Полный текст (1 410 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ميناء مدينة الجزائر عام ١٦٨٣
стр. 142
منظر لبجاية عام ١٥٠٩ م عند ما هاجمها الاسبان
стр. 143
وسرنا إلى أن وصلنا إلى مدينة قسنطينة «٢٧» فنزلنا خارجها وأصابنا مطر جود إضطرنا إلى الخروج عن الأخبية ليلا إلى دور هنالك، فلما كان من الغد تلقانا حاكم المدينة وهو من الشرفاء «٢٨» الفضلاء يسمى بأبي الحسن «٢٩» فنظر إلى ثيابي وقد لوّثها المطر فأمر بغسلها في داره وكان الإحرام «٣٠» منها خلقا فبعث مكانه إحراما" بعلبكيا" وصرّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، فكان ذلك أول ما فتح به علي في وجهتي. ورحلنا إلى أن وصلنا مدينة بونة «٣١» ونزلنا بداخلها وأقمنا بها أياما ثم تركنا بها من كان في صحبتنا من التجار لأجل الخوف في الطريق «٣٢» ، وتجردنا للسير وواصلنا الجد وأصابتني الحمى فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف ولا يمكنني النزول من الخوف إلى أن وصلنا مدينة تونس فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد الله الزّبيدي، ولقاء أبي الطيب ابن القاضي ابي عبد الله النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسلام والسؤال، ولم يسلّم علىّ أحد لعدم معرفتي بهم فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة واشتد بكائي فشعر بحالي بعض الحجاج فأقبل عليّ بالسلام والإيناس. وما زال يؤنسني بحديثه حتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين «٣٣» .
стр. 144
قال ابن جزي: أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن محمد بن ابراهيم السلمي، هو ابن الحاج البلفيقي «٣٤» أنه جرى له مثل هذه الحكاية، قال:
قصدت مدينة بلش «٣٥» من بلاد الأندلس في ليلة عيد برسم رواية الحديث المسلسل بالعيد عن أبي عبد الله بن الكماد وحضرت المصلّى مع الناس فلما فرغت الصلاة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام وأنا في ناحية لا يسلم عليّ أحد فقصد إليّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل عليّ بالسلام والإيناس، وقال: نظرت إليك فرأيتك منتبذا عن الناس لا يسلّم عليك أحد، فعرفت أنك غريب فأحببت إيناسك، جزاه الله خيرا.
ذكر سلطان تونس
وكان سلطان تونس عند دخولي إليها السلطان أبو يحيى ابن السلطان أبي زكرياء يحيى ابن السلطان أبي اسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص «٣٦» ﵀، وكان بتونس جماعة من أعلام العلماء، منهم قاضي الجماعة بها
стр. 145
منظر لتونس عن المكتبة الوطنية بباريز
стр. 146
مدينة تونس
стр. 147
أبو عبد الله «٣٧» محمد، بن قاضي الجماعة أبي العباس «٣٨» أحمد، بن محمد بن حسن، بن محمد الأنصاري الخزرجي البلنسي الأصل ثم التونسي، هو ابن الغمّاز ومنهم الخطيب أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن علي بن عبد الرفيع الرّبعي، وولى أيضا قضاء الجماعة في خمس دول «٣٩» ، ومنهم الفقيه أبو علي عمر بن علي بن قدّاح الهواري وولى أيضا قضاءها وكان من من أعلام العلماء «٤٠» ، ومن عوائده أنه يستند كل يوم جمعة بعد صلاتها إلى بعض أساطين الجامع الأعظم المعروف بجامع الزيتونة٤»
ويستفتيه الناس في المسائل، فلما أفتى في أربعين مسألة انصرف عن مجلسه ذلك.
وأظلني بتونس عيد الفطر فحضرت المصلى وقد احتفل الناس لشهود عيدهم وبرزوا
стр. 148
في أجمل هيئة وأكمل إشارة ووافى السلطان أبو يحيى المذكور «٤٢» راكبا وجميع أقاربه وخواصه وخدام مملكته مشاة على أقدامهم في ترتيب عجيب وصليت الصلاة وأنقضت الخطبة وانصرف الناس إلى منازلهم.
وبعد مدة تعين ركب للحجاز الشريف، شيخه يعرف بأبي يعقوب السوسي، من أهل إقلي «٤٣» من بلاد إفريقية، وأكثره المصامدة «٤٤» ، فقدموني قاضيا بينهم، وخرجنا من تونس في أواخر شهر ذي القعدة «٤٥» سالكين طريق الساحل، فوصلنا إلى بلدة سوسة وهي صغيرة حسنة مبنية على شاطىء البحر، بينها وبين مدينة تونس أربعون ميلا «٤٦» ، ثم وصلنا إلى مدينة صفاقس «٤٧» وبخارج هذه البلدة قبر الإمام أبي الحسن اللخمي المالكي مؤلف كتاب التبصرة في الفقه «٤٨» .
стр. 149
قال ابن جزي: في بلدة صفاقس يقول عليّ بن حبيب التّنوخى:
سقيا لأرض صفاقس ... ذات المصانع والمصلّى
فحمى القصير إلى الخليج «٤٩» ... فقصرها السّامي المعلّى
بلد يكاد يقول حين ... تزوره: أهلا وسهلا!
وكأنه والبحر ... يحسر تارة عنه ويملا
صبّ يريد زيارة ... فإذا رأى الرّقباء ولّى!!
