← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصالح، وبها زاوية الشيخ جمال الدين السّاوي «٦٧» قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية «٦٨» وهم الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم، ويسكن الزاوية في هذا العهد الشيخ فتح التكروري. [لحية الشيخ جمال الدين] حكاية، يذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه في الطرق وتدعوه لنفسها وهو يمتنع ويتهاون، فلما أعياها أمره دست له عجوزا تصدت له إزاء دار على طريقه إلى المسجد وبيدها كتاب مختوم، فلما مر بها قالت له يا سيدي: أتحسن القراءة؟ قال نعم، قالت له: هذا الكتاب وجهه اليّ ولدي وأحب أن تقرأه علي، فقال لها: نعم، فلما فتح الكتاب قالت له: يا سيدي إن لولدي زوجة وهي باسطوان الدار، فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها: فأجابها لذلك، فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب «٦٩» وخرجت المرأة وجواريها فتعلقن به وأدخلنه إلى داخل الدار. وراودته المرأة عن نفسه، فلما رأى أن لا خلاص له، قال لها: إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله! وأمرت بإخراجه، وعصمه الله بذلك فبقى على هيئته فيما بعد وصار كلّ من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه. كرامة لهذا الشيخ يذكر أنه لما قصد مدينة دمياط لزم مقبرتها وكان بها قاض يعرف بابن العميد فخرج يوما إلى جنازة بعض الأعيان فرأى الشيخ جمال الدين بالمقبرة فقال له أنت الشيخ المبتدع؟ فقال له: وأنت القاضي الجاهل تمرّ بدابتك بين القبور وتعلم أن حرمة الانسان ميتا كحرمته حيا! فقال له القاضي: وأعظم من ذلك حلقك للحيتك!! فقال له: إياي تعني؟ وزعق الشيخ ثم رفع رأسه فإذا هو ذو لحية سوداء عظيمة، فعجب القاضي ومن معه ونزل

стр. 177

إليه عن بغلته ثم زعق ثانية فإذا هو ذو لحية بيضاء حسنة ثم زعق ثالثة ورفع رأسه فإذا هو بلا لحية كهيئته الأولى، فقبل القاضي يده وتلمذ له وبنى له زاوية حسنة، وصحبه أيام حياته، ثم مات الشيخ فدفن بباب الزاوية حتى يكون كل داخل إلى زيارة الشيخ يطأ قبره! وبخارج دمياط المزار المعروف بشطا «٧٠» بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة، وهو ظاهر البركة يقصده أهل الديار المصرية، وله أيام في السنة معلومة لذلك، وبخارجها أيضا بين بساتينها موضع يعرف بالمنية «٧١» فيه شيخ من الفضلاء يعرف بابن النعمان قصدت زاويته وبت عنده. وكان بدمياط أيام إقامتي بها وال يعرف بالمحسني «٧٢» من ذوي الإحسان والفضل، بني مدرسة على شاطىء النيل بها كان نزولي في تلك الأيام وتأكدت بيني وبينه مودة. ثم سافرت إلى مدينة فار سكور «٧٣» وهي مدينة على ساحل النيل، والكاف الذي في اسمها مضموم، ونزلت بخارجها ولحقني هنالك فارس وجّهه إلى الأمير المحسني، فقال لي إن الأمير سأل عنك وعرف بسيرتك فبعث إليك بهذه النفقة، ودفع اليّ جملة دراهم جزاه الله خيرا. ثم سافرت إلى مدينة أشمون الرّمان «٧٤» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الشين المعجم، ونسبت إلى الرّمان، لكثرته بها، ومنها يحمل إلى مصر، وهي مدينة عتيقة كبيرة على خليج من خلج النيل، ولها قنطرة خشب ترسو المراكب عندها، فإذا كان العصر رفعت تلك الخشب وجازت المراكب صاعدة ومنحدرة. وبهذه البلدة قاضي القضاة ووالي الولاة «٧٥» . ثم سافرت عنها إلى مدينة سمنّود «٧٦» وهي على شاطىء النيل كثيرة المراكب حسنة

стр. 178

الأسواق وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلاثة فراسخ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل والميم وتشديد النون وضمها وواو ودال مهمل، ومن هذه المدينة ركبت النيل مصعدا إلى مصر ما بين مدائن وقرى منتظمة متصل بعضها ببعض، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك، والأسواق متصلة من مدينة الاسكندرية إلى مصر ومن مصر إلى مدينة أسوان «٧٧» من الصعيد. ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد «٧٨» ، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم، على سعة مكانها وإمكانها «٧٩» ، شبابها يجدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح منزل السعد، قهرت قاهرتها الامم، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها، واغناها عن ان يستمد القطر قطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة. قال ابن جزي: وفيها يقول الشاعر: لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنّة الدّنيا لمن يتبصّر فأولادها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس، والنيل كوثر. وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض: شاطىء مصر جنّة ... ما مثلها من بلد لا سيما مذ زخرفت ... بنيلها المطرد وللرّياح فوقه ... سوابغ من زرد مسرودة ما مسّها ... داودها بمبرد سائلة هواؤها ... يرعد عاري الجسد والفلك كالافلاك بين ... حادر ومصعد

стр. 179

مصر القاهرة عن المكتبة الوطنية بباريز رقم C ٦١٦٥٧

стр. 180

رجع، ويقال إن بمصر من السقائين على الجمال اثنى عشر ألف سقاء وإن بها ثلاثين ألف مكار «٨٠» ، وإن بنيلها من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية، تمر صاعدة إلى الصعيد، ومنحدرة إلى الاسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق، وعلى ضفة النّيل مما يواجه مصر الموضع المعروف بالروضة، وهو مكان النزهة والتفرج، وبه البساتين الكثيرة الحسنة. وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو، شاهدت بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده «٨١» فزين كل أهل سوق سوقهم وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياما. ذكر مسجد عمرو بن العاص والمدارس والمارستان والزوايا ومسجد عمرو بن العاص «٨٢» مسجد شريف كبير القدر شهير الذكر، تقام فيه الجمعة، والطريق يعترضه من شرق إلى غرب، وبشرقه الزاوية حيث كان يدرس الإمام أبو عبد الله الشافعي «٨٣» . وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها «٨٤» ، وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون «٨٥» فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم.

