Полный текст (1 410 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وكان قد ولى الملك في تلك المدة بيبرس الشّشنكير «١٧» ، وهو أمير الطعام، وتسمى بالملك المظفر، وهو الذي بنا الخانقاه البيبرسية «١٨» بمقربة من خانقاه سعيد السعداء التي بناها صلاح الدين ابن أيوب، فقصده الملك الناصر بالعساكر ففرّ بيبرس إلى الصحراء فتبعه العساكر وقبض عليه وأوتي به إلى الملك الناصر فأمر بقتله فقتل وقبض على سلار وحبس في جبّ حتى مات جوعا، ويقال: إنه أكل خفيه من الجوع، نعوذ بالله من ذلك! وأقام الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنيّة «١٩» وتجهزوا لدخول البرية، ثم ارتحلنا إلى معان «٢٠» وهو آخر بلاد الشام، ونزلنا من عقبة الصوّان «٢١» إلى الصحراء التي يقال فيها: داخلها مفقود وخارجها مولود، وبعد مسيرة يومين نزلنا ذات حجّ «٢٢» ، وهي حسيان لا عمارة بها، ثم إلى وادي بلدح «٢٣» ولا ماء به.
ثم إلى تبوك «٢٤» وهو الموضع الذي غزاه رسول الله ﷺ ، وفيها عين تبضّ بشيء من الماء، فلما نزلها رسول الله ﷺ وتوضأ منها جادت بالماء المعين، ولم تزل إلى هذا العهد ببركة رسول الله ﷺ .
стр. 317
ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك أخذوا أسلحتهم وجرّدوا سيوفهم وحملوا على المنزل وضربوا النخيل بسيوفهم، ويقولون: هكذا دخلها رسول الله ﷺ ، وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروى منها جميعهم ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك.
ومن عادة السقّائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال ويملأون الرّوايا والقرب «٢٥» ، ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماله وجمال أصحابه ويملأ رواياهم، وسواهم من النّاس يتّفق مع السقّائين على سقي جمله وملء قربته بشيء معلوم من الدراهم، ثم يرحل الركب من تبوك ويجدّون السير ليلا ونهارا خوفا من هذه البرّيّة، وفي سطها الوادي الأخيضر «٢٦» كأنه وادي جهنم أعادنا الله منها، وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السّموم التي تهبّ فانتشفت المياه، وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار، ومات مشتريها وبائعها، وكتب ذلك في بعض صخر الوادي! ومن هنالك ينزلون بركة المعظّم «٢٧» وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب ويجتمع بهاء ماء المطر في بعض السنين، وربما جفّ في بعضها، وفي الخامس من
стр. 318
أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر «٢٨» حجر ثمود «٢٩» ، وهي كثيرة الماء ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداء بفعل رسول الله ﷺ حيث مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأمر أن لا يسقى منها أحد، ومن عجن به أطعمه الجمال.
وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الاحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة. ومبرك ناقة صالح ﵇ بين جبلين هنالك وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا «٣٠» نصف يوم أو دونه، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة يقيم بها الحجاج أربعا، ويتزودون ويغسلون ثيابهم ويودعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون قدر الكفاية.
وأهل هذه القرية أصحاب أمانة. وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها «٣١» ويبايعون الحجاج بها الزاد وسواه، ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس «٣٢» ، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة، هبّت في بعض السنين على الركب فلم يخلص منهم إلا اليسير، وتعرف تلك السنة سنة الأمير الجالقي «٣٣» ، ومنه ينزلون هديّة «٣٤» وهي حسيان ماء بواد يحفرون به فيخرج الماء وهو زعاق، وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف.
стр. 319
طيبة «٣٥» مدينة رسول الله ﷺ وشرّف وكرم
وفي عشىّ ذلك اليوم دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا بباب السلام «٣٦» مسلّمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم، واستلمنا القطعة الباقية من الجذع «٣٧» الذي حنّ إلى رسول الله ﷺ وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة، وأدينا حق السلام على سيد الأولين والآخرين، وشفيع العصاة والمذنبين، الرّسول النبي الهاشمي الأبطحي محمد ﷺ تسليما وشرف وكرم، وحقّ السلام على ضجيعيه وصاحبيه: أبي بكر الصديق «٣٨» وأبي حفص عمر الفاروق ﵄، وانصرفنا إلى رحلنا مسرورين بهذه النعمة العظمى، مستبشرين بنيل هذه المنة الكبرى، حامدين لله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة، ومشاهده العظيمة المنيفة داعين أن لا يجعل ذلك آخر عهدنا بها وأن يجعلنا ممن قبلت زيارته، وكتبت في سبيل الله سفرته.
ذكر مسجد رسول الله ﷺ وروضته الشريفة
المسجد المعظم مستطيل تحفّه من جهاته الاربع، بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلّط بالحجر المنحوتة، والرّوضة المقدسة «٣٩» صلوات الله وسلامه على ساكنها، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان، وفي الصفحة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم، وهناك يقف الناس للسلام مستقبلين الوجه الكريم، مستدبرين القبلة
стр. 320
المسجد النبوي بالمدينة
стр. 321
فيسلمون وينصرفون يمينا إلى وجه أبي بكر الصديق، ورأس أبي بكر ﵁، عند قدمي رسول الله ﷺ ، ثم ينصرفون إلى عمر بن الخطاب، ورأس عمر عند كتفي أبي بكر ﵄.
وفي الجوفى من الروضة المقدسة زادها الله طيبا حوض صغير مرخّم في قبلته شكل محراب يقال إنه كان بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تسليما ويقال أيضا هو قبرها، والله أعلم «٤٠» .
وفي وسط المسجد الكريم دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة على سرداب له درج" يفضى إلى دار أبي بكر ﵁ خارج المسجد، وعلى ذلك السرداب كان طريق بنته عايشة أم المؤمنين ﵂ إلى داره، ولا شكّ أنه هو الخوخة التي ورد ذكرها في الحديث، وأمر النبي ﷺ تسليما بإبقائها وسدّ ما سواها، وبإزاء دار أبي بكر ﵁ دار عمر ودار ابنه عبد الله بن عمر «٤١» ﵄ وبشرقي المسجد الكريم دار إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس «٤٢» ﵁ وبمقربة من باب السلام سقاية ينزل إليها على درج ماؤها معين. وتعرف بالعين الزرقاء.
ذكر ابتداء بناء المسجد الكريم
قدم رسول الله ﷺ تسليما المدينة الشريفة دار الهجرة يوم الاثنين الثالث عشر من شهر ربيع الأول «٤٣» فنزل على بني عمرو بن عوف «٤٤» وأقام عندهم اثنتين وعشرين ليلة، وقيل أربع عشرة ليلة وقيل أربع ليال، ثم توجه إلى المدينة فنزل على بني النّجار
стр. 322
«٤٥» بدار أبي أيوب الأنصاري «٤٦» ﵁ وأقام عنده سبعة أشهر حتى بنى مساكنه ومسجده.
وكان موضع المسجد مربدا لسهل وسهيل ابنى رافع بن أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غنم ابن ملك بن النّجار وهما يتيمان في حجر أسعد بن زرارة ﵃ أجمعين، وقيل كانا في حجر أبي أيوب ﵁ فابتاع رسول الله ﷺ تسليما، ذلك المربد، وقيل بل أرضاهما أبو أيوب عنه، وقيل إنهما وهباه لرسول الله ﷺ تسليما، فبنى رسول الله ﷺ تسليما المسجد وعمل فيه مع أصحابه وجعل عليه حائطا ولم يجعل له سقفا ولا أساطين، وجعله مربّعا طوله مائة ذراع، وعرضه مثل ذلك، وقيل: إن عرضه كان دون ذلك، وجعل ارتفاع حائطه قدر القامة، فلما اشتد الحر تكلم أصحابه في تسقيفه فأقام له أساطين من جذوع النخل، وجعل سقفه من جريدها فلما أمطرت السماء وكف المسجد، فكلم أصحاب رسول الله ﷺ تسليما رسول الله ﷺ في عمله بالطين فقال: كلّا! عريش كعريش موسى أو ظلّة كظلّة موسى، والأمر أقرب من ذلك، قيل: وما ظلّة موسى؟ قال ﷺ : كان إذا قام أصاب السقف رأسه، وجعل للمسجد ثلاثة أبواب ثم سدّ الجنوبي منها حين حولت القبلة «٤٧» ، وبقى المسجد على ذلك حياة رسول الله ﷺ تسليما وحياة أبي بكر ﵁.
