← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ربع يسكنه خدامها، وتولى بناء ذلك الأمير علاء الدين بن هلال «١٦٢» ، وعن يمين المروة دار أمير مكة سيف الدين عطيفة بن أبي نمي وسنذكره. ذكر الجبّانة المباركة وجبّانة مكة خارج باب المعلى، ويعرف ذلك الموضع أيضا بالحجون وإياه عنى الحارث بن مضاض الجرهمي «١٦٣» بقوله: كأن لم يكن بين الحجون «١٦٤» إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى! نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر!! وبهذه الجبّانة مدفن الجم الغفير من الصحابة والتابعين، والعلماء والصالحين، والأولياء إلا أن مشاهدهم دثرت وذهب عن أهل مكة علمها فلا يعرف منها إلا القليل، فمن المعروف منها قبر أم المؤمنين، ووزيرة سيد المرسلين، خديجة بنت خويلد أم أولاد النبي ﷺ تسليما كلّهم ما عدا إبراهيم، وجدّة السّبطين الكريمين، صلوات الله وسلامه على النبي ﷺ تسليما، وعليهم أجمعين، وبمقربة منه قبر الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور «١٦٥» عبد الله بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ أجمعين، وفيها الموضع الذي صلّب فيه عبد الله بن الزّبير «١٦٦» ﵄، وكان به

стр. 352

بنيّة هدمها أهل الطائف غيرة منهم لما كان يلحق حجّاجهم البئيس «١٦٧» من اللّعن، وعن يمين مستقبل الجبّانة مسجد خرب يقال: إنه المسجد الذي بايعت الجنّ فيه رسول الله ﷺ تسليما «١٦٨» وعلى هذه الجبّانة طريق الصاعد إلى عرفات وطريق الذاهب إلى الطائف وإلى العراق. ذكر بعض المشاهد خارج مكة فمنها الحجون وقد ذكرناه، ويقال أيضا: إن الحجون هو الجبل المطل على الجبّانة، ومنها المحصّب «١٦٩» وهو أيضا الأبطح وهو يلي الجبّانة المذكورة، وفيه خيف بني كنانة الذي نزل به رسول الله ﷺ تسليما «١٧٠» ، ومنها ذو طوى «١٧١» وهو وادي يهبط على قبور المهاجرين التي بالحصحاص دون ثنيّة كداء، ويخرج منه إلى الأعلام الموضوعة حجزا بين الحلّ والحرم «١٧٢» ، وكان عبد الله ابن عمر ﵁ إذا قدم مكة شرّفها الله تعالى يبيت بذي طوى ثم يغتسل منه ويغدو إلى مكة، ويذكر أن رسول الله ﷺ تسليما فعل ذلك، ومنها ثنية كدى بضم الكاف «١٧٣» ، وهي بأعلى مكة ومنها دخل رسول الله ﷺ تسليما في حجة الوداع، إلى مكة، ومنها ثنية كداء، بفتح الكاف، ويقال لها الثنية البيضاء، وهي بأسفل مكة، ومنها خرج رسول الله ﷺ تسليما عام الوداع وهي بين جبلين، وفي مضيقها كوم حجارة موضوع على الطريق وكلّ من يمر به يرجمه بحجر، ويقال إنه قبر أبي لهب، وزوجه حمالة الحطب «١٧٤» . وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب إذا صدروا عن منى، وبمقربة من هذا الموضع على نحو ميل من مكة شرفها الله مسجد بإزائه حجر موضوع على الطريق كأنه مسطبة، يعلوه حجر آخر كان فيه نقش فدثر رسمه يقال: إن النبي ﷺ تسليما قعد بذلك

стр. 353

الموضع مستريحا عند مجيئه من عمرته فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه. ومنها التنعيم، وهو على فرسخ من مكة، ومنه يعتمر أهل مكة وهو أدنى الحلّ إلى الحرم، ومنه اعتمرت أم المومنين عائشة ﵂ حين بعثها رسول الله ﷺ تسليما في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن ﵁، وأمره أن يعمرها من التنعيم، وبنيت هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تنسب كلها إلى عائشة ﵂، وطريق التّنعيم طريق فسيح، والناس يتحرون كنسه في كلّ يوم رغبة في الأجر والثواب لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافيا، وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تسمى الشّبيكة. ومنها الزاهر وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم، وهو موضع على جانبي الطريق فيه أثر دور وبساتين وأسواق، وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصفّ عليه كيزان الشّرب وأواني الوضوء يملأها خديم ذلك الموضع من أبار الزاهر وهي بعيدة القعر جدّا، والخديم من الفقراء المجاورين، وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء، وذو طوى يتصل بالزاهر. ذكر الجبال المطيفة بمكة . فمنها جبل أبي قبيس، وهو في جهة الجنوب والشرق من مكة حرسها الله وهو أحد الأخشبين وأدنى الجبال من مكة شرفها الله، ويقابل ركن الحجر الأسود، وبأعلاه مسجد «١٧٥» وأثر رباط وعمارة، وكان الملك الظاهر «١٧٦» ﵀ أراد أن يعمّره، وهو مطلّ على الحرم الشريف وعلى جميع البلد، ومنه يظهر حسن مكة شرّفها الله، وجمال الحرم واتساعه، والكعبة المعظمة، ويذكر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خلقه الله تعالى وفيه استودع الحجر زمان الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين، لأنه أدى الحجر الذي أستودع فيه إلى الخليل إبراهيم ﵇، ويقال: إن قبر آدم ﵇ به، وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي ﷺ تسليما حين انشق له القمر «١٧٧» ، ومنها قعيقعان «١٧٨» وهو أحد

стр. 354

الأخشبين ومنها الجبل الأحمر «١٧٩» وهو في جهة الشمال من مكة شرفها الله، ومنها الخندمة «١٨٠» وهو جب عند الشعبين المعروفين بأجياد الأكبر وأجياد الأصغر. ومنها جبال الطير، وهي أربعة عن جهتي طريق التّنعيم، يقال إنها الجبال التي وضع عليها الخليل ﵇ أجزاء الطير ثم دعاها حسبما نص الله في كتابه العزيز «١٨١» ، وعليها أعلام من حجارة. ومنها جبل حراء وهو في الشمال «١٨٢» من مكة شرّفها الله تعالى، على نحو فرسخ منها وهو مشرف على منى ذاهب في الهواء عالي القنّة، وكان رسول الله ﷺ تسليما، يتعبّد فيه كثيرا قبل المبعث، وفيه أتاه الحق من ربه وبدأ الوحي، وهو الذي إهتزّ تحت رسول الله ﷺ تسليما فقال له رسول الله ﷺ تسليما: أثبت فما عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيد واختلف فيمن كان معه يومئذ، وروى أن العشرة كانوا معه، وقد روى أيضا أن جبل ثبير اهتز تحته أيضا. ومنها جبل ثور وهو على مقدار فرسخ من مكة شرفها الله تعالى، على طريق اليمن، وفيه الغار الذي أوى إليه رسول الله ﷺ تسليما حين خروجه مهاجرا من مكة شرفها الله ومعه الصدّيق ﵁ حسبما ورد في الكتاب العزيز «١٨٣» . وذكر الأزرقي في كتابه: أن الجبل المذكور نادى رسول الله ﷺ تسليما، وقال: إليّ يا محمد إليّ إليّ، فقد أويت قبلك سبعين نبيا فلما دخل رسول الله الغار وإطمأن به وصاحبه الصّديق معه نسجت العنكبوت من حينها على باب الغار وصنعت الحمامة عشا، وفرخت فيه بإذن الله تعالى فانتهى المشركون ومعهم قصّاص الأثر إلى الغار، فقالوا: ها هنا انقطع الأثر ورأوا العنكبوت قد نسج على فم الغار والحمام مفرّخة، فقالوا: ما دخل أحد هنا، وانصرفوا فقال الصديق: يا رسول الله لو ولجوا علينا منه؟ قال: كنا نخرج من هنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه باب، فانفتح فيه باب للحين بقدرة الملك الوهاب.

