← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

جامع الإمام علي باصفهان

стр. 422

والبطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلّا ما كان من بطيخ بخاري وخوارزم وقشره أخضر وداخله أحمر، ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب وله حلاوة شديدة «١٠١» ، ومن لم يكن ألف أكله فإنه في أول أمره يسهله، وكذلك اتّفق لي لمّا أكلته بأصفهان. وأهل إصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة، وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له: اذهب معي لتأكل نان وماس، والنان بلسانهم الخبز، والماس اللبن «١٠٢» ، فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهيا له بذلك، وأهل كل صناعة يقدّمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو «١٠٣» ، وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبّان الأعزاب، وتتفاخر تلك الجماعات ويضيف بعضهم بعضا مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان مختلفين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم. ولقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت طائفة أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم اضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير! وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ على ابن سهل «١٠٤» تلميذ الجنيد «١٠٥» وهي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق ويتبركون بزيارتها وفيها الطعام للوارد والصادر، وبها حمّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف في السبيل لا يلزم أحدا في دخوله شيء، وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولى الله شمس الدين محمد بن محمود بن

стр. 423

علي المعروف بالرّجاء وأخوه العالم المفتى شهاب الدّين أحمد، أقمت عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يوما فرأيت من اجتهاده في العبادة وحبّه في الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب، وبالغ في اكرامي وأحسن ضيافتي وكساني كسوة حسنة وساعة وصولي الزاوية بعث اليّ بالطعام وبثلاث بطيخات من البطيخ الذي وصفناه أنفا ولم أكن رأيته قبل ولا أكلته. كرامة لهذا الشيخ دخل عليّ يوما بموضع نزولي من الزاوية وكان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ، وكانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم ونشرت في البستان، ورأيت في جملتها جبّة بيضاء مبطنة تدعى عندهم هزرميخي «١٠٦» ، فأعجبتني، وقلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دخل عليّ الشيخ نظر في ناحية البستان، وقال لبعض خدّامه ايئتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوا به، فكساني إياه فأهويت إلى قدميه أقبّلهما وطلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه، ويجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه، فألبسني إياها في الرابع عشر لجمادى الأخيرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة «١٠٧» بزاويته المذكورة كما لبس من والده شمس الدين ولبس والده من أبيه تاج الدّين محمود من أبيه شهاب الدّين على الرجاء، ولبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهرودي «١٠٨» ولبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السّهروردي، ولبس أبو النجيب من عمّه الامام وحيد الدين عمر ولبس عمر من والده محمد بن عبد الله المعروف بعمويه، ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني ولبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، ولبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري، ولبس ممشاد من الشيخ المحقّق علي ابن سهل الصوفي ولبس علي من أبي القاسم الجنيد ولبس الجنيد من سريّ السقطي ولبس سريّ السقطيّ من داوود الطائي،

стр. 424

ولبس داوود من الحسن بن أبي الحسن البصري ولبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المومنين علي بن أبي طالب. قال ابن جزي: هكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، والمعروف فيه أنّ سريّا السقطي صحب معروفا الكرخى «١٠٩» وصحب معروف داوود الطائي، وكذلك داوود الطائي بينه وبين الحسن حبيب العجمي، وأخو فرج الزنجاني إنما المعروف أنه صحب أبا العباس النّهاوندى، وصحب النّهاوندى أبا عبد الله بن خفيف، وصحب ابن خفيف أبا محمد رويما. وصحب رويم أبا القاسم الجنيد، وأما محمد بن عبد الله عمويه فهو الذي صحب الشيخ أحمد الدينورى الأسود وليس بينهما أحد والله أعلم، والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والد أبي النّجيب. رجع، ثم سافرنا من إصفهان «١١٠» بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز «١١١» وبينهما مسيرة عشرة أيام فوصلنا إلى بلدة كليل، وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مدّ، وبينها وبين إصفهان مسيرة ثلاث وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ورأيت التّفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ونزلنا منها بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي، وله مال عريض قد أعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا واطعام الطعام لابناء السبيل، ثم سرنا من كليل

стр. 425

يومئد «١١٢» ووصلنا إلى قرية كبيرة تعرف «١١٣» بصرماء وبها زاوية فيها الطعام للوارد والصادر عمرها خواجه كافي المذكور ثم سرنا منها إلى يزد خاص «١١٤» ، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء معجم والف وصاد مهمل، بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق، والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقّف بها، والبلدة على ضفّة خندق، فيه بساتينها ومياهها وبخارجها رباط ينزل به المسافرون عليه باب حديد وهو في النهاية من الحصانة والمنعة، وبداخله حوانيت يباع فيها كلّ ما يحتاجه المسافرون. وهذا الرباط عمّره الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، وفي يزد خاص يصنع الجبن اليزد خاصي ولا نظير له في طيبه ووزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع. تم سرنا «١١٥» منها على طريق دشت الروم «١١٦» ، وهي صحراء يسكنها الأتراك، ثم سافرنا إلى مايين «١١٧» واسمها بيائين مسفولتين أولاهما مكسورة، وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق، وأكثر أشجارها الجوز. ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز وهي مدينة أصليّة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة، والأنهار المتدفقة، والأسواق البديعة، والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة متقنة المباني، عجيبة الترتيب، وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم، وأهلها حسان الصور نظاف الملابس، وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلّا شيراز، وهي في بسيط من الأرض تحفّ بها البساتين من جميع الجهات وتشقّها خمسة أنهار: أحدها النهر المعروف بركن آباد «١١٨» وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القليعة «١١٩» ، ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد.

стр. 426

شيراز

стр. 427

العتيق «١٢٠» وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء، وصحنه متّسع مفروش بالمرمر، ويغسل في أوان الحرّ كل ليلة ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كلّ عشية ويصلّون به المغرب والعشاء وبشماله باب يعرف بباب حسن «١٢١» يفضي إلى سوق الفاكهة، وهي من أبدع الأسواق، وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصا نساءها، وهنّ يلبسن الخفاف ويخرجن متلحّفات متبرقعات، فلا يظهر منهن شيء ولهن الصّدقات والإيثار، ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كلّ يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم، فربّما اجتمع منهن الألف والألفان بايديهن المراوح يروّحن بها على أنفسهنّ من شدّة الحرّ، ولم أر اجتماع النساء في مثل عددهنّ في بلدة من البلاد! وعند «١٢٢» دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ الا قصد الشيخ القاضي الامام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرمات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خذاداد «١٢٣» ، ومعنى خذاداد: عطيّة الله فوصلت إلى مدرسته المجديّة المنسوبة اليه، وبها سكناه وهي من عمارته فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي، ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محبّ الدين وعلاء الدين ابنا أخيه: شقيقه روح الدين ١٢» أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنّه فسلمت عليه، وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلّاه فأرسل يدي، وأوما إليّ أن أصلّي

