← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

نقوش من قوص عن أرشيف بيرشم- جنيف أقدم جواز سفر على البردي، أهداه إلينا مشكورا معهد د. حسين رجب بالقاهرة

стр. 212

الفصل الثالث الشام وفلسطين من غزة إلى القدس فعسقلان من عسقلان إلى حلب مدينة حلب من حلب إلى جبلة من اللاذقية إلى دمشق مدينة دمشق والجامع الأموي ضواحي دمشق الأوقاف في دمشق ومجيز وابن بطوطة بها.

стр. 213

خريطة مسالك الشام وفلسطين

стр. 214

ثم سرنا حتى وصلنا إلى مدينة غزة «١» ، وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر متسعة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة ولا سور عليها، وكان بها مسجد جامع حسن، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي «٢» ، وهو أنيق البناء محكم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض، وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني، ومدرسها علم الدين بن سالم، وبنو سالم كبراء هذه المدينة، ومنهم شمس الدين قاضي القدس. ثم سافرت من غزة إلى مدينة الخليل «٣» صلى الله على نبيّنا وعليه وسلم تسليما، وهي مدينة صغيرة الساحة، كبيرة المقدار، مشرقة الأنوار حسنة المنظر، عجيبة المخبر، في بطن واد، ومسجدها أنيق الصنعة محكم العمل بديع الحسن سامي الارتفاع «٤» مبني بالصخر المنحوت، في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرا. ويقال: إن سليمان ﵇ أمر الجن ببنائه «٥» ، وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس، فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، صلوات الله على نبينا وعليهم، ويقابلها قبور ثلاثة: هي قبور أزواجهم، وعن يمين المنبر بلصق جدار القبلة موضع يهبط منه على درج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يفضي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة، ويقال: إنها

стр. 215

نقوش من غزة ومن مدينة الخليل

стр. 216

قبرية بيبرس الصالحي

стр. 217

محاذية لها. وكان هنالك مسلك إلى الغار المبارك وهو الآن مسدود وقد نزلت بهذا الموضع مرات، ومما ذكره أهل العلم دليلا على صحة كون القبور الثلاثة الشريفة هنالك ما نقلته من كتاب علي بن جعفر الرازي الذي سماه" المسفر للقلوب، عن صحة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب" «٦» أسند فيه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لما أسرى بي إلى بيت المقدس مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم، فقال: انزل فصلّ ركعتين فإن هنا ولد أخوك عيسى ﵇، ثم أتى بي إلى الصخرة، وذكر بقية الحديث ... ولما لقيت بهذه المدينة المدرس الصالح المعمر الامام الخطيب برهان الدين الجعبري «٧» أحد الصلحاء المرضيين، والأئمّة المشهورين، سألته عن صحة كون قبر الخليل ﵇ هنالك، فقال لي: كلّ من لقيته من أهل العلم يصححون أن هذه القبور قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نبيّنا وعليهم السلام، وقبور زوجاتهم، ولا يطعن في ذلك إلا أهل البدع، وهو نقل الخلف عن السلف لا يشك فيه. ويذكر أن بعض الأيمة دخل إلى هذا الغار ووقف عند قبر سارة، فدخل شيخ فقال له: أي هذه القبور هو قبر إبراهيم، فأشار له إلى قبره المعروف، ثم دخل شاب فسأله كذلك، فأشار له إليه، ثم دخل صبي فسأله أيضا فأشار له اليه، فقال الفقيه أشهد أن هذا قبر إبراهيم ﵇ لا شك، ثم دخل إلى المسجد فصلى به وارتحل من الغد، وبداخل هذا

