Полный текст (1 410 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ذكر سلطان تكدّا
وفي أيام إقامتي بها توجّه القاضي أبو ابراهيم، والخطيب محمد والمدرس أبو حفص، والشيخ سعيد بن علي إلى سلطان تكدّا، وهو بربري يسمى إزار «١٣٠» ، بكسر الهمزة وزاي والف وراء، وكان على مسيرة يوم منها، ووقعت بينه وبين التكركرى «١٣١» ، وهو من سلاطين البربر أيضا، منازعة فذهبوا إلى الاصلاح بينهما فأردت أن القاه، فاكتريت دليلا وتوجهت إليه، وأعلمه المذكورون بقدومي فجاء إليّ راكبا فرسا دون سرج وتلك عادتهم، وقد جعل عوض السرج طنفسة حمراء بديعة وعليه ملحفة وسراويل وعمامة كلّها زرق، ومعه أولاد أخته وهم الذين يرثون ملكه، فقمنا إليه، وصافحناه، وسأل عن حالي ومقدمي فأعلم بذلك، وأنزلني ببيت من بيوت اليناطبين، وهم كالوصفان «١٣٢» عندنا، وبعث برأس غنم مشوي في السفود، وقعب من حليب البقر، وكان في جوارنا بيت أمه وأخته فجاءتا إلينا وسلّمتا علينا وكانت أمه تبعث لنا الحليب بعد العتمة وهو وقت حلبهم ويشربونه ذلك الوقت وبالغدو، وأما الطعام فلا يأكلونه ولا يعرفونه، وأقمت عندهم ستّة أيام، وفي كل يوم يبعث بكبشين مشويين عند الصباح والمساء، وأحسن إلي بناقة وعشرين مثاقيل من الذهب وانصرفت عنه وعدت إلى تكدا.
ذكر وصول الأمر الكريم إلي
ولما عدت إلى تكدا وصل غلام الحاج محمد بن سعيد السّجلماسي بأمر مولانا أمير
стр. 1087
المؤمنين وناصر الدين المتوكّل على رب العالمين «١٣٣» أمرا لي بالوصول إلى حضرته العلية فقبّلته، وأمتثلته على الفور، واشتريت جملين لركوبي بسبعة وثلاثين مثقالا وثلث، وقصدت السّفر إلى توات «١٣٤» ، ورفعت زاد سبعين ليلة إذ لا يوجد الطعام فيما بين تكدا وتوات، إنما يوجد اللحم واللبن والسمن يشتري بالأثواب، وخرجت من تكدّا يوم الخميس الحادي عشر لشعبان سنة أربع وخمسين «١٣٥» في رفقة كبيرة فيهم جعفر التواتي، وهو من الفضلاء، ومعنا الفقيه محمد بن عبد الله قاضي تكدّا، وفي الرفقة نحو ستمائة خادم «١٣٦» فوصلنا إلى كاهر من بلاد السلطان الكركرى، وهي أرض كثيرة الأعشاب يشتري بها الناس من برابرها الغنم ويقدّدون لحمها ويحمله أهل توات إلى بلادهم.
ودخلنا منها إلى برية لا عمارة بها ولا ماء، وهي مسيرة ثلاثة أيام، ثم سرنا بعد ذلك خمسة عشر يوما في بريّة لا عمارة بها إلا أن بها الماء، ووصلنا إلى الموضع «١٣٧» الذي يفترق به طريق غات الآخذ إلى ديار مصر، وطريق توات، وهنالك أحساء ماء يجري على الحديد، فإذا غسل به الثوب الأبيض اسودّ لونه! وسرنا من هنالك عشرة أيام ووصلنا إلى بلاد هكّار «١٣٨» ، وهم طائفة من البربر ملثمون لا خير عندهم، ولقينا أحد كبرائهم فحبس القافلة حتى غرموا له أثوابا وسواها! وكان وصولنا إلى بلادهم في شهر رمضان، وهم لا يغيرون فيه ولا يعترضون القوافل، واذا وجد سرّاقها المتاع بالطريق في رمضان لم يعرضوا له، وكذلك جميع من بهذه الطريق من البرابر.
стр. 1088
دينار مريني من عهد السلطان أبي عنان ولي نعمة ابن بطوطة
стр. 1089
وسرنا في بلاد هكّار شهرا، وهي قليلة النبات كثيرة الحجارة، طريقها وعر، ووصلنا يوم عيد الفطر «١٣٩» إلى بلاد برابر أهل لثام كهؤلاء فأخبرونا باخبار بلادنا واعلمونا أن اولاد خراج «١٤٠» وابن يغمور «١٤١» خالفوا وسكنوا (تسابيت) من توات «١٤٢» ، فخاف أهل القافلة من ذلك، ثم وصلنا إلى بودا «١٤٣» ، بضم الباء الموحدة، وهي من أكبر قرى توات، وأرضها رمال وسباخ وتمرها كثير ليس بطيب، لكن أهلها يفضلونه على تمر سجلماسة، ولا زرع بها ولا سمن ولا زيت وانما يجلب لها ذلك من بلاد المغرب، واكل أهلها التمر والجراد، وهو كثير عندهم يختزنوه كما يختزن التمر ويقتاتون به ويخرجون إلى صيده قبل طلوع الشمس فانه لا يطير اذا ذاك لأجل البرد! وأقمنا ببودا أياما، ثم سافرنا في قافلة ووصلنا في أواسط ذي القعدة «١٤٤» إلى مدينة سجلماسة، وخرجت منها في ثاني ذي الحجة «١٤٥» ، وذلك أول البرد الشديد، ونزل بالطريق ثلج كثير. ولقد رأيت الطرق الصّعبة والثلج الكثير ببخاري وسمرقند وخراسان وبلاد الأتراك فلم أر أصعب من طريق أمّ جنيبة! «١٤٦» .
ووصلنا ليلة عيد الأضحى إلى دار الطمع «١٤٧» ، فأقمت هنالك يوم الأضحى، ثم
стр. 1090
خرجت فوصلت إلى حضرة فاس حضرة مولانا أمير المومنين أيده الله فقبلت يده الكريمة «١٤٨» وتيمّنت بمشاهدة وجهه المبارك وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة، والله تعالى يشكر ما أولانيه من جزيل إحسانه وسابغ امتنانه ويديم أيامه ويمتع المسلمين بطول بقائه.
وهاهنا انتهت الرحلة المسماة (تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار) وكان الفراغ من تقييدها في ثالث ذي الحجة عام ستة وخمسين وسبع مائة «١٤٩» والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال ابن جزي: انتهى ما لخّصته من تقييد «١٥٠» الشيخ أبي عبد الله محمد ابن بطوطة، اكرمه الله، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحّال العصر، ومن قال:
رحّال هذه الملة لم يبعد، ولم يجعل بلاد الدّنيا للرحلة واتّخذ حضرة فاس قرارا ومستوطنا بعد طول جولاته، إلا لما تحقق أن مولانا أيده الله أعظم ملوكها شأنا وأعمهم فضائل، وأكثرهم إحسانا وأشدهم بالواردين عليه عناية، وأتمهم بمن ينتمي إلى طلب العلم حماية، فيجب على مثلي أن يحمد الله تعالى لأن وفقه في أول حاله وترحاله لاستئيطان هذه الحضرة التي اختارها هذا الشيخ بعد رحلة خمسة وعشرين عاما، إنها لنعمة لا يقدر قدرها ولا يوفى شكرها، والله تعالى يرزقنا الإعانة على خدمة مولانا أمير المومنين ويبقى علينا ظلّ حرمته ورحمته ويجزيه عنا معشر الغرباء المنقطعين إليه أفضل جزاء المحسنين.
اللهمّ- وكما فضلته على الملوك بفضيلتي العلم والدين وخصصته بالحلم والعقل الرصين، فمدّ لملكه أسباب التأييد والتمكين وعرفه عوارف النصر العزيز والفتح المبين واجعل الملك، في عقبه إلى يوم الدين وأره قرّة العين في نفسه وبنيه وملكه ورعيته يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا ونبيّنا محمد خاتم النبيين وأمام المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من كتبها في صفر عام سبعة وخمسين وسبع مائة «١٥١» عرف الله من كتبها.
стр. 1091
منظر عام لمدينة فاس حيث انتسخت الرحلة
стр. 1092
الملاحق
شهادة ابن خلدون تعقيب الزياني كلمة (أفراج) المغربية وثيقة تأسيس مسجد مالديف تعليق وكالة المغرب العربي للأبناء أكاديمية السلطان أبي عنان رسالة إلى الروضة الشريفة نص وقفية المدرسة البوعنانية بداخل فاس حول الحديث عن الزاوية المتوكلية خارج فاس تهنئة ملك غرناطة لملك المغرب بتحرير طرابلس معلومات عن الرحلة من خلال المراسلات ...
стр. 1093
لقد وعدنا أثناء المقدمة وفي غضون التعاليق بالاتيان ببعض الملاحق التي نراها ضرورية لإيضاح بعض النقط الغامضة في الرحلة أو لتكميل المعلومات الذي كانت في النص موجزة مختصرة ...
شهادة ابن خلدون
عن حديث ابن خلدون في المقدمة عمّا يقوله الناس حول مرويّات ابن بطوطة وما أجابه به الوزير ابن ودرار، نسوق ما يلي نقلا عن المقدمة: (طبعة لبنان ١٩٥٦ ص ٣٢٥- ٣٢٧) «ولا تنكرنّ ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الدول السالفة بادر بالإنكار وليس ذلك من الصواب، فإنّ أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلّها فيها، ونحن إذا اعتبرنا ما ينقل لنا عن دولة بني العباس وبني أميّة والعبيديين، وناسبنا الصحيح من ذلك والذي لا شكّ فيه بالذي نشاهده من هذه الدول التي هي أقلّ بالنسبة إليها وجدنا بينها بونا، وهو لما بينها من التفاوت في أصل قوّتها وعمران ممالكها فالآثار كلّها جارية على نسبة الأصل في القوة كما قدّمناه، ولا يسعنا انكار ذلك عنها، إذ كثير من هذه الأحوال في غاية الشهرة والوضوح، بل فيها ما يلحق بالمستفيض والمتواتر، وفيها المعاين والمشاهد من آثار البناء وغيره. فخذ من الأحوال المنقولة مراتب الدول في قوّتها أو ضعفها وضخامتها أو صغرها، واعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستظرفة، وذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند، ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند، وهو السلطان محمد شاه، واتّصل بملكها لذلك العهد وهو فيروزجوه «١» ، وكان له منه مكان، واستعمله في خطّة القضاء بمذهب المالكيّة في عمله، ثم انقلب إلى المغرب واتّصل بالسلطان أبي عنان وكان يحدّث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان، وفرض لهم رزق ستّة أشهر تدفع لهم من عطائه، وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافّة إلى صحراء البلد ويطوفون به، وينصب أمامه في ذلك الحفل منجنيقات على الظهر ترمى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس، إلى أنّ يدخل ايوانه، وأمثال هذه
стр. 1094
الحكايات فتناجي الناس بتكذيبه. ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار اخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه، فقال لي الوزير فارس: اياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما انك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشىء في السجن، وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذّى به، فقال له أبوه هذا لحم الغنم، فقال وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها، فيقول: يا أبت تراها مثل الفار فينكر عليه، ويقول: أين الغنم من الفأر! وكذا في لحم الإبل والبقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار فيحسبها كلّها أبناء جنس الفار. ولهذا كثيرا ما يعتري الناس في الاخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عن قصد الإغراب كما قدّمناه أول الكتاب، فليرجع الانسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الإمكان قبله، وما خرج عنه رفضه، وليس مرادنا الامكان العقليّ المطلق فانّ نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدّا بين الواقعات، وانما مرادنا الامكان بحسب المادّة التي للشيء، فانا اذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه- ومقدار عظمه وقوّته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله، وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه، وقل ربّ زدني علما وأنت أرحم الراحمين والله أعلم.
