← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مرفأ دوليا هاما يتوفر على كلّ مقومات الحضارة. وقد عرفنا عن استقبالها للشعراء أمثال أبي الحسن الحصرى صاحب القصيدة التي مطلعها: «ياليل الصبّ متى غده» كما عرفنا عن ابن سمجون اللواتي الطنجي الذي رحل إلى المشرق وعاد لطنجة ومات بها، وقد وقفنا في البرتغال على نص ملكية لبعض مخطوطات (قضاة قرطبة للخشني) : وهو هكذا" ملكه محمد بن محمد بن عبد الرحمن اللّواتي الشهير في طنجة بابن بطوطة" وسنقرأ حديث ابن بطوطة، وهو في رندة، عن ابن عمه أبي القاسم محمد بن يحيى قاضي المدينة ... كما نعرف عن أسرة البطوطي التي وضع أحد أفرادها بفاس قطعة أسطرلاب فائقة الدقة «١٢» . وبعد عودة ابن بطوطة إلى المغرب، وبعد إفلاته من اشاعة" تناجي" بعض المعاصرين حوله على ما أشرنا أمسى من جلساء السلطان أبي عنان الذي أصدر أمرا لكاتبه ابن جزيّ بتدوين رحلة ابن بطّوطة. قبل أن يتقلد هذا الأخير منصب قاضي إقليم تامسنا. وقد وجدنا في (نفاضة الجراب) للسان الدين ابن الخطيب رسالة موجّهة من هذا إلى القاضي ابن بطوطة. وكان ابن الخطيب قرّر عند ما التجأ إلى المغرب عام ٧٦٠- ١٣٥٩ أن يستثمر أمواله في منطقة نفوذ ابن بطوطة، وكانت تامسنا تابعة لمملكة فاس على ما يقوله الحسن ابن الوزان «١٣» . وإذا كان مترجموه أهملوا الحديث عن ظروف وفاته، فإن الحافظ ابن حجر سالف الذكر في" الدرر الكامنة" (٤، ١٠٠) يفيد أن ابن بطوطة بقي إلى سنة سبعين وأدركته وفاته وهو متول للقضاء يعني حتى عهد السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن أخى السلطان أبي عنان مما يعني أنّ أجله أدركه بتامسنا التي كانت عاصمتها انذاك أنفا وليس بفاس ولا بطنجة «١٤» ... ولله در مولانا جلال الدّين الرومي (٦٧٢- ١٢٧٣) عند ما يقول:" حينما نموت لا تبحثوا عن قبورنا في التّراب ولكن ابحثوا عنا في قلوب الناس!! " لقد كان رحله دائما على استعداد، وهو لا يفتأ متنقلا باحثا عما يضمن له الزاد في

стр. 72

خطاب لسان الدين ابن الخطيب لصديقه شمس الدين ابن بطوطة قاضي تامسنا- نسخة خاصة. تامسنا الأمس قدر لها أن تكتسب اليوم هذه المعلمة الحضارية الكبرى" مسجد الحسن الثاني"

стр. 73

الحل والترحال ... وقد كان يصدق عليه قول ابن زريق البغدادي في قصيدته: ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأى إلى سفر بالعزم يجمعه كأنّما هو من حل ومرتحل ... موكّل بفضاء الله يذرعه! إذا الزمان أراه بالرحيل غنى ... ولو إلى السّند أضحى وهو يزمعه!! لقد قام ابن بطوطة برحلاته العديدة التي كان يستهدف فيها أحيانا لسائر أنواع الامتحان، ويتعرض للخطر في عدد من الحالات ... ، وحتى عند ما قام بزيارة الأندلس وبلاد السودان، لكنه نجا من جميع تلك الأهوال فكان لسان حاله ينشد قول الشريف الادريسي: دعني أجل ما بدت لي ... سفينة أو مطيّة لا بدّ يقطع سيري ... أمنة أو منية!! وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة ... ولعل بعضهم ظلّل بما قرأه عن تكليف السلطان أبي عنان للكاتب ابن جزي بترتيب الرحلة ... حيث وجد في ذلك ما يعبر- ربّما- عن" عجز" ابن بطوطة عن القيام بالمهمة ... ! وهذا خطأ" بيّن، تكشف لنا عنه أولا الصفة التي رشّحت ابن جزي للقيام بهذا العمل والتي أشار اليها المقري في (النفح) " بأنه أي ابن جزي، إن كتب أربى على ابن مقلة بخطّه ... " وثانيا ما أضفاه ابن جزي نفسه في المقدمة على ابن بطوطة من كل الاوصاف التي تؤكد عن عمق معارف الرحالة: فهو" الشيخ، وهو الفقيه وهو الثقة وهو الصدوق، وهو الذي باحث فرق الأمم، وسبر سير العرب والعجم، ولم أتعرض- يقول ابن جزي- لبحث عن حقيقة ما قال لأنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك ... ! ونريد أن نقول، ونحن نقف إلى جانب من يقتنعون بالمركز العلمي الموموق للرحالة المغربي، نقول: إن القرار الذي اتخذه السلطان أبو عنان بالإعلان عن مصداقية الرحلة وأهميتها لم يكن قرارا ارتجاليا أو عاطفيا، ولكنه كان وليد استمزاج رأي أعضاء المجلس العلمي الذي اعتاد السلطان أن يركن إليه كلّ مطلع شمس، ذلك المجلس الذي كان بمثابة أكاديمية حقيقية يلجأ إليها العاهل عند الحاجة، وقد قرأنا فيما سجله الكاتب ابن جزي في مقدمة الرحلة أنه" لا تقع في مجلس أبي عنان مسألة علمية في أيّ علم كان، إلا حل مشكلها

стр. 74

وباحث في دقائقها واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاته من مغلقاتها ... فكانت مجالسه لا تخلو من مباحثات ومناظرات ... وقد ذكر العلامة المؤقت أبو زيد عبد الرحمن الجاديري (ت ٩٣٨- ١٥٣٤) نقلا عن شيخه الرئيس أبي الوليد اسماعيل بن الأحمر (ت ٨٠٧- ١٤٠٥) في شرحه لقول البوصيري: لعلّ رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم ذكر ما يؤكد أن ابن بطوطة كان معدودا في صدر أعضاء ذلك" المجلس الأكاديمي". وقد وقع الكلام بين يدي السلطان أمير المؤمنين أبي عنان ... في مقعد ملكه من المدينة البيضاء من حضرة فاس بمحضر الفقهاء والعلماء والأساتذة والقضاة والشرفاء والخطباء وأصحاب العلوم ... وأخذ الرئيس أبو الوليد يعددهم واحدا واحدا إلى أن قال: وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج الكثير الجولة بالمشرق والمغرب وجميع البلاد محمد ابن بطوطة الطنجي العارف بالتاريخ ... " على ما نذكره في الملاحق. ومعنى هذا أن الرحالة المغربي كان معدودا في صدر رجالات الفكر والعلم والدولة جميعا «١٥» وللمتتبع لغضون الرحلة أن يقف بنفسه عند الخطوات الأولى للرجل، وهو يودّع طرابلس، عند ما تقدم على سائر رفاقه وفرض نفسه على بقية أعضاء الركب. وإن ابن بطوطة، وهو ما يزال في بداية طريقه، في الاسكندرية أخذ عن الشيخ ياقوت تلميذ أبي العباس المرسي، فهو شادلي بالواسطة وقد حصل في دمشق على نحو من ثلاث عشرة إجازة، وفيمن أجازوه أم عبد الله زينب بنت الكمال المقدسية، ولقد كان حريصا على أن يذكر أسماء الذين أجازوه في أرض الشام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على" انتساب" الرجل إلى بيت العلم والفقه والحديث ...

стр. 75

ولا بد أن نستمع إلى الانتقاد المر الذي وجهه الرحالة العالم لخطيب البصرة الذي لم يحترم قواعد النحو التي إنما عرفت ازدهارها ورواجها بين البصرة والكوفة «١٦» . ولنتتبع زيارته لبغداد حيث نجده بالمدرسة المستنصرية يحضر مجالس الامام الشيخ أبي حفص القزويني الذي كان يتناول بالدرس مسند الدّارمي ... لقد كان حاضرا في مثل هذه المشاهد بذاكرته وبحسه يعترض على ما يسمعه أحيانا إذا لم يقتنع، ويصحح ما يرى أن غيره جافى فيه الصواب. وهو في بلاد فارس اغتنم الفرصة لاستجماع حصيلة كبرى من المعارف والاتصال بأكبر عدد من رجالات الحديث والفقه والتصوف. وقد كان يعرف كيف يتحبب الى الناس ويتقرب إليهم بما أوتيه، هو نفسه، من خصال العلماء وفضائل الفقهاء ... وهكذا وجدناه يضيف إلى إجازاته في دمشق إجازات أخرى من بعض رجال العلم والفضل في إصفهان. أكثر من هذا، استمعنا إليه يخبرنا عن تأليف له جديد، غير هذه الرحلة، وهو خبر طريف، ويتعلق الأمر بتصنيف طلب منه أحد الملوك في آسيا الصغرى: سلطان بركي: أن يؤلفه له حول الحديث الشريف ... وما من شك في أن المرء لا يجرؤ على حمل القلم للتدوين في موضوع كهذا دون أن يكون متوفرا على زاد من العلم كبير ... وقد قرأنا بعضا من قصيدته اللّامية في مدح السلطان وهو بالهند: فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة ... لكنت لأعلاها إماما مؤهّلا فانت الامام الماجد الأوحد الذي ... سجاياه حتما أن يقول ويفعلا!! وكان مما يدل على مكانة الرجل العلمية ما كنا نتحسسه من خلال مذكراته مما كان يعبّر فعلا على أنه أطروفة من أطاريف الزمان وأنّه ليس إمّعة يردد ما قاله الآخرون دون تمحيص. ولأضرب مثلا بما ينقله أحيانا عن ابن جبير من معلومات، فهو عند حديثه مثلا (٢٠١ ,I) عن فوائد مستغلات جامع دمشق في كلّ سنة، يقدر ذلك بنحو خمسة وعشرين ألفا دينار ذهبي من سكة بني مرين، وهكذا نجده يحول تقديرات ابن جبير البالغة خمسة عشر ألف دينار من سكة بني عبد المؤمن ... وقد فعل ذلك لتيويم المعلومات أي جعلها مواكبة لعصره ... وهو إذ يستأنس بابن جبير أيضا، نراه لا يردد ما أفاده سلفه من أن خطبة الجمعة تتضمن الدعاء للخليفة. وخلافا لذلك نجده يتحدث عن الدعاء لملك مصر لأنّ اليوم غير الأمس والحكام الحاليون ليسوا هم الحكام السابقين!!