стр. 218

المسجد أيضا قبر يوسف ﵇ «٨» ، وبشرقيّ حرم الخليل تربة لوط ﵇ «٩» وهي على تل مرتفع يشرف منه على غور الشام، وعلى قبره أبنية حسنة، وهو في بيت حسن البناء مبيض ولا ستور عليه. وهنالك بحيرة لوط «١٠» وهي أجاج يقال إنها موضع ديار قوم لوط. وبمقربة من تربة لوط مسجد اليقين «١١» وهو على تل مرتفع له نور وإشراق ليس لسواه ولا يجاوره إلا دار واحدة يسكنها قيّمه، وفي المسجد بمقربة من بابه موضع منخفض في حجر صلد قد هيء فيه صورة محراب لا يسع إلا مصليا واحدا، ويقال إن إبراهيم سجد في ذلك الموضع شكرا لله تعالى عند هلاك قوم لوط فتحرك موضع سجوده وساخ في الأرض قليلا. وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي ﵉، وبأعلى القبر وأسفله لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع: بسم الله الرحمن الرحيم، لله العزة والبقاء وله ما ذرأ وبرأ وعلى خلقه كتب الفناء، وفي رسول الله أسوة، هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين ﵁، وفي اللوح الآخر منقوش: صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر، وتحت ذلك هذه الأبيات: أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه ... بالرّغم منّي بين التّرب والحجر يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة ... بنت الأيمة بنت الأنجم الزّهر

стр. 219

يا قبر، ما فيك من دين ومن ورع ... ومن عفاف، ومن صون ومن خفر «١٢» ثم سافرت من هذه المدينة إلى القدس، فزرت في طريقي اليه تربة يونس ﵇ وعليها بنية كبيرة ومسجد، وزرت «١٣» أيضا بيت لحم موضع ميلاد عيسى ﵇، وبه أثر جذع النخلة «١٤» وعليه عمارة كثيرة «١٥» والنصارى يعظمونه أشد التعظيم ويضيّفون من نزل به. ثم وصلنا إلى بيت المقدس شرفه الله ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول الله ﷺ تسليما ومعرجه إلى السماء، والبلدة كبيرة منيفة بالصّخر المنحوت وكان الملك الصالح الفاضل صلاح الدين بن أيوب «١٦» ، جزاه الله عن

стр. 220

رسم قديم لبيت المقدس من المكتبة الوطنية لباريز

стр. 221

الإسلام خيرا، لما فتح هذه المدينة هدم بعض سورها، ثم استنقض الملك الظاهر هدمه خوفا أن يقصدها الروم فيمتنعون بها، ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تقدم، وجلب لها الماء في هذا العهد، الأمير سيف الدين تنكيز «١٧» أمير دمشق. ذكر المسجد المقدس وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن، يقال إنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه وأن طوله من شرق إلى غرب سبعماية واثنتان وخمسون ذراعا بالذراع المالكية «١٨» وعرضه من القبلة إلى الجوف أربعماية ذراع وخمس وثلاثون ذراعا، وله أبواب كثيرة في جهاته الثلاث، وأما الجهة القبلية منه فلا أعلم بها إلا بابا واحدا وهو الذي يدخل منه الامام، والمسجد كله فضاء غير مسقف إلا المسجد الأقصى فهو مسقف، «١٩» في النهاية من إحكام العمل وإتقان الصنعة، مموّه بالذهب والاصبغة الرائقة، وفي المسجد مواضع سواه مسقفة.

стр. 222

ذكر قبة الصخرة وهي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلا قد توفر حظها من المحاسن وأخذت من كل بديعة بطرف، وهي قائمة على نشز في وسط المسجد يصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب والدائر بها مفروش بالرخام أيضا محكم الصنعة، وكذلك داخلها وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة، ورايق الصنعة، ما يعجز الواصف، وأكثر ذلك مغشى بالذهب فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها. وفي وسط القبّة الصخرة الكريمة التي جاء ذكرها في الآثار، فإن النبي ﷺ عرج منها إلى السماء، وهي صخرة صماء ارتفاعها نحو قامة «٢٠» ، وتحتها مغارة في مقدار بيت صغير ارتفاعها نحو قامة أيضا، ينزل إليها على درج، وهنالك شكل محراب وعلى الصخرة شباكان اثنان محكما العمل يغلقان عليها: أحدهما وهو الذي يلي الصخرة من حديد بديع الصنعة «٢١» والثاني من خشب، وفي القبة درقة كبيرة من حديد معلقة هنالك، والناس يزعمون انها درقة حمزة بن عبد المطلب ﵁.

