← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خديم له، وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنف من الرافضة «٨٤» أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة ﵃ ولعن مبغضهم، ويبغضون كلّ من اسمه عمر، وخصوصا عمر بن عبد العزيز ﵁ لما كان من فعله في تعظيم عليّ ﵁. ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين «٨٥» ، وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون، وبها يصنع الصابون الآجورى، ويجلب إلى مصر والشام ويصنع بها أيضا الصابون المطيّب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة، ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب اليها. وأهلها سبّابون يبغضون العشرة «٨٦» ، ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا: تسعة وواحدا!! وحضر بها بعض الأتراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد، فضربه بالدّبوس على رأسه، وقال: قل عشرة بالدبوس! وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلها عشرة قياما بمذهبهم القبيح! ثم سرنا إلى مدينة حلب المدينة الكبرى، والقاعدة العظمى. قال أبو الحسين ابن جبير في وصفها: قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسل عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، باينة الارتفاع تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، وشيعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون، وشعراؤها «٨٧» ؟ فني جميعهم ولم يبق إلا بناؤها! فيا عجبا للبلاد تبقى ويذهب أملاكها! ويهلكون ولا يقضى هلاكها وتخطب بعدهم فلا يتعذر إملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها.

стр. 247

قلعة حلب

стр. 248

هذه حلب كم ادخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت ظرف الزمان بالمكان! أنّث اسمها فتحلت بحلية الغوان، ودانت بالعذر فيمن دان، وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان، هيهات هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها! وقلعة حلب تسمى الشهباء «٨٨» ، وبداخلها جبّان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران، وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء، وسورها متدانى الأبراج، وقد انتظمت بها العلاليّ العجيبة المفتحة الطيقان، وكلّ برج منها مسكون، والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد «٨٩» . وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال: إن الخليل ﵇ كان يتعبد به. وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق «٩٠» ، ولما قصد قازان «٩١» طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياما ونكص عنها خائبا. قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي «٩٢» شاعر سيف الدولة: وخرقاء قد تاهت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصّعب يجرّ عليها الجوّ جيب غمامة ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشّهب

стр. 249

إذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السّحب فكم من جنود قد أماتت بغصّة ... وذي سطوات قد أبانت على عقب وفيها يقول أيضا وهو من بديع النظم وقلعة عانق العيون سافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضا توطّأ قطريه مواشيها إذا الغمامة راحت غاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عواليها يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنّه كان يجري في مجاريها ردّت مكايد أقوام مكايدها ... ونصّرت لدواهيهم دواهيها وفيها يقول جمال الدين علي بن أبي منصور: كادت لبون سموّها وعلوّها ... تستوقف الفلك المحيط الدّايرا وردت قواطنها المجرّة منهلا ... ورعت سوابقها النّجوم زواهرا

стр. 250

ويضلّ صرف الدهر منها خائفا ... وجلا، فما يمسي لديها حاضرا! ويقال في مدينة حلب: حلب إبراهيم «٩٣» ، لأن الخليل صلوات الله على نبيّنا وعليه وسلامه، كان يسكنها، وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء، والمساكين والوارد والصادر من ألبانها فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك. وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض، وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في ظلّ ممدود، وقيساريتها «٩٤» لا تماثل حسنا وكبرا وهي تحيط بمسجدها، وكلّ سماط منها محاذي لباب من أبواب المسجد، ومسجدها الجامع من أجمل المساجد «٩٥» ، في صحنه بركة ماء، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع، ومنبرها بديع العمل مرصع بالعاج والأبنوس. وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع واتقان الصنعة تنسب لأمراء حمدان، وبالبلد سواها ثلاث مدارس، وبها مارستان «٩٦» .

стр. 251

وأما خارج المدينة فهو بسيط أفيح عريض، به المزارع العظيمة وشجرات الأعناب منتظمة به، والبساتين على شاطىء نهرها، وهو النهر الذي يمر بحماة ويسمى العاصي «٩٧» وقيل أنه سمي بذلك لانه يخيل لناظره أن جريانه من أسفل إلى علو، والنفس تجد في خارج مدينة حلب انشراحا وسرورا ونشاطا لا يكون في سواها، وهي من المدن التي تصلح للخلافة. قال ابن جزي: أطنبت الشعراء في وصف محاسن حلب وذكر داخلها وخارجها وفيها يقول أبو عبادة البحتري «٩٨» : يا برق أسفر عن قويق مطالبي ... حلب، فأعلى القصر من بطياس «٩٩» عن منبت الورد المعصفر صبغه ... في كلّ ضاحية ومجنى الآس! أرض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت عليّ فأكثرت إيناسي

стр. 252

وقال فيها الشاعر المجيد أبو بكر الصنوبري «١٠٠» : سقى حلب المزن مغنى حلب ... فكم وصلت طربا بالطّرب وكم مستطاب من العيش لذ ... بها إذ بها العيش لم يستطب إذا نشر الزّهر أعلامه ... بها ومطارفه والعذب غذا وحواشيه من فضّة ... تروق وأوساطه من ذهب وقال أبو العلاء المعري «١٠١» : حلب للوارد جنة عدن ... وهي للغادرين نار سعير والعظيم العظيم يكبر في عي ... نيه منها قدر الصغير الصّغير فقويق في أنفس القوم بحر ... وحصاة منه مكان ثبير!

