← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يعرف بالعذيب «٢٦٤» وهو واد مخصب عليه عمارة، وحوله فلاة خصبة فيها مسرح للبصر. ثم نزلنا القادسية «٢٦٥» حيث كانت الوقعة الشهيرة على الفرس التي أظهر الله فيها دين الإسلام وأذل المجوس عبدة النار، فلم تقم لهم بعدها قائمة، واستأصل الله شأفتهم وكان أمير المسلمين يومئذ سعد بن أبي وقاص ﵁، وكانت القادسية مدينة عظيمة افتتحها سعد ﵁ وخربت فلم يبق منها الآن إلا مقدار قرية كبيرة وفيها حدائق النخل، وبها مشارع من ماء الفرات. معركة القادسية كما تصورها أحدهم

стр. 387

الفصل الخامس العراق وفارس (عراق العرب وعراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث سيبتدىء المجلد الثاني من السفر الأول من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان والخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب والعجم حجّة أخرى ومجاورته ثم حجّه مرة ثالثة.

стр. 388

خريطة العراق وفارس

стр. 389

مدينة النّجف ثم رحلنا منها [أي القادسية] فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب ﵁ «١» بالنّجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء، ولها أسواق حسنة نظيفة، دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين، ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية، ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون «٢» أنه قبر عليّ ﵇، وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني «٣» ، وهو شبه الزّليج عندنا، لكن لونه أشرق ونقشه أحسن. ذكر الروضة والقبور التي بها ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة، ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها الحجّاب والنقباء والطواشية «٤» ، فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم، وذلك على قدر الزائر فيقفون معه على العتبة ويستأذنون له، ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضّعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فإن أذنتم له وإلّا رجع! وان لم يكن أهلا لذلك فأنتم أهل المكارم والسّتر! ثم يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضة وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبّة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفاح الذهب المنقوشة المحكمة مسمّرة بمسامير الفضة، قد

стр. 390

النجف الأشرف حيث مشهد الإمام علي مع شكرنا للسفارة العراقية بالرباط

стр. 391

غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم ﵊، والثاني قبر نوح ﵊، والثالث قبر عليّ ﵁، وبين القبور طسوت ذهب وفضة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن به وجهه تبركا. وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه ستور من الحرير الملوّن يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربعة أبواب، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلهم رافضيّة. وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم أن بها قبر عليّ ﵁، فمنها أن في ليلة السابع والعشرين من رجب، وتسمى عندهم ليلة المحيا «٥» يؤتى الى تلك الروضة بكل مقعد من العراقين وخرسان وبلاد فارس والروم فيجتمع الثلاثون والأربعون ونحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحّاء من غير سوء، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليّ ولي الله «٦» . وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقات ولم أحضر تلك الليلة، لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من أرض الروم والثاني من إصبهان والثالث من خراسان وهم مقعدون فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنهم لم يدركوا (ليلة المحيا) وأنهم منتظرون أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقا عظيمة مدة عشرة أيام وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال، وإنما يحكم عليهم نقيب الأشراف، وأهلها تجار، يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعة وكرم، ولا يضام جارهم، صحبتهم في الأسفار، فحمدت صحبتهم، لكنهم غلوا في علي ﵁. ومن الناس في بلاد العراق وغيرها من يصيبه المرض فينذر للروضة نذرا إذا برىء ومنهم من يمرض رأسه فيصنع رأسا من ذهب أو فضة وياتي به إلى الروضة فيجعله النقيب في الخزانة، وكذلك اليد والرجل وغيرهما من الأعضاء، وخزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته.

стр. 392

ذكر نقيب الأشراف ونقيب الأشراف مقدّم من ملك العراق ومكانه عنده مكين، ومنزلته رفيعة وله ترتيب الأمراء الكبار في سفره، وله الأعلام والأطبال، وتضرب الطّبلخانة عند بابه مساء وصباحا، واليه حكم هذه المدينة ولا والي بها سواه، ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره. وكان النقيب في عهد دخولي إليها نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي «٧» نسبة إلى بلده آوه «٨» ، من عراق العجم، أهلها رافضة، وكان قبله جماعة يلي كل واحد منهم بعد صاحبه، منهم جلال الدين بن الفقيه، ومنهم قوام الدين بن طاؤوس، ومنهم ناصر الدين مطهر بن الشريف الصالح شمس الدين محمد الأوهري من عراق العجم، وهو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها، ومنهم أبو غرّة بن سالم بن مهنّا بن جمّاز بن شيحة «٩» الحسيني المدني. حكاية الشريف أبي غرّة كان الشريف أبو غرة قد غلب عليه في أول أمره العبادة، وتعلم العلم واشتهر بذلك، وكان ساكنا بالمدينة الشريفة كرّمها الله، في جوار ابن عمه منصور بن جمّاز أمير المدينة، ثم أنه خرج عن المدينة واستوطن العراق وسكن منها بالحلة، فمات النقيب قوام الدين بن طاؤوس فاتفق أهل العراق علي تولية أبي غرة نقابة الأشراف، وكتبوا بذلك إلى السلطان أبي سعيد فأمضاه ونفّذ له اليرليغ «١٠» ، وهو الظهير، بذلك، وبعثت له الخلعة والأعلام والطبول

