← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والجامع الثاني جامع السلطان وهو خارج البلد «٢٠٦» وتتّصل به قصور تنسب للسلطان، والجامع الثالث جامع الرصافة «٢٠٧» وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل. ذكر قبور الخلفاء ببغداد وقبور بعض العلماء والصالحين بها وقبور الخلفاء العبّاسييّن رضى الله عنهم بالرّصافة، «٢٠٨» وعلى قبر كلّ منها اسم صاحبه، فمنها قبر المهدي وقبر الهادي وقبر الأمين وقبر المعتصم، وقبر الواثق، وقبر المنتصر، وقبر المستعين، وقبر المعتزّ، وقبر المهتدى، وقبر المعتمد، وقبر المعتضد، وقبر المكتفي، وقبر المقتدر، وقبر القاهر، وقبر الراضي، وقبر المستكفي، وقبر المطيع، وقبر الطايع، وقبر القائم، وقبر القادر، وقبر المستظهر، وقبر المسترشد، وقبر الراشد، وقبر المقتفى، وقبر المستنجد، وقبر المستضي، وقبر الناصر، وقبر الظاهر، وقبر المستنصر، وقبر المستعصم، وهو اخرهم وعليه داخل التّتر ببغداد بالسيف وذبحوه بعد أيّام من دخولهم، وانقطع من بغداد اسم الخلافة العبّاسية، وذلك في سنة أربع وخمسين وستماية، وبقرب «٢٠٩» الرّصافة قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ «٢١٠» ، فيها قبّة عظيمة وزاوية فيها الطّعام للوارد والصادر، وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الطعام فيها ما عدا هذه الزّاوية، فسبحان مبيد الأشياء ومغيّرها، وبالقرب منها قبر الامام أبى عبد الله أحمد بن حنبل «٢١١» ﵁ ولا قبّة عليه،

стр. 457

رواق القصر العباسي تربة زمرد خاتون زوجة الخليفة المستضىء بامر الله وأم الخليفة الناصر لدين الله المتوفاة سنة ٥٩٩ هـ

стр. 458

ويذكر أنّها بنيت على قبره مرارا فتهدّمت بقدرة الله تعالى وقبره عند أهل بغداد معظّم واكثرهم على مذهبه وبالقرب منه قبر ابي بكر الشّبليّ «٢١٢» من ائمة المتصوّفة ﵀، وقبر سرّي السقطيّ «٢١٣» وقبر بشر الحافي ٢١» ، وقبر داود الطائي «٢١٥» ، وقبر أبي القاسم الجنيد ﵃ أجمعين. واهل بغداد لهم يوم في كل جمعة لزيارة شيخ من هؤلاء المشايخ «٢١٦» ، ويوم لشيخ آخر يليه هكذا إلى آخر الأسبوع، وببغداد كثير من قبور الصالحين والعلماء رضي الله تعالى عنهم، «٢١٧» وهذه الجهة الشرقيّة من بغداد ليس بها فواكه وانّما تجلب اليها من الجهة الغربيّة لان فيها البساتين والحدائق، ووافق وصولي إلى بغداد كون ملك العراق بها فلنذكره هاهنا. ذكر سلطان العراقين وخراسان وهو السلطان الجليل أبو سعيد بهادرخان، وخان عندهم: الملك وبهادر بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء ابن السلطان الجليل محمد خذابنده «٢١٨» وهو الذي