فلما كانت أيام عمر بن الخطاب ﵁ زاد في مسجد رسول الله ﷺ تسليما وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ تسليما يقول:
ينبغي أن نزيد في المسجد ما زدت فيه، فانزل أساطين الخشب وجعل مكانها أساطين اللّبن، وجعل الأساس حجارة إلى القامة وجعل الابواب ستة، منها في كلّ جهة ما عدا القبلة، بابان وقال في باب منها: ينبغي أن يترك هذا للنّساء، فما رىء فيه حتى لقى الله ، وقال:
стр. 323
لو زدنا في هذا المسجد حتى يبلغ الجبّانة لم يزل مسجد رسول الله ﷺ وتسليما.
وأراد عمر أن يدخل في المسجد موضعا للعباس عم رسول الله ﷺ تسليما ورضي عنهما فمنعه منه وكان فيه ميزاب يصبّ في المسجد، فنزعه عمر وقال: إنه يؤذي الناس، فنازعه العباس وحكّما بينهما أبي بن كعب ﵄ فأتيا داره فلم يؤذن لهما إلا بعد ساعة، ثم دخلا إليه فقال كانت جارتي تغسل رأسي، فذهب عمر ليتكلّم فقال له أبي: دع أبا الفضل يتكلّم لمكانه من رسول الله ﷺ تسليما، فقال العباس: خطّة خطها لي رسول الله ﷺ تسليما وبنيتها معه وما وضعت الميزاب إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله ﷺ ، فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد. فقال أبي: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله ﷺ تسليما يقول: أراد داوود ﵇ أن يبني بيت الله المقدس وكان فيه بيت ليتيمين فراودهما على البيع فأبيا ثم أرادهما فباعاه، ثم قاما بالغبن فردّ البيع واشتراه منهما، ثم ردّاه كذلك فاستعظم داود الثمن، فأوحى الله إليه: إن كنت تعطى من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى يرضيا، وان أغنى البيوت عن مظلمة بيت هو لي، وقد حرمت عليك بناءه، قال يا رب فأعطه سليمان، فأعطاه سليمان ﵇. فقال عمر من يشهد لي بأن رسول الله ﷺ تسليما قاله؟ فخرج أبي إلى قوم من الأنصار فأثبتوا له ذلك، فقال عمر ﵁: أما إني لو لم أجد غيرك أخذت قولك، ولكني أحببت أن أثبت، ثم قال للعباس ﵁، والله لا تردّ الميزاب إلا وقدماك على عاتقيّ، ففعل العباس ذلك ثم قال: أما إذ أثبتت لي فهي صدقة لله، فهدمها عمر وأدخلها في المسجد، ثم زاد فيه عثمان ﵁ وبناه بقوة وباشره بنفسه، فكان يظل فيه نهاره وبيّضه وأتقن محله بالحجارة المنقوشة، ووسعه من جهاته إلا جهة الشرق منها وجعل له سواري حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص وسقفه بالسّاج، وصنع له محرابا وقيل إن مروان هو أول من بنى المحراب، وقيل: عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد.
ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك، تولّى ذلك عمر بن عبد العزيز فوسعه وحسّنه وبالغ في إتقانه وعمله بالرخام والساج المذهب «٤٨» ، وكان الوليد بعث إلى ملك الروم: إني أريد أن
стр. 324
أبني مسجد نبينا ﷺ تسليما فأعنّي فيه. فبعث إليه الفعلة وثمانين ألف مثقال من الذهب «٤٩» ، وأمر الوليد بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ تسليما، فاشترى عمر من الدور ما زاده في ثلاث جهات من المسجد، فلما صار إلى القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله ابن عمر من بيع دار حفصة، وطال بينهما الكلام حتى ابتاعها عمر على أن لهم ما بقى منها، وعلى أن يخرجوا من باقيها طريقا إلى المسجد وهي الخوخة التي في المسجد.
وجعل عمر للمسجد أربع صوامع في أربعة أركانه: إحداهما مطلّة على دار مروان فلما حج سليمان بن عبد الملك نزل بها فأطل عليه المؤذن حين الآذان فأمر بهدمها «٥٠» .
وجعل عمر للمسجد محرابا ويقال: هو أوّل من أحدث المحراب، ثم زاد فيه المهدي «٥١» ابن أبي جعفر المنصور، وكان أبوه هم بذلك ولم يقض له، وكتب اليه الحسن بن زيد «٥٢» يرغّبه في الزيادة فيه من جهة الشرق، ويقول: إنه إن زيد في شرقية توسطت الروضة الكريمة المسجد الكريم، فاتّهمه أبو جعفر بأنه أراد هدم دار عثمان ﵁، فكتب إليه: إني قد عرفت الذي أردت فاكفف عن دار الشيخ عثمان. وأمر أبو جعفر أن يظلّل الصّحن أيام القيظ بستور تنشر على حبال ممدودة على خشب تكون في الصحن لتكنّ المصلين من الحر «٥٣» .
وكان طول المسجد في بناء الوليد مائتي ذراع، فبلّغه المهدي إلى ثلاثمائة ذراع وسوّى المقصورة بالأرض وكانت مرتفعة عنها بمقدار ذراعين، وكتب اسمه على مواضع من المسجد.
ثم أمر الملك المنصور قلاوون ببناء دار للوضوء عند باب السلام فتولى بناءها الأمير الصالح علاء الدين المعروف بالأقمر، وأقامها متسعة الفناء تستدير بها البيوت، وأجرى إليها
стр. 325
الماء، وأراد أن يبنى بمكة شرفها الله تعالى مثل ذلك، فلم يتمّ له، فبناه ابنه الملك الناصر بين الصّفا والمروة، وسيذكر إن شاء الله.
وقبلة مسجد رسول الله ﷺ تسليما قبلة قطع لأنه ﷺ تسليما أقامها، وقيل أقامها جبريل ﵇، وقيل كان جبريل يشير له إلى سمتها وهو يقيمها، وروي أن جبريل، ﵇، أشار إلى الجبال فتواضعت فتنحّت حتى بدت الكعبة، فكان ﷺ تسليما يبني وهو ينظر إليها عيانا، وبكل اعتبار فهي قبلة قطع، وكانت القبلة أول ورود النبي ﷺ تسليما المدينة إلى بيت المقدس، ثم حوّلت إلى الكعبة بعد ستة عشر شهرا، وقيل بعد سبعة عشر شهرا.
ذكر المنبر الكريم .
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ تسليما، كان يخطب إلى جذع نخلة بالمسجد فلما صنع له المنبر وتحوّل إليه، حنّ الجذع حنين الناقة إلى حوارها، وروى أنه ﷺ تسليما نزل إليه فإلتزمه فسكن، وقال: لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة.
واختلفت الروايات فيمن صنع المنبر الكريم فروى أن تميم الدّاري «٥٤» ﵁ هو الذي صنعه، وقيل: إن غلاما للعباس ﵁ صنعه، وقيل غلام لامرأة من الانصار، وورد ذلك في الحديث الصحيح، وصنع من طرفاء الغابة، وقيل من الأثل «٥٥» ، وكان له ثلاث درجات فكان رسول الله ﷺ تسليما يقعد على علياهن، ويضع رجليه الكريمتين في وسطاهن، فلما ولى أبو بكر الصديق ﵁ قعد على وسطاهن، وجعل رجليه على أولاهن، فلما ولى عمر ﵁ جلس على أولاهن وجعل رجليه على الأرض، وفعل ذلك عثمان ﵁ صدرا من خلافته ثم ترقى إلى الثالثة.
ولما أن صار الأمر إلى معاوية ﵁ أراد نقل المنبر إلى الشام فضجّ المسلمون وعصفت ريح شديدة وخسفت الشمس وبدت النجوم نهارا وأظلمت الأرض فكان الرجل يصادم الرجل ولا يتبيّن مسلكه، فلما رأى ذلك معاوية تركه وزاد فيه ستّ درجات من أسفله فبلغ تسع درجات «٥٦» .
стр. 326
ذكر الخطيب والامام بمسجد رسول الله ﷺ تسليما
وكان الامام بالمسجد الشريف في عهد دخولي إلى المدينة بهاء الدين بن سلامة «٥٧» من كبار أهل مصر، وينوب عنه العالم الصالح الزاهد بغية المشايخ عز الدين الواسطي «٥٨» ، نفع الله به، وكان يخطب قبله ويقضي بالمدينة الشريفة سراج الدين عمر المصري «٥٩» .
حكاية [سراج الدين وحلمه]
يذكر أن سراج الدّين هذا أقام في خطة القضاء بالمدينة والخطابة بها نحو أربعين سنة، ثم إنه أراد الخروج بعد ذلك إلى مصر فرأى رسول الله ﷺ تسليما في النوم ثلاث مرات، في كلّ مرة ينهاه عن الخروج منها، وأخبره باقتراب أجله فلم ينته عن ذلك، وخرج فمات بموضع يقال له السويس على مسيرة ثلاث من مصر قبل أن يصل اليها، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وكان ينوب عنه الفقيه عبد الله محمد بن فرحون، ﵀ وابناؤه الآن بالمدينة الشريفة: أبو محمد عبد الله مدرّس المالكية، ونائب الحكم، وأبو عبد الله محمد، وأصلهم من مدينة تونس، ولهم بها حسب وأصالة «٦٠» . وتولى الخطابة والقضاء بالمدينة الشريفة بعد ذلك جمال الدين الأسيوطي «٦١» من أهل مصر وكان قبل ذلك قاضيا بحصن الكرك.