стр. 181

وأما الزوايا فكثيرة وهم يسمونها الخوانق «٨٦» ، واحدتها خانقه والأمراء بمصر يتنافسون في بناء الزوايا، وكل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء وأكثرهم الأعاجم، وهم أهل أدب ومعرفة بطريقة التصوف، ولكل زاوية شيخ وحارس، وترتيب أمورهم عجيب. ومن عوائدهم في الطعام أنه يأتي خديم الزاوية إلى الفقراء صباحا فيعين له كلّ واحد ما يشتهيه من الطعام، فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكل إنسان خبزه ومرقه في إناء على حدة لا يشاركه فيه أحد وطعامهم مرّتان في اليوم ولهم كسوة الشتاء وكسوة الصيف، ومرتب شهري من ثلاثين درهما للواحد في الشهر إلى عشرين، ولهم الحلاوة من السكر في كل ليلة جمعة، والصابون لغسل أثوابهم والأجرة لدخول الحمام والزيت للاستصباح «٨٧» ، وهم أعزاب، وللمتزوجين زوايا على حدة، ومن المشترط عليهم حضور الصلوات الخمس والمبيت بالزاوية واجتماعهم بقبة داخل الزاوية. ومن عوائدهم أن يجلس كل واحد منهم على سجادة مختصة به، وإذا صلّوا صلاة الصبح قرأوا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عمّ «٨٨» ، ثم يؤتى بنسخ من القرآن العظيم مجزأة، فيأخذ كل فقير جزءا ويختمون القرآن ويذكرون، ثم يقرأ القرآن على عادة أهل المشرق ٨» ، ومثل ذلك يفعلون بعد صلاة العصر. ومن عوائدهم مع القادم أنه يأتي باب الزاوية فيقف به مشدود الوسط وعلى كاهله سجادة وبيمناه العكاز وبيسراه الإبريق «٩٠» ، فيعلم البواب خديم الزاوية بمكانه ويخرج اليه ويسأله من أي البلاد أتى؟ وأي الزاويا نزل في طريقه؟ ومن شيخه؟ فإذا عرف صحة قوله أدخله الزاوية وفرش له سجادة في موضع يليق به وأراه موضع الطهارة، فيجدّد الوضوء، ويأتي إلى سجادته فيحل وسطه، ويصلي ركعتين ويصافح الشيخ ومن حضر، ويقعد معهم. ومن عوائدهم أنهم إذا كان يوم الجمعة أخذ الخادم جميع سجاجدهم فيذهب بها إلى المسجد ويفرشها لهم هنالك ويخرجون مجتمعين ومعهم

стр. 182

شيخهم فيأتون المسجد ويصلي كلّ واحد على سجادته فإذا فرغوا من الصلاة قرأوا القرآن على عادتهم ثم ينصرفون مجتمعين إلى الزاوية ومعهم شيخهم. ذكر قرافة مصر ومزاراتها ولمصر القرافة العظيمة الشأن في التبرك بها، وقد جاء في فضلها أثر خرجه القرطبي «٩١» وغيره لانها من جملة الجبل المقطم «٩٢» الذي وعد الله أن يكون روضة من رياض الجنة، وهم يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدور ويبنون بها البيوت ويرتبون القراء يقرءون ليلا ونهارا بالأصوات الحسان، ومنهم من يبني الزاوية والمدرسة إلى جانب التربة، ويخرجون في كل ليلة جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم، ويطوفون على المزارات الشهيرة، ويخرجون أيضا إلى المبيت بها ليلة النصف من شعبان «٩٣» ، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل. ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي «٩٤» ﵉، وعليه رباط ضخم عجيب البناء «٩٥» على أبوابه حلق الفضة وصفائحها أيضا كذلك، وهو مؤفي الحق من الإجلال والتعظيم، ومنها تربة السيدة نفيسة بنت زيد بن علي بن

стр. 183

الحسين بن علي ﵈ «٩٦» ، وكانت مجابة الدعوة، مجتهدة في العبادة، وهذه التربة أنيقة البناء، مشرقة الضياء، عليها رباط مقصود ومنها تربة الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ وعليها رباط كبير ولها جراية ضخمة وبها القبة الشهيرة البديعة الاتقان، العجيبة البنيان، المتناهية الأحكام المفرطة السمو وسعتها أزيد من ثلاثين ذراعا. «٩٧» وبقرافة مصر من قبور العلماء والصالحين ما لا يضبطه الحصر «٩٨» ، وبها عدد جم من الصحابة وصدور السلف والخلق ﵃، مثل عبد الرحمن بن القاسم، «٩٩» وأشهب بن عبد العزيز «١٠٠» ، وأصبغ بن الفرج «١٠١» وابن عبد الحكم «١٠٢» وأبي القاسم