تعقيب الزياني
وعن التحامل على ابن بطوطة من لدن الزياني مما اشرنا إليه في التقديم نورد نص الترجمانة الكبرى مصحوبا بالرد عليه من قبل الكتاني في مخطوطة عن تاريخ القرويين:
قال الزياني: إنما رسمت فيها (أي الترجمانة) ما شاهدته في الأقاليم التي بلغتها، وغيره نقلته من رحلة العياشي، ومحاضرة اليوسي، ورحلة البلوي، ورحلة ابن نباتة، ورحلة السرخسي للاندلس والمغرب، ورحلة الكردي، ورحلة البكري، واخبار الهند، والسند والصين من تاريخ الإسلام للذهبي، ومن تواريخ لبعض علماء الهند اجتمعت بهم بالحرم الشريف وبمكة، وكنت أسرد عليهم رحلة ابن بطوطة، فأنكروا كثيرا مما فيها من أخبار ملوكهم، وأما قضاؤه بالهند ومصاهرته لسلطانه، فقد أبطلوه بالكلية، وقالوا: هذا غير ممكن، فبسبب ذلك لم أنقل من خبرها شيئا، ثم بعد ذلك وقفت على ترجمته في الاحاطة، لأبي عبد الله الخطيب، نقلا عن شيخه أبي البركات البلفيقي، أن محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة. حاله كان رجلا له مشاركة في الطب، وارتحل للمشرق وتزيابزي الصوفية، وجال الاقطار، ودخل بلاد العجم، والسند والهند والصين، وعاد لبلده طنجة، وجاز البحر للأندلس،
стр. 1095
وبلغ غرناطة، واجتمع بفقهائها في دعوة، وكان يحدثهم عن رحلته في يومه وليلته فاستغربوا أخباره واستبعدوها. وقال البلوي في رحلته، في ترجمة ابن بطوطة، إنه لما عاد من رحلته ومن لقيه بها من الملوك، وأن ملك الهند صاهره وقلده القضاء بمدينته العظمى، وحصل من الأموال عددا كثيرا، زيفوه وكذبوه، ثم عاد لبر العدوة ودخل مدينة فاس أيام السلطان أبي عنان فارس ابن أبي الحسن المريني، ولم يجتمع به، ثم توجه للصحراء ثم للسودان، يحسب أن ملوكه كملوك الهند وأرضه مثلها، فخفق سعيه ووجد الأرض غير الأرض، والناس غير الناس، وبلغ خبره للسلطان أبي عنان، فكتب له واستقدمه، ولما اجتمع به عاتبه على عدم الاجتماع به لما قدم من الأندلس لفاس، وكان أبو عنان فرغ من تشييد المدرسة المتوكلية التي بطالعة فاس، فقال له: يا مولانا السلطان، انما أتيت لفاس بقصدك والمثول بين يديك، ولما دخلت هذه المدرسة التي شيدت، ولم أقف على مثلها فيما شاهدته في المعمور كلّه، قلت والله لا بد لي أن أتمم عملي، وأبر قسمي بالوصول إلى أقاليم السودان حتى أشاهده، وأقسم أن ليس في المعمور كله مثلها، فحقق الله ظني، وأبر يميني، هذا موجب تأخيري عن المثول بين يديك، فأكرمه السلطان أبو عنان، وأجرى عليه الانعام، وأمره أن يؤلف رحلته ويذكر فيها مدرسته التي زعم أنها لا نظير لها في المعمور. انتهى.
قال كاتبه عفا الله عنه، وهذا من التغالي في الكذب، ودليل على ما لمزه به فقهاء الأندلس، فان في كل اقليم من أقاليم بلاد العرب، كمصر، والشام، والعراق، التي شاهدناها من المدارس والمساجد، ما هو مثلها وأعلى منها ضخامة وتأنقا وحسنا، وأما بلاد العجم، والترك، فحدث عن البحر ولا حرج، فكل مسجد، وكل مدرسة صغيرة أو كبيرة، فوقها وأعظم منها؟؟؟؟ وأتقن منها، وما وصف به المدرسة العنانية لبانيها، أبي عنان ﵀، فانما قصد به مدحه والتخلص منه بتلك الحيلة التي نجح سعيه بسببها، غفر الله لنا وله ولقد أخبرني أحد طلبة السلطان، سيد محمد ﵀، أنه كان يسرد عليه رحلة ابن بطوطة، وساق كلام ابن تيمية في الاستواء، والنزول، فنزل من محل جلوسه، وقال: كنزولي هذا، فقال له السلطان سيدي محمد، اطو ذلك الكتاب وبعه في السوق وكل ثمنه لحما، هذا رجل كذاب من اهل التجسيم كمن نقل عنه، فو الله لو حضر بين يدي لاضربن عنقه، فقد تحقق عنه ما وسمه به أهل الأندلس من الكذب، وسيما اذ هو من أهّل البدع.
الكتاني ينتقد الزياني
عن مخطوطة الخزانة العامة رقم ٢٩ تحت عنوان: «الشعائر الدينية المقامة بالقرويين»
стр. 1096
وعند الكلام على «المدرسة المتوكلية» التي تعرف بالعنانية ... قال: عبد الحي الكتاني، ولما تم بناؤها دخلها السلطان أبو عنان لينظرها وأعطاه القائم عليها هناك زمام صائرها ...
إلى أن قال:
... ذكر مؤرخ المغرب أبو القاسم الزياني في الترجمانة الكبرى نقلا عن رحلة البلوى أن الرحالة ابن بطوطة لما دخل فاسا بعد رحلته الطويلة ولم يجتمع بالسلطان أبي عنان وسافر إلى السودان استقدمه وعاتبه على عدم الاجتماع به، وكان أبو عنان قد فرغ من تشييد المدرسة المتوكلية، فقال: يا مولانا السلطان لما دخلت هذه المدرسة التي شيدت ولم أقف على مثلها فيما شاهدته في المعمور كلّه، قلت: والله لا بد أن أتمم عملي وأبر بقسمي بالوصول إلى أقاليم السودان حتى أشاهده وأقسم أن ليس في المعمور كله مثلها. فحقق الله ظني وأبرّ يميني. فأكرمه السلطان وأمره أن يؤلف رحلته ويذكر فيها مدرسته التي زعم أنه لا نظير لها في المعمور ... أقول (الكتاني) وهذه مبالغة، وعجيب سريان حقد الزياني إلى من كان قبله بدهور وأجيال! والعجب أن القصة التي ذكرت في اعتذار ابن بطوطة لأبي عنان عن موجب عدم لقيّه بعد رجوعه من الأندلس لم أجدها في رحلته المطبوعة إلا أن أهل البحث من الأروباويين اليوم يذكرون أن رحلة ابن بطوطة الأصلية ليست هي المطبوعة في مجلد، وأن المطبوعة إنما هي تلخيص ابن جزي لا الرحلة الأصلية والله أعلم أي ذلك كان، على أني أقول: قد دخلت كثيرا من مدارس الشام ومصر والحجاز والمغرب فلم أر من حيث ضخامة البناء والوسع والشكل أضخم من المدرسة العنانية هذه إلا ما كان من جامع السلطان حسن بمصر وجامع بني أمية بدمشق وبيت المقدس بفلسطين، أما في النهر الجاري وسط المدرسة العنانية والبيوت المحيطة بها من فوق لسكنى طلاب العلم وغير ذلك من النقش والزخرف، فلم أر لها نظيرا مطلقا فيما رأيت بعد التتبع والبحث الذي أتشخصه ...
عن كلمة (أفراج) أو أفراق المغربية
عن ذكر (أفراج) في عدد من المرات ٤١٥ -٢٥١،٤٤ III -٤٠٥ -٣٦٩،II وحيرة المعلقين حول القصد منها نسوق الملحق التالي عن ابن الحاج النّميري من كتابه فيض العباب.
وأفراق السعيد كالبلد الواسع الأقطار، القائم الأسوار. البديع الاختطاط، الشريف الاستنباط، المحكم الارتباط. وهو في وضعه مستدير الساحة، بدري المساحة. قد صنع من شقاق الكتّان الموضونة، وفضلاته الفاضلة المصونة. وضوعفت طاقاته، وحذيت حذو القذّة بالقذّة مسافاته.
وأظهر النصّاحون في خياطته النصائح، وظاهر المراوح منهم المغادي والمعادي
стр. 1097
المراوح. وأعملوا فيه نبات الوخز غائصة غوص الأذهان، أخذ من الألسنة الفاتقة رتوق البيان. ترسل خيوطها أسرع من البريق وتغادر الأنامل وكأنّها أفراس رهان تبارت في لا سبق، عارفة كالأصولي بالجرح إلا أنها جاهلة بالفرق. ضيّقة العيون كالأتراك، ناحلة الجسوم كالعابدين النسّاك، إلا أنّها تبيّن لها الخيط الأبيض لا تدين بالإمساك. فالتأمت أجزاؤه أحسن الالتئام، والتحمت على وفق الإبداع أجمل الالتحام. وتجانست أنحاؤه وتطابقت، وتناسبت ميامنه ومياسره وتوافقت.
وجمع بشرائطه شرائط الكمال، واختار من لونه وهو البياض طراز الجمال. وصنعت له عمد مثقفة كالقداح، موشاة كأثواب الخود الرداح. بأسافلها زجاج حديد كبير الأجرام، تشقّ الأرض شقّ الغرام قلب المستهام. وتقرّ في الترب كأنها جذور النخل الباسقة، وعروق الأزرة السامية السامقة.
فتقف تلك العمد متناسقة الصفوف، جائبة لمعنى في غيرها وزهى الملك منها بصحيفة دلّ على شرف ما فيها عنوانها. ذات الاطناب التي تمتد امتداد أشعة الشمس، وتحل أوتادها من الأرض محل النفس من الجسم والسر من النفس. قائمة لفارس كإيوان كسرى، مزدانة بأنواره التي هي أفخر من أنوار البدر وأسرى.
ويتصل بها البيت الأعظم الذي كاد يبلغ الفرقدين، وتصير ذات العماد منه إلى ذي العمادين. بديع المحاسن جميل المسافر، بهي المناظر، زكي المخابر. وسيع مقام الاستضراب، ممتد شأو الاستنخاب.
وتتّصل به القبّة التي هي ثالثة التعزيز، وسمة شرف التمييز. ذات الحسن الفائق، والجمال الرائق. والشكل البديع، والاستنباط المرضى التأصيل والتفريع.
وبغربي هذه المساكن خيمة الشعر التي أعجز وصفها الشعراء، وأنست بألوانها وبدائع صنعتها وشي صنعاء. قريبة التداني، منيفة على أوثق المباني، مستطيلة الشكل كالفجر الأول، مستطيرة الذكر المنزّهة عن التداني، وخلال الأقيال (العياهلة) الذين فازوا من دنياهم بنيل الأماني.
