Полный текст (1 410 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
والتنبول، فأخذه الزّوج بيده وجعل منه في فمها ثم أخذت هي بيدها وجعلت في فمه، ثم أخذ الزوج بفمه ورقة تنبول وجعلها في فمها، وذلك كله على أعين الناس، ثم فعلت هي كفعله، ثم وضع عليها الستر ورفع المنبر وهما فيه إلى داخل القصر وأكل الناس وانصرفوا.
ثم لما كان في الغد جمع الناس وجدّد له أبوه ولاية العهد وبايعه الناس وأعطاهم العطاء الجزل من الثياب والذهب.
стр. 982
لقطات من جاوة مع شكرنا لأم سليمان ...
стр. 983
لقطات من سمطرة
стр. 984
رسم لقبرية السلطان الملك محمد الظاهر (؟) وهذا نص ما فيها:
«هذا قبر السعيد الشهيد المرحوم السلطان بن السلطان الملك الظاهر شمس الدنيا والدّين محمد بن الملك الصالح، توفي ليلة الأحد ثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة السادس والعشرين وسبعمائة من الهجرة النّبوية» وبهذه المناسبة نجدد شكرنا للزميل فان كونينكسفيلد ... عن الأصل من مكتبة (Bijgewerkte) جزء IV ص ٢٣٠- ٣٠٧
стр. 985
الفصل السادس عشر العودة إلى المغرب
من الجاوة إلى قالقوط العدول عن فكرة الرجوع للهند أخذ الطريق إلى ظفار محرم ٧٤٨- يناير ١٣٤٧ من البصرة إلى دمشق من دمشق إلى القاهرة من القاهرة إلى الحجاز لأداء الحجة السادسة من الحجاز إلى مصر فتونس من تازة إلى فاس والمثول بين يدي السلطان أبي عنان ذكر بعض مآثر ومناقب أبي عنان
стр. 986
وأقمت بهذه الجزيرة (الجاوة) شهرين ثم ركبت في بعض الجنوك وأعطاني السلطان كثيرا من العود والكافور والقرنفل والصّندل، وزوّدني وسافرت عنه، فوصلت بعد أربعين يوما إلى كولم، فنزلت بها في جوار القزويني قاضي المسلمين، وذلك في رمضان، وحضرت بها صلاة العيد «١» في مسجدها الجامع، وعادتهم أن ياتوا المسجد ليلا فلا يزالون يذكرون الله إلى الصبح، ثم يذكرون إلى حين صلاة العيد ثم يصلون ويخطب الخطيب وينصرفون.
ثم سافرنا من كولم إلى قالقوط وأقمنا بها أياما وأردت العودة إلى دهلي، ثم خفت من ذلك «٢» ، فركبت البحر فوصلت بعد ثمان وعشرين ليلة إلى ظفار، وذلك في محرم سنة ثمان وأربعين «٣» ونزلت بدار خطيبها عيسى بن طأطأ.
ذكر سلطانها [ظفار]
ووجدت سلطانها في هذه الكرة الملك الناصر بن الملك المغيث الذي كان ملكا بها حين وصولي إليها فيما تقدم «٤» ونائبه سيف الدين عمر أمير جندر «٥» التركي الأصل. وأنزلني هذا السلطان وأكرمني.
ثم ركبت البحر فوصلت إلى مسقط، بفتح الميم، وهي بلدة صغيرة بها السمك الكثير المعروف بقلب الماس «٦» ثم سافرنا إلى مرسى القريات، وضبطها بضم القاف وفتح الراء
стр. 987
جانب من مدينة مسقط وقلعتها التاريخية
стр. 988
في الطريق إلى مرسى كلباء
стр. 989
على متن المركب إلى هرمز
стр. 990
والياء آخر الحروف والف وتاء مثناة، ثم سافرنا إلى مرسى شبّة، وضبط اسمها بفتح الشين المعجم وفتح الباء الموحدة وتشديدها، ثم إلى مرسى كلبة ولفظها على لفظ مؤنتة الكلب، ثم إلى قلهات، وقد تقدم ذكرها «٧» ، وهذه البلاد كلّها من عمالة هرمز «٨» ، وهي محسوبة من بلاد عمان، ثم سافرنا إلى هرمز وأقمنا بها ثلاثا وسافرنا في البر إلى كورستان «٩» ثم إلى اللّار ثم إلى خنج بال، وقد تقدم ذكر جميعها «١٠» ، ثم سافرنا إلى كارزي «١١» ، وضبط اسمها بفتح الكاف وسكون الراء وكسر الزاي، وأقمنا بها ثلاثا ثم سافرنا إلى جمكان، وضبط اسمها بفتح الجيم والميم والكاف وآخره نون، ثم سافرنا منها إلى ميمن، وضبط اسمها بفتح الميم وبينهما ياء آخر الحروف مسكنة وآخره نون، ثم سافرنا إلى بسّا «١٢» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة والسين المهملة مع تشديدها، ثم إلى مدينة شيراز فوجدنا سلطانها أبا اسحاق على ملكه إلا أنه كان غائبا «١٣» عنها، ولقيت بها شيخنا الصالح العالم مجد الدين ١»
قاضي القضاة وهو قد كف بصره نفعه الله ونفع به.