стр. 184

بن شعبان «١٠٣» ، وأبي محمد عبد الوهاب «١٠٤» لكن ليس لهم بها اشتهار، ولا يعرفهم الا من له بهم عناية، والشافعي ﵀ ساعده الجد في نفسه واتباعه وأصحابه في حياته ومماته فظهر من أمره مصداق قوله رحمة الله عليه: الجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق! ذكر نيل مصر ونيل مصر «١٠٥» يفضل أنهار الأرض عذوبة مذاق واتساع قطر وعظم منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس في المعمور مثلها ولا يعلم نهر يزدرع عليه ما يزدرع على النيل، وليس في الأرض نهر يسمى بحرا غيره قال الله تعالى: فإذا خفت عليه فألقيه في اليم «١٠٦» فسماه يما وهو البحر. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ وصل ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى «١٠٧» فإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان فسأل

стр. 185

عنها جبريل ﵇، فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنّيل والفرات. وفي الحديث أيضا أن النّيل والفرات وسيحان وجيحان «١٠٨» كل من أنهار الجنة. ومجرى النّيل من الجنوب إلى الشمال خلافا لجميع الأنهار. ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهر وفيضها، ونهر السند مثله في ذلك، وسيأتي ذكره. وأول ابتداء زيادته في حزيران، وهو يونيه «١٠٩» فإذا بلغت زيادته ستة عشر ذراعا تم خراج السلطان، فإن زاد ذراعا كان الخصب في العام، والصلاح التام، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا أضر بالضياع وأعقب الوباء، وان نقص ذراعا عن ستة عشر نقص خراج السلطان، وإن نقص ذراعين استسقى الناس وكان الضرر الشديد. والنيل أحد أنهار الدنيا الخمسة الكبار: وهي النيل والفرات ودجلة وسيحون وجيجون، وتماثلها أنهار خمسة أيضا: نهر السند ويسمى بنج آب «١١٠» ، ونهر الهند، ويسمى الكنك، واليه تحج الهنود وإذا حرّقوا أمواتهم رموا برمادهم فيه، ويقولون هو من الجنة، ونهر الجون بالهند أيضا، ونهر إتل بصحراء قفجق، وعلى ساحله مدينة السّرا، ونهر السرو «١١١» وبأرض الخطا، وعلى ضفته مدينة خان بالق، ومنها ينحدر إلى مدينة الخنسا، ثم إلى مدينة الزيتون بأرض الصين «١١٢» وسيذكر ذلك كله في مواضعه ان شاء الله.

стр. 186

والنيل يفترق بعد مسافة من مصر على ثلاثة أقسام «١١٣» ولا يعبر نهر منها إلا في السفن شتاء وصيفا، وأهل كل بلد لهم خلجان تخرج من النيل فإذا مدّ أترعها ففاضت على المزارع. ذكر الأهرام والبرابي وهي من العجائب المذكورة على مر الدهور، وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها، وأولية بنائها ويزعمون أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أخذت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، ويسمى خنوخ وهو إدريس ﵇ «١١٤» وأنه أول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية وأول من بنى الهياكل ومجّد الله تعالى فيها وأنه أنذر الناس بالطوفان وخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي «١١٥» وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة. ويقال إن دار العلم والملك بمصر مدينة (منوف) وهي على بريد من الفسطاط «١١٦» فلما بنيت الاسكندرية انتقل الناس

стр. 187

اليها وصارت دار العلم والملك إلى أن أتى الإسلام فاختط عمرو بن العاص ﵁ مدينة الفسطاط فهي قاعدة مصر إلى هذا العهد. والأهرام بناء بالحجر الصلد المنحوت متناهي السمو مستدير متسع الأسفل ضيق الأعلى كالشكل المخروط، ولا أبواب لها ولا تعلم كيفية بنائها. ومما يذكر في شأنها أن ملكا من ملوك مصر قبل الطوفان رأى رؤيا هالته وأوجبت عنده أنه بنى تلك الأهرام بالجانب الغربي من النيل لتكون مستودعا للعلوم ولجثث الملوك، وأنه سأل المنجمين: هل يفتح منها موضع؟ فأخبروه أنها تفتح من الجانب الشمالي، وعينوا له الموضع الذي تفتح منه، ومبلغ الانفاق في فتحه، فأمر أن يجعل بذلك الموضع من المال قدر ما أخبروه أنه ينفق في فتحه، واشتد في البناء فأتمه في ستين سنة، وكتب عليها: بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد ذلك في ستمائة سنة، فإن الهدم أيسر من البناء «١١٧» . فلما أفضت الخلافة إلى أمير المومنين المامون «١١٨» أراد هدمها فأشار عليه بعض مشايخ مصر أن لا يفعل، فلج في ذلك وأمر أن تفتح من الجانب الشمالي فكانوا يوقدون عليها النار، ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم ووجدوا بإزاء النقب ما لا أمر أمير المومنين بوزنه فحصر ما أنفق في النقب فوجدهما سواء فطال عجبه من ذلك ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعا. ذكر سلطان مصر وكان سلطان مصر على عهد دخولي اليها الملك الناصر أبو الفتح محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي «١١٩» ، وكان قلاوون يعرف بالألفي، لأن الملك الصالح اشتراه بألف دينار ذهبا، وأصله من قفجق، وللملك الناصر ﵀ السيرة الكريمة

стр. 188

الجيزة- أبو الهول وهرم خفرع

стр. 189

والفضائل العظيمة، وكفاه شرفا انتماؤه لخدمة الحرمين الشريفين، وما يفعله في كل سنة من أفعال البر التي تعين الحجاج من الجمال التي تحمل الزاد والماء للمنقطعين والضعفاء وتحمل من تأخر أو ضعف عن المشي في الدربين المصري والشامي. وبنى زاوية عظيمة بسرياقص «١٢٠» خارج القاهرة. لكن الزاوية التي بناها مولانا أمير المؤمنين، وناصر الدين، وكهف الفقراء والمساكن، خليفة الله في أرضه، القائم من الجهاد بنفله وفرضه، أبو عنان، أيد الله أمره وأظهره، وسنى له الفتح المبين ويسّره، بخارج حضرته العلية المدينة البيضاء «١٢١» حرسها الله لا نظير لها في المعمور في إتقان الوضع وحسن البناء والنقش في الجص بحيث لا يقدر أهل المشرق على مثله، وسيأتي ذكر ما عمره أيده الله من المدارس والمارستانات والزوايا ببلاده حرسها الله وحفظها بدوام ملكه.