وفي أفراق السعيد من الأخبية والبيوت ما يشابه الكواكب في جمالها وازدحامها، ويشابه العقود النفائس في حسنها وانتظامها. كل ذلك مما نشأ في مظاهر الإبداع والإتقان، وصنع في أسعد الأوقات والأزمان. واستفرغ في تنجيده الوسع، ونعم برؤيته البصر وبوصفه السمع.
وأمام باب أفراق قبّة الجلوس وهي قبّة ليست بالكبيرة إلّا أنّها في غاية الاحتفال،
стр. 1098
مشتملة بالمحاسن أحسن الاشتمال. وفيها مرتبة الملك العزيز التمكين، أحسن من طاقات السوسان والنسرين. وهي مستندة إلى ألواح تتصل بلطائف الصنعة، وتتلاءم أجزاؤها فتصير سورا ظاهر المنعة. وقد أودعها الدّهانون عجائب اشغالهم. وأظهروا بالفعل ما كان بالقوة في خيالهم حتى شمل الاتقان جميع ما تقع عليه الأبصار، وتتشوّف إليه الأفكار، واستوضحت الحكم التي استتبعت بها الأسرار.
ويستقدم قبّة الجلوس مجال يقيد الألحاظ، وتقف على ذكر محاسنه الألفاظ. وبه طريق الخليفة إذا خرج من مضاربه إلى حياة الساقة، التي قامت قيام الجبل الرفيع الذروة، والحديقة الملتفّة بأعلى الربوة. مرسلة أطنابها إرسال شآبيب الأمطار، رافعة عمدها الثابت الذي كاد كالحروف. فتنتشر المرواقات على أعطافها، وتتكاشف بمواطن استشرافها. حتى تحيط بالبقعة المتخيّرة لنزول خير الملوك، والمنزّل المطهر الذي يحوز بسلوك الإمام عليه بركة أهل السلوك.
سور عظيم يعارض مهاب الرياح، ويسمو سمو الحبا على الراح. ويزاحم الجو بمناكبه، ويكاتب البروق المومضة بكوائبه. وله شرفات من الرقاع الزرق تباهي ألوان السحاب، والعيون المناسبة في حجر الروض أحسن الانتساب.
وله بابان أحدهما جوفي وهو المسمى بباب الصرف، وهو مفتوح لبيت علا سمكه علو السماك، وأشرف على المحلّة إشراف البدر المنوّر الأحلاك. وأعرب عن الفخامة الثابتة الدلائل، والجلالة الرفيعة المنازل، والضخامة التي أنافت على الملوك الأوائل. والباب الثاني بقبلية أمام البرج الذي كاد يبلغ عنان السماء، ويزحم النجوم المختومة كؤوسها بمسك الظلماء. وهو مربّع الشكل، محتفل العلو والسفل، دواخل حيطانه أبدع من الروض غب العهاد، وأحسن من تحلّيات الخريدة ولا غرو فهي منوطة بالعماد.
فسيح مجال الأطناب، عالي مسادل الجلباب. شديد الأركان، يفوق شامخ البنيان.
سام على الهضاب، دافع في صدور السحاب. قابض بأعنّة الرياح الهوج، مشرف كغوارب القلائص العوج. قد لبس أثواب الهيئة وجرّ برودها، وصدع بأنوار العزّ وأبدى صعودها.
وزهى بجامور تحسد الثريا اجتماع تفافيحه، ويود الشفق لو كان بعض ذوائبه المرسلة إلا هزّ ريحه.
وفي جوفه حائط من الخشب يروق الأبصار بريقه، ويفوق الوشي اليماني تنميقه.
حسن المساق، جميع الاستنساق تجتمع أجزاءه بعد الافتراق، وتعود بعد الانخرام للانتظام والاتّساق.
стр. 1099
وفيه جملة أبواب محكمة الصنائع، مفيضة بقداح البدائع، آخذة بأزمّة العيون إلى حسنها الرائع، قائمة على قلب القلوب بجمالها الموفور البضائع. وكلّها موصد مغلق إلا الباب الذي بجهة الشرق فإنه معدّ لدخول الخليفة، ومواطئ أقدامه الشريفة، مخصوص بالولوج إلى المواقف العالية المنيفة، والحواضر التي احتوت على أسرار الحسن اللطيفة. ومن هنالك يشرع إلى باب أفراق الثاني الذي به مساكن الخلافة ومضاربها، ومسارح ربّات خدوره ومساربها.
ويوالي باب أفراق الثاني القبّة العظمى التي ظهرت كقوس قزح ألوانها يلحق بالكوكب السيّار.
قد أحكمت بدواخله الحرائم البديعة الاختراع، والتوارق العجيبة التي استمتع الحسن بها أعظم الاستمتاع.
وبها أيضا مرتبة الملك بيضاء عالية كالصبح، مكتنفة في كل الأوقات بالنصر والفتح.
يحلّها البدر فتجلي الأحلاك لكن بانتسامه، ويستقر بأعلاها البحر فيرسل الدرّ لكن من كلامه، وتروي عن سهل لكن من خلائقه وعن كثير لكن من أنعامه، «وتشاهد منه ثالث العمرين لكن عند تنفيذ أحكامه» ونصر الدّين بالماضيين لسانه وحسامه.
ويمقربة من قبّة الجلوس بالجهة الشرقية يضرب الجامع الذي امتدت له الأسباب، وسرّ بالدخول في المحراب منه المحراب. وبه استقرار الحزّابين والمؤذنين من مرتبين لقراءة القرآن، وحفظ أوقات الصلوات بالآذان، وإقامة شعائر الإسلام والإيمان.
وثيقة تأسيس مسجد مالديف
عن حديثه حول الخطوط التي قرآها وهو يزور الجامع الأعظم في مالديف نسوق النص الكامل لهذا النقش كما وقفنا عليه بالعيان.
١) السطر الأول: أمر ببناء هذا المسجد المبارك الجامع لله تعالى السلطان درمس محمد بن عبد الله وأخوه سيري كلؤ؟ رحمة الله عليهم أجمعين وأمر الوزير شنورازاه ببنائه، فبنا وعمّر رحمة الله عليه ووصل في هذا البلد أبو البركات.
٢) السطر الثاني: يوسف؟ البربري وأسلم على يديه في شهر ربيع الآخر في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فقدم وأمر بعمارة هذا المسجد الجامع لله مولانا السلطان
стр. 1100
ابن السلطان: شهاب الدين أحمد بن أبي الفتح جلال الدين عمر بن صلاح الدين خلد الله أعماله وأمر الوزير.
٣) السطر الثالث: شنورازه؟ الدين علي بن أبي الفرج الصلاحي بعمارته فبنى وعمر وقام فيه بحمد الله وشكر وفرغ من عمارته في شهر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين؟
وسبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها السلام.
стр. 1101
أكاديمية السلطان أبي عنان
عن المجلس العلمي المشار إليه في ٣٤٢ IV نذكر ما يلي نقلا عن شرح الموقت الجاديري (ت ٨٣٩) لبردة البوصيري.
وقد تعمدنا ايراد هذا الملحق لأنه يعطي صورة عن الحياة الفكرية بفاس على عهد السلطان أبي عنان، ثم هو يقدم لنا نخبة من العلماء الذين تعددت اختصاصاتهم وتنوعت حقول معارفهم بين فقيه وقاض وأديب وخطيب وموقت ومفتي وفيلسوف ودبلوماسي وسياسي ومهندس ورياضي ومقرئ ومتصوف وموثق ومؤرخ، ومعبّر للرؤيا! علاوة على الرحّالة ابن بطوطة ... إنه مجمع علمي حافل:
وهذا الشرح إنما هو مختصر لما ورد في الشرح الحافل لبردة البوصيري الذي ألفه الأمير أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر المتوفى بفاس سنة ٨٠٧ هـ.
قال البوصيري:
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
لعلّ: كلمة ترج، قال الجوهري: وأصلها عل، واللام في أولها زائدة. قال المرادي:
ولعل للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، ولا يكون إلا في الممكن ولا تكون للتعليل ولا للاستفهام ولا للشك عند البصريين خلافا لمن قال بذلك، وليست مركبة على الأصح، والرحمة:
الرقة والتعطف، يقال رحمة ومرحمة، والحين: الوقت، ويقسمها: يهبها. وتأتي: تجيء على حسب على مقدار، والعصيان: ضد الطاعة، والقسم: الحظ والنصيب. معناه: رجا الشيخ ﵀ من الله تعالى أن تكون رحمته شاملة مستوعبة لجميع المعاصي حين قسمه إياها، وذلك لما جاء في الحديث النبوي: إن الله تعالى يقول:" لو أتاني ابن آدم بقراب ملء الأرض ذنوبا لآتيته بقراب ملء الأرض رحمة.
قال شيخنا أبو الوليد: وقد وقع الكلام بين يدي السلطان أمير المؤمنين أبي عنان فارس بن السلطان أبي الحسن بن السلطان أبي سعيد عثمان بن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ملك المغرب من مقعد ملكه من المدينة البيضاء من حضرة فاس، بمحضر الفقهاء والعلماء والأساتيذ والقضاة والشرفاء والخطباء وأصحاب العلوم، منهم:
١- الفقيه الإمام المفتي القاضي الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد القرشي التلمساني المقري بمفتح الميم.
٢- وشيخنا الإمام الفقيه المدرك المفتي القاضي الخطيب أبو عبد الله محمد بن الفقيه
стр. 1102
القاضي الخطيب أحمد بن عبد الملك بن شعيب الفشتالي الصنهاجي الحميري.
٣- والفقيه العارف بالفقه أبو عبد الله محمد بن الحسن السدراتي.
٤- وشيخنا الفقيه الحاج الخطيب أبو علي عمر بن محمد البطوئي المعروف بابن البحر.
٥- والفقيه الإمام المتكلم أبو عبد الله محمد بن أحمد المعافري التلمساني المعروف.
٦- وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب المفتي أبو العباس أحمد بن محمد بن قاسم الجذامي الفاسي المعروف بالقبّاب.
٧- والشريف الفقيه الإمام العالم المتكلم النظار المفتي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الحسني التلمساني.
٨- والفقيه المحدث الحاج الخطيب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي.
٩- الفقيه الإمام المتكلم النظار القاضي الخطيب أبو عثمان سعيد بن محمد الخزرجي التلمساني المعروف بالعقباني.
١٠- والفقيه المفتي المدرس العارف بالفقه والفرائض أبو الحسن علي الصرصري الفاسي.
١١- والشريف الفقيه القاضي أبو محمد عبد النور بن محمد العمراني الحسني.
١٢- وصاحبنا الفقيه المفتي أبو إسحاق ابراهيم بن الفقيه المفتي الصالح إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحيم اليزناسني.
١٣- وشيخنا القاضي الخطيب الكاتب صاحب القلم الأعلى العارف بالفقه والحديث والنحو والأدب أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان الخزرجي المالقي.
١٤- وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب الكاتب أبو القاسم محمد بن يحيى بن محمد الغساني البرجي.
١٥- وشيخنا الفقيه القاضي المدرس العارف بنوازل الفقيه أبو عبد الله محمد المدعو بأبي خريص بن ياسين الياباني المريني.
١٦- والفقيه المفتي القائم على حفظ المدونة عبد الرحمن النفزي المعروف بأبي عائشة.
١٧- وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج الكثير الجولة بالمشرق والمغرب وجميع البلاد محمد بن بطوطة العارف بالتاريخ.