стр. 393

على عادة النّقباء ببلاد العراق. فغلبت عليه الدنيا وترك العبادة والزهد وتصرف في الأموال تصرفا قبيحا فرفع أمره إلى السلطان، فلما علم بذلك أعمل السفر مظهرا أنه يريد خراسان قاصدا زيارة قبر علي بن موسى الرّضى «١١» بطوس، وكان قصده الفرار. فلما زار قبر علي بن موسى قدم هراة وهي آخر بلاد خراسان، وأعلم أصحابه أنه يريد بلاد الهند فرجع أكثرهم عنه وتجاوز هو أرض خرسان إلى السند فلما جاز وادي السند المعروف ببنج آب، ضرب طبوله وأنفاره، فراع ذلك أهل القرى وظنوا أن التتر أتو للإغارة عليهم، وأجفلوا إلى المدينة المسمّاة بأوجا، وأعلموا أميرها بما سمعوه فركب في عساكره واستعدّ للحرب وبعث الطلايع فرأوا نحو عشرة من الفرسان وجماعة من الرجال والتجار ممن صحب الشريف في طريقه، معهم الأطبال والأعلام، فسألوهم عن شأنهم، فأخبروهم أن الشريف نقيب العراق أتى وافدا على ملك الهند فرجع الطلايع إلى الأمير. وأخبروه بكيفية الحال، فاستضعف عقل الشريف لرفعه العلامات وضربه الطبول في غير بلاده! ودخل الشريف مدينة أوجا وأقام بها مدة تضرب الأطبال على باب داره غدوة وعشية، وكان مولعا بذلك. ويذكر أنه كان في أيام نقابته بالعراق تضرب الأطبال على رأسه فإذا أمسك النقار عن الضرب، يقول له: زد نقيرة يا نقار! حتى لقب لذلك. وكتب صاحب مدينة أوجا إلى ملك الهند بخبر الشريف وضربه الأطبال بالطريق وعلى باب داره غدوة وعشيا ورفعه الأعلام، وعادة أهل الهند أن لا يرفع علما ولا يضرب طبلا إلا من أعطاه الملك ذلك، ولا يفعله إلا في السفر وأما في حال الاقامة فلا يضرب الطبل إلا على باب الملك خاصة بخلاف مصر والشام والعراق فإن الطبول تضرب على أبواب الأمراء، فلما بلغ خبره إلى ملك الهند كره فعله وأنكره وفعل في نفسه. ثم خرج الأمير إلى حضرة الملك وكان الأمير كشلوخان، والخان عندهم أعظم الأمراء، وهو الساكن بملتان كرسي بلاد السند، وهو عظيم القدر عند ملك الهند يدعوه بالعمّ لانه كان ممن أعان أباه السلطان غياث الدين تغلق شاه على قتال السلطان ناصر الدين خسروشاه، قد قدم على حضرة ملكة الهند فخرج الملك إلى لقائه، فاتفق أن كان وصول الشريف في

стр. 394

ذلك اليوم وكان الشريف قد سبق الأمير بأميال وهو على حاله من ضرب الأطبال فلم يرعه إلا السلطان في موكبه فتقدم الشريف إلى السلطان فسلم عليه وسأله السلطان عن حاله، وما الذي جاء به، فأخبره ومضى السلطان حتى لقى الأمير كشلو خان، وعاد إلى حضرته ولم يلتفت إلى الشريف ولا أمر له بإنزال ولا غيره. وكان الملك عازما على السّفر إلى مدينة دولة أباد، وتسمى أيضا بالكتكة بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما، وتسمى أيضا بالدّويجر «١٢» وهي على مسيرة أربعين يوما من مدينة دهلى حضرة الملك، فلما شرع في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم، وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون دينارا، وقال لرسوله اليه، قل له: إن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاده، وان أراد السفر معنا فهي نفقته بالطريق، وإن أراد الاقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع، فاغتمّ الشريف لذلك وكان قصده أن يجزل له العطاء كما هي عادته مع أمثاله، واختار السفر صحبة السلطان وتعلق بالوزير أحمد بن أياس المدعو بخواجه جهان، وبذلك سمّاه الملك وبه يدعوه هو، وبه يدعوه سائر الناس، فإن من عادتهم أنه متى سمى الملك أحدا باسم مضاف إلى الملك من عماد، أو ثقة، أو قطب، أو باسم مضاف إلى الجهان من صدر وغيره، فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس، ومن خاطبه بسوى ذلك لزمته العقوبة، فتأكدت المودة بين الوزير والشريف فأحسن إليه ورفع قدره ولاطف الملك حتى حسن فيه رأيه، وأمر له بقريتين من قرى دولة أباد، وأمره أن تكون إقامته بها. وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء والاحسان إليهم، وفعل الخير وإطعام وعمارة الزوايا، فأقام الشريف يستغلّ القريتين ثمانية أعوام، وحصّل من ذلك مالا عظيما، ثم أراد الخروج فلم يمكنه فإنه من خدم السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه، وهو محب في الغرباء فقليلا ما يأذن لاحدهم في السراح فأراد الفرار من طريق الساحل فردّ منه، وقدم الحضرة ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه، فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلاد الهند وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم. وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار فأتى بها في بدرة فجعلها تحت فراشه، ونام عليها لمحبته في الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها فانه كان بخيلا، فأصابه وجع في جنبه بسبب رقاده عليها، ولم يزل يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى أن توفى بعد عشرين يوما من وصول البدرة اليه، وأوصى بذلك المال للشريف حسن

стр. 395

الحرّاني «١٣» ، فتصدق بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدهلي من أهل الحجاز والعراق. وأهل الهند لا يورّثون بيت المال، ولا يتعرضون لمال الغرباء، ولا يسألون عنه، ولو بلغ ما عسى أن يبلغ، وكذلك السودان لا يتعرضون لمال الأبيض ولا يأخذونه، إنما يكون عند الكبار من أصحابه حتى يأتى مستحقه «١٤» . وهذا الشريف أبو غرّة «١٥» ، له أخ اسمه قاسم سكن غرناطة مدة، وبها تزوج بنت الشريف أبي عبد الله بن ابراهيم الشهير بالمكّي، ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى أن استشهد بوادي كرّة «١٦» من نظر الجزيرة الخضراء، وكان بهمة من البهم لا يصطلى بناره، خرق المعتاد في الشجاعة، وله فيها أخبار شهيرة عند الناس، وترك ولدين هما في كفالة ربيبهما الشريف الفاضل أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني الكربلائي الشهير ببلاد المغرب بالعراقي «١٧» ، وكان تزوج أمهما بعد موت أبيهما فماتت عنده وهو محسن لهما جزاه الله خيرا.

стр. 396

[المجلد الثانى] [تتمة] الفصل الخامس العراق وفارس (عراق العرب وعراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث يبتدئ المجلد الثاني من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان والخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب والعجم حجّة أخرى ومجاورته ثم حجّه مرة ثالثة

стр. 397

خريطة العراق وفارس

стр. 398

نحو مدينة البصرة ولمّا تحصّلت لنا زيارة أمير المؤمنين عليّ ﵇، سافر الركب إلى بغداد، وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة «١٨» ، وهم أهل تلك البلاد، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلّا في صحبتهم، فاكتريت جملا على يد أمير تلك القافلة شامر بن درّاج الخفاجيّ وخرجنا من مشهد عليّ ﵇ فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان ابن المنذر «١٩» وابائه من ملوك بني ماء السماء، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة، في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات، ثم رحلنا عنه فنزلنا موضعا بقائم «٢٠» الواثق، وبه أثر قرية خربة ومسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه اخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار، وهو غابة قصب في وسط الماء «٢١» يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي، وهم قطّاع الطريق، رافضيّة المذهب خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا فسلبوهم حتّى النّعال والكشاكيل «٢٢» ، وهم يتحصّنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممّن يريدهم، والسباع بها كثيرة، ورحلنا مع هذا العذار ثلاث مراحل ثم وصلنا مدينة واسط . مدينة واسط مدينة واسط وهي حسنة الأقطار، كثيرة البساتين والأشجار، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم وتهدى الاعتبار مشاهدهم «٢٣» ، وأهلها من خيار أهل العراق، بل هم خير على