стр. 190

قنديل يحمل اسم الملك الناصر عن المتحف العربي بالقاهرة

стр. 191

ذكر بعض أمراء مصر منهم ساقي الملك الناصر وهو الأمير بكتمور «١٢٢» ، وضبط اسمه بضم الباء الموحدة وكاف مسكن وتاء معلوة مضمومة وآخره راء، وهو الذي قتله الملك الناصر بالسّم، وسيذكر ذلك. ومنهم نائب الملك الناصر أرغون الدّوادار «١٢٣» ، وهو الذي يلي بكتمور في المنزلة وضبط اسمه بفتح الهمزة وإسكان الراء وضم الغين المعجمة. ومنهم طشط «١٢٤» المعروف بحمّص أخضر، واسمه بطاءين مهملين مضمومين بينهما شين معجم، وكان من خيار الأمراء، وله الصدقات الكثيرة على الأيتام من كسوة ونفقة وأجرة لمن يعلّمهم القرآن، وله الإحسان العظيم للحرافيش «١٢٥» وهم طائفة كبيرة أهل صلابة وجوه ودعارة، وسجنه الملك الناصر مرة فاجتمع من الحرافيش آلاف ووقفوا بأسفل القلعة ونادوا بلسان واحد: يا أعرج النحس، يعنون الملك الناصر، أخرجه، فأخرجه من محبسه وسجنه مرة أخرى ففعل الأيتام مثل ذلك فأطلقه. ومنهم وزير الملك الناصر يعرف بالجمالي «١٢٦» بفتح الجيم، ومنهم بدر الدين بن

стр. 192

البابه «١٢٧» ومنهم جمال الدين نائب الكرك «١٢٨» . ومنهم تقزدمور، «١٢٩» واسمه بضم التاء المعلوة وضم القاف وزارى مسكن ثم دال مضموم وميم مثله وآخره راء، ودمور بالتركية الحديد. ومنهم بهادور الحجازي «١٣٠» واسمه بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء، ومنهم قوصون «١٣١» واسمه بفتح القاف وصاد مهمل مضموم ومنهم بشتك «١٣٢»

стр. 193

واسمه بفتح الباء الموحدة واسكان الشين المعجم وتاء معلوة مفتوحة. وكل هؤلاء يتنافسون في أفعال الخيرات وبناء المساجد والزوايا. ومنهم ناظر جيش الناصر وكاتبه القاضي فخر الدين القبطي «١٣٣» ، وكان نصرانيا من القبط فأسلم وحسن إسلامه، وله المكارم العظيمة والفضائل التامة، ودرجته من أعلى الدرجات عند الملك الناصر، وله الصدقات الكثيرة والإحسان الجزيل، ومن عادته أن يجلس عشى النهار في مجلس له باسطوان داره على النيل ويليه المسجد فإذا حضر المغرب صلى في المسجد وعاد إلى مجلسه وأوتى بالطعام، ولا يمنع حينئذ أحدا من الدخول كائنا من كان، فمن كان ذا حاجة تكلم فيها فقضاها له ومن كان طالب صدقة أمر مملوكا له يدعى بدر الدين واسمه لؤلؤ بأن يصحبه إلى خارج الدار وهنالك خازنه معه صرر الدراهم فيعطيه ما قدّر له ويحضر عنده في ذلك الوقت الفقهاء، ويقرأ بين يديه كتاب البخاري «١٣٤» فإذا صلى العشاء الأخيرة انصرف الناس عنه. ذكر القضاة بمصر في عهد دخولي إليها فمنهم قاضي القضاة الشافعية وهو أعلاهم منزلة وأكبرهم قدرا واليه ولاية القضاة بمصر وعزلهم وهو القاضي الامام العالم بدر الدين بن جماعة «١٣٥» وابنه عز الدين هو الآن متولي ذلك، ومنهم قاضي القضاة المالكية الامام الصالح تقي الدين الإخناءى «١٣٦» ومنهم

стр. 194

قاضي القضاة الحنفية الامام العالم شمس الدين الحريري «١٣٧» ، وكان شديد السطوة لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت الأمراء تخافه، ولقد ذكر لي أن الملك الناصر قال يوما لجلسائه: إني لا أخاف من أحد الا من شمس الدين الحريري: ومنهم قاضي القضاة الحنبلية ولا أعرفه الآن إلا أنه كان يدعى بعز الدين «١٣٨» . حكاية [الملك الناصر يقعد للمظالم] كان الملك الناصر ﵀ يقعد للنظر في المظالم ورفع قصص المشتكين كل يوم اثنين وخميس، ويقعد القضاة الأربعة عن يساره وتقرأ القصص بين يديه، ويعين من يسأل صاحب القصة عنها، وقد سلك مولانا أمير المؤمنين، ناصر الدين، أيده الله في ذلك مسلكا لم يسبق إليه، ولا مزيد في العدل والتواضع عليه، وهو سؤاله بذاته الكريمة، لكل متظلم وعرضه بين يديه، مكرمة أبي الله أن يخص بها سواه، ادام الله عليه أيامه. وكان رسم القضاة المذكورين أن يكون أعلاهم منزلة في الجلوس قاضي الشافعية ثم قاضي الحنفية ثم قاضي المالكية ثم قاضي الحنبلية، فلما توفى شمس الدين الحريري وولّى مكانه برهان الدين بن عبد الحق الحنفي «١٣٩» أشار الأمراء على الملك الناصر بأن يكون مجلس المالكي فوقه،