стр. 223

مسجد الصّخرة، القدس/ فلسطين

стр. 224

ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف فمنها بعدوة الوادي المعروف بوادي جهنم في شرقي البلد على تلّ مرتفع هنالك بنية يقال إنها مصعد عيسى ﵇ إلى السماء «٢٢» ، ومنها أيضا قبر رابعة البدوية (منسوب إلى البادية وهي خلاف رابعة العدوية الشهيرة «٢٣» ، وفي بطن الوادي المذكور كنيسة يعظمها النصارى ويقولون: إن قبر مريم ﵍ «٢٤» بها، وهنالك أيضا كنيسة أخرى معظمة يحجها النصارى «٢٥» ، وهي التي يكذبون عليها ويقولون إن قبر عيسى ﵇ بها «٢٦» ، وعلى كل من يحجّها ضريبة معلومة للمسلمين، وضروب من الإهانة يتحملها رغم أنفه، وهنالك موضع مهد عيسى ﵇ يتبرك به. ذكر بعض فضلاء القدس فمنهم قاضيه العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزّي بفتح الغين وهو من أهل غزة وكبرائها «٢٧» ، ومنهم خطيبه الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي، ومنهم المحدّث المفتي شهاب الدين الطبري، ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقات الكريمة أبو عبد الله محمد بن

стр. 225

وثيقة تأسيس الرباط الذي أنشأه بالقدس السلطان قلاون عام ٦٨١- ١٢٨٢ عن أرشيف ماكس فان بيرشم جنيف

стр. 226

ورقات من المصحف الذي كتبه بخطه وأهداه إلى بيت المقدس سلطان المغرب أبو الحسن علي بن أبي سعيد عثمان وجعل على تلاوته أوقافا عديدة ...

стр. 227

مثبت الغرناطي نزيل القدس «٢٨» ، ومنهم الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب من كبار الصالحين، ومنهم الشيخ الصالح العابد كمال الدين المراغي، ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم وهو من تلامذة تاج الدين الرفاعي، صحبته ولبست منه خرقة التصوف «٢٩» . ثم سافرت من القدس الشريف «٣٠» برسم زيارة ثغر عسقلان «٣١» وهو خراب قد عاد رسوما طامسة، وأطلالا دارسة، وقلّ بلد جمع من المحاسن، ما جمعته عسقلان، اتقانا وحسن وضع وأصالة مكان، وجمعا بين مرافق البر والبحر، وبها المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي ﵇ قبل أن ينقل إلى القاهرة «٣٢» ، وهو مسجد عظيم سامي العلو فيه جب للماء أمر ببنائه بعض العبيديين وكتب ذلك على بابه «٣٣» . وفي قبلة هذا المزار مسجد كبير يعرف بمسجد عمر لم يبق منه إلا حيطانه، وفيه أساطين رخام لا مثل لها في الحسن وهي ما بين قائم وحصيد، ومن جملتها أسطوانه حمراء عجيبة يزعم الناس أن النصارى احتملوها إلى بلادهم ثم فقدوها فوجدت في موضعها بعسقلان.

стр. 228

نقوش من عسقلان ترجع لعام ١٥٥ هجرية عن أرشيف بيرشم، جنيف

стр. 229

وفي القبلة من هذا المسجد بئر تعرف ببئر إبراهيم ﵇ «٣٤» ينزل اليها في درج متسعة ويدخل منها إلى بيوت، وفي كل جهة من جهاتها الاربع عين تخرج من أسراب مطوية بالحجارة، وماؤها عذب وليس بالغزير، ويذكر الناس من فضائلها كثيرا. وبظاهر عسقلان وادي النّمل ويقال إنه المذكور في الكتاب العزيز «٣٥» وبجبانة عسقلان من قبور الشهداء والأولياء مالا يحصر لكثرته «٣٦» أوقفنا عليهم قيّم المزار المذكور وله جراية يجريها له ملك مصر مع ما يصل إليه من صدقات الزوار. ثم سافرت منها إلى مدينة الرّملة «٣٧» : وهي فلسطين، مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق وبها الجامع الأبيض «٣٨» ويقال إن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين، ﵈ «٣٩» وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي. ثم خرجت منها إلى مدينة نابلس «٤٠» وهي مدينة عظيمة كثيرة الأشجار، مطردة الأنهار، من أكثر بلاد الشام زيتونا، ومنها يحمل الزيت إلى مصر ودمشق، وبها تصنع حلواء الخروب وتجلب إلى دمشق وغيرها، وكيفية عملها أن يطبخ الخروب ثم يعصر ويؤخذ ما يخرج منه من الرّب فتصنع منه الحلواء، ويجلب ذلك الرّب أيضا إلى مصر والشام وبها البطيخ

