Полный текст (1 410 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
دمشق- الجامع الأموي، المحراب
стр. 282
ثلاثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وعدد شمسات الزجاج الملونة التي فيه أربع وسبعون، وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب، سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة، وقد قامت على أربع وخمسين سارية، وثماني أرجل جصّيّة تتخللها وست أرجل مرخّمة مرصعة بالرخام الملوّن، قد صوّر فيها أشكال محاريب وسواها، وهي تقل قبة الرصاص التي أمام المحراب المسماة بقبّة النسر «١٧٩» كأنهم شبهوا المسجد نسرا طائرا والقبة رأسه، وهي من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني البلاد، وتستدير بالصحن بلاطات ثلاثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية، سعة كل بلاط منها عشر خطا، وبها من السواري ثلاث وثلاثون، ومن الأرجل أربع عشر، وسعة الصحن مائة ذراع، وهو من أجل المناظر وأتمها حسنا، وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا، فمن قارىء ومحدث وذاهب، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، وإذا لقى أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحطّ رأسه.
وفي هذا الصحن ثلاث من القباب: إحداها في غربيّه وهي أكبرها، وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين، وهي قائمة على ثمان سواري من الرخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقفة بالرصاص يقال إن مال الجامع كان يختزن بها.
وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة وعشرين الف دينار ذهبا في كل سنة «١٨٠» ، والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان سواري الرخام وتسمى قبة زين العابدين «١٨١» ، والقبة الثالثة في وسط الصحن،
стр. 283
وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق قائمة على أربع سواري من الرخام الناصع وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علو فيرتفع ثم ينثنى كأنه قضيب لجين، وهم يسمونه قفص الماء، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب، وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله «١٨٢» عنه، ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقى البلاطان الغربي والجوفي موضع يقال: إن عائشة ﵂ سمعت الحديث هنالك.
وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى «١٨٣» التي يؤم فيها إمام الشافعية، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المومنين عثمان بن عفان «١٨٤» ﵁ إلى الشام، وتفتح تلك الخزانة كلّ يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم، وهنالك يحلّف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا، وعن يسار المقصورة محراب الصحابة، ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام، وفيه يؤم إمام المالكية، وعن يمين المقصورة محراب الحنفية وفيه يؤم إمامهم، ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم.
ولهذا المسجد ثلاث صوامع إحداها بشرقيه، وهي من بناء الروم «١٨٥» ، وبابها داخل المسجد وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيها المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضؤون، والصومعة الثانية بغربيّه وهي أيضا من بناء الروم «١٨٦» ، والصومعة الثالثة
стр. 284
بشماله وهي من بناء المسلمين «١٨٧» وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا، وفي شرقي المسجد مقصورة كبيرة فيها صهريج ماء وهي لطائفة الزّيالعة «١٨٨» السودان، وفي وسط المسجد قبر زكرياء ﵇ «١٨٩» ، وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو بثوب حرير أسود معلّم فيه مكتوب بالأبيض:" يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى «١٩٠» ، وهذا المسجد شهير الفضل، وقرأت في (فضايل دمشق) عن «١٩١» سفيان الثوري «١٩٢» أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وفي الأثر عن النبي ﷺ أنه قال: يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة، ويقال إن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود ﵇ وأن قبره به، وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار اليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية فيها قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر ﷺ «١٩٣» .
ومن فضايل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراءة القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان، كما سنذكره، والناس يجتمعون به بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية «١٩٤» يقرءون
стр. 285
فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن، وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجرى لهم، وهم نحو ستمائة انسان، ويدور عليهم كاتب الغيبة فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته «١٩٥» ، وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه، مقبلون على الصلاة والقراءة والذّكر لا يفترون عن ذلك ويتوضأون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها، وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك.
وفي هذا المسجد أربعة أبواب: باب قبلي يعرف بباب الزّيادة، وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية خالد بن الوليد ﵁، ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم، ومنه يذهب إلى دار الخيل «١٩٦» ، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان ﵁ «١٩٧» ودور قومه، وكانت تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس ﵃، وصار مكانها سوقا، وباب شرقي وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى باب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال «١٩٨» ، وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم، كان فيه رأس الحسين ﵁، وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، وبه ماء جار.
وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز، وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت
стр. 286
عليها شوارع مستديرة فيها دكاكين البزّازين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع أواني الزجاج العجيبة.
وفي الرحبة المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود: منها دكانان للشافعية، وسائرها لأصحاب المذاهب، يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول «١٩٩» والعاقد للأنكحة من قبل القاضي، وسائر الشهود مفترقون في المدينة، وبمقربة من هذه الدكاكين سوق الورّاقين الذين يبيعون الكاغد والأقلام والمداد، وفي وسط الدهليز المذكور حوض من الرخام كبير مستدير عليه قبة لا سقف لها تقلها أعمدة رخام وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يزعج الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الانسان يسمونه الفوارة «٢٠٠» ، منظره عجيب.
وعن يمين الخارج من باب جيرون وهو باب الساعات: غرفة لها هيئة طاق كبير فيه طيقان صغار، لها أبواب على عدد ساعات النهار، والأبواب مصبوغ باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة، فإذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا، ويقال: إن بداخل الغرفة من يتولى قلبها بيده عند مضي الساعات «٢٠١» .