стр. 459

مسجد الإمام أبي حنيفة مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني

стр. 460

أسلم من ملوك التتر، وضبط اسمه مختلف فيه، فمنهم من قال إن اسمه خذابنده بخاء معجمة مضمومة وذال معجم مفتوح وبنده لم يختلف فيه وهو بباء موحدة مفتوحة ونون، مسكنة ودال مهمل مفتوح وهاء استراحة، وتفسيره على هذا القول عبد الله لأن خذا بالفارسيّة اسم الله ، وبنده غلام أو عبد أو ما في معناهما، وقيل انّما هو خر بنده بفتح الخاء المعجم وضمّ الراء المهمل وتفسير خر بالفارسيّة الحمار، فمعناه على هذا غلام الحمار فشذّ ما بين القولين من الخلاف! على أن هذا الأخير هو المشهور، وكأنّ الأوّل غيّره إليه من تعصّب، وقيل إن سبب تسميته بهذا الاخير هو أن التتر يسمّون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزّمال، وهم يسمونه خر بنده فسمّى به، وأخو خر بنده هو قازغان الذي يقول فيه الناس قازان وقازغان هو القدر، وقيل سمّى بذلك لأنه لما ولد دخلت الجارية ومعها القدر. وخذا بنده هو الذي أسلم وقدّمنا قصّته، وكيف أراد أن يحمل الناس لمّا أسلم على الرفض وقصّة القاضي مجد الدين معه، ولمّا مات ولى الملك ولده أبو سعيد بهادرخان، وكان ملكا فاضلا كريما، ملك وهو صغير السنّ، ورايته ببغداد وهو شابّ أجمل خلق الله صورة لا نبات بعارضيه، ووزيره إذ ذاك الأمير غياث الدين محمد بن خواجه رشيد «٢١٩» ، وكان أبوه من مهاجرة اليهود واستوزره السلطان محمد خذابنده والد أبي سعيد رأيتهما يوما بحرّاقة في الدجلة وتسمّى عندهم الشبّارة «٢٢٠» ، وهي شبه سلّورة وبين يديه دمشق خوجه ابن الامير الجوبان المتغلّب على أبي سعيد، وعن يمينه وشماله شبّارتان فيهما أهل الطرب والغناء ورايت من مكارمه في ذلك اليوم أنّه تعرّض له جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم، فأمر لكلّ واحد منهم بكسوة وغلام يقوده، ونفقته تجرى عليه.

стр. 461

ولمّا ولى السلطان أبو سعيد، وهو صغير كما ذكرناه استولى على أمره أمير الامراء الجوبان «٢٢١» وحجّر عليه التصرّفات حتّى لم يكن بيده من الملك الّا الاسم، ويذكر أنّه احتاج في بعض الاعياد إلى نفقة ينفقها فلم يكن له سبيل إليه فبعث إلى أحد التجار فاعطاه من المال ما أحبّ، ولم يزل كذلك إلى أن دخلت عليه يوما زوجة أبيه دنيا خاتون، فقالت له لو كنّا نحن الرجال ما تركنا الجوبان وولده على ما هما عليه، فاستفهمها عن مرادها بهذا الكلام، فقالت له: لقد انتهى أمر دمشق خواجه بن الجوبان أن يفتك بحرم أبيك، وأنه بات البارحة عند طغى خاتون! وقد بعث إليّ وقال لي: الليلة أبيت عندك، «٢٢٣» وما الرأي إلّا أن تجمع الأمراء والعساكر، فإذا صعد إلى القلعة مختفيا برسم المبيت أمكنك القبض عليه، وأبوه يكفي الله أمره. وكان الجوبان إذ ذاك غائبا بخراسان «٢٢٤» ، فغلبته الغيرة وبات يدبّر أمره، فلما علم أن دمشق خواجه بالقلعة أمر الأمراء والعساكر أن يطيفوا بها من كلّ ناحية فلما كان بالغدوّ خرج دمشق ومعه جنديّ يعرف بالحاجّ المصريّ فوجد سلسلة معرضة على باب القلعة وعليها قفل، فلم يمكنه الخروج راكبا فضرب الحاجّ المصري السلسلة بسيفه فقطعها وخرجا معا فأحاطت بهما العساكر، ولحق أمير من الأمراء الخاصّكيّة يعرف بمصر خواجه وفتى يعرف بلؤلؤ دمشق خواجه فقتلاه وأتيا الملك أبا سعيد برأسه، فرموا به بين يدي فرسه، وتلك عادتهم أن يفعلوا برءوس كبار أعدائهم، وأمر السلطان بنهب داره، وقتل من قاتل من خدّامه ومماليكه. واتّصل الخبر بأبيه الجوبان وهو بخراسان ومعه أولاده أمير حسن، وهو الأكبر، وطالش وجلوخان وهو أصغر هم وهو ابن أخت السلطان أبي سعيد من أمّه ساطي بك، بنت