стр. 991
ثم سافرت إلى ماين «١٥» ، ثم إلى يزد خاص «١٦» ، ثم إلى كليل «١٧» ، ثم كشك زرّ «١٨» ثم إلى إصبهان «١٩» ، ثم إلى تستر «٢٠» ، ثم إلى الحويزا «٢١» ثم إلى البصرة، وقد تقدم ذكر جميعها «٢٢» ، وزرت بالبصرة القبور الكريمة التي بها وهي قبر الزّبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله وحليمة السعدية وأبي بكرة، وأنس بن مالك، والحسن البصري وثابت البناني ومحمد بن سيرين، ومالك بن دينار ومحمد بن واسع وحبيب العجمي وسهل بن عبد الله التستري «٢٣» رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثم سافرنا من البصرة فوصلنا إلى مشهد علي بن أبي طالب «٢٤» ﵁ وزرناه، ثم توجهنا إلى الكوفة فزرنا مسجدها المبارك، ثم إلى الحلة حيث مشهد صاحب الزمان «٢٥» واتفق في بعض تلك الأيام أن وليها بعض الأمراء فمنع أهلها من التوجه على عادتهم إلى مسجد صاحب الزمان وانتظاره هنالك، ومنع عنهم الدابة التي كانوا يأخذونها كل ليلة من الامير، فأصابت ذلك الوالي علة مات منها سريعا فزاد ذلك في فتنة الرافضة وقالوا: إنما أصابه ذلك لأجل منعه الدابة فلم تمنع بعد! ثم سافرت إلى صرصر «٢٦» ، ثم إلى مدينة بغداد، وصلتها في شوال سنة ثمان
стр. 992
بقايا القصر العباسي في بغداد عن الدليل السياحي للعراق مع شكرنا للسفارة العراقية بالرباط
стр. 993
وأربعين «٢٧» ، ولقيت بها بعض المغاربة فعرّفني بكائنة طريف واستيلاء الروم على الخضراء «٢٨» جبر الله صدع الإسلام في ذلك.
ذكر سلطانها [بغداد]
كان سلطان بغداد والعراق في عهد دخولي إليها في التاريخ المذكور الشيخ حسن بن عمّة السلطان أبي سعيد ﵀ «٢٩» ولما مات أبو سعيد استولى على ملكه بالعراق، وتزوج زوجته دلشاد بنت دمشق خواجة بن الأمير الجوبان حسبما كان فعله السلطان أبو سعيد من تزوج زوجة الشيخ حسن، وكان السلطان حسن غائبا عن بغداد في هذه المدة متوجّها لقتال أتابك أفراسياب صاحب بلاد اللور.
ثم رحلت من بغداد فوصلت إلى مدينة الأنبار، ثم إلى هيت، ثم إلى الحديثة ثم إلى عانة «٣٠» وهذه البلاد من أحسن البلاد وأخصبها، والطريق فيما بينها كثير العمارة كأن الماشي، في سوق من الأسواق وقد ذكرنا أنّا لم نر ما يشبه البلاد التي على نهر الصين إلا هذه البلاد.
ثم «٣١» وصلت إلى مدينة الرّحبة وهي التي تنسب إلى مالك بن طوق «٣٢» ، ومدينة الرحبة أحسن بلاد العراق وأول بلاد الشام. ثم سافرنا منها إلى السّخنة «٣٣» ، وهي بلدة حسنة أكثر سكانها الكفار من النصارى، وانما سميت السّخنة لحرارة مائها، وفيها بيوت
стр. 994
للرجال وبيوت للنساء يستحمون فيها ويستقون الماء ليلا ويجعلونه في السطوح ليبرد، ثم سافرنا إلى تدمر «٣٤» مدينة نبي الله سليمان ﵇ التي بنتها له الجن كما قال النّابغة:
يبنون تدمر بالصفّاح والعمد «٣٥» .
ثم سافرنا منها إلى مدينة دمشق الشام وكانت مدة مغيبي عنها عشرين سنة كاملة، وكنت تركت بها زوجة لي حاملا «٣٦» ، وتعرفت وأنا ببلاد الهند أنها ولدت ولدا ذكرا فبعثت حينئذ إلى جده للّام وكان من أهل مكناسة «٣٧» المغرب أربعين دينار ذهبا هنديا، فحين وصولي إلى دمشق في هذه الكرّة لم يكن لي همّ إلا السؤال عن ولدي، فدخلت المسجد فوقف لي نور الدين السخاوي إمام المالكية وكبيرهم «٣٨» ، فسلمت عليه، فلم يعرفني فعرّفته بنفسي، وسألته عن الولد فقال: مات منذ اثنتي عشرة سنة، وأخبرني أن فقيها من أهل طنجة يسكن بالمدرسة الظاهرية «٣٩» ، فسرت إليه لأسأله عن والدي وأهلي فوجدته شيخا كبيرا فسلمت عليه، وانتسبت له، فأخبرني أن والدي توفي مند خمسة عشرة سنة وأن الوالدة بقيد الحياة.
وأقمت بدمشق الشام بقية السنة «٤٠» والغلاء شديد والخبز قد انتهى إلى قيمة سبع أواقي بدرهم نقرة، وأوقيتهم أربع أواقي مغربية، وكان قاضي قضاة المالكية إذا ذاك جمال
стр. 995
الدين المسلاتي «٤١» وكان من أصحاب الشيخ علاء الدين القونوي، وقدم معه دمشق فعرف بها، ثم ولي القضاء، وقاضي قضاة الشافعية تقي الدين ابن السّبكي وأمير دمشق ملك الأمراء أرغون شاه «٤٢» .