стр. 399

البصرة بين الشناشيل والنخيل

стр. 400

الإطلاق، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة واليهم ياتي أهل بلاد العراق برسم تعلّم ذالك. وكان في القافلة التي وصلنا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ، وبها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاث مائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلّم القرآن، عمّرها الشيخ تقيّ الدين بن عبد المحسن الواسطيّ «٢٤» ، وهو من كبار أهلها وفقهائها ويعطي لكلّ متعلّم بها كسوة في السنة ويجرى له نفقته في كلّ يوم ويقعد هو واخوانه وأصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة، وقد لقيته وأضافني وزوّدني تمرا ودراهم، ولمّا نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الوليّ أبي العباس أحمد الرفاعيّ «٢٥» ، وهو بقرية تعرف بأم عبيدة «٢٦» على مسيرة يوم من واسط، فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد «٢٧» ، وهم قطّان تلك الجهة، وأركبني فرسا له وخرجت ظهرا فبتّ تلك الليلة بحوش بني أسد، ووصلنا في ظهر اليوم الثاني إلى الرّواق، وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء وصادفنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد «٢٨» وليّ الله أبي العبّاس الرفاعي الذي قصدنا زيارته، وقد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارة قبر جدّه واليه انتهت الشياخة بالرّواق، ولمّا انقضت صلاة العصر ضربت الطبول والدفوف وأخذ الفقراء في الرقص ثم صلّوا المغرب وقدّموا السّماط، وهو خبز الأرز والسمك والتمر فأكل النّاس ثم صلّوا العشاء الآخرة وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجّادة جدّه المذكور، ثم أخذوا في السماع وقد أعدّوا احمالا من الحطب فأجّجوها نارا ودخلوا في وسطها يرقصون، ومنهم من يتمرّغ فيها، ومنهم من يأكلها بفمه حتّى أطفأوها جميعا وهذا دأبهم وهذه الطايفة الأحمديّة «٢٩»

стр. 401

مخصوصة بهذا، وفيهم من يأخذ الحيّة العظيمة فيعضّ بأسنانه على رأسها حتى يقطعه حكاية [الرقص في النار] كنت مرّة بموضع يقال له أفقانبور «٣٠» من عمالة هزار أمروها وبينها وبين دهلي: حضرة الهند مسيرة خمس، وقد نزلنا بها على نهر يعرف بنهر السّرو «٣١» ، وذلك في أوان الشّكال «٣٢» ، والشكال: عندهم هو المطر، وينزل في ابّان القيظ، وكان السّيل ينحدر في هذا النهر من جبال قراجيل «٣٣» ، فكلّ من يشرب منه من إنسان أو بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة، فأقمنا على النهر أربعة أيام لا يقربه أحد، ووصل إليّ هنالك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد وفي أيديهم، وكبيرهم رجل أسود حالك اللون، وهم من الطايفة المعروفة بالحيدريّة «٣٤» ، فباتوا عندنا ليلة وطلب منّي كبيرهم أن اتيه بالحطب ليوقده عند رقصهم، فكلّفت والي تلك الجهة وهو عزيز المعروف بالخمّار، وسياتي ذكره، أن يأتي بالحطب فوجّه منه نحو عشرة أحمال، فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الآخرة حتّى صارت جمرا وأخذوا في السماع ثمّ دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون ويتمرغون فيها، وطلب منّي كبيرهم قميصا فأعطيته قميصا في النهاية من الرقّة فلبسه وجعل يتمرّغ به في النار ويضربها بأكمامه حتّى طفئت تلك النار وخمدت وجاء إليّ بالقميص والنّار لم تؤثر فيه شيئا البتّة، فطال عجبي منه!

стр. 402

ولمّا حصلت لي زيارة الشيخ أبى العباس الرفاعي نفع الله به عدت إلى مدينة واسط فوجدت الرفقة التي كنت فيها قد رحلت فلحقتها في الطريق ونزلنا ماء يعرف بالهضيب، ثم رحلنا ونزلنا بوادي الكراع وليس به ماء ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالمشيرب «٣٥» ، ثم رحلنا منه ونزلنا بالقرب من البصرة ثم رحلنا فدخلنا ضحوة النهار إلى مدينة البصرة «٣٦» . مدينة البصرة فنزلنا بها رباط مالك بن دينار «٣٧» ، وكنت رأيت عند قدومي عليها على نحو ميلين منها بناء عالّما مثل الحصن، فسألت عنه فقيل لي هو مسجد علي بن أبي طالب «٣٨» ﵁، وكانت البصرة من اتّساع الخطّة، وانفساح الساحة، بحيث كان هذا المسجد في وسطها، وبينه الآن وبينها ميلان، وكذلك بينه وبين السور الأول المحيط بها نحو ذلك فهو متوسّط بينهما. ومدينة البصرة إحدى امّهات العراق، الشهيرة الذكر في الآفاق، الفسيحة الأرجاء، المؤنقة الأفناء، ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة، توفّر قسمها من النضارة والخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج والعذب «٣٩» ، وليس في الدنيا أكثر نخلا منها فيباع التمر في

стр. 403

سوقها بحساب أربعة عشر رطلا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ولقد بعث إليّ قاضيها حجّة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلّف، فاردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمّال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق! ويصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان «٤٠» ، وهو طيّب كانّه الجلاب، والبصرة ثلاث محلّات إحداها: محلّة هذيل، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء، أضافني وبعث اليّ بثياب ودراهم، والمحلّة الثانية: محلّة بني حرام كبيرها السيّد الشريف مجد الدين موسى الحسنى ذو مكارم وفواضل أضافني وبعث اليّ التمر والسّيلان والدراهم، والمحلّة الثالثة: محلّة العجم كبيرها جمال الدين بن اللّوكيّ «٤١» . وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وايناس للغريب وقيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب، وهم يصلّون الجمعة في مسجد أمير المومنين علي ﵁ الذي ذكرته، ثم يسدّ فلا يأتونه إلا في الجمعة. وهذا المسجد من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يوتي بها من وادي السباع «٤٢» ، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان ﵁ يقرأ فيه لمّا قتل «٤٣» ، وأثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم «٤٤» .