стр. 462

السلطان خذا بنده «٢٢٥» ومعه عساكر التتر وحاميتها فاتّفقوا على قتال السلطان أبي سعيد، وزحفوا إليه، فلما التقى الجمعان هرب التتر إلى سلطانهم وأفردوا الجوبان، فلما رأى ذلك نكص على عقبيه، وفرّ إلى صحراء سجستان، وأوغل فيها وأجمع على اللحاق بملك هراة غياث الدين «٢٢٦» مستجيرا به وتحصّنا بمدينته وكانت له عليه أياد سابقة، فلم يوافقه والده حسن وطالش على ذلك، وقالا له: إنّه لا يفي بالعهد، وقد غدر فيروزشاه «٢٢٧» بعد أن لجأ اليه وقتله، فأبى الجوبان إلّا أن يلحق به ففارقه ولداه وتوجه ومعه ابنه الأصغر جلوخان، فخرج غياث الدين لاستقباله وترجّل له وأدخله المدينة على الأمان ثم غدره بعد أيّام، وقتل ولده وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي سعيد. وأمّا «٢٢٨» حسن وطالش فانهما قصدا خوارزم وتوجّها إلى السلطان محمد أوزبك فاكرم مثواهما وانزلهما إلى أن صدر منهما ما أوجب قتلهما، فقتلهما، وكان للجوبان ولد رابع اسمه الدّمر طاش «٢٢٩» ، فهرب إلى ديار مصر فاكرمه الملك الناصر واعطاه الإسكندرية فأبى من قبولها، وقال: إنما أريد العساكر لأقاتل أبا سعيد، وكان متى بعث إليه الملك الناصر بكسوة أعطى هو للّذي يوصلها اليه أحسن منها، إزراء على الملك الناصر، وأظهر أمورا أوجبت قتله فقتله وبعث برأسه إلى أبي سعيد، وقد ذكرنا قصّته وقصّة قراسنقور فيما تقدّم، ولمّا قتل الجوبان جيء به وبولده ميّتين فوقف بهما على عرفات وحملا إلى المدينة ليدفنا

стр. 463

في التربة التي اتّخذها الجوبان بالقرب من مسجد رسول الله ﷺ ، فمنع من ذلك، ودفن بالبقيع. والجوبان هو الذي جلب الماء إلى مكّة شرفها الله تعالى «٢٣٠» . ولمّا استقلّ السلطان أبو سعيد بالملك أراد أن يتزوّج بنت الجوبان، وكانت تسمى بغداد خاتون «٢٣١» وهي من أجمل النساء وكانت تحت الشيخ حسن الذي تغلّب بعد موت أبي سعيد على الملك وهو ابن عمّته، فأمره فنزل عنها وتزوّجها أبو سعيد، وكانت أحظى النساء لديه، والنساء لدى الأتراك والتتر لهنّ حظّ عظيم وهم إذا كتبوا أمرا يقولون فيه: عن أمر السلطان والخواتين، ولكل خاتون البلاد والولايات والمجابي العظيمة، وإذا سافرت مع السلطان تكون في محلّة على حدة. وغلبت هذه الخاتون على أبي سعيد وفضّلها على سواها، وأقامت على ذلك مدّة أيّامه ثم إنه تزوّج امرأة تسمى بدلشاد «٢٣٢» فأحبّها حبا شديدا وهجر بغداد خاتون فغارت لذلك وسمّته في منديل مسّحته به بعد الجماع «٢٣٣» ! فمات وانقرض عقبه، وغلبت امراؤه على الجهات كما سندكره، ولما عرف الامراء أن بغداد خاتون هي التي سمّته أجمعوا على قتلها وبدر لذلك الفتى الرومى خوارجه لؤلؤ، وهو من كبار الأمراء وقدمائهم، فأتاها وهي في الحمّام فضربها بدبّوسه وقتلها «٢٣٤» ، وطرحت هنالك أيّاما مستورة العورة بقطعة تليس، واستقلّ الشيخ حسن بملك عراق العرب، وتزوج دلشاد امرأة السلطان أبي سعيد كمثل ما كان أبو سعيد فعله من تزوّج امرأته.

стр. 464

ذكر المتغلّبين على الملك بعد موت السلطان أبي سعيد . فمنهم الشيخ حسن «٢٣٥» ابن عمّته الذي ذكرناه آنفا، تغلّب على عراق العرب جميعا، ومنهم إبراهيم شاه ابن الامير سنيته «٢٣٦» ، تغلب على الموصل وديار بكر، ومنهم الأمير أرتنا «٢٣٧» تغلب على بلاد التركمان المعروفة أيضا ببلاد الروم، ومنهم حسن خواجه «٢٣٨» بن الدّمرطاش بن الجوبان تغلب على تبريز والسلطانيّة، وهمدان، وقمّ وقاشان والريّ ورامين وفرغان والكرج «٢٣٩» ، ومنهم الأمير طغتيمور «٢٤٠» تغلّب على بعض بلاد الخراسان، ومنهم الأمير حسين ابن الامير غياث الدين «٢٤١» ، تغلّب على هراة ومعظم بلاد خرسان