حكاية [قتلى الخبز]
ومات في تلك الأيام بعض كبراء دمشق وأوصى بمال للمساكين، فكان المتولى لإنفاذ الوصية يشتري الخبز ويفرقه عليهم كلّ يوم بعد العصر، فاجتمعوا في بعض الليالي وتزاحموا واختطفوا الخبز الذي يفرق عليهم ومدّوا أيديهم إلى خبز الخبازين، وبلغ ذلك الامير أرغون شاه فأخرج زبانيّته فكانوا حيث ما لقوا أحدا من المساكين قالوا له: تعال تاخذ الخبز! فاجتمع منهم عدد كثير فحسبهم تلك اللية، وركب من الغد، وأحضرهم تحت القلعة، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وكان أكثرهم برّاء من ذلك، وأخرج طائفة الحرافيش «٤٣» عن دمشق فانتقلوا إلى حمص وحماة وحلب، وذكر لي أنه لم يعش بعد ذلك إلا قليلا وقتل.
ثم سافرت من دمشق إلى حمص ثم حماة ثم المعرّة ثم سرمين ثم إلى حلب «٤٤» وكان أمير حلب في هذا العهد الحاج رغطى «٤٥» ، بضم الراء وسكون الغين المعجم وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكنة.
стр. 996
حكاية [الوباء المجتاح]
واتفق في تلك الأيام أن فقيرا يعرف بشيخ المشايخ وهو ساكن في جبل خارج مدينة عينتاب «٤٦» ، والناس يقصدونه وهم يتبركون به وله تلميذ ملازم له، وكان متجردا عزبا لا زوجة له، وقال في بعض كلامه: إن النبي ﷺ كان لا يصبر عن النساء وأنا أصبر عنهن! فشهد عليه بذلك وثبت عند القاضي ورفع أمره إلى ملك الأمراء، وأوتى به وبتلميذه الموافق له على قوله، فأفتى القضاة الاربعة وهم شهاب الدين المالكي، وناصر الدين العديم الحنفي، وتقي الدين بن الصائغ الشافعي وعز الدين الدمشقي الحنبلي بقتلهما معا، فقتلا! وفي أوائل شهر ربيع الأول عام تسعة وأربعين (٤٧) بلغنا الخبر في حلب أن الوباء وقع بغزة وأنه انتهى عدد الموتى فيها إلى زائد على الآلف في يوم واحد «٤٨» ! فسافرت إلى حمص فوجدت الوباء قد وقع بها، ومات يوم دخولي اليها نحو ثلاثمائة إنسان، ثم سافرت إلى دمشق ووصلتها يوم الخميس، وكان أهلها قد صاموا ثلاثة أيام وخرجوا يوم الجمعة إلى مسجد الأقدام حسبما ذكرناه في السفر الأول «٤٩» فخفف الله الوباء عنهم فانتهى عدد الموتى عندهم إلى ألفين وأربع مائة في اليوم! ثم سافرت إلى عجلون «٥٠» ، ثم إلى بيت المقدس ووجدت الوباء قد ارتفع عنه ولقيت خطيبه عز الدين بن جماعة بن عم عز الدّين قاضي القضاة بمصر «٥١» وهو من الفضلاء الكرماء ومرتبه على الخطابة ألف درهم في الشهر.
стр. 997
حكاية [نذر الخطيب]
وصنع الخطيب عز الدين يوما دعوة ودعاني فيمن دعاه إليها، فسألته عن سببها؟
فأخبرني انه نذر أيام الوباء أنه إن ارتفع ذلك ومرّ عليه يوم لا يصلي فيه على ميّت صنع الدعوة! ثم قال لي: ولما كان بالامس لم أصلّ على ميّت فصنعت الدعوة التي نذرت!! ووجدت من كنت أعهده من جميع الأشياخ بالقدس قد انتقلوا إلى جوار الله تعالى ﵏، فلم يبق منهم إلا القليل مثل المحدث العالم الإمام صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، ومثل الصالح شرف الدين الخشّي شيخ زاوية المسجد الأقصى.
ولقيت الشيخ سليمان الشيرازي فأضافني ولم ألق بالشام ومصر من وصل إلى قدم آدم ﵇ سواه! ثم سافرت عن القدس، ورافقني الواعظ المحدث شرف الدين سليمان الملياني. وشيخ المغاربة بالقدس «٥٢» الصوفي الفاضل طلحة العبد الوادي فوصلنا إلى مدينة الخليل ﵇، وزرناه ومن معه من الانبياء ﵈، ثم سرنا إلى غزّة فوجدنا معظمها خاليا من كثرة من مات بها في الوباء، وأخبرنا قاضيها أن العدول بها كانوا ثمانين فبقى منهم الرّبع وان عدد الموتى بها انتهى إلى الف ومائة في اليوم.
ثم سافرنا في البر فوصلت إلى دمياط ولقيت بها قطب الدين النقشواني، وهو صائم الدهر، ورافقني منها إلى فارس كور وسمنّود «٥٣» ، ثم إلى أبي صير «٥٤» بكسر الصاد المهمل وياء مد وراء ونزلنا في زاوية لبعض المصريين بها.
