Полный текст (1 410 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
يحمل الجمل منها لوحين «٧» ، ولا يسكنها إلّا عبيد مسّوفة «٨» الذين يحفرون على الملح، ويتعيّشون بما يجلب اليهم من تمر درعة «٩» وسجلماسة، ومن لحوم الجمال، ومن أنلي «١٠» المجلوب من بلاد السّودان، ويصل السودان من بلادهم فيحملون منها الملح، ويباع الحمل منه بايوالّاتن «١١» بعشرة مثاقيل إلى ثمانية «١٢» ، وبمدينة مالي بثلاثين مثقالا إلى عشرين وربّما انتهى إلى اربعين مثقالا.
وبالملح يتصارف السودان كما يتصارف بالذهب والفضة، يقطعونه قطعا ويتبايعون به. وقرية تغازّى على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التّبر، وأقمنا بها عشرة أيام في جهد لان ماءها زعاق وهي أكثر المواضع ذبابا، ومنها يرفع الماء لدخول الصحراء التي بعدها «١٣» وهي مسيرة عشر لا ماء فيها إلّا في النادر، ووجدنا نحن بها ماء كثيرا في غدران أبقاها المطر، ولقد وجدنا في بعض الأيام غديرا بين تلّين من حجارة ماءه عذب فتروّينا منه وغسلنا ثيابنا.
والكمأة بتلك الصّحراء كثيرة، ويكثر القمل بها، حتى يجعل الناس في أعناقهم خيوطا فيها الزئبق فيقتلها «١٤» ! وكنا في تلك الأيام نتقدم أمام القافلة فإذا وجدنا مكانا، يصلح
стр. 1052
للرعي رعينا الدواب به، ولم نزل كذلك حتى ضاع في الصحراء رجل يعرف بابن زيري فلم أتقدم بعد ذلك ولا تأخرت، وكان ابن زيري وقعت بينه وبين ابن خاله، ويعرف بابن عدي، منازعة ومشاتمة فتأخّر عن الرفقة فضلّ، فلما نزل الناس لم يظهر له خبر، فأشرت على ابن خاله بان يكتري من مسّوفة من يقصّ أثره لعله يجده، فأبى. وانتدب في اليوم الثاني رجل من مسوفة دون أجرة لطلبه فوجد أثره وهو يسلك الجادة طورا ويخرج عنها تارة، ولم يقع له على خبر، ولقد لقينا قافلة في طريقنا فأخبرونا أن بعض رجال انقطعوا عنهم فوجدنا أحدهم ميتا تحت شجيرة من أشجار الرّمل، وعليه ثيابه وفي يده سوط، وكان الماء على نحو ميل منه.
ثم «١٥» وصلنا إلى تاسرهلا «١٦» ، بفتح التاء المثناة والسين المهمل والراء وسكون الهاء، وهي أحساء ماء تنزل القوافل عليها، ويقيمون ثلاثة أيام فيستريحون ويصلحون أسقيتهم ويملؤونها بالماء ويخيطون عليها التلاليس «١٧» خوف الرّيح، ومن هناك يبعث التّكشيف «١٨» .
ذكر التكشيف
والتكشيف: اسم لكل رجل من مسوفة يكتريه أهل القافلة فيتقدم إلى إيوالّاتن بكتب الناس إلى أصحابهم بها ليكتروا لهم الدور ويخرجون للقائهم بالماء مسيرة أربع، ومن لم يكن له صاحب بايوالّاتن كتب إلى من شهر بالفضل من التجار بها فيشاركه في ذلك، وربما هلك التّكشيف في هذه الصحراء، فلا يعلم أهل إيوالّاتن بالقافلة، فيهلك أهلها أو الكثير منهم.
وتلك الصحراء كثيرة الشياطين «١٩» ، فإن كان التكشيف منفردا لعبت به واستهوته حتى يضلّ عن قصده فيهلك إذ لا طريق يظهر بها ولا أثر، إنما هي رمال تنسفها الريح فترى جبالا من الرمل في مكان ثم تراها قد انتقلت إلى سواه، والدليل هنالك من كثر تردّده،
стр. 1053
وكان له قلب ذكي، ورأيت من العجائب أنّ الدليل الذي كان لنا هو أعور العين الواحدة مريض الثانية وهو أعرف النّاس بالطريق «٢٠» ! واكترينا التّكشيف في هذه السفرة بمائة مثقال من الذهب، وهو من مسّوفة، وفي ليلة اليوم السابع رأينا نيران الذين خرجوا للقائنا فاستبشرنا بذلك، وهذه الصحراء منيرة مشرقة ينشرح الصّدر فيها وتطيب النفس، وهي آمنة من السّراق، والبقر الوحشية «٢١» بها كثير يأتي القطيع منها حتى يقرب من الناس فيصطادونه بالكلاب والنّشاب، لكن لحمها يولّد أكله العطش فيتحاماه كثير من الناس لذلك، ومن العجائب أنّ هذه البقرة إذا قتلت وجد في كروشها الماء «٢٢» ، ولقد رأيت أهل مسوفة يعصرون الكرش منها ويشربون الماء الذي فيه! والحيّات أيضا بهذه الصحراء كثيرة.
حكاية [ملاعب الحيّات]
وكان في القافلة تاجر تلمساني يعرف بالحاج زيّان، ومن عادته أن يقبض على الحيّات ويعبث بها، وكنت أنهاه عن ذلك فلا ينتهي، فلما كان ذات يوم أدخل يده في جحر ضب ليخرجه، فوجد مكانه حية فأخذها بيده وأراد الركوب فلسعته في سبابته اليمنى وأصابه وجع شديد فكويت يده وزاد ألمه عشيّ النهار فنحر جملا وأدخل يده في كرشه وتركها كذلك ليلة ثم تناثر لحم أصبعه فقطعها من الأصل، وأخبرنا اهل مسوفة أن تلك الحية كانت قد شربت الماء قبل لسعه ولو لم تكن شربت لقتلته «٢٣» ! ولما وصل الينا الذين استقبلونا بالماء شربت خيلنا، ودخلنا صحراء شديدة الحر ليست كالتي عهدنا، وكنا نرحل بعد صلاة العصر ونسري الليل كلّه وننزل عند الصباح،
стр. 1054
وتأتي الرجال من مسّوفة وبردامة «٢٤» وغيرها بأحمال الماء للبيع، ثم وصلنا إلى مدينة إيوالّاتن «٢٥» في غرة شهر ربيع الأول بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة، وهي أول عمالة السودان، ونائب السلطان بها فربا حسين، وفربا بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الباء الموحدة، ومعناه النائب.
ولما «٢٦» وصلناها جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفل السّودان بحفظها، وتوجهوا إلى الفربا، وهو جالس على بساط في سقيف، وأعوانه بين يديه، بأيديهم الرماح والقسّي وكبراء مسوفة من ورائه، ووقف التجار بين يديه وهو يكلمهم بترجمان على قربهم منه احتقارا لهم «٢٧» فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم واحتقارهم للأبيض! وقصدت دار ابن بدّاء، وهو رجل فاضل من أهل سلا كنت كتبت له أن يكتري لي دارا ففعل ذلك، ثم إن مشرف «٢٨» إيوالّاتن، ويسمى منشاجو، بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم والف وجيم مضموم وواو، استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته، فأبيت من حضور ذلك، فعزم الأصحاب عليّ أشد العزم فتوجهت فيمن توجه ثم أتى بالضيافة، وهي جريش أنلي مخلوطا بيسير عسل ولبن قد وضعوه في نصف قرعة صيّروه شبه الجفنة، فشرب الحاضرون
стр. 1055
وانصرفوا، فقلت لهم: ألهذا دعانا الأسود؟ قالوا: نعم! وهو الضيافة الكبيرة عندهم «٢٩» ، فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم، وأردت أن أسافر مع حجاج أيوالاتن، ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم.
وكانت إقامتي بايوالّاتن نحو خمسين يوما وأكرمني أهلها وأضافوني، منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر، وأخوه الفقيه المدرس يحيى. وبلدة ايوالّاتن شديدة الحر، وفيها يسير نخيلات يزدرعون في ظلالها البطيخ، وماؤهم من أحساء بها، ولحم الضأن كثير بها، وثياب أهلها حسان مصرية، وأكثر السكان بها من مسّوفة، ولنسائهم الجمال الفائق وهنّ أعظم شأنا من الرجال «٣٠» .