والباب الغربي يعرف بباب البريد، وعن يمين الخارج منه مدرسة للشافعية، «٢٠٢» ، وله دهليز فيه حوانيت للشماعين، وسماط لبيع الفواكه، وبأعلاه باب يصعد اليه في درج له أعمدة
стр. 287
سامية في الهواء، وتحت الدرج سقايتان عن يمين وشمال مستديرتان، والباب الجوفي يعرف بباب النّطفانيين «٢٠٣» ، وله دهليز عظيم، وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشّميعانية «٢٠٤» في وسطها صهريج ماء، ولها مطاهر يجرى فيها الماء، ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁، وعلى كل باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة.
ذكر الأئمة بهذا المسجد
وأئمته ثلاثة عشر إماما أولهم إمام الشافعية، وكان في عهد دخولي اليها إمامهم قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني «٢٠٥» ، من كبار الفقهاء وهو الخطيب بالمسجد وسكناه بدار الخطابة ويخرج من باب الحديد إزاء المقصورة وهو الباب الذي كان يخرج منه معاوية ﵁، وقد تولى جلال الدين بعد ذلك قضاء القضاة بالدّيار المصرية بعد أن أدى عنه الملك الناصر نحو مائة ألف درهم كانت عليه دينا بدمشق، وإذا سلّم إمام الشافعية من صلاته أقام الصلاة إمام مشهد علي، ثم إمام مشهد الحسين ثم إمام الكلّاسة «٢٠٦» ثم إمام مشهد أبي بكر ثم إمام مشهد عمر ثم إمام مشهد عثمان ﵃ أجمعين.
ثم إمام المالكية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه أبو عمر بن أبي الوليد ابن الحاج التّجيبي القرطبي الأصل الغرناطي المولد نزيل دمشق «٢٠٧» وهو يتناوب مع أخيه رحمهما الله،.
стр. 288
ثم إمام الحنفية وكان إمامهم في عهد دخولي اليها الفقيه عماد الدين الحنفي المعروف بابن الرومي «٢٠٨» ، وهو من كبار الصوفية وله شياخة الخانقاة الخاتونية، وله أيضا خانقاه بالشرف الأعلى «٢٠٩» .
ثم إمام الحنابلة، وكان في ذلك العهد الشيخ عبد الله الكفيف «٢١٠» أحد شيوخ القراءة بدمشق. ثم بعد هؤلاء خمسة أئمة لقضاء الفوايت «٢١١» ، فلا تزال الصلاة في هذا المسجد من أول النهار إلى ثلث الليل وكذلك قراءة القرآن. وهذا من مفاخر هذا الجامع المبارك.
ذكر المدرسين والمعلمين به .
وبهذا المسجد حلقات التدريس في فنون العلم، والمحدثون يقرءون كتب الحديث على كراسي مرتفعة، وقراء القرآن يقرءون بالأصوات الحسنة صباحا ومساء وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقّن الصبيان ويقرئهم، وهم لا يكتبون القرآن في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى، وانما يقرءون القرآن تلقينا.
ومعلم الخط غير معلم القرآن يعلمهم بكتب الأشعار وسواها، فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لان المعلّم للخط لا يعلّم غيره، ومن المدرسين بالمسجد المذكور العالم الصالح برهان الدين بن الفركح الشافعي «٢١٢» ، ومنهم العالم الصالح نور
стр. 289
الدين أبو اليسر بن الصايغ «٢١٣» من المشتهرين بالفضل والصلاح، ولمّا ولى القضاء بمصر جلال الدين القزويني، وجّه إلى أبي اليسر الخلعة والامر بقضاء دمشق، فامتنع من ذلك، ومنهم الامام العالم شهاب الدين بن جهبل «٢١٤» من كبار العلماء، هرب من دمشق لما امتنع أبو اليسر من قضائها خوفا من أن يقلد القضاء فاتصل ذلك بالملك الناصر فولى قضاء دمشق شيخ الشيوخ بالديار المصرية قطب العارفين لسان المتكلمين، علاء الدين «٢١٥» القونوى وهو من كبار الفقهاء، ومنهم الامام الفاضل بدر الدين على السّخاوي المالكي «٢١٦» رحمة الله عليهم أجمعين.
ذكر قضاة دمشق
قد ذكرنا قاضي القضاة الشافعية بها جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني، وأما قاضي المالكية فهو شرف الدين «٢١٧» ابن خطيب الفيوم، حسن الصورة والهيئة من كبار الرؤساء وهو شيخ شيوخ الصوفية، والنائب عنه في القضاء شمس الدين بن
стр. 290
القفصى، «٢١٨» ، ومجلس حكمه بالمدرسة الصّمصامية «٢١٩» . وأما قاضي قضاة الحنفية فهو عماد الدين الحوراني وكان شديد السطوة وإليه يتحاكم النساء وأزواجهن، وكان الرجل إذا سمع اسم القاضي الحنفي أنصف من نفسه قبل الوصول اليه، وأما قاضي الحنابلة فهو الإمام الصالح عز الدين ابن مسلّم «٢٢٠» من خيار القضاة يتصرف على حمار له، ومات بمدينة رسول الله ﷺ تسليما لما توجه للحجاز الشريف.
حكاية (الفقيه ابن تيميّة)
وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية «٢٢١» كبير الشأن يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئا! وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي «٢٢٢» ، وقال:
إن هذا الرجل قال: كذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة وقال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إلاه إلا الله، فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما، وصنف في السجن كتابا
стр. 291
في تفسير القرآن سماه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا، ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق «٢٢٣» فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلّم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز «٢٢٤» وكان من خيار الأمراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقدا شرعيا على ابن تيمية بأمور منكرة منها: أن المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة، «٢٢٥» ومنها أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيبا لا يقصر الصلاة، وسوى ذلك مما يشبهه، وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة فسجن بها حتى مات في السجن.