وفي عكس ذلك يقول الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن أبي تميم وكان من المجدّين المكثرين:
صفاقس لا صفا عيش لساكنها ... ولا سقى أرضها غيث إذا انسكبا
ناهيك من بلدة من حلّ ساحتها ... عانى بها العاديين: الرّوم والعربا «٥٠» !!
كم ضلّ في البرّ مسلوبا بضاعته ... وبات في البحر يشكو الأسر والعطبا
قد عاين البحر قبحا في جوانبها ... فكلّما همّ أن يدنو لها هربا!
رجع، ثم وصلنا إلى مدينة قابس «٥١» ونزلنا بداخلها وأقمنا بها عشرا لتوالي نزول الأمطار.
стр. 150
قال ابن جزي: في ذكر قابس يقول بعضهم:
لهفي على طيب ليال خلت ... بجانب البطحاء من قابس
كأن قلبي عند تذكارها ... جذوة نار بيدي قابس!
رجع، ثم خرجنا من مدينة قابس قاصدين طرابلس وصبّحنا في بعض المراحل إليها نحو مائة فارس أو يزيدون «٥٢» ، وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب وتحامت مكانهم وعصمنا الله منهم «٥٣» ، وأظلنا عيد الأضحى «٥٤» في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وصلنا إلى مدينة طرابلس «٥٥» ! فأقمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس فبنيت عليها بطرابلس «٥٦» ، ثم خرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم من عام ستة وعشرين «٥٧» ومعي أهلي وفي صحبتي جماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم وأقام الركب في طرابلس خوفا من البرد والمطر، وتجاوزنا مسلاتة «٥٨» ومسراتة «٥٩»
стр. 151
طرابلس في القرن الثالث عشر الهجري- التاسع عشر الميلادي
стр. 152
قوس ماركوس أوريليوس حيث كانت «أويا» احدى المدن الثلاث التي تعنيها كلمة طرابلس، لقد كان الرحالة المغربي العبدري أول من تحدث عنه، وبعده وصفه التيجاني، أما المنارة التي تظهر خلف القوس فهي لجامع قرجي الذي شيد في مكان المدرسة المستنصرية فيما يظهر- عن كتاب ليبيا من خلال رحلة الوزير الإسحاقي تأليف د. التازي.
стр. 153
وقصور سرت «٦٠» ، وهنالك أرادت الجمامزة من طوائف العرب «٦١» الإيقاع بنا ثم صرفتهم القدرة وحالت دون ما راموه من إذايتنا. ثم توسطنا الغابة «٦٢» وتجاوزناها إلى قصر برصيص العابد إلى قبة سلّام «٦٣» ، وأدركنا هنالك الركب الذين تخلفوا بطرابلس. ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتا لبعض طلبة فاس «٦٤» وبنيت بها بقصر الزعافية «٦٥» ، وأولمت وليمة حبست لها الركب يوما وأطعمتهم ... !
стр. 154
الفصل الثاني مصر
مدينة الإسكندرية.
من الاسكندرية إلى المحلّة الكبرى شرقا من المحلة الكبرى إلى القاهرة.
مدينة القاهرة أعيان القاهرة من القاهرة إلى حدود البحر الأحمر جنوبا ...
العدول عن طريق البحر الأحمر والعودة إلى سلوك درب الشام.
стр. 155
خريطة مسالك مصر
стр. 156
ثم وصلنا في أول جمادى الأولى «١» إلى مدينة الاسكندرية، حرسها الله، وهي الثغر المحروس، والقطر المأنوس، العجيبة الشان، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودين، كرمت مغانيها، ولطفت معانيها، وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، فهي الفريدة تجلّى سناها، والخريدة تجلّى في حلاها، الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكلّ بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليها انتقاؤها، وقد وصفها الناس فأطنبوا، وصنفوا في عجائبها فأغربوا «٢» ، وحسب المتشوف إلى ذلك، ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك «٣» .
ذكر أبوابها ومرساها
ولمدينة الاسكندرية أربعة أبواب باب السّدرة وإليه يشرع طريق المغرب، وباب رشيد «٤» ، وباب البحر، والباب الأخضر، وليس يفتح الا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم، وقاليقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرداق ببلاد الاتراك، ومرسى الزيتون ببلاد الصين «٥» وسيقع ذكرها.
стр. 157
الاسكندرية من أرشيف المكتبة الوطنية بباريز رقم C ١٣١٩٢٦
стр. 158
ذكر المنار
قصدت المنار «٦» في هذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدما، وصفته أنه بناء مربع «٧» ذاهب في الهواء وبابه مرتفع على الأرض وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه ووضعت بينهما ألواح خشب يعبر عليها إلى بابه، فإذا أزيلت لم يكن له سبيل، وداخل الباب موضع لجلوس حارس المنار، وداخل المنار بيوت كثيرة وعرض الممر بداخله تسعة أشبار «٨» وعرض الحائط عشرة أشبار وعرض المنار من كل جهة من جهاته الأربع مائة وأربعون شبرا، وهو على تلّ مرتفع، ومسافة ما بينه وبين المدينة فرسخ «٩» واحد في بر مستطيل يحيط به البحر من ثلاث جهات إلى أن يتصل البحر بسور البلد فلا يمكن التوصل إلى المنار في البر إلا من المدينة، وفي هذا البر المتصل بالمنار مقبرة الإسكندرية.
