Полный текст (1 410 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد كان في صدر ما أثار انتباهنا حقا تلك الطّفرات والقفزات التي سجلت على الرجل في بعض المناطق التي كنا نصحبه فيها مرحلة مرحلة. كنا نشعر في بعض الأحيان وكأنه ركب طائرة ليحلّق فيها من محطة إلى أخرى بعيدا عن الأنظار، وكم بذلنا من جهد حتى نتعرف على خطوط سيره!! لقد انشغل عن تعداد المراحل عند ما انتقل من بغداد إلى تبريز عاصمة الإيلخان، ولعل مصاحبته للسلطان أبي سعيد كانت وراء اختفاء شخصيته، فانشغل بغيره عن نفسه، وكثيرا ما يحدث هذا ولا ينبّئك مثل خبير! وكذا كان حاله فيما بين ماردين وبغداد ...
ومن الوثبات المحيّرة التي لم نعرف لها طريقا الوثبة التي كانت له من جنوب الروسيا إلى شمال تركيا. هل وصل صحبة الخاتون عبر الصحراء أو عبر الدانوب؟ لقد اختفت شخصيته رفقة الاميرة أيضا. ومن ميلاس غربا جنوب الأناضول إلى قونية شرقي شمالها، ثم من أرز الرّوم شرقا إلى برگي غربا، لم نستطع تقفي أثاره، وهو في شرق إفريقيا أيضا، لم نستطع مصاحبته وهو يتحرك من كلوة إلى ظفار بحرا. «٢»
وفي طريق ابن بطوطة من مكة صحبة الأمير البهلوان عن طريق المدينة حتى يصل للعراق عن طريق حصن فيد- وهو الحائل- انشغل أيضا عن تناول القلم والورق على نحو ما كان منه وهو يرافق ركب السلطان أبي سعيد من بغداد إلى تبريز، وركب الخاتون إلى القسطنطينية العظمى.
وهو في الأردن سلك طريقه من الجيزة إلى بصرى الشام، وهو طريق غير مسلوك اليوم. ولو أنه سافر على الطريق المألوف لكان عليه أن يجتاز على عمان قصبة البلقاء، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية حاليا على ما يؤكده الزميل الأستاذ الدكتور ناصر الدّين الأسد في بحثه المقدم إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورة ١٩٩٦.
وقد لاحظ زميلنا الراحل السفير خليل الله خليلي وهو يتحدث عن ابن بطوطة في أفغانستان طفرة الرحالة من بلخ إلى أن وصل إلى هرات وتساءل أيّ طريق سلكه؟ هذا علاوة على وثبة بسطام إلى قندوز وبغلان «٣» .
وعند ما عبر نهر السند مع علاء الملك إلى العاصمة لاهري من الحدود الشمالية الحالية وفي اتجاه جنوب البلاد، هناك لم يستوعب المحطات النّهرية التي كان يمر بها. وهو في شرق
стр. 107
الصّين ابتداء من مضيق فرموزة وعبر النهر الأعظم والنهر الأصفر وآب حياة ... كان كسولا في تتبع محطات سيره ولكأنما كانت الصين صحراء قفراء. لا ذكر لبعض الأطعمة الصينية وأشربتها وفي صدرها الشاي الذي كان انتشر على ذلك العهد «٤» . لكن الوثبات الكبرى هي التي سجلت عليه وقد قرر أن يعود إلى بلاده المغرب عندما أنهى زيارته للصين ورجع من حيث أتى دون تدقيق ولا تفصيل. فمن مدينة الزيتون حيث عشرات الجنوك ... عبر الجاوة ثم طوالسى وسمطره حيث حضر أعراس الأمير ولد الملك الظاهر في الجاوة، ثم إلى ظفار، وفارس والعراق، ثم الحج السادس والأخير قبل أن يعود إلى المغرب ... كان يمر سريعا وكأن وراءه ما يمنعه عن الاسترسال في الحديث.
وقد لاحظ گيب ومعه هربك أن أمير شيراز لا يمكن أن يكون عام ٧٢٧- ١٣٢٧ هو أبا إسحاق ابن محمد الذي إنما حكم من عام ١٣٤٣ إلى عام ١٣٥٧. وهكذا نجد مرة أخرى أن الرحالة المغربي يمزج مشاهداته عند الذهاب بمشاهداته عند الإياب ... !
وعند ما يذكر ابن بطوطة أنه زار هرمز عام ٧٣١- ١٣٣١ يعقّب هربك أيضا بأن الرحالة المغربي إنما زار هرمز عند عودته من الهند والصين عام ١٣٤٧! وعند ما وصل ابن بطوطة لمدينة (العلايا) أول بلاد الروم أمسك هربك بتلابيبه وضبط بالعدّ والحساب أنه زار ٢٩ محلة في انطالية انطلاقا من العلايا حوالي فاتح ربيع الثاني ٢٠ ٧٣٣- دجنبر ١٣٣٢. وقد حاول العالم التشيكي أن يقوم هو بإعادة تمثيل خط السير فاصطدم بمصاعب وتناقضات ... !!
وعند ما تحدث ابن بطوطة عن استشهاد الأمير عمر بك ابن سلطان يزمير، عقّب گيب على ذلك بأن الأمير قام بغزوته الأولى في الدردنيل عام ٧٣٢- ١٣٣٢، وقد لقي حتفه في شهر مايه ١٣٤٨- محرم ٧٤٩، وهكذا فإن ابن بطوطة لم يمكنه أن يعلم باستشهاده الّا عند العودة من سفره ...
وقد بيّن هربك أن ابن بطوطة- وهو في سوريا- ذكر أنه زار أكثر من عشرين موقعا خلال شعبان ورمضان ٧٢٦ يوليه، غشت ١٣٢٦ ... وهذا غير مقبول، ولا معقول! وهو الأمر الذي يؤكد أن الرحالة المغربي كان يخلط بين زياراته للأماكن في المرة الأولى والثانية.
وقد حاول بعض الباحثين أن يشكّك في أمر وصول ابن بطّوطة إلى اصطنبول لكن
стр. 108
معظم الذين اشتغلوا بالرحلة لا يرتابون إطلاقا في وصول الرحالة المغربي للقسطنطينية العظمى.
وعلى نحو ذلك شكك بعضهم، من أمثال الدبلوماسي الشهير كابرييل قيران، في زيارة ابن بطوطة للصين، إلا أن كثيرا ممّن عالجوا هذا الموضوع كانوا مقتنعين بأن الرجل زار فعلا تلك الدّيار، «٥» وأن الصينيين أنفسهم لا يشكون في ذلك. وخلال المحاضرة التي ألقيتها هناك في جامعة پكين، قسم الدراسات الشرقية. صيف ١٩٨٨ كنت أشعر بأنني أمام عدد من المثقفين الذين كانوا يدينون للرحالة المغربي بالكثير من المعلومات الأصيلة التي انفرد بها عما سواه ممن تحدثوا عن تاريخ الصين وأسطول الصين بمن في أولئك ماركوبّولو! وقد وضعوا خرائط لزيارته لبلادهم وهم يرددون اسمه على أنه رائد من روّاد الصّين الكبار ...
وتبقى هناك- مع هذا- بعض المواخذات التي تستوقفنا حقّا:
الأولى: قضية حضور ابن بطوطة لمجلس تقيّ الدّين ابن تيمية وهو بدمشق بعد أن كان وصلها يوم الخميس ٩ رمضان ٧٢٦- ٩ غشت ١٣٢٦ فقد أخبر أولا عن سجن ابن تيمية وإطلاق سراحه، ثم أخبر أنه وقع منه مثل ما استوجب سجنه أولا فسجن مرة ثانية وقال: إنه حضر يوم الجمعة وشاهد ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، وإنّ من جملة كلامه: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء إلى آخر الحكاية ... مع العلم أن ابن تيمية أودع في السجن منذ سادس شعبان ... أي قبل وصول الرحالة إلى دمشق «٦» !! فكيف يصحّ قول ابن بطوطة هذا مع تلك الفقرة التي نسبها لشيخ الإسلام في تفسيره لحديث النزول بما هو من قول المجسّمة المخالف لمذهب السلف الذي يعد ابن تيمية قطبا من أقطابهم؟
ونعتقد أن أحسن ما يمكن الجواب به عن هذا الانتقاد ما عقب به زميلنا الراحل الأستاذ عبد الله كنون ﵀ من أن الخبر وقع فيه تزيّد من خصوم ابن تيمية فرواه رحالتنا على علاته ... ولم يخف الأستاذ گنون شكوكه في صنيع الكاتب ابن جزي الذي يجوز أنه توهم حضور ابن بطوطة للواقعة المزعومة «٧» .
стр. 109
وقد وقفت في كتاب نيل الديباج لأحمد بابا السوداني (ت ١٠٣٢- ١٦٢٣) عند ترجمة أبي زيد عبد الرحمن وترجمة أخيه ابي موسى عيسى ابنى الإمام البرشكي أنهما رحلا إلى المشرق وناظرا تقي الدين ابن تيمية الذي كانت له مقالات يحمل فيها حديث النزول على ظاهره، وقوله فيه" كنزولي هذا"، قال صاحب الديباج وهذه الزيادة أعني قول" كنزولي هذا" اثبتها ابن بطوطة في رحلته ... «٨»
الثانية: هي تلك التي أثارت الكثير من التعاليق: وهو سفره إلى مدينة بلغار التي سمع بها وهو بحضرة السلطان محمد أوزبك خان حتى يرى ما ذكر له عنها من تناهي قصر الليل بها وقصر النهار أيضا في الفصل المعاكس، وانه طلب إلى السلطان مساعدته للوصول إليها وكان بينها وبين محلة السّلطان مسيرة عشرة أيام.