ذكر مدارس دمشق
إعلم أن للشافعية بدمشق جملة من المدارس أعظمها العادلية٢٢»
، وبها يحكم قاضي القضاة، وتقابلها المدرسة الظاهرية «٢٢٧» وبها قبر الملك الظاهر، وبها جلوس نواب
стр. 292
القاضي، ومن نوابه فخر الدين القبطي، كان والده من كتاب القبط، وأسلم ومنهم جمال الدين ابن جملة «٢٢٨» ، وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك وعزل لامر أوجب عزله.
حكاية [الشيخ ظهير الدّين وقاض القضاة]
كان بدمشق الشيخ الصالح ظهير الدين العجمي، وكان سيف الدين تنكيز ملك الأمراء يتتلمذ له ويعظمه، فحضر يوما بدار العدل عند ملك الأمراء وحضر القضاة الأربعة، فحكى قاضي القضاة جمال الدين ابن جملة حكاية، فقال له ظهير الدين: كذبت! فأنف القاضي من ذلك وامتعض له، فقال للأمير: كيف يكذبني بحضرتك؟ فقال له الأمير؟: احكم عليه وسلّمه إليه، وظنه أنه يرضى بذلك، فلا يناله بسوء فأحضره القاضي بالمدرسة العادلية وضربه مائتي سوط، وطيف به على حمار في مدينة دمشق، ومنادي ينادي عليه، فمتى فرغ من ندائه ضربه على ظهره ضربة! وهكذا العادة عندهم، فبلغ ذلك ملك الامراء فأنكره أشد الإنكار وأحضر القضاة والفقهاء، فاجمعوا على خطإ القاضي وحكمه بغير مذهبه، فإن التعزيز عند الشافعي لا يبلغ به الحد «٢٢٩» ، وقال قاضي القضاة المالكية شرف الدين: قد حكمت بتفسيقه فكتب إلى الملك الناصر بذلك فعزله. وللحنفية مدارس كثيرة وأكبرها مدرسة السلطان نور الدين «٢٣٠» وبها يحكم قاضي القضاة الحنفية. وللمالكية بدمشق ثلاث مدارس إحداها الصمصامية «٢٣١» ، وبها سكن قاضي القضاة المالكية وقعوده للأحكام، والمدرسة
стр. 293
النورية عمرها السلطان نور الدين محمود ابن زنكى والمدرسة الشرابشية عمّرها شهاب الدين الشرابشي التاجر، وللحنابلة مدارس كثيرة أعظمها المدرسة النجمية «٢٣٢» .
ذكر أبواب دمشق
ولمدينة دمشق ثمانية أبواب: منها باب الفراديس «٢٣٣» ، ومنها باب الجابية «٢٣٤» ومنها باب الصغير «٢٣٥» ، وفيما بين هذين البابين مقبرة «٢٣٦» فيها العدد الجمّ من الصحابة والشهداء فمن بعدهم.
قال محمد ابن جزي: لقد أحسن بعض المتأخرين من أهل دمشق في قوله:
دمشق في أوصافها ... جنّة خلد راضيه
أما ترى أبوابها ... قد جعلت ثمانيه «٢٣٧» !
ذكر بعض المشاهد والمزارات بها
فمنها بالمقبرة التي بين البابين: باب الجابية والباب الصغير، قبر أمّ حبيبة بنت أبي
стр. 294
سفيان أم المؤمنين «٢٣٨» ، وقبر أخيها أمير المؤمنين معاوية «٢٣٩» ، وقبر بلال مؤذن «٢٤٠» رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، وقبر أويس القرني «٢٤١» ، وقبر كعب الأحبار «٢٤٢» ﵄.
ووجدت في كتاب المفهم، في شرح صحيح مسلم، للقرطبي «٢٤٣» أن جماعة من
стр. 295
الصحابة صحبهم أويس القرني من المدينة إلى الشام فتوفى في أثناء الطريق في برية لا عمارة فيها ولا ماء فتحيّروا في أمره فنزلوا فوجدوا حنوطا وكفنا وماء فعجبوا من ذلك وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ثم ركبوا فقال بعضهم كيف نترك قبره بغير علامة؟
فعادوا للموضع فلم يجدوا للقبر من أثر! قال ابن جزي ويقال: إن أويسا قتل بصفّين «٢٤٤» مع علي ﵇، وهو الأصح إن شاء الله.
ويلي باب الجابية باب شرقي «٢٤٥» عنده جبّانة فيها قبر أبيّ بن كعب صاحب رسول الله ﷺ «٢٤٦» ، وفيها قبر العابد الصالح «٢٤٧» رسلان المعروف بالباز الأشهب.
حكاية في سبب تسميته بذلك
يحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي ﵁ كان مسكنه بأم عبيدة بمقربة من
стр. 296
مدينة «٢٤٨» واسط وكانت بين ولي الله تعالى أبي مدين شعيب ابن الحسين «٢٤٩» وبينه مؤاخاة ومراسلة، ويقال إن كل واحد منهما كان يسلم على صاحبه صباحا ومساء فيرد عليه الآخر، وكانت للشيخ أحمد نخيلات عند زاويته، فلما كان في إحدى السنين جذّها على عادته، وترك عذقا منها، وقال هذا برسم أخي شعيب فحج الشيخ أبو مدين تلك السنة واجتمعا بالموقف الكريم بعرفة ومع الشيخ أحمد خديمه رسلان فتفاوضا الكلام، وحكى الشيخ حكاية العذق فقال له رسلان: عن أمرك يا سيدي آتيه به، فأذن له فذهب من حينه وأتاه به ووضعه بين أيديهما فأخبر أهل الزاوية أنهم رأوا عشية يوم عرفة بازا أشهب قد انقضّ على النخلة فقطع ذلك العذق وذهب به في الهواء.