стр. 253

وقال فيها أبو الفتيان بن حيّوس «١٠٢» يا صاحبيّ إذا أعياكما سقمي ... فلقّياني نسيم الرّيح من حلب من البلاد التي كان الصّبا سكنا ... فيها، وكان الهوى العذريّ من أربي وقال فيها أبو الفتح كشاجم «١٠٣» : وما أمتعت جارها بلدة ... كما أمتعت حلب جارها بها قد تجمّع ما تشتهي ... فزرها فطوبى لمن زارها وقال أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي العنسي: حادي العيس، كم تنيخ المطايا ... سق بروحي من بعدهم في سياق حلب إنها مقرّ غرامي ... ومرامي وقبلة الأشواق!

стр. 254

لا خلا جوشن وبطياس وال ... عبد من كلّ وابل غيداق «١٠٤» كم بها مرتع لطرف وقلب ... فيه سقي المنى بكأس دهاق وتغنّي طيوره لإرتياح ... وتثني غصونه للعناق وعلوّ الشّهباء حيث استدارت ... أنجم الأفق حولها كالنّطاق. رجع، وبحلب ملك الأمراء أرغون الدّوادار أكبر أمراء الملك الناصر «١٠٥» ، وهو من الفقهاء موصوف بالعدل لكنه بخيل. والقضاة بحلب أربعة للمذاهب الأربعة، فمنهم القاضي كمال الدين بن الزّملكاني «١٠٦» شافعي المذهب عالي الهمة كبير القدر كريم النفس حسن الأخلاق متفنن بالعلوم، وكان الملك الناصر قد بعث إليه ليولّيه قضاء القضاة بحضرة ملكه فلم يمض له ذلك، وتوفى ببلبيس وهو متوجه إليها، ولما ولى قضاء حلب قصدته الشعراء من دمشق وسواها وكان فيمن قصده شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد ابن الشيخ

стр. 255

المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي الفارقي، «١٠٧» فامتدحه بقصيدة طويلة حافلة، أولها: أسفت لفقدك جلّق «١٠٨» الفيحاء ... وتباشرت لقدومك الشّهباء وعلا دمشق وقد رحلت كابة ... وعلا ربا حلب سنا وسناد قد أشرقت دار سكنت فناءها ... حتّى غدت ولنورها لألأء يا سائرا يبغي المكارم والعلى ... ممّن يبخّل عنده الكرماء هذا كمال الدين لذ بجنابه ... تنعم؟ فثمّ الفضل والنّعماء قاضي القضاة أجلّ من أيامه ... تغنى بها الأيتام والفقراء قاض زكا أصلا وفرعا فاعتلى ... شرفت به الآباء والأبناء! منّ الإله على بني حلب به ... لله وضع الفضل حيث يشاء

стр. 256

كشف المعمّى فهمه وبيانه ... فكأنّما ذاك الذّكاء ذكاء يا حاكم الحكّام قدرك سابق ... عن أن تسرّك رتبة شمّاء إنّ المناصب دون همّتك التي ... في الفضل دون محلّها الجوزاء لك في العلوم فضايل مشهورة ... كالصّبح شقّ له الظلام ضياء ومناقب شهد العدوّ بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء! وهي أزيد من خمسين بيتا، وأجازه عليها بكسوة ودراهم وانتقد عليه الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت. قال ابن جزي: وليس كلامه في هذه القصيدة بذلك، وهو في المقطعات أجود منه في القصائد، وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد في جميع بلاد المشرف وهو من ذرية الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباتة منشئ الخطب الشهيرة، ومن بديع مقطعاته في التورية قوله: علقتها غيداء حالية العلى ... تجني على عقل المحبّ وقلبه بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به!

стр. 257

رجع، ومن قضاة حلب، قاضي قضاة الحنفية الامام المدرس ناصر الدين ابن العديم «١٠٩» حسن الصورة والسيرة، أصيل بمدينة حلب. تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله «١١٠» ! ومنهم قاضي القضاة المالكية لا أذكره، كان من الموثقين بمصر وأخذ الخطة عن غير استحقاق، ومنهم قاضي قضاة الحنابلة لا أذكر اسمه وهو من أهل صالحية دمشق. ونقيب الاشراف بحلب بدر الدين ابن الزهراء «١١١» . ومن فقهائها شرف الدين ابن العجمي ١١» وأقاربه هم كبراء مدينة حلب. ثم سافرت منها إلى مدينة تيزين «١١٣» وهي على طريق قنّسرين «١١٤» ، وضبط اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مدّ وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون، وهي حديثة اتخذها التركمان، وأسواقها حسان، ومساجدها في نهاية من الاتقان، وقاضيها بدر الدين العسقلاني، وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة ثم خربت ولم يبق الا رسومها.