ذكر مسّوفة الساكنين بإيوالّاتن .
وشأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا ابناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود، وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصّلوات، وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات، ومن اراد التزوج منهن تزوج لكنهن لا يسافرن مع الزوج، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها! والنساء هنالك يكون لهنّ الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك «٣١» .
стр. 1056
اطلال من ايوالّاتن
стр. 1057
حكاية [القاضي وصاحبته]
دخلت يوما على القاضي بإيوالّاتن بعد إذنه في الدخول، فوجدت عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن، فلما رأيتها ارتبت وأردت الرجوع، فضحكت مني ولم يدركها خجل، وقال لي القاضي: لم ترجع؟ إنها صاحبتي! فعجبت من شأنهما، فإنه من الفقهاء الحجّاج وأخبرت أنه استأذن السلطان في الحج في ذلك العام مع صاحبته، لا أدري أهي هذه أم لا فلم يأذن له!.
حكاية نحوها
دخلت يوما على أبي محمد يندكان المسّوفي الذي قدمنا في صحبته فوجدته قاعدا على بساط وفي وسط داره سرير مظلّل، عليه امرأة معها رجل قاعد، وهما يتحدثان، فقلت له: ما هذه المرأة؟ فقال: هي زوجتي، فقلت: وما الرجل الذي معها. أإبنها؟ فقال: هو صاحبها! فقلت له: أترضى بهذا وأنت قد سكنت بلادنا وعرفت أمور الشرع؟! فقال لي:
مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم!! فعجبت من رعونته وانصرفت عنه، فلم أعد إليه بعدها، واستدعاني مرات فلم أجبه! ولما عزمت على السفر إلى مالي وبينها وبين إيوالّاتن مسيرة أربعة وعشرين يوما للمجدّ اكتريت دليلا من مسّوفة إذ لا حاجة إلى السفر في رفقة لأمن تلك الطريق وخرجت في ثلاثة من أصحابي.
وتلك الطريق كثيرة الأشجار، وأشجارها عادية ضخمة تستظل القافلة بظل الشجرة منها «٣٢» . وبعضها لا أغصان لها ولا ورق، ولكن ظلّ جسدها بحيث يستظل به الانسان، وبعض تلك الأشجار قد استأسن داخلها واستنقع فيه ماء المطر فكأنها بئر! ويشرب النّاس من الماء الذي فيها، ويكون في بعضها النحل والعسل فيشتاره النّاس منها، ولقد مررت بشجرة منها فوجدت في داخلها رجلا حائكا قد نصب بها مرمته وهو ينسج فعجبت منه! قال ابن جزي: ببلاد الأندلس شجرتان من شجر القسطل في جوف كلّ واحد منهما حائك ينسج الثياب: إحداهما بسند وادي آش، والأخرى ببشّارة «٣٣» غرناطة.
стр. 1058
رجع، وفي أشجار هذه الغابة التي بين إيوالّاتن ومالي ما يشبه ثمرة الإجّاص والتفاح والخوخ والمشمش وليست بها، وفيها أشجار تثمر شبه الفقوص، فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق، فيطبخونه ويأكلونه ويباع بالأسواق، ويستخرجون من هذه الأرض حبات كالفول فيقلونها ويأكلونها، وطعمها كطعم الحمص المقلوّ «٣٤» ، وربما طحنوها وصنعوا منها شبه الاسفنج وقلوه بالغرتي «٣٥» . والغرتي: بفتح الغين المعجم وسكون الراء وكسر التاء المثناة، وهو ثمر كالاجاص شديد الحلاوة مضر بالبيضان إذا أكلوه، ويدق عظمه فيستخرج منه زيت لهم فيه منافع، فمنها أنهم يطبخون به ويسرجون السّرج ويقلون به هذا الاسفنج ويدهنون به ويخلطونه بتراب عندهم ويسطّحون به الدور كما تسطح بالجير، وهو عندهم كثير متيسر، ويحمل من بلد إلى بلد في قرع كبار تسع القرعة منها قدر ما تسعه القلّة ببلادنا.
والقرع ببلاد السودان يعظم، ومنه يصنعون الجفان، يقطعون القرعة نصفين فيصنعون منها جفنتين وينقشونها نقشا حسنا، وإذا سافر أحدهم يتبعه عبيده وجواريه، يحملون فرشه وأوانيه التي يأكل ويشرب فيها، وهي من القرع.
والمسافر بهذه البلاد لا يحمل زادا ولا إداما ولا دينارا ولا درهما، إنما يحمل قطع الملح وحليّ الزجاج الذي يسمّيه الناس النظم «٣٦» ، وبعض السلع العطرية، وأكثر ما يعجبهم منها القرنفل والمصطكي وتاسرغنت «٣٧» وهو بخورهم، فإذا وصل قرية جاء نساء السودان
стр. 1059
بأنلي واللبن والدجاج ودقيق النّبق «٣٨» والأرز والفوني «٣٩» ، وهو كحب الخردل، يصنع منه الكسكسو «٤٠» والعصيدة «٤١» ، ودقيق اللّوبياء «٤٢» ، فيشتري منهنّ ما أحب من ذلك، إلا أن الأرز يضر أكله بالبيضان، والفوني خير منه.
وبعد مسيرة عشرة أيام من إيوالّاتن وصلنا إلى قرية زاغري «٤٣» ، وضبطها بفتح الزاي والغين المعجم وكسر الراء، وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان ويسمون ونجراتة «٤٤» بفتح الواو وسكون النّون، وفتح الجيم والراء والف وتاء مثنّاة وتاء تانيث، ويسكن معهم جماعة من البيضان يذهبون مذهب الإباضية «٤٥» من الخوارج ويسمون صغنغو بفتح الصاد
стр. 1060
المهمل والغين المعجم الاول والنون وضم الغين الثاني وواو، والسنّيون المالكيون من البيض يسمّون عندهم توري «٤٦» بضم التاء المثناة وواو وراء مكسورة، ومن هذه القرية يجلب أنلي إلى إيوالّاتن.
ثم سرنا من زاغري فوصلنا إلى النّهر الأعظم، وهو النيل «٤٧» وعليه بلدة كارسخو «٤٨» ، بفتح الكاف وسكون الراء وفتح السين المهمل وضم الخاء المعجم وواو، والنّيل ينحدر منها إلى كابرة «٤٩» ، بفتح الباء الموحدة والراء، ثم إلى زاغة «٥٠» بفتح الزاي والغين المعجم، وللكابرة وزاغة سلطانان يؤديان الطاعة لملك مالي، وأهل زاغة قدماء في الإسلام، لهم ديانة وطلب علم، ثم ينحدر النّيل من زاغة إلى تنبكتو «٥١» ، ثم إلى كوكو، وسنذكرهما، ثم إلى
стр. 1061
بلدة مولي «٥٢» ، بضم الميم وكسر اللام من بلاد اللّيميّين «٥٣» وهي آخر عمالة مالي، ثم إلى يوفي ٥»
، واسمها بضم الياء آخر الحروف وواو وفاء مكسورة، وهي من أكبر بلاد السودان، وسلطانها من أعظم سلاطينهم، ولا يدخلها الأبيض من الناس لأنهم يقتلونه قبل الوصول إليها! ثم ينحدر «٥٥» منها إلى بلاد النّوبة. وهم على دين النصرانية، ثم إلى دنقلة «٥٦» ، وهي أكبر بلادهم وضبطها بضم الدال والقاف وسكون النون بينهما وفتح اللام، وسلطانها يدعى بابن كنز الدين، أسلم على أيام الملك الناصر «٥٧» . ثم ينحدر إلى جنادل «٥٨» ، وهي آخر عمالة السودان، وأول عمالة أسوان «٥٩» من صعيد مصر.