وبغربي دمشق جبّانة تعرف بقبور الشهداء فيها قبر أبي الدرداء وزوجه أم الدرداء «٢٥٠» ، وقبر فضالة بن عبيد «٢٥١» ، وقبر واثلة ابن الأسقع «٢٥٢» ، وقبر سهل بن
стр. 297
حنظلية «٢٥٣» من الذين بايعوا تحت الشجرة «٢٥٤» ، ﵃ أجمعين. وبقرية تعرف بالمنيحة «٢٥٥» شرقي دمشق وعلى أربعة أميال منها قبر سعد بن عبادة «٢٥٦» ، ﵁، وعليه مسجد صغير حسن البناء وعلى رأسه حجر فيه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ تسليما. وبقرية قبلى البلد وعلى فرسخ منها مشهد أم كلثوم «٢٥٧» بنت علي بن أبي طالب من فاطمة ﵈، ويقال إن اسمها زينب وكنّاها النبي ﷺ أم كلثوم لشبهها بخالتها أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وعليه مسجد كريم وحوله مساكن، وله أوقاف، ويسمّيه أهل دمشق قبر الست أم كلثوم، وقبر آخر يقال إنه قبر سكينة بنت الحسين ابن علي ﵇ «٢٥٨» .
وبجامع النّيرب «٢٥٩» من قرى دمشق في بيت بشرقيه قبر يقال: إنه قبر أم مريم ﵍ «٢٦٠» ، وبقرية تعرف بداريّا «٢٦١» غربيّ البلد، وعلى أربعة أميال منها، قبر أبي
стр. 298
مسلم الخولاني «٢٦٢» وقبر أبي سليمان الدّاراني «٢٦٣» ﵄.
[مسجد الأقدام بدمشق]
ومن مشاهد دمشق الشهيرة البركة مسجد الأقدام «٢٦٤» وهو في قبلي دمشق على ميلين منها، على قارعة الطريق الأعظم الآخذ إلى الحجاز الشريف والبيت المقدس وديار مصر، وهو مسجد عظيم كثير البركة، وله أوقاف كثيرة، ويعظمه أهل دمشق تعظيما شديدا والأقدام التي ينسب اليها هي أقدام مصورة في حجر هنالك يقال إنها أثر قدم موسى ﵇، وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه: كان بعض الصالحين يرى المصطفى ﷺ في النّوم فيقول له: ها هنا قبر أخي موسى ﵇.
وبمقربة هذا المسجد على الطريق موضع يعرف بالكثيب الأحمر وبمقربة من بيت المقدس وأريحا «٢٦٥» موضع يعرف أيضا بالكثيب الأحمر تعظمه اليهود.
حكاية [الطاعون الأعظم في دمشق]
شاهدت أيام الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر شهر ربيع الثاني سنة تسع
стр. 299
وأربعين «٢٦٦» ، من تعظيم أهل دمشق لهذا المسجد ما يعجب منه وهو أن ملك الأمراء نايب السلطان أرغون «٢٦٧» شاه أمر مناديا ينادي بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام ولا يطبخ أحد بالسوق ما يؤكل نهارا، وأكثر الناس بها إنما يأكلون الطعام الذي يصنع بالسوق، فصام الناس ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس، ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة وساير الطبقات على اختلافها في الجامع حتى غص بهم وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع، ثم صلوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، وخرج اليهود بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان وجميعهم باكون متضرعون متوسلون إلى الله بكتبه وأنبيائه، وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد فصلوا الجمعة وخفف الله تعالى عنهم فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد.
وبالباب الشرقي منارة بيضاء يقال أنها التي ينزل عيسى ﵇ عندها حسبما ورد في صحيح مسلم «٢٦٨» .
ذكر أرباض دمشق
وتدور بدمشق من جهاتها ما عدا الشرقية أرباض فسيحة الساحات، دواخلها أملح من داخل دمشق لأجل الضيق الذي في سككها، وبالجهة الشمالية منها ربض الصالحية «٢٦٩» وهي مدينة عظيمة لها سوق لا نظير لحسنه، وفيها مسجد جامع ومارستان، وبها
стр. 300
مدرسة تعرف بمدرسة أبي عمر «٢٧٠» موقوفة على من أراد أن يتعلم القرآن الكريم من الشيوخ والكهول وتجرى لهم ولمن يعلمهم كفايتهم من المأكل والملابس.
وبداخل البلد أيضا مدرسة مثل هذه تعرف بمدرسة ابن منجّا «٢٧١» ، وأهل الصالحية كلّهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل ﵁.
ذكر قاسيون ومشاهده المباركة
وقاسيون جبل في شمال دمشق والصالحية في سفحه، وهو شهير البركة لانه مصعد الأنبياء ﵈، ومن مشاهده الكريمة الغار الذي ولد فيه إبراهيم «٢٧٢» الخليل ﵇، وهو غار مستطيل ضيق عليه مسجد كبير وله صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأي الكوكب والقمر والشمس «٢٧٣» حسبما ورد في الكتاب العزيز، وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج اليه.
وقد رأيت ببلاد العراق قرية تعرف ببرص بضم الباء الموحدة وآخرها صاد مهمل، ما بين الحلة وبغداد «٢٧٤» ، يقال إن مولد إبراهيم ﵇ بها، وهي بمقربة من بلد ذي الكفل ﵇، وبها قبره «٢٧٥» .