إن المسافة بين الموقعين ألف وثلاثمائة كيلوميتر، فكيف يصل إليها المرء في عشرة أيام؟ ولم يشفع لابن بطوطة ما نعرفه عن الإمكانات المادية للسلطان والتي من شأنها، كما خبرنا ذلك، أن تتجاوز المعروف عند الإنسان العادي، ولهذا أصر المعلقون على أن هذه المعلومة تحتاج إلى ما يدعمها ...
أما المؤاخذات الأخرى الباقية فكانت تتصل ببعض الحكايات التي تتسم بالمبالغات التي لا يقبلها العقل، ونذكر على سبيل المثال حكاية ابن بطوطة عن الغواصين الذين يبحثون عن اللؤلؤ في الخليج فيما بين ميناء سيراف والبحرين. فقد ذكر أن في الغواصين من يصبر الساعة والساعتين في الماء ... مع العلم أنه لا يمكن تجاوز سبعين إلى مائة ثانية ... وقد كان زميلي الراحل الشيخ عبد الله الأنصاري القطري يحكي لي- وهو ممّن زاولوا الغوص- أن الغواصين كانوا يتنافسون في مدى التحمّل وقد نبّهني إلى أن قصد ابن بطوطة ليس هو الغوص تحت الماء طوال تلك المدة ولكن القصد إلى أنّ عملية النزول إلى عمق البحر والصعود منه تستمر تلك المدة. وهذا ما وجدته في بعض الترجمات الجديرة بالثقة، وهو ما تؤيده شهادة السيدين، جمعة الماجد وسيف الغرير، وكانا أيضا من رجال الغوص ...
ولا بد أن نذكّر هنا بأن ابن بطوطة هو الذي كان بين الفينة والأخرى يشعر بأن بعض ما يرويه قد لا يقبل من لدن بعض العقول فيقول مثلا- وهو يتحدث عن مزاعم الناس حول شجرة (درخت روان) - «ولهم في شأنها أكاذيب يحيلها العقل» وقال عن مزاعمهم حول
стр. 110
مفعول أوراقها- وهي شجرة في سرنديب:" قالوا إن من تناولها عاد له الشباب وهو باطل!! وقال، وقد سمع الناس يتناقلون حديثا غريبا" لم أذكره خيفة مكذّب به". وقد سخر بعضهم من روايته لرؤية بعض النساء بثدي واحد بينما طالعتنا صور الأحداث اليوم بوجود إنات لهن ثلاثة اثداء!! ملاحظة أخيرة: كنا نشعر بوجوده في مكان ما من الأمكنة لكنه لسبب أو آخر يفقد قلمه ويعطل ذاكرته فلا يحفل بما كان ينبغي له أن يحفل به على ما أشرنا، وهكذا ففي أثناء وجوده بمصر أهمل ذكر جامع ابن طولون الذي تحدث عنه معظم الرحالة المغاربة ولا سيما وقد كان للمغاربة فيه" مأوى يسكنونه ويحلقون فيه حيث تجري النفقات عليهم في كل شهر" على حدّ تعبير ابن جبير ...
هذا إلى اهمال ذكر رواق المغاربة في الأزهر الشريف. ورواقهم- وهذا مهم- في القدس، وقد تحدث عنه علوي في كتابه (سفرنامه) ، ولم يتحدث وهو في سلا عن الجامع الأعظم في الوقت الذي تحدث فيه عن حسان التي لم يصعدها على نحو ما فعل في الكتبية.
وابن بطّوطة الذي تحدث عن الزيتونة والأزهر لم يلفت نظره جامع القرويين الذي كان كعبة لكبار العلماء وكذا عيون الطلاب الذين كانوا يسكنون في المدارس التي تحف به: مدرسة الصفارين والعطارين والمصباحية علاوة على إهماله البيمارستان الذي يسهر على علاج الناس والذي كان موجودا بفاس على ذلك العهد.
وابن بطوطة في الأندلس أهمل ذكر الجامع الأعظم في رندة التي كانت عاصمة الأمير أبي مالك ابن السلطان أبي الحسن ...
لكنّ الحقيقة التي ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا ونحن نتتبع تلك التعقيبات هي أن تلك" التقييدات" التي جمعها ابن بطوطة قرابة ثلاثين سنة قام ابن جزي" بتلخيصها" في أقلّ من ثلاثة شهور. ومتى كانت ثلاثة شهور كافية لتغطية تلك الأعوام واستيعاب ذلك العدد من الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية التي مرت بذاكرة الرحالة عبر تلك الأحقاب؟! يقوم أحدنا في العصر الحاضر برحلة في أمد معروف البداية والنهاية ولا يذكر بعد مرور بضعة أسابيع من رحلته بعض الأسماء التي مرت به فيأخذ في الاستنجاد برفاقه في الطريق!! وأعتقد أن ابن جزي كان مستعجلا أكثر مما ينبغي في أداء مهمته، وربما كان مشغولا بمشكل صحي طارئ عليه وهو الأمر الذي عرّضه للتصرّف، ودفع به إلى الاستغناء كلية عن بعض" التقاييد. ولا ندري هل كان ابن بطوطة يجلس إلى جانب ابن جزي ليراجع هذا" التلخيص" بعد تحريره ليعطي رأيه فيه؟ مهما يكن فإن بعض التّبعة تقع على الظرف القصير الذي حدد للقيام بالمهمة ...
وإذا ما أضفنا إلى استعجال ابن جزي عنصرا ثانيا قرأناه في أثناء الرحلة، وهو
стр. 111
الحسرة الجارحة التي كانت تحزّ في ابن بطوطة وهو يتحدث عن السّطو الذي تعرض له في الجزيرة الصغرى التي تقع بين هنور وفاكنور حيث سلبه القراصنة جميع ما عنده من جواهر ويواقيت، حتى الثياب والزّوادات، وبالرغم من القيمة المادية الهائلة لما افتقده في هذه الحادثة، فإنه نسى كلّ تلك الثروات وكلّ تلك التحف ولم يبق عالقا بذاكرته إلا" التقييدات" التي كان يودع فيها معلومات عن الشخصيات التي تعرف عليها وعن التصانيف التي ألفتها تلك الشخصيات! ولم ينتظر للتعبير عن حزنه على ضياع تلك المذكرات الظرف الزمني الذي وقع فيه الحادث، ولكنه. والمذكرات امر ذو بال يشغله- استعجل بذكر ذلك عند ما كان يتحدث عن علماء بخارى على ما سنرى ...
وينبغي أن نضيف إلى كل هذا أيضا مشاكل الترجمة التي لم يفته هو التنصيص على بعض أخطائها، فقد كان يتلقى أخبارا من المترجمين والمرشدين الذين يجدهم أمامه ليستعين بهم فيما يطلب من معلومات كان يرويها كما سمعها. فلقد قيل له- وهو في بيزنطة- عن النبي إلياس الذي ينطق به عندهم Elie فظنه عليّ ... واستغرب هو من ذلك!! ولكن المهم بعد هذا وقبل هذا أن سائر الذين، تعقبوه وانتقدوا بعض مقاطعه وفقراته أجمعوا على إكباره وتقديره، وعلى براعته في طريقته لجلب القراء بما كان يختاره من بديع النكتة ودقة التعبير، وبما كان يتخذه شعارا له من الصراحة في القول مما قد لا يجرؤ أحدنا اليوم على الجهر به. فهو يواجه الأمراء بما قد لا يرضيهم، وهو ينصف المستحقين منهم ولو أنه كان بعيدا عنهم، وهو في الأخير متحفظ فيما يرويه إذا لم يكن مقتنعا به حيث نجده «يخرج عن العهدة بما يشعر من الألفاظ بذلك» على حدّ تعبير ابن جزى الذي عرفه حقّ المعرفة. لقد كانوا جميعا يتفقون على أن ابن بطوطة هو الرحالة الأمين الذي كانت مذكراته تتميّز عن غيرها بما يحسه القراء ولا يستطيعون التعبير عنه سواء أكانوا يعيشون في أروپاأو آسيا أو إفريقيا.
стр. 112
النقوش كمصدر لابن بطوطة
وأحب أن أثير الانتباه هنا إلى عنصر في الرحلة كاف وحده للتأكيد على جدّيتها وصدق أخبارها، ويتعلق الأمر بالنقوش التي كان يقف عليها مكتوبة على لوحة خشبية أو قطعة من حجر أو رخام، فكان يسجلها ويحفظها، وقد أمست بالنسبة إلينا اليوم بمثابة وثيقة حية تؤكد ما كان يرويه الرجل قبل نحو من سبعة قرون! فإن المؤرخ قد يتأثر بما حواليه وبمن حواليه بينما تبقى الوثيقة المعاصرة أمينة شاخصة. ولقد لذّ لي أن أهتم بهذا الجانب من الرحلة وأن أقف بنفسي على مروياتها باعتبارها، كما قلت، دليلا لا يقبل الطعن سيما وبعض تلك النقوش ما يزال شاخصا للعيان.
وهكذا فقد قرأ ابن بطوطة على شاهد قبر الشيخ أبي الحسن الشاذلي اسمه ونسبه متصلا إلى الحسن بن علي وفاطمة الزهراء ﵉.