стр. 465

ومنهم ملك «٢٤٢» دينار تغلّب على بلاد مكران وبلاد كيج، ومنهم محمّد شاه ابن مظفر تغلّب على يزد وكرمان «٢٤٣» وورقو، ومنهم الملك قطب الدين تمتهن «٢٤٤» تغلب على هرمز وكيش والقطيف والبحرين وقلهات، ومنهم السلطان أبو اسحاق الذي تقدّم ذكره «٢٤٥» ، تغلب على شيراز وإصفهان وملك فارس وذلك مسيرة خمس وأربعين، ومنهم السلطان أفراسياب اتابك «٢٤٦» تغلّب على إيذج وغيرها من البلاد وقد تقدم ذكره. ولنعد إلى ما كنّا بسبيله: ثم خرجت من بغداد «٢٤٧» في محلّة السلطان أبي سعيد وغرضي أن أشاهد ترتيب ملك العراق في رحيلة ونزوله وكيفيّة تنقّله وسفره وعادتهم، انّهم يرحلون عند طلوع الفجر وينزلون عند الضحى، وترتيبهم أنّه يأتي كلّ امير من الأمراء بعسكره وطبوله وأعلامه فيقف في موضع لا يتعدّاه قد عيّن له، إمّا في الميمنة أو الميسرة، فإذا توافوا جميعا وتكاملت صفوفهم، ركب الملك وضربت طبول الرحيل وبوقاته وأتى كلّ أمير منهم فسلّم على الملك وعاد إلى موقفه، ثم يتقدّم أمام الملك الحجّاب والنقباء، ثم يليهم أهل الطرب وهم نحو مائة رجل عليهم الثياب الحسنة، وتحتهم مراكب السلطان، وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان قد تقلّدوا عشرة من الطبول وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات وهي تسمّى عندنا بالغيطات، فيضربون تلك الأطبال والصّرنايات ثم يمسكون

стр. 466

ويغنّى عشرة من أهل الطرب نوبتهم، فإذا قضوها ضربت تلك الأطبال والصّرنايات ثم امسكوا وغنّى عشرة آخرون نوبتهم هكذا إلى أن تتمّ عشر نوبات، فعند ذلك يكون النزول ويكون عن يمين السلطان وشماله حين سيره كبار الامراء وهم نحو خمسين ومن ورائه أصحاب الأعلام والأطبال والأنفار والبوقات ثم مماليك السلطان ثم الأمراء على مراتبهم وكل أمير له أعلام وطبول وبوقات، ويتولّى ترتيب ذلك كلّه أمير جندر وله جماعة كبيرة، وعقوبة من تخلّف عن فوجه وجماعته أن يؤخذ تماقه فيملأ رملا ويعلّق في عنقه ويمشي على قدميه حتّى يبلغ المنزل! فيوتى به إلى الأمير فيبطح على الأرض ويضرب خمسا وعشرين مقرعة على ظهره سواء كان رفيعا ووضيعا لا يحاشون من ذلك أحدا، وإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محلّة على حدة وتنزل كلّ خاتون من خواتينه في محلة على حدة، ولكل واحدة منهن الإمام والمؤذّنون والقرّاء والسّوق. وينزل الوزراء والكتّاب وأهل الأشغال على حدة، ويأتون جميعا إلى الخدمة بعد العصر ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، والمشاعل بين أيديهم، فإذا كان الرحيل ضرب الطبل الكبير ثم ضرب طبل الخاتون الكبرى التي هي الملكة، ثم أطبال سائر الخواتين، ثم طبل الوزير ثم أطبال الأمراء دفعة واحدة، ثم يركب أمير المقدّمة في عسكره ثم يتبعه الخواتين، ثم أثقال السلطان وزاملته وأثقال الخواتين ثم أمير ثان في عسكر له يمنع الناس من الدخول فيما بين الأثقال والخواتين، ثم سائر الناس! وسافرت في هذه المحلّة عشرة أيام، ثم صحبت الأمير علاء الدين «٢٤٨» محمد إلى بلدة تبريز وكان من الأمراء الكبار الفضلاء فوصلنا بعد عشرة أيام إلى مدينة تبريز ونزلنا