стр. 230

الرّملة/ فلسطين

стр. 231

المنسوب اليها وهو طيب عجيب. ومسجدها الجامع في نهاية من الاتقان والحسن، وفي وسطه بركة ماء عذب. ثم سافرت منها إلى مدينة عجلون «٤١» وهي بفتح العين المهملة وهي مدينة حسنة، لها أسواق كثيرة، وقلعة خطيرة، ويشقها نهر ماؤه عذب. ثم سافرت منها بقصد اللّاذقية فمررت بالغور «٤٢» وهو واد بين تلال به قبر أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ﵁ «٤٣» ، زرناه وعليه زاوية فيها الطعام لابناء السبيل وبتنا هنالك ليلة. ثم وصلنا إلى القصير «٤٤» وبه قبر معاذ بن جبل رضي الله «٤٥» عنه، تبركت أيضا بزيارته. ثم سافرت على الساحل فوصلت إلى مدينة عكّة «٤٦» وهي خراب، وكانت عكة قاعدة

стр. 232

قلعة الربض نقوش من عجلون: عن أرشيف ماكس فان بيرشم- جنيف

стр. 233

بلاد الافرنج بالشام ومرسى سفنهم، وتشبه بقسطنطينية العظمى، وبشرقيها عين ماء تعرف بعين البقر، يقال إن الله تعالى أخرج منها البقرة لآدم ﵇ «٤٧» ، وينزل اليها في درج، وكان عليها مسجد بقى منه محرابه وبهذه المدينة قبر صالح ﵇ «٤٨» . ثم سافرت منها إلى مدينة صور وهي خراب «٤٩» ، وبخارجها قرية معمورة، وأكثر أهلها رافضيون «٥٠» ولقد نزلت بها مرة على بعض المياه أريد الوضوء فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ، فبدأ بغسل رجليه ثم غسل وجهه ولم يتمضمض ولا استنشق ثم مسح بعض رأسه فأخذت عليه في فعله فقال لي إن البناء إنما يكون ابتداؤه من الأساس! ومدينة صور هي التي يضرب بها المثل في الحصانة والمنعة لأن «٥١» البحر محيط بها من ثلاث جهاتها، ولها بابان أحدهما للبر والثاني للبحر، ولبابها الذي يشرع للبر أربعة فصلان كلها في ستاير محيطة بالباب، وأما الباب الذي للبحر فهو بين برجين عظيمين. وبناؤها ليس في بلاد الدنيا أعجب ولا أغرب شأنا منه لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها وعلى الجهة الرابعة سور، تدخل السفن تحت السور، وترسو هنالك، وكان فيما تقدم، بين البرجين سلسلة حديد معترضة لا سبيل إلى الداخل هنالك ولا إلى الخارج إلا بعد حطها، وكان عليها الحراس والأمناء فلا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلا على علم منهم. وكان لعكة أيضا ميناء مثلها ولكنها لم تكن تحمل إلا السفن الصغار.

стр. 234

صور

стр. 235

ثم سافرت منها إلى مدينة صيدا «٥٢» وهي على ساحل البحر حسنة كثيرة الفواكه يحمل منها التين والزبيب والزيت إلى بلاد مصر نزلت عند قاضيها كمال الدين الأشموني المصري وهو حسن الأخلاق كريم النفس. ثم سافرت منها إلى مدينة طبرية «٥٣» وكانت، فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة ولم يبق منها إلا رسوم تنبئ عن ضخامتها، وعظم شأنها، وبها الحمّامات العجيبة، لها بيتان: أحدهما للرجال والثاني للنساء وماؤها شديد الحرارة، ولها البحيرة الشهيرة طولها نحو ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ. وبطبرية مسجد يعرف بمسجد الانبياء فيه قبر شعيب «٥٤» ﵇ وبنته زوج موسى الكليم ﵇، وقبر سليمان ﵇، وقبر يهودا وقبر روبيل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم. وقصدنا منها زيارة الجبّ الذي ألقي فيه يوسف ﵇ ٥» وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية، والجب كبير عميق شربنا من مائه المجتمع من ماء المطر، وأخبرنا قيّمه أن الماء ينبع منه أيضا.