وقد كان فيما اكتشفه من خطوط ما قرأه على قبرية فاطمة بنت الحسين بن علي:
" هذا قبر أمّ سلمة فاطمة بنت الحسين ﵁" بينما قرأ في لوح آخر:" صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر" وتحت ذلك ثلاثة أبيات ...
وعند ما زار ابن بطوطة قبر النبي هود ﵇ شرقيّ مدينة تريم في حضرموت لاحظ أن القبر مكتوب عليه:" هذا قبر هود بن عابر ﷺ "، وهو ما يعتمده الحضارمة إلى اليوم.
وفي هذا الإطار ما قرأه على قبرية سعد بن عبادة، وما سجله وهو بمكة عن معالمها التاريخية مما يعتبر فيه ابن بطوطة حجة، سيّما بعد اختفاء تلك الآثار، هذا إلى ما علق بذاكرة الرّحالة مما قرأه في دمشق وفي عسقلان ومدينة البصرة وبغداد وسوريا.
ومن المهمّ أن نسمع ابن بطوطة- وهو الحريص على توثيق تلك المنقوشات- نسمعه يتحسر لضياع مذكّراته على نحو ما وقع بالنسبة لمقيّدات الهروي أثناء احتلال الروم للأراضي المقدسة «١» ! ويخبرنا بأنه كتب على قبر البخاري:" هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري وقد صنف من الكتب" كذا وكذا ... وكذلك كتبت على قبور علماء بخاري أسماؤهم وأسماء تصانيفهم." وكنت قيدت من ذلك كثيرا- يقول ابن بطوطة- وضاع مني في جملة ما ضاع لمّا
стр. 113
سلبني كفار الهند في البحر ... " وقد اهتم- وهو في بلاد السند والهند- بتقصي المنقوشات باعتبارها الرائد الذي لا يكذب أهله، فأخبرنا بأنه قرأ على مقصورة الجامع في ملتان التي أمر السلطان غياث الدّين تغلق شاه بعملها، قرأ:" إني قاتلت التتر تسعا وعشرين مرة فهزمتهم فحينئذ سميت بالملك الغازي «٢» " وقد اخبرنا كذلك بأنه قرأ على محراب الجامع الأعظم في مدينة دهلي تاريخ افتتاح المدينة من أيدي الكفار سنة ٥٨٤ هـ- (١١٨٨ م) ...
وقد أمكنه أن يسجل ما نقشه جلال الدّين أحسن شاه على صفحتي الدينار: (سلالة طه ويس أبو الفقراء والمساكين جلال الدنيا والدّين الواثق بتأييد الرحمن، أحسن شاه السلطان) .
ومما يجري مجرى النقوش نذكر بعض النصوص التاريخية التي حرص على تسجيلها مما يعتبر اليوم لدى المهتمين بها حججا يعتمد عليها، ونشير مثلا إلى النص التاريخي لجواب سلطان الهند على رسالة إمبراطور الصين هيّونتي (Hyunti) الذي طالب بترميم معبد بودى عتيق بقرب جبل الهيملايا في الموقع المعروف بسمهل، حيث نجد أن العاهل الهندي يكتب إليه قائلا:" إن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، والسلام على من اتبع الهدى" «٣» .
إلى غير هذا من الوثائق التي لم يغفلها بما فيها الكتابات باللسان الهندي على نحو ما قرأناه له وهو في مدينة تارنا الأثرية من بلاد السند.
وقد تعلقت نفسي بمتابعة هذه المعلومات في الرحلات التي قمت بها عبر الأنحاء التي زارها، وقد ذهبت بعيدا إلى جزر المالديف في المحيط الهندي لأعرف جليّة الأمر حول ما نقله ابن بطوطة في رحلته عما كان قرأه هناك" على مقصورة الجامع منقوشا في الخشب من أن سلطان هذه الجزائر أسلم على يد أبي البركات البربري المغربي" فعلا طلبت أن أقف على اللوحة المذكورة، فوجدت أنها نقلت من مكانها الأصلي وعوضت بقطعة حديثة حاولت أن تنقل ما كان في اللوحة الأصلية لكنها حرّفت كلمة أبي البركات إلى أبي الرّكاب! وكلمة البربري إلى التبريزي! ومن حسن الحظ أن اللوحة الأصلية
стр. 114
يحتفظ بها المتحف الوطني اليوم، ويمكن أن نقرأ فيها هذه العبارات بوضوح: ووصل في هذا البلد أبو البركات ... البربري وأسلم السلطان على يده في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة «٤» (يوليه ١١٥٣) .
والحديث عن علاقة المغرب مع المالديف بالأمس يسوقنا إلى التذكير بانعكاس تلك العلاقات على حاضرنا اليوم حيث شاهدنا لقاء فريدا من نوعه تسبّبه شهادة ابن بطّوطة «٥» .
стр. 115
الرحلة كمصدر لتاريخ العلاقات الدّولية
تتجاوز الرحلة محتواها كمجرد مذكّرات إلى أنها تعتبر مصدرا هاما من مصادر التاريخ الدولي ليس للمملكة المغربية وحدها، بل إنها مرجع أساس للتاريخ الدولي للعالم الإسلامي وعلاقات هذا العالم بعضه بعضا وعلاقاته مع العالم المسيحي بحيث إن رحلة ابن بطوطة تعتبر من هذه الناحية تاريخا لما أهمله التاريخ. وهكذا فمن خلال الرحلة استمعنا لابن بطوطة وهو يستعرض أمامنا أقطاب الدول الكبرى التي كانت تهيمن في عهده على معظم أطراف الدنيا، وكان عددهم سبعة: سلطان المغرب، وسلطان مصر والشام، وسلطان العراقين، وسلطان الترك، وسلطان تركستان وما وراء النهر، وسلطان الهند، وسلطان الصين.
ولقد وجدنا أن هناك بعض الثغرات المهملة من لدن بعض المؤرخين التقليديين فيما يتصل ببلاد المغرب يملأها الرحالة ابن بطوطة، مثلا حديثه عن مصادفته لسفارة من تونس في قصور بني عبد الواد وهي السفارة التي رافقها عند عودتها لتونس ...
وفي هذه المدينة (تونس) نقرأ حديثه عن ظهور العاهل الحفصي أبي يحيى أبي بكر في عيد الفطر ٧٢٥ شتنبر ١٣٢٥ وليس بعد هذا التاريخ كما يحكيه آخرون «١» ...
ومن هنا كان من المتعذر كتابة تاريخ هذه المغارب دون العودة إلى رحلة ابن بطوطة سواء عند ما كان ذاهبا للحج حيث كان هناك ثلاثة مغارب أو عند ما كان عائدا حيث كان هناك مغرب واحد تحت قيادة واحدة.
وعند ما يتحدث التاريخ عن العلاقات الأولى للمغرب مع الأتراك لابد أنّنا سنفاجأ بمعلومة طريفة تتحدث عن استقبال الرحالة المغربي من لدن الأميرة بيلون خاتون زوجة السلطان اختيار الدّين أورخان بك بن السلطان عثمان الأول الذي أصبحت تنتسب إليه الامبراطورية العثمانية التي دوّخت العالم بأسره.
وعلى صعيد علاقات المغرب بالمشرق أذكر أيضا الأصداء التي تركتها معركة مرج الصفّار التي وقعت في ثاني رمضان ٧٠٢- ٢١ أبريل ١٣٠٣ بين التتر وبين المماليك، بين الملك الايلخاني قازان وبين الملك الناصر. ومن خلال هذه الأحداث شاهدنا علاقات دولة المماليك بالمغرب عند ما بعثوا للعاهل المغربي بعدد من الهدايا الرمزية من الأكداش التي كان يستعملها التتر ... ووجدنا أن المغرب، بالمقابل، يبعث للمشرق بهدايا مماثلة: أجراس ضخمة انتزعها من كنائس الروم كردّ فعل لإتلاف هؤلاء لعدد من المنابر الإسلامية.
стр. 116
هذا أيضا إلى العلاقات التي ربطت مصر بافريقيا السوداء وخاصة بعد حجة إمبراطور مالي موسى ومقدم سراج الدّين بن الكويك على العاهل الإفريقي ...
وإذا تحدث التاريخ عن المراسم والتشريفات المتبعة في القصور فلابد أن يرجع إلى الرحالة المغربي وهو يؤدي وصفا دقيقا لامر المراسم بالهند عندما يتنقّل السلاطين وعند استقبالهم للأعياد وتنظيمهم للاستقبالات والحفلات واستعمالهم للسّرير الأعظم والمبخرة العظمى.
ومن خلال رحلة ابن بطوطة عرفنا عن ممالك أخرى كانت بالنسبة إلينا وراء الظل، مثلا عن انطاليا (بلاد الأناضول) وما احتوت عليه من إمارات توزعت الحكم هنا وهناك:
إمارات وممالك في الأناضول كان ابن بطوطة يخترق حدودها بدون تأشيرة. ومن خلال الرحلة عرفنا عن الدولة الأرتقية في ماردين شمال العراق وجنوب تركيا وقد استمرت طوال ثلاثة قرون. ولقد عرفنا، عن طريق الرحلة، عن علاقات جمهورية جنوة بآسيا الصغرى وبجنوبي الروسيا، وعلاقات هذه المنطقة بمماليك مصر ...