стр. 467

بخارجها في موضع يعرف بالشّام «٢٤٩» ، وهنالك قبر قازان ملك العراق، وعليه مدرسة حسنة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر من الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء، وانزلني الامير بتلك الزاوية، وهي ما بين أنهار متدفّقة، وأشجار مورقة، وفي غد ذلك اليوم دخلت المدينة على «٢٥٠» باب يعرف بباب بغداد، ووصلنا إلى سوق عظيمة تعرف بسوق قازان من أحسن سوق رأيتها في بلاد الدنيا، كلّ صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى، واجتزت بسوق الجوهريّين فحار بصري ممّا رايته من أنواع الجواهر وهي بأيدي مماليك حسان الصّور عليهم الثياب الفاخرة وأوساطهم مشدودة بمناديل الحرير، وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الاتراك وهنّ يشترينه كثيرا ويتنافسن فيه، فرأيت من ذلك كلّه فتنة يستعاذ بالله منها! ودخلنا سوق العنبر والمسك فرأينا مثل ذلك أو أعظم، ثم وصلنا إلى المسجد الجامع الذي عمّره الوزير على شاه المعروف بجيلان «٢٥١» ، وبخارجه عن يمين مستقبل القبلة مدرسة

стр. 468

المسجد الأزرق الجامع الأزرق كذلك البازار في تبريز اليوم مسجد علي شاه استراحة إلكولي لقطات من تبريز

стр. 469

وعن يساره زاوية، وصحنه مفروش بالمرمر وحيطانه بالقاشاني، وهو شبه الزليج، ويشقه نهر ماء، وبه أنواع الأشجار ودوالي العنب وشجر الياسمين، ومن عادتهم أن يقرءوا به كلّ يوم سورة يس وسورة الفتح وسورة عمّ «٢٥٢» بعد صلاة العصر في صحن المسجد، ويجتمع لذلك أهل المدينة وبتنا ليلة بتبريز، ثم وصل بالغد أمر السلطان أبي سعيد إلى الامير علاء الدين بأن يصل إليه فعدت معه، ولم ألق بتبريز أحدا من العلماء، ثم سافرنا إلى أن وصلنا محلّة السلطان فاعلمه الامير المذكور بمكاني وأدخلني عليه فسألني عن بلادي وكساني وأركبني، واعلمه الأمير أنّي أريد السفر إلى الحجاز الشريف فأمر لي بالزاد والركوب في السبيل مع المحمل، وكتب لي بذلك إلى أمير بغداد خواجه معروف «٢٥٣» ، فعدت إلى مدينة بغداد واستوفيت ما أمر لي به السلطان. وكان قد بقى لآوان سفر الركب أزيد من شهرين، فظهر لي أن أسافر إلى الموصل وديار بكر لأشاهد تلك البلاد وأعود الى بغداد في حين سفر الركب فاتوجّه إلى الحجاز الشريف، فخرجت من بغداد إلى منزل على نهر دجيل «٢٥٤» ، وهو يتفرّع عن دجلة فيسقى قرى كثيرة، ثم نزلنا بعد يومين بقرية كبيرة تعرف بحربة «٢٥٥» مخصبة فسيحة، ثم رحلنا فنزلنا موضعا على شطّ دجلة بالقرب من حصن يسمّى المعشوق «٢٥٦» ، وهو مبنّى على الدجلة وفي العدوة الشرقيّة من هذا الحصن مدينة سرّ من رأى وتسمى أيضا سامرّا، ويقال لها سام راه، ومعناه بالفارسيّة طريق سام وراه هو الطريق «٢٥٧» ، وقد استولى الخراب على