стр. 236

طبريّا/ فلسطين

стр. 237

ثم سرنا إلى مدينة بيروت «٥٦» وهي صغيرة حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحسن، وتجلب منها إلى ديار مصر الفواكه والحديد. وقصدنا منها زيارة قبر أبي يعقوب يوسف الذي يزعمون أنه «٥٧» من ملوك المغرب وهو بموضع يعرف بكرك نوح «٥٨» من بقاع العزيز، وعليه زاوية يطعم بها الوارد والصادر، ويقال إن السلطان صلاح الدين وقف عليها الأوقاف وقيل السلطان نور الدين «٥٩» ، وكان من الصالحين، ويذكر أنه كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها. حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور يحكى أنه دخل مدينة دمشق فمرض بها مرضا شديدا وأقام مطروحا بالأسواق، فلما برئ من مرضه خرج إلى ظاهر دمشق ليلتمس بستانا يكون حارسا له فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين، وأقام في حراسته ستة أشهر فلما كان في أوان الفاكهة أتى السلطان، إلى ذلك البستان، وأمر وكيل البستان، أبا يعقوب أن يأتي برمان، يأكل منه

стр. 238

السلطان، فأتاه برمان، فوجده حامضا، فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده أيضا حاوضا، فقال له الوكيل أتكون في حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ولا تعرف الحلو من الحاوض فقال: إنما استأجرتني على الحراسة لا على الأكل! فأتى الوكيل إلى الملك فأعلمه بذلك، فبعث اليه الملك وكان قد رأى في المنام أنه يجتمع مع أبي يعقوب وتحصل له منه فائدة، فتفرّس أنه هو فقال له أنت أبو يعقوب؟ قال نعم، فقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه ثم احتمله إلى مجلسه فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكدّ يمينه وأقام عنده أياما. ثم خرج من دمشق فارا بنفسه في أوان البرد الشديد، فأتى قرية من قراها وكان بها رجل من الضعفاء، فعرض عليه النزول عنده، ففعل وصنع له مرقة وذبح دجاجة، فأتاه بها وبخبز شعير، فأكل من ذلك ودعا للرجل وكان عنده جملة أولاد منهم بنت قد آن بناء زوجها عليها، ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها ويكون معظم الجهاز أواني النحاس وبه يتفاخرون وبه يتبايعون، فقال أبو يعقوب للرجل هل عندك شيء من النحاس؟ قال: نعم، قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت، قال: ائتني به فأتاه به، فقال له استعر من جيرانك ما أمكنك منه، ففعل، وأحضر ذلك بين يديه، فأوقد عليه النيران، وأخرج صرة كانت عنده فيها الإكسير، فطرح منه على النحاس، فعاد كلّه ذهبا وتركه في بيت مقفل. وكتب كتابا إلى نور الدين ملك دمشق يعلمه بذلك وينبّهه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء ويوقف عليه الأوقاف ويبني الزوايا بالطرق ويرضى أصحاب النحاس ويعطي صاحب البيت كفايته. وقال له في آخر الكتاب « ... وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت من ملك المغرب وعن هذه الصنعة والسلام ... » وفرّ من حينه، وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين، فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب بعد أن أرضى أصحاب النحاس وصاحب البيت. وطلب أبا يعقوب فلم يجد له أثرا ولا يقع له على خبر فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه «٦٠» الذي ليس في المعمور مثله.

стр. 239

ثم وصلت إلى مدينة طرابلس «٦١» وهي إحدى قواعد الشام، وبلدانها الضخام، تخترقها الأنهار، وتحفّها البساتين والأشجار، ويكنفها البحر بمرافقه العميمة والبر بخيراته المقيمة، ولها الأسواق العجيبة، والمسارح الخصيبة والبحر على ميلين منها وهي حديثة البناء. وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتملّكها الروم زمانا، فلما استرجعها الملك الظاهر خربت، واتخذت هذه الحديثة، وبهذه المدينة نحو أربعين من أمراء الأتراك، وأميرها طيلان «٦٢» الحاجب المعروف بملك الأمراء، ومسكنه منها بالدار المعروفة بدار السّعادة، ومن عوائده أن يركب في كل يوم اثنين وخميس، ويركب معه الأمراء والعساكر ويخرج إلى ظاهر المدينة فإذا عاد إليها وقارب الوصول إلى منزله ترجل الأمراء ونزلوا عن دوابهم ومشوا بين يديه حتى يدخل منزله، وينصرفون «٦٣» وتضرب الطّبلخانة عند دار كل أمير منهم بعد صلاة المغرب من كل يوم، وتوقد المشاعل. وممن كان بها من الأعلام كاتب السر بهاء الدين ابن غانم «٦٤» أحد الفضلاء الحسباء، معروف بالسخاء والكرم، وأخوه حسام الدين هو شيخ القدس الشريف، وقد ذكرناه «٦٥» ، وأخوهما علاء الدين «٦٦» كاتب السر بدمشق.