стр. 404

حكاية اعتبار شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجّة الدين فقال لي: إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو! وهذه عبرة لمن تفكّر فيها، سبحان مغيّر الأشياء ومقلّب الأمور. هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو، وفيها أصله وفرعه، ومن أهلها إمامه «٤٥» الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤبه عليها. ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرّك، بزعمهم عند ذكر عليّ بن أبي طالب ﵁، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد ومعي بعض أهل البصرة فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمّرا فيها كأنه مقبض مملّسة البنّاء، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال: بحقّ رأس أمير المومنين عليّ ﵁، تحرّكي! وهزّ المقبض، فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له: وأنا أقول: بحقّ رأس أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، تحرّكى! وهززت المقبض فتحركت الصومعة «٤٦» ! فعجبوا من ذلك! وأهل البصرة على مذهب السنّة والجماعة، ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم، ولو جرى مثل هذا بمشهد عليّ أو مشهد الحسين أو بالحلّة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوه أو طوس لهلك فاعله! لأنّهم رافضة غالية. قال ابن جزي: قد عاينت بمدينة برشانة «٤٧» من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله، صومعة تهتزّ من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم، وهي صومعة المسجد الأعظم بها، وبناؤها ليس بالقديم، وهي كأحسن ما أنت راء من الصوامع، حسن

стр. 405

منظر واعتدالا وارتفاعا، لا ميل فيها ولا زيغ صعدت اليها مرّة ومعي جماعة من الناس فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزّوها فاهتزّت حتّى أشرت اليهم أن يكفوا فكفوا عن هزّها! رجع. ذكر المشاهد المباركة بالبصرة فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، ﵃، وهو بداخل المدينة وعليه قبّة ومسجد وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وأهل البصرة يعظّمونه تعظيما شديدا وحقّ له، ومنها مشهد الزبير بن العوّام حوارّى رسول الله ﷺ وابن عمّته ﵄ وهو بخارج البصرة ولا قبّة عليه وله مسجد وزاوية فيها الطعام لابناء السبيل. ومنها «٤٨» قبر حليمة السعديّة أمّ رسول الله ﷺ من الرّضاعة ﵂ وإلى جانبها قبر ابنها رضيع رسول الله ﷺ «٤٩» ، ومنها قبر أبي بكرة «٥٠» صاحب رسول الله ﷺ وعليه قبّة. وعلى ستّة أميال منها بقرب وادي السباع قبر آنس ابن مالك «٥١» خادم رسول الله ﷺ ولا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران. ومنها قبر الحسن بن أبي الحسن البصريّ سيّد التابعين ﵁ «٥٢» ومنها

стр. 406

قبر محمد بن سيرين «٥٣» ، ﵁، ومنها قبر محمد بن واسع «٥٤» ﵁، ومنها قبر عتبة الغلام «٥٥» ، ﵁، ومنها قبر مالك بن دينار ﵁ «٥٦» ، ومنها قبر حبيب العجميّ «٥٧» ، ﵁، ومنها قبر سهل بن عبد الله التّستريّ «٥٨» ﵁. وعلى كل قبر منها قبريّة مكتوب فيها اسم صاحب القبر ووفاته، وذالك كله داخل السور القديم، وهي اليوم بينها وبين البلد نحو ثلاثة أميال، وبها سوى ذلك قبور الجمّ الغفير من الصحابة والتابعين المستشهدين يوم الجمل. وكان أمير البصرة حين ورودي عليها يسمّى بركن الدين العجمي التّوريزيّ «٥٩» أضافني فأحسن إلي. والبصرة على ساحل الفرات والدجلة وبها المدّ والجزر كمثل ما هو بوادي سلا «٦٠» من بلاد المغرب وسواه، والخليج المالح الخارج من بحر فارس «٦١» على عشرة أميال منها

стр. 407

فإذا كان المدّ غلب الماء المالح على العذب وإذا كان الجزر غلب الماء الحلو على المالح فيستسقى أهل البصرة الماء لدورهم، ولذلك يقال: إن ماءهم زعاق. قال ابن جزي: وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيّد والوان أهلها مصفرّة كاسفة حتّى ضرب بهم المثل وقال بعض الشعراء وقد أحضرت «٦٢» بين يدي الصاحب أترجّة لله أترجّ غدا بيننا ... معبّرا عن حال دي عبرة كما كسى الله ثياب الضنّا ... أهل الهوى وساكني البصرة!! رجع، ثم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق «٦٣» وهو قارب صغير إلى الأبلة «٦٤» ، وبينها وبين البصرة عشرة أميال في بساتين متّصلة، ونخيل مضلّلة، عن اليمين واليسار، والباعة في ظلال الأشجار، يبيعون الخبز والسمك واللبن والفواكه. وفيما بين البصرة والأبلّة متعبّد سهل بن عبد الله التّسترى فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء ممّا يحاذيه من الوادي ويدعون عند ذلك تبرّكا بهذا الواليّ، ﵁، والنواتية يجدفون في هذه البلاد وهم قيام:

стр. 408

وكانت الابلّة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالّة على عظمها، ثم ركبنا في الخليج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلّة يسمّى بمغامس وذلك فيما بعد المغرب فصبحنا عبّادان «٦٥» ، وهي قرية كبيرة في سبخة لا عمارة بها، وفيها مساجد كثيرة ومتعبّدات ورباطات للصالحين وبينها وبين الساحل ثلاثة أميال. قال ابن جزي: عبّادان كانت بلدا فيما تقدّم وهي مجدبة لا زرع بها وانّما بجلب اليها، والماء أيضا بها قليل وقد قال فيها بعض الشعراء، من مبلغ أندلسا أنّني ... حللت عبّادان أقصى الثّرى أوحش ما أبصرت لا كنّني ... قصدت فيها ذكرها في الوارى الخبز فيها يتهادونه ... وشربة الماء بها تشترى!! رجع، وعلى ساحل البحر منها رابطة تعرف بالنسبة إلى الخضر وإلياس ﵉، وبازايها زاوية يسكنها أربعة من الفقراء بأولادهم يخدمون الرابطة والزاوية، ويتعيّشون من فتوحات الناس وكلّ من يمرّ بهم يتصدّق عليهم، وذكر لي أهل هذه الزاوية أنّ بعبّادان عابدا كبير القدر، ولا أنيس له، ياتي هذا البحر مرّة في الشهر فيصطاد فيه ما يقوته شهرا ثم لا يرى إلا بعد تمام شهر، وهو على ذلك منذ أعوام، فلمّا وصلنا عبّادان لم يكن لي شأن إلا طلبه، فاشتغل من كان معي بالصلاة في المساجد والمتعبّدات، وانطلقت طالبا له فجئت مسجدا خربا فوجدته يصلّي فيه فجلست إلى جانبه، فأوجز في صلاته، ولمّا سلّم أخذ بيدي، وقال لي: بلّغك الله مرادك في الدنيا والآخرة! فقد بلغت بحمد الله مرادي في الدنيا وهو السيّاحة في الأرض وبلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه، وبقيت الأخرى والرجا قوّى في رحمة الله وتجاوزه وبلوغ المراد من دخول الجنّة. ولمّا أتيت أصحابي أخبرتهم خبر الرجل واعلمتهم بموضعه فذهبوا اليه فلم يجدوه ولا وقعوا له على خبر فعجبوا من شأنه! وعدنا بالعشى إلى الزاوية فبتنا بها ودخل علينا أحد الفقراء الأربعة بعد صلاة العشاء الآخرة، ومن عادة ذلك الفقير أن يأتي عبّادان كلّ ليلة فيسرج السرج بمساجدها ثم يعود إلى زاويته، فلما وصل إلى عبّادان وجد الرجل العابد فأعطاه سمكة طريّة، وقال له أوصل هاذه إلى الضيف الذي قدم اليوم، فقال لنا الفقير عند