стр. 76

وإذا كان ابن الخطيب في الإحاطة نسب اليه المعرفة بالطب فإنه مصيب في ذلك نظرا لما احتوته الرحلة من دلالات وشهادات ... وابن بطوطة هو الذي لاحظ أنّ أهل الهند لا يجعلون بيت المال عاصبا عندما تستكمل حصص الوارثين على عكس ما يوجد عند المالكية الذين يعتبرون بيت المال عاصبا عند فقدان الوارث وهو ما كان يعتمده المغرب إلى عهد قريب. وحديث ابن بطوطة عند التعزير عند الشافعية وأنه لا يتجاوز الحد. بينما نجد أن التعزير عند المالكية غير محدد، وان للإمام أن يجتهد فيه حسبما يراه ولو تجاوز الحدّ. وقد رأيناه بين الفينة والأخرى يتحدث عن أن هذا الحكم يجري على مذهب الشافعية وذلك يجري على مذهب الإمام مالك الأمر الذي يجعل رحلته أيضا مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي. وقد سمعناه يقول وقد عرضت عليه وظيفة سياسية هامة:" إن القضاء والمشيخة شغله وشغل آبائه" ... وقد تحدث فعلا عن فقيه جليل هو أبو الحسن علي الأنجرى الذي كان يتردد على والد ابن بطوطة بطنجة التي عرفت مجالس أمثال الشيخ أبي سعيد «١٧» وما بالك بسائح يلقى مكانة رفيعة عند الحدود المصرية ويستضيفه" أستاذ دار" الذي يعهد إليه عادة بترصّد علية القوم واداء فروض الاحترام لهم. وما بالك بفقيه لم يتردد في استنكار ركوب الشيخ هود علي محفّة تحملها أكتاف فتيانه وكأنهم الحيوانات عوض أن يركب متون الخيل التي كانت تمشي مع الموكب مجنوبة؟! ولقد كانت آخر وظيفة له كما قلنا أن كان قاضيا في (أنفا) عاصمة تامسنا التي احتضنت عددا كبيرا من رجال العلم والمعرفة ممّن ترجمت لهم كتب التاريخ من أمثال أبي الحسن ابن الرقاص الذي كان يقرئ بمدرسة أنفا التي بناها السلطان أبو عنان بالجامع الأعظم «١٨» ... وإذا كان ابن بطوطة إنما اشتهر بالرحلة التي توجد بين أيدينا، فإن صاحب كتاب: " دليل مؤرخ المغرب الأقصى" يذكر أن لابن بطوطة تأليفا آخر يحمل اسم (الوسيط في أخبار من حلّ تمنطيط) «١٩» ، تكلم فيه على رجال المدينة المذكورة التي تقع في إقليم توات، وكانت

стр. 77

اهلة بالعلم في القرنين السادس والسابع الهجري ويقع التأليف في مجلد ضخم على ما أخبره به بعض علماء الإقليم ... وقد كان مما لفت النظر في الرحلة أنّ ابن بطوطة- بالرغم مما تقلب فيه من وظائف وما مرّ به من ظروف- لم ينس المغرب الذي ظل أمام مخيلته وبين سمعه وبصره. وحتى نعرف درجة الحسّ الوطني للرجل لا بد أن نلاحظ تصيّده الفرصة لذكر المغرب، فهو يفيدنا أن المغاربة شاركوا ضد هجوم القرامطة على الكعبة، وهي الحقيقة التي نجد لها صدى في المصادر القديمة للتّاريخ الدّولي للمغرب ... ولم ينس أن يقارن بين (الصقورة) في المغرب وبين (سيربيدار) في فارس ... ولم ينس أن يقارن بين نظام" الفيلات" في الصين ومثيلاتها في سجلماسة!! بل وبين قطع الأسطول والأجفان بالمغرب وعددها في الصين ... سواء منها الغزوية او السّفرية، أو الحربية والتجارية بالمصطلح الحديث. ولقد علقت بمخيلته صور الأودية الكبرى بالمغرب، فهو يقارن وادي سلا، بنهر مدينة إصطنبول ... ولا يفوته أن يذكر بأنه يدّخر مذكراته التي يكتبها ليفيد بها مواطنيه بالمغرب ... وعند ذكر الطيور وعند حضور الأسماك، وعند رؤيته للأواني الخزفية التي تقدم إليه، لا بد أن يعتزّ بالخزف الذي تصنعه الأيادي المغربية. وحتى في شكل الخصومات والمرافعات نجده يقارن بين شكلها ونوعها في بلاده الأصلية وفي الأماكن التي كان يتجول فيها ... ويلاحظ أن الرجل كان في مستوى ما تنعم به بلاده من ذكر جميل ولا بد أن نحضر معه ذات يوم خروجه للأسواق ليقتني الملابس المناسبة لرحلة صيد دعاه إليها السلطان. إنه كان يريد" أن يظهر القوة والهمة" ... لقد كان حريصا على أن يمثل بلاده أحسن تمثيل إذ كان عظيم الاعتزاز بهويته المغربية في البلاط الهندي. وهو الأمر الذي ما يزال مثقفو الهند يذكرونه إلى اليوم، لقد كان يعلم أن بلاده، في ذلك العهد، كانت على وضع ممتاز، وأحسن على كلّ حال من وضع تلك الجهات، ولذلك فإنه كان يجيب عند ما يسأل عن أصله: بأنه ينتسب إلى بلد أصيل اثيل وفي هذا الصدد لابد أن نلفت النظر إلى نوع من المقارنات الطريفة والدالة على الحسّ الاقتصادي والتجاري الذي كان يتوفر عليه، والذي يعبر عن شمولية شخصيته واكتمالها: قضية تتبّعه للأسعار وتتبّعه للمكاييل والمعايير والموازين، وقيمة العملات حتى لكأنك مصحوبا بجريدة تطلعك على أسعار ما يجري في السوق. وهكذا لم يكن الرحالة رجل فقه وأحكام وأوراق، ولكنه رجل مطلع على كل شيء. فقد بدا مهتما بقضايا الصرف والمقارنة بين العملة في المغرب وغيره، عند ما كان بمصر والبصرة، وتركيا ... والهند، وكذلك المقارنة بين الرطل بالمغرب والمنّ في الجهات

стр. 78

الأخرى، والأوقية والدينار المغربي وما تعرف عليه هناك مما سماه التّنكة ... ولم يفته، وهو يتحدث عن دور ضرب السّكة في الصّين أن يذكر دور السكة في بلاده المغرب. إن أسعار الخيول هناك غيرها في المغرب ... وإن أسعار الفراء في أرض الظلمة ترتفع إلى مبلغ هائل لا يتصوره شخص نشأ في أرض لا ترتدي الفراء. وقد رأيناه أحيانا يربط بين المعلومات المتعلقة بآسيا والمعلومات المتصلة بإفريقيا السوداء ... ومن هنا اعتبرت الرحلة في العصر الوسيط دليلا تجاريا للذين تهمهم الدراسات الاقتصادية على ذلك العهد على ما أشرنا إليه «٢١» ومن الملاحظ أن الرجل كان يتأقلم بسرعة زائدة، فهو يتعلم اللّغة التي يتكلم بها القوم الذين ينزل بساحتهم ... وقد بدأ يفهم اللغة الفارسية قبل أن يتعلم التركية، لأن الفارسية كانت منتشرة في المنطقة كلّها حتّى في بلاد الصّين ويكتب اللّغتين بحروف عربية على ما كان عليه الحال ... وحتى إذا لم يحسن الكلام باللسان فان اذانه تلتقط ما يصلها من جمل وكلمات، ومن هنا وجدناه يردد بعض الكلمات التي تطرق سمعه بالفارسية والتركية «٢٢» ... وفي سائر الحالات فانه لم يكن يشعر بمركّب نقص وهو يستعين بترجمان ينقل عنه ما يريد أن يقول، وفي هذا الصدد ساق بعض النكت التي وقعت له مع بعض التراجمة من الذين يدّعون أنهم يحسنون اللغة! ومن تأقلمه وجدناه يتناول التنبول منذ وصوله إلى دمشق وأثناء مقامه بمكة المكرمة وبافريقيا الشرقية وطول مقامه بالهند ... إن سائر الأشياء كانت بالنسبة إليه مقبولة ما دامت ترضي من يوجد حواليه شريطة أن لا تخالف مبادئه. ولم يفت ابن بطوطة أن يتعرف على جنسيات السفن التي كان يمتطيها للقيام برحلته، بل لم يفته أن يشيد بمن يستحق الاشادة إنصافا وعدلا، ويندد بمن كان سلوكه لا يرتضى، لا فرق عنده بين مسلم ونصراني على نحو ما كان يفعله الرّحالة ابن جبير والرّحالة أبو حامد الأندلسي الغرناطي ... ولقد أخذنا فكرة عن الحركة البحرية على عهده، كما عرفنا عن الأساطيل التجارية التي كانت لها الهيمنة على ذلك العهد، فقد كان يتنقل مع السفن الجنوية والصّينية واليمنية والعمانية والكطلانية ...

стр. 79

ومن الملاحظ أنه أي ابن بطوطة لم يتحدث- وهو عائد إلى المغرب- عن السفن أو المراكب المغربية، مع العلم أن السلطان أبا الحسن المريني كان في تونس يتوفر على عدد من قطع الاسطول المغربي، ولكنه أي ابن بطوطة فضّل أن يعود، كما نعلم، عن طريق أحد المراكب القطلانية حتّى لا يحرج أحدا بمطلب ... ! والحديث عن المراكب يسلمنا إلى الحديث عن الرياح الطيبة وتحكّمها في مواعد السفر، وهذا موضوع من الأهمية بمكان، وقد أصبح ابن بطوطة من العارفين بالرياح والقنباص. وقد كوّن لديه الوضع الاجتماعي للمرأة ومركزها عند الأمم التي زارها أفكارا لا تخلو من إراف وإتحاف، وقد تحدث عن النساء المتجملات المتعطرات في مكة ... إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصبّا جاءت بريّا القرنفل! وتحدث عن عفة المرأة وشفقتها وهو في خراسان، كما تحدث عما تبلغه المرأة من مكانة سامية في بلاد الترك والتتر حتّى أن القرارات لا تصبح نافذة إلا إذا صدرت عن أمر الخواتين إلى جانب السلاطين!! وحتّى بلاد السودان والصحراء عند ما تتمتع السيدة بحريتها في التعامل الشريف.... وعند ما تتميز باستظهار القرآن في هنور من بلاد الهند! انّ الرحلة مع ابن بطوطة في عالم المرأة يجعلك تشعر بأن الرجل نموذج للصراحة والبراءة معا، فهو رجل مقروء مفتوح، وهو يسمّي الأشياء بمسمّياتها بدون لفّ ولا دوران، فكان يعبر بذاك عن قوة شخصية عند ما يحكي عمّا تخفيه مكامنه ... لم يجد أيّ حرج في الحديث عن الخصومة التي شبّت بينه وبين صهره لزوجته الأولى الصفاقسيّة ... ولم يجد ما يمنعه لكي يقترح توقيف ركب الحاج في الجبل الأخضر حتى يحتفل بعرسه على سيدة فاسية كانت ترافق والدها إلى مكة ... ! ولم تكن هذه (الفاسية) هي الثانية والأخيرة في حلقات السلسلة الطويلة لزوجاته التي قد تكون بدأت من طنجة! فقد تزوج بدمشق عند زيارته الأولى حفيدة لمكناسي كان مقيما هناك، وقد عرفنا من أسماء زوجاته الأسيويات (مباركة) و (الحور نسب) ، أما اللاتي لم نعرف عن اسمهن فعددهن كثير وكثير!. ويتأكد أن قلّة السّراج الذي يساعد على السّمر هو الذي كان وراء الرحالة المغربي في البحث عمن تعوضه عن الحديث والسراج! وكما سنرى فإنه لم يشعر بأي خجل في المقارنة بين هذه أو تلك، ليس فقط من حيث الأخلاق والسلوك والعشرة ولكن من حيث إرضاء الرغبات الجنسية كذلك!

стр. 80

ولم ينس ابن بطوطة في كل مناسبة أن يهتم بكلّ ما يقوي الباءة ويساعد على المضاجعة!! فهو يتحدث دوما عن الوصفات الطبّية التي تقوّي الظهر، ولا شك أن مثل هذه الشهادات مما يزيد في صدق المقولة السائرة بأن العرب يتميّزون عن غيرهم فيما يتصل بهذه الحقول!! وفي هذا الصدد أيضا لم يغفل ابن بطوطة عن التّنويه بالسّيدات المهرتيات (Les mahrattes) اللّاتي" كان لهنّ من طيب الخلوة والمعرفة بحركات الجماع ما ليس لغيرهن". وقد شغله أمر اهتمام السلطان بالملكة (طايطو غلي) وحظوتها عنده دون سائر الخواتين حتى اهتدى للسرّ الذي حاول أن يصل إلى حقيقته!! ولا شك أن هذا الحديث يتبعه الحديث عن الذّرية التي خلّفها ابن بطوطة في تلك الجهات ومن غير أن نعتبر أن هذا ممّا يدخل في اطار حياته الخاصة كما يقولون اليوم. فإن ما عرفناه من تلك الذرية هو اسم أحمد الذي تركه حيّا بالهند عند الامير غياث الدّين والذي قال عنه: إنه لم يعرف ما فعل الله به! في حين تحدث فيه عن بقية أولاده بما نعرفه ...