стр. 327
ذكر خدام المسجد الشريف والمؤذنين به .
وخدام هذا المسجد الشريف وسدنته فتيان من الأحابيش وسواهم، وهم على هيأت حسان وصور نظاف، وملابس ظراف، وكبيرهم يعرف بشيخ الخدام، وهو في هيأة الأمراء الكبار، ولهم المرتبات بديار مصر والشام، ويوتي إليهم بها في كل سنة.
ورئيس المؤذنين بالحرم الشريف الإمام المحدث الفاضل جمال الدين المطري «٦٢» من مطرية قرية بمصر، وولده الفاضل عفيف الدين عبد الله، والشيخ المجاور الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد الغرناطي المعروف بالتّرّاس «٦٣» ، قديم المجاورة وهو الذي جبّ نفسه خوفا من الفتنة!
حكاية [هذا الشيخ الذي جب نفسه]
يذكر أن أبا عبد الله الغرناطي كان خديما لشيخ يسمى عبد الحميد العجمي، وكان الشيخ حسن الظن به يطمئن إليه بأهله وماله، ويتركه، متى سافر، بداره، فسافر مرة وتركه على عادته بمنزله فعلقت به زوجة الشيخ عبد الحميد وراودته عن نفسه فقال: إني أخاف الله ولا أخون من ائتمنني على أهله وماله! فلم تزل تراوده وتعارضه، حتى خاف على نفسه الفتنة وجبّ نفسه وغشى عليه ووجده الناس على تلك الحالة فعالجوه حتى برىء، وصار من خدام المسجد الكريم ومؤذنا به ورأس الطائفتين وهو باق بقيد الحياة إلى هذا العهد.
ذكر بعض المجاورين بالمدينة الشريفة .
منهم الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس أحمد بن محمد بن مرزوق «٦٤» كثير العبادة
стр. 328
والصوم والصلاة بمسجد رسول الله ﷺ تسليما صابر محتسب وكان ربما جاور بمكة المعظمة، رأيته بها سنة ثمان وعشرين وهو أكثر الناس طوافا وكنت أعجب من ملازمته الطواف مع شدة الحرّ بالمطاف، والمطاف مفروش بالحجارة السود وتصير بحر الشمس كأنها الصفائح المحماة، ولقد رأيت السقائين يصبّون الماء عليها فما يجاوز الموضع الذي يصبّ فيه إلا ويلتهب من حينه! وأكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب، وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين، ورأيته يوما يطوف فأحببت أن أطوف معه فوصلت المطاف وأردت استلام الحجر الأسود فلحقني لهب تلك الحجارة وأردت الرجوع بعد تقبيل الحجر فما وصلته إلا بعد جهد عظيم! ورجعت فلم أطف، وكنت أجعل سجادتي «٦٥» على الأرض وأمشي عليه حتى بلغت الرّواق.
وكان في ذلك العهد بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبو القاسم محمد بن محمد ابن الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك الأزدي «٦٦» ، وكان يطوف كل يوم سبعين أسبوعا «٦٧» ، ولم يكن يطوف في وقت القائلة لشدة الحر، وكان ابن مرزوق يطوف في شدة القائلة زيادة عليه.
ومن المجاورين بالمدينة، كرّمها الله، الشيخ الصالح العابد سعيد المراكشي الكفيف، ومنهم الشيخ أبو مهدي عيسى بن حرزوز «٦٨» المكناسي.
стр. 329
حكاية [شيخ تاه في الجبال]
جاور الشيخ أبو مهدي بمكة سنة ثمان وعشرين وخرج إلى جبل حراء مع جماعة من المجاورين فلما صعدوا الجبل وصلّوا بمتعبد النبي ﷺ تسليما، ونزلوا عنه تأخر أبو مهدي عن الجماعة ورأى طريقا في الجبل فظنه قاصدا فسلك عليه ووصل الصحابة إلى أسفل الجبل فانتظروه فلم يأت فتطلّعوا فيما حولهم فلم يروا له أثرا فظنوا أنه سبقهم فمضوا إلى مكة، شرفها الله تعالى، ومرّ عيسى على طريقه فأفضى به إلى جبل آخر وتاه عن الطريق، وأجهده العطش والحرّ وتمزّقت نعله فكان يقطع من ثيابه ويلفّ على رجليه إلى أن ضعف عن المشي واستظلّ بشجرة أن غيلان، فبعث الله أعرابيا على جمل حتّى وقف عليه، فاعلمه بحاله فأركبه وأوصله إلى مكة، وكان على وسطه هميان «٦٩» فيه ذهب فسلّمه إليه، وأقام نحو شهر لا يستطيع القيام على قدميه، وذهبت جلدتهما ونبتت لهما جلدة أخرى وقد جرا مثل ذلك لصاحب لي اذكره ان شاء الله.
ومن المجاورين بالمدينة الشريفة أبو محمد السّروي «٧٠» من القراء المحسنين، وجاور بمكة في السنة المذكورة، وكان يقرأ بها كتاب الشفاء للقاضي عياض «٧١» بعد صلاة الظهر وأمّ في التراويح بها، ومن المجاورين الفقيه أبو العباس الفاسي مدرس المالكية بها، وتزوّج ببنت الشيخ الصالح شهاب الدين الزّرندى.
حكاية [المرتكب الصّعب]
يذكر أن أبا العباس الفاسي تكلّم يوما مع بعض الناس فانتهى به الكلام إلى أن تكلم بعظيمة ارتكب فيها بسبب جهله بعلم النسب وعدم حفظه للسانه مرتكبا صعبا عفا الله عنه،
стр. 330
فقال: إن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵉ لم يعقّب، فبلغ كلامه إلى أمير المدينة طفيل بن منصور بن جمّاز الحسيني «٧٢» فأنكر كلامه، ويحقّ إنكاره، وأراد قتله، فكلّم فيه فنفاه عن المدينة، ويذكر أنه بعث من اغتاله، وإلى الآن لم يظهر له أثر نعوذ بالله من عثرات اللسان وزلله!
ذكر أمير المدينة الشريفة
كان أمير المدينة كبيش بن منصور ابن جماز «٧٣» ، وكان قد قتل عمه مقبلا، ويقال إنه توضأ بدمه ثم إن كبيشا خرج سنة سبع وعشرين، إلى الفلاة في شدة الحر ومعه أصحابه، فأدركتهم القائلة في بعض الأيام فتفرقوا تحت ظلال الأشجار فما راعهم إلا وأبناء مقبل في جماعة من عبيدهم ينادون: يا لثارات مقبل! فقتلوا كبيش بن منصور صبرا ولعقوا دمه! وتولى بعده أخوه طفيل بن منصور الذي ذكرنا أنه نفى أبا العبّاس الفاسي.
ذكر بعض المشاهد الكريمة بخارج المدينة الشريفة
فمنها بقيع الغرقد، وهو بشرقي المدينة المكرمة ويخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع، فأول ما يلقى الخارج إليه، على يساره عند خروجه من الباب قبر صفية بنت عبد المطلب، ﵄، وهي عمة رسول الله ﷺ تسليما، وأم الزّبير بن العوّام «٧٤» ﵁، وأمامها قبر إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس ﵁ وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء، وأمامه قبر السّلالة الطاهرة المقدسة النبوية الكريمة
стр. 331
إبراهيم بن رسول الله «٧٥» ﷺ تسليما وعليه قبّة بيضاء، وعن يمينها تربة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ﵄، وهو المعروف بأبي شحمة، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب ﵁، وقبر عبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب ﵄ «٧٦» ، وبإزائهم روضة يذكر أن قبور أمهات المؤمنين بها ﵅، ويليها روضة فيها قبر العباس بن عبد المطلب «٧٧» عم رسول الله ﷺ ، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الإحكام عن يمين الخارج من باب البقيع ورأس الحسن إلى رجلي العباس ﵉، وقبراهما مرتفعان عن الارض متسعان مغشّيان بالواح بديعة الالصاق مرصّعة بصفائح الصفر البديعة العمل، وبالبقيع قبور المهاجرين والأنصار وسائر الصّحابة ﵃ إلا أنها لا يعرف أكثرها، وفي آخر البقيع قبر أمير المؤمنين أبي عمر عثمان ابن عفّان ﵁، وعليه قبّة كبيرة «٧٨» ، وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ علي بن أبي طالب ﵄ وعن ابنها. ومن المشاهد الكريمة قباء، وهو قبلى المدينة على نحو ميلين منها، والطريق بينهما في حدائق النخل، وبه المسجد الذي أسس على التقوى والرضوان، وهو مسجد مربّع فيه صومعة بيضاء طويلة تظهر على البعد، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي ﷺ تسليما يتبرك الناس بالصلاة فيه، وفي الجهة القبلية من صحنه محراب على مصطبة وهو أول موضع ركع فيه النبي ﷺ تسليما، وفي قبلى المسجد دار كانت لأبي أيوب الانصاري ﵁، ويليها دور تنسب لأبي بكر وعمر وفاطمة وعائشة، ﵃ وبإزائه بئر أريس، وهي التي عاد ماؤها عذبا لما تفل فيه النبي صلى الله
стр. 332
عليه وسلم تسليما بعد أن كان أجاجا، وفيها وقع الخاتم الكريم من عثمان ﵁ «٧٩» .