стр. 409

دخوله علينا: من رأى منكم الشيخ اليوم؟ فقلت له: أنا رأيته! فقال: يقول لك هذه ضيافتك، فشكرت الله على ذلك، وطبخ لنا الفقير تلك السمكة فاكلنا منها أجمعون، وما أكلت قطّ سمكّا أطيب منها، وهجس في خاطري الإقامة بقيّة العمر في خدمة ذلك الشيخ، ثمّ صرفتني النّفس اللجوج عن ذلك. ثم ركبنا البحر عند الصبح بقصد بلدة ماجول «٦٦» ، ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك، وكنت أحبّ قصد بغداد العراق فأشار عليّ بعض أهل البصرة بالسفر إلى أرض اللّور ثم إلى عراق العجم، ثم إلى عراق العرب، فعملت بمقتضى إشارته، ووصلنا بعد أربعة أيام إلى بلدة (ماجول) على وزن فاعول، وجيمها معقودة، وهي صغيرة على ساحل هذا الخليج الذي ذكرنا أنه يخرج من بحر فارس وأرضها سبخة لا شجر فيها ولا نبات ولها سوق عظيمة من أكبر الأسواق وأقمت بها يوما واحدا، ثم اكتريت دابّة لركوبي من الذين يجلبون الحبوب من (رامز) إلى (ماجول) ، وسرنا ثلاثا في صحراء يسكنها الأكراد في بيوت الشعر، ويقال إن أصلهم من العرب «٦٧» ، ثم وصلنا إلى مدينة رامز «٦٨» وأول حروفها راء وآخرها زاي وميمها مكسورة، وهي مدينة حسنة ذات فواكه وأنهار ونزلنا بها عند القاضي حسام الدين محمود، ولقيت عنده رجلا من أهل العلم والدين والورع هنديّ الأصل، يدعى بهاء الدين، ويسمى إسماعيل، وهو من أولاد الشيخ بهاء الدين أبي زكرياء الملتاني «٦٩» وقرأ على مشايخ توريز وغيرها. وأقمت بمدينة رامز ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثا في بسيط فيه قرى يسكنها الأكراد، وفي كل مرحلة منها زاوية فيها للوراد الخبز واللحم والحلواء، وحلواءهم من ربّ

стр. 410

الدّهو: مركب شراعي مألوف في شواطئ الجزيرة العربية والخليج، وشرقي افريقيا

стр. 411

العنب، مخلوطا بالدقيق والسمن، وفي كل زاوية الشيخ والامام والمؤذن والخادم للفقراء، والعبيد والخدم يطبخون الطعام. ثم وصلت إلى مدينة تستر «٧٠» وهي آخر البسيط من بلاد أتابك «٧١» وأول الجبال، مدينة كبيرة، رايقة نضيرة، وبها البساتين الشريفة، والرياض المنيفة، ولها المحاسن البارعة، والأسواق الجامعة، وهي قديمة البناء افتتحها خالد بن الوليد، ووليّ هذه المدينة ينسب إلى سهل بن عبد الله ويحيط بها النهر المعروف بالأزرق «٧٢» وهو عجيب في نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحرّ، ولم أر كزرقته إلا نهر بلخشان «٧٣» ، ولها باب واحد للمسافرين يسمّى دروازة دسبول «٧٤» ، والدّروازة عندهم الباب، ولها أبواب غيره شارعة إلى النهر وعلى جانبي النّهر البساتين والدّواليب «٧٥» ، والنهر عميق، وعلى باب المسافرين منه جسر على القوارب «٧٦» كجسر بغداد والحلة. قال ابن جزي: وفي النهر يقول بعضهم انظر لشاذروان تستر واعتجب ... من جمعه ماء لريّ بلاده كمليك قوم جمّعت أمواله ... فغدا يفرّقها على أجناده

стр. 412

جامع تستر

стр. 413

والفواكه بتستر كثيرة، والخيرات متيسّرة غزيرة، ولا مثل لأسواقها في الحسن، وبخارجها تربة معظّمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة وينذرون لها النذور، ولها زاوية بها جماعة من الفقراء، وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب «٧٧» . وكان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الامام الصالح المتفنّن شرف الدين موسى بن الشيخ الصالح الامام العالم صدر الدّين سليمان، وهو من ذريّة سهل ابن عبد الله، وهذا الشيخ ذو مكارم وفضائل، جامع بين العلم والدين والصلاح والايثار، وله مدرسة وزاوية، وخدّامها فتيان له أربعة: سنبل وكافور، وجوهر وسرور، أحدهم موكّل بأوقاف الزاوية، والثاني متصرّف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم والثالث خديم السّماط بين أيدي الواردين ومرتّب الطعام لهم، والرابع موكل بالطبّاخين والسقّائين والفرّاشين، فاقمت عنده ستّة عشر يوما فلم أر أعجب من ترتيبه، ولا أرغد من طعامه يقدّم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من طعام الأرز المفلفل المطبوخ في السّمن والدجاج المقليّ والخبز واللحم والحلواء. وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة، وأقومهم سيرة، وهو يعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع ولمّا شاهدت مجالسه في الوعظ صغر لدى كلّ واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر، ولم ألق فيمن لقيتهم مثله، حضرت يوما عنده ببستان له على شاطئ النهر وقد اجتمع فقهاء المدينة وكبراؤها وأتى الفقراء من كل ناحية، فأطعم الجميع ثم صلّى بهم صلاة الظهر، وقام خطيبا وواعظا بعد أن قرأ القرّاء أمامه بالتلاحين المبكّية، والنغمات المحرّكة المهيجة، وخطب خطبة بسكون ووقار، وتصرّف في فنون العلم من تفسير كتاب الله وايراد حديث رسول الله والتكلم على معانيه، ثم ترامت عليه الرّقاع من كل ناحية. ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع ويرمونها إلى الواعظ فيجيب عنها «٧٨» فلمّا رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه وحان