стр. 428

إلى جانبه، ففعلت وصلّى صلاة العصر، ثم قرىء بين يديه من كتاب المصابيح «١٢٥» ، وشوارق الأنوار للصاغاني «١٢٦» ، وطالعاه نائباه بما جرى لديهما من القضايا، وتقدّم كبار المدينة للسلام عليه، وكذلك عادتهم معه صباحا ومساء ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز فأخبرته بذلك، وأمر خدّامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة «١٢٧» . وفي غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدّرقندي «١٢٨» من كبار الأمراء خراساني الأصل فعند وصوله اليه نزع شاشيته عن رأسه وهم يسمّونها الكلا، وقبّل رجل القاضي وقعد بين يديه ممسّكا أذن نفسه بيده، وهكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم، وكان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه وخدامه وأصحابه، ونزل خارج المدينة ودخل إلى القاضي في خمسة نفر ودخل مجلسه وحده منفردا تأدبا. حكاية هي السبب في تعظيم هذا الشيخ وهي من الكرامات الباهرة «١٢٩» كان ملك العراق السلطان محمد خذا بنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الرّوافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر «١٣٠» ، فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت باسلامه

стр. 429

التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزيّن له مذهب الروافض «١٣١» وفضله على غيره، وشرح له حال الصحابة والخلافة، وقرر لديه أنّ أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله وان عليّا ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ومثّل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه مع حدثان عهد السلطان بالكفر، وعدم معرفته بقواعد الدّين، فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وأذربيجان وإصفهان وكرمان وخراسان، وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وصل إليها ذلك بغداد وشيراز وإصفهان، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج «١٣٢» منهم وهم أهل السنّة واكثرهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل وقالوا: لا سمع ولا طاعة! وأتو المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح وبه رسول السلطان فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه، وهم نحو اثني عشر ألفا في سلاحهم وهم حماة بغداد والمشار اليهم فيها، فحلفوا له: إنه إن غيّر الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص منها فانهم قاتلوه وقاتلوا رسول الملك ومستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله! وكان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء وساير الصحابة من الخطبة ولا يذكر إلا اسم علي ومن تبعه كعمّار ﵃ فخاف الخطيب من القتل، وخطب الخطبة المعتادة، وفعل أهل شيراز وإصفهان كفعل أهل بغداد، فرجعت الرسل إلى الملك فاخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يوتي بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أوتى به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ «١٣٣» ، وهو موضع مصيفه، فلمّا وصل القاضي أمران يرمى به إلى الكلاب التي عنده وهي كلاب ضخام في اعناقها السلاسل معدّة لأكل بني آدم، فإذا أوتي بمن يسلّط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقا غير مقيّد ثم بعثت تلك الكلاب عليه فيفرّ أمامها ولا مفرّ له فتدركه فتمزّقه وتأكل لحمه! فلما أرسلت

стр. 430

الكلاب على قاضي مجد الدين ووصلت اليه بصبصت إليه وحركت أذنابها بين يديه ولم تهجم عليه بشيء فبلغ ذلك السلطان، فخرج من داره حافي القدمين، فأكبّ على رجلي القاضي يقبّلهما، وأخذ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب، وهي أعظم كرامات السلطان عندهم. وإذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفا له ولبنيه وأعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شيء منها وأعظمها في ذلك السراويل «١٣٤» ، ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به ورجع السلطان عن مذهب الرفض، وكتب إلى بلاده أن يقرّ الناس على مذهب أهل السنة والجماعة «١٣٥» واجزل العطاء للقاضي وصرفه إلى بلاده مكرما معظما، وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان «١٣٦» ، وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخا يشقّه نهر عظيم والقرى منتظمة بجانبيه، وهو احسن موضع بشيراز، ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية ميمن وهي للقاضي المذكور. ومن عجائب هذا الموضع المعروف بجمكان أن نصفه ممّا يلي شيراز، وذلك مسافة اثنى عشر فرسخا شديد البرد وينزل فيه الثلج واكثر شجره الجوز، والنصف الآخر ممّا يلي بلاد هنج وبال وبلاد اللّار في طريق هرمز، شديد الحرّ وفيه شجر النخيل.

стр. 431

ضريح السّلطان محمد خذابنده عن مجلة الموسم ١٩٩٣

стр. 432

وقد تكرّر لي لقاء القاضي مجد الدين ثانية حين خروجي من الهند، قصدته من هرمز متبركا بلقائه، وذلك سنة ثمان وأربعين، وبين «١٣٧» هرمز وشيراز مسيرة خمسة وثلاثين يوما، فدخلت عليه وهو قد ضعف عن الحركة فسلّمت عليه فعرفني، وقام إليّ فعانقني ووقعت يدي على مرفقه، وجلده لاصق بالعظم لا لحم بينهما، وأنزلني بالمدرسة حيث أنزلني أول مرة وزرته يوما فوجدت ملك شيراز السلطان أبا اسحاق، وسيقع ذكره، قاعدا بين يديه ممسكا بأذن نفسه، وذلك هو غاية الادب عندهم، ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك، وأتيته مرة أخرى إلى المدرسة فوجدت بابها مسدودا، فسألت عن سبب ذلك فأخبرت أن أمّ السلطان واخته نشأت بينهما خصومة في ميراث فصرفهما إلى القاضي مجد الدين فوصلتا اليه إلى المدرسة وتحاكمتا عنده، وفصل بينهما بواجب الشرع. وأهل شيراز لايدعونه بالقاضي، وانما يقولون له مولانا أعظم وكذلك يكتبون في التسجيلات والعقود التي تفتقر إلى ذكر اسمه فيها، وكان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية وأربعين ولا حت عليّ أنواره وظهرت لي بركاته نفع الله به وبامثاله. ذكر سلطان شيراز وسلطان شيراز في عهد قدومي عليها الملك الفاضل أبو اسحاق بن محمد شاه ينجو «١٣٨» سمّاه أبوه باسم الشيخ أبي اسحاق الكازروني «١٣٩» ، نفع الله به، وهو من خيار السلاطين، حسن الصورة والسيرة والهيئة، كريم النفس، جميل الأخلاق ومتواضع، صاحب قوّة، وملك كبير، وعسكره ينيف على خمسين ألفا من الترك والأعاجم وبطانته الأدنون إليه أهل إصفهان، وهو لايأتمن أهل شيراز على نفسه ولا يستخدمهم ولا يقرّبهم ولا يبيح لأحد منهم حمل السلاح لأنهم أهل نجدة وبأس شديد وجرءة على الملوك ومن وجد بيده السلاح منهم عوقب.