стр. 355

والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك، فيرومون دخوله من الباب الذي دخله منه النبي ﷺ تسليما، تبرّكا بذلك، فمنهم من يتأتى له، ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه حتى يتناول بالجذب العنيف، ومن الناس من يصلّي أمامه ولا يدخله، وأهل تلك البلاد يقولون: إنه من كان لرشدة قدر على دخوله ومن كان لزنية لم يقدر على دخوله! ولهذا يتحاماه كثير من الناس لانه مخجل فاضح!! قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول اليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشقّ الذي يدخل منه حجرا كبيرا معترضا فمن دخل الشق منبطحا على وجهه وصل رأسه إلى ذلك الحجر، فلم يمكنه التولج ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو، ووجهه وصدره يليان الأرض، فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجبذ إلى خارج، ومن دخل منه مستلقيا على ظهره أمكنه لانه إذا وصل رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه واستوى قاعدا فكان ظهره مستندا إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار ثم يقوم قائما بداخل الغار، رجع. حكاية [شيخ ضل طريقه] ومما اتفق بهذا الجبل لصاحبين من أصحابي: أحدهما الفقيه المكرم أبو محمد عبد الله بن فرحان الافريقي التوزري والآخر أبو العباس أحمد الاندلسي الوادي اشي أنّهما قصدا في حين مجاورتهما بمكة شرفها الله تعالى في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة زيارة هذا الغار وذهبا منفردين لم يستصحبا دليلا عارفا بطريقه، فتاها وضلّا طريق الغار وسلكا طريقا سواها منقطعة، وذلك في أوان اشتداد الحرّ وحمّى القيظ، فلما نفذ ما كان عندها من الماء وهما لم يصلا إلى الغار، أخذا في الرجوع إلى مكة شرفها الله تعالى فوجدا طريقا فاتبعاه وكان يفضى إلى جبل آخر واشتد بهما الحرّ وأجهدهما العطش وعاينا الهلاك، وعجز الفقيه أبو محمد بن فرحان عن المشي جملة، وألقى بنفسه إلى الأرض، ونجا الأندلسي بنفسه، وكان فيه فضل قوة ولم يزل يسلك تلك الجبال حتى أفضى به الطريق إلى أجياد فدخل إلى مكة شرفها الله تعالى، وقصدني وأعلمني بهذه الحادثة وبما كان من أمر عبد الله التوزري وانقطاعه بالجبل وكان ذلك في آخر النهار.

стр. 356

ولعبد الله المذكور ابن عمّ اسمه حسن، وهو من سكان وادي نخلة «١٨٤» وكان إذ ذاك بمكة، فأعلمته بما جرى على ابن عمه، وقصدت الشيخ الصالح الامام أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بخليل إمام المالكية نفع الله به فاعلمته بخبره فبعث جماعة من أهل مكة عارفين بتلك الجبال والشعاب في طلبه. وكان من أمر عبد الله التوزري أنه لما فارقه رفيقه لجأ إلى حجر كبير فاستظل بظلّه، وأقام على هذه الحالة من الجهد والعطش، والغربان تطير فوق رأسه وتنتظر موته، فلما انصرم النهار وأتى الليل وجد في نفسه قوة، ونعشه برد الليل، فقام عند الصباح على قدميه ونزل من الجبل إلى بطن واد حجبت الجبال عنه الشمس، فلم يزل ماشيا إلى أن بدت له دابة فقصدها فوجد خيمة للعرب، فلما رآها وقع إلى الارض ولم يستطع النهوض فرأته صاحبة الخيمة وكان زوجها قد ذهب إلى ورد الماء فسقته ما كان عندها من الماء فلم يرو وجاء زوجها فسقاه قربة ماء فلم يرو وأركبه حمارا له وقدم به مكة فوصلها عند صلاة العصر من اليوم الثاني متغيّرا كأنه قام من قبر! ذكر أميري مكة وكانت إمارة مكة في عهد دخولي إليها للشريفين الأجلين الأخوين: أسد الدين رميثة وسيف الدين عطيفة أبنى الامير أبي نمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة «١٨٥» الحسنيّين ورميثة أكبرهما سنا، ولكنه كان يقدّم اسم عطيفة في الدعاء له بمكة لعدله، ولرميثه من الأولاد أحمد وعجلان، وهو أمير مكة في هذا العهد وثقبة وسند، ومغامس «١٨٦» ولعطيفة من الاولاد محمد ومبارك ومسعود، ودار عطيفة عن يمين المروة، ودار أخيه رميثة برباط الشرابي عند باب بني شيبة، وتضرب الطبول على باب كل واحد منهما عند صلاة المغرب من كل يوم.

стр. 357

ذكر أهل مكة وفضائلهم ولاهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والايثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطّف ورفق وحسن خلق ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيّب النفس بذلك من غير ضجر. ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون بالسوق ومع كل واحد منهم قفتان كبرى وصغرى وهم يسمون القفّة مكتلا فياتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر ويعطي ذلك للصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه واللحم والخضر في الأخرى ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيّأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحدا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط بل يؤدي ما حمل على أتم الوجوه، ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس. وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكثّرون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن، بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف، ومن يكثرن التطيب حتى إنّ إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا! وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا، ولاهل مكة عوائد حسنة في الموسم وغيره سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغنا من ذكر فضلائها ومجاوريها. ذكر قاضي مكة وخطيبها، وإمام الموسم وعلمائها وصلحائها قاضي مكة العالم الصالح العابد نجم الدين محمد بن الامام العالم محيي الدين الطبري «١٨٧» وهو فاضل كثير الصدقات والمواساة للمجاورين حسن الأخلاق كثير الطواف

стр. 358

والمشاهدة للكعبة الشريفة، ويطعم الطعام الكثير في المواسم المعظمة وخصوصا في مولد رسول الله ﷺ تسليما فإنه يطعم فيه شرفاء مكة وكبراءها وفقراءها وخدام الحرم الشريف وجميع المجاورين، وكان سلطان مصر الملك الناصر ﵀ يعظمه كثيرا وجميع صدقاته وصدقات أمرائه تجرى على يديه. وولده شهاب الدين فاضل وهو الآن قاضي مكة شرّفها الله. وخطيب مكة الامام بمقام إبراهيم ﵇ الفصيح المصقع وحيد عصره بهاء الدين الطبري «١٨٨» وهو أحد الخطباء الذين ليس في المعمور مثلهم بلاغة وحسن بيان، وذكر لي أنه ينشئ لكل جمعة خطبة ثم لا يكررها فيما بعد! وإمام الموسم وإمام المالكية بالحرم الشريف هو الشيخ الفقيه العالم الصالح الخاشع الشهير أبو عبد الله محمد بن الفقيه الصالح الورع أبي زيد عبد الرحمن وهو المشتهر بخليل نفع الله به وأمتع ببقائه، وأهله من بلاد الجريد من إفريقية ويعرفون بها ببني حيّون «١٨٩» وهم من كبارها ومولده ومولد أبيه بمكة شرفها الله وهو أحد الكبار من أهل مكة بل واحدها وقطبها بإجماع الطوائف على ذلك، مستغرق العبادة في جميع أوقاته مستحيي، كريم النفس حسن الأخلاق كثير الشفقة لا يرد من سأله خائبا. حكاية مباركة رأيت أيام مجاورتي بمكة شرفها الله وأنا إذ ذاك ساكن منها بالمدرسة المظفرية رسول الله ﷺ تسليما في النوم وهو قاعد بمجلس التدريس من المدرسة المذكورة بجانب الشبّاك الذي تشاهد منه الكعبة الشريفة والناس يبايعونه فكنت أرى الشيخ أبا عبد الله المدعو بخليل قد دخل وقعد القرفصاء بين يدي رسول الله ﷺ تسليما وجعل يده في يد رسول الله ﷺ وقال: أبايعك على كذا وكذا وعدّد

стр. 359

أشياء منها: وأن لا أردّ من بيتي مسكينا خائبا، وكان ذلك آخر كلامه، فكنت أعجب من قوله، وأقول في نفسي: كيف يقول هذا ويقدر عليه مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام، وكنت أراه حين ذلك لا بسا جبّة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالفشطان، «١٩٠» كان يلبسها في بعض الأوقات، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسرّ بها وبكى، وقال لي: تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي فأنا ألبسها تبركا، وما رأيته بعد ذلك يرد سائلا خائبا، وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام وياتون به إليّ بعد صلاة العصر من كل يوم. وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرّة واحدة بعد العصر ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت، ومن أراد الاكل في سائر النهار أكل التمر ولذلك صحت أبدانهم وقلّت فيهم الأمراض والعاهات. وكان الشيخ خليل متزوجا بنت القاضي نجم الدين الطبري فشكّ في طلاقها وفارقها وتزوجها بعده الفقيه شهاب الدين النّويري «١٩١» من كبار المجاورين وهو من صعيد مصر وأقامت عنده أعواما، وسافر بها إلى المدينة الشريفة ومعها أخوها شهاب الدين فحنث في يمين بالطلاق ففارقها على ضنانته بها، وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة. ومن أعلام مكة إمام الشافعية شهاب الدين ابن البرهان، ومنهم إمام الحنفية شهاب الذين أحمد بن علي «١٩٢» من كبار أئمة مكّة وفضلائها يطعم المجاورين وأبناء السبيل، وهو أكرم فقهاء مكة، ويدان في كل سنة أربعين ألف درهم وخمسين ألفا فيؤديها الله عنه، وأمراء