стр. 240

ومنهم وكيل بيت المال قوام الدين، ابن مكين من أكابر الرجال، ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين ابن النّقيب «٦٧» من أعلام علماء الشام. وبهذه المدينة حمامات حسان: منها حمام القاضي القرمي وحمام سندمور «٦٨» وكان سندمور أمير هذه المدينة، ويذكر عنه أخبار كثيرة في الشدة على أهل الجنايات منها أن امرأة شكت إليه بأن أحد مماليك الخواص تعدى عليها في لبن كانت تبيعه فشربه ولم تكن لها بيّنة، فأمر به فوسّط «٦٩» ، فخرج اللبن من مصرانه! وقد اتفق مثل هذه الحكاية للعتريس «٧٠» أحد أمراء الملك الناصر أيام إمارته على عيذاب، واتفق مثلها للملك كبك سلطان تركستان. ثم سافرت من طرابلس إلى حصن الاكراد «٧١» وهو بلد صغير كثير الأشجار والأنهار بأعلى تل، وبه زاوية تعرف بزاوية الابراهيمي نسبة إلى بعض كبراء الأمراء ونزلت عند قاضيها ولا أحقق الآن اسمه. ثم سافرت إلى مدينة حمص «٧٢» وهي مدينة مليحة، أرجاؤها مؤنقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع، وجامعها متميّز بالحسن الجامع، وفي وسطه بركة ماء، وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم، وبخارج هذه المدينة قبر خالد ابن

стр. 241

الوليد «٧٣» سيف الله ورسوله، وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء، وقاضي هذه المدينة جمال الدين الشريشى «٧٤» من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة. ثم سافرت منها إلى مدينة حماة «٧٥» إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق تحفّها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات «٧٦» يشقها النّهر العظيم المسمى بالعاصي «٧٧» ، ولها ربض سمي بالمنصورية أعظم من المدينة، فيه الأسواق الحافلة والحمامات الحسان. وبحماة الفواكه الكثيرة، ومنها المشمش اللوزي اذا كسرت نواته وجدتّ في داخلها لوزة حلوة «٧٨» . قال ابن جزي: وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها يقول الأديب الرّحال نور

стр. 242

مدينة حماة نقوش من حماة

стр. 243

الدين أبو الحسن علي بن موسى ابن سعيد «٧٩» العنسي العمّاري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر ﵁: حمى الله من شطّى حماة مناظرا ... وقفت عليها السمع والفكر والطّرفا تغنّى حمام أو تميل خمائل ... وتزهى مبان تمنع الواصف الوصفا يلومونني أن أعصي الصّون والنّهى ... بها، وأطيع الكأس واللهو والقصفا! إذا كان فيها النّهر عاص، فكيف لا ... أحاكيه عصيانا وأشربها صرفا؟! وأشدو لدى تلك النّواعر شدوها ... وأغلبها رقصا وأشبهها غرفا تئنّ وتذري دمعها، فكأنّها ... تهيم بمراها وتسألها العطفا ولبعضهم في نواعيرها ذاهبا مذهب التّورية وناعورة رقّت لعظم خطيئتي ... وقد عاينت قصدي من المنزل القاصي بكت رحمة لي ثم باحت بشجوها ... وحسبك أن الخشب تبكى على العاصي

стр. 244

لقطة من معرة النعمان، عن مؤسسة بيرشم- جنيف

стр. 245

ولبعض المتأخرين فيها أيضا من التورية: يا سادة سكنوا حماة وحقّكم ... ما حلت عن تقوى وعن إخلاصي والطّرف بعدكم إذا ذكر اللّقا ... يجري المدامع طائعا كالعاصي! رجع، ثم سافرت إلى مدينة المعرّة التي ينسب اليها الشاعر أبو العلاء المعري «٨٠» ، وكثير سواه من الشعراء. قال ابن جزي: وإنما سميت بمعرة النعمان لان النعمان بن بشير الأنصاري «٨١» صاحب رسول الله ﷺ توفي له ولد أيام إمارته على حمص فدفنه بالمعرة فعرفت به، وكانت قبل ذلك تسمى ذات القصور «٨٢» ، وقيل إن النعمان جبل مطلّ عليها سميت به. والمعرة مدينة حسنة أكثر شجرها التين والفستق، ومنها يحمل إلى مصر والشام، وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز «٨٣» ، ولا زاوية عليه ولا