وقصدت المنار عند عودتي إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة «١٠» فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر «١١» ﵀ قد شرع في بناء منار مثله بإزائه عاقه الموت عن إتمامه.
стр. 159
عند ما كان المراكشي يتحدث عام ٦٢١ هـ في كتاب (المعجب) عن منارة حسان قال: إنها على هيأة منار الاسكندرية ...
стр. 160
ذكر عمود السواري
ومن غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري «١٢» وهو متوسط في غابة نخل وقد امتاز عن شجراتها سموا وارتفاعا وهو قطعة واحدة محكمة النحت قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة ولا تعرف كيفية وضعه هنالك. ولا يتحقق من وضعه.
قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته واستقر هنالك وشاع خبره فاجتمع الجمع الغفير لمشاهدته وطال العجب منه وخفى على الناس وجه احتياله واظنه كان خائفا أو طالب حاجة فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به.
وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد بفوقها خيطا طويلا وعقد بطرف الخيط حبلا وثيقا. فتجاوزت النشابة أعلى العمود معترضة عليه ووقعت من الجهة الموازية للرامي فصار الخيط معترضا على أعلى العمود فجذبه حتى توسط الحبل أعلى العمود مكان الخيط فأوثقه من إحدى الجهتين في الأرض وتعلق به صاعدا من الجهة الأخرى واستقر بأعلاه وجذب الحبل واستصحب من احتمله فلم يهتد الناس لحيلته وعجبوا من شأنه.
رجع. وكان أمير الاسكندرية في عهد وصولي إليها يسمى بصلاح الدين «١٣» ، وكان فيها أيضا في ذلك العهد سلطان إفريقية المخلوع وهو زكرياء أبو يحيى بن أحمد بن أبي حفص المعروف باللّحياني «١٤» ، وأمر الملك الناصر بإنزاله بدار السلطنة من الإسكندرية، وأجرى له مائة درهم في كل يوم، وكان معه أولاده: عبد الواحد ومصري واسكندري وحاجبه أبو زكرياء بن يعقوب ووزيره أبو عبد الله ابن ياسين، وبالاسكندرية توفي اللحياني المذكور وولده الاسكندري وبقي مصري بها إلى اليوم.
стр. 161
عمود السوارى- كوم الشقافة
стр. 162
قال ابن جزي: من الغريب ما اتفق من صدق الزّجر في اسمى ولدى اللحياني الإسكندري ومصري فمات الإسكندرى بها وعاش مصري دهرا طويلا بها، وهي من بلاد مصر. رجع. وتحوّل عبد الواحد ببلاد الاندلس والمغرب وافريقية، وتوفي هنالك بجزيرة جربة
ذكر بعض علماء الإسكندرية
فمنهم قاضيها عماد الدين الكندي إمام أيمة علم اللّسان، وكان يعتم بعمامة خرقت المعتاد للعمائم لم أر في مشارق الأرض ومغاربها عمامة أعظم منها! رأيته يوما قاعدا في صدر محراب وقد كادت عمامته أن تملأ المحراب! ومنهم فخر الدين بن الرّيغي «١٥» وهو أيضا من القضاة بالإسكندرية فاضل من أهل العلم.
حكاية [الفأل الحسن]
يذكر أن جد القاضي فخر الدين الريغي كان من أهل ريغة واشتغل بطلب العلم، ثم رحل إلى الحجاز فوصل الاسكندرية بالعشي، وهو قليل ذات اليد، فأحب أن لا يدخلها حتى يسمع فألا حسنا، فقعد قريبا من بابها إلى أن دخل جميع الناس، وجاء وقت سد الباب ولم يبق هنالك سواه فاغتاظ الموكّل بالباب من إبطائه، وقال له متهكما: أدخل يا قاضي فقال:
قاض إن شاء الله! ودخل إلى بعض المدارس ولازم القراءة وسلك طريق الفضلاء، فعظم صيته وشهر اسمه وعرف بالزهد والورع، واتصلت أخباره بملك مصر واتفق أن توفي قاضي الاسكندرية وبها إذ ذاك الجم الغفير من الفقهاء والعلماء وكلهم متشوف إلى الولاية، وهو من بينهم لا يتشوف لذلك، فبعث إليه السلطان بالتقليد وهو ظهير القضاء وأتاه البريد بذلك فأمر خديمه أن ينادي في الناس: من كانت له خصومة فليحضر لها. وقعد للفصل بين الناس، فاجتمع الفقهاء وسواهم إلى رجل منهم كانوا يظنون أن القضاء لا يتعداه، وتفاوضوا في مراجعة السلطان في أمره ومخاطبته بأن الناس لا يرتضونه! وحضر لذلك أحد الحذاق من المنجمين فقال لهم: لا تفعلوا ذلك فإني عدلت طالع ولايته وحققته فظهر لي أنه يحكم
стр. 163
أربعين سنة، فأضربوا عما همّوا به من المراجعة في شأنه. وكان أمره على ما ظهر للمنجم، وعرف في ولايته بالعدل والنزاهة. ومنهم وجيه الدين الصنهاجي من قضاتها مشتهر بالعلم والفضل. ومنهم شمس الدين ابن بنت التنّيسي فاضل شهير الذكر، ومن الصالحين بها الشيخ أبو عبد الله الفاسي من كبار أولياء الله تعالى، يذكر أنه كان يسمع رد السلام عليه إذا سلم من صلاته، ومنهم الامام العالم الزاهد الخاشع الورع خليفة «١٦» صاحب المكاشفات.