ومن خلال الرحلة سمعنا عن بطل من أبطال التاريخ الإسلامي: عمر بك الذي استمات في الدفاع عن وطنه وحاول جاهدا أن يفتح القسطنطينية قبل الموعد الذي نعرفه لفتحها، حيث التجأت الروم إلى البابا الذي عهد إلى جنوة وفرنسا بمساعدة القسطنطينية.
كثيرة هي المعلومات التي قدمها إلينا مما لم يكن معروفا حتى لدى ابناء البلاد المعنية بالأمر.
لقد حمل تلك المعلومات معه إلى بلاد المغرب بعيدا عن الرّقابة حيث تقدم اليوم لأصحابها حتى يضيفوها إلى ما عندهم.
وقد أصبح اليوم حديثه عن الحدود بين حكومة وأخرى وعن الإجراءات التي كان يقوم بها لدى الجهات المعنية حتى يؤذن له بالزيارة، أصبح ذلك حجة تتردد أصداؤها اليوم في المحافل الدولية على أنها تعني حقائق تاريخية ينبغي الاستئناس بها إن لم يمكن التمسك بها على ما سنشير إليه في التعاليق عند الاقتضاء.
وقد كشف ابن بطوطة عن دور الزواج السياسي في إحكام العلاقات بين أمة وأخرى، وقد عاش هو هذا التاريخ فرأى كيف أن سلطان قفجق يتزوّج بإحدى بنات أمبراطور القسطنطينية، ورأى أنّ ملك مصر يتزوج ابنة سلطان خوارزم، إلى آخر النظائر التي ذكرها.
وابن بطوطة هو الذي لفت نظرنا إلى مناهضة العنصرية من لدن بعض الحكام الهنود المستنيرين من الذين حرّموا في إقليمهم استعمال كلمة (الأجنبي) أو حتى كلمة (الغريب) ...
стр. 117
وهم يستعملون عوض هذين النعتين، كلمة (العزيز) ج (الأعزة) لكل طارىء قصدهم. ولهم، أي لهؤلاء الأعزة مكانهم المتميّز في المراسم والحفلات، وقد كان من اللقطات الهامة في تاريخ العلاقات الدولية وخاصة فيما يتصل بشيراز والتتر تلك التي استأثر بذكرها الرحالة المغربي عند ما تحدث عن وصول سفير عن سلطان العراق أبي سعيد بهادور إلي هذه المدينة، وكان السفير بالصدفة هو الأمير ناصر الدّين الدّرقندي، وكان خراساني الأصل، وقد قدم في حاشية تتألف من نحو خمسمائة فارس من خدّامه وأصحابه، هذا إلى السفير رجب البرقعي، وأصله من القرم. راح سفيرا من الهند إلى" الخليفة" في مصر حيث استقبل بمحضر الملك الصالح إسماعيل.
وعن طريق ابن بطوطة علمنا عن وجود سفارة مصرية برئاسة صدر الدين سليمان المالكي الذي وجّهه الملك الناصر إلى سلطان العراق في إطار العلاقات بين المماليك وبين الإيلخان.
هذا إلى سفارات أخرى قرأنا عنها في الرحلة كان من أبرزها الحركة الدبلوماسية الواسعة النطاق التي شاهدتها بلاد فارس عند ما قام محمد خذا بنده بتوجيه بعثات إلى مختلف الجهات لحملها على الموافقة على جعل المذهب الشيعي هو المذهب الأساسي للدولة، هذا إلى سفارة الشيخ زاده الخراساني السفير عن ملك هراة إلى الملك أبي اسحاق في شيراز.
ولقد كان عدد السفراء الذين تبادلتهم الدولتان: المغول والمماليك كثيرا؛ وكان لابن بطوطة فضل الإشارة اليهم، كما كان له فضل الإشارة للعلاقات بين الدولة الرسولية في اليمن وبين المماليك في مصر من خلال وجود المدرسة المظفرية بمكة المكرمة ودورها العلمي هناك.
وعن طريق ابن بطوطة قرأنا عن وفادة من الخان الأعظم إمبراطور الصين إلى سرنديب للحصول على قطعة من الصخرة التي رسم عليها قدم آدم!.
وعن طريقه عرفنا عن صلة ملك الصين بملك طوالسي هذه المملكة الواسعة التي يمكن أن تندرج تحتها أمم عظيمة تعرف اليوم بالفليبين واليابان وما جاورهما! على نحو ما تندرج تحت اسم (مل جاوة) شعوب وأمم تعرف اليوم تحت اسم طايلاند وبورما وفيتنام على ما أسلفنا.
وإن معلومات ابن بطوطة عن سلطنة مترة (MADURA) وعلاقاتها بالإمارات الأخرى تظل معلومات دقيقة أيدتها النقود المكتشفة، هذا إلى حديثه عن مخالفة سدكاوان للهند!.
وعن طريق ابن بطوطة عرفنا عن أخبار الجماعات اليهودية التي كانت منتشرة هنا وهناك. وهكذا فكما كانت الرحلة مصدرا هاما للعقيدة الإسلامية كانت مرجعا لأهل الديانات الأخرى التي كانت تتعايش فيما بينها طوال التاريخ. وعن طريقه تعرفنا على عدد من قواعد العالم الإسلامي على ذلك العهد من أمثال دولة لورستان الكبرى وإمبراطورية القفجق وسلطانها محمد أوزبك خان.
стр. 118
وقد قدّم إلينا في ثنايا الرحلة معلومات تنفعنا على صعيد التعامل الدولي فقد ذكر أن تطبيق الحكومة، في قالقوط، للقاعدة الفقهية التي تقضي بإرجاع إرث الأجانب الهلكى إلى أهلهم وورثتهم أينما كانوا، أقول إنّ تطبيق ذلك هو الذي كان يساعد المستثمرين على اختيار قالقوط مركزا تجاريا لهم.
كما أفادنا فائدة تاريخية لم نقرأ عنها في التأليف التاريخية الأخرى مثل جامع التواريخ لرشيد الدّين، عن مأساة اجتياح بغداد من لدن المغول ... لقد قال إن عدد الذين قضوا في تلك الفتنة من العلماء فقط أربعة وعشرون ألف عالم! وكلّنا يعرف عن عشيرة آل مهنّا العربية بديار الشام وما قامت به من أدوار وما كان لها من صدى سواء على صعيد العلاقات العربية العربية أو العلاقات العربية البيزنطية، مهنا الأول المتوفى حوالي ٦٦٠- ١٢٦٢، ومهنا بن عيسى (الثاني) المتوفى ٧٣٥- ١٣٣٥ والملقب بسلطان العرب، هذا الذي أرسل ابنه موسى إلى ملك التتر في العراق مع قراسنقر وجماعته قبل أن يلتحق هو بالمنطقة التترية. تواريخ مثيرة لهذه العشيرة التي كانت معلومات ابن بطوطة عنها محلّ تزكية من لدن الذين كتبوا عن عشائر الشام وصحّحوا ما قاله ابن بطوطة عن آل حيار بن مهنّا بن عيسى «٢» قبل أن تنكسر شوكتهم بموت محمد بن حيار.
وقد قدم لنا ابن بطوطة معلومات جدّ قيّمة عن أشراف الحجاز على عهده بمن فيهم الحسنيون أصحاب مكة بما عرف عنهم من احتكاكات بدولة المماليك، وهكذا قرأنا عن رميثه بن أبي نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة.
كما عرفنا عن الحسينيين أصحاب المدينة بما عرف عنهم من تنافس ساخن، وهكذا سمعنا عن كبيش بن منصور بن جمّاز بن شيحة بن هاشم «٣» .
ومن الطريف أن نعرف عن شريف حسيني، حفيد لجماز يحمل اسم قاسم يلتحق بغرناطة ويشارك في معركة ويستشهد على مقربة من الجزيرة الخضراء.
وابن بطوطة هو الذي ساعدنا على معرفة الظروف التي جعلته يتوجس خيفة من حركة القراصنة وهو في طريقه إلى المغرب عبر جزيرة سردانية، فقد كانت الاتفاقية المغربية مع ممالك جنوب أوربا أتت على نهايتها فلا غرو إذن أن يحتاط الرّحالة لنفسه «٤» .
стр. 119
وقد أجمعت المصادر الإيطالية وهي تتحدث عن تاريخ جنوة، أجمعت على النقل عن ابن بطوطة عند ما تحدث عن افتداء السلطان أبي عنان لمدينة طرابلس بتلك المبالغ السخية من العملة الذهبية حتى لا تبقى طرابلس بيد الجنويين! لقد تحدث ابن فضل الله العمري في السفر السابع والعشرين عن احتلالها من لدن جنوة، ولكنه ترك المدينة أسيرة. ولم يكن هناك غير ابن بطوطة الذي تحدث عن تحريرها من لدن السلطان أبي عنان وهي المبادرة التي سجلتها الرحلة، وأكدتها تهاني غرناطة لفاس «٥» ثم أتت المصادر الإيطالية وغيرها لتعتمد تلك المعلومات. وقد أفادنا ابن بطوطة عن اهتمام المشرق بأخبار المغرب وأنه أي المشرق ما انفك يتتبع الأخبار الواردة عليه من بلادنا وخاصة منها ما يتصل بحركات الجهاد في الأندلس، ومن هنا علم ابن بطوطة لما وصل إلى بغداد، في شوال عام ثمانية وأربعين، علم من بعض المغاربة الذين كانوا هناك بأخبار كارثة وقعة طريف واستيلاء الروم على الجزيرة الخضراء على نحو ما كان وصلنا بالمغرب عن سقوط بغداد كما يذكره ابن عبد الملك المراكشي ...