стр. 433

ولقد شاهدت مرّة رجلا تجرّه الجنادرة وهم الشّرط إلى الحاكم وقد ربطوه في عنقه، فسألت عن شأنه فأخبرت أنه وجدت في يده قوس بالليل فذهب السلطان المذكور إلى قهر أهل شيراز وتفضيل الأصفهانيّين عليهم لأنه يخافهم على نفسه وكان أبوه محمد شاه ينجوا واليا على شيراز من قبل ملك العراق، وكان حسن السيرة محبّبا إلى أهلها فلما توفّى ولّى السلطان أبو سعيد مكانه الشيخ حسينا، وهو ابن الجوبان أمير الأمراء، وسياتي ذكره، وبعث معه العساكر الكثيرة فوصل إلى شيراز وملكها وضبط مجابيها، وهي من أعظم بلاد الله مجبى. ذكر لي الحاج قوام الدين الطّمغجي «١٤٠» ، وهو والي المجبى بها، أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم في كلّ يوم، وصرفها من ذهب المغرب الفا وخمسمائة دينار ذهبا، واقام بها الأمير حسين مدّة، ثم أراد القدوم على ملك العراق فقبض على أبي اسحاق بن محمد شاه ينجوا وعلى أخويه ركن الدين ومسعود بك وعلى والدته طاش خاتون «١٤١» ، وأراد حملهم إلى العراق ليطلبوا بأموال أبيهم، فلما توسّطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها وكانت متبرقعة حياء أن ترى في تلك الحال فإنّ عادة نساء الأتراك ألّا يغطين وجوههن، واستغاثت باهل شيراز وقالت: أهكذا يا أهل شيراز أخرج من بينكم وأنا فلانة زوجة فلان؟ فقام رجل من النّجارين يسمى بهلوان محمود قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز فقال: لا نتركها تخرج من بلدنا ولا نرضى بذلك فتابعه الناس على قوله وثارت عامّتهم ودخلوا في السلاح، وقتلوا كثيرا من العسكر وأخذوا الأموال وخلّصوا المرأة وأولادها، وفرّ الأمير حسين ومن معه وقدم على السلطان أبي سعيد مهزوما فأعطاه العساكر الكثيفة وأمره بالعود إلى شيراز والتحكّم في أهلها بما شاء. فلما بلغ أهلها ذلك علموا أنهم لا طاقة لهم به فقصدوا القاضي مجد الدين، وطلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين، ويقع الصلح، فخرج إلى الأمير حسين فترجّل له الامير عن فرسه وسلم عليه ووقع الصلح ونزل الامير حسين ذلك اليوم خارج المدينة.

стр. 434

فلما كان من الغد برز أهلها للقائه في أجمل ترتيب وزيّنوا البلد، وأوقدوا الشمع الكثير ودخل الأمير حسين في أبّهة وحفل عظيم، وسار فيهم بأحسن سيرة، فلما مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه وتغلّب كل أمير على ما بيده خافهم الامير حسين على نفسه وخرج عنهم، وتغلّب السلطان أبو اسحاق عليها، وعلى إصفهان وبلاد فارس وذلك مسيرة شهر ونصف شهر، واشتدّت شوكته وطمحت همّته إلى تملك ما يليه من البلاد فبدأ بالأقرب منها وهي مدينة يزد، مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطّردة وأشجار نضيرة، وأهلها تجار شافعيّة المذهب فحاصرها وتغلب عليها وتحصن الأمير مظفّر شاه ابن الامير محمد شاه بن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة تحدق بها الرمال فحاصره بها. فظهر «١٤٢» من الأمير مظفّر من الشجاعة ما خرق المعتاد ولم يسمع بمثله فكان يضرب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلا ويقتل ما شاء ويخرق المضارب والفساطيط ويعود إلى قلعته فلا يقدر على النيل منه، وضرب ليلة على دوّار السلطان، وقتل هنالك جماعة، وأخذ من عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعته، فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس ويصنعون له الكمائين، ففعلوا ذلك وخرج على عادته في مائة من أصحابه فضرب على العسكر واحاطت به الكمائن وتلاحقت العساكر فقاتلهم وخلص إلى قلعته ولم يصب من أصحابه إلا واحد أوتى به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه وأطلقه وبعث معه امانا لمظفر لينزل اليه فأبى ذلك. ثم وقعت بينهما المراسلة ووقعت له محبّة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجا عنه، فقال أريد أن أراه فإذا رأيته انصرفت عنه فوقف السلطان في خارج القلعة ووقف هو ببابها وسلّم عليه، فقال له السلطان انزل على الأمان، فقال له مظفر: إني عاهدت الله ألا أنزل إليك حتى تدخل انت قلعتي، وحينئذ أنزل اليك فقال له: أفعل ذلك، فدخل اليه السلطان في عشرة من أصحابه الخوّاص، فلما وصل باب القلعة ترجّل مظفر وقبّل ركابه، ومشى بين يديه مترجّلا، فأدخله داره وأكل من طعامه ونزل معه إلى المحلّة راكبا فاجلسه السلطان إلى جانبه وخلع عليه ثيابه وأعطاه مالا عظيما ووقع الاتّفاق بينهما أن تكون الخطبة باسم السلطان أبي إسحاق «١٤٣» ، وتكون البلاد لمظفر وأبيه وعاد السلطان إلى بلاده

стр. 435

جامع مدينة يزد

стр. 436

وكان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرّة إلى بناء ايوان كإيوان كسرى «١٤٤» ، وأمر اهل شيراز أن يتولّوا حفر أساسه فأخذوا في ذلك وكان أهل كلّ صناعة يباهون كلّ من عداهم فانتهوا في المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد، وكسوها ثياب الحرير المزركش وفعلوا نحو ذلك في برادع الدوّاب وأخراجها وصنع بعضهم الفؤوس من الفضّة، وأوقدوا الشمع الكثير وكانوا حين الحفر يلبسون أجمل ثيابهم ويربطون فوط الحرير على أوساطهم، والسلطان يشاهد أفعالهم في منظرة له، وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع، ولمّا بني أساسه رفع عن أهل المدينة التخديم فيه وصارت الفعلة تخدم فيه بالأجرة، ويحشر لذلك آلاف منهم وسمعت والي المدينة يقول: إن معظم مجباها ينفق في ذلك البناء، وقد كان الموكّل به الأمير جلال الدين بن الفلكي التّوريزي، وهو من الكبار، كان أبوه نائبا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمّى علي شاه جيلان «١٤٥» ، ولهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الله ويلقّب بهاء الملك، وفد على ملك الهند حين وفودي عليه، ووفد معنا شرف الملك أمير بخت فخلع ملك الهند علينا جميعا، وقدّم كل واحد في شغل يليق به، وعيّن لنا المرتّب والاحسان، وسندكر ذلك، وهذا السلطان أبو اسحاق يريد التشبّه بملك الهند المذكور في الإيثار واجزال العطايا، ولكن اين الثريّا من الثرى! واعظم ما تعرّفناه من عطيّات أبي اسحاق أنه اعطى الشيخ زادة الخراساني الذي أتاه رسولا عن ملك هرات سبعين الف دينار وأمّا ملك الهند فلم يزل يعطي أضعاف ذلك لمن لا يحصى كثرة من أهل خراسان وغيرهم. حكاية [ملك الهند وكرمه] ومن عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيّين أنّه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان هروى الدار من سكّان خوارزم يسمّى بالأمير عبد الله بعثته الخاتون ترابك زوج الامير قطلو دمور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند «١٤٦» المذكور فقبلها وكافى عنها بأضعافها وبعث