ذكر كرامة له
أخبرني بعض الثقات من أصحابه، قال: رأي الشيخ خليفة رسول الله ﷺ في النوم، فقال له يا خليفة زرنا. فرحل إلى المدينة الشريفة وأتى المسجد الكريم فدخل من باب السلام وحيّى المسجد وسلم على رسول الله ﷺ ، وقعد مستندا إلى بعض سواري المسجد ووضع رأسه على ركبتيه، وذلك يسمى عند المتصوفة التزييق «١٧» ، فلما رفع رأسه وجد أربعة أرغفة وآنية فيها لبن وطبقا فيه تمر فأكل هو وأصحابه وانصرف عائدا إلى الاسكندرية ولم يحج تلك السنة. ومنهم الامام العالم الزاهد الورع الخاشع برهان الدين الأعرج من كبار الزهاد، وأفراد العبّاد، لقيته أيام مقامي بالإسكندرية وأقمت في ضيافته ثلاثا.
ذكر كرامة له
دخلت عليه يوما فقال لي: أراك تحب السياحة والجولان في البلاد، فقلت له: نعم إني أحب ذلك، ولم يكن حينئذ خطر بخاطري التوغل في البلاد القاصية من الهند والصين، فقال:
لا بد لك إن شاء الله من زيارة أخي فريد الدين بالهند وأخي ركن الدين زكرياء بالسند وأخي برهان الدين بالصين! فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلام. فعجبت من قوله، وألقي في روعي التوجه إلى تلك البلاد، ولم أزل أجول حتى لقيت الثلاثة الذين ذكرهم وأبلغتهم سلامه. ولما
стр. 164
ودعته زوّدني دراهم لم تزل عندي محوطة ولم احتج بعد إلى إنفاقها إلى أن سلبها مني كفار الهنود فيما سلبوه لي في البحر. ومنهم الشيخ ياقوت الحبشي «١٨» من أفراد الرجال، وهو تلميذ أبي العباس المرسي «١٩» ، وأبو العباس المرسي تلميذ ولي الله تعالى أبي الحسن الشاذلي الشهير ذي الكرامات الجليلة والمقامات العالية «٢٠» .
كرامة لأبي الحسن الشاذلي
أخبرني الشيخ ياقوت عن شيخه أبي العباس المرسي أن أبا الحسن كان يحج كل سنة ويجعل طريقه على صعيد مصر، ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده إلى انقضاء الحج، ويزور القبر الشريف ويعود على الدرب الكبير إلى بلده، فلما كان في بعض السنين وهي آخر سنة خرج فيها، قال لخديمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا وما يجهز به الميت، فقال له الخديم: ولماذا يا سيدي؟ فقال له: في (حميثرا) سوف ترى، وحميثرا بصعيد مصر في صحراء عيذاب «٢١» . وبها عين ماء زعاق، وهي كثيرة الضباع، فلما بلغا حميثرا اغتسل الشيخ أبو الحسن وصلى ركعتين وقبضه الله في آخر سجدة من صلاته ودفن هناك،
стр. 165
الاسكندرية- جامع أبي العباس المرسي
стр. 166
قبره وعليه قبرية مكتوب فيها اسمه ونسبه متصلا إلى الحسن بن علي ﵁.
ذكر حزب البحر المنسوب إليه
كان يسافر في كل سنة كما ذكرناه على صعيد مصر وبحر جدة «٢٢» فكان إذا ركب السفينة يقرأه كل يوم، وتلامذته إلى الآن يقرءونه في كل يوم «٢٣» ، وهو هذا:" يا الله، يا عليّ يا عظيم، يا حليم، يا عليم، أنت ربي وعلمك حسبي، فنعم الرب ربي، ونعم الحسب حسبي تنصر من تشاء وأنت العزيز الرحيم، نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام السّاترة للقلوب، عن مطالعة الغيوب، فقد ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فثبتنا وانصرنا وسخّر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى ﵇ وسخّرت النار لابراهيم ﵇ وسخرت الجبال والحديد لداوود ﵇ وسخرت الريح والشياطين والجن لسليمان ﵇، وسخر لنا كل بحر هو لك في الأرض والسماء، والملك والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة، وسخر لنا كل شيء يا من بيده ملكوت كل شيء، كهيعص «٢٤» انصرنا فإنك خير الناصرين، وافتح لنا فأنت خير الفاتحين، واغفر لنا فإنك خير الغافرين، وارحمنا فإنك خير الراحمين وارزقنا فإنك خير الرازقين واهدنا ونجّنا من القوم الظالمين، وهب لنا ريحا طيبة كما هي في علمك، وانشرها علينا من خزائن رحمتك، واحملنا بها حمل الكرامة مع السلامة والعافية في الدّين والدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، اللهم يسّر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا والسلامة والعافية في ديننا ودنيانا وكن لنا صاحبا في سفرنا، وخليفة في أهلنا وأطمس على وجوه
стр. 167
والعافية في ديننا ودنيانا وكن لنا صاحبا في سفرنا، وخليفة في أهلنا وأطمس على وجوه أعدائنا وامسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون المضيّ ولا المجيء الينا، ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنّى يبصرون، ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون «٢٥» يس شاهت الوجوه، وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب من حمل ظلما «٢٦» ، طسّ «٢٧» ، حم عسق «٢٨» ، مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان «٢٩» ، حم حم حم حم حم حم حم «٣٠» ، حمّ الأمر وجاء النصر، فعلينا لا ينصرون، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل الثوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلّا هو، إليه المصير «٣١» ، بسم الله بابنا تبارك حيطاننا، يسّ سقفنا، كهيعص كفايتنا، حم عسق حمايتنا، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، «٣٢» ستر العرش مسبول علينا، وعين الله ناظرة" إلينا، بحول الله لا يقدر علينا، والله من ورائهم محيط، بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ «٣٣» ، الله خير حفظا وهو أرحم الرّاحمين، إن وليّى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء" في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. له معقّبات" من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله «٣٤» ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حكاية
وممّا جرى بمدينة الاسكندرية سنة سبع وعشرين- وبلغنا خبر ذلك بمكة شرفها
стр. 168
بالكركي «٣٥» فذهب إلى حماية الروم، وأمر بالمسلمين فحضروا بين فصيلي باب المدينة، وأغلق دونهم الأبواب نكالا لهم فأنكر الناس ذلك وأعظموه وكسروا الباب وثاروا إلى منزل الوالي فتحصّن منهم وقاتلهم من أعلاه، وطيّر الحمام «٣٦» بالخبر إلى الملك الناصر فبعث أميرا يعرف بالجمالي «٣٧» ثم أتبعه أميرا يعرف بطوغان، جبار قاسي القلب متهم في دينه، يقال: إنه كان يعبد الشمس، فدخلا إسكندرية وقبضا على كبار أهلها وأعيان التجار بها كأولاد الكوبك وسواهم وأخذا منهم الأموال الطائلة وجعلت في عنق القاضي عماد الدين الكندي جامعة حديد، ثم أن الأميرين قتلا من أهل المدينة ستة وثلاثين رجلا وجعلوا كل رجل قطعتين وصلّبوهم صفين وذلك في يوم جمعة.
وخرج الناس على عادتهم بعد الصلاة لزيارة القبور وشاهدوا مصارع القوم فعظمت حسرتهم وتضاعفت أحزانهم وكان في جملة أولئك المصلوبين تاجر كبير القدر يعرف بابن رواحة وكان له قاعة معدة للسلاح فمتى كان خوف أو قتال جهز منها الماية والمايتين من الرجال بما يكفيهم من الاسلحة.
стр. 169
وبالمدينة قاعات على هذه الصورة لكثير من أهلها، فزلّ لسانه وقال للأميرين أنا أضمن هذه المدينة وكلما يحدث فيها أطالب به، وأحوط على السلطان مرتّبات العساكر والرجال. فأنكر الاميران قوله، وقالا: إنما تريد الثورة على السلطان! وقتلاه ... وانما كان قصده ﵀ إظهار النصح والخدمة للسلطان، فكان فيه حتفه.
وكنت سمعت أيام كوني بالإسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنقطع المنفق من الكون أبي عبد الله المرشدي «٣٨» وهو من كبار الأولياء المكاشفين أنه منقطع بمنية ابن مرشد، له هنالك زاوية هو منفرد فيها لا خديم له ولا صاحب ويقصده الأمراء والوزراء وتأتيه الوفود من طوائف الناس في كل يوم فيطعمهم الطعام، وكل واحد منهم ينوي أن يأكل عنده طعاما أو فاكهة أو حلواء فيأتي لكل واحد بما نواه! وربما كان ذلك في غير إبانه، ويأتيه الفقهاء لطلب الخطط فيولي ويعزل، وذلك كله من أمره مستفيض متواتر، وقد قصده الملك الناصر مرات بموضعه، فخرجت من مدينة الاسكندرية قاصدا هذا الشيخ نفعنا الله به. ووصلت قرية تروجة «٣٩» وضبطها بفتح التاء المعلوة والراء وواو وجيم مفتوح.
وهي على مسيرة نصف يوم من مدينة الإسكندرية، قرية كبيرة بها قاض ووال وناظر، ولأهلها مكارم أخلاق ومروءة، صحبت قاضيها صفي الدين وخطيبها فخر الدين وفاضلا من أهلها يسمى بمبارك وينعت بزين الدين، ونزلت بها على رجل من العبّاد الفضلاء كبير القدر يسمى عبد الوهاب، وأضافني ناظرها زين الدين ابن الواعظ، وسألني عن بلدي وعن مجباه فأخبرته أن مجباه نحو اثني عشر ألفا من دينار الذهب، فعجب، وقال لي: رأيت هذه القرية؟
فإن مجباها اثنان وسبعون الف دينار ذهبا. وإنما عظمت مجابي ديار مصر لأن جميع أملاكها لبيت المال. ثم «٤٠» خرجت من هذه القرية فوصلت مدينة دمنهور «٤١» وهي مدينة
стр. 170
كبيرة جبايتها كثيرة، ومحاسنها أثيرة، أمّ مدن البحيرة «٤٢» بأسرها، وقطبها الذي عليه مدار أمرها، وضبطها بدال مهملة وميم مفتوحين ونون ساكنة وهاء مضمومة وواو وراء، وكان قاضيها في ذلك العهد فخر الدين بن مسكين «٤٣» من فقهاء الشافعية وتولى قضاء الاسكندرية لما عزل عنها عماد الدين الكندي بسبب الوقعة التي قصصناها، وأخبرني الثقة أن ابن مسكين أعطى خمسة وعشرين الف درهم، وصرفها من دنانير الذهب ألف دينار «٤٤» ، على ولاية القضاء بالاسكندرية. ثم رحلنا إلى مدينة فوّا «٤٥» وهذه المدينة عجيبة المنظر، حسنة المخبر، بها البساتين الكثيرة، والفوائد الخطيرة الأثيرة، وضبطها بالفاء والواو المفتوحين مع تشديد الواو، وبها قبر الشيخ الولي أبي النجاة الشهير الاسم، خبير تلك البلاد، وزاوية الشيخ أبي عبد الله المرشدي الذي قصدته بمقربة من المدينة يفصل بينهما خليج هنالك، فلما وصلت المدينة تعديتها ووصلت إلى زاوية الشيخ المذكور قبل صلاة العصر وسلّمت عليه ووجدت عنده الأمير سيف الدين يلملك «٤٦» وهو من كبار الأمراء الخاصّكية.