стр. 246

خديم له، وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنف من الرافضة «٨٤» أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة ﵃ ولعن مبغضهم، ويبغضون كلّ من اسمه عمر، وخصوصا عمر بن عبد العزيز ﵁ لما كان من فعله في تعظيم عليّ ﵁. ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين «٨٥» ، وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون، وبها يصنع الصابون الآجورى، ويجلب إلى مصر والشام ويصنع بها أيضا الصابون المطيّب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة، ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب اليها. وأهلها سبّابون يبغضون العشرة «٨٦» ، ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا: تسعة وواحدا!! وحضر بها بعض الأتراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد، فضربه بالدّبوس على رأسه، وقال: قل عشرة بالدبوس! وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلها عشرة قياما بمذهبهم القبيح! ثم سرنا إلى مدينة حلب المدينة الكبرى، والقاعدة العظمى. قال أبو الحسين ابن جبير في وصفها: قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسل عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، باينة الارتفاع تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، وشيعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون، وشعراؤها «٨٧» ؟ فني جميعهم ولم يبق إلا بناؤها! فيا عجبا للبلاد تبقى ويذهب أملاكها! ويهلكون ولا يقضى هلاكها وتخطب بعدهم فلا يتعذر إملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها.

стр. 247

قلعة حلب

стр. 248

هذه حلب كم ادخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت ظرف الزمان بالمكان! أنّث اسمها فتحلت بحلية الغوان، ودانت بالعذر فيمن دان، وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان، هيهات هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها! وقلعة حلب تسمى الشهباء «٨٨» ، وبداخلها جبّان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران، وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء، وسورها متدانى الأبراج، وقد انتظمت بها العلاليّ العجيبة المفتحة الطيقان، وكلّ برج منها مسكون، والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد «٨٩» . وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال: إن الخليل ﵇ كان يتعبد به. وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق «٩٠» ، ولما قصد قازان «٩١» طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياما ونكص عنها خائبا. قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي «٩٢» شاعر سيف الدولة: وخرقاء قد تاهت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصّعب يجرّ عليها الجوّ جيب غمامة ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشّهب

стр. 249

إذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السّحب فكم من جنود قد أماتت بغصّة ... وذي سطوات قد أبانت على عقب وفيها يقول أيضا وهو من بديع النظم وقلعة عانق العيون سافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضا توطّأ قطريه مواشيها إذا الغمامة راحت غاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عواليها يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنّه كان يجري في مجاريها ردّت مكايد أقوام مكايدها ... ونصّرت لدواهيهم دواهيها وفيها يقول جمال الدين علي بن أبي منصور: كادت لبون سموّها وعلوّها ... تستوقف الفلك المحيط الدّايرا وردت قواطنها المجرّة منهلا ... ورعت سوابقها النّجوم زواهرا

стр. 250

ويضلّ صرف الدهر منها خائفا ... وجلا، فما يمسي لديها حاضرا! ويقال في مدينة حلب: حلب إبراهيم «٩٣» ، لأن الخليل صلوات الله على نبيّنا وعليه وسلامه، كان يسكنها، وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء، والمساكين والوارد والصادر من ألبانها فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك. وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض، وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في ظلّ ممدود، وقيساريتها «٩٤» لا تماثل حسنا وكبرا وهي تحيط بمسجدها، وكلّ سماط منها محاذي لباب من أبواب المسجد، ومسجدها الجامع من أجمل المساجد «٩٥» ، في صحنه بركة ماء، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع، ومنبرها بديع العمل مرصع بالعاج والأبنوس. وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع واتقان الصنعة تنسب لأمراء حمدان، وبالبلد سواها ثلاث مدارس، وبها مارستان «٩٦» .
следующие страницы →