ورأيت التّمساح بهذا الموضع من النّيل بالقرب من الساحل، كأنه قارب صغير، ولقد نزلت يوما إلى النّيل لقضاء حاجة، فإذا بأحد السودان قد جاء ووقف فيما بيني وبين النهر
стр. 1062
من الآثار الهامة في شنقيط
стр. 1063
فعجبت من سوء أدبه وقلة حيائه، وذكرت ذلك لبعض الناس فقال: إنما فعل ذلك خوفا عليك من التمساح فحال بينك وبينه! ثم سرنا من كارسخو فوصلنا إلى نهر صنصرة، بفتح الصادين المهملين والراء وسكون النون، وهو على نحو عشرة أميال من مالّي «٦٠» ، وعادتهم أن يمنع الناس من دخولها إلا بالإذن، وكنت كتبت قبل ذلك لجماعة البيضان، وكبيرهم محمد بن الفقيه الجزولي، وشمس الدين بن النّقويش المصري «٦١» ، ليكتروا لي دارا، فلما وصلت إلى النهر المذكور جزت في المعدية ولم يمنعني أحد، فوصلت إلى مدينة مالّي، حضرة السودان «٦٢» ، فنزلت عند مقربتها، ووصلت إلى محلة البيضان، وقصدت محمد ابن الفقيه فوجدته قد اكترى لي دارا إزاء داره فتوجهت اليها، وجاء صهره الفقيه المقرئ عبد الواحد «٦٣» بشمعة وطعام، ثم جاء ابن الفقيه إليّ من الغد وشمس الدين بن النقويش وعلي الزّودي المراكشي، وهو من الطلبة، ولقيت القاضي بمالي عبد الرحمن، جاءني، وهو من السودان حاج فاضل له مكارم أخلاق، بعث إلي بقرة في ضيافته، ولقيت التّرجمان دوغا، بضم الدال وواو وغين معجم، وهو من أفاضل السودان وكبارهم وبعث إليّ بثور وبعث إليّ الفقيه عبد الواحد غرارتين من الفوني، وقرعة من الغرتي «٦٤» ، وبعث إليّ ابن الفقيه الأرز والفونى، وبعث إليّ شمس الدين بضيافة، وقاموا بحقي أتمّ قيام، شكر الله حسن أفعالهم.
стр. 1064
مجرى النيل عند الخوارزمي
стр. 1065
وكان ابن الفقيه متزوجا ببنت عمّ السلطان فكانت تتفقدنا بالطّعام وغيره، وأكلنا بعد عشرة أيام من وصولنا عصيدة تصنع من شيء يشبه القلقاس، ويسمى القافي، بقاف والف وفاء، وهي عندهم مفضلة على سائر الطعام «٦٥» ، فأصبحنا جميعا مرضى وكنا ستة فمات أحدنا وذهبت أنا لصلاة الصبح فغشي علي فيها، وطلبت من بعض المصريين دواء مسهلا فأتى بشيء يسمى بيدر، بفتح الباء الموحدة وتسكين الياء آخر الحروف وفتح الدال المهمل وراء، وهو عروق نبات، وخلطه بالأنيسون والسكّر ولتّه بالماء، فشربته وتقيأت ما أكلته مع صفراء كثيرة، وعافاني الله من الهلاك ولكني مرضت شهرين!
ذكر سلطان مالّي
وهو السلطان منسى سليمان «٦٦» ، ومنسى بفتح الميم وسكون نون وفتح السين المهمل، ومعناه السلطان، وسليمان اسمه، وهو ملك بخيل لا يرجى منه كبير عطاء، واتفق أني أقمت هذه المدة ولم أره، بسبب مرضي ثمّ إنّه صنع طعاما برسم عزاء مولانا أبي الحسن «٦٧» ﵁، واستدعى الأمراء والفقهاء والقاضي والخطيب، وحضرت معهم فاتوا بالرّبعات، وختم القرآن، ودعوا لمولانا أبي الحسن، ﵀، ودعوا لمنسى سليمان، ولما فرغ من ذلك تقدمت فسلمت على منسى سليمان، وأعلمه القاضي والخطيب وابن الفقيه بحالي، فأجابهم بلسانهم، فقالوا لي: يقول لك السلطان: أشكر الله، فقلت: الحمد لله والشكر على كل حال.
ذكر ضيافتهم التّافهة وتعظيمهم لها .
ولما انصرفت بعث إليّ الضيافة، فوجهت إلى دار القاضي وبعث القاضي بها مع رجاله إلى دار ابن الفقيه، فخرج ابن الفقيه من داره مسرعا حافي القدمين فدخل عليّ وقال:
جاءك قماش السلطان وهديته! فقمت وظننت أنها الخلع والاموال، فإذا هي ثلاثة أقراص من الخبز وقطعة لحم بقري مقلو بالغرتي، وقرعة فيها لبن رائب، فعندما رأيتها ضحكت، وطال تعجبي من ضعف عقولهم وتعظيمهم للشيء الحقير.
стр. 1066
ذكر كلامي للسلطان بعد ذلك وإحسانه إلي
وأقمت بعد بعث هذه الضيافة شهرين لم يصل إليّ فيهما شيء من قبل السلطان، ودخل شهر رمضان «٦٨» ، وكنت خلال ذلك أتردد إلى المشور وأسلم عليه وأقعد مع القاضي والخطيب، فتكلمت مع دوغا الترجمان، فقال: تكلم عنده وأنا أعبّر عنك بما يجب، فجلس في أوائل رمضان، وقمت بين يديه وقلت له: إني سافرت بلاد الدنيا ولقيت ملوكها ولي ببلادك منذ أربعة أشهر ولم تضفني ولا أعطيتني شيئا! فماذا أقول عنك عند السلاطين؟! فقال:
إني لم أرك ولا علمت بك، فقام القاضي وابن الفقيه فردّا عليه وقالا: إنه قد سلّم عليك وبعثت إليه الطعام! فأمر لي عند ذلك بدار أنزل بها ونفقة تجرى عليّ، ثم فرق على القاضي والخطيب والفقهاء مالا ليلة سبعة وعشرين من رمضان يسمونه الزكاة «٦٩» ، وأعطاني معهم ثلاثة وثلاثين مثقالا وثلثا وأحسن إليّ عند سفري بمائة مثقال ذهبا.
ذكر جلوسه بقبّته
وله قبّة مرتفعة، بابها بداخل داره يقعد فيها أكثر الاوقات «٧٠» ، ولها من جهة المشور طيقان ثلاثة من الخشب مغشاة بصفائح الفضة، وتحتها ثلاثة مغشاة بصفائح الذهب، أو هي فضة مذهبة، وعليها ستور ملف، فإذا كان يوم جلوسه بالقبة رفعت الستور، فعلم أنه يجلس، فإذا جلس أخرج من شباك إحدى الطاقات شرّابة حرير قد ربط فيها منديل مصري مرقوم، فإذا رأى الناس المنديل ضربت الأطبال والأبواق، ثم يخرج من باب القصر نحو ثلاثمائة من العبيد في أيدي بعضهم القسّي، وفي أيدي بعضهم الرماح الصغار والدّرق، فيقف أصحاب الرّماح منهم ميمنة وميسرة، ويجلس أصحاب القسّي كذلك، ثم يوتي بفرسين مسرجين ملجمين ومعهما كبشان يذكرون أنهما ينفعان من العين! وعند جلوسه يخرج ثلاثة من عبيده مسرعين فيدعون نائبه قنجا موسى، وتاتي الفرارية «٧١» ، بفتح الفاء، وهم الامراء وياتي الخطيب والفقهاء فيقعدون أمام السّلحدارية يمنة ويسرة في المشور ويقف دوغا الترجمان على باب المشور وعليه الثياب الفاخرة من
стр. 1067
الزردخانة «٧٢» وغيرها، وعلى رأسه عمامة ذات حواشي، لهم في تعميمها صنعة بديعة وهو متقلد سيفا، غمده من الذهب، وفي رجليه الخف والمهاميز، ولا يلبس أحد ذلك اليوم خفّا غيره، ويكون في يده رمحان صغيران: أحدهما من ذهب والآخر من فضة، وأسنتهما من الحديد.
ويجلس الأجناد والولاة والفتيان، ومسوّفة وغيرهم خارج المشور في شارع هنالك متسع فيه أشجار، وكلّ فراري بين يديه أصحابه بالرماح والقسي والأطبال والأبواق، وبوقاتهم من أنياب الفيلة وآلات الطرب المنوّعة من القصب والقرع، وتضرب بالسطّاعة، ولها صوت عجيب «٧٣» ، وكل فراري له كنانة قد علقها بين كتفيه، وقوسه بيده وهو راكب فرسا وأصحابه بين مشاة وركبان، ويكون بداخل المشور تحت الطيقان رجل واقف. فمن أراد أن يكلم السلطان كلّم دوغا، ويكلم دوغا لذلك الواقف، ويكلم الواقف السلطان.