ومن المشاهد قبة حجر الزيت بخارج المدينة الشريفة، يقال إن الزيت رشح من حجر هنالك للنبي ﷺ تسليما، وإلى جهة الشمال «٨٠» منه بئر بضاعة وبإزائها جبل الشيطان حيث صرخ يوم أحد وقال: قتل نبيكم، وعلى شفير الخندق الذي حفره النبي ﷺ تسليما «٨١» عند تحزب الأحزاب حصن خرب يعرف بحصن العزّاب يقال إن عمر بناه لعزّاب المدينة، وأمامه إلى جهة الغرب بئر رومة التي اشترى أمير المؤمنين عثمان ﵁ نصفها بعشرين ألفا «٨٢» .
ومن المشاهد الكريمة أحد «٨٣» وهو الجبل المبارك الذي قال فيه رسول الله ﷺ تسليما: إن أحدا جبل يحبّنا ونحبّه، وهو بجوفي المدينة الشريفة على نحو فرسخ منها، وبإزائه الشهداء المكرمون ﵃، وهنالك قبر حمزة عم رسول الله ﷺ تسليما ورضي الله عنه وحوله الشهداء المستشهدون في أحد ﵃، وقبورهم لقبلىّ أحد، وفي طريق أحد مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب ﵁.
стр. 333
ومسجد ينسب «٨٤» إلى سلمان الفارسي ﵁ ومسجد الفتح حيث أنزلت سورة الفتح على رسول الله ﷺ تسليما.
وكانت إقامتنا بالمدينة الشريفة في هذه الوجهة أربعة أيام، وفي كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم، والنّاس قد حلّقوا في صحنه حلقا وأوقدوا الشمع الكثير، وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه، وبعضهم يذكرون الله، وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة زادها الله طيبا، والحداة بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله ﷺ تسليما، وهكذا دأب الناس في تلك الليالي المباركة، ويجودون بالصّدقات الكثيرة على المجاورين والمحتاجين.
وكان في صحبتي في هذه الوجهة من الشام إلى المدينة الشريفة رجل من أهلها فاضل يعرف بمنصور بن شكل «٨٥» ، وأضافني بها، واجتمعنا بعد ذلك بحلب وبخاري، وكان في صحبتي أيضا قاضي الزيدية «٨٦» شرف الدين قاسم بن سنان، وصحبني أيضا أحد الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة يسمى بعلي بن حجر الأموي.
حكاية [الهاتف بالليل]
لما وصلنا إلى المدينة كرمها الله، وصلى الله على ساكنها أفضل الصلاة ذكر لي عليّ بن حجر المذكور أنه رأى تلك الليلة في النوم قائلا يقول له: اسمع مني واحفظ عني.
هنيئا لكم يا زائرين ضريحه ... أمنتم به يوم المعاد من الرجس
وصلتم إلى قبر الحبيب بطيبة ... فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي!
стр. 334
وجاور هذا الرجل بعد حجّه بالمدينة، ثم رحل إلى مدينة دهلى قاعدة بلاد الهند في سنة ثلاث وأربعين «٨٧» فنزل في جواري وذكرت حكاية رؤياه بين يدي ملك الهند، فأمر بإحضاره فحضر بين يديه، وحكى له ذلك فأعجبه واستحسنه وقال له كلاما جميلا بالفارسية، وأمر بإنزاله وأعطاه ثلاثمائة تنكة من ذهب، ووزن التنكة من دنانير المغرب ديناران ونصف دينار، وأعطاه فرسا محلّى السرج واللّجام وخلعة، وعيّن له مرتّبا في كل يوم.
وكان هناك فقيه طيّب من أهل غرناطة ومولده ببجاية يعرف هنالك بجمال الدين المغربي فصحبه علي بن حجر المذكور وواعده على أن يزوّجه بنته وأنزله بدويرة خارج داره واشترى جارية وغلاما، وكان يترك الدنانير في مفرش ثيابه ولا يطمئن بها لأحد فاتفقا:
الغلام والجارية على أخذ ذلك الذهب وأخذاه وهربا، فلما أتى الدار لم يجد لهما أثرا ولا للذهب، فامتنع من الطعام والشراب واشتد به المرض أسفا على ما جرى عليه، فعرضت قضيته بين يدي الملك فأمر أن يخلف له ذلك فبعث إليه من يعلمه بذلك فوجده قد مات رحمه الله تعالى.
وكان رحيلنا من المدينة، نريد مكة شرفهما الله، فنزلنا بقرب مسجد ذي الحليفة الذي أحرم «٨٨» منه رسول الله ﷺ تسليما، والمدينة منه على خمسة أميال، وهو منتهي حرم المدينة، وبالقرب منه وادي العقيق، وهنالك تجردت من مخيط الثياب، واغتسلت ولبست ثوب إحرامي، وصليت ركعتين وأحرمت بالحج مفردا «٨٩» ولم أزل ملبيا في كل سهل وجبل وصعود وحدور إلى أن أتيت شعب عليّ ﵇ «٩٠» ، وبه نزلت تلك الليلة، ثم
стр. 335
رحلنا منه ونزلنا بالرّوحاء «٩١» وبها بئر تعرف ببئر ذات العلم، ويقال إن عليا ﵇ قاتل بها الجن «٩٢» ، ثم رحلنا ونزلنا بالصفراء «٩٣» وهو واد معمور فيه ماء ونخل وبنيان وقصر يسكنه الشّرفاء الحسنيون وسواهم وفيها حصن كبير، وتواليه حصون كثيرة وقرى متصلة. ثم رحلنا منه ونزلنا ببدر «٩٤» حيث نصر الله رسوله ﷺ تسليما وأنجز وعده الكريم واستأصل صناديد المشركين، وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن منيع يدخل اليه من بطن واد بين جبال، وببدر عين فوّارة يجرى ماؤها، وموضع القليب الذي سحب به أعداء الله المشركون هو اليوم بستان وموضع الشهداء ﵃ خلفه، وجبل الرحمة الذي نزلت به الملائكة «٩٥» على يسار الداخل منه إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول، وهو شبه كثيب الرمل ممتد، ويزعم أهل تلك البلاد أنهم يسمعون هنالك مثل أصوات الطبول في كل ليلة جمعة، وموضع عريش رسول الله ﷺ الذي كان به يوم بدر يناشد ربّه جلّ وتعالى متصل بسفح جبل الطبول، وموضع الوقيعة أمامه، وعند نخل القليب مسجد يقال له مبرك ناقة النبي ﷺ تسليما، وبين بدر والصّفراء نحو بريد «٩٦» في واد بين جبال تطرّد فيه العيون وتتصل حدائق النخل.
ورحلنا من بدر إلى الصحراء المعروفة بقاع البزواء «٩٧» وهي برية يضل بها الدليل، ويذهل عن خليله الخليل، مسيرة ثلاث، وفي منتهاها وادي رابغ يتكون فيه بالمطر غدران يبقى
стр. 336
بها الماء زمانا طويلا، ومنه يحرم حجاج مصر والمغرب وهو دون الجحفة «٩٨» .
وسرنا من رابغ ثلاثا إلى خليص «٩٩» ، ومررنا بعقبة السّويق وهي على مسافة نصف يوم من خليص كثيرة الرمل، والحجاج يقصدون شرب السّويق بها ويستصحبونه من مصر والشّام برسم ذلك، ويسقونه الناس مخلطا بالسكر، والأمراء يملأون منه الأحواض ويسقونه الناس ويذكر أن رسول الله ﷺ مرّ بها ولم يكن مع أصحابه طعام فأخذ من رملها فأعطاهم إياه فشربوه سويقا.
ثم نزلنا بركة خليص «١٠٠» وهي في بسيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها حصن مشيد في قنّة جبل، وفي البسيط حصن خرب وبها عين فوارة قد صنعت لها أخاديد في الأرض وسربت إلى الضياع، وصاحب خليص شريف حسني النسب، وعرب تلك الناحية يقيمون هنالك سوقا عظيمة يجلبون إليها الغنم والتمر والإدام.