стр. 258

ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية، «١١٥» وهي مدينة عظيمة أصيلة، وكان عليها سور محكم لا نظير له في أسوار بلاد الشام، فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها، وأنطاكية كثيرة العمارة، ودورها حسنة البناء كثيرة الأشجار والمياه، وبخارجها نهر العاصي، وبها قبر حبيب النجار «١١٦» ﵁، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر، شيخها الصالح المعمّر محمد بن علي، سنّه ينيف على الماية، وهو ممتع بقوته، دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطبا ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة، ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين إلا أنه محدودب الظهر لا يستطيع النهوض، ومن يراهما يظن الوالد منهما ولدا والولد والدا!! ثم سافرت إلى حصن بغراس «١١٧» وضبط اسمه ببناء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل، وهو حصن منيع لا يرام، عليه البساتين والمزارع، ومنه يدخل إلى بلاد سيس «١١٨» ، وهي بلاد كفار الارمن، وهم رعية للملك الناصر يؤدون إليه مالا، ودراهمهم فضة خالصة، تعرف بالبغلية «١١٩» ، وبها تصنع الثياب الدبليزية «١٢٠» ، وأمير هذا الحصن صارم الدين بن الشيباني، وله ولد فاضل اسمه علاء الدين وابن أخ اسمه حسام الدين فاضل كريم يسكن الموضع المعروف بالرّصص بضم الراء والصاد المهمل الأول «١٢١» ، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن.

стр. 259

حكاية شكى الأرمن مرة إلى الملك الناصر بالأمير حسام الدين وزوّروا عليه أمورا لا تليق فنفّذ أمره لأمير الأمراء بحلب أن يخنقه فلما توجه الأمير بلغ ذلك صديقا له من كبار الأمراء فدخل على الملك الناصر، وقال ياخوند! إن الأمير حسام الدين هو من خيار الأمراء ينصح للمسلمين ويحفظ الطريق، وهو من الشجعان، والأرمن يريدون الفساد في بلاد المسلمين فيمنعهم ويقهرهم، وإنما أرادوا إضعاف شوكة المسلمين بقتله، ولم يزل به حتى أنفذ أمرا ثانيا بسراحه والخلع عليه ورده لموضعه، ودعا الملك الناصر بريديا يعرف بالاقوش، وكان لا يبعث إلا في مهم، وأمره بالاسراع والجد في السير فسار من مصر إلى حلب في خمس وهي مسيرة شهر فوجد أمير حلب قد أحضر حسام الدين وأخرجه إلى الموضع الذي يخنق به الناس فخلصه الله تعالى وعاد إلى موضعه. ولقيت هذا الأمير ومعه قاضي بغراس شرف الدين الحموي بموضع يقال له العمق «١٢٢» متوسط بين أنطاكية وتيزين وبغراس، ينزله التركمان بمواشيهم لخصبه وسعته. ثم سافرت إلى حصن القصير «١٢٣» ، تصغير قصر، وهو حصن حسن، أميره علاء الدين الكردي، وقاضيه شهاب الدين الأرمنتي، من أهل الديار المصرية. ثم سافرت إلى حصن الشّغر بكاس «١٢٤» ، وضبط اسمه بضم الشين المعجم وإسكان الغين المعجم وضم الراء والباء الموحدة وآخره سين مهمل، وهو منيع في رأس شاهق أميره سيف الدين الطّنطاش، فاضل، وقاضيه جمال الدين بن شجرة من أصحاب بن التيمية.

стр. 260

ثم سافرت إلى مدينة صهيون «١٢٥» وهي حسنة، بها الأنهار المطردة، والأشجار المورقة، ولها قلعة جيّدة، وأميرها يعرف بالإبراهيمي، وقاضيها محي الدين الحمصي، وبخارجها زاوية في وسط بستان، فيها الطعام للوارد والصادر، وهي على قبر الصالح العابد عيسى البدوي ﵀ وقد زرت قبره. وسافرت منها فمررت بحصن القدموس، وضبط اسمه بفتح القاف وإسكان الدال المهمل وضم الميم وآخره سين مهمل، ثم بحصن المينقة، وضبط اسمه بفتح الميم وإسكان الياء وفتح النون والقاف، ثم بحصن العلّيقة، واسمه على لفظ واحدة العلّيق، ثم بحصن مصياف، وصاده مهملة، ثم بحصن الكهف «١٢٦» ، وهذه الحصون لطائفة يقال لهم الإسماعيلية ويقال لهم الفداويّة «١٢٧» ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم، وهم سهام الملك الناصر بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها، ولهم المرتّبات، وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدوّ له أعطاه ديته، فإن سلم بعد تأتّي ما يراد منه فهي له، وإن أصيب فهي لولده، ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله، وربما لم تصح حيلتهم فقتلوا كما جرى لهم مع الأمير قرا سنقور «١٢٨» ، فإنه لما هرب إلى العراق بعث اليه الملك الناصر جملة منهم فقتلوا! ولم يقدروا عليه لأخذه بالحزم.