стр. 301
ومن مشاهده بالغرب منه مغارة الدّم «٢٧٦» وفوقها بالجبل دم هابيل بن آدم ﵇، وقد أبقى الله منه في الحجارة أثرا محمرّا، وهو الموضع الذي قتله أخوه به واجترّه إلى المغارة، ويذكر أن تلك المغارة صلى فيها ابراهيم وموسى وعيسى وأيوب ولوط صلى الله عليهم أجمعين، وعليها مسجد متقن البناء يصعد إليه على درج، وفيه بيوت ومرافق للسكنى، ويفتح في كل يوم اثنين وخمسين، والشمع والسرج توقد في المغارة.
ومنها كهف بأعلى الجبل ينسب لآدم ﵇ «٢٧٧» ، وعليه بناء وأسفل منه مغارة تعرف بمغارة الجوع «٢٧٨» . يذكر أنه أوى إليها سبعون من الأنبياء ﵈، وكان عندهم رغيف فلم يزل يدور عليهم وكل منهم يؤثر صاحبه به حتى ماتوا جميعا صلى الله عليهم، وعلى هذه المغارة مسجد مبني والسرج تقد به ليلا ونهارا.
ولكل مسجد من هذه المساجد أوقاف كثيرة معينة ويذكر أن فيما بين باب الفراديس وجامع قاسيون «٢٧٩» مدفن سبعمائة نبي، وبعضهم يقول سبعين ألفا، وخارج المدينة المقبرة العتيقة، وهي مدفن الأنبياء والصالحين وفي طرفها مما يلي البساتين أرض منخفضة غلب عليها الماء، يقال إنها مدفن سبعين نبيّا وقد عادت قرارا للماء ونزهت من أن يدفن فيها أحد.
ذكر الربوة والقرى التي تواليها
وفي آخر جبل قاسيون الربوة المباركة «٢٨٠» المذكورة في كتاب الله ذات القرار والمعين ومأوى المسيح عيسى وأمه ﵉ «٢٨١» ، وهي من أجمل مناظر الدنيا ومنتزهاتها وبها القصور المشيّدة والمباني الشريفة والبساتين البديعة والمأوى المبارك، مغارة صغيرة في
стр. 302
وسطها كالبيت الصغير وبازائها بيت، يقال إنه مصلى الخضر ﵇ «٢٨٢» يبادر الناس إلى الصلاة فيهما وللمأوى باب حديد صغير والمسجد يدور به، وله شوارع دائرة وسقاية حسنة ينزل لها الماء من علو، وينصبّ في شاذروان «٢٨٣» في الجدار يتّصل بحوض من رخام ويقع فيه الماء ولا نظير له في الحسن وغرابة الشكل. وبقرب ذلك مطاهر للوضوء يجري فيها الماء.
وهذه الربوة المباركة هي رأس بساتين دمشق وبها منابع مياهها «٢٨٤» وينقسم الماء الخارج منها على سبعة أنهار كل نهر آخذ في جهة ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم، وأكبر هذه الأنهار النهر المسمى بتورة، وهو يشق تحت الربوة وقد نحت له مجرى في الحجر الصلد كالغار الكبير «٢٨٥» ، وربما انغمس ذو الجسارة من العوّامين في النهر من أعلى الربوة واندفع في الماء حتى يشق مجراه ويخرج من أسفل الربوة، وهي مخاطرة عظيمة، وهذه الربوة تشرف على البساتين الدائرة بالبلد، ولها من الحسن واتساع مسرح الأبصار ما ليس لسواها، وتلك الأنهار السبعة تذهب في طرق شتى فتحار الأعين في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاعها وانصبابها، وجمال الربوة وحسنها التام أعظم من أن يحيط به الوصف، ولها الأوقاف الكثيرة من المزارع والبساتين والرباع، تقام منها وظايفها للإمام والمؤذن والصادر والوارد.
стр. 303
وبأسفل الربوة قرية النّيرب «٢٨٦» وقد تكاثرت بساتينها وتكاثفت ظلالها، وتدانت أشجارها، فلا يظهر من بنائها إلا ما سما ارتفاعه، ولها حمّام مليح ولها جامع بديع مفروش صحنه بفصوص الرخام، وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ومطهرة فيها بيوت عدة يجري فيها الماء.
وفي القبلىّ من هذه القرية قرية المزّة، وتعرف بمزّة كلب «٢٨٧» نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، وكانت إقطاعا لهم، وإليها ينسب الامام حافظ الدنيا جمال الدين يوسف بن الزكى الكلبي المزّى «٢٨٨» وكثير سواه من العلماء، وهي من أعظم قرى دمشق، وبها جامع كبير عجيب وسقاية معينة.
وأكثر قرى دمشق فيها الحمّامات والمساجد الجامعة والأسواق وسكانها كأهل الحاضرة في مناحيهم وفي شرقي البلد قرية تعرف ببيت إلاهيّة «٢٨٩» وكانت فيها كنيسة يقال: إن آزر كان ينحت فيها الأصنام فيكسرها الخليل ﵇، وهي الآن مسجد جامع بديع مزين بفصوص الرخام الملونة المنظمة بأعجب نظام، وأزين التئام.
ذكر الأوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم
والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف العاجزين عن الحج يعطي لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات «٢٩٠» إلى أزواجهن وهي اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأساري، ومنها أوقاف لابناء السبيل يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على
стр. 304
تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكلّ واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الرّكبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير،
حكاية [المملوك الصّغير والصحفة]
مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصّيني وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم:
اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لا بدّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرا للقلوب، جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا.
وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد، وهم يحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون اليهم بالأموال والأهلين والأولاد «٢٩١» ، وكلّ من انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد أو قراءة بمدرسة أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة القرآن أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة أو يكون لجملة الصوفية بالخوانق تجرى له النفقة والكسوة، فمن كان بها غريبا على خير لم يزل مصونا عن بذل وجهه محفوظا عما يزري بالمروّة، ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخرى من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان يغدو معهم إلى التعليم ويروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الاعانة التّامة على ذلك.
ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كلّ ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا.
стр. 305
ولما وردت دمشق وقعت بيني وبين نور الدين السخاوي مدرس المالكية صحبة فرغب منى أن أفطر عنده في ليالي رمضان فحضرت عنده أربع ليال، ثم أصابتني الحمى فغبت عنه فبعث في طلبي فإعتذرت بالمرض فلم يسعنى عذرا فرجعت إليه وبتّ عنده، فلما أردت الانصراف بالغد منعني من ذلك وقال لي: احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو أخيك، وأمر بإحضار طبيب وأن يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غداء، وأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد، وحضرت المصلى «٢٩٢» وشفاني الله تعالى مما أصابني، وقد كان ما عندي من النفقة نفد، فعلم بذلك فإكترى لي جمالا وأعطاني الزاد وسواه، وزادني دراهم وقال لي: تكون لما عسى أن يعن لك من أمر مهم، جزاه الله خيرا. وكان بدمشق فاضل من كتاب الملك الناصر يسمى عماد الدين القيصراني «٢٩٣» من عادته أنه متى سمع أن مغربيّا وصل إلى دمشق بحث عنه وأضافه وأحسن إليه، فإن عرف منه الدين والفضل أمره بملازمته، وكان يلازمه منهم جماعة، وعلى هذه الطريقة أيضا كاتب السر الفاضل علاء الدين بن غانم «٢٩٤» وجماعة غيره.
وكان بها فاضل من كبرائها وهو الصاحب عزّ الدين القلانسي «٢٩٥» ، له مآثر ومكارم وفضائل وإيثار، وهو ذو مال عريض، وذكروا أن الملك الناصر لما قدم دمشق أضافه وجميع أهل دولته ومماليكه وخواصّه ثلاثة أيام فسمّاه اذ ذاك بالصّاحب.
ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت أوصى أن يدفن
стр. 306
بقبلة الجامع المكرّم ويخفى قبره وعين أوقافا عظيمة لقراء يقرءون سبعا من القرآن الكريم في كلّ يوم إثر صلاة الصبح بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة ﵃ حيث قبره، فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبدا، وبقى ذلك الرسم الجميل بعده مخلدا.
ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة فيقفون بصحون المساجد كبيت المقدس وجامع بني أمية وسواها ويقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم، داعين خاضعين خاشعين ملتمسين البركة ويتوخّون الساعة التي يقف فيها وفد الله تعالى وحجاج بيته بعرفات، ولا يزالون في خضوع ودعاء وابتهال وتوسل إلى الله تعالى بحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس فينفرون كما ينفر الحاج باكين على ما حرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات داعين إلى الله تعالى أن يوصلهم اليها ولا يخليهم من بركة القبول فيما فعلوه.
ولهم أيضا في إتباع الجنائز رتبة عجيبة، وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة والقرّاء يقرءون القرآن بالأصوات الحسنة والتلاحين المبكية التي تكاد النفوس تطير لها رقة، وهم يصلون على الجنائز بالمسجد الجامع قبالة المقصورة، فإن كان الميت من أيمة الجامع أو مؤذنيه أو خدامه أدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه، وإن كان من سواهم قطعوا القراءة عند باب المسجد ودخلوا بالجنازة، وبعضهم يجتمع له بالبلاط الغربي من الصحن بمقربة من باب البريد فيجلسون وأمامهم ربعات القرآن يقرءون فيها، ويرفعون أصواتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء من كبار البلدة وأعيانها، ويقولون: بسم الله فلان الدّين من كمال وجمال وشمس وبدر وغير ذلك، فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون: افتكروا واعتبروا، صلاتكم على فلان الرجل الصالح العالم، ويصفونه بصفات من الخير ثم يصلّون عليه ويذهبون به إلى مدفنه.
ولاهل الهند رتبة عجيبة في الجنائز ايضا زائدة على ذلك وهي أنهم يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثلاث من دفنه وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة، ويكسى القبر بالكسى الفاخرة وتوضع حوله الرياحين من الورد والنّسرين والياسمين، وذلك النوار لا ينقطع عندهم، ويأتون بأشجار الليمون والأترج ويجعلون فيها حبوبها إن لم تكن فيها، ويجعل صيوان يظلّل الناس نحوه، ويأتي القضاة والأمراء ومن يماثلهم فيقعدون، ويقابلهم القراء، ويؤتى بالربعات الكرام فيأخذ كل واحد منهم جزء فإذا تمت القراءة من القراء بالأصوات الحسان يدعو القاضي ويقوم قائما ويخطب خطبة معدة لذلك، ويذكر فيها الميت ويرثيه بأبيات شعر، ويذكر أقاربه
стр. 307
ويعزّيهم عنه ويذكر السلطان داعيا له وعند ذكر السلطان يقوم الناس ويحطون رؤوسهم إلى سمت الجهة التي بها السلطان، ثم يقعد القاضي ويأتون بماء الورد فيصب على الناس صبا يبتدأ بالقاضي ثم من يليه كذلك إلى أن يعم الناس أجمعين ثم يوتى بأواني السّكّر وهو الجلّاب محلولا بالماء فيسقون الناس منه ويبدأون بالقاضي ومن يليه ثم يوتى بالتنبول «٢٩٦» وهم يعظمونه ويكرمون من يأتي لهم به فإذا اعطى السلطان أحدا منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع، وإذا مات الميت لم يأكل أهله التنبول إلا في ذلك اليوم، فيأخذ القاضي أو من يقوم مقامه أوراقا منه فيعطيها لولي الميت فيأكلها وينصرفون حينئذ وسيأتي ذكر التنبول إن شاء الله تعالى.