стр. 998
حكاية [الفقير الصائم]
وبينما نحن بتلك الزاوية إذ دخل علينا أحد الفقراء فسلّم وعرضنا عليه الطّعام فأبى، وقال: إنما قصدت زيارتكم ولم يزل ليلته تلك ساجدا وراكعا، ثم صلّينا الصبح، واشتغلنا بالذكر، والفقير بركن الزاوية فجاء الشيخ بالطعام ودعاه، فلم يجبه فمضى إليه فوجده ميّتا، فصلينا عليه ودفناه رحمة الله عليه! ثم سافرت إلى المحلة الكبيرة ثم إلى نحرارية ثم إلى أبيار، ثم إلى دمنهور «٥٥» ، ثم إلى الإسكندرية «٥٦» فوجدت الوباء قد خف بها بعد أن بلغ عدد الموتى إلى ألف وثمانين في اليوم، ثم سافرت إلى القاهرة، وبلغني أن عدد الموتى أيام الوباء انتهى فيها إلى أحد وعشرين ألفا في اليوم! ووجدت جميع من كان بها من المشايخ الذين أعرفهم قد ماتوا رحمهم الله تعالى.
ذكر سلطانها
وكان ملك ديار مصر في هذا العهد الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون، وبعد ذلك خلع عن الملك وولي أخوه الملك الصّالح «٥٧» .
ولما وصلت القاهرة وجدت قاضي القضاة عز الدين بن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة «٥٨» قد توجه إلى مكة في ركب عظيم يسمونه الرّجبي لسفرهم في شهر رجب ...
وأخبرت أن الوباء لم يزل معهم حتى وصلوا عقبة أيلة «٥٩» فارتفع عنهم.
ثم سافرت من القاهرة، على بلاد الصعيد، وقد تقدم ذكرها. إلى عيذاب «٦٠» وركبت منها البحر فوصلت إلى جدة «٦١» ، ثم سافرت منها إلى مكة شرفها الله تعالى وكرمها
стр. 999
فوصلتها في الثاني والعشرين لشعبان سنة تسع وأربعين «٦٢» ونزلت في جوار إمام المالكية الصالح الوليّ الفاضل ابي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل «٦٣» ، فصمت شهر رمضان بمكة وكنت أعتمر كلّ يوم على مذهب الشافعي، ولقيت ممّن أعهده من أشياخها شهاب الدين الحنفي «٦٤» . وشهاب الدين الطبري «٦٥» ، وأبا محمد اليافعي «٦٦» ونجم الدين الأصفوني «٦٧» والحرازي «٦٨» وحججت في تلك السنة.
ثم سافرت مع الركب الشامي إلى طيبة مدينة رسول الله ﷺ وزرت قبره المكرم المطيب زاده الله طيبا وتشريفا في المسجد الكريم طهره الله وزاده تعظيما، وزرت من بالبقيع «٦٩» من أصحاب الرسول ﷺ ، ورضي عنهم، ولقيت من الأشياخ أبا محمد ابن فرحون «٧٠» .
ثم سافرنا من المدينة إلى العلا وتبوك، ثم إلى بيت المقدس، ثم إلى مدينة الخليل
стр. 1000
حجته للمرة السادسة
стр. 1001
صلى الله عليه وسلم، ثم إلى غزة «٧١» ثم إلى منازل الرّمل «٧٢» وقد تقدم ذكر ذلك كلّه، ثم إلى القاهرة.
وهنالك تعرفنا أن مولانا أمير المومنين وناصر الدين المتوكّل على رب العالمين أبا عنان أيده الله تعالى قد ضمّ الله به نشر الدولة المرينية «٧٣» وشفى ببركته بعد إشفائها البلاد المغربية، وأفاض الإحسان على الخاص والعام وغمر جميع الناس بسابغ الإنعام فتشوفت النّفوس إلى المثول ببابه وأمّلت لثم ركابه، فعند ذلك قصدت القدوم على حضرته العلية مع ما شاقني من تذكار الأوطان والحنين إلى الأهل والخلان والمحبة في بلادي التي لها الفضل عندي على البلدان.
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها!
فركبت البحر في قرقورة لبعض التونسيين صغيرة، وذلك في صفر سنة خمسين «٧٤» ، وسرت حتى نزلت بجربة، وسافر المركب المذكور إلى تونس فاستولى العدوّ عليه «٧٥» .
ثم سافرت في مركب صغير إلى قابس فنزلت في ضيافة الأخوين الفاضلين أبي مروان، وأبي العباس ابني مكّي «٧٦» أميري جربة وقابس، وحضرت عندهما مولد رسول الله
стр. 1002
شارع في القاهرة بالأمس!
стр. 1003
صلى الله عليه وسلم «٧٧» ، ثم ركب في مركب إلى سفاقس، ثم توجهت في البحر الى بليانة، «٧٨» ومنها سرت في البر مع العرب، فوصلت بعد مشقّات إلى مدينة تونس والعرب محاصرون لها.
ذكر سلطانها
وكانت تونس في إيالة مولانا أمير المسلمين وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، علم الأعلام وأوحد الملوك الكرام، أسد الآساد، وجواد الأجواد القانت الأواب، الخاشع العادل أبي الحسن «٧٩» بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين ناصر دين الاسلام الذي سارت الأمثال بجوده، وشاع في الأقطار أثر كرمه وفضله، ذي المناقب والمفاخر والفضائل والمآثر الملك العادل الفاضل ابي سعيد بن مولانا أمير المسلمين وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، علم الأعلام وأوحد الملوك الكرام، أسد الآساد، وجواد القانت الأواب، الخاشع العادل أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين ناصر دين الاسلام الذي سارت الأمثال بجوده، وشاع في الأقطار أثر كرمه وفضله، ذي المناقب والمفاخر والفضائل والمآثر الملك العادل الفاضل أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين قاهر الكفار ومبيدها ومبدي آثار الجهاد ومعيدها ناصر الايمان الشديد السطوة في ذات الرحمن العابد الزاهد الراكع الساجد الخاشع أبي يوسف بن عبد الحق ﵃ أجمعين وابقى الملك في عقبهم إلى يوم الدين.