ذكر جلوسه بالمشور
ويجلس أيضا بالمشور، وهنالك مصطبة تحت شجرة لها ثلاث درجات يسمونها البنبي «٧٤» ، بفتح الباء المعقودة الأولى وكسر الثانية وسكون النون بينهما وتفرش بالحرير وتجعل المخادّ عليها، ويرفع الشطر وهو شبه قبّة من الحرير وعليه طائر من ذهب على قدر الباز، ويخرج السلطان من باب في ركن القصر وقوسه بيده وكنانته بين كتفيه، وعلى رأسه شاشية ذهب مشدودة بعصابة ذهب لها أطراف مثل السكاكين رقاق، طولها أزيد من شبر.
وأكثر لباسه جبّة حمراء موبرة من الثّياب الرومية «٧٥» التي تسمى المطنفس ويخرج بين يديه المغنون بأيديهم قنابر «٧٦» الذهب والفضة، وخلفه نحو ثلاثمائة من العبيد أصحاب السلاح، ويمشي مشيا رويدا، ويكثر التأني، وربما وقف، فإذا وصل إلى البنبي وقف ينظر في الناس، ثم يصعد برفق كما يصعد الخطيب المنبر، وعند جلوسه تضرب الطبول والأبواق والأنفار ويخرج ثلاثة من العبيد مسرعين فيدعون النائب والفرارية فيدخلون ويجلسون، ويوتي بالفرسين والكبشين معهما ويقف دوغا على الباب وسائر الناس في الشارع تحت الاشجار.
стр. 1068
رسم لسلطان مالي- المكتبة الوطنية بباريز رقم ٦٩٦
стр. 1069
ذكر تذلل السودان لملكهم وتتريبهم له وغير ذلك من أحوالهم .
والسودان أعظم الناس تواضعا لملكهم وأشدّهم تذللا، ويحلفون باسمه فيقولون:
منسى سليمان كي «٧٧» ، فإذا دعا بأحدهم عند جلوسه بالقبّة التي ذكرناها نزع المدعو ثيابه، ولبس ثيابا خلقة ونزع عمامته وجعل شاشية وسخة ودخل رافعا ثيابه وسراويله إلى نصف ساقه وتقدم بذلّة ومسكنة وضرب الارض بمرفقيه ضربا شديدا ووقف كالراكع يسمع كلامه! وإذا كلّم أحدهم السلطان فردّ عليه جوابه كشف ثيابه عن ظهره ورمى بالتراب على رأسه وظهره كما يفعل المغتسل بالماء، وكنت أعجب منهم كيف لا تعمى أعينهم! وإذا تكلّم السلطان في مجلسه بكلام وضع الحاضرون عمائمهم عن رؤوسهم وأنصتوا للكلام، وربّما قام أحدهم بين يديه فيذكر أفعاله في خدمته، ويقول: فعلت كذا يوم كذا، وقتلت كذا يوم كذا، فيصدّقه من علم ذلك، وتصديقهم أن ينزع أحدهم في وتر قوسه! ثم يرسلها كما يفعل إذا رمى «٧٨» ، فإذا قال له السلطان: صدقت أو شكره، نزع ثيابه وترّب، وذلك عندهم من الأب.
قال ابن جزي: وأخبرني صاحب العلامة «٧٩» الفقيه أبو القاسم بن رضوان أعزه الله أنه لما قدم الحاج موسى الونجراتي رسولا عن منسي سليمان «٨٠» إلى مولانا أبي الحسن
стр. 1070
رضي الله عنه، كان اذا دخل المجلس الكريم حمل بعض ناسه معه قفة تراب فيترّب مهما قال له مولانا كلاما حسنا كما يفعل ببلاده!
ذكر فعله في صلاة العيد وأيامه
وحضرت بمالي عيدي الاضحى والفطر «٨١» ، فخرج الناس إلى المصلّى وهو بمقربة من قصر السلطان، وعليهم الثياب البيض الحسان، وركب السلطان وعلى رأسه الطيلسان، والسودان لا يلبسون الطيلسان «٨٢» إلا في العيد ما عدا القاضي والخطيب والفقهاء فإنهم يلبسونه في سائر الأيام، وكانوا يوم العيد بين يدي السلطان وهم يهللون ويكبرون، وبين يديه العلامات الحمر «٨٣» من الحرير، ونصب عند المصلى خباء فدخل السلطان إليها وأصلح من شأنه ثم خرج إلى المصلى فقضيت الصلاة والخطبة، ثم نزل الخطيب وقعد بين يدي السلطان وتكلّم بكلام كثير، وهنالك رجل بيده رمح يبين للناس بلسانهم كلام الخطيب، وذلك وعظ وتذكير وثناء على السلطان وتحريض على لزوم طاعته وأداء حقه.
ويجلس السلطان في أيام العيدين بعد العصر على البنبي وتأتي السّلحدارية بالسلاح العجيب من تراكش الذهب والفضة والسيوف المحلّاة بالذهب وأغمادها منه، ورماح الذهب والفضة ودبابيس البلّور، ويقف على رأسه أربعة من الأمراء يشرّدون الذباب، وفي أيديهم حلية من الفضة تشبه ركاب السرج، ويجلس الفرارية والقاضي والخطيب على العادة، وياتي دوغا الترجمان بنسائه الأربع وجواريه، وهن نحو مائة، عليهن الملابس الحسان وعلى رؤوسهن عصائب الذهب والفضة، فيها تفافيح ذهب وفضة، وينصب لدوغا كرسي يجلس عليه ويضرب الآلة التي هي من قصب وتحتها قريعات «٨٤» ويغنى بشعر يمدح السلطان فيه، ويذكر غزواته وأفعاله، ويغني النساء والجواري معه ويلعبن بالقسي.
стр. 1071
قافلة تقترب من تنبكتو I.B.IN BLACK AFRICA
تنبكتو المدينة
стр. 1072
ويكون معهن نحو ثلاثين من غلمانه عليهم جباب الملفّ الحمر «٨٥» ، وفي رؤوسهم الشواشي البيض، وكلّ واحد منهم متقلّد طبله، يضربه ثم يأتي أصحابه من الصبيان فيلعبون ويتقلبون في الهواء كما يفعل السّندى، ولهم في ذلك رشاقة وخفة بديعة ويلعبون بالسيوف أجمل لعب، ويلعب دوغا بالسيف لعبا، بديعا وعند ذلك يأمر السلطان له بالاحسان فيوتي بصرّة فيها مائتا مثقال (٨٥) من التّبر ويذكر له ما فيها على رؤوس الناس، وتقوم الفرارية فينزعون في قسيهم شكرا للسلطان، وبالغد يعطي كلّ واحد لدوغا عطاء على قدره، وفي كل يوم جمعة بعد العصر يفعل دوغا مثل هذا الترتيب الذي ذكرناه.
ذكر الأضحوكة في إنشاد الشعراء للسلطان
وإذا كان يوم العيد وأتم دوغا لعبه جاء الشعراء، ويسمون الجلا، بضم الجيم، واحدهم جالي «٨٦» ، وقد دخل كلّ واحد منهم في جوف صورة مصنوعة من الرّيش تشبّها لشقشاق، وجعل لها رأس من الخشب له منقار أحمر كأنه رأس الشقشاق، ويقفون بين يدي السلطان بتلك الهيأة المضحكة، فينشدون أشعارهم «٨٧» ، وذكر لي أن شعرهم نوع من الوعظ يقولون فيه للسلطان: إن هذا البنبي الذي عليه جلس فوقه من الملوك فلان وكان من حسن أفعاله كذا، وفلان وكان من أفعاله كذا، فافعل أنت من الخير ما يذكر بعدك! ثم يصعد كبير الشعراء على درج البنبي ويضع رأسه في حجر السلطان، ثم يصعد إلى أعلى البنبي فيضع رأسه على كتف السلطان الأيمن ثم على كتفه الأيسر، وهو يتكلم بلسانهم، ثم ينزل، وأخبرت أن هذا الفعل لم يزل قديما عندهم قبل الاسلام فاستمروا عليه!.