١٨- والفقيه القاضي العارف بكتاب ابن الحاجب الفرعي المدرس معبّر الرؤيا أبو عبد الله محمد القسمطيني المعرفو بالتمتام.
١٩- والفقيه المعدل الهندسي الحسابي أبو الحسن علي بن أحمد الصنهاجي الحميري التلمساني المعروف بابن الفحام.
٢٠- وشيخنا الفقيه المدرس المفتي أبو إسحاق إبراهيم بن الفقيه العالم أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الحميري التلمساني المعروف بابن الإمام.
٢١- وأخوه الفقيه المدرس أبو عبد الله محمد.
стр. 1103
٢٢- والفقيه الخطيب العارف بكتاب ابن الحاجب الفرعي علي بن منصور بن هدية القرشي التلمساني.
٢٣- وشيخنا الأستاذ النحوي سيبويه زمانه أبو عبد الله بن علي بن حياتي الغافقي الغرناطي.
٢٤- وصاحبنا الفقيه القاضي العارف بالبديع والبيان أبو يحيى محمد بن أبي البركات العياضي السكاك.
٢٥- والأستاذ المقري النحوي محمد المجكسي فارس زمانه.
٢٦- وشيخنا الصوفي الحكيم محمد بن شاطر الجمحي المراكشي.
٢٧- والفقيه الأستاذ العارف بالقراءات والتصوف والنحو محمد بن إبراهيم الموحدي التينملّي المراكشي المعروف بابن الصفار.
٢٨- وشيخنا الفقيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الأورّبي الفاسي العارف بالوثائق.
٢٩- والفقيه المدرس مجالس السلطان أحمد بن أبي الفضل ابن الصباغ الخزرجي العارف بالفقه والحديث، الآية في علم التاريخ.
قلت: وغير ذلك ممّن تركنا ذكره ويطول به الكتاب في قوله: (لعل رحمة ربي حين يقسمها) البيت.
وتردّد بينهم الكلام فيه، فقال مجالس السلطان أبو زيان عريف ابن يحيى العربي السويدي: إذا كانت الرحمة تأتي على حسب العصيان إذا لخسر المحسنون! قال شيخنا:
لو كنت حاضرا هناك لقلت مجاوبا له: أما أهل الطاعة ففرارهم عن الذنوب ونبذهم إياها بعراء الترك، وأدبارهم عن المعاصي، وإقبالهم على الطاعة لهو الرحمة الكبرى، والطائع بإحسانه لا يشابه العاصي بإساءته: لشتان ما بين اليزيدين: يزيد بن سليم والأغر بن حاتم «١» .
стр. 1104
وقد فضّل الله تعالى الصالح على العاصي بقوليه: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن يجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم، الآية، وقوله:
وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء إلى آيات كثيرة في هذا المعنى، لكن لما وقع العصاة في المعصية ولم يجدوا سبيلا لأفعال البر فانكسرت قلوبهم بالوقوع في الحوب، جاءت الأحاديث بما طمعوا به من رحمة الله وهو قول رسول الله ﷺ : شفاعتي لأهل الكبائر، وقوله في خبر عن ربنا: أنا عند ظن عبدي فليظنّ بي ما شاء فشاء العصاة لذلك بحروف الرحمة، ولذلك قال الناظم:
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
ومع ذلك فالرحمة تلحق العاصي بالطائع، وقال بعض المشايخ من الصوفية:
إذا بدت عين من عيون الرحمة ألحقت المسيء بالمحسن! وقال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء.
رسالة إلى الروضة الشريفة
عن الرسالة والقصيدة اللتين بعثهما السلطان أبو عنان إلى سيد المرسلين بخط يده (٣٥٤ -IV) وحتى نأخذ فكرة عن محتويات مثل هذه الرسائل نأتي هنا- في غياب خطاب أبي عنان- بنموذج مما بعث به ملك غرناطة عن نفح الطيب (ج ٥ ص ٣٥٤ الإحاطة ٤، ٥٥٦) وهو من عمل لسان الدّين ابن الخطيب إثر نظم كما نذكر بأن هذه الرسائل كانت تلقى أمام الضريح قبل خزنها.
إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمه ... فحسب فؤادي أن يهبّ نسيمه
ويقنعني أنّى به متكنّف ... فزمزمه دمعي، وجسمي حطيمه
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا ... فيقعده فوق الغضا ويقيمه
ولم أر شيئا كالنّسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه
نعلّل بالتذكار نفسا مشوقة ... ندير عليها كأسه ونديمه
وما شفني بالغور قدّ مرنّح ... ولا شاقني من وحش وجرة ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنيّة ... من الثغر يبدو موهنا فأشيمه
براني شوق للنبيّ محمد ... يسوم فؤادي برحه ما يسومه
стр. 1105
ألا يا رسول الله ناداك ضارع ... على النأي محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما الليل مدّ رواقه ... تهمّ به تحت الظّلام همومه
إذا ما حديث عنك حاءت به الصّبا ... شجاه من الشّوق الحثيث قديمه
أيجهر بالنّجوى وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفي وأنت عليمه
ونعوزه السقيا، وأنت غياثه ... وتتلفه الشّكوى، وأنت رحيمه
بنورك نور الله قد أشرق الهدى ... فأقماره وضّاحة ونجومه
لك انهلّ فضل الله بالأرض ساكبا ... فأنواؤه ملتفّة وغيومه
ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الّذي أوطاكها وكليمه
لك الخلق الأرضى الذي جلّ ذكره ... ومجدك في الذكر العظيم عظيمه
يجلّ مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر درّ القول فيك عديمه
ولي يا رسول الله فيك وراثة ... ومجدك لا ينسى الذمام كريمه
وعندي إلى أنصار دينك نسبة ... هي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه
وكان بودّي أن أزور مبوّأ ... بك افتخرت أطلاله ورسومه
وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه ... ويعوزه من بعد ذاك مرومه
وعذري في تسويف عزمي ظاهر ... إذا ضاق عذر العزم عمّن يلومه
عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا ... جلالقة الثغر الغريب ورومه
أجاهد منهم في سبيلك أمة ... هي البحر يعيي أمرها من يرومه
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى ... لريع حماه واستبيح حريمه
فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته ... فمجدك موفور النوال عميمه
وأنت لنا الغيث الذي نستدرّه ... وأنت لنا الظلّ الذي نستديمه
ولمّا نأت داري وأعوز مطمعى ... وأقلقني شوق يشبّ جحيمه
بعثت بها جهد المقلّ معوّلا ... على مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه
وكلت بها همي وصدق قريحتي ... فساعدني هاء الرويّ وميمه
فلا تنسى يا خير من وطئ الثرى ... فمثلك لا ينسى لديه خدمه
عليك صلاة الله ماذّر شارق ... وما راق من وجه الصباح وسمه
«إلى رسول الحق إلى كافة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، الحائز في ميدان
стр. 1106
اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطين والماء، شفيع أرباب الذنوب، وطيب أدواء القلوب، والوسيلة إلى علّام الغيوب، نبي الهدى الذي طهر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربه، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبّه، الشفيع المشفع يوم العرض، المحمود في ملإ السماء والأرض، صاحب اللواء المنشور يوم النشور، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، المؤيد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظّه من عنايته ونعمته، الظل الخفاق على أمّته، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا، أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة الكون ومعناه، وسر الوجود الذي يبهر الوجود سناه، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ونزل فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
من الأنوار من عنصر نوره مستمدّة، والآثار تخلق وآثاره مستجدّة، من طوي بساط الوحي لفقده، وسدّ باب الرسالة والنبوّة من بعده، وأوتي جوامع الكلم فوقفت البلغاء حسرى دون حدّه، الذي انتقلض في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تجيئه وفودها ونزوره، وأخبرت الكتب المنزلة على الأنبياء وصفاته، وأخذ عهد الإيمان به على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذو المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحس، وأقرّ بها الجنّ والإنس، من جماد يتكلّم، وجذع لفراقه يتألّم، وقمر له ينشقّ، وحجر يشهد أن ما جاء به هو الحق، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من بين أصابعه يتبجّس، وغمام باستسقائه يصوب، وطويّ بصق في أجاجها فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكما المناقب، المسمى بالحاشر العاقب، ذو المجد البعيد المرامي والمراقب، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب، ونجحت لديه قربة البعيد المقترب، سيد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتباعه الذي لا خوف عليهم ولا هم يخزنون صلى الله وسلّم ما لمع برق، وهمع ودق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس:
«من عتيق شفاعته، وعبد طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلّما تألم، المفتتح بالصلاة عليه كلّما تكلّم، الذي إن ذكر تمثل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هبّ النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكر صوت بلاله، وإن ذكر القرآن تردّد جبريل بين معاهده وخلاله، لاثم تربه، ومؤمل قربه، ورهين طاعته وحبّه، المتوسل به إلى رضى الله ربّه، يوسف بن إسماعيل بن نصر:
«كتبه إليك يا رسول الله والدمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلّما
стр. 1107
نقص الصبر، وانكسار لا يتاح له إلّا بدنوّ مزارك الجبر، وكيف لا يعني مشوقك الأمر، وتوطأ على كبده الجمر، وقد مطلت الأيام ابلقدوم على تربك المقدسة اللحد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما رحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح، فيالها من معاهد فاز من حيّاها، ومشاهد ما أعطر ريّاها، بلاد نيطت بها عليك التمائم «١» ، وأشرقت بنورك منها النجود والتهائم، ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسور، ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت، وافتتحت سورة الرحمن وختمت، ابتدئت الملّة الحنيفيّة وتممت، ونسخت الآيات وأحكمت:
«أما والذي بعثك بالحق هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا، لا يطفئ غلّتي إلّا شربك، ولا يسكن لوعتي إلا قربك، فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك، وعفّر الحدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردد ما بين داري بعتتك وههرتك، وإنّي لما عاقتني عن زيارتك العوائق، وإن كان شغلي عنك بك، وعدتني الأعداء فيك عن وصل سبي بسببك، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرج عجاجه- في طائفة من المؤمنين بك وطنّوا على الصبر نقوسهم، وجعلوا التوكل على الله وعليك لبوسهم، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله تعالى ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوّ هو الذرّ عند انتشاره، عشر معشاره، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدنيا، لأن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلا منك ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع، وصبية حمر الحواصل، تخفق فقو أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطّى فمدّ ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشديد، فالتقى الماء، ولم يبق إلا الدّماء، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده العيون، إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله تعالى وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل الله تعالى وسبيلك البيض والسّمر- استنبت «٢» رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي بجناح خافق، وتسعد من نيتي التي تصحبها برفيق موافق، فتؤدّي عن عبدك وتبلّغ، وتعفّر الحدّ في تربك وتمرّغ،
стр. 1108
وتطيّب بريّا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخضوع والخشوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملّق، عند التشتيت بأسبابك والتعلّق، منكسرة الطرف، حذرا بهرجها من عدم الصرف: يا غياث الأمة، وغمام الرحمة، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك قصر باعي، وقوّ على هيبتك خور طباعي، فكم جزت من لج مهول، وحبت من حزون وسهول، وقابلع بالقبول نيابتي، وعجّل بالرضى إجابتي، ومعلوم من كمال تلك الشّيم، وسجاياتيك الديم، أن لا يخيب قصد من حط بفنائها، ولا يظمأ وارد أكبّ على إنائها.