стр. 414

وقت صلاة العصر فصلّى بالقوم وانصرفوا وكان مجلسه مجلس علم ووعظ وبركة، وتبادر التائبون فأخذ عليهم العهد وجزّ نواصيهم «٧٩» وكانوا خمسة عشر رجلا من الطلبة قدّموا من البصرة برسم ذلك وعشر رجال من عوّام تستر. حكاية [الشيخ السّخي] لمّا دخلت هذه المدينة أصابني مرض الحمّى، وهذه البلاد يحمّ داخلها في زمان الحرّ كما يعرض في دمشق وسواها من البلاد الكثيرة المياه والفواكه، وأصابت الحمّى أصحابي أيضا فمات منهم شيخ اسمه يحيى الخرساني، وقام الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميّت وصلى عليه، وتركت بها صاحبا لي يدعى بهاء الدين الختني فمات بعد سفري. وكنت حين مرضى لا أشتهي الأطعمة التي تصنع لي بمدرسته، فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعاما فاشتهيته ودفعت له دراهم، وطبّخ لي ذلك الطعام بالسوق وأتى به إليّ فأكلت منه، وبلغ ذلك الشيخ فشقّ عليه وأتى إليّ وقال لي: كيف تفعل هذا وتطبخ الطعام في السوق؟ وهلّا أمرت الخدّام أن يصنعوا لك ما اشتهيته، ثم أحضر جميعهم وقال لهم: جميع ما يطلبه منكم من أنواع الطعام والسكر وغير ذلك فأتوا إليه به وأطبخوا له ما يشاءه واكّد عليهم في ذلك أشدّ التاكيد، جزاه الله خيرا. ثم سافرنا من مدينة تستر ثلاثا في جبال شامخة وبكل منزل زاوية كما تقدم ذكر ذلك، ووصلنا إلى مدينة إيذج، وضبط اسمها بكسر الهمزة وياء مدّ وذال معجم مفتوح وجيم، وتسمى أيضا مال الأمير «٨٠» ، وهي حضرة السلطان أتابك، وعند وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخها العالم الوارع نور الدين الكرماني وله النظر في جميع الزوايا، وهم يسمّونها المدرسة، والسلطان يعظّمه ويقصد زيارته، وكذلك أرباب الدولة وكبراء الحضرة يزورونه غدوا

стр. 415

وعشيّا، فأكرمني وأضافني وأنزلني بزاوية تعرف باسم الدّينوري. وأقمت بها أياما وكان وصولي في أيام القيظ «٨١» ، وكنّا نصلّى صلوات الليل ثم ننام بأعلى سطحها، ثم ننزل إلى الزاوية ضحوة وكان في صحبتي أتنا عشر فقيرا منهم إمام وقارئان مجيدان وخادم، ونحن على احسن ترتيب. ذكر ملك إيذج وتستّر وملك إيذج في عهد دخولي إليها السلطان أتابك أفراسياب ابن السلطان أتابك «٨٢» أحمد، وأتابك عندهم سمة لكل من يلي هذه البلاد من ملك، وتسمى هذه البلاد بلاد اللّور «٨٣» ، وولى هذا السلطان بعد أخيه أتابك يوسف، وولى يوسف بعد أبيه أتابك أحمد، وكان أحمد المذكور ملكا صالحا سمعت من الثقات ببلاده أنه عمّر أربعمائة وستين زاوية ببلاده، منها بحضرة إيذج أربع وأربعون، وقسم خراج بلاده أثلاثا فالثلث منه لنفقة الزوايا والمدارس، والثلث منه لمرتّب العساكر، والثلث لنفقته ونفقة عياله وعبيده وخدّامه، ويبعث منه هديّة لملك العراق في كلّ سنة، وربّما وفد عليه بنفسه. وشاهدت من آثاره الصالحة ببلاده أن أكثرها في جبال شامخة، وقد نحتت الطرق في الصخور والحجارة وسوّيت ووسعت بحيث تصعدها الدواب بأحمالها، وطول هذه الجبال

стр. 416

مسيرة سبعة عشر في عرض عشرة، وهي شاهقة متّصل بعضها ببعض تشقّها الانهار، وشجرها البلّوط، وهم يصنعون من دقيقه الخبز وفي كلّ منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أوتى بما يكفيه من الطعام والعلف لدابّته سواء طلب ذلك أو لم يطلبه، فإن عادتهم أن يأتي خادم المدرسة فيعدّ من نزل بها من الناس ويعطي كلّ واحد منهم قرصين من الخبز ولحما وحلواء، وكل ذلك من اوقاف السلطان عليها، وكان السلطان أتابك أحمد زاهدا صالحا كما ذكرناه، يلبس تحت ثيابه ممّا يلي جسده ثوب شعر. حكاية [عادة أهل ايذج في مأتم أمرائهم] قدم السلطان اتابك أحمد مرّة على ملك العراق أبي سعيد، فقال له بعض خواصّه إن أتابك يدخل عليك وعليه الدّرع، وظنّ ثوب الشّعر الذي تحت ثيابه درعا، فأمرهم باختبار ذلك على جهة من الانبساط ليعرف حقيقته، فدخل عليه يوما فقام إليه الأمير الجوبان «٨٤» عظيم امراء العراق، والأمير سويته «٨٥» أمير ديار بكر، والشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق «٨٦» وأمسكوا بثيابه كأنهم يمازحونه ويضاحكونه، فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر، وراءه السلطان أبو سعيد، وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال له: سن اطا، ومعناه بالتركية: أنت أبي، وعوّضه عن هديّته بأضعافها وكتب له اليرليغ، وهو الظّهير ألّا يطالبه بهديّة بعدها هو ولا أولاده.