ثم رحلنا إلى عسفان «١٠١» وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار ماء معين تنسب إحداها إلى عثمان بن عفان ﵁، والمدرّج المنسوب إلى عثمان أيضا على مسافة نصف يوم من خليص، وهو مضيق بين جبلين وفي موضع منه بلاط على صورة درج وأثر عمارة قديمة، وهنالك بئر تنسب إلى عليّ ﵇ ويقال إنه أحدثها.
وبعسفان حصن عتيق وبرج مشيد قد أوهنه الخراب وبه من شجر المقل «١٠٢» كثير.
стр. 337
ثم رحلنا من عسفان ونزلنا بطن مرّ ويسمى أيضا مرّ الظهران «١٠٣» ، وهو واد مخصب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة تسقى تلك النّاحية، ومن هذا الوادي تجلب الفواكه والخضر إلى مكة شرفها الله تعالى.
ثم أدلجنا من هذا الوادي المبارك والنفوس مستبشرة ببلوغ أمالها، مسرورة بحالها ومآلها، فوصلنا عند الصباح إلى البلد الأمين مكة شرفها الله تعالى فوردنا منها على حرم الله تعالى ومبوّأ خليله ابراهيم، ومبعث صفيه محمد ﷺ ، ودخلنا البيت الحرام الشريف الذي من دخله كان آمنا. من باب بني شيبة «١٠٤» ، وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيما وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنّة الرّضوان، وطفنا بها طواف «١٠٥» القدوم واستلمنا الحجر الكريم، وصلّينا ركعتين بمقام ابراهيم، وتعلّقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، بين الباب والحجر الأسود حيث يستجاب الدعاء، وشربنا من ماء زمزم، وهو لما شرب له، حسبما ورد عن النبي ﷺ تسليما، ثم سعينا بين الصفا والمروة ونزلنا هنالك بدار بمقربة من باب إبراهيم، والحمد لله الذي شرفنا بالوفادة على هذا البيت الكريم وجعلنا ممن بلغته دعوة الخليل عليه الصلاة والتسليم، ومتّع أعيننا بمشاهدة الكعبة الشريفة والمسجد العظيم والحجر «١٠٦» والحجر الكريم، وزمزم والحطيم.
ومن عجائب صنع الله تعالى أنّه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبّها متمكنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلّا أسفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين ومحبتها حشو القلوب حكمة من
стр. 338
الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله ﵇، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها، ويشاهد التّلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة، ولا كابد محنة ولا نصبا، إنه لأمر إلاهي، وصنع ربّاني، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة، ولا يطرقها تمويه، تقوى بصيرة المستبصر وتسدد فكرة المتفكر «١٠٧» . ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء، فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى، وخوّله خير الدارين: الدنيا والأخرى، فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه، جعلنا الله تعالى ممّن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته، وكتبت في سبيل الله آثاره، ومحيت بالقبول أوزاره بمنّه وكرمه.
ذكر مدينة مكة المعظمة
وهي «١٠٨» مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحفّ به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليه ليست بمفرطة الشموخ، والأخشبان «١٠٩» من جبالها: هما جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها، وجبل قعيقعان وهو في جهة الغرب «١١٠» . منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر، ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر، وأجياد الأصغر وهما شعبان «١١١» والخندمة وهي جبل وستذكر، والمناسك كلّها منى
стр. 339
منظر عام للحرم الشريف ومكة المكرمة (١٧٨٧) م
стр. 340
وعرفة. والمزدلفة بشرقي مكة شرفها الله. ولمكة من الأبواب ثلاث باب المعلى بأعلاها، وباب الشّبيكة من أسفلها ويعرف أيضا بباب الزاهر وبباب العمرة وهو إلى جهة المغرب وعليه طريق المدينة الشريفة ومصر والشام وجدة، ومنه يتوجه إلى التنعيم، وسيذكر ذلك، وباب المسفل وهو من جهة الجنوب، ومنه دخل خالد بن الوليد ﵁ يوم الفتح.
ومكة شرفها الله، كما أخبر الله في كتابه العزيز حاكيا عن نبيه الخليل، بواد غير ذي زرع، ولكن سبقت لها الدعوة المباركة فكل طرفة تجلب إليها، وثمرات كل شيء تجبى لها «١١٢» .
ولقد أكلت بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرّطب مالا نظير له في الدنيا، وكذلك البطّيخ المجلوب اليها لا يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه، وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف «١١٣» ووادي نخلة وبطن مرّ، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق.
ذكر مسجد الحرام شرفه الله وكرمه
والمسجد الحرام في وسط البلد وهو متسع الساحة طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع، حكى ذلك الأزرقي «١١٤» ، وعرضه يقرب من ذلك والكعبة العظمى في وسطه، ومنظره بديع، ومرآه جميل، لا يتعاطى اللّسان وصف بدائعه، ولا يحيط الواصف بحسن كماله، وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراعا وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلاثة صفوف بأتقن صناعة وأجملها، وقد انتظمت بلاطاته الثلاثة انتظاما عجيبا كأنها بلاد واحد، وعدد سواريه الرخامية أربعمائة واحدى وتسعون سارية «١١٥» ما عدا الجصيّة التي في دار النّدوة
стр. 341
«١١٦» المزيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ في الشمال «١١٧» ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وفضاؤها متصل يدخل من هذا البلاط إليه، ويتصل بجدار هذا البلاط مساطب تحت قسّي حنايا يجلس بها المقرؤون والنساخون والخياطون، وفي جدار البلاط الذي يقابله مساطب تماثلها، وسائر البلاطات تحت جداراتها مساطب دون حنايا، وعند باب إبراهيم «١١٨» مدخل من البلاط الغربي فيه سواري جصّية وللخليفة المهدي محمد بن الخليفة أبي جعفر المنصور ﵄ آثار كريمة في توسيع المسجد الحرام وإحكام بنائه وفي أعلى جدار البلاط الغربي مكتوب: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة المسجد الحرام لحاج بيت الله وعمّاره في سنة سبع وستين ومائة «١١٩» .
ذكر الكعبة المعظمة الشريفة زادها الله تعظيما وتكريما
والكعبة ماثلة في وسط المسجد وهي بنية مربعة ارتفاعها في الهواء من الجهات الثلاث ثمان وعشرون ذراعا، ومن الجهة الرابعة التي بين الحجر الأسود والركن اليماني تسع وعشرون ذراعا وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الحجر الأسود أربعة وخمسون شبرا، وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الرّكن اليماني إلى الركن الشامي وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الركن الشامي، من داخل الحجر ثمانية وأربعون شبرا، وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الركن الشامي إلى الركن العراقي، وأما خارج الحجر فإنه مائة وعشرون شبرا. والطواف إنما هو خارج الحجر، وبناؤها بالحجارة الصم السمر قد ألصقت بأبدع الإلصاق واحكمه واشده فلا تغيرها الأيام، ولا تؤثر فيها الأزمان، وباب الكعبة المعظمة في الصفح الذي بين الحجر الاسود والركن العراقي، وبينه وبين الحجر الاسود عشرة أشبار، وذلك الموضع هو المسمى بالملتزم حيث يستجاب الدعاء، وارتفاع الباب عن الأرض أحد عشر شبرا ونصف شبر، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا، وعرض الحائط الذي ينطوي عليه خمسة أشبار وهو مصفح بصفائح الفضّة، بديع الصنعة وعضادتاه
стр. 342
وعتبته العليا مصفّحات بالفضة وله نقّارتان كبيرتان من فضة عليهما قفل، ويفتح الباب الكريم في كل يوم جمعة بعد الصلاة، ويفتح في يوم مولد رسول الله ﷺ تسليما «١٢٠» ورسمهم في فتحه أن يضعوا كرسيا شبه المنبر، له درج وقوايم خشب لها أربع بكرات، يجري الكرسي عليها ويلصقونه إلى جدار الكعبة الشريفة فيكون درجه الأعلى متصلا بالعتبة الكريمة، ثم يصعد كبير الشّيبيين «١٢١» وبيده المفتاح الكريم ومعه السّدنة فيمسكون الستر المسبل على باب الكعبة المسمّى بالبرقع بخلال ما يفتح رئيسهم الباب، فإذا فتحه قبّل العتبة الشريفة ودخل البيت وحده وسدّ الباب، وأقام قدر ما يركع ركعتين، ثم يدخل سائر الشيبيين ويسدون الباب أيضا ويركعون، ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء ذلك يقفون مستقبلين الباب الكريم بأبصار خاشعة، وقلوب ضارعة، وأيدي مبسوطة إلى الله تعالى فإذا فتح كبّروا ونادوا: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. وداخل الكعبة الشريفة مفروش بالرخام المجزّع، وحيطانه كذلك، وله أعمدة ثلاثة طوال مفرطة الطول من خشب الساج، بين كلّ عمود منها وبين الآخر أربع خطى وهي متوسطة في الفضاء داخل الكعبة الشريفة يقابل الاوسط منها نصف عرض الصفح الذي بين الركنين اليمني «١٢٢» والشامي.