стр. 261

حكاية [الملك الناصر وقاتل أخيه] كان قراسنقور من كبار الأمراء وممن حضر قتل الملك الأشرف أخي الملك الناصر وشارك فيه، ولما تمهد الملك للملك الناصر وقرّ به القرار واشتدت أواخيّ سلطانه «١٢٩» جعل يتتبع قتلة أخيه فيقتلهم واحدا واحدا إظهارا للأخذ بثأر أخيه وخوفا أن يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه وكان قراسنقور أمير الأمراء بحلب فكتب الملك النّاصر إلى جميع الأمراء أن ينفروا بعساكرهم وجعل لهم ميعادا يكون فيه اجتماعهم بحلب ونزولهم عليها حتى يقبضوا عليه، فلما فعلوا ذلك خاف قراسنقور على نفسه وكان له ثمانمائة مملوك، فركب فيهم وخرج على العساكر صباحا فاخترقهم وأعجزهم سبقا وكانوا في عشرين ألفا وقصد منزل أمير العرب مهنّا بن عيسى «١٣٠» ، وهو على مسيرة يومين من حلب، وكان مهنا في قنص له، فقصد بيته ونزل عن فرسه والقى العمامة في عنق نفسه، ونادى: الجوار يا أمير العرب! وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنّا وبنت عمه، فقالت له: قد أجرناك وأجرنا من معك، فقال: إنما أطلب أولادي ومالي، فقالت له: لك ما تحب، فانزل في جوارنا، ففعل ذلك وأتى مهنّا فأحسن نزله وحكّمه في ماله، فقال: إنما أحبّ أهلي ومالي الذي تركته بحلب، فدعى مهنّا بإخوانه وبني عمه فشاورهم في أمره فمنهم من أجابه إلى ما أراد، ومنهم من قال له: كيف نحارب الملك الناصر، ونحن في بلاده بالشام؟ فقال لهم مهنا: أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده وأذهب معه إلى سلطان العراق. وفي أثناء ذلك ورد عليهم الخبر بأن أولاد قراسنقور سيّروا على البريد إلى مصر، فقال مهنّا لقراسنقور: أما أولادك فلا حيلة فيهم، وأما مالك فنجتهد في خلاصه، فركب فيمن أطاعه من أهله واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفا، وقصدوا حلب فأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها، واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقى من أهله ولم يتعدوا إلى

стр. 262

سوى ذلك، وقصدوا ملك العراق، وصحبهم أمير حمص الأفرم «١٣١» ووصلوا إلى الملك محمد خدا بنده «١٣٢» سلطان العراق وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ «١٣٣» بفتح القاف والراء والباء الموحدة والغين المعجمة، وهو ما بين السلطانية وتبريز، فأكرم نزلهم وأعطى مهنّا عراق العرب وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم «١٣٤» ، وتسمى دمشق الصغيرة، وأعطى الأفرم همدان، وأقاموا عنده مدة مات فيها الأفرم، وعاد مهنّا إلى الملك الناصر بعد مواثيق وعهود أخذها منه، وبقى قراسنقور على حاله. وكان «١٣٥» الملك الناصر يبعث له الفداوية مرة بعد مرة، فمنهم من يدخل عليه داره فيقتل دونه، ومنهم من يرمي بنفسه عليه وهو راكب فيضربه وقتل بسببه من الفداوية جماعة، وكان لا يفارق الدّرع أبدا ولا ينام إلا في بيت العود والحديد، فلما مات السلطان محمد وولى ابنه أبو سعيد وقع ما سنذكره من أمر الجوبان كبير أمرائه، وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر. ووقعت المراسلة بين الملك الناصر وبين أبي سعيد واتفقا على أن يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قراسنقور ويبعث اليه الملك الناصر برأس الدّمرطاش، فبعث الملك الناصر برأس الدمرطاش إلى أبي سعيد، فلما وصله أمر بحمل قراسنقور إليه، فلما

стр. 263

مراغة: القبة الزرقاء

стр. 264

عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتما كان له مجوفا في داخله سم ناقع فنزع فصه وامتص ذلك السم فمات لحينه، فعرّف أبو سعيد بذلك الملك الناصر ولم يبعث له برأسه «١٣٦» . ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة «١٣٧» وهي ذات أنهار مطردة وأشجار، والبحر على نحو ميل منها وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم «١٣٨» ﵁، وهو الذي نبذ الملك وانقطع إلى الله تعالى حسبما شهر ذلك، ولم يكن ابراهيم، من بيت ملك كما يظنه الناس، انما ورث الملك عن جده أبي أمه وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين. حكاية أدهم [الزاهد] يذكر أنه مرّ ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها فإذا بتفاحة يحملها ماء النّهر، فقال: هذه لا خطر لها فأكلها، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس، فعزم على أن يستحلّ من صاحب البستان، فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية، فقال لها: ادعي لي صاحب المنزل! فقالت: إنه لامرأة، فقال: استأذني لي عليها ففعلت، فأخبر المرأة بخبر التّفاحة، فقالت له: ان هذا البستان، نصفه لي ونصفه للسلطان، والسلطان يومئذ ببلخ، وهي مسيرة عشرة من بخارى، وأحلته المرأة من نصفها وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه، فأخبره الخبر واستحله، فأمره أن يعود اليه من الغد. وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خطبها أبناء الملوك فتمنّعت وحبّبت إليها العبادة وحب الصالحين، وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا فلما عاد السلطان إلى منزله