стр. 417

وفي تلك السنة توفيّ، وولى ابنه أتابك يوسف، عشرة أعوام «٨٧» ، ثم ولى أخوه أفراسياب، ولما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية السلطان أفراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلّا يوم الجمعة لإدمانه على الخمر، وكان له ابن هو وليّ عهده وليس له سواه فمرض في تلك الأيام، ولمّا كان في إحدى الليالي أتاني أحد خدّامه وسألني عن حالي فعرّفته وذهب عنّي، ثم جاء بعد صلاة المغرب ومعه طيفوران كبيران، أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة، وخريطة فيها دراهم ومعه أهل السماع بآلاتهم، فقال: اعملوا السماع حتى يرهج الفقراء ويدعون لابن السلطان، فقلت له: إن أصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص «٨٨» ، ودعونا للسلطان ولولده، وقسمت الدراهم على الفقراء، ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ والنواح، وقد مات المريض المذكور «٨٩» ، ولما كان الغد دخل عليّ شيخ الزاوية وأهل البلد، وقالوا: إن كبراء المدينة من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت عن ذلك، فعزموا عليّ، فلم يكن لي بدّ من المسير، فسرت معهم فوجدت مشور «٩٠» دار السلطان ممتلئا رجالا وصبيانا من المماليك وابناء الملوك والوزراء والأجناد وقد لبسوا التّلاليس وجلال الدوابّ، وجعلوا فوق رؤسهم التراب والتبن، وبعضهم قد جزّ ناصيته، وانقسموا فرقتين: فرقة باعلى المشور وفرقة بأسفله، وتزحف كلّ فرقة إلى جهة الأخرى وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم «٩١» قائلون: خوند كارما، ومعناه مولاي أنا فرأيت من ذلك امرا هائلا ومنظرا فضيحا لم أعهد مثله.

стр. 418

حكاية [ماتم ابن السلطان] ومن غريب ما اتّفق لي يومئذ أنّي دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور وهو غاصّ بهم من جميع جهاته وهم بين باك ومتباك ومطرق، وقد لبسوا فوق ثيابهم ثيابا خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة، بطاينها إلى أعلى ووجوهها ممّا يلي أجسادهم، وعلى رأس واحد منهم قطعة خرقة أو ميزر أسود، وهكذا يكون فعلهم إلى تمام أربعين يوما، وهي نهاية الحزن عندهم، وبعدها يبعث السلطان لكل من فعل ذلك كسوة كاملة فلمّا رأيت جهات المشور غاصّة بالناس نظرت يمينا وشمالا أرتاد موضعا لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر وفي إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد، عليه ثوب صوف شبه اللّبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج، وفي لأسفار، فتقدمت إلى حيث الرجل، وانقطع عنّي أصحابي لمّا رأوا إقدامي نحوه، وعجبوا مني وأنا لا علم عندي بشيء من حاله، فصعدت السقيفة وسلّمت على الرجل فردّ عليّ السلام وارتفع عن الارض كأنّه يريد القيام، وهم يسمّون ذلك نصف القيام وقعدت في الركن المقابل له ثم نظرت إلى الناس، وقد رموني بأبصارهم جميعا فعجبت منهم ورأيت الفقهاء والمشايخ والأشراف مستندين إلى الحايط تحت السقيفة، وأشار إليّ أحد القضاة أن أنحطّ إلى جانبه، فلم أفعل، وحينئذ استشعرت أنه السلطان! فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبل، فصعد إلى السقيفة وسلّم على الرجل، فقام إليه وجلس فيما بيني وبينه، فحينئذ علمت أن الرجل هو السلطان، ثم جيء بالجنازة وهي بين أشجار الأترج والليمون والنارنج، وقد ملئوا أغصانها بثمارها والأشجار بأيدي الرجال، فكأنّ الجنازة تمشي في بستان والمشاعل في رماح طوال بين يديها، والشمع كذلك فصلّى عليها، وذهب الناس معها إلى مدفن الملوك وهو بموضع يقال له (هلافيحان) «٩٢» على أربعة أميال من المدينة، وهنالك مدرسة عظيمة، يشقّها النهر، وبداخلها مسجد تقام فيه الجمعة وبخارجها حمّام ويحفّ بها بستان عظيم وبها الطعام للوارد وللصادر، ولم أستطع أن أذهب معهم إلى مدفن الجنازة لبعد الموضع فعدت إلى المدرسة، فلما كان بعد أيام بعث إليّ السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة أولا يدعوني إليه فذهبت معه إلى باب يعرف بباب السّرو، وصعدنا في درج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به لأجل ما هم فيه من الحزن، والسلطان جالس فوق مخدّة، وبين يديه انيتان قد غطيتا، إحداهما من الذهب والأخرى من الفضّة، وكانت بالمجلس سجّادة خضراء ففرشت

стр. 419

لي بالقرب منه وقعدت عليها، وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود، ونديم له لا أعرف اسمه، فسألني عن حالي وبلادي وسألني عن الملك الناصر وبلاد الحجاز، فأجبته عن ذلك، ثم جاء فقيه كبير هو رئيس فقهاء تلك البلاد، فقال لي السلطان: هذا مولانا فضيل، والفقيه ببلاد الأعاجم كلّها إنما يخاطب بمولانا «٩٣» ، وبذلك يدعوه السلطان وسواه، ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور وظهر لي أن السّكر غالب عليه! وكنت قد عرفت إدمانه على الخمر، ثم قال لي: باللسان العربي، وكان يحسنه: تكلّم! فقلت له: إن كنت تسمع منّي أقول لك، أنت من أولاد السلطان أتابك أحمد المشهور بالصلاح والزهد، وليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا! وأشرت إلى الآنيتين، فخجل من كلامي، وسكت وأردت الانصراف فأمرني بالجلوس وقال لي: الاجتماع مع أمثالك رحمة، ثم رأيته يتمايل ويريد النوم، فانصرفت وكنت تركت نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه، وصعد الفقيه فضيل يطلبه في داخل المجلس، فوجده في طاق هنالك، فأتى إليّ به فأخجلني برّه، واعتذرت إليه، فقبّل نعلي حينئذ، ووضعه على رأسه، وقال لي: بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أحد أن يقوله له، غيرك، والله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه. ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد أيام فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم، وأقمت بها أياما، وبعث إليّ السلطان بجملة دنانير، وبعث بمثلها لأصحابي، وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة «٩٤» ، وفي كل ليلة ننزل بمدرسة فيها الطعام، فمنها ما هو في العمارة، ومنها ما لا عمارة حوله، ولكن يجلب إليها جميع ما تحتاج اليه. وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تعرف بمدرسة كريو الرّخ «٩٥» ، وهي آخر بلاد هذا الملك، وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة إصفهان، ثم وصلنا إلى