стр. 1004
ولما وصلت تونس قصدت الحاج أبا الحسن الناميسى «٨٠» لما بيني وبينه من مواتّ القرابة والبلدية، فأنزلني بداره وتوجه معي إلى المشور فدخلت المشور الكريم وقبّلت يد مولانا أبي الحسن ﵁، وأمرني بالقعود فقعدت، وسألني عن الحجاز الشريف وسلطان مصر فأجبته وسألني عن ابن تيفراجين «٨١» فأخبرته بما فعلت المغاربة معه، وإرادتهم قتله بالاسكندرية وما لقى من إذايتهم انتصارا منهم مولانا أبي الحسن ﵁.
وكان في مجلسه من الفقهاء الإمام أبو عبد الله السّطي «٨٢» ، والامام ابو عبد الله محمد ابن الصبّاغ «٨٣» ومن أهل تونس قاضيها أبو علي عمر بن عبد الرفيع «٨٤» وأبو عبد
стр. 1005
عملة السلطان أبي الحسن المريني الذي كان يقيم آنذاك في تونس
стр. 1006
الله بن هارون «٨٥» ، وانصرفت عن المجلس الكريم، فلما كان بعد العصر استدعاني مولانا أبو الحسن وهو ببرج يشرف على موضع القتال ومعه الشيوخ الجلة أبو عمر عثمان بن عبد الواحد التّنالفتي «٨٦» وأبو حسون زيان بن امديون العلوي «٨٧» ، وأبو زكرياء يحيى بن سليمان العسكري «٨٨» والحاج أبو الحسن الناميسي، فسألني عن ملك الهند؟ فأجبته عما سأل، ولم أزل اتردد إلى مجلسه الكريم أيام إقامتي بتونس وكانت ستة وثلاثين يوما.
ولقيت بتونس إذا ذاك الشيخ الامام خاتمة العلماء أبا عبد الله الآبلي «٨٩» وكان في فراش المرض وباحثني عن كثير من أمور رحلتي.
стр. 1007
ثم سافرت من تونس في البحر مع القطلانيين فوصلنا إلى جزيرة سردانية «٩٠» من جزائر الروم، ولها مرسى عجيب، عليه خشب كبار دائرة به، وله مدخل كأنه باب لا يفتح إلا بإذن منهم وفيها حصون دخلنا أحدها وبه أسواق كثيرة، ونذرت لله تعالى إن خلّصنا الله منها صوم شهرين متتابعين لأننا تعرفنا أنّ أهلها عازمون على إتباعنا اذا خرجنا عنها ليأسرونا «٩١» ! ثمّ خرجنا عنها، بعد عشر إلى مدينة تنس «٩٢» ، ثم إلى مازونة «٩٣» ، ثم إلى «٩٤» مستغانم، ثم إلى تلمسان فقصدت العباد «٩٥» وزرت الشيخ أبا مدين ﵁ ونفع «٩٦» به، ثم خرجت عنها على طريق ندرومة «٩٧» ، وسلكت طريق أخندقان «٩٨» وبت بزاوية الشيخ إبراهيم.
стр. 1008
صور من مدينة كالياري- سردينية
стр. 1009
ثم سافرنا منها فبينما نحن بقرب أزغنغان «٩٩» خرج علينا خمسون راجلا وفارسان، وكان معي الحاج بن قريعات الطنجي وأخوه محمد المستشهد بعد ذلك في البحر «١٠٠» ، فعزمنا على قتالهم ورفعنا علما ثمّ سالمونا وسالمناهم، والحمد لله.
ووصلت إلى مدينة تازى «١٠١» وبها تعرفت خبر موت والدتي بالوباء رحمها الله تعالى.
ثم سافرت عن تازى فوصلت يوم الجمعة في أواخر شهر شعبان المكرم من عام خمسين وسبعمائة إلى حضرة فاس فمثلت بين يدي مولانا الاعظم الامام الاكرم أمير المومنين المتوكل على رب العالمين أبي عنان «١٠٢» وصل الله علوّه وكبت عدوه، فأنستني هيبته هيبة سلطان العراق، وحسنه حسن ملك الهند، وحسن اخلاقه حسن خلق ملك اليمن، وشجاعته شجاعة ملك التّرك، وحلمه حلم ملك الروم، وديانته ديانة ملك تركستان، وعلمه علم ملك الجاوة.
وكان بين يديه وزيره الفاضل ذو المكارم الشهيرة والمآثر أبو زيان ابن ودرار «١٠٣» ، فسألني عن الديار المصرية، إذ كان قد وصل اليها، فأجبته عما سأل، وغمرني من إحسان مولانا أيده الله تعالى ما أعجزني شكره، والله وليّ مكافأته.
стр. 1010
أنا الثريا التي تازا بيّ افتخرت ... على البلاد فما مثلى الزمان يرا
في عام أربعة تسعون تتبعها ... من بعد ستّ من المئين قد سطرا
стр. 1011
اسألوا التّاريخ عن أيامها ... كم عظيم شاد من بنياتها
وغدا يرجو رضاها راكعا ... يرتجي الحكمة من أعلامها!