وستور الكعبة الشريفة من الحرير الأسود مكتوب فيها بالأبيض «١٢٣» وهي تتلألأ، عليها نورا وإشراقا وتكسو جميعها من الأعلى إلى الأرض، ومن عجائب الآيات في الكعبة الكريمة أن بابها يفتح والحرم غاصّ بأمم لا يحصيها الا الله الذي خلقهم ورزقهم فيدخلونها أجمعون ولا تضيق عنهم، ومن عجائبها أنها لا تخلو عن طائف أبدا ليلا ولا نهارا، ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف، ومن عجائبها أن حمام مكة على كثرته وسواه من الطير لا ينزل عليها ولا يعلوها في الطّيران، وتجد الحمام يطير على أعلى الحرم كلّه فإذا حاذي الكعبة الشريفة عرّج عنها إلى إحدى الجهات ولم يعلها، ويقال إنه لا ينزل عليها طائر إلا إذا كان به مرض، فإما أن يموت لحينه أو يبرأ من مرضه، فسبحان الذي خصّها بالتشريف والتكريم، وجعل لها المهابة والتعظيم.
стр. 343
ذكر الميزاب المبارك
والميزاب في أعلى الصفح الذي على الحجر وهو من الذّهب، وسعته شبر واحد، وهو بارز بمقدار ذراعين «١٢٤» والموضع الذي تحت الميزاب مظنة استجابة الدعاء، وتحت الميزاب في الحجر هو قبر إسماعيل ﵇، وعليه رخامة خضراء مستطيلة على شكل محراب متصلة برخامة خضراء مستديرة، وكلتاهما سعتها مقدار شبر ونصف شبر، وكلتاهما غريبة الشكل رائقة المنظر، وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر ﵍، وعلامته رخامة خضراء مستديرة سعتها مقدار شبر ونصف وبين القبرين سبعة أشبار.
ذكر الحجر الأسود
وأما الحجر فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار فالطويل من الناس يتطأ من لتقبيله، والصغير يتطاول إليه، وهو ملصق في الركن الذي إلى جهة المشرق، وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقد، ولا يعلم قدر ما دخل منه في الركن، وفيه أربع قطع ملصقة، ويقال: إن القرمطي لعنه الله، كسره «١٢٥» وقيل: إن الذي كسره سواه ضربه بدبّوس فكسره «١٢٦» ، وتبادر الناس إلى قتله، وقتل بسببه جماعة من المغاربة «١٢٧» . وجوانب الحجر مشدودة بصفيحة فضة يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم فتجتلي منه العيون حسنا باهرا، ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم ويود لاثمه أن لا يفارق لثمه، خاصيّة مودعة فيه وعناية ربانية به وكفى قول رسول الله ﷺ : إنه يمين الله في أرضه نفعنا الله باستلامه ومصافحته وأوفد عليه كلّ شيق اليه.
стр. 344
وفي القطعة الصحيحة من الحجر الاسود مما يلي جانبه الموالي ليمين مستلمة نقطة بيضاء صغيرة مشرقة كأنها خال في تلك الصفحة البهية، وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحاما على تقبيله، فقلما يتمكن أحد من ذلك إلا بعد المزاحمة الشديدة «١٢٨» ، وكذلك يصنعون عند دخول البيت الكريم، ومن عند الحجر الأسود مبتدأ الطواف، وهو أول الاركان التي يلقاها الطائف، فإذا استلمه تقهقر عنه قليلا وجعل الكعبة الشريفة عن يساره ومضى في طوافه ثم يلقى بعده الركن العراقي وهو إلى جهة الشمال ثم يلقى الركن الشامي وهو إلى جهة الغرب ثم يلقى الركن اليماني وهو إلى جهة الجنوب، ثم يعود إلى الحجر الأسود وهو إلى جهة الشرق.
ذكر المقام الكريم
إعلم أن بين باب الكعبة شرّفها الله وبين الركن العراقي موضعا «١٢٩» طوله اثنا عشر شبرا وعرضه نحو النصف من ذلك وارتفاعه نحو شبرين، وهو موضع المقام في مدّة إبراهيم ﵇، ثم صرفه النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلّى، وبقى ذلك الموضع شبه الحوض، وإليه ينصبّ ماء البيت الكريم إذا غسل «١٣٠» وهو موضع مبارك يزدحم الناس للصلاة فيه.
وموضع المقام الكريم يقابل ما بين الركن العراقي والباب الكريم، وهو إلى الباب أميل وعليه قبّة تحتها شباك حديد متجاف عن المقام الكريم قدر ما تصل أصابع الإنسان إذا أدخل يده من ذلك الشباك إلى الصندوق، والشباك مقفل، ومن ورائه موضع محوز قد جعل مصلّى لركعتي الطواف، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ تسليما لمّا دخل المسجد أتى البيت فطاف به سبعا ثم أتى المقام، فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى «١٣١» ، وركع خلفه ركعتين، وخلف المقام مصلّى إمام الشافعية في الحطيم الذي هنالك.
стр. 345
ذكر الحجر والمطاف .
ودور جدار الحجر تسع وعشرون خطوة، وهي أربعة وتسعون شبرا من داخل الدائرة، وهو بالرخام البديع المجزّع المحكم الإلصاق، وارتفاعه خمسة أشبار ونصف شبر، وسعته أربعة أشبار ونصف شبر، وداخل الحجر بلاط واسع مفروش بالرخام المجزّع المنظم المعجز الصنعة، البديع الإتقان، وبين جدار الكعبة الشريفة الذي تحت الميزاب وبين ما يقابله من جدار الحجر على خط استواء أربعون شبرا. وللحجر مدخلان: أحدهما: بينه وبين الركن العراقي وسعته ستة أذرع، وهذا الموضع هو الذي تركته قريش من البيت حين بنته، كما جاءت الآثار الصّحاح، والمدخل الآخر عند الركن الشامي وسعته أيضا ستة أذرع، وبين المدخلين ثمانية وأربعون شبرا.
وموضع الطواف مفروش بالحجارة السود محكمة الإلصاق، وقد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام الكريم فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به، وسائر الحرم مع البلاطات مفروش برمل أبيض، وطواف النساء، في آخر الحجارة المفروشة.
ذكر زمزم المباركة
وقبّة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود، وبينهما أربع وعشرون خطوة والمقام الكريم عن يمين القبة، ومن ركنها إليه عشر خطا، وداخل القبة مفروش بالرخام الأبيض، وتنّور البئر المباركة في وسط القبة مائلا إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة، وهو من الرّخام البديع الإلصاق مفروغ بالرصاص، ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف شبر، وعمق البئر إحدى عشرة قامة. وهم يذكرون أن ماءها يتزايد في كل ليلة جمعة «١٣٢» ، وباب القبة إلى جهة الشرق، وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر وعمقها مثل ذلك، وارتفاعها عن الأرض نحو خمسة أشبار تملأ ماء الوضوء وحولها مسطبة دائرة يقعد الناس عليها للوضوء.
ويلي قبة زمزم، قبّة الشراب المنسوبة إلى العباس ﵁ «١٣٣» ، وبابها إلى
стр. 346
جهة الشمال، وهي الآن يجعل بها ماء زمزم في قلال يسمونها الدّوارق «١٣٤» ، وكلّ دورق له مقبض واحد، وتترك بها ليبرد فيها الماء فيشربه الناس.
وبها اختزان المصاحف الكريمة والكتب التي للحرم الشريف، وبها خزانة تحتوي على تابوت مبسوطة متسع فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت «١٣٥» ﵁ منتسخ سنة ثمان عشرة من وفاة رسول الله ﷺ تسليما، «١٣٦» وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الكريم وفتحوا باب الكعبة الشريفة ووضعوه على العتبة الشريفة ووضعوا في مقام إبراهيم ﵇، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز فلا ينفصلون إلا وقد تداركهم الله برحمته، وتغمدهم بلطفه.
ويلي قبة العباس ﵁ على انحراف منها القبّة المعروفة بقبة اليهودية «١٣٧»
ذكر أبواب المسجد الحرام وما دار به من المشاهد الشريفة .
وأبواب المسجد الحرام شرّفه الله تعالى تسعة عشر بابا، وأكثرها مفتحة على أبواب كثيرة، فمنها باب الصّفا وهو مفتح على خمسة أبواب وكان قديما يعرف بباب بني مخزوم «١٣٨» ، وهو أكبر أبواب المسجد، ومنه يخرج إلى المسعى، ويستحب للوافد على مكة أن يدخل للمسجد الحرام شرّفه الله من باب بني شيبة ويخرج بعد طوافه من باب الصّفا جاعلا طريقه بين الاسطوانتين اللتين أقامهما أمير المؤمنين المهدي ﵀ علما على طريق رسول الله ﷺ تسليما إلى الصفا.