стр. 360

الأتراك يعظمونه ويحسنون الظن به لانه إمامهم، ومنهم إمام الحنابلة المحدث الفاضل محمد بن عثمان «١٩٣» البغدادي الأصل المكي الولد، وهو نائب القاضي نجم الدين، المحتسب بعد قتل تقي الدين المصري والناس يهابونه لسطوته. حكاية [قطع يد السارق] كان تقي الدين المصري محتسبا، وكان له دخول فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، فاتفق في بعض السنين أن أتى أمير الحاج «١٩٤» بصبيّ من ذوي الدعارة بمكة قد سرق بعض الحجاج فأمر بقطع يده، فقال له تقي الدين: إن لم نقطعها بحضرتك والا غلب أهل مكة خدامك عليه فاستنقذوه منهم وخلّصوه، فأمر بقطع يده في حضرته، فقطعت، وحقدها لتقي الدين، ولم يزل يتربص به الدوائر ولا قدرة له عليه لأن له حسبا من الاميرين رميثة وعطيفة، والحسب عندهم أن يعطى أحدهم هدية من عمامة أو شاشية بمحضر الناس تكون جوارا لمن أعطيته ولا تزول حرمتها معه حتى يريد الرّحلة والتحول عن مكة فأقام تقي الدين بمكة أعواما ثم عزم على الرحلة وودع الاميرين وطاف طواف الوداع وخرج من باب الصّفا فلقيه صاحبه الأقطع، وتشكّى له ضعف حاله وطلب منه ما يستعين به على حاجته، فانتهره تقي الدين وزجره فاستل خنجرا له يعرف عندهم بالجنبيّة وضربه ضربة واحدة كان فيها حتفه. ومنهم الفقيه الصالح زين الدين الطبري «١٩٥» شقيق نجم الدين المذكور من أهل الفضل والاحسان للمجاورين، ومنهم الفقيه المبارك محمد بن فهد الشرقي من فضلاء مكة وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد بن عثمان الحنبلي، ومنهم العدل

стр. 361

الصالح محمد بن البرهان، زاهد ورع مبتلى بالوسواس، ورأيته يوما يتوضأ من بركة المدرسة المظفرية فيغسل ويكرر، ولما مسح رأسه أعاد مسحه مرات، ثم لم يقنعه ذلك فغطس رأسه في البركة! وكان إذا أراد الصلاة ربما صلّى الإمام الشافعيّ وهو يقول نويت نويت فيصلي مع غيره! وكان كثير الطواف والاعتمار والذكر. ذكر بعض المجاورين بمكة فمنهم الامام العالم الصالح الصوفي المحقق العابد عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليمني الشافعي الشهير باليافعي، كثير الطواف اناء الليل وأطراف النهار، وكان إذا طاف من الليل يصعد إلى سطح المدرسة المظفرية فيقعد مشاهدا للكعبة الشريفة إلى أن يغلبه النوم فيجعل تحت رأسه حجرا وينام يسيرا ثم يجدّد الوضوء ويعود لحاله من الطواف حتى يصلي الصبح، وكان متزوجا ببنت الفقيه العابد شهاب الدين بن البرهان وكانت صغيرة السن، فلا تزال تشكو إلى أبيها حالها فيأمرها بالصبر فأقامت معه على ذلك سنين ثم فارقته. ومنهم الصالح العابد نجم الدين الأصفونيّ كان قاضيا ببلاد الصّعيد فانقطع إلى الله تعالى وجاور بالحرم الشريف وكان يعتمر في كلّ يوم من التنعيم في رمضان مرتين في اليوم اعتمادا على ما في الخبر عن النبي ﷺ تسليما أنه قال: عمرة في رمضان تعدل حجة معي. ومنهم الشيخ الصالح العابد شمس الدين محمد الحلبي كثير الطواف والتلاوة، من قدماء المجاورين مات بمكة شرفها الله، ومنهم الصالح أبو بكر الشيرازي المعروف بالصامت كثير الطواف، أقام بمكة أعواما لا يتكلم فيها، ومنهم الصالح خضر العجمي كثير الصوم والتلاوة والطواف، ومنهم الشيخ الصالح برهان الدين العجمي الواعظ كان ينصب له كرسي تجاه الكعبة الشريفة فيعظ الناس ويذكرهم بلسان فصيح وقلب خاشع يأخذ بمجامع القلوب. ومنهم الصالح المجوّد برهان الدين إبراهيم المصري مقرئ مجيد ساكن رباط السدرة ويقصده أهل مصر والشام بصدقاتهم، ويعلّم الايتام كتاب الله تعالى ويقوم بمئونتهم ويكسوهم.

стр. 362

ومنهم الصالح العابد عز الدين الواسطي من أصحاب الأموال الطائلة يحمل إليه من بلده المال الكثير في كل سنة فيبتاع الحبوب والتمر ويفرقها على الضعفاء والمساكين ويتولى حملها إلى بيوتهم بنفسه ولم يزل ذلك دأبه إلى توفى. ومنهم الفقيه الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن رزق الله الأنجري من أهل نظر طنجة من كبار الصالحين جاور بمكة أعواما وبها وفاته، كانت بينه وبين والدي صحبة قديمة، ومتى أتى بلدنا طنجة نزل عندنا، وكان له بيت بالمدرسة المظفرية يعلم العلم فيها نهارا ويأوي بالليل إلى مسكنه برباط ربيع، وهو من أحسن الرباطات بمكة، بداخله بئر عذبة لا تماثلها بئر بمكة وسكانه الصالحون وأهل ديار الحجاز يعظمون هذا الرباط تعظيما شديدا، وينذرون له النذور، وأهل الطائف يأتونه بالفواكه، ومن عادتهم أن كل من له بستان من النخيل والعنب والفرسك «١٩٦» وهو الخوخ، والتين وهم يسمونه الخمط يخرج منه العشر لهذا الرباط، ويوصلون ذلك إليه على جمالهم، ومسيرة ما بين مكة والطائف يومان، ومن لم يف بذلك نقصت فواكهه في السنة الآتية وأصابتها الجوايح. حكاية في فضله أتى يوما غلمان الأمير أبي نمى صاحب مكة إلى هذا الرباط ودخلوا بخيل الأمير، وسقوها من تلك البئر، فلما عادوا بالخيل إلى مرابطها أصابتها الأوجاع وضربت بأنفسها الأرض وبرءوسها وأرجلها، واتصل الخبر بالأمير أبي نمى فأتي باب الرباط بنفسه واعتذار إلى المساكين به واستصحب واحدا منهم فمسح على بطون الدواب بيده فأراقت ما كان في أجوافها من ذلك الماء وبرئت مما أصابها، ولم يتعرضوا بعدها للرباط إلا بالخير. ومنهم الصالح المبارك أبو العباس الغماري من أصحاب أبي الحسن بن رزق الله وسكن رباط ربيع، ووفاته بمكة شرفها الله، ومنهم الصالح أبو يعقوب يوسف من بادية سبتة كان خديما للشيخين المذكورين فلما توفيا صار شيخ الرباط بعدهما، ومنهم الصالح

стр. 363

السايح السالك أبو الحسن عليّ بن فرغوس التلمساني، ومنهم الشيخ سعيد الهندي شيخ رباط كلالة. حكاية [الشيخ سعيد الهندي] كان الشيخ سعيد قد قصد ملك الهند محمد شاه فأعطاه مالا عظيما قدم به مكة، فسجنه الأمير عطيفة وطلبه بأداء المال، فامتنع فعذب بعصر رجليه فأعطى خمسة وعشرين ألف درهم نقرة، وعاد إلى بلاد الهند، ورأيته بها ونزل بدار الأمير سيف الدين غدا بن هبة الله «١٩٧» بن عيسى بن مهنّى أمير عرب الشام وكان غدا ساكنا ببلاد الهند متزوجا بأخت ملكها، وسيذكر أمره، فأعطى ملك الهند للشيخ سعيد جملة مال وتوجه صحبة حاج يعرف بوشل من ناس الامير غدا، وجّهه الامير المذكور ليأتيه ببعض ناسه ووجه معه أموالا وتحفا منها الخلعة التي خلع عليه ملك الهند ليلة زفافه بأخته، وهي من الحرير الأزرق مزركشة بالذهب ومرصعة بالجوهر بحيث لا يظهر لونها لغلبة الجوهر عليها، وبعث معه خمسين الف درهم ليشتري له الخيل العتاق فسافر الشيخ سعيد صحبة وشل واشتريا سلعا بما عندهما من الأموال، فلما وصلا جزيرة سقطرة المنسوب اليها الصّبر السقطري «١٩٨» خرج عليهما لصوص الهند في مواكب كثيرة فقاتلوهم قتالا شديدا مات فيه من الفريقين جملة وكان وشل راميا فقتل منهم جماعة ثم تغلب السّراق عليهم وطعنوا وشلا طعنة مات منها بعد ذلك وأخذوا ما كان عندهم وتركوا لهم مركبهم بآلة سفره وزاده، فذهبوا إلى عدن ومات بها وشل. وعادة هؤلاء السراق أنهم لا يقتلون أحدا إلا في حين القتال ولا يغرقونه وإنما يأخذون ماله ويتركونه يذهب بمركبه حيث شاء، ولا يأخذون المماليك لانهم من جنسهم، وكان الحاج سعيد قد سمع من ملك الهند أنه يريد إظهار الدعوة العباسية ببلده كمثل ما فعله ملوك الهند