стр. 195

وذكروا أن العادة جرت بذلك قديما إذ كان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف «١٤٠» يلي قاضي الشافعية تقي الدين بن دقيق العيد، فأمر الملك الناصر بذلك، فلما علم به قاضي الحنفية غاب عن شهود المجلس أنفة من ذلك فأنكر الملك الناصر مغيبه وعلم ما قصده فأمر بإحضاره فلما مثل بين يديه أخذ الحاجب بيده وأقعده حيث نفذ أمر السلطان مما يلي قاضي المالكية واستمرّ حاله على ذلك. ذكر بعض علماء مصر وأعيانها فمنهم شمس الدين الأصبهاني إمام الدنيا في المعقولات «١٤١» ، ومنهم شرف الدين الزواوي المالكي «١٤٢» ، ومنهم برهان الدين ابن بنت الشاذلي نائب قاضي القضاة بجامع الصالح «١٤٣» ، ومنهم ركن الدين ابن القوبع التونسي من الأيمة في المعقولات «١٤٤» ، ومنهم شمس الدين ابن عدلان كبير الشافعية «١٤٥» ، ومنهم بهاء الدين ابن عقيل فقيه كبير

стр. 196

«١٤٦» ، ومنهم أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان الغرناطي «١٤٧» وهو أعلمهم بالنحو، ومنهم الشيخ الصالح بدر الدين عبد الله المنوفي «١٤٨» ومنهم برهان الدين الصفاقسي «١٤٩» ، ومنهم قوام الدين الكرماني وكان سكناه بأعلى سطح الجامع الأزهر وله جماعة من الفقهاء والقراء يلازمونه ويدرس فنون العلم ويفتى في المذاهب، ولباسه عباءة صوف خشنة وعمامة صوف سوداء، ومن عادته أن يذهب بعد صلاة العصر إلى مواضع الفرج والنزهات منفردا عن أصحابه «١٥٠» ! ومنهم السيد الشريف شمس الدين ابن بنت الصاحب تاج الدين بن حناء «١٥١» ، ومنهم شيخ شيوخ الفقراء بديار مصر نجد الدين الأقصرائي، نسبة إلى أقصرة من بلاد الروم، ومسكنه سرياقص «١٥٢» ومنهم الشيخ جمال

стр. 197

الجامع الأزهر منظر خارجي

стр. 198

الدين الحويزاءي، والحويزاء «١٥٣» على مسيرة ثلاثة من البصرة ومنهم نقيب الأشراف بديار مصر السيّد الشريف المعظم بدر الدين الحسيني «١٥٤» من كبار الصالحين ومنهم وكيل بيت المال المدرس بقبة الامام الشافعي مجد الدين بن حرمي «١٥٥» ، ومنهم المحتسب بمصر نجم الدين السهرتي «١٥٦» من كبار الفقهاء وله بمصر رياسة عظيمة وجاه. ذكر يوم المحمل بمصر وهو يوم دوران المحمل «١٥٧» يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يركب قضاة القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب، وقد ذكرنا جميعهم، ويركب معهم أعلام الفقهاء، وأمناء الرؤساء، وأرباب الدولة ويقصدون جميعا باب القلعة: دار الملك الناصر فيخرج إليهم المحمل على جمل وأمامه الأمير «١٥٨» المعين لسفر الحجاز في تلك السنة، معه عسكره والسقاءون على جمالهم ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء، ثم يطوفون بالمحمل وجميع من ذكرنا معه بمدينتي القاهرة ومصر، والحداة يحدون أمامهم ويكون ذلك في رجب فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق وتتحرك البواعث ويلقى الله تعالى العزيمة على الحج في قلب من يشاء من عباده، فيأخذون في التأهب لذلك والاستعداد «١٥٩» .

стр. 199

مسيرة احتفالية بالمحمل ...

стр. 200

ثم كان سفري من مصر على طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف، فبت ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حناء بدير الطين «١٦٠» وهو رباط عظيم بناه على مفاخر عظيمة، وآثار كريمة، أودعها فيه، وهي قصعة من قطعة رسول الله ﷺ ، والميل الذي كان يكتحل به، والدّرفش وهو الأشفى الذي كان يخصف به نعله، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بخط يده ﵁. ويقال إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة الف درهم وبنى الرباط وجعل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة، نفعه الله تعالى بقصده المبارك. ثم خرجت من الرباط المذكور ومررت بمنية القائد «١٦١» ، وهي بلدة صغيرة على ساحل النيل، ثم سرت منها إلى مدينة بوش «١٦٢» ، وضبطها بضم الباء الموحدة وأخرها شين معجم، وهذه المدينة أكثر بلاد مصر كتانا ومنها يجلب إلى سائر الديار المصرية وإلى إفريقية. ثم سافرت منها فوصلت إلى مدينة دلاص «١٦٣» ، وضبط اسمها بفتح الدال المهمل وآخره صاد مهمل، وهذه المدينة كثيرة الكتان أيضا كمثل الذي ذكرنا قبلها ويحمل أيضا منها إلى ديار مصر وإفريقية. ثم سافرت منها إلى مدينة ببا «١٦٤» ، وضبط اسمها بباءين موحدتين أولاهما