стр. 81

بين ماركو بولو وابن بطوطة لقد اقترن الحديث عن ماركو بولو البندقي بالحديث عن ابن بطوطة الطنجي لدى كل الذين اهتموا بالرحالة، وخاصة عند علماء الغرب، «١» وقد كان من حقّهم أن يفعلوا، فإن الأول هو الذي قصد- قبل نحو من ستين سنة من تحرك ابن بطوطة، بلاد الشرق الأقصى وسجلت مذكراته التي كانت محل تعليق واسع ... لكنّ الملاحظ أنّ رحلة ابن بطوطة اتسع فضاؤها أكثر مما كان الأمر بالنسبة لرحلة ماركو بولو علاوة على الحصيلة العلمية التي كانت تختلف من الواحد إلى الآخر ... وهكذا فإذا كان ابن بطوطة قد حقق رحلته وحيدا، وإذا كان محرر رحلته ابن جزي كان يقتصر على إضافات محدودة وموثقة، فإن محرر رحلة ماركو بولو روستيشيلو (RUSTICHELLO) كان يضيف من خياله على ما لاحظه بعض المعقّبين وخاصة عند الحديث عن الصين «٢» ... يضاف إلى كل هذا أن رحلة الأول اقتصرت على آسيا دون افريقيا وأوربا ... ومعنى هذا أن الجمهور الذي عرف عن الرحالة المغربي كان أوسع من جمهور ماركوبولو. وفي معرض اعتزاز ابن بطوطة بطول نفسه في الرحلة، واتساع رقعة منهاجه في التجوال ذكر أنه يفوق السائح المصري الشيخ عبد الله الذي لم يدخل لا إلى الصّين ولا إلى جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان. وأعتقد أنه لو قدر لابن بطوطة أن يجتمع بماركو بّولو لعلّق بمثل ذلك التعليق، إذ إننا عرفنا أن الأراضي التي زارها الرحالة المغربي كانت تفوق كثيرا وكثيرا ما قطعه ماركو بّولو. وقد تفوق رحالة طنجة على رحالة البندقية بشيء أهمّ وهو أنه استطاع أن يمتزج مع سكان البلاد التي وصلها عن طريق المصاهرات، وعن طريق الوظائف السامية التي تقلدها والاتصالات التي كان يجريها مع مختلف الأوساط، الأمر الذي كان يرضي فضوله وتطلعاته المتنوعة والمتجددة في ذات الوقت. ويكفي- لكي نعرف حجم الرجلين ونعرف مع هذا مدى رصيد الجانب المعرفي لكلا العملين- يكفي أن نقوم بجرد لعدد الأسماء الجغرافية التي وردت عند هذا وذاك، وأن نعدّ الأعلام الشخصية التي جاءت في مذكرات الأول والثاني، يكفي ذلك لنخلص إلى الإشادة بذاكرة الرحالة المغربي التي استطاعت أن تختزن كل تلك الأسماء جغرافيا وانسانيا، وأن تحتفظ بشكلها وضبطها ومواقعها بالرغم من العدوان الذي وقع على مذكراته. إن كل ذلك الاستظهار وذلك الاستيعاب كان فوق طاقة البشر حقّا. وحتى جانب الاتحاف والإطراف في كلا الرحلتين كان يبرز، دون تردد، تفوق ابن بطوطة. وقد مر ويمر بنا

стр. 82

كان ابن بطوطة أول مغربي أخذت له منذ عام ٧٤٧- ١٣٤٦ عدة صور بمختلف المدن الصينية بمناسبة زيارته لتلك الجهات (ج ٤ ص ٢٦٢) . وإذا فاتنا الحصول على تلك الصور، فإنه لا يفوتنا أن نقدم هنا رسما من عمل ليون بينيط (Leon Benett) من القرن التاسع عشر يتخيل ابن بطوطة في مصر، حيث تحدّى زميله الشيخ عبد الله الذي لم يبلغ الصين ... ! هذا الرسم أخذناه من أرشيف روجي فيولي (ROGER -VIOLLET) باريز بعد الإذن رقم ٧٧٨ بتاريخ ١١/٤/٩٤. نشير بالمناسبة إلى محاولات لاحقة لتخيّل صورة لابن بطوطة كان فيها ما ظهر على طابع بريدي يوم سابع مايه ١٩٦٣ ضمن أعلام المغرب العربي ثم يوم ثاني غشت ١٩٦٦ لمناسبة تدشين خط حاملة السيارات، ابن بطوطة طنجة- مالقة ثم ما نشره أبيركرومبي في (ناسيونال جيوگرافيك) دجنبر ١٩٩١ وما قدّمه محمد الادريسي إلى دار الأدب في فرانكفورت (العلم ١٤/٩/١٩٩٥) وأخيرا الطابع الذي هيأته وزارة البريد ١٩٩٦ بمناسبة الملتقى الدولي المزمع تنظيمه حول الرحالة، وهو يحتوي على النقش الذي وقف عليه ابن بطوطة في مسجد مالديف ...

стр. 83

رحلة ابن بطوطة في الدراسات الاستشراقية

стр. 84

رحلة ابن بطوطة في الدّراسات الاستشراقية نال المغرب نصيبا وافرا في الدّراسات الاستشراقية، ليس فقط لأنه غني بما يزخر به من تراث حضاريّ هائل، وليس فقط لأنّه البلد الوحيد الذي ظل يتمتّع بكيانه كدولة طوال عصور متتابعة، ولكن لأنّ مركزه الجغرافيّ ووضعه بين الأمم الأخرى جعل منه بلدا إفريقيّا وبلدا عربيا وبلدا مسلما، وبلدا له حضور قويّ في القارة الأوربية «١» . ومن ثمّت كان محلّ اهتمام من لدن الذين تشغلهم إفريقيا، وممن يهتمّون بالعالم العربي والعالم الإسلامي، وأخيرا من الذين يولون عنايتهم للعلاقات التي شدّت أوربّا بعالم المشرق والمغرب. وهكذا فنحن أمام اهتمام متنوّع يتناول سائر الفضاءات التي ربّما لا يخطر بعضها على البال. لقد وجد المستشرقون في كلّ ذلك التّراث مجالا واسعا لنشاطهم لأنّه من جهة يساعدهم على فهم الجهات الأخرى، ولأنه من جهة ثانية يعطي صورة دقيقة عن نمط خاصّ يتميز عن الأنماط التي عرفوها في بعض الأنحاء ... وسينصبّ حديثنا هنا على موقف المستشرقين من رحلة ابن بطوطة إن في حديثها عن القارة الإفريقية أو الأسيوية أو الأوربية ... لقد كانت أصداء وجود رحلة ما لابن بطوطة تجاوزت بلاد المغرب عند ما روّج أخبارها ابن خلدون في مقدمته والتمجروتي في رحلته وكذلك المقرّي في كتابه نفح الطيب، هذا إلى أصداء الرسالة الهامة التي وقفنا عليها ضمن الوثائق التي كان يتوفر عليها الدبلوماسي النمساوي المستعرب ضومباي (DOMBAY) على ما عرفنا في فصل (مخطوطات الرحلة) ... وهكذا فبعد كلّ تلك الأصداء والأخبار مما عرفنا ومما لم نعرف، أخذ المستشرقون يبحثون عن نسخها الأصلية، ولكنهم لم يجدوا إلّا مختصرا اكتشفه المستشرق العالم

стр. 85

الألماني بوركهارت (Burckhardt) الذي كان أول من أثار انتباه أروبا لهذه الرحلة في أعقاب المهمة التي كلف بها في إفريقيا عام ١٨٠٩ «٢» . وقد حصل سيتزن - (Seetzen) وهو بالمشرق- حوالي سنة ١٨١٠ على طائفة من المخطوطات لفائدة مكتبة گوثه (Goethe) كان من بينها تأليف من أربعة وتسعين صفحة يحتوي على مختصر- كذلك- لرحلة ابن بطوطة. وبعد مضيّ عشر سنوات على عمل سيتزن (Seetzen) نشر المستشرق الألماني كوسگارتن،Kosegarten) (بمناسبة ندوة أكاديمية عام ١٨١٨ مقالة تحتوي على نصّ مصحوب بالترجمة لثلاث قطع من ذلك المختصر. وهكذا كان كوسگارتن الباحث الأوّل الذي قدم إلينا بعض المقاطع من الرحلة، الأمر الذي مكّن أحد الجغرافيين من التعرّف على مسالك السّودان ... لقد نشر كوسگارتن ثلاث مقتطفات من ذلك المختصر: إحداها عن رحلة ابن بطوطة إلى إفريقيا، والثانية عن رحلته إلى بلاد فارس، والثالثة عن رحلة ابن بطوطة إلى مالديف، وإضافة إلى هذا أعلن كوسگارتن عن نيته في أن يقوم بنشر سائر المختصر، لكن مشروعه هذا لم يتمّ ... إلّا أنّ أحد تلامذته أبّيتز (Apetz) قام عام ١٨١٩ بنشر مقتطفة رابعة من ذلك المختصر عن بلاد الفلفل والأبزار: المليبار. (Malabar) وقد شهدت نفس السنة ١٨١٩ ظهور رحلة في بلاد النوبة للمستشرق بوركهارت سالف الذّكر، وفي الملحق الذي صحب هذه الرحلة للنّوبة نجد تعليقا يتصل بابن بطوطة. وقد تبيّن أن بوركهارت يمتلك مختصرا اخر أكثر ضبطا من المختصر الذي اشتغل عليه سيتزن وكوسگارتن وأپّيتز. ونذكر من الآن أن بوركهاردت أنصف الرحالة المغربي ابن بطوطة عندما أضفى عليه النعت بأعظم رحّالة يقوم بتسجيل مذكراته في العصر الوسيط، وهي الشّهادة التي نرى البروفيسور أندري ميكيل بعد قرن وثلاثة أرباع القرن يزكّيها على نحو ما كان من الكاتب الانجليزي أبيركرومبي والأكاديمي الفرنسي جان دورميصون «٣» .

стр. 86

ولم يكن ذلك المخطوط المختصر المكتشف- ونسخه ثلاث- من لدن بوركهاردت غير" المنتقي" الذي ألّفه العالم محمد بن فتح الله البيلوني الذي تحدثنا عنه عند تعرضنا للنسخ المخطوطة من ابن بطوطة، وقد انتقل المخطوط بعد وفاة البيلوني- إلى مكتبة جامعة كيمبريدج. وعلى هذا المخطوط، وتحت إشراف الجمعية التي تعني بترجمة المكتبة الشرقية اشتغل العالم المستشرق صامويل لي (Samuel lee) فترجمه إلى الإنجليزية وزوّده بعدد من التعليقات المفيدة. وعن هذا المختصر قال دوزي كلمته الصادقة التي سجلها عند الحديث عن مخطوطة ابن بطوطة التي كان يمتلكها المؤرخ الإسباني دي كايانكوس De Gayangos على ما أسلفنا. وأحب أن أضيف هنا معلومة أخرى، تلك أنه إلى جانب (منتقى) البيلوني، وجدنا في المشرق، وبالذات في مصر (منتخبا) آخر للرحلة مجهول المؤلف ولكنه عرف بعنوان" مختصر الأزهري» على ما قلناه ... وبعد هذا الحديث عن هذه المختصرات للرّحلة، أنتقل إلى (الرحلة) في نصها الكامل، وعلى ما عرفت به بعد في التاريخ المعاصر بسفريها الأول والثاني. وهنا نلاحظ أن المستشرق البرتغالي الأب جوزي دي سانطو انطونيو مورا (P.Jose de Santo Antonio Moura) قام عام ١٧٩٧ بترجمة السفر الأوّل من الرحلة الأصلية إلى البرتغالية ونشرته" الأكاديمية" في ليشبونة عام ١٨٤٠ على ما أسلفناه ... وهذه الترجمة تقوم على مخطوط كان هذا الأب اشتراه أثناء مقامه بمدينة فاس عندما صحب السفارة البرتغالية- ترجمانا- إلى بلاط العاهل المغربي السلطان مولاي سليمان عام ١٢١١- ١٢١٢- ١٧٩٧- ١٧٩٨ قريبا من تاريخ مقام ضومباي بطنجة وكذلك تاريخ مقام دولابّورط بها وبمدينة الصويرة ... وفي مقدمته يؤكد الأب مورا أنه قام بترجمة أمينة لهذا الجزء مضيفا إلى هذا أن المخطوط مكتوب بخط جميل ومعتنى به أكثر ما يكون الاعتناء، بل إنه (أي الأب مورا) يعتقد أنه منقول مباشرة من النسخة التي كتبها ابن جزي بخطه «٤» ومما يلاحظ أنّ الأب (مورا) لم يبدأ الترجمة إلى البرتغالية إلّا من الفقرة التي تتحدث عن خروج ابن بطوطة من طنجة لأنه- على ما قال- لم يعثر على الورقتين الأوليين لهذا السفر، وفعلا فإن المخطوط كما وقفت عليه في مكتبة الأكاديمية العلمية بلشبونة عدة مرّات مبتور الورقات الأولى ...