стр. 437

ذلك إليها واختار رسولها المذكور الإقامة عنده فصيّره في ندمائه، فلما كان ذات يوم قال له ادخل إلى الخزانة فارفع منها قدر ما تستطيع أن تحمله من الذهب فذهب إلى داره فأتى بثلاث عشرة خريطة، وجعل في كل خريطة قدر ما وسعته وربط كل خريطة بعضو من اعضائه، وكان صاحب قوة وقام بها فلما خرج عن الخزانة وقع ولم يستطع النهوض! فأمر السلطان بوزن ما خرج به فكان جملته ثلاثة عشر منّا بمنّ دهلى «١٤٧» والمنّ الواحد منها خمسة وعشرون رطلا مصرية، فأمره أن ياخذ جميع ذلك فأخذه وذهب به!!. حكاية تناسبها اشتكى مرة أمير بخت الملقّب بشرف الملك الخراساني وهو الذي تقدم ذكره آنفا بحضرة ملك الهند فأتاه الملك عائدا ولما دخل عليه أراد القيام فحلف له الملك أن لا ينزل عن كتّه والكتّ هو السرير، ووضع للسلطان متّكّأة يسمّونها المورة فقعد عليها ثم عاد بالذهب والميزان فجيئ بذلك وأمر المريض أن يقعد في احدى كفّتي الميزان فقال يا خوند عالم، لو علمت أنّك تفعل هذا للبست عليّ ثيابا كثيرة، فقال له البس الآن جميع ما عندك من الثياب، فلبس ثيابه المعدّة للبرد المحشوّة بالقطن، وقعد في كفّة الميزان ووضع الذهب في الكفّة الاخرى حتى رجحه الذهب، وقال له خذ هذا فتصدّق به عن رأسك، وخرج عنه! حكاية تناسبهما وفد عليه الفقيه عبد العزيز الأردويلي، وكان قد قرأ علم الحديث بدمشق وتفقّه فيه فجعل مرتّبه مائة دينار دراهم في اليوم، وصرف ذلك خمسة وعشرون دينار ذهبا، وحضر مجلسه يوما فسأله السلطان عن حديث فسرد له أحاديث كثيرة في ذلك المعنى فأعجبه حفظه وحلف له براسه إنه لا يزول من مجلسه حتّى يفعل معه ما يراه، ثم نزل الملك عن مجلسه فقبّل قدميه وأمر باحضار صينيّة ذهب وهي مثل الطيفور الصغير وأمر أن يلقى فيها الف دينار من الذهب واخذها السلطان بيده فصبّها عليه وقال هي لك مع الصينيّة. ووفد عليه مرة رجل خراساني يعرف بابن الشيخ عبد الرحمن الاسفراينى «١٤٨» وكان

стр. 438

أبوه نزل بغداد فاعطاه خمسين الف دينار دراهم وخيلا وعبيدا وخلعا. وسنذكر كثيرا من أخبار هذا الملك عند ذكر بلاد الهند، وانما ذكرنا هذا لما قدّمناه من أن السلطان أبا اسحاق يريد التشبّه به في العطايا، وهو وان كان كريما فاضلا فلا يلحق بطبقة ملك الهند في الكرم والسخاء. ذكر بعض المشاهد بشيراز فمنها مشهد أحمد بن موسى أخي الرضا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب رضي الله «١٤٩» عنهم، وهو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به ويتوسلون إلى الله بفضله. وبنت عليه طاش خاتون أم السلطان أبى اسحاق مدرسة كبيرة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر والقراء يقرءون القرآن على التربة دائما. ومن عادة الخاتون أنها تاتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين ويجتمع في تلك الليلة القضاة والفقهاء والشرفاء وشيراز من أكثر بلاد الله شرفاء سمعت من الثقات أن الذين لهم بها المرتّبات من الشرفاء ألف واربعمائة ونيف بين صغير وكبير، ونقيبهم عضد الدين الحسيني فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك المذكور ختموا القرآن قراءة في المصاحف، وقرأ القراء بالأصوات الحسنة وأوتى بالطعام والفواكه والحلواء فإذا أكل القوم وعظ الواعظ ويكون ذلك كلّه من بعد صلاة الظهر إلى العشى، والخاتون في غرفة مطلّة على المسجد لها شباك، ثم تضرب الطبول والأنفار والبوقات على باب التربة كما يفعل عند أبواب الملوك. ومن المشاهد بها مشهد الامام القطب الولي أبي عبد الله ابن خفيف المعروف عندهم بالشيخ «١٥٠» وهو قدوة بلاد فارس كلها ومشهده معظم عندهم ياتون اليه بكرة وعشيا فيتمسّحون به، وقد رأيت القاضي مجد الدين أتاه زائرا واستلمه، وتأتى الخاتون إلى هذا المسجد في كل ليلة جمعة، وعليه زاوية ومدرسة ويجتمع به القضاة والفقهاء ويفعلون به

стр. 439

كفعلهم في مشهد أحمد بن موسى، وقد حضرت الموضعين جميعا، وتربة الامير محمد شاه ينجوا والد السلطان أبي اسحاق متّصلة بهذه التربة والشيخ أبو عبد الله بن خفيف كبير القدر في الأولياء شهير الذكر، وهو الذي أظهر طريق جبل سرنديب بجزيرة سيلان من أرض الهند «١٥١» . كرامة لهذا الشيخ يحكى أنه قصد مرة جبل سرنديب ومعه نحو ثلاثين من الفقراء فأصابتهم مجاعة في طريق الجبل حيث لا عمارة وتاهوا عن الطريق وطلبوا من الشيخ أن ياذن لهم في القبض على بعض الفيلة الصغار، وهي في ذلك المحلّ كثيرة جدّا، ومنه تحمل إلى حضرة ملك الهند فنهاهم الشيخ عن ذلك فغلب عليهم الجوع فتعدّوا قول الشيخ وقبضوا على فيل صغير منها وذكّوه وأكلوا لحمه (١٥٢) ، وامتنع الشيخ من أكله فلما ناموا تلك الليلة اجتمعت الفيلة من كل ناحية وأتت اليهم فكانت تشمّ الرجل منهم وتقتله حتى أتت على جميعهم وشمّت الشيخ ولم تتعرّض له، وأخذه فيل منها ولفّ عليه خرطومه ورمى به على ظهره وأتى به الموضع الذي فيه العمارة فلما رءاه اهل تلك الناحية عجبوا منه واستقبلوه ليتعرّفوا أمره، فلما قرب منهم أمسكه الفيل بخرطومه ووضعه عن ظهره إلى الأرض بحيث يرونه فجاءوا اليه وتمسّحوا به وذهبوا به إلى ملكهم فعرّفوه خبره وهم كفّار، وأقام عندهم أيّاما. وذلك الموضع على خوريسمّى خور الخيزران «١٥٣» ، والخور هو النّهر، وبذلك الموضع مغاص الجوهر، ويذكر أن الشيخ غاص في بعض تلك الأيام بمحضر ملكهم وخرج وقد ضمّ يديه معا، وقال للملك: اختر ما في احداهما فاختار ما في اليمنى فرمى إليه بما فيها، وكانت ثلاثة أحجار من الياقوت لا مثل لها وهي عند ملوكهم في التاج يتوارثونها. وقد دخلت جزيرة سيلان هذه، وهم مقيمون على الكفر إلا أنّهم يعظمون فقراء المسلمين ويؤوونهم إلى دورهم ويطعمونهم الطعام ويكونون في بيوتهم بين أهليهم واولادهم خلافا لساير كفار الهند فانهم لا يقربون المسلمين ولا يطعمونهم في آنيتهم ولا يسقونهم فيها، مع أنهم لا يؤذونهم ولا يهجونهم، ولقد كنّا نضطرّ إلى أن يطبخ لنا بعضهم اللحم فياتون به