стр. 201

مكسورة، ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسة «١٦٥» ، وهي مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة، وضبط اسمها بفتح الموحدة واسكان الهاء وفتح النون والسين، وتصنع بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة. وممن لقيته بها قاضيها العالم شرف الدين، وهو كريم النفس فاضل، ولقيت بها الشيخ الصالح أبا بكر العجمي، ونزلت عنده وأضافني، ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب، وهي مدينة كبيرة الساحة، متسعة المساحة، مبنية على شاطىء النّيل «١٦٦» ، وحقيق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل، بها المدارس والمشاهد والزوايا، والمساجد، وكانت في القديم منية لخصيب عامل مصر «١٦٧» . حكاية خصيب يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس ﵃ غضب على أهل مصر فآلى أن يولى عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قاصدا لإرذالهم والتنكّل، وكان خصيب أحقرهم اذ كان يتولى تسخين الحمام «١٦٨» ، فخلع عليه وأمّره على مصر، وظنّه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالإذاية حسبما هو المعهود ممن ولى عن غير عهد بالعز، فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها أحسن سيرة، وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل العطاء لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم. وإن الخليفة افتقد بعض العبّاسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبه، فأخبره أنه قصد خصيبا، وذكر له ما أعطاه خصيب، وكان عطاء جزيلا، فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وإخراجه من مصر إلى بغداد، وأن يطرح في أسواقها، فلما ورد الامر بالقبض

стр. 202

عليه حيل بينه وبين دخول منزله، وكانت بيده ياقوته عظيمة فخبّأها عنده وخاطها في ثوب له ليلا، وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد، فمر به بعض الشعراء، فقال له: يا خصيب، إني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها، فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه؟ فقال إنما قصدي سماعك لها، وأما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك الله خيرا قال: فافعل فأنشده: أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفّقا، فكلاكما بحر! «١٦٩» فلما أتى على أخرها قال له: افتق هذه الخياطة، ففعل ذلك، فقال له: خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن ياخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين، فلما عرضها عليهم، قالوا له: إن هذه لا تصلح إلا للخليفة، فرفعوا أمرها إلى الخليفة، فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب، وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكّمه فيما يريد فرغب أن يعطيه هذه المنية، ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفى وأورثها عقبه إلى أن انقرضوا. وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النّويري المالكي وواليها شمس الدين أمير خيّر كريم، دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت الناس بها لا يستترون فعظم ذلك علي، وأتيته فأعلمته بذلك فأمرني أن لا أبرح وأمر بإحضار المكتريين للحمامات وكتب عليهم العقود أنه متى دخل أحد الحمام دون ميزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد، ثم انصرفت عنه. وسافرت من منية ابن خصيب إلى مدينة منلوي «١٧٠» وهي صغيرة مبنية على مسافة ميلين من النيل، وضبط اسمها بفتح الميم واسكان النون وفتح اللام وكسر الواو، وقاضيها الفقيه شرف الدين الدّميري بفتح الدال المهمل وكسر الميم الشافعي، وكبارها قوم يعرفون ببني فضيل بنى أحدهم جامعا انفق فيه صميم ماله. وبهذه المدينة إحدى عشرة معصرة للسكر ومن عوائدهم أنهم لا يمنعون فقيرا من دخول معصرة منها فيأتي الفقير بالخبزة

стр. 203

الحارة فيطرحها في القدر التي يطبخ فيها السكر ثم يخرجها وقد امتلأت سكرا فينصرف بها. وسافرت من منلوي المذكورة إلى مدينة منفلوط «١٧١» وهي مدينة حسن رواؤها، مؤنق بناؤها، على ضفة النيل، شهيرة البركة، وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم اللام وآخرها طاء مهمل. حكاية [منبر ملك الناصر] أخبرني أهل هذه المدينة أن الملك الناصر ﵀ أمر بعمل منبر عظيم محكم الصنعة بديع الإنشاء برسم المسجد الحرام زاده الله شرفا وتعظيما، فلما تم عمله أمر أن يصعد به في النيل ليجاز إلى بحر جدة، ثم إلى مكة شرفها الله، فلما وصل المركب الذي احتمله إلى منفلوط وحاذى مسجدها الجامع وقف وامتنع من الجري مع مساعدة الريح، فعجب الناس من شأنه أشد العجب وأقاموا أياما لا ينهض بهم المركب فكتبوا بخبره إلى الملك الناصر ﵀، فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط ففعل ذلك، وقد عاينته بها. ويصنع بهذه المدينة شبه العسل يستخرجونه من القمح ويسمونه النّيدا «١٧٢» يباع بأسواق مصر. وسافرت من هذه المدينة إلى مدينة أسيوط «١٧٣» وهي مدينة رفيعة، أسواقها بديعة، وضبط اسمها بفتح الهمزة والسين المهملة والياء آخر الحروف وواو وطاء مهملة، وقاضيها شرف الدين بن عبد الرحيم الملقب" بحاصل ما ثمّ" لقب شهر به، وأصله أن القضاة بديار مصر والشام بأيديهم الأوقاف والصدقات لابناء السبيل فإذا أتى فقير لمدينة من المدن قصد