وقد عاش ابن بطوطة مرحلة دقيقة جدا من تاريخ المغرب الكبير أدّى عنها بعباراته ما سمحت به ظروفه، وبحكمة ودبلوماسية فائقة عند ما تحدث عن مرورة بتونس فسلّم على السلطان أبي الحسن واجتمع بمجلس علمه ورجال مشورته، ثم لم يلبث أن أصبح ببلاط أبي عنان المناهض لوالده، ومع كل ذلك فإنه لم يسمح لنفسه أن يتدخل فيما لا يعنيه، ويتحدث بما لا يرضي عما يجري بين الوالد وولده بالرغم من أنّه صحب ركب أبي عنان الذي كان يحمل شلو أبيه.
وابن بطوطة هو الذي أحاطنا علما بما كان يضمه بلاط عهد السلطان أبي عنان من وفود ترد من خارج المغرب، مثلا ابن أمير الموصل وديار بكر الشريف علاء الدين الذي كان- أثناء تحرير رحلة ابن بطوطة- بعاصمة فاس:" مستقر الغرباء ومأوى الخائفين" على حد تعبير ابن جزي!.
وابن بطوطة، ولو أنه لم يصرح بذلك- حفظا للأسرار على ما جرت عليه الأعراف بين الدول- ... هو الذي وجهه السلطان أبو عنان، على ما يبدو، في مهمة إلى غرناطة في ظروف كانت فيه العلاقات بين أبي عنان وبين والده على ما لا يرضى «٦» . وبهذا نفسر المرض الدبلوماسي لملك غرناطة وبهذه المناسبة عرفنا وضع (رندة) التي كانت عاصمة للقسم الأندلسي التابع لدولة بني مرين. وابن بطوطة هو الذي راح مبعوثا أيضا في مهمة للسلطان أبي عنان
стр. 120
إلى بلاد السودان على ما يظهر حيث تم اتصاله المباشر بعدد من أقطاب وأمراء المنطقة، وحيث قضى وقتا هناك قبل أن يصله مبعوث خاص من العاهل المغربي يطلب إليه أن يعود فورا إلى حاضرة فاس.
ولا ننسى أن ابن بطوطة هو الذي ذكرنا- وهو يعيش في مالديف- بأنه ترك في المغرب عددا من الأسرى من الروم. وكان الوقت يصادف فعلا سلسلة من الاحتكاكات التي تجري بين المغرب وقشتالة. وقد أعطانا الرحالة المغربي وصفا للطريقة التي كانت الحكومة المغربية تستعملها لضبط الأسرى ومنعهم من الفرار إلى أن يتم افتداؤهم بمن يوجد من المغاربة في قبضة حكومات الأطراف الأخرى.
وقد حدث أن بعض الدول التي كان ابن بطوطة يتحدث عنها اختفت من مسرح السياسة وأتى بعدها قوم آخرون فأحرقوا كتب الأولين ودمروا آثارهم فلم يعرف عنهم شيء إلا ما قرأناه من خلال معلومات ابن بطوطة التي" فلتت" للخارج فاحتفظت بحياتها وبجدّتها.
ونذكر بهذه المناسبة ما حكاه عن بني نبهان في عمان كمثل شاهد للعيان.
كثيرة هي اللقطات التي تفيد المهتمّين بالتاريخ الدّولي للعالم الاسلامي ... وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الرحالة لم يكن مجرد سائح يمشي في مناكب الأرض، ولكنه كان يهدف إلى تعريف فريق بفريق ... وكأنني به يكتب تقريرا لملوك المغرب عما رآه وما شاهده عبر أطراف الدنيا ليأخذوا منه ما يرونه صالحا لمسيرتهم إذا كانوا يريدون.
من حسن حظنا أن ابن بطوطة كان يعمل بنصيحة القاضي أبي بكر بن العربي سفير المغرب لدى العراق عام ٤٨٩/١٠٩٧ الذي قال: في تأليفه (كتاب الرحلة) عند ما دخل إلى بغداد وتعرّف على الخليفة بها: «نعمت المعرفة التعرّف بالسلطان والتشرف به عند التغرّب من الأوطان ونعم العون على العلم الرياسة بالأمن والاستيطان «٧» .
فبفضل العمل بتلك النصيحة أمكننا التعرف على الكثير من القادة المتنفذين آنذاك ...
стр. 121
مكان رحلة ابن بطّوطة من أدب الرحلات
يلاحظ في المؤلفات العربية على العموم، وخاصة منها التي تتصل بالأدب العربي، غياب الحديث عن الذين يكتبون تلك التأليف، عن شخصيتهم، عن أفكارهم، عن أحاسيسهم، بحيث إنك تقرأ الكتاب من ألفه إلى يائه دون ما أن تجد أثرا يعرّفك بمحرّر الكتاب أو بعصر تأليفه أو حتى بظروف تأليفه وما يجري من حواليه.
وقد استثنى من كل هذه المؤلفات جميعا كتاب الرحلة أية رحلة، الذي يمتاز كما هو معلوم بمعرفة المزيد من المعلومات عن المؤلف وهو يتحدث عن مراحل تنقلاته وعن مشاعره، مما يرتضيه ولا يرتضبه، هذا إلى تعرفنا على الجهات التي يمرّ بها جغرافيا وبشريا وفكريا، فنشعر بنوع من التجديد في الفائدة، بنوع من تمكن الكاتب من التعبير عمّا يريد أن يؤديه، بأسلوبه الذي يتغلب به على كلّ الصّعاب، والذي يجعله مهيمنا على إبلاغ الناس ما يريد إبلاغه من وصف للطبيعة وتقديم للظواهر التي تحف بمحيطه والبيئة التي يعيشها ...
وهكذا فإن الكتاب الذين حرروا مذكراتهم التي نطلق عليها اليوم اسم (الرحلات) يمثلون في واقع الأمر جانبا إبداعيا في أدبنا العربي، ومن هنا نحسّ تلقائيا بميل نفوسنا إلى هذا النّوع من الكتابة المحببة لأن ذلك مما يعبر عما يروج في فكر الكاتب دون ما تصنّع أو انفعال، ولأنه يجعلنا نرافقه في رحلته، نشعر بمثل الشعور الذي كان يعيشه سواء كان ذلك الكاتب فقيها أو شاعرا أو مؤرخا أو عالم اجتماع ...
وقد عرف المغاربة من قديم بأنهم متفوّقون في أدب الرحلة وموفقون كذلك ... يدل على هذا ما تركوه من بصمات لهم في مختلف كتب التراث العربي «١» .
وترجع أسباب اهتمام المغاربة بالرحلة والكتابة عن تحركاتهم وخاصة في العهد الإسلامي: أولا وبالذات، إلى أن الإسلام يجعل من الحج ركنا بارزا من أركانه، فالمسلم وهو يفكر في الثوابت التي تجعل منه مسلما مثاليا- تنتصب أمام مخيلته الكعبة المشرفة سواء أكان في شرقها أو غربها، خمس مرات في اليوم على الأقل يتجه إليها في صلاته وفي توسلاته ...
وهكذا يكون العامل الأول هو تحقيق الأمل في زيارة تلك البقاع التي تشدّنا اليها شدّا ... ، ومن هنا ندرك السرّ في توجه المغربي نحو الشرق، نحو مهد الحضارة ومهبط الوحي، ومن ثمت كان بعض من يقصد البلاد الحجازية من الفقهاء والعلماء والأدباء لأداء
стр. 122
فريضة الحج يشعر بأن عليه دينا يجب أن يؤديه لإخوته من الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالالتحاق بتلك الديار والذين كانوا يقنعون بوصف تلك المعالم وما تحتضنه من عوالم.
وهذا الدّين يتجلّى في تحرير التعريف بتلك البقاع وبمن تضمّهم تلك البقاع من رجال، احياء وأموات، طبعا مع وصف المراحل التي مرّ بها الحاج من مدينته التي انتقل منها إلى حيث يجتمع بإخوته من سائر جهات العالم الإسلامي، محرما ملبيا إلى أن يقف على عرفة.
وذلك" التعريف" هو الذي نسميه بالرحلة التي يتحدث فيها الرّحالة عن محطاته المتبعة سواء كانت برّا أو كانت بحرا، مضيفا إلى هذا حديثه، كما قلنا، عما يعترضه في طريقه من مشاهدات ... ، ومعرّفا بالآثار التي خلّفها الأسلاف، ومعطيا نبذة عن المواقع الجغرافية التي يسلكها بما تحتوي عليه من نعوت وأوصاف. وهكذا ازدهرت، نتيجة لهذا، حركة انتساخ المخطوطات، وخاصة منها كتب الرحلة لدى الحجاج يستصحبونها معهم للاستئناس وللقيام أحيانا بالمقارنات والمفارقات ...
ويلاحظ أن تاريخ المغرب وخاصة في القرن الخامس والسادس والسابع والثامن عرف نوعا من تطور مثل هذه الرحلات الحجازية بفضل تشجيع الناس بمن فيهم القادة والحكّام لتوفير هذا النوع من المعرفة للمواطنين. ولم يقلّل من شأن الرحلة الحجازية إلّا ما ظهر من ميل لتفضيل الجهاد على الحج في اعقاب العدوان المتوالي على المسلمين في الأندلس، وذلك اعتمادا على فتوى لابن رشد ردّد صداها النّاصري في كتابه" الاستقصاء" وهي تعطي الأسبقية للجهاد على الحج «٢» .