стр. 364

ممن تقدمه مثل السلطان شمس الدين للمش «١٩٩» ، واسمه بفتح اللام الأولى وإسكان الثانية وكسر الميم وشين معجم، وولده ناصر الدين، ومثل السلطان جلال الدين فيروز شاه والسلطان غياث الدين بلبن، وكانت الخلع تأتي اليهم من بغداد. فلما توفى وشل قصد الشيخ سعيد إلى الخليفة أبي العباس «٢٠٠» ابن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي بمصر وأعلمه بالأمر فكتب له كتابا بخطه بالنيابة عنه ببلاد الهند فإستصحب الشيخ سعيد الكتاب وذهب إلى اليمن واشترى بها ثلاث خلع سودا وركب البحر إلى الهند فلما وصل كنباية «٢٠١» ، وهي على مسيرة أربعين يوما من دهلى حضرة ملك الهند، كتب صاحب الخبر إلى الملك يعلمه بقدوم الشيخ سعيد وأن معه أمر الخليفة وكتابه فورد الأمر ببعثه إلى الحضرة مكرما فلما قرب من الحضرة بعث الأمراء والقضاة والفقهاء لتلقّيه ثم خرج هو بنفسه لتلقيه، فتلقاه ودفع له الأمر فقبّله ووضعه على رأسه ودفع له الصندوق الذي فيه الخلع فاحتمله الملك على كاهله خطوات ولبس إحدى الخلع وكسى الأخرى الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المستنصر العباسي، وكان مقيما عنده، وسيذكر خبره «٢٠٢» ، وكسى الخلعة الثالثة الأمير قبولة الملقب بالملك الكبير، وهو الذي يقوم على رأسه ويشرد عنه الذباب، وأمر السلطان فخلع على الشيخ سعيد ومن معه وأركبه على الفيل ودخل المدينة كذلك والسلطان أمامه على فرسه وعن يمينه وشماله الأميران اللذان كساهما الخلعتين العباسيتين، والمدينة قد زينت بأنواع الزينة وصنع بها إحدى عشرة قبة من الخشب، كلّ قبة منها أربع طبقات في كل طبقة طائفة من المغنين

стр. 365

رجالا ونساء والراقصات، وكلهم مماليك السلطان، والقبة مزينة بثياب الحرير المذهب، أعلاها وأسفلها وداخلها وخارجها، وفي وسطها ثلاثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حل فيه الجلّاب يشربه كل وارد وصادر لا يمنع منه أحد، وكل من يشرب منه يعطي بعد ذلك خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة «٢٠٣» فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في حمرة وجهه ولثاته، وتقمع عنه الصفراء، وتهضم ما أكل من الطعام، ولما ركب الشيخ سعيد على الفيل فرشت له ثياب الحرير بين يدي الفيل يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار السلطان، وأنزل بدار تقرب من دار الملك وبعث له أموالا طائلة، وجميع الأثواب المعلقة والمفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل لا تعود إلى السلطان بل يأخذها أهل الطرب وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب وخدام الأحواض وغيرهم، وهكذا فعلهم متى قدم السلطان من سفر، وأمر الملك بكتاب الخليفة أن يقرأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم جمعة وأقام الشيخ سعيد شهرا ثم بعث معه الملك هدايا إلى الخليفة فوصل كنبايت، وأقام بها حتى تيسرت أسباب حركته في البحر، وكان ملك الهند قد بعث أيضا من عنده رسولا إلى الخليفة وهو الشيخ رجب البرقعي أحد شيوخ الصوفية، وأصله من مدينة القرم «٢٠٤» من صحراء قبجق «٢٠٥» ، وبعث معه هدايا الخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون الف دينار وكتب له يطلب منه أن يعقد له النيابة عنه ببلاد الهند والسند أو يبعث لها سواه من يظهر له، هكذا نص عليه كتابه اعتقادا منه في الخلافة وحسن نية. وكان للشيخ رجب أخ بديار مصر يدعى بالأمير سيف الدين الكاشف، فلما وصل رجب إلى الخليفة أبي أن يقرأ الكتاب ويقبل الهدية طلا بمحضر الملك الصالح إسماعيل بن الملك «٢٠٦» الناصر، فأشار سيف الدين على أخيه رجب ببيع الحجر، فباعه واشترى بثمنه وهو ثلاثمائة ألف درهم أربعة أحجار، وحضر بين يدي الملك الصالح، ودفع له الكتاب وأحد الأحجار، ودفع سائرها لأمرائه، واتفقوا على أن يكتب لملك الهند بما طلبه فوجهوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائبا عنه ببلاد الهند وما يليها وبعث الملك الصالح

стр. 366

رسولا من قبله وهو شيخ الشيوخ بمصر ركن الدين «٢٠٧» العجمي، ومعه الشيخ رجب وجماعة من الصوفية وركبوا بحر فارس من الأبلة إلى هرمز، وسلطانها يومئذ قطب الدين تمتهن «٢٠٨» بن طوران شاه فأكرم مثواهم وجهّز لهم مركبا إلى بلاد الهند فوصلوا مدينة كنبايت والشيخ سعيد بها، وأميرها يومئذ مقبول التّلنكي أحد خواص ملك الهند، فاجتمع الشيخ رجب بهذا الأمير وقال له: إن الشيخ سعيدا إنما جاءكم بالتزوير، والخلع التي ساقها إنما اشتراها بعدن فينبغي أن تثقّفوه وتبعثوه لخوند عالم، وهو السلطان، فقال له الأمير: الشيخ سعيد معظم عند السلطان، فما يفعل به هذا إلا بأمره، ولكني أبعثه معكم ليرى فيه السلطان رأيه. وكتب الأمير بذلك كلّه إلى السلطان وكتب به أيضا صاحب الأخبار، فوقع في نفس السلطان تغيّر، وانقبض عن الشيخ رجب لكونه تكلم بذلك على رؤوس الأشهاد، بعد ما صدر من السلطان للشيخ سعيد من الإكرام ما صدر، فمنع رجبا من الدخول عليه، وزاد في إكرام الشيخ سعيد، ولما دخل شيخ الشيوخ على السلطان قام اليه وعانقه وأكرمه، وكان متى دخل اليه يقوم له، وبقى الشيخ سعيد المذكور بأرض الهند معظما مكرما، وبها تركته سنة ثمان وأربعين، وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون، وأمره غريب، وشأنه عجيب وكان قبل ذلك صحيح العقل خديما لولي الله تعالى نجم الدين الأصبهاني أيام حياته. حكاية [حسن المجنون] كان حسن المجنون كثير الطواف بالليل، وكان يرى في طوافه بالليل فقيرا يكثر الطواف ولا يراه بالنهار فلقيه ذلك الفقير ليلة وسأله عن حاله، وقال له يا حسن: إن أمك تبكي عليك وهي مشتاقة إلى رؤيتك، وكانت من إماء الله الصالحات، أفتحب أن تراها؟ قال له نعم! ولكني لا قدرة لي على ذلك، فقال له نجتمع هاهنا في الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى فلمّا كانت الليلة المقبلة وهي ليلة الجمعة وجده حيث واعده فطافا بالبيت ما شاء الله ثم خرج وهو في أثره إلى باب المصلى فأمره أن يسد عينيه ويمسك بثوبه ففعل ذلك ثم قال بعد ساعة: أتعرف بلدك؟ قال نعم قال: ها هو هذا! ففتح عينيه، فإذا به على دار أمه، فدخل عليها،