стр. 87

وقد كان مما لوحظ على عمل الأب مورا أنه أسقط الأبيات الشعرية من حسابه فلم يترجمها! بل وقد أهمل كلّ النقول عن ابن جبير إلخ ... أكثر من هذا. لقد حذف بعض المقاطع برمّتها، مثلا ما يتصل بعلماء الإسكندرية ... وقد برّر هذا الصنيع منه بقوله:" إن اللائحة واسعة ومزعجة." وهكذا كان عمله عند ذكر ملوك مصر وقضاتها وعلمائها وأعيانها ... وكان هذا فعله وهو يصف مكة والمدينة ... إنّ ما حذفه كان يوازي ربع السفر الأوّل، علاوة على تساهله في ضبط المواقع الجغرافية والشخصية على ما لاحظه الباحثان المعروفان رينو (Reinaud) ودوزي. (Dozy) والحديث عن محاولة الأب مورا يجرّنا إلى الحديث عن بقية من حاولوا ترجمة الرحلة. ... وهنا لابد من التّذكير بأن هناك أجزاء كثيرة ومهمة من الرحلة الأصليّة أمست مترجمة إلى عدة لغات ... وقد كان في أوّلها قطعة جيّدة تتعلق بالسّودان ترجمها البارون دوسلان مصحوبة بعدد من التعاليق، ومتبوعة- وهذا مهمّ- بخطاب بعث به دوسلان إلى رينو حول المخطوط الأصلي للرّحلة «٥» . وقد أتى بعد هذا إدوار دولوريي (Edouard Dulaurier) فقدم إلينا في (جورنال أسياتيك «٦» ) النصّ والترجمة مصحوبين بالتعاليق للقسم من الرحلة الخاص بجزر الأرخبيل الهندي، ثم قام كلّ من ديفريميري (Defremery) وسانكينيتي (Sanguinetti) مرّات متلاحقة بترجمة أطراف واسعة من الرحلة الأصلية. وهكذا نشر، بادى الأمر، القسم الخاص برحلة ابن بطوطة إلى فارس وإلى آسيا الوسطى «٧» ، ثم كان الحديث عن الرحلة إلى القرم وقفجق «٨» ثم أيضا الرحلة إلى آسيا الصغرى» ... ثم الفصل المتعلق بالسلطان المغولي الذي كان يحكم العراقين: عراق العرب وعراق العجم ويحكم كذلك خراسان وهو السلطان أبو سعيد بهادور «١٠» طبعا كلّ هذه الأعمال كانت مصحوبة بالتعاليق التي يقتضيها الحال أنذاك. وفي بداية سنة ١٨٥٢ قدّم شيربونو (Cherbonneau) أستاذ العربية بقسطنطينة ترجمة مختصرة لقسم أول من الرحلة إلى أن أخذ ابن بطوطة طريقه نحو سوريا، علاوة على المقدمة

стр. 88

التي حررها ابن جزي «١١» ، ولم يكن تحت يد الأستاذ شيربونو غير مخطوطة واحدة حديثة العهد، جدّا الأمر الذي، ربما. يفسر الأخطاء التي احتوت عليها الترجمة. وهكذا ومن خلال ما تقدم أخذنا فكرة عن الصحوة التي أعقبت المبادرة الأولى التي قام بها المستشرقون الألمان ... لكن العمل الذي نبقى مدينين له بكل التقدير هو ذلك الذي قام به فيما بين عام ١٨٥٣- ١٨٥٨- وبتكليف من الجمعية الأسيوية- كلّ من ديفريميري (C.Defremery) وسانگينتي (B.R.Sanguinetti) سالفي الذّكر، ذلك العمل الذي تمثّل في نشرهما للرحلة مترجمة بكاملها في أربعة أجزاء، وقد شجعهما على ذلك العمل ما أمست الخزانة الملكية بباريز تتوفر عليه من نسخ ثلاث مخطوطة لرحلة ابن بطوطة «١٢» . وبفضل ظهور المجلّدات الأربع للرحلة مصحوبة بالترجمة الفرنسية أمست رحلة ابن بطوطة في متناول العالم الغربي، بل وحتّى في متناول العالم العربي والإسلامي الذي كاد أن يجهل كلّ شيء عن رحلة ابن بطوطة!! إن مبادرة هذين الرجلين نبّهت، وبشكل بارز، كلّ الذين كانوا بحاجة إلى أن يعرفوا أكثر عن الجانب الجغرافي للرحلة وكذا عن الجانب التّاريخي والأنثروبولوجي. وإذا كان الاثنان قد أسهما بصفة جيّدة في بعث هذا التراث المغربي الكبير من مرقده، فإن هناك شخصية ثالثة أسدت معروفا لا ينسى لذلك التراث، ويتعلق الأمر بالأستاذ الراحل هاميلتون أليكساندر روسكين گيب H.A.R.Gibb الذي قام بترجمة معظم الرحلة إلى اللغة الانجليزية منذ أواخر العشرينات «١٣» " ولم يكتف گيب بالترجمة الحرفية ولكنه كان يحاول أن يصل إلى أسرار المعنى. أكثر من هذا قام السير گيب بتحديد طائفة من الأعلام الجغرافية ومواقعها ما أمكنه ذلك، وقد قام إلى جانب هذا بالعمل على التعريف بعدد من الشخصيات التي وردت في صلب الكتاب ذاكرا في أغلب الأحيان مصادره ومراجعه. ويصح القول بأنه لا يمكن للمهتم برحلة ابن بطوطة أن

стр. 89

يستغني عن المجهود الذي بذله هذا الرجل في سبيل تصحيح ما قام به السابقون مما استفدنا منه بطبيعة الحال «١٤» . وقد كان گيب نشر قبل إصدار الجزء الثالث دراسة نقدية حول رحلة ابن بطوطة في آسيا الصغرى وفي روسيا" بمناسبة تكريم الأستاذ الراحل ليفي بروفنصال «١٥» . وما دمنا في ذكر گيب نسجّل هنا أنه بعد وفاته اهتم أحد الباحثين بنشر الجزء الرابع من ترجمة الرحلة إلى الإنجليزية، ويتعلق الأمر بالأستاذ بيكينگام Beckingham الذي قام عام ١٩٩٤ باصدار هذا الجزء واعدا في المقدمة وفي بعض التعاليق بأنّ مجلدا خامسا في طريقه إلى الظهور خصّصه، فيما يبدو، للفهارس وللجانب الكرونولوجي والتوثيقي ... وقد كان في صدر من استفاد من عمل گيب، المستشرق الروسي أ. يو. كراتشكوفسكي (ت ١٩٥١) في كتابه القيّم" تاريخ الأدب الجغرافي العربي" الذي ترجمه الزميل الراحل صلاح الدين عثمان هاشم. لقد قال عن ابن بطوطة:" إنه منافس خطير لمعاصره الأقدم منه تاريخا ماركوبولو. ومن الطبيعي- يقول كراتشكوفسكي- أن ابن بطوطة الطنجي كان له إحساس فطري ذاتي بظروف حضارة العالم الذي يصفه أكثر ممّا كان لدى ماركو بولو البندقي وإن وصف الرحالة المسلم لخط سير رحلته كان أدعى إلى الثقة ممّا عليه الحال مع معاصره المسيحي «١٦» . وقد قام الأستاذ روس دان (Ross E.Dunn) في كتابه باللّغة الانجليزية: (مغامرات ابن بطوطة) بنشر عرض للرحلة ولو أنه كان يحكي عن ابن بطوطة بأسلوب خاص، ولكنه زود كتابه بتعاليق وبخرائط جدّ مفيدة «١٧» . وقد ظهر عالم تشيكي جليل قام بدراسة نقدية رائعة للرحلة خاصة ما يتصل فيها بتحديد المراحل والمواقع والمسافات مقرونة بتحديد الأزمان والظروف، ولا اعتقد أن احدا يستطيع أن يجد من الوقت ومن الصبر ما يمكنّه من القيام، بأناة وتوأدة، من ملاحقة

стр. 90

ابن بطوطة وكشف هفواته والوقوف على فجواته على نحو ما قام ذلك المستشرق التشيكي العالم المتمكن الزميل إيفان هربك الذي قرأنا له بحثا جدّ مفيد في براغ أوائل الستينات «١٨» قبل أن يتوفاه الله عام ١٩٩٣. وقد تهافتت جهات أخرى ممّن تنتمي للعالم الناطق باللّغة الانجليزية على الاستفادة من الرحلة بعد ظهور الترجمة الانجليزية، وهكذا اتسعت دائرة المعرفة بها والاطلاع عليها أكثر فأكثر ... هذا وقد قرأ الناس ترجمة الرحلة كلّا أو بعضا بعدد من اللّغات الأخرى غير الفرنسية والانجليزية، فترجمها الدكتور هانس قون مزيك (Hans Von Mzik) إلى الألمانية «١٩» ... وترجمها إيقان هربك، (Ivan Hrbek) سالف الذكر، إلى اللغة التشيكية، وترجمها إلى الإيطالية گابرييلي (Gabrieli) عام ١٩٦١ «٢٠» ، وترجمت إلى اللغة التّركية على يد لجنة وزارة المعارف أواخر عهد العثمانيين في خمسة مجلدات «٢١» ، ... وقد ترجمت إلى اللّغة الفارسية من لدن الدكتور الزميل محمد علي موحّد تحت عنوان:" سفرنامه ابن بطوطة" «٢٢» ، وإلى اللغة السويدية وقد قام بترجمتها هيرمان المكيسط (Herman Almquist) وخاصة منها الفصل الخاص بتحرّك ابن بطوطة من طنجة إلى الاسكندرية، هذا إلى ترجمتها للّغة الهندية واللغة الأرمنية، واللّغة اليابانية واللّغة الإسبانية «٢٣» . وعلمت أثناء زيارتي لسمرقند صيف ١٩٧٤ أن جماعة من المحققين يعكفون على مراجعة ترجمة للرحلة باللغة الرّوسية. وقد أهديت لي أثناء زيارتي للصين ترجمة كاملة للرحلة باللغة الصينية «٢٤» عام ١٩٨٤. لقد ناهزت الترجمات العشرين، ونحن على يقين أن هناك ترجمات أخرى لا نعرفها. وكأنّ ترجمة واحدة للرحلة لم تكن كافية لأصحاب تلك اللغة،

стр. 91

فوجدنا من بين أصحاب اللغة الواحدة من ينافس زميله في البحث عن خفايا الرحلة فيقدم لنا رحلة ابن بطوطة باللغة الفرنسية أو الانجليزية أو البرتغالية أو الألمانية في بحوث وترجمات أخرى بأساليب أخرى. ومن هذا ما ظهر ١٩٩٠ عن مؤسسة (لاديكوفيرت couverte "" (La De -بباريز من تقديم وتعليق في ثلاثة أجزاء للأستاذ صطيفان ييرازيموس Yerasimos) (Stephane اعتمد فيها أساسا على الناشرين الفرنسيين السابقين وعلى أعمال السّير هاميلتون گيب. هذا إلى جانب العمل السابق الذي قام به ١٩٦٨ فانسان مونطي (V.Monteil) عند ما أعاد نشر الرحلة وزودها، بدوره، بتقديم جيّد وتعليقات مفيدة اعتمد فيها على عمل العالم التشيكي إيفان هربك سالف الذكر، هذا إلى البحوث المركزة التي عززت جانب الرحلة من أمثال بحث العالم الفرنسي الأستاذ ر. موني وفريقه، والأستاذ أ. ميكيل وأمثالهما كثير «٢٥» . وينبغي أن نؤكد أن معظم هذه الترجمات- إن لم نقل كلّها- تصحب بتعليقات لا غنى عنها للقارىء، بل أكثر من هذا فائدة أن بعض هؤلاء الأساتذة قاموا بوضع مقدمات لكل جزء من الأجزاء حتى يجعلوا القارئ الأجنبي عن العربية في الصورة الكاملة لفهم العالم الاسلامي وتقاليده، ولفهم تاريخ دوله على ذلك العهد ... لاحظنا هذه المبادرة ابتداء من الناشرين الأولين ديفريميري وسانگينيتّي وانتهاء بالسّير هاميلتون گيب والأستاذ ييرازيموس وأخيرا بالأستاذ طوماس ج. ايبركرومبي (T.J. Abercrombie) الذي قام عام ١٩٩١ برحلة فريدة من نوعها سار فيها على خطى ابن بطوطة بتكليف من المجلة الإمريكية الذائعة الصيت:" ناشيونال جيوغرافيك ... (National Geographic) " «٢٦» " ونذكر إلى جانب كلّ ذلك العطاء الجمّ الذي قدمته إلينا الدّراسات الغربية فيما يتصل بابن بطّوطة أننا نرى مما يثري هذا الموضوع أن نشير إلى بعض المؤاخذات التي لنا على جانب من تلك الأعمال بالرغم من أنها مؤاخذات جدّ محدودة ...