стр. 440

في قدورهم ويقعدون على بعد منّا ويأتون باوراق الموز فيجعلون عليها الارز وهو طعامهم ويصبّون عليه الكوشان «١٥٤» وهو الإدام ويذهبون فنأكل منه وما فضل علينا تاكله الكلاب والطير، وان اكل منه الولد الصغير الذي لا يعقل ضربوه واطعموه روث البقر، وهو الذي يطهّر ذلك في زعمهم! ومن المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح القطب روزجهان البقلى «١٥٥» من كبار الأولياء، وقبره في مسجد جامع يخطب فيه، وبذلك المسجد يصلّي القاضي مجد الدين الذي تقدم ذكره، ﵁، وبهذا المسجد سمعت عليه كتاب مسند الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، قال: أخبرتنا به وزيرة بنت عمر بن المنجا، قالت اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أبى بكر بن المبارك الزبيدى، قال: اخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدّسى، قال أخبرنا أبو الحسن المكّي بن محمد بن منصور بن علال العرضي، قال: أخبرنا القاضي أبو بكر احمد بن الحسن الحرشي، عن ابى العباس ابن يعقوب الأصم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الامام ابى بعد الله الشافعي، وسمعت أيضا عن القاضي مجد الدين بهذا المسجد المذكور كتاب (مشارق الأنوار) للإمام رضي الدين أبى الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن الصغانى بحقّ سماعه له من الشيخ جلال الدين أبى هاشم محمد بن محمد بن أحمد الهاشمي الكوفى بروايته عن الامام نظام الدين محمود بن محمد بن عمر الهروي عن المصنّف. ومن المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح زركوب «١٥٦» وعليه زاوية لإطعام الطعام، وهاذه المشاهد كلها بداخل المدينة وكذلك معظم قبور أهلها فإن الرجل منهم يموت ولده أو زوجته فيتّخذ له تربة من بعض بيوت داره ويدفنه هناك ويفرش البيت بالحصر والبسط ويجعل الشمع الكثير عند رأس الميت ورجليه ويصنع للبيت بابا إلى ناحية الزقاق وشباك حديد

стр. 441

فيدخل منه القرّاء يقرءون بالأصوات الحسان وليس في معمور الارض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز ويقوم أهل الدار بالتّربة ويفرشونها ويوقدون السّرج بها فكأنّ الميت لم يبرح، وذكر لي أنهم يطبخون في كلّ يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدّقون به عنه. حكاية [الفقيه الجواد] مررت يوما ببعض أسواق مدينة شيراز، فرأيت بها مسجدا متقن البناء جميل الفرش، وفيه مصاحف موضوعة في خرايط حرير موضوعة فوق كرسي، وفي الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مفتّح إلى جهة السوق، وهنالك شيخ جميل الهيئة واللّباس، وبين يديه مصحف يقرأ فيه، فسلمت عليه وجلست إليه فسألني عن مقدمي، فاخبرته، وسألته عن شأن هذا المسجد، فأخبرني أنه هو الذي عمّره ووقف عليه أوقافا كثيرة للقرّاء وسواهم وان تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره إن قضى الله موته بتلك المدينة، ثم رفع بساطا كان تحته والقبر مغطّى عليه الواح خشب، وأراني صندوقا كان بازائه، فقال: في هذا الصندوق كفني وحنوطي ودراهم كنت استاجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي، وما فضل منها يتصدّق بها، فعجبت من شانه وأردت الانصراف فحلف عليّ وأضافني بذلك الموضع. ومن المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي «١٥٧» وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي، وربّما ألمع في كلامه بالعربي، وله زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة، بداخلها بستان مليح، وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن آباد، وقد صنع الشيخ هنالك أحواضا صغارا من المرمر لغسل الثياب، فيخرج الناس من المدينة لزيارته ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون، وكذلك فعلت عنده ﵀، وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتّصل بها مدرسة مبنيتان على قبر شمس الدين السّمناني «١٥٨» وكان من الامراء الفقهاء، ودفن هنالك بوصيّة منه بذلك.

стр. 442

ضريح الشيخ سعدي بشيراز

стр. 443

وبمدينة شيراز من كبار الفقهاء الشريف مجيد الدين وأمره في الكرم عجيب، وربّما جاد بكلّ ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقّعة له، فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه، مرتّبه في كل يوم من السلطان خمسون دينارا دراهم. ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي اسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز «١٥٩» ، فنزلنا أول يوم ببلاد الشّول، وهم طائفة من الاعاجم يسكنون البريّة وفيهم الصالحون. كرامة لبعضهم . كنت يوما ببعض المساجد بشيراز وقد قعدت أتلو كتاب الله إثر صلاة الظهر فخطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه، فدخل عليّ في أثناء ذلك شابّ وقال لي بكلام قوّي: خذ! فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفا كريما، وذهب عنّي فختمته ذلك اليوم قراءة، وانتظرته لا ردّه له فلم يعد إليّ، فسألت عنه، فقيل لي: ذلك بهلول الشّولى ولم أره بعد. ووصلنا في عشىّ اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي اسحاق، «١٦٠» نفع الله به، وبتنا بها تلك الليلة، ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان الهريسة «١٦١» المصنوعة من اللحم والقمح والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسّفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة أيام، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية، وهم يزيدون على مائة منهم المتزوّجون، ومنهم الأعزب المتجرّدون، فيختمون القرآن ويذكرون الذكر، ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله.