стр. 367

ولم يعلمها بشيء مما جرى، وأقام عندها نصف شهر، وأظن أن بلده أسفي، ثم خرج إلى الجبانة فوجد الفقير صاحبه، فقال له: كيف أنت؟ فقال: يا سيدي إني اشتقت إلى رؤية الشيخ نجم الدين، وكنت خرجت على عادتي وغبت عنه هذه الأيام، وأحب أن تردّني إليه، فقال له: نعم! وواعده الجبّانة ليلا، فلما وافاه بها أمره أن يفعل كفعله في مكة، شرّفها الله، من تغميض عينيه والإمساك بذيله، ففعل ذلك فإذا به في مكّة، شرفها الله، وأوصاه أن لا يحدّث نجم الدين بشيء مما جرى، ولا يحدّث به غيره. فلما دخل على نجم الدين، قال له: أين كنت يا حسن في غيبتك؟ فأبى أن يخبره فعزم عليه فأخبره بالحكاية، فقال: أرني الرجل! فأتى معه ليلا وأتى الرجل على عادته، فلما مرّ بهما، قال له: يا سيدي، هو هذا! فسمعه الرجل فضرب بيده على فمه وقال: أسكت أسكتك الله فخرس لسانه، وذهب عقله، وبقى بالحرم مولها يطوف باللّيل والنهار من غير وضوء ولا صلاة، والناس يتبركون به ويكسونه، وإذا جاع خرج إلى السوق التي بين الصفا والمروة فيقصد حانوتا من الحوانيت فيأكل منه ما أحبّ، لا يصدّه أحد ولا يمنعه، بل يسرّ كلّ من أكل له شيئا، وتظهر له البركة والنّماء في بيعه وربحه، ومتى أتى السوق تطاول أهلها بأعناقهم إليه كلّ منهم يحرص على أن يأكل من عنده لما جربوه من بركته، وكذلك فعله مع السقّائين متى أحب أن يشرب، ولم يزل دأبه كذلك إلى سنة ثمان وعشرين، فحج فيها الأمير سيف الدّين يلملك فاستصحبه معه إلى ديار مصر فانقطع خبره نفع الله تعالى به. ذكر عادة أهل مكة في صلواتهم ومواضع أئمتهم فمن عادتهم أن يصلّى أول الأئمة إمام الشافعية، وهو المقدم من قبل أولي الأمر «٢٠٩» وصلاته خلف المقام الكريم: مقام إبراهيم الخليل ﵇ في حطيم له هنالك بديع، وجمهور الناس بمكة على مذهبه، والحطيم: خشبتان موصول ما بينهما بأذرع شبه السلّم، تقابلهما خشبتان على صفتهما، وقد عقدت على أرجل مجصّصة، وعرض على أعلى الخشب خشبة أخرى فيها خطاطيف حديد، يعلّق منها قناديل زجاج، فإذا صلى الإمام الشافعي صلّى بعده إمام المالكية في محراب قبالة الركن اليماني، ويصلي إمام الحنبلية معه في وقت واحد مقابلا ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، ثم يصلي إمام الحنفية قبالة الميزاب المكرّم تحت حطيم له هنالك ويوضع بين أيدي الأئمة في محاريبهم الشّمع، وترتيبهم هكذا في الصلوات الأربع.

стр. 368

وأما صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد، كل إمام يصلي بطائفته، ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط، فربّما ركع المالكي بركوع الشافعي وسجد الحنفي بسجود الحنبلي، وتراهم مصيخين كلّ أحد إلى صوت المؤذن الذي يسمع طائفته ليلا يدخل عليه السهو. ذكر عادتهم في الخطبة وصلاة الجمعة وعادتهم في يوم الجمعة أن يلصق المنبر المبارك إلى صفح الكعبة الشريفة فيما بين الحجر الأسود والركن العراقي ويكون الخطيب مستقبلا المقام الكريم فإذا خرج الخطيب أقبل لا بسا ثوب سواد معتما بعمامة سوداء «٢١٠» ، وعليه طيلسان «٢١١» أسود كل ذلك من كسوة الملك الناصر، وعليه الوقار والسكينة، وهو يتهادى بين رايتين سوداوين، يتمسكهما رجلان من المؤذنين، وبين يديه أحد القومة في يده الفرقعة، وهي عود في طرفه جلد رقيق مفتول ينفضه في الهواء، فيسمع له صوت عال يسمعه من بداخل الحرم وخارجه، فيكون إعلاما بخروج الخطيب «٢١٢» . ولا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيقبل الحجر الأسود، ويدعوا عنده، ثم يقصد المنبر والمؤذّن الزمزمي، وهو رئيس المؤذنين ٢١» بين يديه لابسا السواد وعلى عاتقه السيف ممسكا له بيد، وتركز الرايتان عن جانبي المنبر فإذا صعد أول درج من درج المنبر قلّده المؤذن السيف فيضرب بنصل السيف ضربة في الدرج يسمع بها الحاضرين، ثم يضرب في الثاني ضربة ثم في الثالث أخرى، فإذا استولى في عليا الدرجات ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا بدعاء خفيّ مستقبل الكعبة، ثم يقبل على الناس فيسلم عن يمينه وشماله، ويرد عليه الناس، ثم يقعد ويؤذن المؤذنون في أعلى قبة زمزم في حين واحد فإذا فرغ الآذان خطب الخطيب خطبة يكثر بها من الصلاة على النبي ﷺ ، ويقول في أثنائها: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ما طاف بهذا البيت طائف، ويشير بأصبعه إلى البيت الكريم، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ما وقف بعرفة واقف، ويرضى عن الخلفاء الأربعة وعن سائر الصحابة، وعن عمّي النبي ﷺ وسبطيه، وأمهما، وخديجة

стр. 369

جدّتهما على جميعهم السلام، ثم يدعو للملك الناصر، ثم للسلطان المجاهد نور الدين علي بن الملك المؤيد داوود بن الملك المظفر يوسف بن عليّ بن رسول «٢١٤» ، ثم يدعو للسيدين الشريفين الحسنيّين: أميري مكة: سيف الدين عطيفة وهو أصغر الأخوين، ويقدم اسمه لعدله، وأسد الدّين رميثة ابنى أبي نمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة، وقد دعا لسلطان العراق مرة ثم قطع ذلك، فإذا فرغ من خطبته صلى وانصرف، والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه إشعارا بانقضاء الصلاة، ثم يعاد المنبر إلى مكانه إزاء المقام الكريم. ذكر عادتهم في استهلال الشهور وعادتهم في ذلك أن يأتى أمير مكّة في أول يوم من الشهر وقواده يحفّون به وهو لابس البياض، معتمّ متقلد سيفا وعليه السكينة والوقار فيصلّي عند المقام الكريم ركعتين ثم يقبّل الحجر ويشرع في طواف أسبوع، ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم، فعند ما يكمل الأمير شوطا واحدا ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له، والتهنئة بدخول الشهر رافعا بذلك صوته ثم يذكر شعرا في مدحه ومدح سلفه الكريم ويفعل به هكذا في السبعة أشواط فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين، ثم ركع خلف المقام أيضا ركعتين ثم انصرف، ومثل هذا سواء يفعل إذا أراد سفرا وإذا قدم من سفر أيضا. ذكر عادتهم في شهر رجب وإذا أهل هلال رجب «٢١٥» أمر أمير مكة بضرب الطبول والبوقات إشعارا بدخول الشهر، ثم يخرج في أول يوم منه راكبا ومعه أهل مكة فرسانا ورجالا على ترتيب عجيب، وكلهم بالأسلحة يلعبون بين يديه، والفرسان يجولون ويجرون، والرجالة يتواثبون، ويرمون بحرابهم إلى الهواء ويلقفونها والأمير رميثة والأمير عطيفة، معهما أولادهما وقوادهما، مثل محمد بن ابراهيم، وعلي وأحمد ابنى صبيح وعلي بن يوسف، وشداد بن عمر، وعامر الشّرق، ومنصور بن عمر وموسى المزرق وغيرهم من كبار أولاد الحسن ووجوه القواد، وبين أيديهم الرايات والطبول والدّبابت «٢١٦» ، وعليهم السكينة والوقار، ويسيرون حتى ينتهون إلى الميقات، ثم يأخذون في الرجوع على معهود ترتيبهم إلى المسجد الحرام، فيطوف الأمير بالبيت،