حكاية [الجرادة المتكلمة] !
وحضرت مجلس السلطان في بعض الأيام، فأتى أحد فقهائهم وكان قدم من بلاد بعيدة وقام بين يدي السلطان وتكلم كلاما كثيرا، فقام القاضي فصدّقه ثم صدقهما السلطان، فوضع كلّ واحد منهما عمامته عن رأسه وترّب بين يديه، وكان إلى جانبي رجل
стр. 1073
من البيضان، فقال لي: أتعرف ما قالوه؟ فقلت: لا أعرف. فقال: إن الفقيه أخبر أن الجراد وقع ببلادهم، فخرج أحد صلحائهم إلى موضع الجراد فهاله أمرها، فقال: هذا جراد كثير، فأجابته جرادة منها، وقالت: إن البلاد التي يكثر فيها الظلم يبعثنا الله لفساد زرعها!! فصدقه القاضي والسلطان، وقال عند ذلك للأمراء: إني برىء من الظلم، ومن ظلم منكم عاقبته، ومن علم بظالم ولم يعلمني به فذنوب ذلك الظالم في عنقه، والله حسيبه وسائله. ولما قال هذا الكلام وضع الفرارية عمائمهم عن رؤوسهم وتبرّءوا من الظلم
حكاية [عن عدل السلطان]
وحضرت الجمعة يوما فقام أحد التجار من طلبة مسوفة ويسمى بأبي حفص فقال:
يا أهل المسجد، أشهدكم أن منسى سليمان في دعوتي إلى رسول الله ﷺ ! فلما قال ذلك خرج إليه جماعة رجال من مقصورة السلطان، فقالوا له: من ظلمك؟ من أخذ لك شيئا؟ فقال: منشاجو إيوالّاتن «٨٨» ! يعني مشرفها، أخذ مني ما قيمته ستمائة مثقال، وأراد أن يعطيني في مقابلته مائة مثقال خاصة، فبعث السلطان عنه للحين فحضر بعد أيام وصرفهما للقاضي فثبت للتاجر حقه فأخذه وبعد ذلك عزل المشرف عن عمله.
حكاية [زوجة السلطان وبنات عمه]
واتّفق في أيام إقامتي بمالي أن السلطان غضب على زوجته الكبرى بنت عمه المدعوة بقاسا، ومعنى قاسا عندهم الملكة، وهي شريكته في الملك على عادة السودان، ويذكر اسمها مع اسمه على المنبر «٨٩» وسجنها عند بعض الفرارية وولى مكانها زوجته الأخرى بنجو، ولم تكن من بنات الملوك، فأكثر الناس الكلام في ذلك وأنكروا فعله، ودخل بنات عمه على بنجو يهنئنها بالمملكة، فجعلن الرّماد على أذرعهن ولم يترّبن رؤوسهن! ثم إن السلطان سرح ثقافها فدخل عليها بنات عمه يهنئنها بالسراح، وترّبن على العادة، فشكت بنجو إلى السلطان بذلك فغضب على بنات عمه فخفن منه واستجرن بالجامع فعفا عنهن واستدعاهن! وعادتهن إذا دخلن على السلطان أن يتجردن عن ثيابهن ويدخلن عرايا ففعلن ذلك! ورضي عنهن، وصرن ياتين باب السلطان غدوا وعشيا مدة سبعة أيام، كذلك يفعل كلّ من عفا عنه السلطان.
стр. 1074
وصارت قاسا تركب كلّ يوم في جواريها وعبيدها وعلى رؤوسهم التّراب، وتقف عند المشور متنقبة لا يرى وجهها. وأكثر الامراء الكلام في شأنها فجمعهم السلطان في المشور وقال لهم دوغا على لسانه: إنكم قد اكثرتم الكلام في امر قاسا وإنها أذنبت ذنبا كبيرا ثم أوتى بجارية من جواريها مقيّدة مغلولة، فقيل لها: تكلمي بما عندك فأخبرت أن قاسا بعثتها إلى جاطا ابن عم السلطان الهارب عنه إلى كنبرني «٩٠» ، واستدعته ليخلع السلطان عن ملكه!! وقالت له: أنا وجميع العساكر طوع أمرك، فلما سمع الامراء ذلك قالوا: إن هذا ذنب كبير وهي تستحق القتل عليه، فخافت قاسا من ذلك واستجارت بدار الخطيب، وعادتهم أن يستجيروا هنالك بالمسجد وان لم يتمكن فبدار الخطيب.
وكان السودان يكرهون منسى سليمان لبخله وكان قبله منسى مغا، وقبل مغا، منسى موسى «٩١» ، وكان كريما فاضلا يحب البيضان، ويحسن اليهم وهو الذي أعطى لأبي إسحاق الساحلي في يوم واحد أربعة آلاف مثقال «٩٢» ، وأخبرني بعض الثقات أنه أعطى لمدرك بن فقّوص ثلاثة آلاف مثقال في يوم واحد، وكان جده سارق جاطة «٩٣» أسلم على يدي جد مدرك هذا.
стр. 1075
حكاية [الحسنة بعشر أمثالها]
وأخبرني الفقيه مدرك هذا أن رجلا من اهل تلمسان يعرف بابن شيخ اللبن كان قد أحسن إلى السلطان منسى موسى في صغره بسبعة مثاقيل وثلث، وهو يومئذ صبي غير معتبر، ثم اتفق أن جاء اليه في خصومة وهو سلطان، فعرفه ودعاه وأدناه منه حتى جلس معه على البنبي ثم قرّره على فعله معه، وقال للأمراء: ما جزاء من فعل فعله من الخير؟
فقالوا له: الحسنة بعشر أمثالها «٩٤» ، فأعطه سبعين مثقالا فأعطاه عند ذلك سبع مائة مثقال وكسوة ومبيدا وخدما وأمره أن لا ينقطع عنه، وأخبرني بهذه الحكاية أيضا ولد ابن شيخ اللّبن المذكور وهو من الطلبة يعلم القرآن بمالي.
ذكر ما استحسنته من أفعال السودان وما استقبحته منها .
فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم، فهم أبعد الناس عنه وسلطانهم لا يسامح أحدا في شيء منه، ومنها شمول الأمن في بلادهم فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب، ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان ولو كان القناطير المقنطرة، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه «٩٥» ، ومنها مواظبتهم للصّلوات والتزامهم لها في الجماعات، وضربهم أولادهم عليها، وإذا كان يوم الجمعة ولم يبكّر الإنسان إلى المسجد لم يجد أين يصلي لكثرة الزحام. ومن عادتهم أن يبعث كلّ إنسان غلامه بسجادته فيبسطها له بموضع يستحقه بها حتى يذهب إلى المسجد، وسجادتهم من سعف شجر يشبه النخل ولا ثمر له، ومنها لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة ولو لم يكن لأحدهم إلا قميص خلق غسله ونظفه وشهد به الجمعة، ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، فلا تفك عنهم حتى يحفظوه! ولقد دخلت على القاضي يوم العيد وأولاده مقيّدون، فقلت له: ألا تسرحهم؟ فقال:
لا أفعل حتى يحفظوا القرآن! ومررت يوما بشاب منهم حسن الصورة عليه ثياب فاخرة وفي رجله قيد ثقيل، فقلت لمن كان معي: ما فعل هذا؟ أقتل؟ ففهم عني الشاب وضحك وقيل لي:
إنما قيد حتى يحفظ القرآن! ومن مساوىء أفعالهم كون الخدم والجواري والبنات الصّغار يظهرن للناس عرايا باديات العورات، ولقد كنت أرى في رمضان كثيرا منهن على تلك
стр. 1076
الصورة، فإن عادة الفرارية أن يفطروا بدار السلطان، وياتي كل واحد منهم بطعامه تحمله العشرون فما فوقهنّ من جواريه، وهن عرايا! ومنها دخول النساء على السلطان عرايا غير مستترات، وتعرّي بناته. ولقد رأيت في ليلة سبع وعشرين من رمضان نحو مائة جارية خرجن بالطعام من قصره عرايا، ومعهن بنتان له ناهدان ليس عليهما ستر! ومنها جعلهم التّراب والرماد على رؤوسهم تأدبا، ومنها ما ذكرته من الأضحوكة في إنشاد الشعراء، ومنها أن كثيرا منهم يأكلون الجيف والكلاب والحمير.