стр. 92

هناك بعض الكلمات المغربية التي استعملها ابن بطوطة بحكم أنه كان يعيش معها، هاته الكلمات لم تجد عند باحثينا عناية بها للبحث عنها في الفضاء المغربي فراحوا يبحثون عنها في قواميس بعيدة عن بيئتنا!! وأذكر على سبيل المثال كلمة (الفقّاع) المغربية التي تعنى بكل بساطة: الفطر أو الكمأة لكن زملاءنا رأوا فيها ما يوحي بنبيذ الشعير ... ! وإلى جانب الفقاع نذكر كلمة مغربية أخرى: بوقنينة التي حيّرت أصدقاءنا فوضع بعضهم علامة استفهام عليها، وراح بعضهم يبحث عن معني لها من خلال معنى القنّينة عند المشارقة، مع أن الكلمة معروفة في شمال المغرب الذي ينتسب إليه ابن بطوطة، وهو نبات قصير يكثر في المناطق الجبلية يستعمل لعدّة أغراض. وقد حفظ في الأمثال المغربية هناك: " غرسته حبق فخرج لي بوقنينه"! «٢٧» ولقد تعب الناشران في البحث عما تترجم به كلمة (البوجات) المستعملة في المغرب بمعنى: الهودج أو المحفّة التي تحمل فيها العروس، فراحا يبحثان عن معناها في اللّغات الأسيوية. وقد التبست عليهما كلمة القريّة (كهديّة) فقراها القربة بالباء (١٤٦ -IV) ! ونذكر إلى جانب هذا كلمة (المقيّرة) التي استعملها ابن بطوطة نعتا للجبة عند ما وقع أسيرا بأيدي الهنود وغدا مدينا بحريته لشابّ هندي أعطاه الرحالة المغربي جبته- وكانت من نوع رفيع- فأعطاه الشاب الهندي جبة مقيّرة باليّة. هنا بالرغم من أن الناشرين الاثنين يريان أن النسخ التي يتوفران عليها تكتب المقيّرة فانهما- كما يؤكدان في التعليق- لم يتردد افي أنها (المنيرة) بالنون عوض القاف وراحا يبحثان في الأصل الفارسي عن الكلمة وترجماها بالفعل بأنها آتية من النّيلة الفارسية، ومع أن كلمة مقيّرة معروفة إلى الآن عند المغاربة بمعنى وسخة كأنها مطليّة بالقار، يقال ثوبه مقير يعني عليه طبقات من الأوساخ ... والجدير بالذكر أن المخطوطات التي نتوفر عليها بما فيها مخطوطة گايانگوس والخزانة الملكية والخزانة العامة، وفيها ما نعتقد أنه بخط الرحالة المغربي، كلّها وبدون استثناء ترسمها مقيّرة على نحو ما نعرفه نحن اليوم. وقد كان من هفوات الترجمة أنه في معرض الثناء على زوجة له طيبة المعاشرة، ذكر أنه إذا تزوج عليها بخّرت ثيابه، فقد ترجما (تزوج عليها) بما يفيد أنه (تزوج بها) وقد كان من التعسّف تفرقتهم- في الترجمة- بين كلمة العشارين (٢٧٥ -٢٠٤ -IV) وقد كان مما أثار انتباهنا- وقد وقفنا في (مالديف) على اللّوحة التي تنص على اسم

стр. 93

المغربي الذي أدخل الإسلام إلى تلك الجزر- أن بعض المشتغلين بابن بطوطة، وهو (ييرازيموس صطيفان) رأى أن ينتزع تلك" البطوطة" من" البربري" ويعطيها إلى التّبريزي نسبة إلى مدينة تبريز بالرغم من أنه اعتمد في الترجمة أساسا على الناشرين الاثنين! لكنه أي صطيفان رأى في هذه المرة أن يعتمد ليس على الاثنين لكن على آخر اسمه فوربس Forbes الذي اعتمد بدوره على مخطوطة كان صاحبها يجهل كلّ ما كتبه ابن بطوطة قبله بأربعة قرون عن إسلام جزر مالديف «٢٨» ! وإذا كان ييرازيموس فضلّ أن يعطي البطولة للتبريزي، فإن العالم التشيكي هربك رأى أن القصد بالبربري إلى أحد المنتسبين لبلاد الصومال نظرا لأنها أقرب جغرافيا إلى مالديف! وكأن هربك لم يقرأ عن اجتماع محمد بن عمر التازي البغدادي بالخليفة العباسي المعتمد (ت ٢٨٩- ٩٠٢) على ما نجده عند التنوخي في كتابه (نشوار المحاضرة) ، ولم يقرأ عن المقدسي في كتابه" أحسن التقاسيم" وهو يجتمع بعدد من علماء الأندلس بمكة عام ٣٧٧- ٩٨٧. هذا إلى أنهما أي الناشرين السابقين أحيانا لم يتريثا قليلا لتقديم معلوماتهما عن بعض المواقع الجغرافية في المغرب. وفي هذا الصدد ينبغي أن نرجع إلى الجزء الأول من عملهما ص ٨٤، والجزء الرابع ص ٣١٢. حيث تكررت ترجمة (الزاوية) التي انشأها السلطان أبو عنان بفاس، بالمدرسة البوعنانية! مع أن القصد إلى منشأة أخرى غير المدرسة يقول ابن بطوطة إن العاهل بناها بخارج حضرته، ومعلوم أن أبا عنان أنشأ هذه المعلمة الكبرى كفندق لإيواء الضيوف على مقربة من وادي الجواهر وكانت آية في النقوش والرسوم المجسّدة على ما سنرى في الملاحق هذا إلى أعلام جغرافية أخرى وقع فيها الخطأ عندهما فسرى إلى من قلّدهما. ونذكر على سبيل المثال (ج، ٢، ١٩٦) ظفار الحبوضي التي نقل الاثنان أنها ظفار الحموض على ما سنرى عند التعليقات على صلب النص. ونحن نتحدث عن الاسماء الجغرافية في الرحلة لاحظنا أن هناك عددا من الأعلام لم تنل حظها من البحث والتنقيب على نحو ما كان عليه الأمر في وادي قرة بالأندلس، وجناتة، ودار الطمع بالمغرب على ما سنرى في التعليقات. وقد اعترضتنا بعد هذا انسياقات أخرى كان عليهما أن يتريّثا فيها، مثلا حديثهما (ج ١ ص ١٥٥) عن الأديب أبي الفتيان جبوس عوضا عن ابى حيّوس الذي هو الصواب.

стр. 94

وحديثهما (ج ١، ١٩١) عن الشاعر شرف الدّين ابن محسن عوضا عن الشاعر أبي المحاسن عنين الذي هو الصواب. ومثلا ما ورد (ج (٢٢٢،I عن كتاب المفهم في شرح صحيح مسلم للقرطبي، هذا الكتاب سمي عندهما انسياقا مع إحدى المخطوطات (المعلم) الذي الفه المازري مع أن الصواب كما هو معلوم: المفهم، وقد كان مما ورد عندهما (ج (٢٣٠،I نسبة مدرسة هامة بالصالحية في دمشق إلى ابن عمر مع أنها لأبي عمر على ما هو في المخطوطات الموثوقة. وقد كان مما لفت نظرنا ما ورد عندهما (ج (٢٤٨،I حول العلامة ابن الشحنة الحجار، فقد نقلا معا أنه الحجازي عوض الحجّار ... وقد كان مما وقفنا عليه عند الناشرين المذكورين (ج I ص ٢٥٢) ما ورد حول الشيخ (البجدي) بالباء ثم الجيم فلقد تحرف عندهما الى النجدى، هذا إلى خطأ آخر في نفس الجزء والصفحة (١، ٢٥٢) ويتعلق الأمر بجمال الدّين أبي المحاسن يوسف المزي الذي رسم خطأ المزني (بالنون) ، الامر الذي سار عليه كل الذين نقلوا عن الاثنين دون روية ... ! وفي الأعلام الشخصية التي كانت تحتاج إلى التصحيح ما ورد عندهما (ج II ص ٨٣) حول روز جهان القبلي عوض روز بهان البقلى الذي هو الصحيح. وقد كان من الأخطاء التي أثارت الانتباه ما ورد من حديث عن ابن شبرين (بالباء) السبتي نسبة إلى سبتة المغربية، هذا العالم تحوّل اسمه عندهما إلى ابن شيرين (بالياء) عوض الباء كما تحول السبتي إلى البستي نسبة إلى بست، ويا بعد ما بين سبتة وبست!! وفي حديثهما عن ابن بطوطة وهو بتونس عائدا من المشرق تحوّل عندهما (ج ٤، ٣٣٠) اسم زيان بن أمديون العلوي وزير السلطان أبي الحسن وصهره وظهيره إلى ابن أمريون بالراء عوض الدال. ومثلا (ج ٤ ص ٣٣١) تحول اسم الآبلي نسبة لآبلة) AVILA (في الأندلس إلى الأبلي نسبة إلى الأبلة في البصرة! والملاحظ أن هذه الهفوات وقع في معظمها جلّ الذين اعتمدوا على النسخة الفرنسية من الناشرين اللّاحقين على ما سنرى ... ! وقد كان من غريب ما وقع فيه المترجمان أن تلتبس عليهما في البداية كلمة (الصاحب) التي كان يقصد بها ابن بطوطة: الصاحب بن عباد، بكلمة (الصاحب) التي تعني الصديق (ج ٢، ص ١٦) ! لنقرأ هذه الفقرة في الرحلة تعليقا على أن ماء مدينة البصرة غير جيّد، قال ابن جزي: ألوان أهل البصرة مصفرة، حتّى ضرب بهم المثل، قال بعض الشعراء وقد أحضرت بين يدي الصاحب أترجة.

стр. 95

لله أترج غمدا بيننا ... معبّرا عن حال ذي عبرة كما كسا الله ثياب الضنّا ... أهل الهوى وساكني البصرة! الشاهد عندنا في أحضرت، الهمزة مضبوطة عند الاثنين بالفتح وقد ترجمت هكذا: Un poete de mes amis. a qui je presentai un citron composa ces vers: ومن هذا المعنى نذكر التباس كلمة السّفر بكسر السين وتسكين الفاء، بمعنى الجزء أو المجلّد، بكلمة السّفر بفتح السين والفاء، التبس ذلك على بعض التراجمة الإنجليز فكان في بعض الأحيان يترجم كلمة السّفر ب!! (Journey) ومع كلّ هذا فإنه لا يسعنا إلا أن ننوه بالعمل الجادّ الذي قام به التراجمة من مختلف الجنسيات من أجل بعث رحلة ابن بطوطة من مرقدها وجعلها في متناول الجميع وبمختلف الوسائل ... والحقيقة أنّني لم أسمع في الدنيا عن رحلة نقلت من لغتها الأصلية إلى لسان ثان، ثم ترجمت من ذلك اللّسان الثاني لتعود إلى لغتها الأولى بصياغة حديثة، ولقد تحقق ذلك في رحلة ابن بطوطة التي ترجمها غيرمو غوسطافينو عن الإسبانية بأسلوبه العربي الذي كان يرى أنّه أكثر إثارة وأوفى إشارة «٢٩» !! وقد لذّ لي- وأنا أزور دول القارة الإمريكية التي لم يصلها ابن بطوطة- أن أبحث: هل ما إذا كان له صدى هناك، ولشدّ ما كان استغرابي وأنا أقف على عشرات البحوث التي كتبها إمريكانيون بل واستراليون عن هذه الرّحلة العظيمة التي لن ينتهي الحديث عنها ...