стр. 370

والمؤذن الزمزمي وبأعلى قبة زمزم يدعو له عند كل شوط على ما ذكرناه من عادته، فإذا طاف صلّى ركعتين عند الملتزم، وصلى عند المقام وتمسّح به وخرج إلى المسعى فسعى راكبا والقواد يحفون به والحرّابة «٢١٧» بين يديه ثم يسير إلى منزله. وهذا اليوم عندهم عيد من الأعياد ويلبسون فيه أحسن الثياب ويتنافسون في ذلك. ذكر عمرة رجب وأهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لا يعهد مثله، وهي متصلة ليلا ونهارا، وأوقات الشهر كلّه معمورة بالعبادة، وخصوصا أول يوم منه، ويوم خمسة عشر والسابع والعشرون فإنهم يستعدون لها قبل ذلك بأيام. شاهدتهم في ليلة السابع والعشرين منه، وشوارع مكة قد غصّت بالهوادج «٢١٨» ، عليها كساء الحرير والكتان الرفيع، كل أحد يفعل بقدر استطاعته، والجمال مزينة مقلّدة بقلائد الحرير، وأستار الهوادج ضافية تكاد تمس الأرض، فهي كالقباب المضروبة ويخرجون إلى ميقات التنعيم، فتسيل أباطح مكة بتلك الهوادج، والنّيران مشعلة بجنبتي الطّريق، والشمع والمشاعل أمام الهوادج، والجبال تجيب بصداها إهلال الملبين، فترقّ النفوس وتنهمل الدموع، فإذا قضوا العمرة وطافوا بالبيت، خرجوا إلى السعي بين الصفا والمروة بعد مضيّ هزيع من الليل، والمسعى متّقد السرج غاصّ بالناس، والساعيات في هوادجهن، والمسجد الحرام يتلألأ نورا، وهم يسمون هذه العمرة بالعمرة الأكمية، لأنهم يحرمون بها من أكمة أمام مسجد عائشة ﵂ بمقدار غلوة على مقربة من المسجد المنسوب إلى علي ﵁. والأصل في هذه العمرة أن عبد الله بن الزبير ﵄ لما فرغ من بناء الكعبة المقدّسة «٢١٩» خرج ماشيا حافيا معتمرا ومعه أهل مكة وذلك في اليوم السابع

стр. 371

والعشرين من رجب وانتهى إلى الأكمة فأحرم منها، وجعل طريقه على ثنية الحجون إلى المعلّى من حيث دخل المسلمون يوم الفتح، فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة إلى هذا العهد. وكان يوم عبد الله مذكورا أهدي فيه بدنا كثيرة، وأهدى أشراف مكة وأهل الاستطاعة منهم وأقاموا أياما يطعمون ويطعمون شكرا لله تعالى على ما وهبهم من التيسير والمعونة في بناء بيته الكريم على الصفة التي كان عليها في أيام الخليل صلوات الله عليه. ثم لما قتل ابن الزبير نقض الحجّاج الكعبة وردها إلى بنائها في عهد قريش «٢٢٠» وكانوا قد اقتصروا في بنائها «٢٢١» ، وأبقاها رسول الله ﷺ على ذلك لحدثان عهدهم بالكفر، «٢٢٢» ، ثم أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يعيدها إلى بناء ابن الزبير فنهاه مالك ﵀ عن ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين لا تجعل البيت ملعبة للملوك، متى أراد أحدهم يغيره فعل! فتركه على حاله سدا للذريعة. وأهل الجهات الموالية لمكة مثل بجيلة وزهران وغامد «٢٢٣» يبادرون لحضور عمرة رجب ويجلبون إلى مكة الحبوب والسمن والعسل والزبيب واللوز فترخص الأسعار بمكة ويرغد عيش أهلها وتعمّهم المرافق، ولولا أهل هذه البلاد لكان أهل مكة في شظف من العيش، ويذكر أنهم متى أقاموا ببلادهم ولم ياتوا بهذه الميرة أجدبت بلادهم ووقع الموتان في مواشيهم، ومتى أوصلوا الميرة أخصبت بلادهم وظهرت فيها البركة ونمت أموالهم فهم إذا حان وقت ميرتهم وأدركهم كسل عنها اجتمعت نساءهم فأخرجنهم! وهذا من لطائف صنع الله تعالى وعنايته ببلده الأمين.

стр. 372

وبلاد السّرو التي يسكنها بجيلة وزهران وغامد، وسواهم من القبائل «٢٢٤» مخصبة كثيرة الأعناب وافرة الغلات، وأهلها فصحاء الألسن لهم صدق نية وحسن اعتقاد، وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية تتصدع لرقتها القلوب، وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمّنين على أدعيتهم، ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك، وهم شجعان أنجاد ولباسهم الجلود، وإذا وردوا مكّة هابت أعراب الطريق مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم ومن صحبهم من الزوار حمد صحبتهم، وذكر أن النبي ﷺ ذكرهم وأثنى عليهم خيرا، وقال: علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء. وكفاهم شرفا دخولهم في عموم قوله ﷺ : الإيمان يماني والحكمة يمانية، وذكر أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يتحرّى وقت طوافهم ويدخل في جملتهم تبركا بدعائهم، وشأنهم عجيب كلّه وقد جاء في أثر: زاحموهم في الطّواف فإن الرحمة تنصبّ عليهم صبّا. ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان وهذه الليلة من الليالي المعظمة عند أهل مكة يبادرون فيها إلى أعمال البر من الطواف والصلاة جماعات وأفذاذا والاعتمار، ويجتمعون في المسجد الحرام جماعات لكل جماعة إمام، يوقدون السرج والمصابيح والمشاعل ويقابل ذلك ضوء القمر يتلألأ الأرض والسماء نورا، ويصلون مائة ركعة يقرءون في كل ركعة بأم القرآن، وسورة الإخلاص يكررونهما عشرا، وبعض الناس يصلون في الحجر منفردين، وبعضهم يطوفون بالبيت الشريف وبعضهم قد خرجوا للاعتمار. ذكر عادتهم في شهر رمضان المعظم وإذا أهل هلال رمضان تضرب الطبول والدّبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرام نورا ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقا، وهم الشافعية، والحنفية، والحنبلية، والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء: يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية

стр. 373

ولا ناحية إلا وفيها قارىء يصلي بجماعته فيرتج المسجد لأصوات القراء وترق النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين. ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفردا، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعادتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة وهي عشرون ركعة يطوف إمامهم وجماعته فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعا هكذا، إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى ثم يصلون الشّفع والوتر وينصرفون. وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التّسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم «٢٢٥» ، فيقوم داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور، والمؤذّنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نصبت في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يقدان، فإذا قرب الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط القنديلان، وابتدأ المؤذنون بالآذان وأجاب بعضهم بعضا. ولديار مكة شرفها الله سطوح، فمن بعدت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين، فيتسحّر حتّى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل، وفي كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة فاذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم، خلف المقام الكريم، وتقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام توصل بالحطيم وتعرض بينها ألواح طوال، وتجعل ثلاث طبقات وعليها الشمع وقناديل الزجاج فيكاد يغشي الأبصار، شعاع الأنوار، ويتقدم الإمام فيصلي فريضة العشاء الأخيرة، ثم يبتدئ قراءة سورة القدر، وإليها يكون انتهاء قراءة الأئمة في الليلة التي قبلها، وفي تلك الساعة يمسك جميع الأئمة عن التراويح تعظيما لختمة المقام، ويحضرونها متبركين فيختم الإمام في تسليمتين ثم يقوم

стр. 374

خطيبا مستقبل المقام، فإذا فرغ من ذلك عاد الأئمة إلى صلاتهم وانفضّ الجمع ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في المقام المالكي في منظر مختصر، وعن المباهاة منزّه موقر، فيختم ويخطب. ذكر عادتهم في شوال وعادتهم في شوال، وهو مفتتح أشهر الحج المعلومات أن يوقدوا المشاعل ليلة استهلاله ويسرجون المصابيح والشمع على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وتوقد السرج في الصوامع من جميع جهاتها، ويوقد سطح الحرم كله وسطح المسجد الذي بأعلى أبى قبيس، ويقيم المؤذنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير وتسبيح، والناس ما بين طواف وصلاة وذكر ودعاء، فإذا صلّوا صلاة الصبح، أخذوا في أهبة العيد ولبسوا أحسن ثيابهم، وبادروا لأخذ مجالسهم بالحرم الشريف، وبه يصلون صلاة العيد لأنه لا موضع أفضل منه. ويكون أول من يكبر للمسجد الشّيبيون فيفتحون باب الكعبة المقدسة ويقعد كبيرهم في عتبتها وسائرهم بين يديه، إلى أن يأتي أمير مكة فيتلقونه ويطوف بالبيت أسبوعا والمؤذن الزمزمي فوق سطح قبة زمزم على العادة رفعا صوته بالثناء عليه والدعاء له ولأخيه كما ذكر، ثم يأتي الخطيب بين الرايتين السوداوين، والفرقعة أمامه، وهو لابس السواد فيصلي خلف المقام الكريم، ثم يصعد المنبر ويخطب خطبة بليغة، ثم إذا فرغ منها أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام والمصافحة والاستغفار، ويقصدون الكعبة الشريفة فيدخلونها أفواجا ثم يخرجون إلى مقبرة باب المعلّى تبركا بمن فيها من الصحابة وصدور السلف ثم ينصرفون. ذكر إحرام الكعبة وفي اليوم السّابع والعشرين من شهر ذي القعدة تشمّر أستار الكعبة الشريفة، زادها الله تعظيما، إلى نحو ارتفاع قامة ونصف من جهاتها الأربع صونا لها من الأيدي أن تنتهبها ويسمون ذلك إحرام الكعبة، وهو يوم مشهود بالحرم الشريف ولا تفتح الكعبة المقدسة من ذلك اليوم حتى تنقضي الوقفة بعرفة.

