون أسقيتهم ويملؤونها بالماء ويخيطون عليها التلاليس «١٧» خوف الرّيح، ومن هناك يبعث التّكشيف «١٨» .
ذكر التكشيف
والتكشيف: اسم لكل رجل من مسوفة يكتريه أهل القافلة فيتقدم إلى إيوالّاتن بكتب الناس إلى أصحابهم بها ليكتروا لهم الدور ويخرجون للقائهم بالماء مسيرة أربع، ومن لم يكن له صاحب بايوالّاتن كتب إلى من شهر بالفضل من التجار بها فيشاركه في ذلك، وربما هلك التّكشيف في هذه الصحراء، فلا يعلم أهل إيوالّاتن بالقافلة، فيهلك أهلها أو الكثير منهم.
وتلك الصحراء كثيرة الشياطين «١٩» ، فإن كان التكشيف منفردا لعبت به واستهوته حتى يضلّ عن قصده فيهلك إذ لا طريق يظهر بها ولا أثر، إنما هي رمال تنسفها الريح فترى جبالا من الرمل في مكان ثم تراها قد انتقلت إلى سواه، والدليل هنالك من كثر تردّده،
стр. 1053
وكان له قلب ذكي، ورأيت من العجائب أنّ الدليل الذي كان لنا هو أعور العين الواحدة مريض الثانية وهو أعرف النّاس بالطريق «٢٠» ! واكترينا التّكشيف في هذه السفرة بمائة مثقال من الذهب، وهو من مسّوفة، وفي ليلة اليوم السابع رأينا نيران الذين خرجوا للقائنا فاستبشرنا بذلك، وهذه الصحراء منيرة مشرقة ينشرح الصّدر فيها وتطيب النفس، وهي آمنة من السّراق، والبقر الوحشية «٢١» بها كثير يأتي القطيع منها حتى يقرب من الناس فيصطادونه بالكلاب والنّشاب، لكن لحمها يولّد أكله العطش فيتحاماه كثير من الناس لذلك، ومن العجائب أنّ هذه البقرة إذا قتلت وجد في كروشها الماء «٢٢» ، ولقد رأيت أهل مسوفة يعصرون الكرش منها ويشربون الماء الذي فيه! والحيّات أيضا بهذه الصحراء كثيرة.
حكاية [ملاعب الحيّات]
وكان في القافلة تاجر تلمساني يعرف بالحاج زيّان، ومن عادته أن يقبض على الحيّات ويعبث بها، وكنت أنهاه عن ذلك فلا ينتهي، فلما كان ذات يوم أدخل يده في جحر ضب ليخرجه، فوجد مكانه حية فأخذها بيده وأراد الركوب فلسعته في سبابته اليمنى وأصابه وجع شديد فكويت يده وزاد ألمه عشيّ النهار فنحر جملا وأدخل يده في كرشه وتركها كذلك ليلة ثم تناثر لحم أصبعه فقطعها من الأصل، وأخبرنا اهل مسوفة أن تلك الحية كانت قد شربت الماء قبل لسعه ولو لم تكن شربت لقتلته «٢٣» ! ولما وصل الينا الذين استقبلونا بالماء شربت خيلنا، ودخلنا صحراء شديدة الحر ليست كالتي عهدنا، وكنا نرحل بعد صلاة العصر ونسري الليل كلّه وننزل عند الصباح،
стр. 1054
وتأتي الرجال من مسّوفة وبردامة «٢٤» وغيرها بأحمال الماء للبيع، ثم وصلنا إلى مدينة إيوالّاتن «٢٥» في غرة شهر ربيع الأول بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة، وهي أول عمالة السودان، ونائب السلطان بها فربا حسين، وفربا بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الباء الموحدة، ومعناه النائب.
ولما «٢٦» وصلناها جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفل السّودان بحفظها، وتوجهوا إلى الفربا، وهو جالس على بساط في سقيف، وأعوانه بين يديه، بأيديهم الرماح والقسّي وكبراء مسوفة من ورائه، ووقف التجار بين يديه وهو يكلمهم بترجمان على قربهم منه احتقارا لهم «٢٧» فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم واحتقارهم للأبيض! وقصدت دار ابن بدّاء، وهو رجل فاضل من أهل سلا كنت كتبت له أن يكتري لي دارا ففعل ذلك، ثم إن مشرف «٢٨» إيوالّاتن، ويسمى منشاجو، بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم والف وجيم مضموم وواو، استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته، فأبيت من حضور ذلك، فعزم الأصحاب عليّ أشد العزم فتوجهت فيمن توجه ثم أتى بالضيافة، وهي جريش أنلي مخلوطا بيسير عسل ولبن قد وضعوه في نصف قرعة صيّروه شبه الجفنة، فشرب الحاضرون
стр. 1055
وانصرفوا، فقلت لهم: ألهذا دعانا الأسود؟ قالوا: نعم! وهو الضيافة الكبيرة عندهم «٢٩» ، فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم، وأردت أن أسافر مع حجاج أيوالاتن، ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم.
وكانت إقامتي بايوالّاتن نحو خمسين يوما وأكرمني أهلها وأضافوني، منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر، وأخوه الفقيه المدرس يحيى. وبلدة ايوالّاتن شديدة الحر، وفيها يسير نخيلات يزدرعون في ظلالها البطيخ، وماؤهم من أحساء بها، ولحم الضأن كثير بها، وثياب أهلها حسان مصرية، وأكثر السكان بها من مسّوفة، ولنسائهم الجمال الفائق وهنّ أعظم شأنا من الرجال «٣٠» .
ذكر مسّوفة الساكنين بإيوالّاتن .
وشأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا ابناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود، وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصّلوات، وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات، ومن اراد التزوج منهن تزوج لكنهن لا يسافرن مع الزوج، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها! والنساء هنالك يكون لهنّ الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك «٣١» .
следующие страницы →