من شعر د. التازي في جامعة القرويين بمناسبة عيدها المائة بعد الألف
стр. 1012
وألقيت عصى التّسيار ببلاده الشريفة بعد أن تحققت بفضل الإنصاف أنها أحسن البلدان لان الفواكه بها متيسرة والمياه والاقوات غير متعذّرة، وقل إقليم يجمع ذلك كله، ولقد أحسن من قال:
الغرب أحسن أرض ... ولي دليل عليه
البدر يرقب منه ... والشمس تسعى إليه!
ودراهم الغرب صغيرة، وفوائدها كثيرة، وإذا تأملت أسعاره مع أسعار ديار مصر والشام ظهر لك الحقّ في ذلك، ولاح فضل بلاد المغرب، فأقول: إن لحوم الاغنام بديار مصر تباع بحساب ثمان عشرة أوقية بدرهم «١٠٤» نقرة، والدرهم النقرة ستة دراهم من دراهم المغرب، وبالمغرب يباع اللّحم إذا غلا سعره ثمان عشرة أوقية بدرهمين، وهما ثلث النقرة، وأما السّمن فلا يوجد بمصر في أكثر الأوقات والذي يستعمله أهل مصر من أنواع الإدام لا يلتفت إليه بالمغرب «١٠٥» ، ولأن أكثر ذلك العدس والحمص يطبخونه في قدور راسيات، ويجعلون عليه السّيرج والبسلّا «١٠٦» ، وهو صنف من الجلبان يطبخونه ويجعلون عليه الزيت، والقرع يطبخونه ويخلطونه باللبن، والبقلة الحمقاء يطبخونها كذلك، وأعين أغصان اللوز يطبخونها ويجعلون عليها اللّبن، والقلقاس «١٠٧» يطبخونه، وهذا كله متيسّر بالمغرب لكن أغنى الله عنه بكثرة اللحم والسمن والزبد والعسل وسوى ذلك، وأما الخضر فهي أقلّ الأشياء ببلاد مصر، وأما الفواكه فأكثرها مجلوبة من الشام، وأما العنب فإذا كان رخيصا بيع عندهم بثلاثة أرطال من أرطالهم بدرهم نقرة، ورطلهم اثنتا عشر أوقية.
وأما بلاد الشام فالفواكه بها كثيرة إلا أنها ببلاد المغرب أرخص منها ثمنا فإن العنب يباع بها بحساب رطل من أرطالهم بدرهم نقرة ورطلهم ثلاثة أرطال مغربية، وإذا رخص ثمنه بيع بحساب رطلين بدرهم نقرة، والإجاص يباع بحساب عشر أواقي بدرهم نقرة، وأما الرمان والسفرجل فتباع الحبة منه بثمانية فلوس وهي درهم من دراهم المغرب وأما الخضر فيباع بالدرهم النقرة منها أقل مما يباع في بلادنا بالدرهم الصغير، وأما اللحم فيباع فيها
стр. 1013
الرطل منه أرطالهم بدرهمين ونصف درهم نقرة. فإذا تأملت ذلك تبين لك أن بلاد المغرب أرخص البلاد أسعارا وأكثرها خيرات وأعظمها مرافق فوائد.
ولقد زاد الله بلاد المغرب شرفا إلى شرفها وفضلا إلى فضلها بإمامة مولانا أمير المومنين «١٠٨» الذي مد ظلال الأمن في أقطارها وأطلع شمس العدل في أرجائها وأفاض سحاب الإحسان في باديتها وحاضرتها وطهّرها من المفسدين وأقام بها رسوم الدنيا والدين وأنا أذكر ما عاينته وتحققته من عدله وحلمه وشجاعته واشتغاله بالعلم، وتفقهه وصدقته الجارية ورفع المظالم.
ذكر بعض فضائل مولانا أيده الله
أما عدله فأشهر من أن يسطر في كتاب، فمن ذلك جلوسه للمشتكين من رعيته وتخصيصه يوم الجمعة للمساكين منهم، وتقسيمه ذلك اليوم بين الرجال والنساء، وتقديمه النساء لضعفهن فتقرأ قصصهنّ بعد صلاة الجمعة إلى العصر ومن وصلت نوبتها نودي باسمها ووقفت بين يديه الكريمتين يكلمها دون واسطة، فإن كانت متظلمة عجل إنصافها أو طالبة إحسان وقع إسعافها، ثم إذا صليت العصر قرئت قصص الرجال وفعل مثل ذلك فيها.
ويحضر المجلس الفقهاء والقضاة فيرد اليهم ما تعلق بالاحكام الشرعية، وهذا شيء لم أر في الملوك من يفعله على هذا التّمام ويظهر فيه مثل هذا العدل، فان ملك الهند عيّن بعض أمرائه لأخذ القصص من الناس وتلخيصها ورفعها إليه دون حضور أربابها بين يديه! وأما حلمه فقد شاهدت منه العجائب فإنه أيده الله عفا عن الكثير ممن تعرض لقتال عساكره والمخالفة عليه، وعن أهل الجرائم الكبار التي لا يعفو عن جرائمهم إلا من وثق بربه وعلم علم اليقين معنى قوله تعالى: والعافين عن الناس «١٠٩» .
قال ابن جزي: من أعجب ما شاهدته من حلم مولانا أيده الله أني منذ قدومي على بابه الكريم في آخر عام ثلاثة وخمسين «١١٠» إلى هذا العهد وهو أوائل عام سبعة وخمسين
стр. 1014
«١١١» ، لم أشاهد أحدا أمر بقتله إلا من قتله الشرع في حدّ من حدود الله تعالى: قصاص أو حرابة، هذا على اتساع المملكة وانفساح البلاد واختلاف الطوائف «١١٢» ، ولم يسمع بمثل ذلك فيما تقدم من الأعصار، ولا فيما تباعد من الأقطار.