ذكر سماعي بدمشق، ومن أجازني من أهلها
سمعت بجامع بني أمية عمّره الله بذكره، جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد ابن اسماعيل الجعفي البخاري ﵁ على الشيخ المعمر، رحلة الآفاق ملحق الأصاغر بالأكابر، شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن أبي النّعيم بن حسن بن علي بن بيان الدين مقرئ الصالحي، المعروف بابن الشّحنة الحجّار «٢٩٧» في أربعة عشر مجلسا، أولها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان المعظم سنة ست وعشرين وسبعمائة وآخرها يوم الاثنين الثامن والعشرين منه «٢٩٨» بقراءة الامام الحافظ مؤرخ الشام علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي «٢٩٩» الأصل الدمشقي، في جماعة كبيرة كتب اسماءهم محمد بن طغريل بن عبد الله بن الغزّال الصيرفي، بسماع الشيخ أبي العباس
стр. 308
الحجازي لجميع الكتاب، من الشيخ الامام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن علي بن المسلم بن عمران الربيعي البغدادي الزبيدي الحنبلي «٣٠٠» ، في أواخر شوال وأوائل ذي القعدة من سنة ثلاثين وستمائة بالجامع المظفّري بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق وبإجازته في جميع الكتاب من الشيخين: أبي الحسن محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن الخلف القطيعي المؤرخ، وعلي بن أبي بكر بن عبد الله بن رؤبة القلانسي العطار البغداديين ومن باب غيرة النساء ووجدهن إلى آخر الكتاب من أبي المنجّا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد بن اللّتي الخزاعي البغدادي بسماع أربعتهم من الشيخ سديد الدين أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن ابراهيم السنجزى الهروى الصوفي في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد، قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد ابن داوود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداودي قراءة عليه وأنا أسمع ببوشنج سنة خمس وستين وأربعماية قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حويّة بن يوسف بن أيمن السرخسى قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري قراءة عليه، وأنا أسمع سنة ست عشرة وثلاثمائة بفربر، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵁ سنة ثمان وأربعين ومائتين بفربر، ومرة ثانية بعدها سنة ثلاث وخمسين.
وممن أجازني من أهل دمشق إجازة عامة الشيخ أبو العباس الحجار «٣٠١» . المذكور بسؤالي ذلك وتلفظ لي به، ومنهم الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد بن
стр. 309
محمد المقدسي ومولده في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وستماية «٣٠٢» . ومنهم الشيخ الإمام الصالح عبد الرحمن ابن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن البجدي «٣٠٣» .
ومنهم إمام الأيمة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزّي الكلبي حافظ الحفاظ «٣٠٤» . ومنهم الشيخ الامام علاء الدين علي بن يوسف بن محمد بن عبد الله الشافعي «٣٠٥» ، والشيخ الإمام الشريف محيي الدين يحيى ابن محمد بن علي العلوي «٣٠٦» . ومنهم الشيخ الامام المحدث مجد الدين القاسم بن عبد الله بن أبي عبد الله بن المعلى الدمشقي ومولده سنة أربع وخمسين وستمائة.
ومنهم الشيخ الامام العالم شهاب الدين أحمد بن ابراهيم بن فلاح بن محمد الاسكندري «٣٠٧» .
ومنهم الشيخ الإمام ولي الله تعالى شمس الدين بن عبد الله بن تمام «٣٠٨» ، والشيخان الأخوان شمس الدين محمد، وكمال الدين عبد الله ابنا ابراهيم بن عبد الله بن
стр. 310
أبي عمر المقدسي «٣٠٩» ، والشيخ العابد شمس الدين محمد بن أبي الزهراء بن سالم الهكّاري «٣١٠» والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمد ابن مسلمه بن سلامة الحراني «٣١١» والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي «٣١٢» ، كلّ هؤلاء أجازني إجازة عامة في سنة ست وعشرين بدمشق «٣١٣» .
стр. 311
الفصل الرابع الحجاز
من دمشق إلى مدينة الرسول المدينة والحرم الشريف أعيان المدينة وضواحيها من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة مكة والحرم الشريف
стр. 312
خريطة مسالك الحجاز
стр. 313
[إلى الحجاز]
... ولما استهل شوال من السنة المذكورة «١» خرج الركب الحجازي إلى خارج دمشق ونزلوا القرية المعروفة بالكسوة «٢» فأخذت في الحركة معهم، وكان أمير الركب سيف الدين الجوبان من كبار الأمراء»
، وقاضيه شرف الدين الأذرعىّ الحوراني «٤» ، وحج في تلك السنة مدرس المالكية صدر الدين الغماري «٥» ، وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة «٦» ، أميرهم محمد بن رافع «٧» كبير القدر في الأمراء، وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف بالصّنمين «٨» عظيمة، ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة «٩» ، وهي صغيرة من بلاد
стр. 314
حوران نزلنا بالقرب منها، ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى وهي صغيرة «١٠» ، ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعا ليلحق بهم من تخلف بدمشق لقضاء مأربه، وإلى بصرى وصل رسول الله ﷺ قبل البعث في تجارة خديجة، وبها مبرك ناقته، قد بني عليه مسجد عظيم، ويجتمع أهل حوران لهذه المدينة ويتزود الحاج منها، ثم يرحلون إلى بركة زيزة «١١» ويقيمون عليها يوما ثم يرحلون إلى اللّجون «١٢» وبها الماء الجاري، ثم يرحلون إلى حصن الكرك «١٣» ، وهو من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغراب، والوادي يطيف به من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل اليه في الحجر الصلد، ومدخل دهليزه كذلك وبهذا الحصن يتحصّن الملوك، وإليه يلجأون في النوايب، وله لجأ الملك الناصر «١٤» لأنه ولي الملك وهو صغير السنّ فإستولى على التدبير مملوكه سلار «١٥» النايب عنه فأظهر الملك الناصر أنه يريد الحج ووافقه الأمراء على ذلك فتوجه إلى الحج فلما وصل عقبة أيلة «١٦» لجأ إلى الحصن وأقام به أعواما إلى أن قصده أمراء الشام واجتمعت عليه المماليك.