«اللهم يا من جعلته أول الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملكت أمته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمته المجبولة على حبّه المفطورة، وشوّقتني إلى معهاده المبرورة، ومشاهده المزورة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغبتي بالتماس مالديه، فلا تقطع منه أسبابي، ولا تحرمني من حبّة ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي.
«هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره، وشطّ مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم تكن «٣» للقبول أهلا فأنت للأغضاء والسماح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإن كان الحب يتوارث كما أخبرت، والعروق تدس حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزية، ووسيلة أثيرة حفية، فإن لم يكن لي عمل ترتضيه فلي نيّة، فلا تنسي ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك، على أيدي خيار أمتك، فإنّما نحن بها وديعة تحت بعض أقفالك، نعوذ بوجه ربّك من إغفالك، ونستنتشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من محيّا قبولك لمحة، ندافع عدوّا طغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى، فمواقف التمحيص قد أعيتض من كتب وورّخ، والبحر قد أصمت من استصرخ، والطاغية في العدوان مستبصر، والعدو ملحق والولي مقصر، ويجاهك ندفع ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدين فيفيف، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربّك فينا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا
(البقرة: ٢٧٦) ، وطوائف أمتك حيث كانوا عناية منك تكفيهم، وربك يقول لك وقوله الحق وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
(الأنفال: ٢٣) والصلاة والسلام عليك يا خير مضن طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلى الله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحق لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبتك ورفيقيك، وخليفتك في أمتك، وفاروقك المستخلف بعده على جلتك، وصهرك ذي النورين المخصوص ببرك ونحلتك، وابن عمك سيفك المسلول على حلتك، بدر سمائك ووالد أهلتك، والسلام الكريم عليك وعليهم كثيرا أثيرا ورحمة الله تعالى وبركاته، وكتب بحضرة جزيرة الأندلس غرناطة، صانها الله تعالى ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها» انتهت الرسالة.
стр. 1109
وكتب أيضا إلى رسول الله ﷺ على لسان مخدومه السلطان الغني بالله محمد ابن السلطان أبي الحجاج- رحم الله تعالى الجميع- ما صورته (الإحاطة ٤، ٥٣٦)
دعاك بأقصى المغربين غريب ... وأنت، على بعد المزار، قريب
مدلّ بأسباب الرجاء وطرفه ... غضيض على حكم الحياء مريب
يكلف قرص البدر حمل تحية ... إذا ما هوى والشمس حين تغيب
لترجع من تلك المعالم غدوة ... وقد ذاع من ردّ التحية طيب
ويستودع الريح الشمال شمائلا ... من الحبّ لم يعلم بهن رقيب
ويطيب في جيب الجيوب جوابها ... إذا ما أطلّت والصباح جنيب
ويستفهم الكفّ الخضيب ودمعه ... غراما بحنّاء النجيع خضيب
ويتبع آثار المطيّ مشيّعا ... وقد زمزم الحادي وحنّ نجيب
إذا أثر الأخفاف لاحت محاربا ... يخرّ عليها راكعا وينيب
ويلقي ركاب الحجّ وهي قوافل ... طلاح وقد لبّى النداء لبيب
فلا قول إلا أنّه وتوجّع ... ولا حول إلا زفرة ونحيب
غليل ولكن من قبولك منهل ... عليل ولكن من رضاك طبيب
ألا ليت شعري والأمانيّ ضلّة ... وقد تخطىء الآمال ثمّ تصيب
أينجد نجد بعد شحط مزاره ... ويكثب بعد البعد منه كثيب
وتقضى ديوني بعد ما مطل المدى ... وينفذ بيعي والمبيع معيب
وهل أقتضي دهري فيسمح طائعا ... وأدعو بحظي مسمعا فيجيب
ويا ليت شعري هل لحومي مورد ... لديك؟ وهل لي في رضاك نصيب؟
ولكنّك المولى الجواد وجاره ... على أيّ حال كان ليس يخيب
وكيف يضيق الذّرع يوما بقاصد ... وذاك الجناب المستجار رحيب
وما هاجني إلا تألّق بارق ... يلوح بفود الليل منه مشيب
ذكرت به ركب الحجاز وجيزة ... أهاب بها نحو الحبيب مهيب
فبتّ وجفني من لآليء دمعه ... غنيّ وصبري للشجون سليب
ترنحني الذكرى ويهفو بي الجوى ... كما مال غضن في الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنى ... ويطرق وجد غالب فأغيب
مرامي، لو أعطي الأمانيّ، زورة ... يبثّ غرام عندها ووجيب
فقول حبيب إذ يقول تشوّقا ... عسى وظن يدنو إليّ حبيب
стр. 1110
تعجبت من سيفي وقد جاور الغضا ... بقلبي فلم يسبكه منه مذيب
وأعجب أن لا يورق الرمح في يدي ... ومن فوقه غيث المشوق سكيب
فيا سرح ذاك الحيّ لو أخلف الحيا ... لأغناك من صوب الدموع صبيب
ويا هاجر الجوّ الجديب تلبّثا ... فعهدي رطب الجانبين خصيب
ويا قادح الزند الشّحاح ترفّقا ... عليك فشوقي الخارجيّ شبيب
أيا خاتم الرسل المكين مكانه ... حديث الغريب الدار فيك غريب
فؤادي على جمر البعاد مقلّب ... يماح عليه للدموع قليب
فو الله ما يزداد إلا تلهّبا ... أأبصرت ماء ثارض عنه لهيب
فليلته ليل السّليم ويومها ... إذا شدّ للشوق العصاب عصيب
هواي هدى فيك اهتديت بنوره ... ومنتسبي للصحب منك نسيب
وحسبي على أني لصحبك منتم ... وللخزرجييّين الكرام نسيب
عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ... عقارب لا يخفي لهنّ دبيب
حراص على إطفاء نور قدحته ... فمستلب من دونه وسليب
فكم من شهيد في رضاك مجدّل ... يظلله نسر ويندب ذيب
تمرّ الرياح الغفل فوق كلومهم ... فتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك عنك الشغل من غير منّة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب
فإن صحّ منك الحظّ طاوعت المنى ... ويبعد مرمى السهم وهو مصيب
ولولاك لم يعجم من الروم عودها ... فعود الصليب الأعجميّ صليب
وقد كانت الأحوال، لولا مراغب ... ضمنت ووعد بالظهور، تريب
فما شئت من نصر عزيز وأنعم ... أثاب بهنّ المؤمنين مثيب
منابر عزّ أذّن الفتح فوقها ... وأفصح للعضب الطرير خطيب
نقود إلى هيجائها كلّ صائل ... كما ريع مكحول اللحاظ ربيب
ونجتاب من سرد اليقين مدراعا ... يكفّتها من يجتني ويثيب
إذا اضطرب الخطّيّ حول غديرها ... يروقك منها لجّة وقضيب
فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا ... بعزّك يرجو أن يجيب مجيب
وجاهك بعد الله نرجو، وإنّه ... لحظّ مليء بالوفاء رغيب
عليك صلاة الله ما طيّب الفضا ... عليك مطيل بالثناء مطيب
وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّح ... وما افترّ ثغر للبروق شنيب
«إلى حجّة الله تعالى المؤيدة ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع
стр. 1111
البشر ومنتهى أطواره، إلى المجتبي وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، المصطفى من ذرية آدم قبل أن يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تفضيله وتقديمه، إلى وديعة النور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، ودرة الأنبياء التي لها الفضل على الدّرر، وغمام الرحمة الهامية الدّرر، إلى مختار الله تعالى المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي لم المزية على أحبائه، وذرية أنبياء الله تعالى آبائه، إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتمّ عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من الهدى والنور ما أنزله، إلى بشرى المسيح والذبيح، ومن لهم التّجر الربيح، المنصور بالرعب والريح، المخصوص بالنسب الصريح، إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشقّ صدره لتلقّي روح أمره غلاما، وأعلم به في التوراة والإنجيل إعلاما، وعلم المؤمنين صلاة عليه وسلاما، إلى الشفيع الذي لا تردّ في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله تعالى طاعته، والرؤوف الرحيم الذي خلصت إلى الله تعالى في أهل الجرائم ضراعته، صاحب الآيات التي لا يسع ردها، والمعجزات التي أربى على الألف عدها، فمن قمر شقّ، وجذع حن له وحق، وبنان يتفجّر بالماء، فيقوم بريّ الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلّل به مقامه ومسيره، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشقّ عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها ما أقرض القرض، ولا عرف النفل والفرض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال من ذي، الشاهد بصدقه صحف الأنبياء وكتب الأرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السلسال، صلى الله وسلّم ما ذرّ شارق، وأومض بارق، وفرق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرج على شذا الزّهر، وتتبلّج عن سنا الكواكب الزّهر، وتتردد بين السر والجهر، وتستغرق ساعات اليوم وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر:
«من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوقة إلى نحور عداه، مؤمّل العتق من النار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبّار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله تعالى وإضاعته، متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة، متاجر بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبّه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقّه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي، نسيب بعد سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلّله الله تعالى يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السياحة في فضاء حبّك والهيمان:
«كتبه إليك يا رسول الله- واليراع تقتضي الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع
стр. 1112
يقطر فتنقط به الحروف وتفصل الأسطر، وتوهّم المثول بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، وتأوّه عن تبريح، كلّما هبّ من أرضك نسيم ريح، وانكسار ليس له إلا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك، وإن يقض فقبرك، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصبر بعدما رسا، لولا لعلّ وعسى، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل، إلّا على التمثيل، ولا من المعالم الملتمسة التنوير، إلّا على التصوير، مهبط وحي الله تعالى ومتنزل أسمائه، ومتردّد ملائكة سمائه، ومدافن أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله تعالى الرضى بقضائه، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه- من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك، ومسحبة رجلك يا رسول الله وخيلك، أنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك، حيث مصافّ الجهاد في سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام، وشهبان الأسنّة أطلعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، والشهداء تحفّ بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترّة، تجلوها المصارع البرّة، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر، وتحلّي السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها بالجواهر، وحيث الإسلام من عدوّه المكابد بمنزلة قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير أو شمام، وقد سدت الطريق، وأسلم الفراق الفريق، وأغصّ الرّيق، ويئس من الساحل الغريق، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك، المهتدية بأدلّة سبلك، سالم والحمد لله تعالى من الانصداع، محروس فيه وجود الطوائف المضلّة، وإلا ما يخص الكفر من هذه العلّة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة.
«ولهذه الأيام يا رسول الله أقام الله تعالى أوده برّا بوجهك الوجيه ورعيا، وإنجازا لوعدك وهو الذي لا يحلف وعدا ولا يخيب سعيا، وفتح لنا فتوحا أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشّرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب، ونصرنا وله المنّة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرّديني ولا منا السّردي حكم التغليب، وإذا كانت الموالي التي طوّقت الأعناق مننها، وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها، تبادر إليها نوّابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر، والمسرات التي تشاع في العشائر، وتجلو لديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابها يا رسول الله أولى بذلك وأحقّ، ولك الحق الحق، والحرّ منّا عبدك المسترق، حسبما سجّله الرق، وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك
стр. 1113
الإسلام في الحقيقة عبيد سدّتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجملة، وشهب تعشو إلى بدورك المكملة، وبعض سيوفك المقلّدة في سبيل الله تعالى المحملة، وحرسه مهادك، وسلاح جهادك، وبروق عهادك.