стр. 375

ذكر شعائر الحج وأعماله وإذا كان في أول يوم من شهر ذي الحجة تضرب الطبول والدّبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك، ولا تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات «٢٢٦» ، فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة، فإذا كان اليوم الثامن بكّر الناس بالصعود إلى منى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لاهل الشام دائما، فإذا كان اليوم التاسع رحلوا من منى بعد صلاة الصبح إلى عرفة فيمرون في طريقهم بوادي محسّر، ويهرولون فيه، وذلك سنّة. ووادي محسّر هو الحد بين مزدلفة ومنى «٢٢٧» ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين، وحولها مصانع وصهاريج للماء مما بنته زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، وبين منى وعرفة خمس أميال، وكذلك بين منى ومكّة أيضا خمسة أميال. ولعرفة ثلاث أسماء، وهي عرفة، وجمع، والمشعر الحرام «٢٢٨» ، وعرفات: بسيط من الأرض فسيح أفيح تحدق به جبال كثيرة وفي آخر بسيط عرفات جبل الرّحمة، وفيه الموقف، وفيما حوله، والعلمان قبله بنحو ميل، وهما الحد ما بين الحل والحرم، وبمقربة منهما مما يلي عرفة بطن عرنة الذي أمر النبي ﷺ بالارتفاع عنه ويجب التحفظ منه، ويجب أيضا الإمساك عن النّفور حتى يتمكن سقوط الشمس، فإن الجمّالين ربّما استحثوا كثيرا من الناس وحذّروهم الزحام في النّفر واستدرجوهم إلى أن يصلوا بهم بطن عرنة فيبطل حجهم.

стр. 376

صورة عرفات

стр. 377

رمي الجمرات في منى

стр. 378

عودة لمكة ... صورة الكعبة

стр. 379

وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة ﵂، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليّه «٢٢٩» جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم ﵇، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي ﷺ عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا. وإذا حان وقت النّفر أشار الامام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتج لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه. وكانت وقفتي الأولى يوم الخميس سنة ست وعشرين «٢٣٠» ، وأمير الركب المصري يومئذ أرغون الدوادار «٢٣١» نائب الملك الناصر، وحجت في تلك السنة ابنة الملك الناصر، وهي زوجة أبي بكر بن أرغون المذكور، وحجّت فيها زوجة الملك الناصر المسماة بالخوندة، وهي بنت السلطان المعظم محمد أوزبك ملك لسرا وخوارزم، وأمير الركب الشامي سيف الدين الجوبان «٢٣٢» . ولما وقع النفر بعد غروب الشمس وصلنا مزدلفة عند العشاء الآخرة فصلينا بها المغرب والعشاء جمعا بينهما حسبما جرت سنة رسول الله ﷺ ، ولما صلينا الصبح بمزدلفة غدونا منها إلى منى بعد الوقوف والدعاء بالمشعر الحرام، ومزدلفة كلّها موقف إلا وادي محسّر ففيه تقع الهرولة حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وذلك مستحب، ومنهم من يلقطها

стр. 380

حول مسجد الخيف «٢٣٣» ، والأمر في ذلك واسع، ولما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة، ثم نحروا وذبحوا، ثم حلقوا وحلّوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة، ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر، ولما رموها توجه أكثر الناس بعد أن ذبحوا وحلقوا إلى طواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني رمى الناس عند زوال الشمس بالجمرة الأولى سبعة حصيات، وبالوسطى كذلك، ووقفوا للدعاء بهاتين الجمرتين اقتداء بفعل رسول الله ﷺ ، ولما كان اليوم الثالث تعجل الناس الانحدار إلى مكة، شرّفها الله بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين حصاة، وكثير منهم أقام اليوم الثالث بعد يوم النحر حتى رمي سبعين حصاة. ذكر كسوة الكعبة وفي يوم النّحر بعثت كسوة الكعبة الشريفة من الركب المصري إلى البيت الكريم، فوضعت في سطحه، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشّيبيون في إسبالها على الكعبة الشريفة، وهي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان، وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما الآية، وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها. ولما كسيت شمّرت أذيالها صونا عن أيدي الناس، والملك الناصر هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقومة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كلّ سنة. وفي هذه الأيام تفتح الكعبة الشريفة كلّ يوم للعراقيين والخراسانيين وسواهم ممن يصل مع الركب العراقي، وهم يقيمون بمكة بعد سفر الركبين: الشامي والمصري أربعة أيام، فيكثرون فيها الصدقات على المجاورين وغيرهم. ولقد شاهدتهم يطوفون بالحرم ليلا فمن لقوه في الحرم من المجاورين أو المكيين أعطوه الفضّة والثياب، وكذلك يعطون للمشاهدين الكعبة الشريفة، وربما وجدوا إنسانا نائما فجعلوا في فيه الذهب والفضة حتى يفيق! ولما قدمت معهم من العراق سنة ثمان وعشرين «٢٣٤» فعلوا من ذلك كثيرا، وأكثروا الصدقة حتى رخص سوم الذهب بمكة، وانتهى صرف المثقال إلى ثمانية عشر درهم «٢٣٥» نقرة لكثرة ما تصدّقوا به من الذهب.

стр. 381

وفي هذه السنة ذكر اسم السلطان أبي سعيد ملك العراق على المنبر وقبّة زمزم. ذكر الانفصال عن مكة شرفها الله تعالى وفي الموفى عشرين لذى الحجة «٢٣٦» خرجت عن مكة صحبة أمير ركب العراق البهلوان «٢٣٧» محمد الحويح بحاءين مهملين، وهو من أهل الموصل، وكان يلي إمارة الحاج بعد موت الشيخ شهاب الدين قلندر، وكان شهاب الدين سخيا فاضلا عظيم الحرمة عند سلطانه يحلق لحيته وحاجبيه على طريقة القلندرية، ولما خرجت من مكة، شرّفها الله تعالى، في صحبة الأمير البهلوان المذكور اكترى لي شقّة محارة «٢٣٨» إلى بغداد، ودفع إجارتها من ماله، وأنزلني في جواره. وخرجنا بعد طواف الوداع إلى بطن مرّ في جمع من العراقيين والخراسانيين والفارسيين والأعاجم لا يحصى عديدهم، تموج بهم الأرض موجا ويسيرون سير السحاب المتراكم، فمن خرج عن الركب لحاجة، ولم تكن له علامة يستدل بها على موضعه، ضلّ عنه لكثرة الناس. وفي هذا الركب نواضح كثيرة لأبناء السبيل يستقون منها الماء وجمال لرفع الزاد للصدقة ورفع الأدوية والأشربة والسكر لمن يصيبه المرض، وإذا نزل الركب طبخ الطعام في قدور نحاس عظيمة تسمى الدّسوت، وأطعم منها أبناء السبيل ومن لا زاد معه. وفي الركب جملة من الجمال يحمل عليها من لا قدرة له على المشي، كل ذلك من صدقات السلطان أبي سعيد ومكارمه «٢٣٩» .