стр. 347
ومنها باب أجياد الأصغر «١٣٩» مفتح على بابين، ومنها باب الخياطين مفتح على بابين، ومنها باب العباس ﵁ مفتح على ثلاثة أبواب «١٤٠» ، ومنها باب النبي ﷺ تسليما «١٤١» مفتح على بابين، ومنها باب بني شيبة «١٤٢» ، وهو في ركن الجدار الشرقي من جهة الشمال أمام باب الكعبة الشريفة متياسرا وهو مفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء، ومنها باب صغير إزاء باب بني شيبة لا اسم له، وقيل يسمى باب الرّباط «١٤٣» لأنه يدخل منه لرباط السّدرة، ومنها باب الندوة، ويسمى بذلك ثلاثة أبواب: اثنان منتظمان والثالث في الركن الغربي من دار الندوة، ودار الندوة قد جعلت مسجدا شارعا في الحرم مضافا إليه وهي تقابل الميزاب، ومنها باب صغير لدار العجلة «١٤٤» ، محدث، ومنها باب السدّة «١٤٥» واحد، ومنها باب العمرة «١٤٦» واحد، وهو من أجمل أبواب الحرم، ومنها باب إبراهيم «١٤٧» واحد، والناس مختلفون في تسميته: فبعضهم ينسبه إلى إبراهيم الخليل ﵇، والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيم الخوزي من الأعاجم «١٤٨» ، ومنها باب الحزورة «١٤٩» مفتح على بابين، ومنها باب أجياد الأكبر «١٥٠» مفتّح على بابين، ومنها باب ينسب إلى أجياد أيضا مفتح على بابين
стр. 348
«١٥١» ، وباب ثالث ينسب إليه مفتّح على بابين، ويتصل لباب الصفا، ومن الناس من ينسب البابين من هذه الاربعة المنسوبة للأجياد إلى الدقّاقين «١٥٢» .
وصوامع المسجد الحرام خمس «١٥٣» إحداهنّ على ركن أبي قبيس عند باب الصفا، والأخرى على ركن باب بني شيبة، والثالثة على باب دار الندوة، والرابعة على ركن باب السّدّة، والخامسة على ركن أجياد.
وبمقربة من باب العمرة مدرسة عمّرها السلطان المعظم يوسف ابن رسول ملك اليمن المعروف بالملك المظفر الذي تنسب إليه الدراهم المظفرية باليمن، وهو كان يكسو الكعبة إلى أن غلبه على ذلك الملك المنصور «١٥٤» قلاوون.
وبخارج باب إبراهيم زاوية كبيرة فيها دار إمام المالكية الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل «١٥٥» ، وعلى باب إبراهيم قبة عظيمة مفرطة السمو قد صنع في
стр. 349
داخلها من غرائب صنع الجص ما يعجز عنه الوصف، وبإزاء هذا الباب عن يمين الداخل إليه كان يقعد الشيخ العابد جلال الدين محمد بن أحمد الأقشهري «١٥٦» ، وخارج باب إبراهيم بئر تنسب كنسبته، وعنده أيضا دار الشيخ الصالح دانيال العجمي الذي كانت صدقات العراق في أيام السلطان أبي سعيد «١٥٧» تأتي على يديه، وبمقربة منه رباط الموفّق، وهو من أحسن الرّباطات، وسكنته أيام مجاورتي بمكة العظيمة، وكان به في ذلك العهد الشيخ الصالح أبو عبد الله الزواوي «١٥٨» المغربي، وسكن به أيضا الشيخ الصالح الطيار سعادة الجوّاني، ودخل يوما إلى بيته بعد صلاة العصر فوجد ساجدا مستقبل الكعبة الشريفة ميتا من غير مرض كان به، ﵁، وسكن به الشيخ الصالح شمس الدين محمد الشامي نحوا من أربعين سنة، وسكن به الشيخ الصالح شعيب المغربي «١٥٩» من كبار الصالحين، دخلت عليه يوما فلم يقع بصري في بيته على شيء سوى حصير فقلت له في ذلك، فقال لي: أستر عليّ ما رأيت.
وحول الحرم الشريف دور كثيرة لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم، وأهلها في مشاهدة البيت الشريف على الدوام، ودور لها أبواب تفضي إلى الحرم، منها دار زبيدة زوج الرشيد أمير المؤمنين «١٦٠» ، ومنها دار العجلة ودار الشرابي وسواها.
ومن المشاهد الكريمة بمقربة من المسجد الحرام قبة الوحي ودار خديجة أم المؤمنين ﵂ بمقربة من باب النبي ﷺ ، وفي البيت قبة صغيرة حيث ولدت
стр. 350
فاطمة ﵍ «١٦١» ، وبمقربة منها دار أبي بكر الصديق ﵁، ويقابلها جدار مبارك فيه حجر مبارك بارز طرفه من الحائط يستلمه الناس ويقال له، إنه كان يسلّم على النبي ﷺ ، ويذكر أن النبي ﷺ تسليما جاء يوما إلى دار أبي بكر الصديق ولم يكن حاضرا فنادى به النبي ﷺ تسليما فنطق ذلك الحجر وقال يا رسول الله: إنه ليس بحاضر.
ذكر الصفا والمروة
ومن باب الصفا الذي هو أحد أبواب المسجد الحرام إلى الصفا ست وسبعون خطوة، وسعة الصفا سبعة عشرة خطوة وله أربع عشرة درجة، عليا هنّ كأنها مسطبة، وبين الصفا والمروة أربعمائة وثلاث وتسعون خطوة، منها من الصفا إلى الميل الأخضر ثلاث وتسعون خطوة، ومن الميل الأخضر إلى الميلين الأخضرين خمس وسبعون خطوة، ومن الميلين الأخضرين إلى المروءة ثلاث مائة وخمس وعشرون خطوة، وللمروة خمس درجات، وهي ذات قوس واحد كبير، وسعة المروة سبع عشرة خطوة، والميل الأخضر هو سارية خضراء مثبتة مع ركن الصومعة التي علي الركن الشرقي من الحرم عن يسار الساعي إلى المروة، والميلان الأخضران هما ساريتان خضروان إزاء باب عليّ، من أبواب الحرم، إحداهما في جدار الحرم عن يسار الخارج من الباب، والأخرى تقابلها، وبين الميل الأخضر والميلين الأخضرين يكون الرّمل ذاهبا وعائدا، وبين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيمة يباع فيها الحبوب واللحم والتمر والسمن وسواها من الفواكه، والسّاعون بين الصفا والمروة لا يكادون يخلصون لإزدحام الناس على حوانيت الباعة، وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه إلا البزّازون والعطارون عند باب بني شيبة.
وبين الصفا والمروة دار العباس ﵁ وهي الآن رباط يسكنه المجاورون، عمّره الملك الناصر ﵀، وبنى أيضا دار وضوء فيما بين الصفا والمروة سنة ثمان وعشرين، وجعل لها بابين أحدهما في السوق المذكورة والأخر في سوق العطارين، وعليها
стр. 351
ربع يسكنه خدامها، وتولى بناء ذلك الأمير علاء الدين بن هلال «١٦٢» ، وعن يمين المروة دار أمير مكة سيف الدين عطيفة بن أبي نمي وسنذكره.
ذكر الجبّانة المباركة
وجبّانة مكة خارج باب المعلى، ويعرف ذلك الموضع أيضا بالحجون وإياه عنى الحارث بن مضاض الجرهمي «١٦٣» بقوله:
كأن لم يكن بين الحجون «١٦٤» إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى! نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر!!
وبهذه الجبّانة مدفن الجم الغفير من الصحابة والتابعين، والعلماء والصالحين، والأولياء إلا أن مشاهدهم دثرت وذهب عن أهل مكة علمها فلا يعرف منها إلا القليل، فمن المعروف منها قبر أم المؤمنين، ووزيرة سيد المرسلين، خديجة بنت خويلد أم أولاد النبي ﷺ تسليما كلّهم ما عدا إبراهيم، وجدّة السّبطين الكريمين، صلوات الله وسلامه على النبي ﷺ تسليما، وعليهم أجمعين، وبمقربة منه قبر الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور «١٦٥» عبد الله بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ أجمعين، وفيها الموضع الذي صلّب فيه عبد الله بن الزّبير «١٦٦» ﵄، وكان به
стр. 352
بنيّة هدمها أهل الطائف غيرة منهم لما كان يلحق حجّاجهم البئيس «١٦٧» من اللّعن، وعن يمين مستقبل الجبّانة مسجد خرب يقال: إنه المسجد الذي بايعت الجنّ فيه رسول الله ﷺ تسليما «١٦٨» وعلى هذه الجبّانة طريق الصاعد إلى عرفات وطريق الذاهب إلى الطائف وإلى العراق.