стр. 315
نقوش من العقبة الكرك الأثرية
стр. 316
وكان قد ولى الملك في تلك المدة بيبرس الشّشنكير «١٧» ، وهو أمير الطعام، وتسمى بالملك المظفر، وهو الذي بنا الخانقاه البيبرسية «١٨» بمقربة من خانقاه سعيد السعداء التي بناها صلاح الدين ابن أيوب، فقصده الملك الناصر بالعساكر ففرّ بيبرس إلى الصحراء فتبعه العساكر وقبض عليه وأوتي به إلى الملك الناصر فأمر بقتله فقتل وقبض على سلار وحبس في جبّ حتى مات جوعا، ويقال: إنه أكل خفيه من الجوع، نعوذ بالله من ذلك! وأقام الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنيّة «١٩» وتجهزوا لدخول البرية، ثم ارتحلنا إلى معان «٢٠» وهو آخر بلاد الشام، ونزلنا من عقبة الصوّان «٢١» إلى الصحراء التي يقال فيها: داخلها مفقود وخارجها مولود، وبعد مسيرة يومين نزلنا ذات حجّ «٢٢» ، وهي حسيان لا عمارة بها، ثم إلى وادي بلدح «٢٣» ولا ماء به.
ثم إلى تبوك «٢٤» وهو الموضع الذي غزاه رسول الله ﷺ ، وفيها عين تبضّ بشيء من الماء، فلما نزلها رسول الله ﷺ وتوضأ منها جادت بالماء المعين، ولم تزل إلى هذا العهد ببركة رسول الله ﷺ .
стр. 317
ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك أخذوا أسلحتهم وجرّدوا سيوفهم وحملوا على المنزل وضربوا النخيل بسيوفهم، ويقولون: هكذا دخلها رسول الله ﷺ ، وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروى منها جميعهم ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك.
ومن عادة السقّائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال ويملأون الرّوايا والقرب «٢٥» ، ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماله وجمال أصحابه ويملأ رواياهم، وسواهم من النّاس يتّفق مع السقّائين على سقي جمله وملء قربته بشيء معلوم من الدراهم، ثم يرحل الركب من تبوك ويجدّون السير ليلا ونهارا خوفا من هذه البرّيّة، وفي سطها الوادي الأخيضر «٢٦» كأنه وادي جهنم أعادنا الله منها، وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السّموم التي تهبّ فانتشفت المياه، وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار، ومات مشتريها وبائعها، وكتب ذلك في بعض صخر الوادي! ومن هنالك ينزلون بركة المعظّم «٢٧» وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب ويجتمع بهاء ماء المطر في بعض السنين، وربما جفّ في بعضها، وفي الخامس من
стр. 318
أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر «٢٨» حجر ثمود «٢٩» ، وهي كثيرة الماء ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداء بفعل رسول الله ﷺ حيث مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأمر أن لا يسقى منها أحد، ومن عجن به أطعمه الجمال.
وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الاحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة. ومبرك ناقة صالح ﵇ بين جبلين هنالك وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا «٣٠» نصف يوم أو دونه، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة يقيم بها الحجاج أربعا، ويتزودون ويغسلون ثيابهم ويودعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون قدر الكفاية.
وأهل هذه القرية أصحاب أمانة. وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها «٣١» ويبايعون الحجاج بها الزاد وسواه، ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس «٣٢» ، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة، هبّت في بعض السنين على الركب فلم يخلص منهم إلا اليسير، وتعرف تلك السنة سنة الأمير الجالقي «٣٣» ، ومنه ينزلون هديّة «٣٤» وهي حسيان ماء بواد يحفرون به فيخرج الماء وهو زعاق، وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف.
стр. 319
طيبة «٣٥» مدينة رسول الله ﷺ وشرّف وكرم
وفي عشىّ ذلك اليوم دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا بباب السلام «٣٦» مسلّمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم، واستلمنا القطعة الباقية من الجذع «٣٧» الذي حنّ إلى رسول الله ﷺ وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة، وأدينا حق السلام على سيد الأولين والآخرين، وشفيع العصاة والمذنبين، الرّسول النبي الهاشمي الأبطحي محمد ﷺ تسليما وشرف وكرم، وحقّ السلام على ضجيعيه وصاحبيه: أبي بكر الصديق «٣٨» وأبي حفص عمر الفاروق ﵄، وانصرفنا إلى رحلنا مسرورين بهذه النعمة العظمى، مستبشرين بنيل هذه المنة الكبرى، حامدين لله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة، ومشاهده العظيمة المنيفة داعين أن لا يجعل ذلك آخر عهدنا بها وأن يجعلنا ممن قبلت زيارته، وكتبت في سبيل الله سفرته.
ذكر مسجد رسول الله ﷺ وروضته الشريفة
المسجد المعظم مستطيل تحفّه من جهاته الاربع، بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلّط بالحجر المنحوتة، والرّوضة المقدسة «٣٩» صلوات الله وسلامه على ساكنها، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان، وفي الصفحة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم، وهناك يقف الناس للسلام مستقبلين الوجه الكريم، مستدبرين القبلة
стр. 320
المسجد النبوي بالمدينة
следующие страницы →