стр. 96

اهتمام الكتّاب العرب بالرحلة

стр. 97

اهتمام الكتاب العرب بالرحلة ... والآن وقد ألممنا بعض الشيء بعمل المستشرقين من أجل رحلة ابن بطوطة، نرى من المفيد أن نخصص هذا الحيّز لما قام به الزملاء العرب كذلك من جهود متنوعة مشكورة للإستفادة من الرحلة ... وأرى من المفيد، منذ البداية، أن أذكّر بأنه بالرغم مما ظهر في المشرق من طبعات عديدة للرحلة منذ أواخر القرن الماضي وبالضبط ١٢٨٨ هـ ١٨٧١ م إلى اليوم فإن كل تلك الطبعات، وبدون استثناء، إنما كانت منقولة من الطبعة الباريزية، أي إنه لا يوجد ناشر واحد قام بمبادرة من عنده للاعتماد على مخطوطات جديدة غير التي اعتمد عليها الناشران الفرنسيان: ديفريميري وسانگينيتي، بل لم نجد واحدا من زملائنا من كلّف نفسه حتى زيارة المخطوطات الباريزية للقيام ببعض المقارنات والمفارقات ... ! ولكثر ما اعتمد الناشرون على الطبعات السائرة، وجدنا بعضهم يقتصر على اعتماد هذه" الطبعات" فيما ترسمه وتكتبه، فيقول مثلا: بعض الطبعات ترسمه كذا وبعضها تكتبه كذا! وكأنّ الأصول المخطوطة مفقودة «١» ! وفي مصر التي تعتبر- على مرّ العصور- بحقّ رائدة الفكر وعاصمة الكتاب العربي، فإن الرحلة لم تشتهر إلا عند ما صدرت كاملة في باريز عام ١٨٥٣- ١٨٥٨!. فهنا تحركت الهمم لطبعها بمصر نقلا- بالحرف- من الطبعة الفرنسية، ونقول بالحرف ونحن نقصد إلى أن الناشرين التّابعين لم يبذلوا أيّ جهد حتى في تصحيح نسبة الديباجة لابن جزي وليس لابن بطوطة على ما ندركه من قراءة السطور الأولى للمقدمة ... وقد تمّ هذا الطبع أولا بمطبعة وادي النيل بتصحيح أبي السعود أفندي «٢» في منتصف جمادى الثانية ١٢٨٨ هـ- أول شتنبر ١٨٧١ م" على أصله المطبوع مع ترجمته بالفرانساوية بمدينة باريز في سنة ١٨٥٨ ميلادية" كما تقول هذه الطبعة. وتحركت في بداية هذا القرن ١٣٢٢ هـ ١٩٠٤ م همة أحد أبناء فاس فتطوّع الشريف مولاي أحمد بن عبد الكريم القادري الحسني المغربي الفاسي بطبع الرحلة من جديد، وكان عليه- هو الآخر- أن يعتمد على النسخة المطبوعة بمصر المعتمدة بدورها على طبعة باريز.

стр. 98

لقد عرفنا للشريف القادري بعض المبادرات المماثلة عندما طبع على ذمته" كشف الأسرار عن علم الغبار" للإمام القلصادي عام ١٣١٨ هـ- ١٩٠٠ م، وعند ما طبع كذلك على ذمّته" مختصر الشيخ خليل" في الفقه المالكي عام ١٣٢٢ هـ- ١٩٠٤ م بالمطبعة الحجرية بفاس ... ولعلّ الشريف القادري تعذّر عليه أن يقوم بطبع رحلة ابن بطوطة في مطابع الحجر بفاس، فقام بهذه المبادرة الجرّيئة واتّصل بمصر التي ظهرت فيها هذه" الطبعة الثانية" للرحلة بمطبعة التقدّم بشارع محمد علي بالقاهرة يوم ١٣ ربيع الثاني ١٣٣٢- ١٧ يونيه ١٩٠٤ «٣» ولكن مع حذف أن الأصل هو الطبعة الباريزية كما فعلت من قبل مطبعة وادي النيل!! وقد ظهرت بالقاهرة طبعة ثالثة عام ١٩٢٨ عن المطبعة الأزهرية: جزان في مجلد واحد أشرف عليها ابن الشيخ حسن الفيومي إبراهيم ونعتها ب" الأولى" ولم تقف الرحلة في مصر عند هذا الحد، فقد رأت وزارة المعارف المصرية، على ما يؤكده المستشرق الرّوسي كراتشكوفسكي، أن دراسة الرحلة في المدارس مما يساعد أبناء مصر على توسيع مداركهم وإثراء معلوماتهم. وهكذا عهدت ١٣٥٢- عام ١٩٣٣ إلى اثنين من كبار رجال التعليم في أول هذا القرن بالاهتمام بالرحلة وإعدادها لتصبح ضمن المقررات المفروضة على طلاب المدارس الثانوية كما عهدت إلى الشيخ محمد فخر الدين بوضع خرائط لها، فكان كتاب (مهذّب رحلة ابن بطوطة «٤» ... ) ونرى من المفيد هنا أن نشير إلى النقد اللاذع الذي لقيه كتاب (مهذّب الرحلة) من لدن عدد من الباحثين كان منهم زميلنا الراحل د. حسين مؤنس الذي يقول:" وهل هناك أدلّ على الجهل بقيمة رحلة ابن بطوطة من أن تمسخ في صورة" مهذّب" يستعمل كتاب مطالعة لتلاميذ المدارس؟ ولا ندري كيف يمكن أن يهذب وصف رحلة على هذه القيمة؟ وما هي الأجزاء التي ينبغي استبعادها حتى تكون الرحلة مهذّبة «٥» ؟ " وإلى جانب هذه الطبعات المصرية وجدنا بيروت بدورها تولي اهتمامها لرحلة ابن بطوطة، وكان أول ما لفت النظر للرحلة، حسب علمنا، سلسلة" الروائع" لفؤاد أفرام البستاني في طبعتها الأولى (يونيه ١٩٢٧) حيث توالت طبعاتها فيما بعد. وقد قدمت (الروائع) ابن بطوطة عبر رحلته (تحفة النظار) في ثلاث كتيبات صغيرة ...

стр. 99

ومن هنا تحركت (دار صادر) «٦» لتقدم إلينا عام ١٩٦٠ طبعتها الكاملة للرحلة، ثم نافست دار الكتاب دار صادر فنشرتها «٧» كذلك، في نفس عام ١٩٦٠. ونرى من المهم أن ننبه هنا إلى سابقة خطيرة: تلك أن الناشر في (دار صادر) أقدم على حذف الكلمات المتعلقة بضبط وشكل الأسماء الجغرافية! هذا الضبط والشكل الذي يذكره المؤتمر العالمي لتنميط الأعلام الجغرافية التابع للأمم المتحدة على أنه من مناقب رحلة ابن بطوطة ومزاياها!! ومن الواضح أن صنيع (دار صادر) هذا يعتبر بدعة منكرة لا تتفق وأهداف البحث الذي يعتبر أن ضبط الأسماء نوع من التوثيق الذي تفرضه الأمانة العلمية. وإذا كان الأوربيون يستغنون عن ضبط الأسماء الجغرافية والشخصية فلأنّ كتابتهم تقوم مقام الشكل الموصوف في اللغة العربية. هذا علاوة على حذف بعض الجمل التي رأت الدار أنها لا تليق بالأحوال الجارية اليوم،! وعلاوة على بعض التعليقات في الهوامش التي تظل بعيدة عن مفاهيم الأسرة الإسلامية والبيئة المغربية «٨» . ومن الملاحظ أن (دار الكتاب اللبناني) سارت في نفس اتجاه (دار صادر) ، فقد استغنت عن ضبط الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية تقليدا لزميلتها دار صادر. أكثر من هذا فقد قامت هذه الطبعة هي الأخرى بحذف بعض الفقرات بل وبعض الأشعار «٩» التي لم ترقّها من الرحلة ظلما وعدوانا على نحو ما كان قام به المستشرق البرتغالي الأب انطونيو مورا سالف الذكر، وقام به كذلك العالم الايراني د. على موحد. لقد حكى عن الجاحظ أنه صنف كتابا وبوّبه أبوابا، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء، فاحضره الجاحظ وقال له: يا هذا! إن المصنّف كالمصوّر، وقد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعوّرتهما أعمى الله عينيك! وكان لها أذنان فصلمتهما صلم الله أذنيك! وكان لها يدان فقطعتهما قطع الله يديك! حتى عدّد اعضاء الصور ... فاعتذر إليه الرجل وتاب إلى الله من المعاودة «١٠»

стр. 100

وقد ظهرت بمصر عام ١٩٦٤ م ١٣٨٣ عن المكتبة التجارية الكبرى طبعة أخرى للرحلة وذكر على أول صفحة فيها أنّها" روجعت وصححت على عدة نسخ صحيحة، بمعرفة لجنة من الأدباء" وقد أغراني هذا الإعلان فشددت الرحلة لطلب هذه الطبعة المصحّحة على عدة نسخ ومن طرف ثلة من الأدباء الذين لم يذكر منهم اسم واحد، لكنها كانت نسخة طبق الأصل من كل النسخ التي صدرت بمصر: فهي تبتدىء بالخطإ المشهور الذي ينسب المقدمة لابن بطوطة مع أنها لابن جزي. ثم تسير على نحو سابقاتها في أغلاطها. والفرق الوحيد بينها وبين سابقاتها أنها تجعل الكلمات التي تشكل الأعلام الجغرافية بين هلالين مثلا: بلاد (البره نكار) يقول عنها: (وضبطها بفتح الباء الموحدة والراء والنون والكاف وسكون الهاء) . وهي عبارة عن جزئين في مجلد واحد. وقد ختم المصححون" السفر الاول" بايراد تذييل لابن خلدون حول «تناجي الناس» وحول اتصاله اي ابن خلدون بالوزير أبن ودرار ... بينما ختم السفر الثاني بالتنويه" بالحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية الكبرى شارع محمد علي." وقد وافق التمام أوائل شهر رجب من عام ١٣٧٧- (٢٢ يناير ١٩٥٨) . هذا وقد صدرت طبعة أخرى عن المكتبة التجارية الكبرى عام ١٣٨٦- ١٩٦٧ ... وفي سنة ١٣٨٨- ١٩٦٨ صدر عن دار التراث في بيروت نسخة جديدة مزيّتها فقط أنها تنسب المقدمة لصاحبها ابن جزي وليس لابن بطوطة، والباقي جار على سنن الطبعات السابقة. وقد ظهرت طبعة جديدة للرحلة عام ١٣٩٢- ١٩٧٢ لمؤسسة الرسالة في بيروت رأى زميل لنا عزيز «١١» أن يقوم بتقليد صنيع الناشرين في لبنان، وهكذا حذف العبارات التي تضبط الأعلام الجغرافية، بل وقام باجتهاد جديد وهو أنه" جرّد أقوال ابن جزي من صلب الرحلة وجعلها في ذيول على حدة نظرا لكون فائدتها- في نظره- ثانوية! وقد سلك هذا الصّنيع أيضا في بعض النصوص التي وردت أثناء الكتاب. ومعنى كلّ هذا أن الرحلة التي عرفها الناس أيام السلطان أبي عنان راحت لتعوّضها رحلة" أخرى بترتيبات أخرى. وقد أتعب مثل هذا الصنيع أصحابه فلم يستطيعوا الالتزام به ابتداء من أول فقرة في الرحلة عندما استهل أبن جزي مقدمته بقوله:" الحمد لله الذي ذلل الأرض لعباده ليسلكوا فيها سبلا فجاجا" إلخ. فهل لم يكن من واجب هؤلاء الزملاء- وقد قرروا فصل كلام ابن جزي عن الرحلة- أن يجعلوا المقدمة ذيلا كذلك؟! هذا إلى هفوات بالغة لم ينتبه لها: مثل كلمة التارات في المقدمة التي تحولت إلى القارات! وكلمة الفارسية التي تحولت كذلك إلى الفاسية!