стр. 204

القاضي بها فيعطيه ما قدر له، فكان هذا القاضي إذا أتى الفقير يقول له: (حاصل ما ثم) «١٧٤» ! أي لم يبق من المال الحاصل شيء، فلقّب بذلك ولزمه. وبها من المشايخ الفضلاء الصالح شهاب الدين بن الصباغ، أضافني بزاويته، وسافرت منها إلى مدينة إخميم «١٧٥» وهي مدينة عظيمة أصيلة البنيان، عجيبة الشأن بها البربي المعروف باسمها، وهو مبني بالحجارة في داخله نقوش وكتابة للأوائل، لا تفهم في هذا العهد وصور الأفلاك والكواكب، ويزعمون أنها بنيت والنسر الطائر ببرج العقرب، وبها صور الحيوانات وسواها، وعند الناس في هذه الصور أكاذيب لا يعرج عليها. وكان بإخميم رجل يعرف بالخطيب أمر على هدم بعض هذه البرابي وابتنى بحجارتها مدرسة، وهو رجل موسر معروف بالإيثار، ويزعم حساده أنه استفاد ما بيده من المال من ملازمته لهذه البربى. ونزلت من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي العباس بن عبد الظاهر، «١٧٦» وبها تربة جدّه عبد الظاهر، وله من الاخوة ناصر الدين ومجد الدين وواحد الدين، ومن عادتهم أن يجتمعوا جميعا بعد صلاة الجمعة ومعهم الخطيب نور الدين المذكور وأولاده وقاضي المدينة الفقيه مخلص وسائر وجوه أهلها فيختمون القرآن ويذكرون الله إلى صلاة العصر، فإذا صلوها قرأوا سورة الكهف ثم انصرفوا. وسافرت من إخميم إلى مدينة (هو) «١٧٧» مدينة كبيرة بساحل النيل، وضبطها بضم الهاء، نزلت منها بمدرسة تقي الدين ابن السراج ورأيتهم يقرءون بها في كل يوم بعد صلاة الصبح حزبا من القرآن ثم يقرءون أوراد الشيخ أبي الحسن الشاذلي وحزب البحر وبهذه المدينة السيد الشريف أبو محمد عبد الله الحسنى من كبار الصالحين.

стр. 205

كرامة له دخلت إلى هذا الشريف متبركا برؤيته والسلام عليه فسألني عن قصدي، فأخبرته، إني أريد حج البيت الحرام على طريق جدة، فقال لي: لا يحصل لك هذا في هذا الوقت فارجع وإنما تحج أول حجة على الدرب الشامي فانصرفت عنه ولم اعمل على كلامه ومضيت في طريقي حتى وصلت إلى عيذاب فلم يتمكن لي السفر فعدت راجعا إلى مصر ثم إلى الشام، وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي حسبما أخبرني الشريف نفع الله به. ثم سافرت إلى مدينة قنا وهي صغيرة حسنة الاسواق، واسمها بقاف مكسورة ونون، وبها قبر الشريف الصالح الوالي صاحب البراهين العجيبة، والكرامات الشهيرة عبد الرحيم القناوي رحمة الله عليه «١٧٨» ، ورأيت بالمدرسة السّيفية منها حفيده شهاب الدين أحمد. وسافرت من هذا البلد إلى مدينة قوص «١٧٩» وهي بضم القاف مدينة عظيمة، لها خيرات عميمة، بساتينها مورقة وأسواقها مونقة، ولها المساجد الكثيرة، والمدارس الأثيرة، وهي منزل ولاة الصعيد، وبخارجها زاوية الشيخ شهاب الدين ابن عبد الغفار، وزاوية الأفرم، وبها اجتماع الفقراء المتجردين في شهر رمضان من كل سنة، ومن علمائها القاضي بها جمال الدين بن السديد «١٨٠» ، والخطيب بها فتح الدين بن دقيق العيد «١٨١» أحد الفصحاء البلغاء الذين حصل لهم السبق في ذلك، لم أر من يماثله إلا خطيب المسجد الحرام بهاء الدين الطبري، وخطيب مدينة خوارزم حسام الدين المشاطي وسيقع ذكرهما، ومنهم

стр. 206

الفقيه بهاء الدين بن عبد العزيز المدرس بمدرسة المالكية، ومنهم الفقيه برهان الدين ابراهيم الأندلسي له زاوية عالية. ثم سافرت إلى مدينة الأقصر «١٨٢» وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الصاد المهمل، وهي صغيرة حسنة وبها قبر الصالح العابد أبي الحجاج الأقصرى «١٨٣» وعليه زاوية، وسافرت منها إلى مدينة أرمنت، «١٨٤» وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الراء وميم مفتوحة ونون ساكنة وتاء معلوة، وهي صغيرة ذات بساتين مبنية على ساحل النّيل، أضافني قاضيها وأنسيت اسمه، ثم سافرت منها إلى مدينة أسنا «١٨٥» وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان السين المهمل ونون، مدينة عظيمة متسعة الشوارع، ضخمة المنافع، كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع، لها أسواق حسان وبساتين ذات أفنان، قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين، أضافني وأكرمني وكتب إلى نوابه بإكرامي، وبها من الفضلاء الشيخ الصالح نور الدين علي والشيخ الصالح عبد الواحد المكناسي وهو على هذا العهد صاحب زاوية بقوص. ثم سافرت منها إلى مدينة أدفو «١٨٦» وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الدال المهمل وضم الفاء. وبينها وبين مدينة أسنا مسيرة يوم وليلة في صحراء. ثم جزنا النيل من مدينة أدفوا إلى مدينة العطواني، «١٨٧» ومنها اكترينا الجمال، وسافرنا مع طائفة من العرب تعرف بدغيم، بالغين المعجمة، في صحراء لا عمارة بها إلا أنها آمنة السبل، وفي بعض