وهكذا تكوّنت لدينا لائحة لهؤلاء الأعلام الذين قصدوا الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، فيهم الكثير ممن لم تصلنا أثارهم إلى اليوم لكن فيهم طائفة ممّن اشتهر ذكرهم بما خلّفوه من أعمال جليلة خلدت أسماءهم.
ونذكر من هؤلاء الرحالة أبا الحسن محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي (٥٧٨ هـ) الذي سار بالرحلة خطوات واسعة، كما نذكر ابن رشيد الفهري السبتي (٦٨٣ هـ) ، صاحب كتاب «ملء العيبة «٣» » ومحمد العبدري الحيحى صاحب الرحلة المغربية (٦٨٨ هـ) «٤» كما
стр. 123
نذكر رحلة أبي القاسم التجيبى (٦٩٥ هـ) صاحب مستفاد الرحلة والاغتراب «٥» ، وابن بطوطة (٧٢٥ هـ) موضوع الحديث، وخالد بن عيسى البلوى (٧٣٦ هـ) صاحب (تاج المفرق) «٦» ، وابن الحاج النّميري صاحب (فيض العباب) (٧٧٤ هـ) الذي سجلت له رحلة أيضا إلى الحجاز في مجلدة «٧» ، ومحمد بن سعيد الرعينى (٧٧٨ هـ) صاحب الرحلة الحجازية المنظومة «٨» .
وعلاوة على السبب المتلخص في أداء فريضة الحج، هناك الرحلة الدراسية: أي طلب العلم ولقاء المشايخ الكبار حيث نجد أن المكتبة العربية تزخر كذلك بمن الّفوا عمن أخذوا عنهم في رحلتهم الدراسية من الشيوخ. وعما حصلوا عليه من إجازات تأذن لهم في تلقين ما حصلوا عليه للآخرين ...
ونذكر إلى جانب هذا: الرحلات العلمية وهي غير الرحلات الدراسية. ويمكن أن نصنّف في هذا الباب بعض الرحلات التي كانت تقصد إلى حمل كتاب علمي من جهة إلى جهة قصد تعميم الفائدة منه. واذكر هنا على سبيل المثال الرحلة التي قام بها هشام بن هذيل مكلفا من قبل الخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر من أجل طلب المساعدة على ترجمة مخطوطة ديوسقوريدس المكتوبة باللغة اليونانية والتي كان الإمبراطور البيزنطي أهداها إلى الخليفة الناصر عام ٣٣٧ هـ في حفل مشهود تحدثت عنه المصادر التاريخية والمؤلفات الطبية. وقد استجاب الامبراطور البيزنطي لرسالة الخليفة الناصر فبعث اليه بالراهب نيقولا الذي وصل إلى قرطبة عام أربعين وثلاثمائة «٩» .
ومن أسباب الرحلة كذلك المهمّات السياسية التي يروح فيها علية القوم من علماء وأدباء بما كان قد يصحبهم من مرافقين ومساعدين.
стр. 124
وقد حفظ التاريخ لنا اسماء عدد من السّفراء الذين كانوا يدونون رحلاتهم في كراريس يرفعونها في أغلب الأحيان إلى الملوك. ونتيجة لذلك زخرت المكتبة المغربية أكثر من غيرها بعدد من الرحلات السّفارية التي أثرت الأدب المغربي علاوة على ما قدمته من معلومات جدّ قيمة عن البلاد التي زارها أولئك السفراء وعن الأحوال الدولية على ذلك العهد وعن التطورات التي تمرّ بها الأمم ...
وهكذا ظلت اخبار سفارة يحيى بن حكم الغزال (ت ٢٥٠ هـ) التي راحت إلى بيزنطة ردّا على سفارة ثيوفيلوس (Theophilus) إلى الأندلس في اعقاب فتح عمّورية. وقد لخص أخبارها ابن دحية (ت ٦٣٣ هـ) السبتي في كتابه" المطرب من اشعار المغرب" «١٠» ، أقول ظلت حديث المجالس الأدبية والسياسية بما تضمنته من طريف نكتة وجميل ظرف، وبخاصة فيما يتعلق بحديث السفير الأندلسي إلى ثيودورا زوجة إمبراطور القسطنطينية ...
وتعتبر رحلة يحيى الغزال أقدم من الرحلات التي قام بها أيام الدولة العباسية أحمد ابن فضلان إلى بلاد الخزر والروس، وأبو دلف إلى إيران والهند والصين في النصف الأول من القرن الرابع ... وناصر خسرو علوي إلى الدّيار الحجازية بين عام ٤٣٧ و ٤٤٤ ...
وبين أيدينا خروم من رحلة القاضي أبي بكر ابن العربي الأشبيلي صحبة أبيه عبد الله عام ٤٨٩- ١٠٩٧ إلى مدينة السلام، وقد بقيت هذه الرحلة حديث المجالس كذلك بما تضمنته من" مكتوب الخليفة المنقول في أيدي الناس" على حدّ تعتبر ابن خلدون «١١» .
وإلى جانب الرحلات الحجازية والدراسية والعلمية والسّفارية نعيش مع نوع آخر من أنواع الرحلة وهي تلك الرحلات السياحية، التي تكون غاية واضعها من سفره مجرد السياحة والوقوف على الآفاق وعجائب المخلوقات والتعرف على أخلاق الشعوب وعوائدها.
وهذا النوع أيضا مما تزخر به المكتبة المغربية. ونذكر في صدر ما وصلنا من هذا الصّنف.
في النّصف الثاني من القرن السادس الهجري كتاب (تحفة الألباب) تاليف أبي حامد الأندلسي الغرناطي الذي يقول في مقدمتها:" ومنذ اغتربت عن المغرب الأقصى عام ٥٥٧ شاهدت من الأيمة الكرام مالا يعدّ ولا يحصى، وأولاني الله على ايديهم من أنواع النعم مالا يقدر على إحصائها إنسان".
стр. 125
وأبو حامد هذا هو الذي أشاد بمعاملة أهل الصين للتجار من المسلمين، وتمنى أن يقتدي ملوك المسلمين بمثل هذا السلوك ... !! والطريف أن أبا حامد وصل بهذا إلى فهم ذكي للحديث النبوي الذي يقول: (الدّنيا سجن المؤمن) . فلقد أدرك أنّ معنى ذلك أن دنيا المسلم خالية في بعض الأحيان من العدل والاحسان! «١٢» " وهناك نوع من الرّحلات يمكن أن يطلق عليه اسم الرحلات الاستكشافية وهي غير الرحلة التي تكون أصلا لغرض السياحة وهي التي يقوم بها اصحابها من أجل اكتشاف بلاد جديدة والاطلاع على أحوالها.
ويمكن أن ندرج في هذا النوع من الرّحلات ما قام به أحد عمالقة الأدب الجغرافي في تاريخ الاسلام، ويتعلق الأمر بالشريف الإدريسي السبتي الذي قدم إلينا «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» هذا الكتاب الذي يعتبر معلمة من المعالم التي يعتزّ بها العالم الإسلامي على الصعيد الدولي. فهو أي الإدريسي، ولو أنه لا يتعرض كثيرا للوقائع التي حدثت له أثناء أسفاره ولا يتعرض غالبا لشيء من أحواله الشخصيّة، لكنّ تاليفه ذو صلة قوية بموضوع الرحلات باعتباره يخطط المراحل للجوّالين والمسافرين، وباعتباره مصدرا اعتمد على الرحلات السابقة لغيره. «١٣»
ونذكر إلى جانب هذا، الرحلات الزيارية أي التي يقوم بها بعض بقصد زيارة أضرحة الأنبياء والصحابة ورجال الصّلاح. ولا شك أن هذا النوع من الرحلات يعتبر من أهم المصادر عن تاريخ الحياة الدينية والحركة الصوفية. وهذا يفيدنا في نفس الوقت من حيث الفنّ المعماري الخاصّ ببناء المساجد والمزارات والمشاهد.
ومن منّا ينكر فائدة كتاب" الإشارات إلى معرفة الزيارات". لأبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي وهو كتاب لا تستغني عنه مكتبة «١٤» ...
وقد أثار انتباهنا ونحن نقرأ عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد آسيا وفي تخوم إفريقيا الحديث عن نوع من الرحلة كان له الأثر الأكبر في دخول الإسلام في تلك المناطق النائية، لا عن طريق السيف ولا عن طريق الإكراه، ولكن عن طريق إعطاء المثل الحسن ونشر الفضيلة وتقديم القدوة. وكان الذين قاموا بمثل هذا العمل المتئد الرصين والحكيم هم
стр. 126
الذين كانوا يقومون بالرحلات التجارية إلى تلك الأصقاع. كلّ الذين أشادوا في الماضي والحاضر بظهور الإسلام هناك كانوا يقفون مشدوهين امام الأثر الحميد الذي خلفته الرحلة التجارية في نفوس أولئك الذين اقبلوا على الإسلام بكل ما يملكونه من حب.
وقد ذهب بعض المهتمين بأمر الرحلة إلى أبعد من هذا في استيعاب انواع الرحلة فتحدثوا عن الرحلة البرّية والبحرية، والخارجية والداخلية، والاختيارية والقسرية، والفردية والجماعية، والرحلة الخيالية والرحلة التي تتخد شكل المراسلات أو تهدف إلى إبرام المعاهدات «١٥» .
لكننا سنقف هنا لنترك الفرصة للحديث عن نوع أكثر شمولا وأوفر فضاء من كل تلك الأنواع التي تقدمت للرحلة ... ذاك ما نعطيه اسم الرحلة العامة ...