стр. 101

وما كان لي أن أتحدث عن هذه الهفوات التي افترضت أنها مطبعية لولا ما أدّت اليه حيث جاء بعد هذا أحد زملائنا من لبنان فقام باجتهادات أخرى، وهكذا اعتمد على زميلنا الذي أشرنا إليه من غير أن يرجع إلى أصول الرحلة ونقل عنه منهاجه في الاستغناء عن ضبط الأعلام، وحذف تعليقات ابن جزي من صلب الكتاب لتصبح في الهامش. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، ولكنه تجاوزه إلى إعطاء" تفسيرات" غير صحيحة تماما لبعض الهفوات الواقعة في الرحلة المنقول عنها"، مثلا فسّر هذا الباحث: القصد من كلمة (القارات) ، مع أنها التارات «١٢» وليس القارات، فسّرها بأنها افريقيا وآسيا وأوربا مضيفا إلى هذا قوله:" إن إمريكا وأستراليا لم تكونا قد اكتشفتا بعد"! وفسر القصد من كلمة المملكة (الفارسية) . مع أنها المملكة الفارسية: بأنها مملكة مدينة فاس!! وبدّل هذا الناشر بعض العبارات التي لم تعجبه في الرحلة على نحو ما فعل سلفه «١٣» . وأخيرا ظهر له أن يستغنى عن العناوين التي جعلها ابن بطوطة لكتابه وابتكر هو عناوين أخرى ... ومن الإنصاف أن نقدر الجهد المضني للأستاذ طلال حرب في محاولته- لأول مرة- لإعداد فهارس متنوعة، وكنت أتمنى أن يتسع صدره لمراقبة أكثر للكنى والألقاب وللتحري في التعريف بالأعلام الشخصية، والتصدّي للأخطاء المطبعية التي كنت أحيانا ضحيتها أيضا!! وقد وقفنا أخيرا على طبعة للرحلة صدرت عن دار إحياء العلوم في بيروت (١٤١٢- ١٩٩٢) وكانت بتقديم وتعليق الشيخ محمد عبد المنعم العريان وقد اعتمد في عمله على ما صدر من بعض الطبعات السابقة على ما أسلفنا ... ويبقى أخيرا أن نذكر أن رحلة ابن بطوطة ألهمت بعض الكتاب العرب المعاصرين فنسجوا على منوالها رحلة خيالية ابتدعوها تحت عنوان: (رحلة مغربي إلى حضرموت) وحاكوها بدقة وذكاء حتى مرّت الحيلة، ردحا من الزمان، على بعض زملائنا سيما وقد برع ذلك المخترع في إضفاء حلة البرود اليمانية على البرانس المغربية «١٤» .!!

стр. 102

ومن السادة الذين تصدوا للرحلة- وهم كثير كثير- من تجنّب نشرها حرفيّا وتحقيقها على الطريقة المعهودة في كتب التراث، واكتفى بعرضها أي إنه كان يحكي عن ابن بطوطة، ويتحدث عنه حديث الغائب وبأسلوب غير أسلوب ابن بطوطة ... «١٥» . وقد برّر بعضهم هذا الصنيع بأنّه نوع من" التعريب" أي نوع من ترجمة الأسلوب القديم إلى (الأسلوب الحديث) ، وقد استأنس هذا البعض في ذلك بصنيع الدكتور طه حسين في كتابه (صوت أبي العلاء) عندما قال:" وما دام جمهور المثقفين يعظم ويضخم من يوم إلى يوم، فلا بد أن نقرّب إليهم أدبنا القديم ... فليس كلّ الناس قادرا على قراءة اللّزوميات والفصول والغايات ورسالة الغفران وفهمها ... وإلا انقطعت الصلة بين الحديث والقديم وأصبح مكان الأدب العربي القديم من المثقفين مكان الأدب اللاتيني من الفرنسيين والإيطاليين" ... ويلاحظ أن بعض الناشرين في المشرق لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن بعض الكلمات المغربية الواردة في الرحلة فأطلقوا العنان لاجتهادهم الذي أخطأ الصواب في بعض الأحيان. وسأكتفي بسرد طائفة من الألفاظ معتمدا على القارئ في العودة إليها: كلمة (متّيجة) وهي علم جغرافي كما هو معلوم، وليست اسما لاداة من أدوات النقل في المغرب، كلمة (القبرية) التي هي عبارة عن شاهد القبر الذي يسجل فيه اسم الميت وتاريخ وفاته، كتبوا عوضها (التّبرية) وقالوا: إنها نسبة إلى التّبر أي الذهب وقد تكون من النحاس أو الحديد أو الرصاص! وقد استشكل بعضهم كلمة (الظهير) التي تعني في المغرب- كما هو معلوم- المرسوم الملكي، ولفظ (الشّكارة) التي تعني في المغرب ظرفا من الجلد توضع فيه النقود مثلا وليست إناء على كلّ حال، وكلمة (الفرجية) ليست ضربا من الأقبية ولكنها لباس، وهي لفظ مغربي على ما يؤكد دوزي في كتابه (معجم الملابس) ... وكلمة (أفراج) : تعني في المغرب مجموعة خيام سكنية متنقلة تكون صحبة الركب الملكي، والكلمة بربرية، وقد ورد ذكرها مرارا في المصادر المغربية. أما عن (التهليل) فإنه ظرف يجعل فيه (المصحف) وربّما (دلائل الخيرات) كتعويذة، وليس القصد إلى قطعة ذهب على شكل الهلال ... والمجشر ويجمع على مجاشر- وقد يحرف إلى مداشر- لا يعني في المغرب الحوض، ولا المبلغ من المال، ولكنه

стр. 103

يعني مجموعة سكنية في البادية. هذا إلى كلمة (السّنداس) التي تعني في المغرب المرحاض، وكلمة (المصرية) التي تعني في المغرب البيت المنعزل الذي يأوي إليه شباب الأسرة مثلا. يكون ملحقا بالدار التي تسكنها العائلة «١٦» ، وكلمة (التّبريح) في المغرب تعني الإعلام العلني: برّحوا بالملك على أنّه سيقوم بسفر نحو جهة من الجهات، بمعنى أعلموا به وأشهروه، هذا المعنى فات بعض الناشرين ففسّروا التبريح بأنه الضّرب المبرّح، وهذا معنى لا صلة له بالموضوع، وكلمة (أزواج الحرث) وجد الاستاذ كرم البستاني أنها تحريف لكلمة أرواح وانطلق يؤوّل، وكلمة (القيّرة) يستعملها ابن بطوطة وابن خلدون على أنها مقتبسة من الكلمة الاسبانية (الگيرة) بمعنى الحرب، حوّلها البستاني إلى كلمة الغزاة ... ! والبحائر التي هي جمع لبحيرة على وزن سفينة، جعلها جمعا لبحرة، و (صاحب العلامة) التي يعني لقبا حضاريا يعني الموظف السامي في الدولة الذي يعهد اليه- بعد أن تحرر الرسالة الملكية- بوضع العلامة السلطانية عليها، هذا المعنى خفي على بعضهم فحول العبارة إلى الصاحب العلّامة!! بالرغم من أن المشرق عرف أيضا هذه الوظيفة على ما في (بدائع الزهور) . علامة ملوك بني مرين ونحن نلتمس العذر لأولئك الذين لم يدققوا في الفرق بين حج الإفراد (بكسر الهمزة) وحج القران (بكسر القاف) ، ولم يتتبعوا التعابير التي وردت في (حزب البحر) أو الحزب الصغير كما قد يسمّونه لأبي الحسن الشاذلي ﵀. ولا يفوتني بعد هذا أن أضيف إلى ما ذكرته أن سائر الذين اهتموا بالرحلة لم ينتبهوا إلى أن الشعر الفارسي الذي طالب أمير أمراء الصين بغنائه وترديده مرارا حتى حفظه ابن بطوطة من أفواههم هو بيت واحد للشيخ سعدي من قصيدة مشهورة، وليس بيتين من بحر الرجز على ما سنرى ذلك في محله ...

стр. 104

دراسات نقدية

стр. 105

الدراسات النقدية ... ولقد بقيت رحلة ابن بطوطة بعيدة عن كل نقد وعن كلّ تعليق- عدا ما حكيناه عن ابن الخطيب وابن مرزوق وابن خلدون- حتى قيض الله لها من بعض المستشرقين من قام بمتابعتها وتعقبها، وقد ابتدأت الدراسات النقدية في الواقع منذ اليوم الذي نشرت فيه الأطراف الأولى من الرحلة في بعض البلاد الأروبية. ومن أشهر من تناولها بالنقد- بعد الناشرين الفرنسيين- السير هاميلتون گيب والعلّامة التشيكي إيفان هربك «١» والباحثان الفرنسيان فانسان مونطي وصطيفان ييرازيموس، وروس دان الاستاذ بجامعة ولاية سان دييگو واخرون غير هؤلاء وهكذا توفّرنا على دراسات نقدية أثرت رحلة ابن بطوطة وأثارت انتباه الباحثين اليها من سائر جهات المعمور وبكل لسان. لقد تتبّعوا تلك المذكّرات من خلال عدد من المقاييس والمعايير، مثلا ضبط التّواريخ التي يوردها مقارنة بأسماء الأيام التي يذكرها: يوم الاثنين مثلا، وهل بالفعل يتطابق مع تاريخ اليوم السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة الذي ذكر تاريخا لميلاده؟ وهناك حديث ابن بطوطة عن شدّة البرد في شهر قمري: (شوال مثلا) في حين أن هذا الشهر كان يوافق يونيه أو يوليه الذي نعتاد فيه الحر. وهم يتقّفون أثره وهو يجتاز بعض البلاد مثلا فلا يذكر تاريخا ليوم ولا لشهر ولا لسنة، وبذلك يتركنا في غموض من أمر التسلسل الزمني. وقد حاسبوه على ذكر بعض الأحداث في غير محلّها، وأنه يحكى في الرحلة السابقة ما حصل له في الرحلة اللاحقة. على نحو ما حكاه عن الشريف أبي غرة وهو في النجف بينما سيسمع الحكاية عنه وهو في الهند، وما حكاه في زيارته الأولى عن الطاعون بدمشق. وقد حاسبوه فيما روى عن بعض الشخصيات واتّصاله بها في حين كان يستحيل عليه ذلك! هذا إلى إهماله لذكر أسماء الحكام في بعض الجهات التي زارها مع أن عادته جرت على أن يعطي الأولوية لزيارة المتنفّذين والمسؤولين عن البلاد. ولم يتردد بعضهم في اتهام ابن بطوطة بأنه كان أحيانا" يصطنع" الرحلات ويتقمص شخصيات أخرى فينسب له ما كان لتلك الشخصيات ... كل هذا إلى إهماله لذكر بعض المشاهد والمزارات التي كان من المفروض أن تكون مقصودة من لدنه، مثلا إغفاله لذكر مزارة الشيخ عبد القادر الگيلاني في بغداد!

стр. 106

وقد كان في صدر ما أثار انتباهنا حقا تلك الطّفرات والقفزات التي سجلت على الرجل في بعض المناطق التي كنا نصحبه فيها مرحلة مرحلة. كنا نشعر في بعض الأحيان وكأنه ركب طائرة ليحلّق فيها من محطة إلى أخرى بعيدا عن الأنظار، وكم بذلنا من جهد حتى نتعرف على خطوط سيره!! لقد انشغل عن تعداد المراحل عند ما انتقل من بغداد إلى تبريز عاصمة الإيلخان، ولعل مصاحبته للسلطان أبي سعيد كانت وراء اختفاء شخصيته، فانشغل بغيره عن نفسه، وكثيرا ما يحدث هذا ولا ينبّئك مثل خبير! وكذا كان حاله فيما بين ماردين وبغداد ... ومن الوثبات المحيّرة التي لم نعرف لها طريقا الوثبة التي كانت له من جنوب الروسيا إلى شمال تركيا. هل وصل صحبة الخاتون عبر الصحراء أو عبر الدانوب؟ لقد اختفت شخصيته رفقة الاميرة أيضا. ومن ميلاس غربا جنوب الأناضول إلى قونية شرقي شمالها، ثم من أرز الرّوم شرقا إلى برگي غربا، لم نستطع تقفي أثاره، وهو في شرق إفريقيا أيضا، لم نستطع مصاحبته وهو يتحرك من كلوة إلى ظفار بحرا. «٢» وفي طريق ابن بطوطة من مكة صحبة الأمير البهلوان عن طريق المدينة حتى يصل للعراق عن طريق حصن فيد- وهو الحائل- انشغل أيضا عن تناول القلم والورق على نحو ما كان منه وهو يرافق ركب السلطان أبي سعيد من بغداد إلى تبريز، وركب الخاتون إلى القسطنطينية العظمى. وهو في الأردن سلك طريقه من الجيزة إلى بصرى الشام، وهو طريق غير مسلوك اليوم. ولو أنه سافر على الطريق المألوف لكان عليه أن يجتاز على عمان قصبة البلقاء، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية حاليا على ما يؤكده الزميل الأستاذ الدكتور ناصر الدّين الأسد في بحثه المقدم إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورة ١٩٩٦. وقد لاحظ زميلنا الراحل السفير خليل الله خليلي وهو يتحدث عن ابن بطوطة في أفغانستان طفرة الرحالة من بلخ إلى أن وصل إلى هرات وتساءل أيّ طريق سلكه؟ هذا علاوة على وثبة بسطام إلى قندوز وبغلان «٣» . وعند ما عبر نهر السند مع علاء الملك إلى العاصمة لاهري من الحدود الشمالية الحالية وفي اتجاه جنوب البلاد، هناك لم يستوعب المحطات النّهرية التي كان يمر بها. وهو في شرق