«وإن مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربيّ إنعامك الذي لا يكفر، وملتحف جاهك الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله تعالى ويغفر، يطالع روضة الجنّة المفتحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان القدس الذي أجنّك وحواك، وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذي طواك، ويعرض جنى ما غرست ويذرت، ومصداق ما بشرت به لما بشرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومبّ عهادك، لتقرّ عين نصحك التي أنام العيون الساهرة هجوعها، وأشبع البطون وروّاها ظمئوها في الله تعالى وجوعها، وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بين إفصاحك وكنايتك، ومجمله يا رسول الله صلى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، وهو أن الله سبحانك لمّا عرف عرفني لطفه الخفي في التمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التخصيص، المغني بعيانه عن التنصيص، وفّق ببركاتك السارية رحماتها في القلوب، ووسائل محبتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحلّ مخنّق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السنّة بحسب الاستطاعة والمنّة السيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهّلت المآرب العسيرة، ورفع بيد العزة الضّيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطّة التعثير، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرة العدوّ وانتهزناها وشمنا صوارم عزة الغدوّ وهززناها، وأزحنا علل الجيوش وجهزّناها.
«فكان ممّا ساعد عليه القدر، والخطب المبتدر، والورد الذي حسن بعده الصّدر، أنّنا عاجلنا مدينة برغه «١» ، وقد جرّعت الأختين مالقة ورندة، من مدائن دينك، ومزابن ميادينك، أكواس الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور عن الطّاق، وأسألت المسيل بالنجيع المراق، في مراصد المراد والمراق، ومنعت المراسلة مع هدير الحمام، لابل مع طيف المنام عن الإلمام، فيسّر الله تعالى اقتحامها، وألحمت بيض الشفار في زرق الكفار إلحامها، وأزال بشر السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصرعى ومثاقف الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى ومنحه الأسرى، ولا إله إلا هو منفّل قيصر وكسرى، وفاتح مغلقاتهما المنيعة قسرا؛ واستولى الإسلام منها على قرار جنات، وأم بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهرت
стр. 1114
مساجدها المغتصبة المكرهة، وفجع بحفظها الفيل الأفيل وأبرهة، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة، وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرهة، هذا وطاغية الروم على توفّر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتصل خواره، وقد حرك إليها الحنين حواره.
«ثمّ نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النطاسيّ علاجه، وكرك «٢» هذا القطر الذي لا تطاول أعلامه ولا تصاول أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوى المراحل إلى مكايدة المسلمين طي البرود، وحجر الحيات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغّص الورود في العذب المورود، ومقضّ المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهّر الحطب الفاجىء الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر الساجع، حصن اشر «٣» حماه الله تعالى دعاء لا خبرا، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزّة ذي العرش المجيد، وحفت به الرايات يسمها وضسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلّا نفوسا تتزاحم على مورد الشهادة أسرابها، وليوثا بصدق في الله تعالى ضرابها، وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من جراد السهام، تشذ آياته عن الأفهام، وسدد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام، وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه النقض والنقب، ورغا فوق هله السّقب «٤» ، ونصبت المعارج والمراقي، وقرعت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون مع الله تعالى الحظ الباقي، وقال الشهيد السابق: يا فوز استباقي، ودخل البلد فألحم السيف، واستلب البحت والزيف، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيدة، وظفر ناشد دينك منها بالنشيدة «٥» ، وشكر الله تعالى في قصدها مساعي النصائح الرشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سدّ ثلمها، وصون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصا على الاقتداء في مثلها بأعمالك، والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فها الحماة تشجي العدوّ، وتصل في مرضاة الله تعالى ومرضاتك برواحها الغدوّ.
«ثم كان الغزو إلى مدينة إطريرة «٦» بنت حاضرة الكفر إشبيلية التي أظلّتها بالجناح السائر، وأنامتها في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام من هذه المومسة البائسة
стр. 1115
بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى الوقاح المهاتر، لما جرّته على أسراه من عمل الخاتل الخاتر، حسب المنقول لا بل المتواتر، فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطيّ الروازح، وصدق الجدّ جدها المازح، وخفقت فوق أوكارها أجنحة الأعلام، وغشيتها أفواج الملائكة الموسومة وظلال الغمام، وصابت من السهام ودق الرّهام، وكاد يكفي السهام على الأرض ارتجاج أجوائها بكلمة الإسلام، وقد صمّ خاطب عروس الشهادة عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مبايع الملك العلّام، وتكلم لسان الحديد الصامت وصمت إلا بذكر الله لسان الكلام، ووفت الأوتار بالأوتار، ووصل بالحطّيّ ذرع الأبيض البتّار، وسلطت النار على أربابها، وأذن الله تعالى في تبار تلك الأمة وتبابها، فنزلوا على حكم السيف آلافا، بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافا، واستوعب المقاتلة كتافا، وقرنوا في الجدل أكتافا أكتافا، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركابا من فوق الظهور وإردافا، وأقلت منها أفلاك الحمول بدورا تضيء من ليالي المحاق أسدافا، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوّره حلم النائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتفتنّ من مطاعمها في الملائم، وشنّت الغارات على حمص فجللت خارجها مغارا، وكست كبار الروم بها صغارا، وأجحرت أبطالها إجحارا، واستاقت من النّعم ما لا يقبل الحصر استبحارا.
«ولم يكن إلا أن عدل القسم، استقل بالقفول العزيز الرسم، ووضح من التوفيق الوسم، فكانت الحركة إلى قاعدة جيّان قيعة الظل الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، وكناس الغيد الخرّد، وكرسي الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحزب التين والزيتون، حيث خندق الجنّة تدنو لأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر مبانيه، والقلعة التي تختّمت بنان شرفاتها بخواتيم النجوم، وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السّجوم والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها، سمّة الوجوم لذلك الهجوم، فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوداعة، وأجابت منادي دعوتك الصادقة الصادعة، وحبتها بالفادحة الفادعة، فغصّت الرّبى والوهاد بالتكبير والتهليل، وتجاوبت الخيل بالصّهيل، وانهالت الجموع المجاهدة في الله تعالى انهيال الكثيب المهيل، وفهمت نفوس العباد المجاهدة في الله تعالى حقّ الجهاد معاني التيسير من ربّها والتسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلات المسلمة على التأميل، ولمّا صبحتها النواصي المقبلة الغرر، والأعلام المكتتبة الطّرر، برز حاميتها مصحرين «٧» ، وللحوزة المستباحة منتصرين، فكاثرهم من سرعان الأبطال رجل الدّبا «٨» ، ونبت الوهاد والرّبى، فأقحموهم من وراء السور، وأسرعت أقلام الرماح في بسط عددهم المكسور، وتركت
стр. 1116
صرعاهم ولائم للنسور، ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم فقرعوه، وجدّلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرّعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم، ويحمد بمخيم النصر العزيز سراهم، حتى خذل «٩» الكافر الصبر وأسلم الجلد، ونزل على المسلمين النصر فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه والولد، وأتهم المطرف والمتلد، فكان هولا بعد الشناعة، وبعثا كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود، والسلالم عن مطاولة النجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكبش عن مناطحة الأسوار، والنفوط عن إصعاق الفجار، وعمد الحديد، ومعاول البأس الشديد، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشيب والشبان، وكسرت الصّلبان، وفجع بهدم الكنائس الرهبان، وأهبطت النواقيس من مراقيها العالية وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة، وعجزت عن الأسلاب «١٠» ذوات الظهور، وجلل الإسلام شعار العزّ والظهور، بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور، وأعرست الشهداء ومن النفوس المبيعة من الله تعالى نحل الصدقات والمهور. ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت عن محيطه المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته المدينة ويدك ذلك الطور، ومن بعد ما خرب الوجار، عقرب الأشجار، وعفّر المنار، وسلطت على بنات التراب والماء النار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمتها المصائب، وأصمى لبّتها السهم الصائب، وجللتها القشاعم العصائب، فالذئاب في الليل البهيم تعسل، والضباع من الحدّب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدانق، وسكبت أسورة الأسوار، وسوّيت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سرايا الغوار، وحجبت بالدخان مطالع الأنوار، وتخلفت قاعتها عبرة للمعتبرين وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحمية، يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحقّ الله الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين.
«ثم كان الحركة إلى أختها الكبرى، ولدتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة «١١» ذات العمران المستبحر، والربض الخرق المصحر، والمباني الشّمّ الأنوف، وعقائل المصانع الجمة الحلي والشنوف، والغاب الأنوف، بلدة التجر، والعسكر المجر، وأفق الضّلال الفاجر الكذب على الله تعالى الكاذب الفجر، فخذل الله تعالى حاميتها التي تعيي الحسبان عدّها، وسجر بحورها التي لا يرام مدّها، وحقّت عليها كلمة الله تعالى التي لا يستاع ردّها، فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمّها والمنة لله تعالى في نهلة، ولم يكف السيف من عليهنا ولا مهلة، فلمّا تناولهنا العفا والتخريب، واسباحها الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النصر الحسن
стр. 1117
الغريب، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسايفها «١٢» لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعز الذي سما طرفه واشرأب ليته، والعزم الذي حمد مسراه ومبيته، والحمد لله ناظم الأمر وقد راب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته.
«ثم كان الغزو إلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة، وما قرطبة؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية «١٣» الحمل، فخيم الإسلام بعقوتها «١٤» المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على السّباحة، وعم دوحها الأشب بوارا، وأدار المحلّات بسورها سوارا، وأخذ بمخنّفها حصارا، وأعمل النصر بشجر بصلها «١٥» اجتناء ما شاء واهتصارا، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا، فأعمل إلى المسلمين إصحارا، حتى فرغ بعض جهاتها غلابا جهارا، ورفعت الأعلام إعلاما بعز الإسلام وإظهارا، فلولا استهلاك الغوادي، وأن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه «١٦» العاكف والبادي، فاقتضى الرأي ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب، تعمل ببشراه بفضل الله تعالى أقتاد وأقتاب، ولكل أجل كتاب- أن يراض صعبها حتى يعود ذلولا، وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولا، فإذا فجع الله تعالى بمارج النار طوائفها المارجة، وأباد بخارجها الطائرة والدارجة، خطب السيف منها أمّ خارجة «١٧» ، فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت، والغلات المستغلات قد دعا بها القصل فما ارتابت، وكأن صحيفة نهرها لما أضرمت النار في «١٨» ظهرها ذابت، وحييته فرّت أمام الحريق فانسابت، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برءوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها بعد الركود أيدي الاجتياح، وأغريت بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة، جنود الجوع، وتوعدت بالرجوع، فسلب أهلها لتوقع الهجوم
стр. 1118
منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثديّ البؤس راضعة، والله سبحانه يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشرا.
«ثم تنوّعت يا رسول الله لهذا العهد أحوال العدوّ تنوّعا يوهم إفاقته من الغمرة، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقّع، وحذر ذلك السمّ الناقع، وخفيف الخرق الذي يحار فيه الراقع، فتعرفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسكينة، ومكّن العقائد المكينة، فثابت العزائم وهبّت، واطّردت عوائد الإقدام واستتبت، وما راع العدو إلا خيل الله تعالى تجوس خلاله، وشمس الحق توجب ظلاله، وهداك الذي هديت يدحض ضلاله، ونازلنا حصني قنبيل والحائر «١٩» ، وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما الساكن سرارا، وقد اتخذا بين النجوم قرارا، وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا، والتفّ معصمه في حلّة العصب وقد جعل الجسر سوارا، فخذل الصليب بذلك الثغر من تولّاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله تعالى على ما أولاه.