стр. 420

بلدة أشتركان «٩٦» ، ويضبط اسمها بضم الهمزة واسكان الشين المعجم وضم التاء المعلوة واسكان الراء وآخره نون، وهي بلدة حسنة كثيرة المياه والبساتين، ولها مسجد بديع يشقّه النهر، ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان «٩٧» ، واسمها كانّه تثنيّة فيروز، وهي مدينة صغيرة ذات أنهار وأشجار وبساتين، وصلناها بعد صلاة العصر فرأينا أهلها قد خرجوا لتشييع جنازة وقد أوقدوا خلفها وأمامها المشاعل، واتبعوها بالمزامير والمغنّيين بانواع الأغاني المطربة فعجبنا من شأنهم، وبتنا بها ليلة. ومررنا بالغد بقرية يقال لها نبلان «٩٨» وهي كبيرة على نهر عظيم وإلى جانبه مسجد في النهاية من الحسن يصعد إليه في درج وتحفّه البساتين، وسرنا يومنا فيما بين البساتين والمياه والقرى الحسان، الكثيرة أبراج الحمام، ووصلنا بعد العصر إلى مدينة إصفهان «٩٩» من عراق العجم، واسمها يقال بالفاء الخالصة ويقال بالفاء المعقودة المفخّمة، ومدينة إصفهان من كبار المدن وحسانها إلّا أنها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بها بين أهل السنّة والروافض «١٠٠» ، وهي متّصلة بينهم حتى الآن، فلا يزالون في قتال، وبها الفواكه الكثيرة، ومنها المشمش الذي لا نظير له، يسمّونه بقمر الدّين وهم ييبّسونه ويدّخرونه، ونواه ينكسر عن لوز حلو، ومنها السفرجل الذي لا مثل له في طيب المطعم وعظم الجرم والأعناب الطيبة

стр. 421

جامع الإمام علي باصفهان

стр. 422

والبطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلّا ما كان من بطيخ بخاري وخوارزم وقشره أخضر وداخله أحمر، ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب وله حلاوة شديدة «١٠١» ، ومن لم يكن ألف أكله فإنه في أول أمره يسهله، وكذلك اتّفق لي لمّا أكلته بأصفهان. وأهل إصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة، وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له: اذهب معي لتأكل نان وماس، والنان بلسانهم الخبز، والماس اللبن «١٠٢» ، فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهيا له بذلك، وأهل كل صناعة يقدّمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو «١٠٣» ، وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبّان الأعزاب، وتتفاخر تلك الجماعات ويضيف بعضهم بعضا مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان مختلفين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم. ولقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت طائفة أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم اضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير! وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ على ابن سهل «١٠٤» تلميذ الجنيد «١٠٥» وهي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق ويتبركون بزيارتها وفيها الطعام للوارد والصادر، وبها حمّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف في السبيل لا يلزم أحدا في دخوله شيء، وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولى الله شمس الدين محمد بن محمود بن

стр. 423

علي المعروف بالرّجاء وأخوه العالم المفتى شهاب الدّين أحمد، أقمت عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يوما فرأيت من اجتهاده في العبادة وحبّه في الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب، وبالغ في اكرامي وأحسن ضيافتي وكساني كسوة حسنة وساعة وصولي الزاوية بعث اليّ بالطعام وبثلاث بطيخات من البطيخ الذي وصفناه أنفا ولم أكن رأيته قبل ولا أكلته. كرامة لهذا الشيخ دخل عليّ يوما بموضع نزولي من الزاوية وكان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ، وكانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم ونشرت في البستان، ورأيت في جملتها جبّة بيضاء مبطنة تدعى عندهم هزرميخي «١٠٦» ، فأعجبتني، وقلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دخل عليّ الشيخ نظر في ناحية البستان، وقال لبعض خدّامه ايئتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوا به، فكساني إياه فأهويت إلى قدميه أقبّلهما وطلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه، ويجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه، فألبسني إياها في الرابع عشر لجمادى الأخيرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة «١٠٧» بزاويته المذكورة كما لبس من والده شمس الدين ولبس والده من أبيه تاج الدّين محمود من أبيه شهاب الدّين على الرجاء، ولبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهرودي «١٠٨» ولبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السّهروردي، ولبس أبو النجيب من عمّه الامام وحيد الدين عمر ولبس عمر من والده محمد بن عبد الله المعروف بعمويه، ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني ولبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، ولبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري، ولبس ممشاد من الشيخ المحقّق علي ابن سهل الصوفي ولبس علي من أبي القاسم الجنيد ولبس الجنيد من سريّ السقطي ولبس سريّ السقطيّ من داوود الطائي،

стр. 424

ولبس داوود من الحسن بن أبي الحسن البصري ولبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المومنين علي بن أبي طالب. قال ابن جزي: هكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، والمعروف فيه أنّ سريّا السقطي صحب معروفا الكرخى «١٠٩» وصحب معروف داوود الطائي، وكذلك داوود الطائي بينه وبين الحسن حبيب العجمي، وأخو فرج الزنجاني إنما المعروف أنه صحب أبا العباس النّهاوندى، وصحب النّهاوندى أبا عبد الله بن خفيف، وصحب ابن خفيف أبا محمد رويما. وصحب رويم أبا القاسم الجنيد، وأما محمد بن عبد الله عمويه فهو الذي صحب الشيخ أحمد الدينورى الأسود وليس بينهما أحد والله أعلم، والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والد أبي النّجيب. رجع، ثم سافرنا من إصفهان «١١٠» بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز «١١١» وبينهما مسيرة عشرة أيام فوصلنا إلى بلدة كليل، وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مدّ، وبينها وبين إصفهان مسيرة ثلاث وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ورأيت التّفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ونزلنا منها بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي، وله مال عريض قد أعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا واطعام الطعام لابناء السبيل، ثم سرنا من كليل

стр. 425

يومئد «١١٢» ووصلنا إلى قرية كبيرة تعرف «١١٣» بصرماء وبها زاوية فيها الطعام للوارد والصادر عمرها خواجه كافي المذكور ثم سرنا منها إلى يزد خاص «١١٤» ، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء معجم والف وصاد مهمل، بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق، والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقّف بها، والبلدة على ضفّة خندق، فيه بساتينها ومياهها وبخارجها رباط ينزل به المسافرون عليه باب حديد وهو في النهاية من الحصانة والمنعة، وبداخله حوانيت يباع فيها كلّ ما يحتاجه المسافرون. وهذا الرباط عمّره الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، وفي يزد خاص يصنع الجبن اليزد خاصي ولا نظير له في طيبه ووزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع. تم سرنا «١١٥» منها على طريق دشت الروم «١١٦» ، وهي صحراء يسكنها الأتراك، ثم سافرنا إلى مايين «١١٧» واسمها بيائين مسفولتين أولاهما مكسورة، وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق، وأكثر أشجارها الجوز. ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز وهي مدينة أصليّة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة، والأنهار المتدفقة، والأسواق البديعة، والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة متقنة المباني، عجيبة الترتيب، وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم، وأهلها حسان الصور نظاف الملابس، وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلّا شيراز، وهي في بسيط من الأرض تحفّ بها البساتين من جميع الجهات وتشقّها خمسة أنهار: أحدها النهر المعروف بركن آباد «١١٨» وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القليعة «١١٩» ، ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد.
следующие страницы →