ذكر بعض المشاهد خارج مكة
فمنها الحجون وقد ذكرناه، ويقال أيضا: إن الحجون هو الجبل المطل على الجبّانة، ومنها المحصّب «١٦٩» وهو أيضا الأبطح وهو يلي الجبّانة المذكورة، وفيه خيف بني كنانة الذي نزل به رسول الله ﷺ تسليما «١٧٠» ، ومنها ذو طوى «١٧١» وهو وادي يهبط على قبور المهاجرين التي بالحصحاص دون ثنيّة كداء، ويخرج منه إلى الأعلام الموضوعة حجزا بين الحلّ والحرم «١٧٢» ، وكان عبد الله ابن عمر ﵁ إذا قدم مكة شرّفها الله تعالى يبيت بذي طوى ثم يغتسل منه ويغدو إلى مكة، ويذكر أن رسول الله ﷺ تسليما فعل ذلك، ومنها ثنية كدى بضم الكاف «١٧٣» ، وهي بأعلى مكة ومنها دخل رسول الله ﷺ تسليما في حجة الوداع، إلى مكة، ومنها ثنية كداء، بفتح الكاف، ويقال لها الثنية البيضاء، وهي بأسفل مكة، ومنها خرج رسول الله ﷺ تسليما عام الوداع وهي بين جبلين، وفي مضيقها كوم حجارة موضوع على الطريق وكلّ من يمر به يرجمه بحجر، ويقال إنه قبر أبي لهب، وزوجه حمالة الحطب «١٧٤» . وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب إذا صدروا عن منى، وبمقربة من هذا الموضع على نحو ميل من مكة شرفها الله مسجد بإزائه حجر موضوع على الطريق كأنه مسطبة، يعلوه حجر آخر كان فيه نقش فدثر رسمه يقال: إن النبي ﷺ تسليما قعد بذلك
стр. 353
الموضع مستريحا عند مجيئه من عمرته فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه. ومنها التنعيم، وهو على فرسخ من مكة، ومنه يعتمر أهل مكة وهو أدنى الحلّ إلى الحرم، ومنه اعتمرت أم المومنين عائشة ﵂ حين بعثها رسول الله ﷺ تسليما في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن ﵁، وأمره أن يعمرها من التنعيم، وبنيت هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تنسب كلها إلى عائشة ﵂، وطريق التّنعيم طريق فسيح، والناس يتحرون كنسه في كلّ يوم رغبة في الأجر والثواب لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافيا، وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تسمى الشّبيكة.
ومنها الزاهر وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم، وهو موضع على جانبي الطريق فيه أثر دور وبساتين وأسواق، وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصفّ عليه كيزان الشّرب وأواني الوضوء يملأها خديم ذلك الموضع من أبار الزاهر وهي بعيدة القعر جدّا، والخديم من الفقراء المجاورين، وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء، وذو طوى يتصل بالزاهر.
ذكر الجبال المطيفة بمكة .
فمنها جبل أبي قبيس، وهو في جهة الجنوب والشرق من مكة حرسها الله وهو أحد الأخشبين وأدنى الجبال من مكة شرفها الله، ويقابل ركن الحجر الأسود، وبأعلاه مسجد «١٧٥» وأثر رباط وعمارة، وكان الملك الظاهر «١٧٦» ﵀ أراد أن يعمّره، وهو مطلّ على الحرم الشريف وعلى جميع البلد، ومنه يظهر حسن مكة شرّفها الله، وجمال الحرم واتساعه، والكعبة المعظمة، ويذكر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خلقه الله تعالى وفيه استودع الحجر زمان الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين، لأنه أدى الحجر الذي أستودع فيه إلى الخليل إبراهيم ﵇، ويقال: إن قبر آدم ﵇ به، وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي ﷺ تسليما حين انشق له القمر «١٧٧» ، ومنها قعيقعان «١٧٨» وهو أحد
стр. 354
الأخشبين ومنها الجبل الأحمر «١٧٩» وهو في جهة الشمال من مكة شرفها الله، ومنها الخندمة «١٨٠» وهو جب عند الشعبين المعروفين بأجياد الأكبر وأجياد الأصغر.
ومنها جبال الطير، وهي أربعة عن جهتي طريق التّنعيم، يقال إنها الجبال التي وضع عليها الخليل ﵇ أجزاء الطير ثم دعاها حسبما نص الله في كتابه العزيز «١٨١» ، وعليها أعلام من حجارة.
ومنها جبل حراء وهو في الشمال «١٨٢» من مكة شرّفها الله تعالى، على نحو فرسخ منها وهو مشرف على منى ذاهب في الهواء عالي القنّة، وكان رسول الله ﷺ تسليما، يتعبّد فيه كثيرا قبل المبعث، وفيه أتاه الحق من ربه وبدأ الوحي، وهو الذي إهتزّ تحت رسول الله ﷺ تسليما فقال له رسول الله ﷺ تسليما: أثبت فما عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيد واختلف فيمن كان معه يومئذ، وروى أن العشرة كانوا معه، وقد روى أيضا أن جبل ثبير اهتز تحته أيضا.
ومنها جبل ثور وهو على مقدار فرسخ من مكة شرفها الله تعالى، على طريق اليمن، وفيه الغار الذي أوى إليه رسول الله ﷺ تسليما حين خروجه مهاجرا من مكة شرفها الله ومعه الصدّيق ﵁ حسبما ورد في الكتاب العزيز «١٨٣» .
وذكر الأزرقي في كتابه: أن الجبل المذكور نادى رسول الله ﷺ تسليما، وقال: إليّ يا محمد إليّ إليّ، فقد أويت قبلك سبعين نبيا فلما دخل رسول الله الغار وإطمأن به وصاحبه الصّديق معه نسجت العنكبوت من حينها على باب الغار وصنعت الحمامة عشا، وفرخت فيه بإذن الله تعالى فانتهى المشركون ومعهم قصّاص الأثر إلى الغار، فقالوا: ها هنا انقطع الأثر ورأوا العنكبوت قد نسج على فم الغار والحمام مفرّخة، فقالوا:
ما دخل أحد هنا، وانصرفوا فقال الصديق: يا رسول الله لو ولجوا علينا منه؟ قال: كنا نخرج من هنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه باب، فانفتح فيه باب للحين بقدرة الملك الوهاب.
стр. 355
والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك، فيرومون دخوله من الباب الذي دخله منه النبي ﷺ تسليما، تبرّكا بذلك، فمنهم من يتأتى له، ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه حتى يتناول بالجذب العنيف، ومن الناس من يصلّي أمامه ولا يدخله، وأهل تلك البلاد يقولون: إنه من كان لرشدة قدر على دخوله ومن كان لزنية لم يقدر على دخوله! ولهذا يتحاماه كثير من الناس لانه مخجل فاضح!! قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول اليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشقّ الذي يدخل منه حجرا كبيرا معترضا فمن دخل الشق منبطحا على وجهه وصل رأسه إلى ذلك الحجر، فلم يمكنه التولج ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو، ووجهه وصدره يليان الأرض، فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجبذ إلى خارج، ومن دخل منه مستلقيا على ظهره أمكنه لانه إذا وصل رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه واستوى قاعدا فكان ظهره مستندا إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار ثم يقوم قائما بداخل الغار، رجع.
حكاية [شيخ ضل طريقه]
ومما اتفق بهذا الجبل لصاحبين من أصحابي: أحدهما الفقيه المكرم أبو محمد عبد الله بن فرحان الافريقي التوزري والآخر أبو العباس أحمد الاندلسي الوادي اشي أنّهما قصدا في حين مجاورتهما بمكة شرفها الله تعالى في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة زيارة هذا الغار وذهبا منفردين لم يستصحبا دليلا عارفا بطريقه، فتاها وضلّا طريق الغار وسلكا طريقا سواها منقطعة، وذلك في أوان اشتداد الحرّ وحمّى القيظ، فلما نفذ ما كان عندها من الماء وهما لم يصلا إلى الغار، أخذا في الرجوع إلى مكة شرفها الله تعالى فوجدا طريقا فاتبعاه وكان يفضى إلى جبل آخر واشتد بهما الحرّ وأجهدهما العطش وعاينا الهلاك، وعجز الفقيه أبو محمد بن فرحان عن المشي جملة، وألقى بنفسه إلى الأرض، ونجا الأندلسي بنفسه، وكان فيه فضل قوة ولم يزل يسلك تلك الجبال حتى أفضى به الطريق إلى أجياد فدخل إلى مكة شرفها الله تعالى، وقصدني وأعلمني بهذه الحادثة وبما كان من أمر عبد الله التوزري وانقطاعه بالجبل وكان ذلك في آخر النهار.
следующие страницы →