стр. 265

أخبر بنته بخبر أدهم، وقال: ما رأيت أورع من هذا، ياتي من بخاري إلى بلخ لاجل نصف تفاحة! فرغبت في تزوجه، فلما أتاه من الغد قال: لا احلك إلا أن تتزوج ببنتي، فانقاد لذلك بعد استعصاء وتمنع، فتزوج منها فلما دخل عليها وجدها متزينة، والبيت مزين بالفرش وسواها، فعمد إلى ناحية من البيت، وأقبل على صلاته حتى أصبح، ولم يزل كذلك سبع ليال. وكان السلطان ما أحلّه قبل، فبعث اليه أن يحله، فقال: لا أحلك حتى يقع اجتماعك بزوجتك، فلمّا كان الليل واقعها، ثم اغتسل، وأقام إلى الصلاة، فصاح صيحة وسجد في مصلاه فوجد ميتا ﵀. وحملت منه، فولدت إبراهيم، ولم يكن لجده ولد فأسند الملك إليه. وكان من تخلّيه عن الملك ما اشتهر، وعلى قبر ابراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء وبها الطعام للصادر والوارد، وخادمها ابراهيم الجمحى من كبار الصالحين، والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثا ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة. وأكثر أهل هذه السواحل هم الطايفة النّصيرية «١٣٩» الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إلاه! وهم لا يصلون ولا يتطهرون «١٤٠» ولا يصومون، وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم فبنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمّرونه وربما أوت اليه مواشيهم ودوابهم! وربما وصل الغريب اليهم فينزل بالمسجد، ويؤذن للصلاة، فيقولون له: لا تنهق! علفك ياتيك! وعددهم كثير. حكاية [المهدي الكاذب] ذكر لي أن رجلا مجهولا وقع ببلاد هذه الطائفة فادعى الهداية «١٤١» ، وتكاثروا عليه فوعدهم بتملك البلاد وقسم بينهم بلاد الشام وكان يعين لهم البلاد ويأمرهم بالخروج إليها

стр. 266

ويعطيهم من ورق الزيتون ويقول لهم: استظهروا بها، فإنها كالأوامر لكم، فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أميره فيقول له: إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد، فيقول له أين الأمر؟ فيخرج ورق الزيتون، فيضرب ويحبس ثم أنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين، وأن يبدأوا بمدينة جبلة، وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الآس، ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفا عند القتال، فغدروا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور وهتكوا الحريم، وثار المسلمون من مسجدهم فأخذوا السلاح وقتلوهم كيف شاءوا، واتصل الخبر باللاذقية فأقبل أميرها بهادر عبد الله «١٤٢» بعسكره وطيّرت الحمام إلى طرابلس فأتى أمير الأمراء بعساكره وأتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين ألفا، وتحصّن الباقون بالجبال وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه دينارا عن كل رأس إن هو حاول إبقاءهم. وكان الخبر قد طيّر به الحمام إلى الملك الناصر وصدر جوابه أن يحمل عليه السيف، فراجعه ملك الأمراء وألقى له انهم عمال المسلمين في حراثة الأرض وأنهم إن قتلوا ضعف المسلمون لذلك، فأمر بالابقاء عليهم. ثم سافرت إلى مدينة اللاذقية «١٤٣» وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا «١٤٤» ، وكنت إنما قصدتها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الاسكندري فلما وصلتها وجدته غائبا بالحجاز الشريف فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي، وهما بمسجد علاء الدين بن البهاء أحد فضلاء الشام وكبرائها صاحب الصدقات والمكارم وكان عمّر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر، وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي، فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فولاه قضاءها.

стр. 267

حكاية [ابن المؤيد الهجاء] كان باللاذقية رجل يعرف بابن المؤيد هجّاء لا يسلم أحد من لسانه، متهم في دينه مستخف، يتكلم بالقبائح من الإلحاد فعرضت له حاجة عند طيلان ملك الأمراء فلم يقضها له، فقصد مصر وتقول عليه أمورا شنيعة، وعاد إلى اللاذقية، فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أن يتحيّل في قتله بوجه شرعي، فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه، واستخرج كامن إلحاده، فتكلم بعظائم أيسرها يوجب القتل، وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب، فكتبوا عقدا بمقاله، وثبت عند القاضي، وسجن وأعلم ملك الأمراء بقضيته، ثم أخرج من السجن وخنق على بابه. ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عزل عن طرابلس ووليها الحاج قرطية «١٤٥» ، من كبار الأمراء وممن تقدّمت له فيها الولاية، وبينه وبين طيلان عداوة فجعل يتبع سقطاته وقام لديه إخوة ابن المؤيد شاكين القاضي جلال الدين، فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد فأحضروا، وأمر بخنقهم، وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس، وأجلس كل واحد منهم تحت مختنقه ونزعت عمائمهم، ومن عادة أمراء تلك البلاد أنه متى أمر أحدهم بقتل أحد من الناس يمرّ الحاكم من مجلس الأمير سبقا على فرسه إلى حيث المأمور بقتله، ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلاثا، فإذا كان بعد الثلاث أنفذ الأمر، فلما فعل الحاكم ذلك قامت الامراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم، وقالوا: أيها الامير هذه سبة في الاسلام! يقتل القاضي والشهود! فقبل الأمير شفاعتهم وخلى سبيلهم وبخارج اللاذقية الدّير المعروف بدير الفاروص «١٤٦» وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرّهبان ويقصده النصارى من الآفاق، وكل من نزل به