ذكر سفري عن مالّي
وكان دخولي إليها في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخروجي عنها في الثاني والعشرين لمحرم سنة أربع وخمسين «٩٦» ، ورافقني تاجر يعرف بأبي بكر بن يعقوب، وقصدنا طريق ميمة «٩٧» ، وكان لي جمل أركبه لان الخيل غالية الأثمان، يساوي احدها مائة مثقال، فوصلنا إلى خليج كبير يخرج من النّيل لا يجاز إلا في المراكب وذلك الموضع كثير البعوض فلا يمر أحد به إلا باللّيل ووصلنا الخليج ثلث الليل والليل مقمر.
ذكر الخيل التي تكون بالنّيل
ولما وصلنا الخليج رأيت على ضفته ست عشرة دابّة ضخمة الخلقة، فعجبت منها وظننتها فيلة لكثرتها هنالك، ثم إني رأيتها دخلت في النهر، فقلت لأبي بكر بن يعقوب: ما هذه الدواب؟ فقال: هي خيل البحر، خرجت ترعى في البر وهي أغلظ من الخيل، ولها أعراف وأذناب ورؤوسها كرؤوس الخيل، وأرجلها كأرجل الفيلة.
ورأيت هذه الخيل مرة أخرى لما ركبنا النّيل من تنبكتو إلى كوكو، وهي تعوم في الماء وترفع رؤوسها وتنفخ، وخاف منها أهل المركب، فقربوا من البر لئلا تغرقهم، ولهم حيلة في صيدها حسنة، وذلك أن لهم رماحا مثقوبة قد جعل في ثقبها شرائط وثيقة، فيضربون الفرس منها فإن صادفت الضربة رجله أو عنقه أنفذته وجذبوه بالحبل حتى يصل إلى الساحل فيقتلونه ويأكلون لحمه ومن عظامها بالساحل كثير.
وكان نزولنا عند هذا الخليج بقرية كبيرة عليها حاكم من السودان حاج فاضل يسمى فربا «٩٨» مغا بفتح الميم والغين المعجم، وهو ممن حج مع السلطان منسى موسى لما حج.
стр. 1077
خيل البحر
стр. 1078
حكاية [أكلة لحم البشر]
أخبرني فربا مغا أن منسى موسى لما وصل إلى هذا الخليج، كان معه قاض من البيضان يكنى بأبي العباس، ويعرف بالدّكالي «٩٩» فأحسن إليه بأربعة آلاف مثقال سرقت له من داره فاستحضر السلطان أمير ميمة وتوعّده بالقتل إن لم يحضر من سرقها، وطلب الأمير السارق فلم يجد أحدا، ولا سارق يكون بتلك البلاد، فدخل دار القاضي واشتدّ على خدامه وهدّدهم، فقالت له إحدى جواريه: ما ضاع له شيء! وإنما دفنها بيده في ذلك الموضع! وأشارت له إلى الموضع، فأخرجها الأمير وأتى بها السلطان وعرّفه الخبر فغضب على القاضي ونفاه إلى بلاد الكفار الذين يأكلون بني آدم «١٠٠» ، فأقام عندهم أربع سنين، ثم رده إلى بلده، وانما لم يأكله الكفار لبياضه! لأنهم يقولون: إن أكل الأبيض مضر لأنه لم ينضج والأسود هو النضج بزعمهم!!
حكاية [أكلة خادمة السلطان]
قدمت على السلطان منسى سليمان جماعة من هؤلاء السودان الذين يأكلون بني آدم، معهم أمير لهم، وعادتهم أن يجعلوا في آذانهم أقراطا كبارا وتكون فتحة القرط منها نصف شبر، ويلتحفون في ملاحف الحرير، وفي بلادهم يكون معدن الذهب، فأكرمهم السلطان، وأعطاهم في الضيافة خادما فذبحوها وأكلوها ولطخوا وجوههم وأيديهم بدمها وأتو السلطان شاكرين!! وأخبرت أن عادتهم متى ما وفدوا عليه أن يفعلوا ذلك وذكر لي عنهم أنهم يقولون: إن أطيب ما في لحوم الآدميات الكفّ والثدي!!
стр. 1079
ثم رحلنا من هذه القرية التي عند الخليج فوصلنا إلى بلدة قري منسى «١٠١» ، وقري بقم القاف وكسر الراء ومات لي بها الجمل الذي كنت أركبه، فأخبرني راعيه بذلك فخرجت لأنظر إليه، فوجدت السودان قد أكلوه كعادتهم في أكل الجيف، فبعثت غلامين كنت استأجرتهما على خدمتي ليشتريا لي جملا بزاغري، وهي على مسيرة يومين، وأقام معي بعض أصحاب أبي بكر بن يعقوب وتوجه هو لينتظرنا بميمة فأقمت ستة أيام أضافني فيها بعض الحجاج بهذه البلدة حتى وصل الغلامان بالجمل.
حكاية [منامة]
وفي أيام إقامتي بهذه البلدة رأيت ليلة، فيما يرى النائم، كأن إنسانا يقول لي: يا محمّد بن بطوطة! لماذا لا تقرأ سورة يس «١٠٢» في كل يوم؟ فمن يومئذ ما تركت قراءتها كلّ يوم في سفر ولا حضر.
ثم رحلت إلى بلدة ميمة، بكسر الميم الأول وفتح الثاني، فنزلنا على آبار بخارجها، ثم سافرنا منها إلى مدينة تنبكتو «١٠٣» ، وضبط اسمها بضم التاء المعلوة وسكون النون وضم البلاد الموحدة وسكون الكاف وضم التاء المعلوه الثانية وواو، وبينها وبين النّيل أربعة أميال، وأكثر سكانها مسّوفة أهل اللثام، وحاكمها يسمى فربا موسى، حضرت عنده يوما وقد قدّم أحد مسّوفة أميرا على جماعة فجعل عليه ثوبا وعمامة وسروالا، كلّها مصبوغة، وأجلسه على درقة ورفعه كبراء قبيلته على رؤوسهم.
وبهذه البلدة قبر الشاعر المفلق أبي إسحاق الساحلي الغرناطي المعروف ببلده بالطّويجن، وبها قبر سراج الدين ابن الكويك «١٠٤» أحد كبار التجار من أهل الاسكندرية.
стр. 1080
حكاية [أمير لا يحب البكاء]
كان السلطان منسى موسى لما حج، نزل بروض لسراج الدين هذا ببركة الحبش «١٠٥» ، خارج مصر، وبها ينزل السلطان واحتاج إلى مال فتسلّفه من سراج الدين وتسلّف منه أمراؤه أيضا وبعث معهم سراج الدين وكيله يقتضى المال فأقام بمالي فتوجه سراج الدين بنفسه لاقتضاء ماله، ومعه ابن له فلما وصل تنبكتو أضافه أبو إسحاق الساحلي، فكان من القدر موته تلك الليلة، فتكلم الناس في ذلك، واتّهموا أنه سم، فقال ولده:
إني أكلت معه ذلك الطعام بعينه فلو كان فيه سم لقتلنا جميعا لكنه انقضى أجله! ووصل الولد إلى مالّي واقتضى ماله وانصرف إلى ديار مصر.
ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير منحوت من خشبة واحدة، كنا ننزل كل ليلة بالقرى فنشتري ما نحتاج إليه من الطعام والسمن بالملح وبالعطريات وبحلى الزّجاج، ثم وصلت إلى بلد أنسيت اسمه، له أمير فاضل حاج يسمى فربا سليمان مشهور بالشجاعة والشدة، لا يتعاطى أحد النزع في قوسه، ولم أر في السودان أطول منه ولا أضخم جسما، واحتجت بهذه البلدة إلى شيء من الذّرة فجئت إليه، وذلك يوم مولد رسول الله ﷺ «١٠٦» ، فسلمت عليه، وسألني عن مقدمي، كان معه فقيه يكتب له فأخذت لوحا كان بين يديه وكتبت فيه: يا فقيه! قل لهذا الأمير: إنّا نحتاج إلى شيء من الذرة «١٠٧» للزاد والسلام! وناولت الفقيه اللوح يقرأ ما فيه سرّا ويكلم الأمير في ذلك بلسانه، فقرأه جهرا وفهمه الأمير، فأخذ بيدي وأدخلني إلى مشوره، وبه سلاح كثير من الدرق والقسي والرماح، ووجدت عنده كتاب المدهش لابن الجوزي «١٠٨» فجعلت أقرأ فيه، ثم أتى بمشروب لهم يسمى الدّقنو، بفتح الدال المهمل وسكون القاف وضم النون وواو، وهو ماء فيه جريش الذرة
стр. 1081
مخطوط بيسير عسل أو لبن «١٠٩» ، وهم يشربونه عوض الماء لانهم إن شربوا الماء خالصا أضرّ بهم، وإن لم يجدوا الذّرة خلطوه بالعسل أو اللبن، ثم أتى ببطيخ أخضر فأكلنا منه، ودخل غلام خماسي «١١٠» فدعاه، وقال لي: هذا ضيافتك، واحفظه لئيلّا يفر! فأخذته وأردت الانصراف، فقال: أقم حتى ياتي الطعام، وجاءت إلينا جارية له دمشقية عربية «١١١» ، فكلمتني بالعربي، فبينما نحن في ذلك سمعنا صراخا بداره، فوجه الجارية لتعرف خبر ذلك فعادت إليه فأعلمته أن بنتا له قد توفيت! فقال: إني لا أحب البكاء! فتعال نمشي إلى البحر! يعني النيل، وله على الساحل ديار، فأتى بالفرس فقال لي: اركب، فقلت: لا أركبه وأنت ماش! فمشينا جميعا، ووصلنا إلى دياره على النّيل وأتي بالطعام فأكلنا ووادعته وانصرفت ولم أر في السودان أكرم منه ولا أفضل، والغلام الذي أعطانيه باق عندي إلى الآن.
ثم سرت إلى مدينة كوكو «١١٢» وهي مدينة كبيرة على النيل من أحسن مدن السودان وأكبرها وأخصبها، فيها الأرز الكثير واللبن والدجاج والسمك، وبها الفقّوص العناني الذي لا نظير «١١٣» له، وتعامل أهلها في البيع والشراء بالودع، وكذلك اهل مالّي، وأقمت بها نحو شهر وأضافني بها محمد بن عمر من أهل مكناسة، وكان ظريفا مزّاحا فاضلا وتوفّى بها
стр. 1082
الودع يستعمل كعملة وهو من أدوات الزينة وربما صلح كقناع- عن متحف افريقيا الوسطى
стр. 1083
بعد خروجي عنها، وأضافني بها الحاج محمد الوجدي التازي وهو ممن دخل اليمن «١١٤» ، والفقيه محمد الفيلالي امام مسجد البيضان.
ثم سافرت منها برسم تكدا «١١٥» في البر مع قافلة كبيرة للغدامسيين، دليلهم ومقدمهم الحاج وجّين «١١٦» بضم الواو وتشديد الجيم المعقودة، ومعناه الذئب بلسان السودان، وكان له جمل لركوبي وناقة لحمل الزاد، فلما رحلنا أول مرحلة وقفت الناقة فأخذ الحاج وجين ما كان عليها وقسمه على أصحابه فتوزّعوا حمله، وكان في الرفقة مغربي من أهل تادلة «١١٧» فأبى أن يرفع من ذلك شيئا كما فعل غيره، وعطش غلامي يوما فطلبت منه الماء فلم يسمح به! ثم وصلنا إلى بلاد بردامة «١١٨» وهي قبيلة من البربر، وضبطها بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهمل والف وميم مفتوح وتاء تأنيث، ولا تسير القوافل إلّا في خفارتهم، والمرأة عندهم في ذلك أعظم شأنا من الرجل، وهم رحّالة لا يقيمون، وبيوتهم غريبة الشكل يقيمون أعوادا من الخشب ويضعون عليها الحصر، وفوق ذلك أعواد مشتبكة، وفوقها الجلود أو ثياب القطن، ونساؤهم أتم النساء جمالا وأبدعهن صوّرا، مع البياض الناصع والسّمن! ولم أر في البلاد من يبلغ مبلغهن في السّمن! وطعامهن حليب البقر وجريش الذرة يشربنه مخلوطا بالماء غير مطبوخ عند المساء والصباح، ومن أراد التزوّج منهن سكن بهن في أقرب البلاد إليهن ولا يتجاوز بهن كوكو ولا إيوالّاتن.
стр. 1084
وأصابني المرض في هذه البلاد لاشتداد الحر وغلبة الصفراء، واجتهدنا في السير إلى أن وصلنا إلى مدينة تكدّا، وضبطها بفتح التاء المعلوة والكاف المعقودة والدال المهمل مع تشديده، ونزلت بها في جوار شيخ المغاربة سعيد بن علي الجزولي «١١٩» ، وأضافني قاضيها أبو إبراهيم إسحاق الجاناتي، وهو من الأفاضل وأضافني جعفر بن محمد المسّوفي.
وديار تكدّا مبنية بالحجارة الحمر، وماؤها يجري على معادن النحاس فيتغيّر لونه وطعمه بذلك «١٢٠» ، ولا زرع بها إلا يسير من القمح يأكله التجار والغرباء ويباع بحساب عشرين مدّا من أمدادهم «١٢١» بمثقال ذهب، ومدّهم ثلث المدّ ببلادنا، وتباع الذّرة عندهم بحساب تسعين مدّا بمثقال من ذهب، وهي كثيرة العقارب وعقاربها تقتل من كان صبيا لم يبلغ، وأما الرجال فقلّما تقتلهم، ولقد لدغت يوما، وأنا بها، ولدا للشيخ سعيد ابن علي عند الصبح فمات لحينه، وحضرت جنازته.
ولا شغل لأهل تكدّا غير التجارة يسافرون كلّ عام إلى مصر ويجلبون من كلّ ما بها من حسان الثياب وسواها، ولاهلها رفاهية وسعة حال ويتفاخرون بكثرة العبيد والخدم، وكذلك أهل مالي وإيوالّاتن ولا يبيعون المعلمات منهن إلا نادرا وبالثمن الكثير.
حكاية [جوار معلّمات]
أردت- لما دخلت تكدّا- شراء خادم معلّمة فلم أجدها ثم بعث إليّ القاضي ابو ابراهيم بخادم لبعض أصحابه فاشتريتها بخمسة وعشرين مثقالا ثم إن صاحبها ندم ورغب في الإقالة، فقلت له: إن دللتني على سواها أقلتك، فدلّني على خادم لعليّ أغيول، وهو المغربي التادلي الذي أبى أن يرفع شيئا من أسبابي حين وقعت ناقتي، وأبى أن يسقي غلامي الماء حين عطش! فأشتريتها منه وكانت خيرا من الأولى، وأقلت صاحبي الأول، ثم ندم هذا المغربي على بيع الخادم ورغب في الإقالة وألح في ذلك فأبيت إلا أن أجازيه بسوء فعله! فكاد أن يجن أو يهلك أسفا ثم أقلته بعد!!
стр. 1085
ذكر معدن النحاس
ومعدن النحاس بخارج تكدا «١٢٢» يحفرون عليه في الأرض فإذا سبكوه نحاسا أحمر صنعوا منه قضبانا في طول شبر ونصف، بعضها رقاق وبعضها غلاظ، فتباع الغلاظ منها بحساب أربع مائة قضيب بمثقال ذهب، وتباع الرقاق بحساب ستمائة وسبع مائة بمثقال، وهي صرفهم يشترون برقاقها اللّحم والحطب، ويشترون بغلاظها العبيد والخدم والذرة والسمن والقمح، ويحمل النحاس منها إلى مدينة كوبر «١٢٣» من بلاد الكفار وإلى زغاي «١٢٤» وإلى بلاد برنو «١٢٥» ، وهي على مسيرة أربعين يوما من تكدا وأهلها مسلمون لهم ملك اسمه ادريس «١٢٦» لا يظهر للناس ولا يكلّمهم الا من وراء حجاب ومن هذه البلاد يؤتى بالجواري «١٢٧» الحسان والفتيان والثياب الجيّدة، ويحمل النّاس أيضا منها إلى جوجوة «١٢٨» وبلاد المورتبين «١٢٩» وسواها.