ونقصد بها الرحلات التي جمعت الكثير من كل تلك الأغراض، ونذكر على الخصوص رحلة ابن بطوطة، فقد غادر بلدته طنجة في بداية الأمر عام ٧٢٥ بقصد الحج. لكن بسبب تعذر الحج تلك السنة لما صادفه من اضطرابات بين البجاة والمماليك على ساحل البحر الأحمر اضطر للإنتظار سنة كاملة لحضور موسم الحج عام ٧٢٦. وهنا أثناء هذا الفراغ نمت فيه الرغبة للقيام بحضور مجالس للدراسة، وفي التزوّج مرة أخرى! وفي القيام كذلك بزيارات سياحية على جانب كبير من الأهمية، وفي القيام برحلات داخل الرحلة. ولم يلبث أن عبر الدنيا وارتاد الأماكن البعيدة. وينبغي أن نقوم بجولة سريعة في المحطات التي مرّ بها لنجد أن ابن بطوطة كانت تتمثل فيه وتنطبق عليه صفات كلّ أولئك الرحالة. فهو حاج وهو دارس وهو سفير وهو سائح وهو مكتشف وهو زائر وهو داعية، وهو تاجر أيضا ... وهو مبشّر بالمعنى الحقيقي للمبشر.
стр. 127
الفصل الأول المغرب الكبير
تقديم ابن جزي للرحلة ونعته لابن بطّوطة بالثقة الصدوق الذي جال الدنيا بالطّول والعرض.
شرح منهاج ابن جزي في تحرير الرحلة.
حديث ابن بطوطة عن خروجه من طنجة أيام السلطان أبي سعيد ...
الوصول إلى تلمسان، وتعرّفه على سفارة تونس التي صادفها هناك ...
مرضه ببجاية.
حلوله بتونس التي لم يعرفه بها أحد! ذكر ملك تونس أخذه الطريق إلى طرابلس وبناؤه بها على سيّدة صفاقسية ...
стр. 128
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه
[كلام ابن جزيّ]
قال الشيخ الفقيه الكاتب البارع الناظم أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه العالم المتفنن أبي القاسم محمد ابن جزيّ الكلبي الغرناطي عفا الله عنه «١» : الحمد لله الذي ذلّل الأرض لعباده ليسلكوا منها سبلا فجاجا، وجعل منها وإليها تاراتهم «٢» الثلاث نباتا وإعادة وإخراجا، دحاها بيد القدرة فكانت مهادا للعباد، وأرساها بالأعلام الراسيات والأطواد، ورفع فوقها سمك السماء بغير عماد، وأطلع الكواكب هداية في ظلمات البر والبحر، وجعل القمر نورا، والشمس سراجا، ثم أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد الممات، وأنبت فيها من كل الثمرات، وفطر أقطارها بصنوف النبات، وفجر البحرين عذبا فراتا، وملحا أجاجا، وأكمل على خلقه الإنعام، بتذليل مطايا الأنعام، وتسخير المنشآت كالأعلام، ليمتطوا من صهوة القفر ومتن البحر أثباجا، وصلى الله على سيدنا
стр. 129
ومولانا محمد الذي أوضح للخلق منهاجا، وطلّع نور هدايته وهاجا، بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، واختاره خاتما للنبيّين، وأمكن صوارمه من رقاب المشركين، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وأيده بالمعجزات الباهرات، وانطق بتصديقه الجمادات، وأحيا بدعوته الرّمم الباليات، وفجر من بين أنامله ماء ثجاجا، ورضى الله تعالى عن المتشرفين بالانتماء إليه أصحابا والا وأزواجا، المقيمين قناة الدين فلا تخشى بعدهم اعوجاجا، فهم الذين أزّروه على جهاد الأعداء، وظاهروه على إظهار الملة البيضاء، وقاموا بحقوقها الكريمة من الهجرة والنصرة والإيواء، واقتحموا دونه نار البأس حامية وخاضوا بحر الموت عجاجا، ونستوهب الله تعالى لمولانا الخليفة أمير المؤمنين، المتوكل على الله رب العالمين المجاهد في سبيل الله، المؤيد بنصر الله، أبي عنان «٣» فارس ابن موالينا الأيمة المهتدين، الخلفاء الراشدين، نصرا يوسّع الدنيا وأهله ابتهاجا، وسعدا يكون لزمانة الزمان علاجا، كما وهبه الله بأسا وجودا لم يدعا طاغيا ولا محتاجا، وجعل بسيفه وسيبه «٤» لكل ضيقة انفراجا. وبعد فقد قضت العقول، وحكم المعقول والمنقول، بأن هذه الخلافة العلية المجاهدة المتوكلية الفارسية «٥» هي ظل الله الممدود على الأنام، وحبّله الذي به الاعتصام، وفي سلك طاعته يجب الانتظام، فهي
стр. 130
التي أبرأت الدين عند اعتلاله، وأغمدت سيف العدوان عند انسلاله، وأصلحت الأيام بعد فسادها، ونفّقت سوق العلم بعد كسادها وأوضحت طرق البر عند إنهاجها، وسكّنت أقطار الأرض عند ارتجاجها وأحيت سنن المكارم بعد مماتها، وأماتت رسوم المظالم بعد حياتها وأخمدت نار الفتنة عند اشتعالها، ونقضت أحكام البغى عند استقلالها، وشادت مباني الحق على عمد التقوى واستمسكت من التوكل على الله بالسبب الأقوى، فلها العز الذي عقد تاجه على مفرق الجوزاء، والمجد الذي جز أذياله على مجرّة السماء، والسعد الذي رد على الزمان غض شبابه، والعدل الذي مد على أهل الإيمان مديد أطنابه، والجود الذي قطّر سحابه اللجين والنضار، والبأس الذي فيّض غمامه الدم الموّار، والنصر الذي نفض كتائبه الأجل، والتأييد الذي بعض غنائمه الدول، والبطش الذي سبق سيفه العذل، والأناة التي لا يملّ عندها الأمل، والحزم الذي يسد على الأعداء وجوه المسارب، والعزم الذي يفلّ جموعها قبل قراع الكتائب، والحلم الذي يجني العفو من ثمر الذنوب، والرفق الذي أجمع على محبّته بنات القلوب، والعلم الذي يجلو نوره دياجي المشكلات، والعمل المقيّد بالاخلاص والأعمال بالنيات. ولما كانت حضرته العلية مطمح الآمال، ومسرح همم الرجال، ومحط رحال الفضائل، ومثابة أمن الخائف ومنية السائل، توخّى الزمان خدمتها ببدائع تحفه، وروائع طرفه، فانثال عليها العلماء انثيال جودها على الصفاة، وتسابق إليها الأدباء تسابق عزماتها إلى العداة، وحج العارفون، حرمها الشريف، وقصد السائحون، استطلاع معناها المنيف، ولجأ الخائفون إلى الامتناع بعز جنابها، واستجارت الملوك بخدمة أبوابها، فهي القطب الذي عليه مدار العالم، وفي القطع بتفضيلها تساوت بديهة عقل الجاهل والعالم، وعن ماثرها الفائقة يسند صحاح الآثار كلّ مسلم، وبإكمال محاسنها الرائقة يفصح كلّ معلم. وكان ممن وفد على بابها السامي «٦» ، وتعدّى أو شال البلاد إلى بحرها الطامي، الشيخ الفقيه السائح الثقة الصدوق جوّاب الأرض، ومخترق الاقاليم بالطول والعرض، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، المعروف في البلاد الشرقية بشمس الدين، وهو الذي طاف الأرض معتبرا وطوى الأمصار مختبرا، وباحث فرق الأمم وسبر سير العرب والعجم ثم ألقى عصا التّسيار بهذه الحضرة العليا، لما علم أن لها مزية الفضل دون شرط ولا ثنيا، وطوى المشارق إلى مطلع بدرها بالمغرب، وآثرها على الأقطار إيثار التّبر على التّرب، اختيارا
стр. 131
بعد طول اختبار البلاد والخلق، ورغبة في اللّحاق، بالطائفة التي لا تزال على الحق، فغمره من إحسانها الجزيل، وامتنانها الحفيّ الحفيل، ما أنساه الماضي بالحال، وأغناه عن طول التّرحال، وحقّر عنده ما كان من سواها يستعظمه، وحقق لديه ما كان من فضلها يتوهمه، فنسى ما ألفه من جولان البلاد، وظفر بالمرعى الخصب بعد طول الارتياد.