стр. 268

من المسلمين فالنصارى يضيفونه، وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل، والكبر «١٤٧» ، وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين لا يدخلها أحد ولا يخرج منها حتى تحطّ له السلسلة وهي من أحسن المراسي بالشام. ثم سافرت إلى حصن المرقب «١٤٨» وهو من الحصون العظيمة يماثل حصن الكرك ومبناه على جبل شامخ، وخارجه ربض ينزله الغرباء ولا يدخلون قلعته وافتتحه من أيدى الروم الملك المنصور قلاوون، وعليه ولد ابنه الملك الناصر وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل القضاة وكرمائهم. ثم سافرت إلى الجبل الأقرع «١٤٩» وهو أعلى جبل الشام، وأول ما يظهر منها من البحر وسكانه التركمان، وفيه العيون والهار. وسافرت منه إلى جبل لبنان، وهو من أخصب جبال الدنيا، به أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال والوافرة، ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين، وهو شهير بذلك. ورأيت به جماعة من الصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى ممن لم يشتهر اسمه. حكاية الصالحين اللبنانيين وحمار الوحش أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به قال: كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد، فأوقدنا نارا عظيمة، وأحدقنا بها. فقال بعض الحاضرين: يصلح لهذا النار ما يشوى فيها. فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يؤبه به: إني كنت عند صلاة

стр. 269

العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم، فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب، وأظنّه لا يقدر على الحراك، فلو ذهبتم اليه لقدرتم عليه، وشويتم لحمه على هذه النار. قال: فقمنا اليه في خمسة رجال فلقيناه كما وصف لنا، فقبضناه وأتينا به أصحابنا وذبحناه وشويناه في تلك النار، وطلبنا الفقير الذي نبّه عليه، فلم نجده ولا وقعنا له على أثر، فطال عجبنا منه. ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك «١٥٠» ، وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام، تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة، وتحترق أرضها الأنهار الجارية، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية، وبها من حبّ الملوك ما ليس في سواها، وبها يصنع الدّبس «١٥١» المنسوب إليها، وهو نوع من الرّب يصنعونه من العنب، ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد، وتكسر القلة التي يكون بها فيبقى قطعة واحدة، وتصنع منه الحلواء ويجعل فيها الفستق واللوز، ويسمون حلواءه بالملبّن ويسمونها أيضا بجلد الفرس «١٥٢» ، وهي كثيرة الألبان وتجلب منها إلى دمشق، وبينهما مسيرة يوم للمجدّ، وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزّبداني «١٥٣» كثيرة الفواكه، ويغدون منها إلى دمشق ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة اليها من الإحرام «١٥٤» وغيره ويصنع بها أواني الخشب وملاعقه

стр. 270

لقطة من اللاذقية- عن أرشيف بيرشم لقطة من بعلبك عن المكتبة الوطنية بباريز

стр. 271

التي لا نظير لها في البلاد، وهم يسمون الصحاف بالدّسوت «١٥٥» ، وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها وأخرى في جوفها إلى أن يبلغوا العشرة يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة، وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرة واحدة في جوف واحدة، ويصنعون لها غشاء من جلد ويمسكها الرجل في حزامه، وإذا حضر طعاما مع أصحابه أخرج ذلك فيظن رائيه أنها معلقة واحدة ثم يخرج من جوفها تسعا. وكان دخولي لبعلبك عشية النهار وخرجت منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين «١٥٦» إلى مدينة دمشق الشام فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية «١٥٧» . ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتتقدمها جمالا وكل وصف وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير «١٥٨» ، رحمه الله تعالى، في ذكرها قال: وأما دمشق فهي جنّة المشرق ومطلع نورها المشرق وخاتمة بلاد الاسلام التي استقريناها وعروس المدن التي اجتليناها. قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين. وحلت موضع الحسن بالمكان المكين، وتزيّنت في منتصفها أجمل تزيين، وشرفت بأن أوى المسيح ﵇، وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار معين، ظل ظليل، وماء سلسبيل «١٥٩» . تنساب مذانبه إنسياب الأراقم بكل سبيل. ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرّح لناظريها بمجتلى صقيل وتنادينا هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل. وقد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء! فتكاد تناديك بها الصّمّ الصّلاب: أركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب «١٦٠» . وقد أحدقت البساتين بها احداق الهالة

стр. 272

دمشق من أرشيف المكتبة الوطنية بباريز

стр. 273

بالقمر. والاكمام بالثمر. وامتدت بشرقيّها غوطتها «١٦١» الخضراء على امتداد البصر. وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر، ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها. قال ابن جزي، قد نظم بعض شعرائها في هذا المعنى فقال: إن تكن جنة الخلود بأرض ... فدمشق، ولا تكون سواها! او تكن في السماء فهي عليها ... قد أمدّت هواءها وهواها بلد طيب وربّ غفور «١٦٢» ... فاغتنمها عشية وضحاها! وذكر شيخنا المحدث الرحّال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر بن حسان القيسي الوادي ءاشي «١٦٣» نزيل تونس، ونصّ كلام ابن جبير، ثم قال: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد، وتوّق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد، هذا وإن لم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علّامة، ولا وصف ذهبيّات أصيلها، وقد حان من الشمس غروبها ولا أزمان فصولها المنوّعات، ولا أوقات سرورها المنبهات، وقد اختص من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الأعين.