стр. 107

الصّين ابتداء من مضيق فرموزة وعبر النهر الأعظم والنهر الأصفر وآب حياة ... كان كسولا في تتبع محطات سيره ولكأنما كانت الصين صحراء قفراء. لا ذكر لبعض الأطعمة الصينية وأشربتها وفي صدرها الشاي الذي كان انتشر على ذلك العهد «٤» . لكن الوثبات الكبرى هي التي سجلت عليه وقد قرر أن يعود إلى بلاده المغرب عندما أنهى زيارته للصين ورجع من حيث أتى دون تدقيق ولا تفصيل. فمن مدينة الزيتون حيث عشرات الجنوك ... عبر الجاوة ثم طوالسى وسمطره حيث حضر أعراس الأمير ولد الملك الظاهر في الجاوة، ثم إلى ظفار، وفارس والعراق، ثم الحج السادس والأخير قبل أن يعود إلى المغرب ... كان يمر سريعا وكأن وراءه ما يمنعه عن الاسترسال في الحديث. وقد لاحظ گيب ومعه هربك أن أمير شيراز لا يمكن أن يكون عام ٧٢٧- ١٣٢٧ هو أبا إسحاق ابن محمد الذي إنما حكم من عام ١٣٤٣ إلى عام ١٣٥٧. وهكذا نجد مرة أخرى أن الرحالة المغربي يمزج مشاهداته عند الذهاب بمشاهداته عند الإياب ... ! وعند ما يذكر ابن بطوطة أنه زار هرمز عام ٧٣١- ١٣٣١ يعقّب هربك أيضا بأن الرحالة المغربي إنما زار هرمز عند عودته من الهند والصين عام ١٣٤٧! وعند ما وصل ابن بطوطة لمدينة (العلايا) أول بلاد الروم أمسك هربك بتلابيبه وضبط بالعدّ والحساب أنه زار ٢٩ محلة في انطالية انطلاقا من العلايا حوالي فاتح ربيع الثاني ٢٠ ٧٣٣- دجنبر ١٣٣٢. وقد حاول العالم التشيكي أن يقوم هو بإعادة تمثيل خط السير فاصطدم بمصاعب وتناقضات ... !! وعند ما تحدث ابن بطوطة عن استشهاد الأمير عمر بك ابن سلطان يزمير، عقّب گيب على ذلك بأن الأمير قام بغزوته الأولى في الدردنيل عام ٧٣٢- ١٣٣٢، وقد لقي حتفه في شهر مايه ١٣٤٨- محرم ٧٤٩، وهكذا فإن ابن بطوطة لم يمكنه أن يعلم باستشهاده الّا عند العودة من سفره ... وقد بيّن هربك أن ابن بطوطة- وهو في سوريا- ذكر أنه زار أكثر من عشرين موقعا خلال شعبان ورمضان ٧٢٦ يوليه، غشت ١٣٢٦ ... وهذا غير مقبول، ولا معقول! وهو الأمر الذي يؤكد أن الرحالة المغربي كان يخلط بين زياراته للأماكن في المرة الأولى والثانية. وقد حاول بعض الباحثين أن يشكّك في أمر وصول ابن بطّوطة إلى اصطنبول لكن

стр. 108

معظم الذين اشتغلوا بالرحلة لا يرتابون إطلاقا في وصول الرحالة المغربي للقسطنطينية العظمى. وعلى نحو ذلك شكك بعضهم، من أمثال الدبلوماسي الشهير كابرييل قيران، في زيارة ابن بطوطة للصين، إلا أن كثيرا ممّن عالجوا هذا الموضوع كانوا مقتنعين بأن الرجل زار فعلا تلك الدّيار، «٥» وأن الصينيين أنفسهم لا يشكون في ذلك. وخلال المحاضرة التي ألقيتها هناك في جامعة پكين، قسم الدراسات الشرقية. صيف ١٩٨٨ كنت أشعر بأنني أمام عدد من المثقفين الذين كانوا يدينون للرحالة المغربي بالكثير من المعلومات الأصيلة التي انفرد بها عما سواه ممن تحدثوا عن تاريخ الصين وأسطول الصين بمن في أولئك ماركوبّولو! وقد وضعوا خرائط لزيارته لبلادهم وهم يرددون اسمه على أنه رائد من روّاد الصّين الكبار ... وتبقى هناك- مع هذا- بعض المواخذات التي تستوقفنا حقّا: الأولى: قضية حضور ابن بطوطة لمجلس تقيّ الدّين ابن تيمية وهو بدمشق بعد أن كان وصلها يوم الخميس ٩ رمضان ٧٢٦- ٩ غشت ١٣٢٦ فقد أخبر أولا عن سجن ابن تيمية وإطلاق سراحه، ثم أخبر أنه وقع منه مثل ما استوجب سجنه أولا فسجن مرة ثانية وقال: إنه حضر يوم الجمعة وشاهد ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، وإنّ من جملة كلامه: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء إلى آخر الحكاية ... مع العلم أن ابن تيمية أودع في السجن منذ سادس شعبان ... أي قبل وصول الرحالة إلى دمشق «٦» !! فكيف يصحّ قول ابن بطوطة هذا مع تلك الفقرة التي نسبها لشيخ الإسلام في تفسيره لحديث النزول بما هو من قول المجسّمة المخالف لمذهب السلف الذي يعد ابن تيمية قطبا من أقطابهم؟ ونعتقد أن أحسن ما يمكن الجواب به عن هذا الانتقاد ما عقب به زميلنا الراحل الأستاذ عبد الله كنون ﵀ من أن الخبر وقع فيه تزيّد من خصوم ابن تيمية فرواه رحالتنا على علاته ... ولم يخف الأستاذ گنون شكوكه في صنيع الكاتب ابن جزي الذي يجوز أنه توهم حضور ابن بطوطة للواقعة المزعومة «٧» .

стр. 109

وقد وقفت في كتاب نيل الديباج لأحمد بابا السوداني (ت ١٠٣٢- ١٦٢٣) عند ترجمة أبي زيد عبد الرحمن وترجمة أخيه ابي موسى عيسى ابنى الإمام البرشكي أنهما رحلا إلى المشرق وناظرا تقي الدين ابن تيمية الذي كانت له مقالات يحمل فيها حديث النزول على ظاهره، وقوله فيه" كنزولي هذا"، قال صاحب الديباج وهذه الزيادة أعني قول" كنزولي هذا" اثبتها ابن بطوطة في رحلته ... «٨» الثانية: هي تلك التي أثارت الكثير من التعاليق: وهو سفره إلى مدينة بلغار التي سمع بها وهو بحضرة السلطان محمد أوزبك خان حتى يرى ما ذكر له عنها من تناهي قصر الليل بها وقصر النهار أيضا في الفصل المعاكس، وانه طلب إلى السلطان مساعدته للوصول إليها وكان بينها وبين محلة السّلطان مسيرة عشرة أيام. إن المسافة بين الموقعين ألف وثلاثمائة كيلوميتر، فكيف يصل إليها المرء في عشرة أيام؟ ولم يشفع لابن بطوطة ما نعرفه عن الإمكانات المادية للسلطان والتي من شأنها، كما خبرنا ذلك، أن تتجاوز المعروف عند الإنسان العادي، ولهذا أصر المعلقون على أن هذه المعلومة تحتاج إلى ما يدعمها ... أما المؤاخذات الأخرى الباقية فكانت تتصل ببعض الحكايات التي تتسم بالمبالغات التي لا يقبلها العقل، ونذكر على سبيل المثال حكاية ابن بطوطة عن الغواصين الذين يبحثون عن اللؤلؤ في الخليج فيما بين ميناء سيراف والبحرين. فقد ذكر أن في الغواصين من يصبر الساعة والساعتين في الماء ... مع العلم أنه لا يمكن تجاوز سبعين إلى مائة ثانية ... وقد كان زميلي الراحل الشيخ عبد الله الأنصاري القطري يحكي لي- وهو ممّن زاولوا الغوص- أن الغواصين كانوا يتنافسون في مدى التحمّل وقد نبّهني إلى أن قصد ابن بطوطة ليس هو الغوص تحت الماء طوال تلك المدة ولكن القصد إلى أنّ عملية النزول إلى عمق البحر والصعود منه تستمر تلك المدة. وهذا ما وجدته في بعض الترجمات الجديرة بالثقة، وهو ما تؤيده شهادة السيدين، جمعة الماجد وسيف الغرير، وكانا أيضا من رجال الغوص ... ولا بد أن نذكّر هنا بأن ابن بطوطة هو الذي كان بين الفينة والأخرى يشعر بأن بعض ما يرويه قد لا يقبل من لدن بعض العقول فيقول مثلا- وهو يتحدث عن مزاعم الناس حول شجرة (درخت روان) - «ولهم في شأنها أكاذيب يحيلها العقل» وقال عن مزاعمهم حول

стр. 110

مفعول أوراقها- وهي شجرة في سرنديب:" قالوا إن من تناولها عاد له الشباب وهو باطل!! وقال، وقد سمع الناس يتناقلون حديثا غريبا" لم أذكره خيفة مكذّب به". وقد سخر بعضهم من روايته لرؤية بعض النساء بثدي واحد بينما طالعتنا صور الأحداث اليوم بوجود إنات لهن ثلاثة اثداء!! ملاحظة أخيرة: كنا نشعر بوجوده في مكان ما من الأمكنة لكنه لسبب أو آخر يفقد قلمه ويعطل ذاكرته فلا يحفل بما كان ينبغي له أن يحفل به على ما أشرنا، وهكذا ففي أثناء وجوده بمصر أهمل ذكر جامع ابن طولون الذي تحدث عنه معظم الرحالة المغاربة ولا سيما وقد كان للمغاربة فيه" مأوى يسكنونه ويحلقون فيه حيث تجري النفقات عليهم في كل شهر" على حدّ تعبير ابن جبير ... هذا إلى اهمال ذكر رواق المغاربة في الأزهر الشريف. ورواقهم- وهذا مهم- في القدس، وقد تحدث عنه علوي في كتابه (سفرنامه) ، ولم يتحدث وهو في سلا عن الجامع الأعظم في الوقت الذي تحدث فيه عن حسان التي لم يصعدها على نحو ما فعل في الكتبية. وابن بطّوطة الذي تحدث عن الزيتونة والأزهر لم يلفت نظره جامع القرويين الذي كان كعبة لكبار العلماء وكذا عيون الطلاب الذين كانوا يسكنون في المدارس التي تحف به: مدرسة الصفارين والعطارين والمصباحية علاوة على إهماله البيمارستان الذي يسهر على علاج الناس والذي كان موجودا بفاس على ذلك العهد. وابن بطوطة في الأندلس أهمل ذكر الجامع الأعظم في رندة التي كانت عاصمة الأمير أبي مالك ابن السلطان أبي الحسن ... لكنّ الحقيقة التي ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا ونحن نتتبع تلك التعقيبات هي أن تلك" التقييدات" التي جمعها ابن بطوطة قرابة ثلاثين سنة قام ابن جزي" بتلخيصها" في أقلّ من ثلاثة شهور. ومتى كانت ثلاثة شهور كافية لتغطية تلك الأعوام واستيعاب ذلك العدد من الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية التي مرت بذاكرة الرحالة عبر تلك الأحقاب؟! يقوم أحدنا في العصر الحاضر برحلة في أمد معروف البداية والنهاية ولا يذكر بعد مرور بضعة أسابيع من رحلته بعض الأسماء التي مرت به فيأخذ في الاستنجاد برفاقه في الطريق!! وأعتقد أن ابن جزي كان مستعجلا أكثر مما ينبغي في أداء مهمته، وربما كان مشغولا بمشكل صحي طارئ عليه وهو الأمر الذي عرّضه للتصرّف، ودفع به إلى الاستغناء كلية عن بعض" التقاييد. ولا ندري هل كان ابن بطوطة يجلس إلى جانب ابن جزي ليراجع هذا" التلخيص" بعد تحريره ليعطي رأيه فيه؟ مهما يكن فإن بعض التّبعة تقع على الظرف القصير الذي حدد للقيام بالمهمة ... وإذا ما أضفنا إلى استعجال ابن جزي عنصرا ثانيا قرأناه في أثناء الرحلة، وهو
следующие страницы →