стр. 470

اسوار ديار بكر المئذنة الملوية سامراء

стр. 471

هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها، وفيها أيضا مشهد صاحب الزمان «٢٥٨» كما بالحلّة ثم سرنا منها مرحلة ووصلنا إلى مدينة تكريت «٢٥٩» وهي مدينة كبيرة فسيحة الارجاء مليحة الأسواق، كثيرة المساجد، وأهلها موصوفون بحسن الاخلاق، والدجلة في الجهة الشمالية «٢٦٠» منها، ولها قلعة حصينة على شطّ الدجلة، والمدينة عتيقة البناء عليها سور يطيف بها، ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى قرية تعرف بالعقر «٢٦١» على شطّ الدجلة، وبأعلاها ربوة كان بها حصن وبأسفلها الخان المعروف بخان الحديد، له أبراج وبناؤه حافل والقرى والعمارة متّصلة من هنالك إلى الموصل، ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالقيّارة «٢٦٢» بمقربة من دجلة، وهنالك أرض سوداء فيها عيون تنبع بالقار ويصنع له أحواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال على وجه الارض حالك اللون صقيلا رطبا، وله رائحة طيّبة، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق فتقذفه إلى جوانبها فيصير أيضا قارا، وبمقربة من هذا الموضع عين كبيرة فإذا أرادوا نقل القار منها أوقدوا عليها النار فتنشق النار ما هنالك من رطوبة مائيّة، ثم يقطعونه قطعا وينقلونه وقد تقدّم لنا ذكر العين التي بين الكوفة والبصرة على هذا النحو، ثم سافرنا من هذه العيون مرحلتين ووصلنا بعدهما إلى الموصل «٢٦٣» .

стр. 472

مدينة الموصل وهي مدينة عتيقة كثيرة الخصب، وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن شهيرة الامتناع عليها سور محكم البناء مشيّد البروج «٢٦٤» ، وتتّصل بها دور السلطان وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متّسع مستطيل من أعلى البلد إلى أسفله وعلى البلد سوران اثنان وثيقان «٢٦٥» أبراجهما كثيرة متقاربة، وفي باطن السور بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره قد تمكّن فتحها فيه لسعته، ولم أر في اسوار البلاد مثله، إلّا السور الذي على مدينة دهلى حضرة ملك الهند. وللموصل ربض كبير فيه المساجد والحمّامات والفنادق والاسواق، وبه مسجد جامع على شطّ الدجلة تدور به شبابيك حديد وتتّصل به مصاطب تشرف على دجلة، في نهاية من الحسن والاتقان «٢٦٦» ، وأمامه مارستان وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث «٢٦٧» ، وفي صحن الحديث منهما قبة داخلها خصّة رخام مثمّنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء بقوّة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأى حسن. وقيساريّة الموصل مليحة «٢٦٨» لها أبواب حديد ويدور بها دكاكين، وبيوت بعضها فوق بعض متقنة البناء.

стр. 473

المئذنة الحدباء تلّ النبيّ يونس بالموصل

стр. 474

وبهذه المدينة مشهد جرجيس «٢٦٩» النّبي ﵇ وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل اليه وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد لله تعالى. وهنالك تلّ يونس «٢٧٠» ﵇ وعلى نحو ميل منه العين المنسوبة اليه، يقال: إنه امر قومه بالتّطهير فيها ثم صعدوا التلّ ودعا ودعوا فكشف الله عنهم العذاب، وبمقربة منه قرية كبيرة يقرب منها خراب، يقال: إنه موضع المدينة المعروفة بنينوى مدينة يونس ﵇، وأثر السور المحيط بها ظاهر، ومواضع الأبواب التي بها متبيّنة. وفي التلّ بناء عظيم ورباط فيه بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقّايات يضمّ الجميع باب واحد، وفي وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مرصّع يقال: إنه الموضع الذي به موقف يونس ﵇، ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال إنه كان بيت متعبّده ﵇، وأهل الموصل يخرجون في كلّ ليلة جمعة إلى هذا الرباط يتعبّدون فيه، وأهل الموصل لهم مكارم أخلاق ولين كلام وفضيلة ومحبّة في الغريب واقبال عليه، وكان أميرها حين قدومي عليها السيّد الشريف الفاضل علاء الدين علي بن شمس الدين محمّد الملقّب «٢٧١» بحيدر، وهو من الكرماء الفضلاء، أنزلني بداره وأجرى عليّ الانفاق مدّة مقامي عنده، وله الصدقات والايثار المعروف، وكان السلطان أبو سعيد يعظمه وفوّض اليه في هذه المدينة وما إليها، ويركب في موكب عظيم من مماليكه وأجناده، ووجوه أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلام عليه غدوّا وعشيّا، وله شجاعة ومهابة، وولده يوجد في حين كتب هذا، في حضرة فاس مستقرّ الغرباء «٢٧٢» ومأوى الفرق ومحطّ رحال الوفود زادها الله بسعادة أيام مولانا أمير المومنين بهجة واشراقا وحرس ارجاءها ونواحيها.