ثم تحركنا على تفئة «٢٠» تعدّي ثغر الموسطة على عدوّه المساور في المضاجع، ومصبحه بالفاجىء الفاجع، فنازلنا حصن روطة الآخذ بالكظم، المعترض بالشّجا اعتراض العظم، وقد شحنه العدو مددا بئيسا، ولم يأل اختياره رأيا ولا تلبيسا، فأعيا داؤه، واستقلت بالمدافعة أعداؤه، ولمّا أتلع إليه جيد المنجنيف، وقد برك عليه بروك الفنيق، وشد عصام العزم الوثيق، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق، وقد غصوا بالريق، وكاد يذهب بأبصارهم لمعان البريق، فسكناه من حامية الماهدين بمن يحمي ذماره، ويقرر اعتماره، واستولى أهل الثعور إلى هذا الحد على معاقل كانت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية الرماح إلى قلب قلوبها فمتحوها.
«ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار، وترحي عن آباط خيلها شدّ حزم المغار، حتى عاودت النفوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخطبت التي لا فوقها، وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية، والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية، فقصدنا الجزيرة الخضراء باب هذا الوطن الذي من طرق وادعه، ومطلع الحق الذي صدع الباطل صادعه، وثنية الفتح التي برق منها لامعه، ومشرف الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه، وفرضة المجاز التي لا تنكر، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر، حيث يتقارب الشطّان، ويتوازى الخطّان، وكاد أن تلتقي حلقنا البطان، وقد كان الكفر قدّر قدر هذه الفرصة التي
стр. 1119
طرق منها حماه، ورماه الفتح الأول بما رماه، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلّا من تلقائها، وأنّه لا يعدم المكروه مع بقائها، فأجلب عليها برجله وخيله، وسد أفق البحر بأساطيله، ومراكب أباطيله، بقطع ليله، وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته، أو إمساكها من دون مهواته، فعجز الحول، ووقع بملكه إياها القول، واحتازها قهرا وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهرا، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم، واسودّت الوجوه لخبرها الهاجم، وبكتها حتى دموع الغيث الساجم، وانقطع المدد إلا من رحمة من ينفّس الكروب، ويغري بالإدالة الشروق والغروب. وبما شكنا بشبا الله تعالى نحوها، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برها وبحرها، ونازلناها نذيقها شديد النزال، ونجحّها بصدق الوعيد في سبيل الاعتزال، رأينا بأوا لا يظاهر إلا بالله تعالي ولا يطال، وممنّعة يتحاماها الأبطال، وجنابا روّضة الغيث الهطال، أما أسواقها فهي التي أخذت النجد والغور، واستعدّت بجدال الجلاد عن البلاد فارتكبت الدّور «٢١» ، تحوز بحرا من العمارة ثانيا، وتشكّك أن يكون الإنس لها بانيا، وأمّا أبراجها فصفوف وصفوف، تزين صفحات المسايف منها أنوف، وآذان لها من موامغ الصخر شنوف، وأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، فصدقها المسلمون القتال بحسب محلّها من نفوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلالة تحجب الشمس فلا يشرق سناها، وعرجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها، ونفوسها أنقابا، وحصونها عقابا، ودخلوا مدينة إلبنة «٢٢» بنتها غلابا، وأحسبوا السيوف استلالا والأيدي اكتسابا «٢٣» ، واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجبن، البالغة المنن، فأخذهم الهول المتفاقم، وجدّلوا كأنّهم الأراقم، لم تفلت منهم عين تطرف، ولا لسان يلبي من يستطيع الخبر أو يستشرف.
«ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سوارا على سورها، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها، وأدنوا إليها بالضّروب من حيل الحروب، بروجا مشيدة، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة، وخفقت بنصر الله تعالى عذبات الأعلام، وأهدت الملائكة مدد السلام، فخذل الله تعالى كفّارها، وأكهم «٢٤» شفارها، وقلّم بيد قدرته أظفارها، فالتمسوا الأمان للخروج، ونزلوا على مراقي العروج، إلى الأباطح والمروج، من سمائها ذات البروج، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض، تذكرة بيون العرض، وقد جلل المقاتلة الصّغار،
стр. 1120
وتعلّق بالأمان النساء والصّغار، وبودرت المدينة بالتطهير ونطقت المآذن العالية بالأذان الشهير، والذكر الجهير، وطرحت كفّارها التماثيل عن المسجد الكبير، وأزرى بألسنة النواقيس لسان التهليل والتكبير، وأنزلت عن الصروح أجرامها، يعيى الهندام «٢٥» مرامها، وألفي منبر الإسلام بها مجفوّا فأنست غربته، وأعيد إليه قربه وقربته، وتلا واعظ الجمع المشهود، قول منجز الوعود ومورق العود وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
فكان الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأرماق، وارتفعت الرغبات، وعلت السيئات، وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثقال، وينسلون من أحداب الاعتقال، ففكت عن سوقهم أساود الحديد، وعن أعناقهم فلكات البأس الشّديد، وظلّلوا بجناح اللطف العريض المديد، وترتبت في المقاعد الحامية، وأزهرت بذكر الله تعالى المآذن السامية، وعادت المدينة لأحسن أحوالها، وسكنت من بعد أهوالها، وعادت الجالية إلى أموالها، ورجع إلى القطر شبابه، وردّ على دار الإسلام بابه، واتصلت بأهل لا إله إلّا الله أسبابه، فهي اليوم في بلاد الإسلام قلاده النحر، وحاضرة البرّ والبحر، أبقى الله تعالى عليها وعلى ما وراءها من بيوت أمتك، ودائع الله في ذمتك، بكلمة دينك الصالحة الباقية؛ وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول، وهجّيرا الشروق والأفول، والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد، ما امتدّ بالأجل الأمد، والمستعان الفرد الصمد.
«ولهذا العهد يا رسول الله صلى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، بلغ من هذا القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذل من ادّرعه، ولا يضل من اهتدى بالسبيل الذي شرعه، إلى أن لا طفنضا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التماثيل بيوت الله تعالى ونصبها، فانجاب عنها بنورك الحلك، ودار بإدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك، فوجبت مطالعة مقرّك النبويّ بأحوال هذه الأمة المكفولة في حجرك، المفضلة بإدارة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك، وهل هو إلا ثمرات سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبّك، ورضاك الكفيل برضي ربّك، وغمام رعدك، وإنجاز وعدك، وشعاع من نور سعدك، وبذر يجنى ريعه من بعدك، ونصر رايتك، وبرهان آيتك، وأثر حمايتك ورعايتك.
«واستنبت هذه الرسالة مائحة بحر الندى الممنوح ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح، وفارعة المظاهر والصروح، وملقية الرحل بمتنزل الملائكة والروح، لتمدّ إلى قبولك يد استمناح، وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح، ثم تقف موقف الانكسار، وإن تجرها آمنا من
стр. 1121
الخسار، وتقدم بأنس القربة، وتحجم بوحشة الغربة، وتتأخّر بالهيبة، وتجهش لطول الغيبة، وتقول: ارحم بعد داري، وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وخلوّ أعطاني، وقلة زادي، وفراغ مزادي، وتقبّل وسيلة اعترافي، وتغمّد هفوة اقترافي، وعجّل بالرضى انصراف متحملي لانصرافي، فكم جبت من بحر زاخر، وقفر بالركاب ساخر، وحاش لله تعالى أن يخيب قاصدك، أو تتخاني مقاصدك، أو تطردني موائدك، أن تضيقض عني عوائدك، ثم تمدّ مقتضية مزيد رحمتك، مستدعية دعاء من حضر من أمتّك، وأصحبتها يا رسول الله عرضا من النواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تعيق الإقامة والأذان، وتسمع الأسماع الضالة والآذان، ممّا قبل الحركة، وسالم المعركة، ومكّن من نقله الأيدي المشتركة، واستحق بالقدوم عليك والإسلام بين يديك السابقة في الأزل البركة، وما سواها فكانت جبالا عجز عن نقلها الهتدام، فنسخ وجودها الإعدام، وهي يا رسول الله جنى من جنانك، ورطب من أفنانك، وأثر ظهر علينا من مسحة حنانك.
«هذه هي الحال والانتحال، والعائق أن تشدّ إليك الرحال، ويعمل الترحال، إلى أن نلقاك في عرصات القيامة شفيعا، ونحلّ بجاهك إن شاء الله تعالى محلّا رفيعا، ونقدم في زمرة الشهداء الدامية كلومهم من أجلك، الناهلة غللهم في سجلك، ونبتهل إلى الله تعالى الذي أطلعك في سماء الهداية سراجا، وأعلى لك في السبع الطباق معراجا، وأم الأنبياء منك بالنبي الخاتم، وقفى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك، ولا يسدّ في وجوهها أبوابك، ويوقفها لاتباع هذاك، ويثبت أقدامها على جهاد عداك، وكيف تعدم ترفيها، أو تخشى بخسا وأنت موفّيها، أو يعذبها الله تعالى وأنت فيها؟
وصلاة الله وسلامه تحط بفنائك رحال طيبها، وتهدر في ناديك شقائق خطيبها، ما أذكر الصباح الطّلق هداك، والغمام السّكب نداك، وما حنّ مشتاق إلى لثم ضريحك، وبليت نسمات الأسحار عمّا استرقت من ريحك، وكتب في كذا» انتهت الرسالة، وفيها ما لا خفاء به من براعة لسان الدين، رحمه الله تعالى وقدّس روحه الطاهرة، آمين.
ومن المهم أن نعرف أن رسالة السلطان أبي عنان وقصيدته كذلك تركت صدى كبيرا في المشرق الأمر الذي يفسره أن صاحب كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون تحدث عن كتاب يحمل اسم الدرة السنية والرسالة النبوية، وقال عنها: أنها رسالة لأبي عنان فارس ملك المغرب ...
стр. 1122
وقفية المدرسة البوعنانية بداخل فاس
وفي حديثه (٣٥٢ -IV) عن المدرسة الكبرى المعروفة بالمتوكلية ينبغي أن نعرف أن هذه المدرسة تعتبر مؤسسة حضارية فائقة لا بما تضمه من العدد الكثير من الغرف التي تؤوي الطلاب، ولكن بما اشتملت عليه من تجهيزات وبما فاقت به المدارس الأخرى أيضا حيث إنها اشتملت، بالإضافة إلى رواقين متقابلين للدرس، على صومعة تشرف على المدينتين: فاس القديم وفاس الجديد، وعلى قاعة للصلاة ازدانت بمنبر رائع بديع ... كما اشتملت على ساعة مائية كانت حديث الكتاب والشعراء ردحا من الزمان، نصبت قبالة باب المدرسة الرئيسي في شارع الطالعة الكبرى غير بعيدة عن دار الوضوء التي تعدّ بدورها متحفا رائعا لأنها تنسيك وأنت تتجول ببصرك في قبتها أنك في بيوت لم يأذن الله برفعها! وقد روى أنّ السلطان أبا عنان وقد أطلعه المهندس علي المصاريف الباهضة التي انفقها لم يستكثر تلك الأرقام بل مزق الأوراق ورمى بها في الساقية التي تخترق المدرسة متمثلا بالبيت القائل:
ليس لما قرّت به العين ثمن ... لا بأس بالغالي إذا قيل حسن!!