стр. 274

قال ابن جزي: والذي قالته الشعراء في وصف محاسن دمشق لا يحصر كثرة، وكان والدي ﵀ كثيرا ما ينشد في وصفها هذه الأبيات: وهي لشرف الدين بن عنين «١٦٤» رحمه الله تعالى: دمشق بى شوق إليها مبرّح ... وإن لجّ واش أو ألحّ عذول بلاد بها الحصباء درّ وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الرّوض وهو عليل

стр. 275

وهذا من النمط العالي من الشعر، وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي «١٦٥» : الشام شامة وجنة الدّنيا «١٦٦» ، كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلّق «١٦٧» من اسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشّقيق جهنم ولا تحرق! وقال أيضا فيها: أما دمشق فجنات معجّلة ... للطّالبين، بها الولدان والحور ما صاح فيها على أوتاره قمر ... إلّا يغنيه قمريّ وشحرور يا حبّذا! ودروع الماء تنسجها ... أنامل الريح إلا أنها زور

стр. 276

وله فيها أشعار كثيرة سوى ذلك: وقال فيها أبو الوحش سبع ابن خلف الأسدي «١٦٨» : سقى دمشق الله غيثا محسنا ... من مستهلّ ديمة دهاقها مدينة ليس يضاهي حسنها ... في سائر الدنيا ولا آفاقها تود زوراء «١٦٩» العراق أنها ... منها ولا تعزى إلى عراقها! فأرضها مثل السماء بهجة ... وزهرها كالزّهر في إشراقها

стр. 277

نسيم روضها متى ما قد سرى ... افتكّ أخا الهموم من وثاقها قد رتع الربيع في ربوعها ... وسيقت الدنيا إلى أسواقها!! لا تسأم العيون والأنوف من ... رؤيتها يوما ولا استنشاقها! ومما يناسب هذا للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فيها «١٧٠» من قصيدة، وقد نسبت أيضا لابن المنير «١٧١» : يا برق هل لك في احتمال تحية ... عذبت فصارت مثل مائك سلسلا باكر دمشق بمشق أقلام الحيا ... زهر الرياض مرصّعا ومكلّلا واجرر بجيرون «١٧٢» ذيولك واختصص ... مغنى تأزّر بالعلى وتسربلا

стр. 278

حيث الحيا الرّبعي محلول الحبا ... والوابل الرّبعى مفريّ الكلا وقال فيها أبو الحسن عليّ بن موسى بن سعيد «١٧٣» العنسى الغرناطي المدعو نور الدين: دمشق منزلنا حيث النعيم بدا ... مكمّلا، وهو في الآفاق مختصر القضب راقصة والطير صادحة ... والزّهر مرتفع والماء منحدر وقد تجلّت من اللّذات أوجهها ... لكنّها بظلال الدّوح تستتر وكلّ واد به موسى يفجّره «١٧٤» ... وكلّ روض على حافاته الخضر! وقال أيضا فيها: خيّم بجلق بين الكأس والوتر ... في جنّة هي ملء السّمع والبصر ومتع الطّرف في مرأى محاسنها ... وروّض الفكر بين الرّوض والنّهر وانظر إلى ذهبيات الأصيل بها ... واسمع إلى نغمات الطّير في الشّجر

стр. 279

وقل لمن لام في لذّاته بشرا ... دعني فإنك عندي سوقة البشر! وقال أيضا فيها: أما دمشق فجنّة ... ينسى بها الوطن الغريب لله أيام السّبوت ... بها «١٧٥» ، ومنظرها العجيب أنظر بعينك هل ترى ... إلا محبا أو حبيب!! في موطن غنى الحمام ... به على رقص القضيب وغدت أزاهر روضه ... تختال في فرح وطيب