وأما شجاعته فقد علم ما كان منه في المواطن الكريمة من الثبات والإقدام مثل يوم قتال بني عبد الوادي «١٠٣» وغيرهم، لقد سمعت خبر ذلك اليوم ببلاد السودان وذكر ذلك عند سلطانهم، فقال: هكذا وإلا فلا! قال ابن جزي، لم يزل الملوك الأقدمون تتفاخر بقتل الآساد وهزائم الاعادي، ومولانا أيده الله كان قتل الأسد عليه أهون من قتل الشاة على الاسد، فإنه لما خرج الأسد على الجيش بوادي النّجارين من المعمورة «١٠٤» حوز سلا وتحامته الأبطال وفرت أمامه الفرسان والرجال برز إليه مولانا أيده الله غير محتفل به ولا متهيّب منه فطعنه بالرمح ما بين عينيه طعنة خرّ بها صريعا لليدين والفم «١٠٥» ، وأما هزائم الأعادي فإنما اتفقت للملوك بثبوت جيوشهم وإقدام فرسانهم فيكون حظ الملوك الثبوت والتحريض على القتال، وأما مولانا أيده الله فإنه أقدم على عدوه منفردا بنفسه الكريمة بعد علمه بفرار الناس وتحققه أنه لم يبق معه من يقاتل فعند ذلك وقع الرّعب في قلوب الأعداء وانهزموا أمامه فكان من العجائب فرار الامم أمام واحد! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء «١٠٦» ، والعاقبة للمتقين، وما هو إلا ثمرة ما يمتنّ به، أعلى الله مقامه، من التوكل على الله والتفويض اليه.
стр. 1015
وأما اشتغاله بالعلم فها هو أيده الله تعالى يعقد مجالس العلم في كلّ يوم بعد صلاة الصبح، ويحضر لذلك أعلام الفقهاء ونجباء الطلبة بمسجد قصره الكريم، «١٠٧» فيقرأ بين يديه تفسير القرآن العظيم وحديث المصطفى ﷺ ، وفروع مذهب مالك ﵁، وكتب المتصوّفة وفي كل علم منها له القدح المعلى، يجلو مشكلاته بنور فهمه ويلقي نكته الرائقة من حفظه، وهذا شأن الائمة المهتدين والخلفاء الراشدين، ولم أر من ملوك الدنيا من بلغت عنايته بالعلم إلى هذه النهاية، فقد رأيت ملك الهند يتذاكر بين يديه بعد صلاة الصبح في العلوم المعقولات خاصة، ورأيت ملك الجاوة يتذاكر بين يديه بعد صلاة الجمعة في الفروع على مذهب الشافعي خاصة، وكنت أعجب من ملازمة ملك تركستان لصلاتي العشاء الآخرة والصبح في الجماعة، حتّى رأيت ملازمة مولانا- أيده الله- في العلوم كلّها في الجماعة، ولقيام رمضان والله يختص برحمته من يشاء «١٠٨» .
قال ابن جزي: لو أن عالما ليس له شغل إلا بالعلم ليلا ونهارا لم يكن يصل إلى أدنى مراتب مولانا أيده الله في العلوم مع اشتغاله بأمور الأئمة وتدبيره لسياسة الأقاليم النائية ومباشرته من حال ملكه ما لم يباشره أحد من الملوك ونظره بنفسه في شكايات المظلومين، ومع ذلك كله فلا تقع بمجلسه الكريم مسألة علم في أيّ علم كان، إلا جلا مشكلها، وباحث في دقائقها، واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاتهم من مغلقاتها، ثم سما- أيده الله- إلى العلم الشريف التصوفي ففهم إشارات القوم وتخلق بأخلاقهم، وظهرت آثار ذلك في تواضعه مع رفعته، وشفقته على رعيته ورفقه في أمره كله، وأعطى للآداب حظا جزيلا من نفسه فاستعمل أبدعها منزعا وأعظمها موقعا، وصارت عنه الرسالة الكريمة والقصيدة اللتان بعثهما إلى الروضة الشريفة المقدسة الطاهرة: روضة سيد المرسلين وشفيع المذنبين رسول الله ﷺ وكتبهما بخط يده الذي يخجل الرّوض حسنا، وذلك شيء لم يتعاط أحد من ملوك الزمان إنشاءه ولا رام إدراكه «١٠٩» .
стр. 1016
ومن تأمل التّوقيعات الصادرة عنه «١١٠» أيده الله تعالى وأحاط علما بمحصولها، لاح له فضل ما وهب الله لمولانا من البلاغة التي فطره عليها، وجمع له بين الطبيعي والمكتسب منها.