«٤٧» وأول اسمه (يا) آخر الحروف، ولامه الأولى مسكنة والثانية مفتوحة مثل الميم، والعامة تقول فيه: الملك فيخطئون، ونزل هذا الأمير بعسكره خارج الزاوية، ولما دخلت على الشيخ ﵀ قام إلى وعانقني، وأحضر طعاما فواكلني، وكانت عليه جبة صوف خضراء وعمامة صوف سوداء، فلما حضرت صلاة العصر قدمني للصلاة إماما وكذلك لكل من حضرني
стр. 171
عنده، حين إقامتي معه من الصلاة. ولما أردت النوم قال لي: اصعد إلى سطح الزاوية فنم هنالك وذلك أوان القيظ، فقلت للأمير: بسم الله، فقال لي (وما منا إلا له مقام معلوم) «٤٨» فصعدت السطح فوجدت به حصيرا ونطعا وآنية للوضوء وجرة ماء وقدحا للشرب. فنمت هنالك.
كرامة لهذا الشيخ
رأيت ليلتي تلك، وأنا نائم بسطح الزاوية كأني على جناح طائر عظيم يطير بي في سمت القبلة، ثم يتيامن ثم يشرق ثم يذهب في ناحية الجنوب ثم يبعد الطيران في ناحية الشرق وينزل في أرض مظلمة خضراء ويتركني بها فعجبت من هذه الرؤيا، وقلت في نفسي:
إن كاشفني الشيخ برؤياي فهو كما يحكى عنه! فلما غدوت لصلاة الصبح قدمني إماما لها، ثم أتاه الأمير يلملك فوادعه وانصرف. وودعه من كان هناك من الزوار وانصرفوا أجمعين من بعد أن زودهم كعيكات صغارا. ثم صلى سبحة الضحى، ودعاني وكاشفني برؤياي، فقصصتها عليه فقال سوف تحج وتزور النبي ﷺ وتجول في بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك وبلاد الهند وتبقى بها مدة طويلة وستلقى بها أخي دلشاد الهندي، ويخلّصك من شدة تقع فيها، ثم زوّدني كعيكات ودراهم ووادعته وانصرفت، ومنذ فارقته لم ألق في أسفاري إلا خيرا وظهرت علي بركاته، ثم لم ألق فيمن لقيته مثله الا الولي سيدي محمد الموله، بأرض الهند.
ثم رحلنا إلى المدينة النّحرارية «٤٩» وهي رحبة الفناء، حديثة البناء، أسواقها حسنة الرواء، وضبطها بفتح النون وحاء مهمل مسكن وراءين، وأميرها كبير القدر يعرف بالسّعدي وولده في خدمة ملك الهند وسنذكره، وقاضيها صدر الدين سليمان المالكي
стр. 172
من كبار المالكية «٥٠» سفر عن الملك الناصر إلى العراق، «٥١» وولى قضاء البلاد الغربية وله هيئة وصورة حسنة وخطيبها شرف الدين السخاوي من الصالحين. ورحلت إلى مدينة أبيار «٥٢» وهي قديمة البناء، أرجة الأرجاء، كثيرة المساجد، ذات حسن زائد، وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وياء آخر الحروف وألف وراء، وهي بمقربة من النّحرارية يفصل بينهما النيل وتصنع بأبيار ثياب حسان تغلو قيمتها بالشام والعراق ومصر وغيرها، ومن الغريب قرب النحرارية منها والثياب التي تصنع بها غير معتبرة ولا مستحسنة عند أهلها.
ولقيت بأبيار قاضيها عز الدين المليحي الشافعي وهو كريم الشمايل كبير القدر، حضرت عنده مرة يوم الركبة وهم يسمعون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه ان يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان «٥٣» بدار القاضي ويقف على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعه القاضي ومن معه فيقومون له ويجلسه النقيب في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب
стр. 173
القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة.
ثم توجهت إلى مدينة المحلة الكبيرة «٥٤» وهي جليلة المقدار، حسنة الآثار كثير أهلها، جامع بالمحاسن شملها، واسمها بيّن، وبهذه المدينة قاضي القضاة، ووالي الولاة، وكان قاضي قضاتها أيام وصولي إليها في فراش المرض ببستان له على مسافة فرسخين من البلد وهو عز الدين. بن خطيب الاشمونين «٥٥» ، فقصدت زيارته صحبة نائبه الفقيه أبي القاسم ابن بنون المالكي التونسي، وشرف الدين الدميري قاضي محلة منوف «٥٦» وأقمنا عنده يوما.