стр. 475

ثم رحلنا من الموصل ونزلنا قرية تعرف بعين «٢٧٣» الرّصد وهي على نهر عليه جسر مبنيّ، وبها خان كبير، ثم رحلنا ونزلنا قرية تعرف بالمويلحة «٢٧٤» ثم رحلنا منها ونزلنا جزيرة ابن عمر «٢٧٥» وهي مدينة كبيرة حسنة محيط بها الوادي، ولذلك سميّت جزيرة، وأكثرها خراب، ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبنّى بالحجارة محكم العمل، وسورها مبنىّ بالحجارة أيضا واهلها فضلاء لهم محبّة في الغرباء، ويوم نزولنا بها رأينا جبل الجودى المذكور في كتاب الله «٢٧٦» الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇، وهو جبل عال مستطيل. ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى مدينة نصيبين «٢٧٧» ، وهي مدينة عتيقة متوسّطة قد خرب أكثرها وهي في بسيط أفيح فسيح فيه المياه الجارية، والبساتين الملتفّة، والأشجار المنتظمة، والفواكه الكثيرة، وبها يصنع ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطيب، ويدور بها نهر يعطف عليها انعطاف السوار منبعه من عيون في جبل قريب منها، وينقسم انقساما فيتخلّل بساتينها، ويدخل منه نهر إلى المدينة فيجرى في شوارعها ودورها ويخترق صحن مسجدها الأعظم وينصبّ في صهريجين أحدهما في وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي.

стр. 476

وبهذه المدينة مارستان ومدرستان، وأهلها أهل صلاح ودين وصدق وأمانة، ولقد صدق أبو نواس «٢٧٨» في قوله طابت نصيبين لي يوما وطبت لها ... يا ليت حظّي من الدنيا نصيبين! قال ابن جزي: والناس يصفون مدينة نصيبين بفساد الماء والوخامة، وفيها يقول بعض الشعراء. لنصيبين قد عجبت وما في ... دارها داع إلى العلّات يعدم الورد أحمرا في ذراها ... لسقام حتّى من الوجنات «٢٧٩» ثمّ رحلنا إلى مدينة سنجار «٢٨٠» ، وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار، والعيون المطرّدة والأنهار، مبنيّة في سفح جبل، تشبّه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها، ومسجدها الجامع مشهور البركة، يذكر أن الدعاء به مستجاب، ويدور به نهر ماء ويشقّه، وأهل سنجار أكراد، ولهم شجاعة وكرم وممّن لقيته بها الشيخ الصالح العابد الزاهد عبد الله الكرديّ أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات، يذكر عنه أنّه لا يفطر الّا بعد أربعين يوما، ويكون إفطاره على نصف قرص من الشّعير لقيته برابطة بأعلى جبل سنجار «٢٨١» ، ودعا لي وزوّدني بدراهم لم تزل عندي إلى أن سلبني كفّار الهنود.

стр. 477

ثم سافرنا إلى مدينة دارا «٢٨٢» وهي عتيقة كبيرة بيضاء المنظر لها قلعة مشرفة وهي الآن خراب لا عمارة بها وفي خارجها قرية معمورة بها كان نزولنا، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين «٢٨٣» ، وهي مدينة عظيمة في سفح جبل من أحسن مدن الإسلام وأبدعها وأتقنها وأحسنها أسواقا وبها تصنع الثياب المنسوبة اليها من الصوف المعروف بالمرعز «٢٨٤» ، ولها قلعة شمّاء من مشاهير القلاع في قنّة جبلها. قال ابن جزي: قلعة ماردين هذه تسمّى الشهباء وايّاها عنى شاعر العراق صفّي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلّي «٢٨٥» بقوله في سمطه: فدع ربوع الحلّة الفيحاء ... وازورّ بالعيس عن الزّوراء ولا تقف بالموصل الحدباء ... انّ شهاب القلعة الشّهباء محرق شيطان صروف الدّهر وقلعة حلب تسمّى الشّهباء، ايضا، وهذه المسمّطة بديعة مدح بها الملك المنصور سلطان ماردين «٢٨٦» وكان كريما شهير الصّيت، ولي الملك بها نحو خمسين سنة، وأدرك أيّام قازان ملك التتر وصاهر السلطان خذا بنده بابنته دنيا خاتون.