стр. 444

وهذا الشيخ أبو اسحاق معظم عند أهل الهند والصين، ومن عادة ركّاب بحر الصين أنهم إذا تغيّر عليهم الهواء وخافوا اللّصوص نذروا لأبي اسحاق نذورا وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا برّ السلامة صعد خدّام الزاوية إلى المركب واخذوا الزمام وقبضوا من كل ناذر نذره، وما من مركب ياتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدّنانير فياتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك، ومن الفقراء من ياتي طالبا صدقة الشيخ فيكتب له أمر بها، وفيه علامة الشيخ منقوشة في قالب من الفضّة، فيضعون القالب في صبغ أحمر ويلصقونه بالأمر فيبقى أثر الطابع فيه ويكون مضمّنه أنه من عنده نذر للشيخ أبي إسحاق فليعط منه لفلان، فيكون الأمر بالألف والمائة وما بين ذلك ودونه على قدر الفقير، فإذا وجد من عنده شيء من النذر قبض منه وكتب له رسما في ظهر الأمر بما قبضه. ولقد نذر ملك الهند مرّة للشيخ أبي اسحاق بعشرة آلاف دينار فبلغ خبرها إلى فقراء الزاوية فأتى أحدهم إلى الهند وقبضها وانصرف بها إلى الزاوية. ثم سافرنا من كازرون إلى مدينة الزّيدين «١٦٢» ، وسمّيت بذلك لان فيها قبر زيد بن ثابت وقبر زيد بن أرقم الانصاريّين صاحبي رسول الله ﷺ تسليما، ورضى الله عنهما، وهي مدينة حسنة كثيرة البساتين والمياه مليحة الاسواق عجيبة المساجد ولأهلها صلاح وأمانة وديانة، ومن أهلها القاضي نور الدين الزيداني، وكان ورد على أهل الهند، فولى القضاء منها بذيبة المهل «١٦٣» ، وهي جزائر كثيرة ملكها جلال الدين بن صلاح الدين صالح، وتزوج باخت هذا الملك، وسياتي ذكره، وذكر بنته خديجة التي تولت الملك بعده بهذه الجزائر، وبها توفى القاضي نور الدين المذكور. ثم سافرنا منها إلى الحويزاء بالزاي «١٦٤» ، وهي مدينة صغيرة يسكنها العجم، بينها وبين البصرة مسيرة أربع، وبينها وبين الكوفة مسيرة خمس، ومن أهلها الشيخ الصالح

стр. 445

العابد جمال الدين الحويزاي شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة. ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برّيّة لا ماء بها إلّا في موضع واحد يسمى الطرفاوي «١٦٥» وردناه في اليوم الثالث من سفرنا، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني من ورودنا عليه إلى مدينة الكوفة «١٦٦» . مدينة الكوفة وهي إحدى أمّهات البلاد العراقيّة، المتميّزة فيها بفضل المزيّة، مثوى الصحابة والتابعين، ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة عليّ بن أبي طالب أمير المومنين، الّا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدّت اليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها، فانّهم يقطعون طريقها، ولا سور عليها، وبناؤها بالآجر، واسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك، وجامعها الأعظم جامع كبير شريف، بلاطاته سبعة قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوتة، قد صنعت قطعا، ووضع بعضها على بعض وافرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول. وبهذا المسجد آثار كريمة فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال: إن الخليل، صلوات الله عليه، كان له مصلّى بذلك الموضع، وعلى مقربة منه محراب محلّق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب عليّ بن أبي طالب ﵁، وهنالك ضربه الشّقي ابن ملجم «١٦٧» والناس يقصدون الصلاة به، وفي الزاوية من آخر هذا البلاط مسجد صغير محلّق عليه ايضا بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنّور حين طوفان نوح ﵇ «١٦٨» ، وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنّه بيت

стр. 446

نوح ﵇ «١٦٩» ، وازاءه بيت يزعمون انه متعبّد إدريس ﵇، ويتّصل بذلك فضاء متّصل بالجدار القبليّ من المسجد يقال: إنّه موضع إنشاء سفينة نوح ﵇. وفي آخر هذا الفضاء دار عليّ بن أبي طالب ﵁ والبيت الذي غسل فيه، ويتّصل به بيت يقال أيضا: إنه بيت نوح ﵇، والله أعلم بصحّة ذلك كلّه. وفي الجهة الشرقيّة من الجامع بيت مرتفع يصعد إليه، فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵁ «١٧٠» ، وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة «١٧١» ، وسكينة «١٧٢» بنتي الحسين ﵇. وامّا قصر الإمارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي وقّاص ﵁ فلم يبق إلا أساسه! والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ في الجانب الشرقيّ منها، وهو منتظم بحدائق النّخل الملتفة المتّصل بعضها ببعض، ورأيت بغربيّ جبّانة الكوفة موضعا مسودا شديد السواد في بسيط أبيض فأخبرت انّه قبر الشقيّ ابن ملجم، وان أهل الكوفة يأتون في كلّ سنة بالحطب الكثير فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيّام «١٧٣» وعلى قرب منه قبّة أخبرت أنها على قبر المختار بن أبي عبيد. ثمّ رحلنا «١٧٤» ونزلنا بئر ملّاحة «١٧٥» ، وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت

стр. 447

بخارجها وكرهت دخولها لأن أهلها روافض، ورحلنا منها الصبح، فنزلنا مدينة الحلّة «١٧٦» وهي مدينة كبيرة مستطيلة مع الفرات وهو بشرقيّها، ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات وهي كثيرة العمارة، وحدائق النخل منتظمة بها داخلا وخارجا، ودورها بين الحدائق، ولها جسر عظيم معقود على مراكب متّصلة منتظمة فيما بين الشطّين تحفّ بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة في كلا الشطّين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل. وأهل هذه المدينة كلّها إماميّة اثنا عشريّة، وهم طائفتان إحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين، والفتنة بينهم متّصلة، والقتال قائم أبدا. وبمقربة من السوق الأعظم بهذه المدينة مسجد على بابه ستر حرير مسدول وهم يسمّونه مشهد صاحب الزمان «١٧٧» ، ومن عادتهم أنّه يخرج في كلّ ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم السيوف مشهورة فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر فيأخذون منه فرسا مسرّجا ملجما أو بغلة كذلك ويضربون الطبول والأنفار والبوقات أمام تلك الدابّة ويتقدّمها خمسون منهم ويتبعها مثلهم، ويمشي آخرون عن يمينها وشمالها وياتون مشهد صاحب الزمان فيقفون بالباب ويقولون: باسم الله يا صاحب الزمان باسم الله أخرج قد ظهر الفساد وكثر الظلم، وهذا أوان خروجك ليفرق الله بك بين الحق والباطل «١٧٨» . ولا يزالون كذلك وهم يضربون الأبواق والأطبال والأنفار إلى صلاة المغرب، وهم يقولون، إن محمد بن الحسن العسكري دخل ذلك المسجد وغاب فيه وأنّه سيخرج: وهو الإمام المنتظر عندهم. وقد كان غلب على مدينة الحلّة بعد موت السلطان أبي سعيد الامير أحمد بن رميثة بن أبي نمى أمير مكّة «١٧٩» وحكمها أعواما وكان حسن السيرة يحمده أهل العراق إلى أن غلب

стр. 448

عليه الشيخ حسن سلطان العراق فعذّبه وقتله، وأخذ الاموال والذخاير التي كانت عنده. ثمّ سافرنا منها إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن عليّ ﵉ وهي مدينة صغيرة تحفّها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات. والروضة المقدّسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة، وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة لا يدخل أحد إلّا عن إذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضّة وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضّة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان: أولاد رخيك وأولاد فايز، وبينهما القتال أبدا، وهم جميعا إماميّة يرجعون إلى أب واحد «١٨٠» ولأجل فتنهم تخرّبت هذه المدينة. ثم سافرنا منها إلى بغداد. مدينة بغداد مدينة دار السلام «١٨١» ، وحضرة الاسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقرّ العلماء، قال أبو الحسين بن جبير ﵁، وهاذه المدينة العتيقة وان لم تزل حضرة الخلافة العبّاسية، ومثابة الدعوة الإماميّة القرشيّة، فقد ذهب رسمها، ولم يبق الّا اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها، والتفات أعين النوائب إليها، كالطلل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعى من المستوفز الغفلة والنظر، إلّا دجلتها التي هي بين شرقيّها وغربيّها كالمرآة المجلوّة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبّتين، فهي تردها ولا تظمأ، وتتطلّع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ. قال ابن جزي: وكأن أبا تمّام حبيب بن أوس «١٨٢» اطّلع على ما آل إليه أمرها حين قال فيها:

стр. 449

باب ضريح الحسين بن علي في كربلاء

стр. 450

لقد أقام على بغداد ناعيها ... فليبكها لخراب الدّهر باكيها! كانت على مائها والحرب موقدة ... والنّار تطفا حسنا في نواحيها ترجى لها عودة في الدّهر صالحة ... فالآن أضمر منها اليأس راجيها مثل العجوز التي ولّت شبيبتها ... وبان عنها جمال كان يحظيها!! وقد نظم الناس في مدحها وذكر محاسنها فأطنبوا، ووجدوا مكان القول ذا سعة فاطالوا وأطابوا وفيها قال الإمام القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن علي بن نصر المالكي البغدادي «١٨٣» ، وأنشدنيه والدي، ﵀، مرّات طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قربا إليها وان عاقت مقادير وكيف أرحل عنها اليوم اذ جمعت ... طيب الهوائين ممدود ومقصور وفيها يقول أيضا رحمه الله تعالى ورضي عنه: سلام على بغداد في كلّ موطن ... وحقّ لها منّى السّلام المضاعف فو الله ما فارقتها عن قلى لها ... وانّي بشطّي جانبيها لعارف ولا كنّها ضاقت عليّ برحبها ... ولم تكن الأقدار فيها تساعف وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف! وفيها يقول أيضا مغاضبا لها، وأنشدنيه والدي ﵀ غير ما مرّة: بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللصّعاليك دار الضّنك والضيق ظللت أمشي مضاعا في أزقّتها ... كأنّني مصحف في بيت زنديق «١٨٤» !!

стр. 451

وفيها يقول القاضي أبو الحسن عليّ بن النبيه من «١٨٥» قصيدة: انست بالعراق بدرا منيرا ... فطوت غيهبا، وخاضت هجيرا واستطابت ريّا نسائم بغدا ... د فكادت لولا البرى أن تطيرا ذكرت من مسارح الكرخ روضا ... لم يزل ناضرا وماء نميرا واجتنت من ربى المحوّل نورا ... واجتلت من مطالع التّاج نورا ولبعض نساء بغداد في ذكرها «١٨٦» : آها على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسّحر في أحداقها ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلّتها على أطواقها متبخترات في النعيم كانّما ... خلق الهوى العذريّ من أخلاقها نفسي الفداء لها، فأي محاسن ... في الدّهر تشرق من سنا إشراقها رجع، ولبغداد جسران اثنان «١٨٧» معقودان على نحو الصّفة التي ذكرناها في جسر مدينة الحلّة، والناس يعبرونهما ليلا ونهارا رجالا ونساء، فهم في ذلك في نزهة متّصلة «١٨٨» ، وببغداد من المساجد التي يخطب فيها وتقام فيها الجمعة أحد عشر مسجدا، منها بالجانب الغربيّ ثمانية وبالجانب الشرقيّ ثلاثة والمساجد سواها كثيرة جدّا وكذلك المدارس إلا أنها

стр. 452

خربت وحمّامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمّامات وأكثرها، مطليّة بالقار مسطّحة به فخيّل لرائيه أنه رخام أسود. وهذا القار يجلب من عين بين الكوفة والبصرة «١٨٩» تنبع أبدا به ويصير في جوانبها كالصلصال، فيجرف منها، ويجلب إلى بغداد، وفي كلّ حمّام منها خلوات كثيرة كلّ خلوة منها مفروشة بالقار، مطلّى نصف حائطها ممّا يلي الارض به والنصف الأعلى مطلّى بالجصّ الأبيض الناصع، فالضدّان بها مجتمعان متقابل حسنهما. وفي داخل كلّ خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان، أحدهما يجرى بالماء الحارّ والآخر بالماء البارد فيدخل الإنسان الخلوة منها منفردا لا يشاركه أحد إلّا إن أراد ذلك، وفي زاوية كلّ خلوة أيضا حوض آخر للاغتسال، فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحارّ والبارد، وكلّ داخل يعطى ثلاثا من الفوط: إحداها يتّزر بها عند دخوله والأخرى يتّزر بها عند خروجه، والأخرى ينشف بها الماء عن جسده ولم أر هذا الاتقان كلّه في مدينة سوى بغداد، وبعض البلاد تقاربها في ذلك. ذكر الجانب الغربي من بغداد الجانب الغربي منها هو الذي عمر أولا «١٩٠» وهو الآن خراب أكثره، وعلى ذلك فقد بقى منه ثلاث عشرة محلّة، كلّ محلة كأنها مدينة، بها الحمّامان والثلاثة، وفي ثمان منها المساجد الجامعة. ومن هذه المحلّات محلّة باب البصرة «١٩١» وبها جامع الخليفة أبى جعفر المنصور ﵀، والمارستان فيما بين محلّة باب البصرة «١٩٢» ومحلّة الشارع على الدّجلة، وهو قصر كبير خرب بقيت منه الآثار.

стр. 453

وفي هذا الجانب الغربي من المشاهد قبر معروف الكرخى «١٩٣» ﵁، وهو في محلّة باب البصرة وبطريق باب البصرة مشهد حافل البناء في داخله قبر متّسع السّنام عليه مكتوب: هذا قبرعون من أولاد علي بن أبى طالب «١٩٤» ، وفي هذا الجانب قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق والد علي بن موسى الرضا «١٩٥» وإلى جانبه قبر الجواد «١٩٦» والقبران داخل الروضة، عليهما دكّانة ملبّسة بالخشب عليه الواح الفضّة. ذكر الجانب الشرقي منها وهذه الجهة الشرقية من بغداد «١٩٧» حافلة الأسواق عظيمة الترتيب، وأعظم اسواقها سوق تعرف بسوق الثلاثاء «١٩٨» كلّ صناعة فيها على حدة، وفي وسط هذا السوق المدرسة النّظاميّة «١٩٩» العجيبة التي صارت الأمثال تضرب بحسنها، وفي آخره المدرسة المستنصرية «٢٠٠» ، ونسبتها إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر بن أمير المؤمنين الظاهر بن