وسمعت منه، وقد جرى ذكر الصالحين، أن على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس ٥»
ونسترو «٥٨» ، وهي بلاد الصالحين وبها قبر الشيخ مرزوق صاحب المكاشفات، فقصدت تلك البلاد ونزلت بزاوية الشيخ المذكور، وتلك البلاد كثيرة النخل والثمار والطير البحري، والحوت المعروف بالبوري، «٥٩» ومدينتهم تسمى ملطين «٦٠» وهي على ساحل البحيرة
стр. 174
المجتمعة من ماء النيل وماء البحر المعروفة ببحيرة تنّيس «٦١» ونسترو بمقربة منها، نزلت هنالك بزاوية الشيخ شمس الدين الفلوي من الصالحين، وكانت تنّيس «٦٢» بلدا عظيما شهيرا وهي الآن خراب.
قال ابن جزى: تنّيس بكسر التاء المثناة والنون المشددة وياء وسين مهمل، وإليها ينسب الشاعر المجيد أبو الفتح بن وكيع وهو القائل في خليجها.
قم فاسقني، والخليج مضطرب ... والريح تثني ذوائب القصب
كأنها والرياح تعطفها ... صبّ قنا. سندسية العذب
والجوّ في حلّة ممسّكة ... قد طرزتها البروق بالذّهب
ونسترو، بفتح النون وأسكان السين وراء مفتوحة وواو مسكن، والبرلّس بباء موحدة وراء وآخره سين مهمل، وقيده بعضهم بضم حروفه الأول الثلاث وتشديد اللام، وقيده أبو بكر بن نقطة بفتح الاولين، وهو على البحر. ومن غريب ما اتّفق به ما حكاه أبو عبد الله الرّازي عن أبيه أن قاضي البرلّس، كان رجلا صالحا، خرج ليلة إلى النيل فاسبغ الوضوء وصلى ما شاء الله أن يصلي فسمع قائلا يقول:
لولا رجال لهم سرد يصومونا ... وآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحرا ... لأنكم قوم سوء لا تبالونا!
قال: فتجوزت في صلاتي وأدرت طرفي فما رأيت أحدا ولا سمعت حسا فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى.
стр. 175
رجع، ثم سفرت في أرض رملة إلى مدينة دمياط «٦٣» وهي مدينة فسيحة الأقطار متنوعة الثمار، عجيبة الترتيب، آخذة من كل حسن بنصيب، والناس يضبطون اسمها بإعجام الذال، وكذلك ضبطه الإمام أبو محمد عبد الله بن علي الرشاطي، وكان شرف الدين الامام العلامة أبو محمد عبد المومن ابن خلف الدمياطي «٦٤» امام المحدثين يضبطها بإهمال الدال، ويتبع ذلك بأن يقول: خلافا للرشاطي وغيره، وهو أعرف بضبط اسم بلده.
ومدينة دمياط على شاطىء النّيل وأهل الدور الموالية له يستقون منه الماء بالدلاء، وكثير من دورها بها دركات ينزل فيها إلى النيل وشجر الموز بها كثير يحمل ثمره إلى مصر في المراكب، وغنمها سائمة هملا بالليل والنهار، ولهذا يقال في دمياط: سورها حلوى، وكلابها غنم! وإذا دخلها أحد لم يكن له سبيل إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي، فمن كان من الناس معتبرا طبع له في قطعة كاغد يستظهر به لحراس بابها، وغيرهم يطبع على ذراعه فيستظهر به! والطير البحري بهذه المدينة كثير متناهي السمن. وبها الألبان الجاموسية التي لا مثل لها في عذوبة الطعم وطيب المذاق، وبها الحوت البوري يحمل منها إلى الشام وبلاد الروم ومصر، وبخارجها جزيرة بين البحر والنيل تسمى البرزخ «٦٥» ، بها مسجد وزاوية لقيت بها شيخها المعروف بابن قفل وحضرت عنده ليلة جمعة ومعه جماعة من الفقراء الفضلاء المتعبدين الأخيار قطعوا ليلتهم صلاة وقراءة وذكرا.
ودمياط هذه حديثة البناء والمدينة القديمة هي التي خرّبها الافرنج «٦٦» على عهد الملك
стр. 176
الصالح، وبها زاوية الشيخ جمال الدين السّاوي «٦٧» قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية «٦٨» وهم الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم، ويسكن الزاوية في هذا العهد الشيخ فتح التكروري.
[لحية الشيخ جمال الدين]
حكاية، يذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه في الطرق وتدعوه لنفسها وهو يمتنع ويتهاون، فلما أعياها أمره دست له عجوزا تصدت له إزاء دار على طريقه إلى المسجد وبيدها كتاب مختوم، فلما مر بها قالت له يا سيدي: أتحسن القراءة؟ قال نعم، قالت له: هذا الكتاب وجهه اليّ ولدي وأحب أن تقرأه علي، فقال لها: نعم، فلما فتح الكتاب قالت له: يا سيدي إن لولدي زوجة وهي باسطوان الدار، فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها: فأجابها لذلك، فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب «٦٩» وخرجت المرأة وجواريها فتعلقن به وأدخلنه إلى داخل الدار. وراودته المرأة عن نفسه، فلما رأى أن لا خلاص له، قال لها: إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله! وأمرت بإخراجه، وعصمه الله بذلك فبقى على هيئته فيما بعد وصار كلّ من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه.