стр. 382

قال ابن جزى: كرّم الله هذه الكنية الشريفة، فما أعجب أمرها في الكرم! وحسبك بمولانا بحر المكارم ورافع رايات الجود الذي هو آية في النداء والفضل أمير المسلمين أبي سعيد ابن مولانا قامع الكفار، والآخذ للإسلام بالثأر، أمير المسلمين أبي يوسف، قدس الله أرواحهم الكريمة، وأبقى الملك في عقبهم الطاهر إلى يوم الدين «٢٤٠» . رجع، وفي هذا الرّكب الأسواق الحافلة، والمرافق العظيمة، وأنواع الأطعمة والفواكه، وهم يسيرون باللّيل ويوقدون المشاعل أمام القطار والمحارات، فترى الأرض تتلألأ نورا والليل قد عاد نهارا ساطعا، ثم رحلنا من بطن مرّ إلى عسفان، ثم إلى خليص، ثم رحلنا أربع مراحل ونزلنا وادي السمك، ثم رحلنا خمسا ونزلنا في بدر، وهذه المراحل اثنتان في اليوم: إحداهما بعد الصبح والأخرى بالعشى، ثم رحلنا من بدر فنزلنا الصّفراء وأقمنا بها يوما مستريحين، ومنها إلى المدينة الشريفة مسيرة ثلاث، ثم رحلنا فوصلنا إلى طيبة مدينة رسول الله ﷺ ثانية وأقمنا بالمدينة، كرمها الله تعالى، ستة أيام واستصحبنا منها الماء لمسيرة ثلاث، ورحلنا عنها فنزلنا في الثالثة بوادي العروس فتزودنا منه الماء من حسيان يحفرون عليها في الأرض فينبطون ماء عذبا معينا. ثم رحلنا من وادي العروس ودخلنا أرض نجد وهو بسيط من الأرض مدّ البصر فتنسمنا نسيمه الطيب الأرج ونزلنا بعد أربع مراحل على ماء يعرف بالعسيلة «٢٤١» . ثم رحلنا عنه ونزلنا ماء يعرف بالنقرة «٢٤٢» فيه أثار مصانع كالصّهاريج العظيمة، ثم رحلنا إلى ماء يعرف بالقارورة «٢٤٣» ، وهي مصانع مملوءة بماء المطر مما صنعته زبيدة ابنة جعفر، رحمها الله ونفعها، وهذا الموضع هو وسط أرض نجد، فسيح طيّب النسيم صحيح الهواء نقي التّربة معتدل في كل فصل، ثم رحلنا من القارورة، ونزلنا بالحاجر، وفيه مصانع للماء

стр. 383

وربما جفّت فحفر عن الماء في الجفار «٢٤٤» . ثم رحلنا ونزلنا سميرة «٢٤٥» ، وهي أرض غائرة في بسيط فيه شبه حصن مسكون، وماؤها كثير في آبار إلا أنه زعاق ويأتي عرب تلك الارض بالغنم والسمن واللبن فيبيعون ذلك من الحجاج بالثياب الخام، ولا يبيعون بسوى ذلك، ثم رحلنا ونزلنا بالجبل المخروق «٢٤٦» ، وهو في بيداء من الأرض وفي أعلاه ثقب نافذ تخرقه الرّيح، ثم رحلنا منه إلى وادي الكروش، ولا ماء به، ثم أسرينا ليلا وصبّحنا حصن فيد «٢٤٧» ، وهو حصن كبير في بسيط من الأرض يدور به سور، وعليه ربض وساكنوه عرب يتعيشون مع الحاجّ في البيع والتجارة، وهنالك يترك الحجّاج بعض أزوادهم حين وصولهم من العراق إلى مكة شرفها الله تعالى، فإذا عادوا وجدوه، وهو نصف الطريق من مكة إلى بغداد، ومنه إلى الكوفة مسيرة اثني عشر يوما في طريق سهل به المياه في المصانع. ومن عادة الركب أن يدخلوا هذا الموضع على تعبئة وأهبة للحرب إرهابا للعرب المجتمعين هنالك وقطعا لأطعامهم عن الركب. وهنالك لقينا أميري العرب وهما فياض وحيار واسمه بكسر الحاء واهمالها وياء آخر الحروف وهما أبناء الأمير مهنّا بن عيسى «٢٤٨» ومعهما من خيل العرب ورجالهم من لا يحصون كثرة، فظهر منهما المحافظة على الحاج والرّحال والحوطة لهم، وأتى العرب بالجمال والغنم فاشترى منهم الناس ما قدروا عليه.

стр. 384

ثم رحلنا ونزلنا الموضع المعروف بالأجفر «٢٤٩» ويشتهر باسم العاشقين: جميل وبثينة «٢٥٠» ، ثم رحلنا ونزلنا بالبيداء ثم أسرينا ونزلنا زرود «٢٥١» ، وهي بسيط من الأرض فيه رمال منهالة، وبه دور صغار قد أداروها شبه الحصن، وهنالك آبار ماء ليست بالعذبة، ثم رحلنا ونزلنا الثعلبية «٢٥٢» ، ولها حصن خرب بازائه مصنع هائل ينزل إليه في درج، وبه من ماء المطر ما يعم الركب، ويجتمع من العرب بهذا الموضع جمع عظيم فيبيعون الجمال والغنم والسمن واللبن، ومن هذا الموضع إلى الكوفة ثلاث مراحل «٢٥٣» ، ثم رحلنا فنزلنا ببركة المرجوم، وهو مشهد على الطريق عليه كوم عظيم من حجارة وكل من مرّ به رجمه، ويذكر أن هذا المرجوم كان رافضيا فسافر مع الركب يريد الحج فوقعت بينه وبين أهل السّنّة من الأتراك مشاجرة فسب بعض الصحابة فقتلوه بالحجارة، وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب، ويقصدون الركب بالسمن واللبن وسوى ذلك، وبه مصنع «٢٥٤» كبير يعم جميع الركب مما بنته زبيدة، رحمة الله عليها، وكل مصنع أو بركة أو بئر بهذه الطريق التي بين مكة وبغداد فهي من كريم آثارها جزاها الله خيرا، ووفّى لها أجرها ... ولولا عنايتها بهذه الطريق ما سلكها أحد.

стр. 385

ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالمشقوق «٢٥٥» فيه مصنعان بهما الماء العذب الصافي، وأراق الناس ما كان عندهم من الماء وتزوّدوا منهما، ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالتّنانير «٢٥٦» وفيه مصنع ممتلئ بالماء ثم أسرينا منه واجتزنا ضحوة بزمّالة «٢٥٧» وهي قرية معمورة بها قصر للعرب ومصنعان للماء وأبار كثيرة، وهي من مناهل هذا الطريق، ثم رحلنا فنزلنا الهيثمين «٢٥٨» ، وفيه مصنعان للماء ثم رحلنا فنزلنا دون العقبة المعروفة بعقبة الشيطان «٢٥٩» ، وصعدنا العقبة في اليوم الثاني، وليس بهذا الطريق وعر سواها على أنها ليست بصعبة ولا طائلة، ثم نزلنا موضعا يسمى واقصة «٢٦٠» فيه قصر كبير ومصانع للماء معمور بالعرب، وهو آخر مناهل هذا الطريق. وليس فيما بعده إلى الكوفة منهل مشهور إلا مشارع ماء الفرات، وبه يتلقّى كثير من أهل الكوفة الحاجّ ويأتون بالدقيق والخبز والتمر والفواكه، ويهنئ الناس بعضهم بعضا بالسلامة، ثم نزلنا موضعا يعرف بلورة «٢٦١» ، فيه مصنع كبير للماء، ثم نزلنا موضعا يعرف بالمساجد «٢٦٢» فيه ثلاث مصانع، ثم نزلنا موضعا يعرف بمنارة القرون «٢٦٣» ، وهي منارة في بيداء من الأرض بائنة الارتفاع مجللة بقرون الغزلان، ولا عمارة حولها، ثم نزلنا موضعا

стр. 386

يعرف بالعذيب «٢٦٤» وهو واد مخصب عليه عمارة، وحوله فلاة خصبة فيها مسرح للبصر. ثم نزلنا القادسية «٢٦٥» حيث كانت الوقعة الشهيرة على الفرس التي أظهر الله فيها دين الإسلام وأذل المجوس عبدة النار، فلم تقم لهم بعدها قائمة، واستأصل الله شأفتهم وكان أمير المسلمين يومئذ سعد بن أبي وقاص ﵁، وكانت القادسية مدينة عظيمة افتتحها سعد ﵁ وخربت فلم يبق منها الآن إلا مقدار قرية كبيرة وفيها حدائق النخل، وبها مشارع من ماء الفرات. معركة القادسية كما تصورها أحدهم

стр. 387

الفصل الخامس العراق وفارس (عراق العرب وعراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث سيبتدىء المجلد الثاني من السفر الأول من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان والخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب والعجم حجّة أخرى ومجاورته ثم حجّه مرة ثالثة.

стр. 388

خريطة العراق وفارس

стр. 389

مدينة النّجف ثم رحلنا منها [أي القادسية] فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب ﵁ «١» بالنّجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء، ولها أسواق حسنة نظيفة، دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين، ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية، ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون «٢» أنه قبر عليّ ﵇، وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني «٣» ، وهو شبه الزّليج عندنا، لكن لونه أشرق ونقشه أحسن. ذكر الروضة والقبور التي بها ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة، ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها الحجّاب والنقباء والطواشية «٤» ، فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم، وذلك على قدر الزائر فيقفون معه على العتبة ويستأذنون له، ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضّعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فإن أذنتم له وإلّا رجع! وان لم يكن أهلا لذلك فأنتم أهل المكارم والسّتر! ثم يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضة وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبّة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفاح الذهب المنقوشة المحكمة مسمّرة بمسامير الفضة، قد

стр. 390

النجف الأشرف حيث مشهد الإمام علي مع شكرنا للسفارة العراقية بالرباط
следующие страницы →