وهذا هو نص أسماء الأوقاف المرصودة لسير المدرسة منقوشة على رخامة مغروسة في الجدار هناك حتى يقف عليها الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم أمر بانشاء هذه المدرسة المباركة السنية المسماة بالمتوكلية المؤسسة على تقوا من الله ورضوان المعدة لتدريس العلم واقراء القرآن الممفضة بإقامة فرض الجمعة المخصوصة بالمرافق الشاملة والمحاسن المستبدعة مولانا الخليفة الامام حنسة الأيام وناصر الإسلام، المجاهد في سبيل الله، المضفر بمعونة الله، العالم العامل، الصالح العادل، الفنت الأوّاب، صاحب الحرب والمحراب، أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، المتوكل على الله أبو عنان، فارس ابن مولانا الإمام العادل، الفاضل الكامل، الأروع، الأخشى لله الأخشع، أمبير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا الإمام الطاهر، المؤيّد الطاهر وجواد الاجواد، واسد الاساد وأمير المسلمين وناصر الدين والمجاهد في سبيل رب العالمين وأبي سعيد ابن مولانا الإمام العابد والفانت الزاهد والذي اعزّ الإسلام جهاده، المبرور وكرم في سبيل الله اثر اجتهاده المأثور، أمير المسلمين وناصر الدين والمجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف بن عبد الحق وصل اله تعالى، لمقامه العلي أسباب التاييد والتمكين، وسناله النصر العزيز والفتح المبين وجعل الخلافة كلمة باقية في عقبة إلى يوم الدين وجزاه عن الإسلام والمسلمين أفضل جزاء المحسنين، فصد ايده الله تعالى ببنائها وجه الله تعالى، في احياء رسوم العلوم وتجديد العناية بالمنقول والمفهوم، ابتغاء حسن الثواب على تجليد أعمال
стр. 1123
البر واجراء الصدفات الباقية بفاء الدهر والله تعالى ولي المثوبة ومجزل الاجر حبسى ايده الله على هاذه المدرسة ارفاقا لطلبة العلم، وارفادا واعانة بهم على طلبه واسعادا جميع ما ينقسم من الربع وذلك الحمام المعروف بحمام الشهارة والدويرة المتصلة من حقوقه بأعلى حلق النعام فبلي المدرسة المباركة، والرحا المتصلة بالمدرسة من جهة الشرق والرحا الثانية المعروفة برحا الحطا بين التي بها معدة الماء المجلوب منها الماء إلى المدرسة ودار الوضو بها والفرز الذي بالزنقة الفاصلة بينه وبين المدرسة والروال الاثنان احدهما بالزنقة جنب الفرز وتتصل بدار الوضوء المذكورة واربع وسبعون حانوثا كلها بالقرب من المدرسة بحقوق ذلك كله ومنافعه أجمعها اليصرف فوائده في اصلاح المدرسة ومرتبات، المقرئين والطلبة والقوامين بها تحبيسا تاما ثابت الحكم لا تبديل لرسمه ان شاء الله تعالى وكان ابتداء بنائها في الثامن والعشرين لشهر رمضان المعظم عام واحد وخمسين وسبعمائة والفراغ منه في آخر شعبان المكرم عام ستة وخمسين وسبعمائة وكان بناوها علي يدي الناظر في الحبس بحضرة فاس حرسها الله تعالى أبي الحسين بن أحمد بن الأشقر وفقه الله تعالى والحمد لله كثيرا وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم وعلى آله وسلم.
حول الحديث عن الزّاوية المتوكلية خارج المدينة
حول حديثه عن (الزاوية العظمى) التي بناها خارج فاس (٣٥٣ -IV -٨٤ ,I) والتي التبست على معظم الناس بالمدرسة العنانية نسوق ما يلي نقلا عن ابن الحاج النّميري والمقري ...
وعلى إثر رجوع مولانا أيّده الله من حركته الجميلة الآثار، واستقراره بحضرته العلية التي هي مطلع الأنوار، ومطرح أشعة المجد والفخار، تخلّصت الزاوية العظمى التي أمر أيّده الله ببنائها على غدير (الحمّص) الذي أنسى وادي حمص، وأطلعها بشاطئه مجموع كمال لا يعرف النقص وروضة أذهان فحصت عن المحاسن فلزمت الفحص.
وما الذي أقوله في زاوية أعجز وصفها كل بليغ، وأثنته وكأنه بحيات الأقلام جد لديغ.
فشغر الشعر به مكبوت، والنثر وإن فاق النثرة به ممقوت. فهي أعجوبة المغرب والمشرق، ومنشأ أحاديث الهشيم والمعرق مصنع طأطأت له المصانع رؤوسها، ومبنى استصغرت به المباني الشامخة نفوسها. قد اختطت في أرض وطئة الأكناف، متخيّرة للمنزل المنيف والروضة الميناف. فتأسّست على أثبت القواعد، وقامت شامخة المراقي والمصاعد. راسخة أقدام حيطانها، ظاهرة بركات استنباطها. منفسحة الساحة، متلقية الواردين براحتي الراحة. مبيضة كأنما أشكالها الصباح الصباح. صحيحة جسوم البناء لكن تسري بها من
стр. 1124
روضها المجاور الأرواح. أحسن من الوشي اليماني تنميقا، وأبدع من حلتي الغواني جمعا وتفريقا قد قام بقبليها على العادة جامع للمحاسن جامع. ومسجد يتحيّر فيه راء ويعجّب فيه سامع. قد لبست سقفه من الزخارف حللا. وجرت ذيل الإبداع والإتقان فضلا. وأزرت شمسا بالبدور وأبدت وجوه الابتهاج. وتلقت أعراب البدائع من الزجاج.
وتقابلها بالجوف قبة صعدت ف الجو، وتنزّه كمالها عن الليث واللو. وارتفعت ارتفاع النسر الطائر. وجمعت بين الحسن الباطن والحسن الظاهر.
وتدور بهذه الزاوية المباركة من جهاتها الأربع براطل بديعة الاختراع. متقابلة الأشكال والأوضاع. قد قامت سواريها كأنها عرائس تجلي. وبأرضها من الصنائع ما هو أبدع من حللهن التي تبلى.
وقد امتد من الجامع إلى القبّة صهريج بديع الطول والعرض. يلتفت عن زرق كأنّما عيونه عيون للأرض. ينسخ به الرياح دروعا لكنها فارسية ولربما جاءت بها المياه رافضة القياس كأنّما ظاهرية داودية.
وبشاطئي هذا الصهريج أسدان لم يغل التبر، حين نفق منهما الصفر، ولم تبأ الزهر، حين طلع أمامهما الزهر. للماء على أفواههما تحدر، وللحباب أمامهما تحيّر وللحصا خيفة منهما تستر. من كل ثقيل على النفوس خفيف. قد سخر للصالحين وشرف أحسن تشريف.
وعظم بمحله إيناس. فكأنما عرينه كناس وفي طي ذلك للتنعّم أنواع وأجناس.
وفي كل ركن من أركان هذه الزاوية باب يشرع إلى دار بديعة البناء، متناسبة الأجزاء، مكملة المنافع. منيعة المصاعد والمصاعد والمطالع. إلّا الباب الذي بالجوف الموالي إلى جهة الغرب فإنه يشرع إلى دار وضوء أطردت فيها مياه، وطابت لميازبها أفواه. وخرجت بها خطايا المتوضي مع آخر قطر الماء. فعاد نقيا من الذنوب إلى إخوانه الصلحاء مخلصا لمولانا أمير المؤمنين في الدعاء. شاكرا لتهممه بالفقراء وأبناء السبيل المشتاقين إلى الأوطان والأبناء. والمستضعفين الذي قصدوا جنابه الذي استهميت به سحائب النعماء، واستنسقت غمائم الآلاء.
والديار الثلاث المذكورة إحداها معينة لإمام هنالك، والأخرى للمؤذّن الذي يسلك في إقامته شعائر الدين المناهج الواضحة المسالك. والثالثة للناظر في الأوقاف والأحباس، المتصرّف في إعداد الطعام وترتيب الناس.
стр. 1125
ويتصل بهذه الزاوية دار معدّة لنزول الواردين. مفتحة أبوابها للوفود القاصدين، وتقابلها دار أخرى معدّة للطبخ، واستمجاد العفار والمرخ. لا تخمد بها نيران القرى. ولا تزال مشبوبة لذوي النوائب والسرى.
وللزاوية والدارين المتصلتين بها باب عظيم في جهة الشرق. ناظر إلى الحضرة العلّية التي هي مجمع الخلق. وبمقروبة منه الصومعة التي كادت تزحم الكواكب، وتبلغ السحاب فتدر غيوثها السواكب. وهي من أحسن الصوامع صنائع وأعظمها بأشغال الزليج الملون بدائع. تفوق بمحاسنها الرائقة الرائعة الديباج. وتنسى بتفافيحها المذهبة السراج الوهّاج.
أعلى الله كلمة من أعلاه إظهارا للدين. وجعل أيّامه خليفة الأمنة والتهدين. ونفعه بأعماله الصالحة التي شهدت بسلامة القلب وصحة اليقين بمنّه ويمنه.
ويتصل بهذه الزاوية المباركة من جهة الغرب واتلجوف روض أريض، لقداح الحسن مفيض. قد رمى كتاب تربه بالأثقال، وضمن منها سطورا بديعة الجمال وشغلت أفكار أرضه بالأصول، وصار من حيطانه في حكم المعقول. حتى أبهج أولي الأحكام، وأبدى المحاسن المشتركة الإلزام. وأخرج الأشجار من زهره في أبدع نصيف. وترك الريح تصلي من نوره في درع حصيف. فالأغصان تميل على جوانبه حبا. والماء يجري إلى ملاقاته صبا، وبنات المزن تصاحب منه أبا.
وبغربي الزاوية صهريج عميق. للماء في جنباته لعب وتصفيق.
- ذكر السانية وأوصافها المتباينة:
وقد قامت بإزائها سانية بديعة الأشكال. لا تشكو في حبّها بتقطّع الأوصال. كريمة كأنما علمها بنوبرمك البذل، فهي تصاحب في قعر بيها جعفرا وتطلع لنا الفضل. بديعة النغمات ولا غزو فيه الميلاء. حنينها أشدّ من حنين مهيار إذا أبدت من روضة ظمياء. حسناء ليس التوقف من مذاهبها، ولا الإمساك من مآربها. بل حبلها بين الرجال على غاربها. فهي تجد وتفور، وتشرب وتدور. منزّهة عن الهنات، معدودة عند الروض في السابحات.
إلّا أنها أصابتها العين فهي باكية. ومن حمل المصاحب المفارق شاكية، قد دارت عليها الدوائر. وأدخل أصبعه في عينها الزائر.
أستغفر الله بل هي الجارية المبرورة، الضاحكة المسرورة. المنشرحة الصدر. الطالعة في الهالة كالبدر. إذا نادت بمائها فهو المنادى المرفوع. وإذا أتت في أبياتها بوتد فهو المجموع. وتبهج الفقراء بمحاسنها المتوالية، وترسل إليهم ماءها فلا تنكر مجيء السائل إلى
следующие страницы →