стр. 1086
ذكر سلطان تكدّا
وفي أيام إقامتي بها توجّه القاضي أبو ابراهيم، والخطيب محمد والمدرس أبو حفص، والشيخ سعيد بن علي إلى سلطان تكدّا، وهو بربري يسمى إزار «١٣٠» ، بكسر الهمزة وزاي والف وراء، وكان على مسيرة يوم منها، ووقعت بينه وبين التكركرى «١٣١» ، وهو من سلاطين البربر أيضا، منازعة فذهبوا إلى الاصلاح بينهما فأردت أن القاه، فاكتريت دليلا وتوجهت إليه، وأعلمه المذكورون بقدومي فجاء إليّ راكبا فرسا دون سرج وتلك عادتهم، وقد جعل عوض السرج طنفسة حمراء بديعة وعليه ملحفة وسراويل وعمامة كلّها زرق، ومعه أولاد أخته وهم الذين يرثون ملكه، فقمنا إليه، وصافحناه، وسأل عن حالي ومقدمي فأعلم بذلك، وأنزلني ببيت من بيوت اليناطبين، وهم كالوصفان «١٣٢» عندنا، وبعث برأس غنم مشوي في السفود، وقعب من حليب البقر، وكان في جوارنا بيت أمه وأخته فجاءتا إلينا وسلّمتا علينا وكانت أمه تبعث لنا الحليب بعد العتمة وهو وقت حلبهم ويشربونه ذلك الوقت وبالغدو، وأما الطعام فلا يأكلونه ولا يعرفونه، وأقمت عندهم ستّة أيام، وفي كل يوم يبعث بكبشين مشويين عند الصباح والمساء، وأحسن إلي بناقة وعشرين مثاقيل من الذهب وانصرفت عنه وعدت إلى تكدا.
ذكر وصول الأمر الكريم إلي
ولما عدت إلى تكدا وصل غلام الحاج محمد بن سعيد السّجلماسي بأمر مولانا أمير
стр. 1087
المؤمنين وناصر الدين المتوكّل على رب العالمين «١٣٣» أمرا لي بالوصول إلى حضرته العلية فقبّلته، وأمتثلته على الفور، واشتريت جملين لركوبي بسبعة وثلاثين مثقالا وثلث، وقصدت السّفر إلى توات «١٣٤» ، ورفعت زاد سبعين ليلة إذ لا يوجد الطعام فيما بين تكدا وتوات، إنما يوجد اللحم واللبن والسمن يشتري بالأثواب، وخرجت من تكدّا يوم الخميس الحادي عشر لشعبان سنة أربع وخمسين «١٣٥» في رفقة كبيرة فيهم جعفر التواتي، وهو من الفضلاء، ومعنا الفقيه محمد بن عبد الله قاضي تكدّا، وفي الرفقة نحو ستمائة خادم «١٣٦» فوصلنا إلى كاهر من بلاد السلطان الكركرى، وهي أرض كثيرة الأعشاب يشتري بها الناس من برابرها الغنم ويقدّدون لحمها ويحمله أهل توات إلى بلادهم.
ودخلنا منها إلى برية لا عمارة بها ولا ماء، وهي مسيرة ثلاثة أيام، ثم سرنا بعد ذلك خمسة عشر يوما في بريّة لا عمارة بها إلا أن بها الماء، ووصلنا إلى الموضع «١٣٧» الذي يفترق به طريق غات الآخذ إلى ديار مصر، وطريق توات، وهنالك أحساء ماء يجري على الحديد، فإذا غسل به الثوب الأبيض اسودّ لونه! وسرنا من هنالك عشرة أيام ووصلنا إلى بلاد هكّار «١٣٨» ، وهم طائفة من البربر ملثمون لا خير عندهم، ولقينا أحد كبرائهم فحبس القافلة حتى غرموا له أثوابا وسواها! وكان وصولنا إلى بلادهم في شهر رمضان، وهم لا يغيرون فيه ولا يعترضون القوافل، واذا وجد سرّاقها المتاع بالطريق في رمضان لم يعرضوا له، وكذلك جميع من بهذه الطريق من البرابر.
стр. 1088
دينار مريني من عهد السلطان أبي عنان ولي نعمة ابن بطوطة
стр. 1089
وسرنا في بلاد هكّار شهرا، وهي قليلة النبات كثيرة الحجارة، طريقها وعر، ووصلنا يوم عيد الفطر «١٣٩» إلى بلاد برابر أهل لثام كهؤلاء فأخبرونا باخبار بلادنا واعلمونا أن اولاد خراج «١٤٠» وابن يغمور «١٤١» خالفوا وسكنوا (تسابيت) من توات «١٤٢» ، فخاف أهل القافلة من ذلك، ثم وصلنا إلى بودا «١٤٣» ، بضم الباء الموحدة، وهي من أكبر قرى توات، وأرضها رمال وسباخ وتمرها كثير ليس بطيب، لكن أهلها يفضلونه على تمر سجلماسة، ولا زرع بها ولا سمن ولا زيت وانما يجلب لها ذلك من بلاد المغرب، واكل أهلها التمر والجراد، وهو كثير عندهم يختزنوه كما يختزن التمر ويقتاتون به ويخرجون إلى صيده قبل طلوع الشمس فانه لا يطير اذا ذاك لأجل البرد! وأقمنا ببودا أياما، ثم سافرنا في قافلة ووصلنا في أواسط ذي القعدة «١٤٤» إلى مدينة سجلماسة، وخرجت منها في ثاني ذي الحجة «١٤٥» ، وذلك أول البرد الشديد، ونزل بالطريق ثلج كثير. ولقد رأيت الطرق الصّعبة والثلج الكثير ببخاري وسمرقند وخراسان وبلاد الأتراك فلم أر أصعب من طريق أمّ جنيبة! «١٤٦» .
ووصلنا ليلة عيد الأضحى إلى دار الطمع «١٤٧» ، فأقمت هنالك يوم الأضحى، ثم
стр. 1090
خرجت فوصلت إلى حضرة فاس حضرة مولانا أمير المومنين أيده الله فقبلت يده الكريمة «١٤٨» وتيمّنت بمشاهدة وجهه المبارك وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة، والله تعالى يشكر ما أولانيه من جزيل إحسانه وسابغ امتنانه ويديم أيامه ويمتع المسلمين بطول بقائه.
وهاهنا انتهت الرحلة المسماة (تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار) وكان الفراغ من تقييدها في ثالث ذي الحجة عام ستة وخمسين وسبع مائة «١٤٩» والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال ابن جزي: انتهى ما لخّصته من تقييد «١٥٠» الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بطوطة، اكرمه الله، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحّال العصر، ومن قال:
رحّال هذه الملة لم يبعد، ولم يجعل بلاد الدّنيا للرحلة واتّخذ حضرة فاس قرارا ومستوطنا بعد طول جولاته، إلا لما تحقق أن مولانا أيده الله أعظم ملوكها شأنا وأعمهم فضائل، وأكثرهم إحسانا وأشدهم بالواردين عليه عناية، وأتمهم بمن ينتمي إلى طلب العلم حماية، فيجب على مثلي أن يحمد الله تعالى لأن وفقه في أول حاله وترحاله لاستئيطان هذه الحضرة التي اختارها هذا الشيخ بعد رحلة خمسة وعشرين عاما، إنها لنعمة لا يقدر قدرها ولا يوفى شكرها، والله تعالى يرزقنا الإعانة على خدمة مولانا أمير المومنين ويبقى علينا ظلّ حرمته ورحمته ويجزيه عنا معشر الغرباء المنقطعين إليه أفضل جزاء المحسنين.
اللهمّ- وكما فضلته على الملوك بفضيلتي العلم والدين وخصصته بالحلم والعقل الرصين، فمدّ لملكه أسباب التأييد والتمكين وعرفه عوارف النصر العزيز والفتح المبين واجعل الملك، في عقبه إلى يوم الدين وأره قرّة العين في نفسه وبنيه وملكه ورعيته يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا ونبيّنا محمد خاتم النبيين وأمام المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من كتبها في صفر عام سبعة وخمسين وسبع مائة «١٥١» عرف الله من كتبها.
следующие страницы →