كرامة لهذا الشيخ
يذكر أنه لما قصد مدينة دمياط لزم مقبرتها وكان بها قاض يعرف بابن العميد فخرج يوما إلى جنازة بعض الأعيان فرأى الشيخ جمال الدين بالمقبرة فقال له أنت الشيخ المبتدع؟ فقال له: وأنت القاضي الجاهل تمرّ بدابتك بين القبور وتعلم أن حرمة الانسان ميتا كحرمته حيا! فقال له القاضي: وأعظم من ذلك حلقك للحيتك!! فقال له: إياي تعني؟
وزعق الشيخ ثم رفع رأسه فإذا هو ذو لحية سوداء عظيمة، فعجب القاضي ومن معه ونزل
стр. 177
إليه عن بغلته ثم زعق ثانية فإذا هو ذو لحية بيضاء حسنة ثم زعق ثالثة ورفع رأسه فإذا هو بلا لحية كهيئته الأولى، فقبل القاضي يده وتلمذ له وبنى له زاوية حسنة، وصحبه أيام حياته، ثم مات الشيخ فدفن بباب الزاوية حتى يكون كل داخل إلى زيارة الشيخ يطأ قبره! وبخارج دمياط المزار المعروف بشطا «٧٠» بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة، وهو ظاهر البركة يقصده أهل الديار المصرية، وله أيام في السنة معلومة لذلك، وبخارجها أيضا بين بساتينها موضع يعرف بالمنية «٧١» فيه شيخ من الفضلاء يعرف بابن النعمان قصدت زاويته وبت عنده.
وكان بدمياط أيام إقامتي بها وال يعرف بالمحسني «٧٢» من ذوي الإحسان والفضل، بني مدرسة على شاطىء النيل بها كان نزولي في تلك الأيام وتأكدت بيني وبينه مودة.
ثم سافرت إلى مدينة فار سكور «٧٣» وهي مدينة على ساحل النيل، والكاف الذي في اسمها مضموم، ونزلت بخارجها ولحقني هنالك فارس وجّهه إلى الأمير المحسني، فقال لي إن الأمير سأل عنك وعرف بسيرتك فبعث إليك بهذه النفقة، ودفع اليّ جملة دراهم جزاه الله خيرا. ثم سافرت إلى مدينة أشمون الرّمان «٧٤» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الشين المعجم، ونسبت إلى الرّمان، لكثرته بها، ومنها يحمل إلى مصر، وهي مدينة عتيقة كبيرة على خليج من خلج النيل، ولها قنطرة خشب ترسو المراكب عندها، فإذا كان العصر رفعت تلك الخشب وجازت المراكب صاعدة ومنحدرة. وبهذه البلدة قاضي القضاة ووالي الولاة «٧٥» .
ثم سافرت عنها إلى مدينة سمنّود «٧٦» وهي على شاطىء النيل كثيرة المراكب حسنة
стр. 178
الأسواق وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلاثة فراسخ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل والميم وتشديد النون وضمها وواو ودال مهمل، ومن هذه المدينة ركبت النيل مصعدا إلى مصر ما بين مدائن وقرى منتظمة متصل بعضها ببعض، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك، والأسواق متصلة من مدينة الاسكندرية إلى مصر ومن مصر إلى مدينة أسوان «٧٧» من الصعيد.
ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد «٧٨» ، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم، على سعة مكانها وإمكانها «٧٩» ، شبابها يجدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح منزل السعد، قهرت قاهرتها الامم، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها، واغناها عن ان يستمد القطر قطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة.
قال ابن جزي: وفيها يقول الشاعر:
لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنّة الدّنيا لمن يتبصّر
فأولادها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس، والنيل كوثر.
وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض:
شاطىء مصر جنّة ... ما مثلها من بلد
لا سيما مذ زخرفت ... بنيلها المطرد
وللرّياح فوقه ... سوابغ من زرد
مسرودة ما مسّها ... داودها بمبرد
سائلة هواؤها ... يرعد عاري الجسد
والفلك كالافلاك بين ... حادر ومصعد
стр. 179
مصر القاهرة عن المكتبة الوطنية بباريز رقم C ٦١٦٥٧
стр. 180
رجع، ويقال إن بمصر من السقائين على الجمال اثنى عشر ألف سقاء وإن بها ثلاثين ألف مكار «٨٠» ، وإن بنيلها من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية، تمر صاعدة إلى الصعيد، ومنحدرة إلى الاسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق، وعلى ضفة النّيل مما يواجه مصر الموضع المعروف بالروضة، وهو مكان النزهة والتفرج، وبه البساتين الكثيرة الحسنة.
وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو، شاهدت بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده «٨١» فزين كل أهل سوق سوقهم وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياما.
ذكر مسجد عمرو بن العاص والمدارس والمارستان والزوايا
ومسجد عمرو بن العاص «٨٢» مسجد شريف كبير القدر شهير الذكر، تقام فيه الجمعة، والطريق يعترضه من شرق إلى غرب، وبشرقه الزاوية حيث كان يدرس الإمام أبو عبد الله الشافعي «٨٣» . وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها «٨٤» ، وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون «٨٥» فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم.
следующие страницы →