стр. 454

المشهد الكاظمي ببغداد المدرسة المستنصرية ببغداد

стр. 455

أمير المؤمنين الناصر، وبها المذاهب الاربعة، لكلّ مذهب إيوان «٢٠١» فيه المسجد، وموضع التدريس وجلوس المدرّس في قبّة خشب صغيرة على كرسيّ عليه البسط، ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار لا بسا ثياب السواد معتما، وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كلّ ما يمليه، وهكذا ترتيب كلّ مجلس من هذه المجالس الاربعة، وفي داخل هذه المدرسة الحمّام للطلبة ودار الوضوء. وبهذه الجهة الشرقيّة من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلاثة: أحدها جامع الخليفة وهو متّصل بقصور الخلفاء ودورهم وهو جامع كبير فيه سقايات ومطاهر كثيرة للوضوء والغسيل، لقيت بهذا المسجد الشيخ الامام العالم الصالح مسند العراق سراج الدين أبا حفص عمر بن علي بن عمر القزويني «٢٠٢» ، وسمعت عليه فيه جميع مسند أبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدّارمي «٢٠٣» ، وذلك في شهر رجب الفرد عام سبعة وعشرين وسبعماية قال: أخبرتنا «٢٠٤» به الشيخة الصالحة المسندة ستّ الملوك فاطمة بنت العدل تاج الدين أبي الحسن علي بن علي بن أبي البدر «٢٠٥» ، قالت اخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن مسعود ابن بهروز الطّبيب المارستانّي، قال أخبرنا أبو الوقت عبد الأوّل ابن شعيب السنجريّ الصّوفي قال: أخبرنا الامام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفّر الداوديّ، قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن احمد بن حمويه السّرخسيّ، عن أبي عمران عيسى ابن عمر بن العبّاس السمرقنديّ عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي.

стр. 456

والجامع الثاني جامع السلطان وهو خارج البلد «٢٠٦» وتتّصل به قصور تنسب للسلطان، والجامع الثالث جامع الرصافة «٢٠٧» وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل. ذكر قبور الخلفاء ببغداد وقبور بعض العلماء والصالحين بها وقبور الخلفاء العبّاسييّن رضى الله عنهم بالرّصافة، «٢٠٨» وعلى قبر كلّ منها اسم صاحبه، فمنها قبر المهدي وقبر الهادي وقبر الأمين وقبر المعتصم، وقبر الواثق، وقبر المنتصر، وقبر المستعين، وقبر المعتزّ، وقبر المهتدى، وقبر المعتمد، وقبر المعتضد، وقبر المكتفي، وقبر المقتدر، وقبر القاهر، وقبر الراضي، وقبر المستكفي، وقبر المطيع، وقبر الطايع، وقبر القائم، وقبر القادر، وقبر المستظهر، وقبر المسترشد، وقبر الراشد، وقبر المقتفى، وقبر المستنجد، وقبر المستضي، وقبر الناصر، وقبر الظاهر، وقبر المستنصر، وقبر المستعصم، وهو اخرهم وعليه داخل التّتر ببغداد بالسيف وذبحوه بعد أيّام من دخولهم، وانقطع من بغداد اسم الخلافة العبّاسية، وذلك في سنة أربع وخمسين وستماية، وبقرب «٢٠٩» الرّصافة قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ «٢١٠» ، فيها قبّة عظيمة وزاوية فيها الطّعام للوارد والصادر، وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الطعام فيها ما عدا هذه الزّاوية، فسبحان مبيد الأشياء ومغيّرها، وبالقرب منها قبر الامام أبى عبد الله أحمد بن حنبل «٢١١» ﵁ ولا قبّة عليه،

стр. 457

رواق القصر العباسي تربة زمرد خاتون زوجة الخليفة المستضىء بامر الله وأم الخليفة الناصر لدين الله المتوفاة سنة ٥٩٩ هـ

стр. 458

ويذكر أنّها بنيت على قبره مرارا فتهدّمت بقدرة الله تعالى وقبره عند أهل بغداد معظّم واكثرهم على مذهبه وبالقرب منه قبر ابي بكر الشّبليّ «٢١٢» من ائمة المتصوّفة ﵀، وقبر سرّي السقطيّ «٢١٣» وقبر بشر الحافي ٢١» ، وقبر داود الطائي «٢١٥» ، وقبر أبي القاسم الجنيد ﵃ أجمعين. واهل بغداد لهم يوم في كل جمعة لزيارة شيخ من هؤلاء المشايخ «٢١٦» ، ويوم لشيخ آخر يليه هكذا إلى آخر الأسبوع، وببغداد كثير من قبور الصالحين والعلماء رضي الله تعالى عنهم، «٢١٧» وهذه الجهة الشرقيّة من بغداد ليس بها فواكه وانّما تجلب اليها من الجهة الغربيّة لان فيها البساتين والحدائق، ووافق وصولي إلى بغداد كون ملك العراق بها فلنذكره هاهنا. ذكر سلطان العراقين وخراسان وهو السلطان الجليل أبو سعيد بهادرخان، وخان عندهم: الملك وبهادر بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء ابن السلطان الجليل محمد خذابنده «٢١٨» وهو الذي

стр. 459

مسجد الإمام أبي حنيفة مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني

стр. 460

أسلم من ملوك التتر، وضبط اسمه مختلف فيه، فمنهم من قال إن اسمه خذابنده بخاء معجمة مضمومة وذال معجم مفتوح وبنده لم يختلف فيه وهو بباء موحدة مفتوحة ونون، مسكنة ودال مهمل مفتوح وهاء استراحة، وتفسيره على هذا القول عبد الله لأن خذا بالفارسيّة اسم الله ، وبنده غلام أو عبد أو ما في معناهما، وقيل انّما هو خر بنده بفتح الخاء المعجم وضمّ الراء المهمل وتفسير خر بالفارسيّة الحمار، فمعناه على هذا غلام الحمار فشذّ ما بين القولين من الخلاف! على أن هذا الأخير هو المشهور، وكأنّ الأوّل غيّره إليه من تعصّب، وقيل إن سبب تسميته بهذا الاخير هو أن التتر يسمّون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزّمال، وهم يسمونه خر بنده فسمّى به، وأخو خر بنده هو قازغان الذي يقول فيه الناس قازان وقازغان هو القدر، وقيل سمّى بذلك لأنه لما ولد دخلت الجارية ومعها القدر. وخذا بنده هو الذي أسلم وقدّمنا قصّته، وكيف أراد أن يحمل الناس لمّا أسلم على الرفض وقصّة القاضي مجد الدين معه، ولمّا مات ولى الملك ولده أبو سعيد بهادرخان، وكان ملكا فاضلا كريما، ملك وهو صغير السنّ، ورايته ببغداد وهو شابّ أجمل خلق الله صورة لا نبات بعارضيه، ووزيره إذ ذاك الأمير غياث الدين محمد بن خواجه رشيد «٢١٩» ، وكان أبوه من مهاجرة اليهود واستوزره السلطان محمد خذابنده والد أبي سعيد رأيتهما يوما بحرّاقة في الدجلة وتسمّى عندهم الشبّارة «٢٢٠» ، وهي شبه سلّورة وبين يديه دمشق خوجه ابن الامير الجوبان المتغلّب على أبي سعيد، وعن يمينه وشماله شبّارتان فيهما أهل الطرب والغناء ورايت من مكارمه في ذلك اليوم أنّه تعرّض له جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم، فأمر لكلّ واحد منهم بكسوة وغلام يقوده، ونفقته تجرى عليه.
следующие страницы →