وأما صدقاته الجارية وما أمر به من عمارة الزوايا بجميع بلاده لإطعام الطعام للوارد والصادر فذلك ما لم يفعله احد من الملوك غير السلطان أتابك أحمد «١١١» ، وقد زاد عليه مولانا أيده الله بالتصدق على المساكين بالطعام كل يوم والتصدق بالزرع على المتستّرين من أهل البيوت! قال ابن جزي: اخترع مولانا أيده اله في الكرم والصدقات أمورا لم تخطر في الأوهام ولا اهتدت اليها السلاطين، فمنها إجراء الصدقة على المساكين بكل بلد من بلاده على الدّوام، ومنها تعيين الصدقة الوافرة للمسجونين في جميع البلاد أيضا، ومنها كون تلك الصدقات خبزا مخبوزا متيسرا للانتفاع به، ومنها كسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشايخ والملازمين للمساجد بجميع بلاده، ومنها تعيين الضحايا لهؤلاء الأصناف في عيد الأضحى، ومنها التصدق بما يجتمع في مجابي أبواب بلاده يوم سبعة وعشرين من رمضان إكراما لذلك اليوم، وقياما بحقه، ومنها إطعام الناس في جميع البلاد ليلة المولد الكريم ١١»
واجتماعهم لاقامة رسمه، ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء «١١٣» ، ومنها صدقته على الزّمنى والضعفاء بأزواج الحرث «١١٤» : يقيمون بها
стр. 1017
أودهم، ومنها صدقته على المساكين بحضرته بالطّنافس الوثيرة والقطائف الجياد يفترشونها عند رقادهم، وتلك مكرمة لا يعلم لها نظير، ومنها بناء المارستانات في كل بلد من بلاده، وتعيين الأوقاف الكثيرة لمؤن المرضى وتعيين الأطباء لمعالجتهم والتصرف في طبّهم «١١٥» ، إلى غير ذلك مما أبدع فيه من أنواع المكارم وضروب المآثر كافى الله أياديه وشكر نعمه.
وأما رفعه للمظالم عن الرعية فمنها الرتب التي كانت توخذ بالطرقات، أمر أيده الله بمحو رسمها وكان لها مجبى عظيم فلم يلتفت إليه، وما عند الله خير وأبقى «١١٦» ، وأما كفه أيدي الظلام فأمر مشهور، وقد سمعته أيده الله- يقول لعماله: لا تظلموا الرعية! ويؤكد عليهم في ذلك الوصية.
قال ابن جزي: ولو لم يكن من رفق مولانا أيده الله برعيته إلا رفعه التّضييف الذي كانت عمّال الزكاة وولاة البلاد تأخذه من الرّعايا، لكفى ذلك أثرا في العدل ظاهرا، ونورا في الرفق باهرا، فكيف وقد رفع من المظالم وبسط من المرافق ما لا يحيط به الحصر.
وقد صدر في أيام تصنيف هذا من أمره الكريم في الرفق بالمسجونين ورفع الوظائف الثّقيلة التي كانت توخذ منهم ما هو اللائق بإحسانهم والمعهود من رأفته، وشمل الأمر بذلك جميع الاقطار، وكذلك صدر من التنكيل بمن ثبت جوره من القضاة والحكام ما فيه زاجر الظّلمة وردع المعتدين! وأما فعله في معاونة أهل الاندلس على الجهاد ومحافظته على إمداد الثغور بالاموال والاقوات والسلاح وفتّه في عضد العدو بإعداد العدد وإظهار القوة فذلك أمر شهير لم يغب علمه عن أهل المغرب والمشرق ولا سبق إليه أحد من الملوك «١١٧» .
стр. 1018
قال ابن جزي: حسب المتشوف إلى علم ما عند مولانا أيده الله من سداد النظر للمسلمين ودفاع القوم الكافرين ما فعله في فداء مدينة طرابلس إفريقية فإنها لما استولى العدوّ عليها ومد يد العدوان إليها ورأى أيده الله أن بعث الجيوش إلى نصرتها لا يتأتى لبعد الاقطار كتب إلى خدّامه ببلاد افريقية أن يفدوها بالمال، ففديت بخمسين الف دينار من الذهب العين، فلما بلغه خبر ذلك، قال: الحمد لله الذي استرجعها من أيدي الكفار بهذا النزر اليسير، وأمر للحين ببعث ذلك العدد إلى افريقية، وعادت المدينة إلى الإسلام على يديه «١١٨» ، ولم يخطر في الأوهام أن أحدا تكون عنده خمسة قناطير «١١٩» من الذهب نزرا يسيرا حتى جاء بها مولانا أيده الله مكرمة بعيدة، ومأثرة فائقة قلّ في الملوك أمثالها وعز عليهم مثالها.
ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل «١٢٠» واستكثاره من عدد البحر، وهذا في زمان الصلح والمهادنة إعدادا لأيام
стр. 1019
القرّة «١٢١» وأخذا بالحزم في قطع أطماع الكفار، واكد ذلك بتوجّهه- أيده الله بنفسه- إلى جبال جاناتة «١٢٢» في العام الفارط، ليباشر قطع الخشب للانشاء، ويظهر قدر ما له بذلك من الاعتناء، ويتولّى بذاته أعمال الجهاد مترجّيا ثواب الله تعالى وموقنا بحسن الجزاء.
رجع، ومن أعظم حسناته، أيده الله عمارة المسجد الجديد بالمدينة «١٢٣» البيضاء دار ملكه العلي، وهو الذي امتاز بالحسن واتقان البناء وإشراق النور وبديع التّرتيب، وعمارة المدرسة الكبرى «١٢٤» بالموضع المعروف بالقصر «١٢٥» مما يجاور قصبة فاس ولا نظير لها في المعمور اتساعا وحسنا وإبداعا وكثرة ماء وحسن وضع، ولم أر في مدارس الشام ومصر والعراق وخرسان ما يشبهها.
وعمارة الزاوية العظمى «١٢٦» على غدير الحمّص «١٢٧» خارج المدينة البيضاء، فلا
стр. 1020
مدرسة أبي عنان
следующие страницы →