стр. 207

منازلها «١٨٨» نزلنا (حميثرا) حيث قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي، وقد ذكرنا كرامته في إخباره أنه يموت بها، وأرضها كثيرة الضباغ، ولم نزل ليلة مبيتنا بها نحارب الضباع، ولقد قصدت رحلي ضبع منها فمزقت عدلا كان به واجترّت منه جراب تمر وذهبت به، فوجدناه لما أصبحنا ممزقا مأكولا معظم ما كان فيه. ثم لما سرنا خمسة عشر يوما وصلنا إلى مدينة عيذاب «١٨٩» وهي مدينة كبيرة كثيرة الحوت واللبن ويحمل اليها الزرع والتمر من صعيد مصر، وأهلها البجاة «١٩٠» وهم سود الألوان يلتحفون ملاحف صفرا ويشدون على رؤوسهم عصايب يكون عرض العصابة منها أصبعا وهم لا يورّثون البنات، وطعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري «١٩١» ويسمونها الصّهب، وثلث المدينة للملك الناصر وثلثاها لملك البجاة وهو يعرف بالحدربي «١٩٢» بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء، وبمدينة عيذاب مسجد ينسب للقسطلاني «١٩٣» شهير البركة رأيته وتبركت به، وبها الشيخ الصالح موسى، والشيخ المسن محمد

стр. 208

المراكشي زعم أنه ابن المرتضى «١٩٤» ملك مراكش وان سنه خمس وتسعون سنة. ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، «١٩٥» وقد خرق المراكب وهرب الترك أمامه، فتعذر سفرنا في البحر فبعنا ما كنا أعدادناه من الزاد وعدنا مع العرب الذين اكترينا الجمال منهم إلى صعيد مصر فوصلنا إلى مدينة قوص التي تقدم ذكرها. وانحدرنا منها في النيل وكان أوان مده فوصلنا بعد مسيرة ثمان من قوص إلى مصر فبت بمصر ليلة واحدة ... وقصدت بلاد الشام وذلك في منتصف شعبان سنة ست وعشرين، «١٩٦» فوصلت إلى مدينة بلبيس «١٩٧» ، وضبط اسمها بفتح الموحدة الأولى وفتح الثانية ثم ياء آخر الحروف مسكنة وسين مهمل وهي مدينة كبيرة، ذات بساتين كثيرة، ولم ألق بها من نحبّ ذكره «١٩٨» ، ثم وصلت إلى الصالحية «١٩٩» ، ومنها دخلنا الرمال، ونزلنا منازلها: مثل السّوادة

стр. 209

والورّادة والمطيلب والعريش والخروبة «٢٠٠» وبكل منزل منها فندق، وهم يسمونه الخان ينزله المسافرون بدوابهم، وبخارج كل خان سانية للسبيل، وحانوت يشتري منها المسافر ما يحتاجه لنفسه ودابته. ومن منازلها قطيا «٢٠١» المشهورة وهي بفتح القاف وسكون الطاء وياء آخر الحروف مفتوحة والف والناس يبدّلون ألفها هاء تانيث، وبها توخذ الزكاة من التجار «٢٠٢» وتفتش أمتعتهم ويبحث عما لديهم أشد البحث، وفيها الدواوين والعمال والكتاب والشهود، ومجباها في كل يوم الف دينار من الذهب ولا يجوز عليها أحد من «٢٠٣» الشام إلا ببراءة من مصر ولا إلى مصر الا ببراءة من الشام احتياطا على أموال الناس وتوقيا من الجواسيس العراقيين «٢٠٤» . وطريقها في ضمان العرب قد وكلوا بحفظه، فإذا كان الليل مسحوا على الرمل لا يبقى به أثر ثم ياتي الامير صباحا فينظر إلى الرمل فإن وجد به أثرا طلب العرب بإحضار مؤثره فيذهبون في طلبه فلا يفوتهم فيأتون به الأمير فيعاقبه بما شاء، وكان بها في عهد

стр. 210

وصولي اليها عز الدين استاذ «٢٠٥» الدار أقماري، من خيار الأمراء، أضافني وأكرمني وأباح الجواز «٢٠٦» لمن كان معي، وبين يديه عبد الجليل المغربي الوقاف، وهو يعرف المغاربة وبلادهم، فيسأل من ورد منهم من أي البلاد؟ لئيلا يلبّس عليهم فإنّ المغاربة لا يعترضون في جوازهم على (قطيا) .

стр. 211

نقوش من قوص عن أرشيف بيرشم- جنيف أقدم جواز سفر على البردي، أهداه إلينا مشكورا معهد د. حسين رجب بالقاهرة

стр. 212

الفصل الثالث الشام وفلسطين من غزة إلى القدس فعسقلان من عسقلان إلى حلب مدينة حلب من حلب إلى جبلة من اللاذقية إلى دمشق مدينة دمشق والجامع الأموي ضواحي دمشق الأوقاف في دمشق ومجيز وابن بطوطة بها.

стр. 213

خريطة مسالك الشام وفلسطين

стр. 214

ثم سرنا حتى وصلنا إلى مدينة غزة «١» ، وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر متسعة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة ولا سور عليها، وكان بها مسجد جامع حسن، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي «٢» ، وهو أنيق البناء محكم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض، وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني، ومدرسها علم الدين بن سالم، وبنو سالم كبراء هذه المدينة، ومنهم شمس الدين قاضي القدس. ثم سافرت من غزة إلى مدينة الخليل «٣» صلى الله على نبيّنا وعليه وسلم تسليما، وهي مدينة صغيرة الساحة، كبيرة المقدار، مشرقة الأنوار حسنة المنظر، عجيبة المخبر، في بطن واد، ومسجدها أنيق الصنعة محكم العمل بديع الحسن سامي الارتفاع «٤» مبني بالصخر المنحوت، في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرا. ويقال: إن سليمان ﵇ أمر الجن ببنائه «٥» ، وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس، فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، صلوات الله على نبينا وعليهم، ويقابلها قبور ثلاثة: هي قبور أزواجهم، وعن يمين المنبر بلصق جدار القبلة موضع يهبط منه على درج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يفضي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة، ويقال: إنها

стр. 215

نقوش من غزة ومن مدينة الخليل
следующие страницы →