ونفذت الإشارة الكريمة بأن يملي ما شهده في رحلته من الأمصار، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار، وعلمائها الأخيار وأوليائها الأبرار، فأملى من ذلك ما فيه نزهة الخواطر، وبهجة المسامع والنواظر، من كل غريبة أفاد باجتلابها، وعجيبة أطرف بانتخابها، وصدر الأمر العالي لعبد مقامهم الكريم، المنقطع إلى بابهم، المتشرف بخدمة جنابهم، محمد «٧» بن محمد «٨» بن جزي الكلبي أعانه الله على خدمتهم، وأوزعه شكر نعمتهم، بأن يضم أطراف ما أملاه، الشيخ أبو عبد الله، من ذلك في تصنيف يكون على فوائده مشتملا، ولنيل مقاصده مكمّلا، متوخيا تنقيح الكلام وتهذيبه، معتمدا إيضاحه وتقريبه، ليقع الاستمتاع بتلك الطّرف، ويعظم الانتفاع بدرّها عند تجريده عن الصدف، فامتثل ما أمر به مبادرا، وشرع في منهله ليكون، بمعونة الله، عن توفية الغرض منه صادرا، ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضّحة للمناحي التي اعتمدها، وربما أوردت لفظه على وضعه فلم أخلّ بأصله ولا فرعه، وأوردت جميع ما قيده من الحكايات والأخبار، ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار، على أنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك، وخرج عن عهدة سائرها بما يشعر من الألفاظ بذلك، وقيّدت المشكل من أسماء المواضع والرجال بالشكل والنقط، ليكون أبلغ في التصحيح والضبط، وشرحت ما أمكنني شرحه من الأسماء الأعجمية لانها تلتبس بعجمتها على الناس، ويخطئ في فك معماها معهود القياس، وأنا أرجو أن يقع ما قصدته من المقام
стр. 132
العلي أيده الله بمحلّ القبول، وأبلغ من الإغضاء عن تقصير المأمول، فعوائدهم في السماح جميلة، ومكارمهم بالصفح عن الهفوات كفيلة، والله تعالى يديم لهم عادة النصر والتمكين ويعرفهم عوارف التأييد والفتح المبين بمنه وحوله.
(قال ابن بطوطة)
قال الشيخ أبو عبد الله: كان خروجي «٩» من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفردا عن رفيق انس بصحبته، وركب أكون في جملته «١٠» ، لباعث من النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازيم، فجزمت أمري ولم ابن على السكون، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون «١١» ، وكان والديّ بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا، ولقيت كما لقيا نصبا، وسنّى يومئذ اثنتان وعشرون سنة.
قال ابن جزي أخبرني أبو عبد الله بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم الاثنين السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة «١٢» .
رجع، وكان ارتحالي في أيام أمير المؤمنين، وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين الذي رويت أخبار جوده موصولة الأسناد بالإسناد، وشهرت اثار كرمه شهرة واضحة الإشهاد وتحلّت الأيام، بحلا فضله، ورتع الانام، في ظل رفقه وعدله، الإمام المقدس
стр. 133
فلس ضرب في طنجة في عهد الولاة الأمويين عن أرشيف بنك- المغرب
стр. 134
لوحة لطنجة عام ١٥٩٠ منظر لطنجة عام ١٧٠٢
стр. 135
منظر لطنجة عام ١٨٢٦
стр. 136
أبو سعيد «١٣» ابن مولانا أمير المؤمنين، وناصر الدين، الذي فل حدّ الشرك صدق عزائمه، وأطفأت نار الكفر جداول صوارمه، وفتكت بعبّاد الصليب كتايبه، وكرمت في إخلاص الجهاد مذاهبه، الإمام المقدس أبو يوسف بن عبد الحق «١٤» جدد الله عليهم رضوانه، وسقى ضرايحهم المقدسة من صوب الحيا سحّه وتهتانه، وجزاهم أفضل الجزاء عن الاسلام والمسلمين، وأبقى الملك في عقبهم إلى يوم الدين، فوصلت مدينة تلمسان «١٥» وسلطانها يومئذ أبو تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن عثمان ابن يغمراسن ابن زيان «١٦» ، ووافقت بها رسولى ملك افريقية السلطان أبي يحيى ﵀ «١٧» ، وهما قاضي الأنكحة بمدينة تونس أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن ابراهيم النفزاوي والشيخ الصالح أبو عبد الله
стр. 137
محمد بن الحسين بن عبد الله القرشي الزّبيدي «١٨» ، بضم الزاي، نسبة إلى قرية بساحل المهدية، وهو أحد الفضلاء، وفاته عام أربعين.
وفي يوم وصولي إلى تلمسان خرج عنها الرسولان المذكوران فأشار علي بعض الاخوان بمرافقتهما فاستخرت «١٩» الله في ذلك، وأقمت بتلمسان ثلاثا في قضاء مآربي، وخرجت أجدّ السير في آثارهما فوصلت مدينة مليانة «٢٠» وأدركتهما بها وذلك في إبان القيظ فلحق الفقيهين مرض أقمنا بسببه عشرا، ثم ارتحلنا وقد اشتد المرض بالقاضي منهما فأقمنا ببعض المياه على مسافة أربعة أميال من مليانة ثلاثا، وقضى القاضي نحبه ضحى اليوم الرابع، فعاد إبنه أبو الطيب «٢١» ورفيقه أبو عبد الله الزّبيدي إلى مليانة فقبروه
стр. 138
دينار مريني يرجع لعهد السلطان أبي سعيد عثمان بن يعقوب الذي ودّع في أيامه ابن بطوطة طنجة مع شكرنا لوالي بنك المغرب نقش على وجهه بسم الله الرحمن الرحيم صلّى الله عليه محمد وآله الحمد لله وحده لا إله إلا الله محمد رسول الله وإلهكم إله واحد/ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
نقش على ظهره ضرب بمدينة سجلماسة أمنها الله عن أمر عبد الله أبي سعيد عثمان أمير المسلمين أيده الله ونصره وإلهكم اله واحد/ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
стр. 139
تلمسان ... منارة المنصورة بعض الأطلال لأسوار مدينة المنصورة (من تأسيس بني مرين)
стр. 140
بها وتركتهم هنالك وارتحلت مع رفقة من تجار تونس منهم الحاج مسعود بن المنتصر والحاج العدولي ومحمد بن الحجر فوصلنا مدينة الجزائر «٢٢» وأقمنا بخارجها أياما إلى أن قدم الشيخ أبو عبد الله وابن القاضي فتوجّهنا جميعا على متّيجة «٢٣» إلى جبل الزّان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية «٢٤» فنزل الشيخ أبو عبد الله بدار قاضيها أبي عبد الله الزواوي ونزل أبو الطيب ابن القاضي بدار الفقيه أبي عبد الله المفسر. وكان أمير بجاية إذ ذاك أبا عبد الله محمد بن سيّد الناس الحاجب «٢٥» ، وكان قد توفي من تجار تونس الذين صحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب «٢٦» ، وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته بتونس فانتهى خبره لابن سيّد الناس المذكور فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم! ولما وصلنا إلى بجاية كما ذكرته أصابتني الحمّى فأشار عليّ أبو عبد الله الزّبيدي بالاقامة فيها حتى يتمكن البرء مني، فأبيت، وقلت: إن قضى الله بالموت فتكون وفاتي بالطريق، وأنا قاصد أرض الحجاز. فقال لي: أمّا إن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك دابة، وخباء وتصحبنا خفيفا فإننا نجدّ السير خوف معرة العرب في الطريق! ففعلت هذا وأعارني ما وعد به، جزاه الله خيرا، وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الالاهية، في تلك الوجهة الحجازية.
стр. 141
ميناء مدينة الجزائر عام ١٦٨٣
стр. 142
منظر لبجاية عام ١٥٠٩ م عند ما هاجمها الاسبان
стр. 143
وسرنا إلى أن وصلنا إلى مدينة قسنطينة «٢٧» فنزلنا خارجها وأصابنا مطر جود إضطرنا إلى الخروج عن الأخبية ليلا إلى دور هنالك، فلما كان من الغد تلقانا حاكم المدينة وهو من الشرفاء «٢٨» الفضلاء يسمى بأبي الحسن «٢٩» فنظر إلى ثيابي وقد لوّثها المطر فأمر بغسلها في داره وكان الإحرام «٣٠» منها خلقا فبعث مكانه إحراما" بعلبكيا" وصرّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، فكان ذلك أول ما فتح به علي في وجهتي. ورحلنا إلى أن وصلنا مدينة بونة «٣١» ونزلنا بداخلها وأقمنا بها أياما ثم تركنا بها من كان في صحبتنا من التجار لأجل الخوف في الطريق «٣٢» ، وتجردنا للسير وواصلنا الجد وأصابتني الحمى فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف ولا يمكنني النزول من الخوف إلى أن وصلنا مدينة تونس فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد الله الزّبيدي، ولقاء أبي الطيب ابن القاضي ابي عبد الله النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسلام والسؤال، ولم يسلّم علىّ أحد لعدم معرفتي بهم فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة واشتد بكائي فشعر بحالي بعض الحجاج فأقبل عليّ بالسلام والإيناس. وما زال يؤنسني بحديثه حتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين «٣٣» .
стр. 144
قال ابن جزي: أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن محمد بن ابراهيم السلمي، هو ابن الحاج البلفيقي «٣٤» أنه جرى له مثل هذه الحكاية، قال:
قصدت مدينة بلش «٣٥» من بلاد الأندلس في ليلة عيد برسم رواية الحديث المسلسل بالعيد عن أبي عبد الله بن الكماد وحضرت المصلّى مع الناس فلما فرغت الصلاة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام وأنا في ناحية لا يسلم عليّ أحد فقصد إليّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل عليّ بالسلام والإيناس، وقال: نظرت إليك فرأيتك منتبذا عن الناس لا يسلّم عليك أحد، فعرفت أنك غريب فأحببت إيناسك، جزاه الله خيرا.
ذكر سلطان تونس
وكان سلطان تونس عند دخولي إليها السلطان أبو يحيى ابن السلطان أبي زكرياء يحيى ابن السلطان أبي اسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص «٣٦» ﵀، وكان بتونس جماعة من أعلام العلماء، منهم قاضي الجماعة بها
стр. 145
منظر لتونس عن المكتبة الوطنية بباريز
следующие страницы →