стр. 280

وأهل دمشق لا يعملون يوم السبت عملا، إنما يخرجون إلى المنتزهات وشطوط الأنهار، ودوحات الأشجار، بين البساتين النضيرة، والمياه الجارية، يكونون بها يومهم إلى الليل، وقد طال بنا الكلام في محاسن دمشق فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله. ذكر جامع دمشق المعروف بجامع بني أمية وهو أعظم مساجد الدّنيا احتفالا، وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا، ولا يعلم له نظير ولا يوجد له شبيه، وكان الذي تولى بناءه وإتقانه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان «١٧٦» ، ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث اليه الصناع، فبعث اليه أثنى عشر ألف صانع، وكان موضع المسجد كنيسة فلما افتتح المسلمون دمشق دخل خالد بن الوليد ﵁ من إحدى جهاتها بالسيف فانتهى إلى نصف الكنيسة، ودخل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ من الجهة الغربية صلحا فانتهى إلى نصف الكنيسة فصنع المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا وبقى النصف الذي صالحوا عليه كنيسة «١٧٧» ! فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في المسجد طلب من الروم أن يبيعوا منه كنيستهم تلك بما شاءوا من عوض، فأبوا عليه فانتزعها من أيديهم، وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها يجنّ، فذكروا ذلك للوليد فقال: أنا أول من يجنّ في سبيل الله! وأخذ الفأس وجعل يهدم بنفسه فلما رأى المسلمون ذلك تتابعوا على الهدم وأكذب الله زعم الروم. وزيّن هذا المسجد بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء «١٧٨» تخالطها أنواع الأصبغة الغريبة الحسن، وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة، وهي

стр. 281

دمشق- الجامع الأموي، المحراب

стр. 282

ثلاثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وعدد شمسات الزجاج الملونة التي فيه أربع وسبعون، وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب، سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة، وقد قامت على أربع وخمسين سارية، وثماني أرجل جصّيّة تتخللها وست أرجل مرخّمة مرصعة بالرخام الملوّن، قد صوّر فيها أشكال محاريب وسواها، وهي تقل قبة الرصاص التي أمام المحراب المسماة بقبّة النسر «١٧٩» كأنهم شبهوا المسجد نسرا طائرا والقبة رأسه، وهي من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني البلاد، وتستدير بالصحن بلاطات ثلاثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية، سعة كل بلاط منها عشر خطا، وبها من السواري ثلاث وثلاثون، ومن الأرجل أربع عشر، وسعة الصحن مائة ذراع، وهو من أجل المناظر وأتمها حسنا، وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا، فمن قارىء ومحدث وذاهب، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، وإذا لقى أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحطّ رأسه. وفي هذا الصحن ثلاث من القباب: إحداها في غربيّه وهي أكبرها، وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين، وهي قائمة على ثمان سواري من الرخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقفة بالرصاص يقال إن مال الجامع كان يختزن بها. وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة وعشرين الف دينار ذهبا في كل سنة «١٨٠» ، والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان سواري الرخام وتسمى قبة زين العابدين «١٨١» ، والقبة الثالثة في وسط الصحن،

стр. 283

وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق قائمة على أربع سواري من الرخام الناصع وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علو فيرتفع ثم ينثنى كأنه قضيب لجين، وهم يسمونه قفص الماء، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب، وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله «١٨٢» عنه، ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقى البلاطان الغربي والجوفي موضع يقال: إن عائشة ﵂ سمعت الحديث هنالك. وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى «١٨٣» التي يؤم فيها إمام الشافعية، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المومنين عثمان بن عفان «١٨٤» ﵁ إلى الشام، وتفتح تلك الخزانة كلّ يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم، وهنالك يحلّف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا، وعن يسار المقصورة محراب الصحابة، ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام، وفيه يؤم إمام المالكية، وعن يمين المقصورة محراب الحنفية وفيه يؤم إمامهم، ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم. ولهذا المسجد ثلاث صوامع إحداها بشرقيه، وهي من بناء الروم «١٨٥» ، وبابها داخل المسجد وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيها المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضؤون، والصومعة الثانية بغربيّه وهي أيضا من بناء الروم «١٨٦» ، والصومعة الثالثة

стр. 284

بشماله وهي من بناء المسلمين «١٨٧» وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا، وفي شرقي المسجد مقصورة كبيرة فيها صهريج ماء وهي لطائفة الزّيالعة «١٨٨» السودان، وفي وسط المسجد قبر زكرياء ﵇ «١٨٩» ، وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو بثوب حرير أسود معلّم فيه مكتوب بالأبيض:" يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى «١٩٠» ، وهذا المسجد شهير الفضل، وقرأت في (فضايل دمشق) عن «١٩١» سفيان الثوري «١٩٢» أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وفي الأثر عن النبي ﷺ أنه قال: يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة، ويقال إن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود ﵇ وأن قبره به، وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار اليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية فيها قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر ﷺ «١٩٣» . ومن فضايل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراءة القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان، كما سنذكره، والناس يجتمعون به بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية «١٩٤» يقرءون

стр. 285

فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن، وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجرى لهم، وهم نحو ستمائة انسان، ويدور عليهم كاتب الغيبة فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته «١٩٥» ، وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه، مقبلون على الصلاة والقراءة والذّكر لا يفترون عن ذلك ويتوضأون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها، وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك. وفي هذا المسجد أربعة أبواب: باب قبلي يعرف بباب الزّيادة، وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية خالد بن الوليد ﵁، ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم، ومنه يذهب إلى دار الخيل «١٩٦» ، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان ﵁ «١٩٧» ودور قومه، وكانت تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس ﵃، وصار مكانها سوقا، وباب شرقي وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى باب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال «١٩٨» ، وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم، كان فيه رأس الحسين ﵁، وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، وبه ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز، وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت
следующие страницы →