стр. 478

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي اليها وهو الملك الصالح «٢٨٧» ابن الملك المنصور الذي ذكرناه آنفا ورث الملك عن أبيه وله المكارم الشهيرة، وليس بأرض العراق والشام ومصر أكرم منه، يقصده الشعراء والفقراء فيجزل لهم العطايا جريا على سنن أبيه، قصده أبو عبد الله محمد بن جابر الاندلسيّ المرويّ الكفيف مادحا فأعطاه عشرين ألف درهم، وله الصدقات والمدارس والزوايا لإطعام الطعام، وله وزير كبير القدر وهو الإمام العالم وحيد الدهر، وفريد العصر، جمال الدين السّنجاريّ قرأ بمدينة تبريز، وأدرك العلماء الكبار، وقاضي قضاته الإمام الكامل برهان الدّين الموصليّ، وهو ينتسب إلى الشيخ الوليّ فتح الموصليّ، وهذا القاضي من أهل الدين والورع والفضل يلبس الخشن من ثياب الصوف الذي لا تبلغ قيمته عشرة دراهم ويعتمّ بنحو ذلك، وكثيرا ما يجلس للأحكام بصحن مسجد خارج المدرسة كان يتعبّد فيه، فإذا رءاه من لا يعرفه ظنّه بعض خدّام القاضي واعوانه! حكاية [صلح بين زوجين] ذكر لي أنّ امرأة أتت هذا القاضي وهو خارج من المسجد ولم تكن تعرفه، فقالت له يا شيخ أين يجلس القاضي؟ فقال لها: وما تريدين منه؟ فقالت له: إنّ زوجي ضربني، وله زوجة ثانية وهو لا يعدل بيننا في القسم، وقد دعوته إلى القاضي فأبى وأنا فقيرة ليس عندي ما أعطيه لرجال القاضي حتّى يحضروه بمجلسه، فقال لها: وأين منزل زوجك؟ فقالت بقرية الملّاحين خارج المدينة، فقال لها: أنا أذهب معك إليه: فقالت: والله ما عندي شيء أعطيك ايّاه، فقال لها: وأنا لا اخذ منك شيئا. ثم قال لها: اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها فإني على إثرك، فذهبت كما أمرها وانتظرته فوصل إليها وليس معه أحد، وكانت عادته أن لا يدع أحدا يتبعه، فجاءت به إلى منزل زوجها، فلمّا رءاه قال لها: ما هذا الشيخ النّحس الذي معك؟ فقال له: نعم والله أنا كذالك، ولا كن أرض زوجتك! فلمّا طال الكلام جاء الناس فعرفوا القاضي وسلّموا عليه، وخاف ذالك الرجل وخجل، فقال له القاضي: لا عليك أصلح ما بينك وبين زوجتك، فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقة ذلك اليوم، وانصرف.

стр. 479

ولقيت هذا القاضي وأضافني بداره ثمّ رحلت عائدا إلى بغداد فوصلت إلى مدينة الموصل التي ذكرناها، فوجدت ركبها بخارجها متوجّهين إلى بغداد، وفيهم امرأة صالحة عابدة تسمّى بالسّت زاهدة وهي من ذرّيّة الخلفاء، حجّت مرارا وهي ملازمة الصوم سلّمت عليها، وكنت في جوارها، ومعها جملة من الفقراء يخدمونها، وفي هذه الوجهة توفّيت رحمة الله عليها وكانت وفاتها بزرود، ودفنت هنالك. ثمّ وصلنا إلى مدينة بغداد فوجدت الحاجّ في أهبة الرحيل فقصدت أميرها معروف خواجه فطلبت منه ما أمر لي به السلطان فعيّن لي شقّة محارة «٢٨٨» وزاد أربعة من الرجال وماءهم، وكتب لي بذالك، ووجّه عن أمير الركب وهو البهلوان محمد الحويح «٢٨٩» فأوصاه بي وكانت المعرفة بيني وبينه متقدّمة فزادها تأكيد ولم أزل في جواره وهو يحسن إلىّ ويزيد لي على ما أمر لي به. وأصابني عند خروجنا من الكوفة إسهال فكانوا ينزلونني من أعلى المحمل مرّات كثيرة في اليوم، والأمير يتفقّد حالي ويوصي بي، ولم أزل مريضا حتّى وصلت مكّة حرم الله تعالى زادها الله شرفا وتعظيما، وطفت بالبيت الحرام كرّمه الله تعالى طواف القدوم، وكنت ضعيفا بحيت أؤدّي المكتوبة قاعدا فطفت وسعيت بين الصّفا والمروة راكبا على فرس الأمير الحويح المذكور. ووقفنا تلك السنة يوم الاثنين «٢٩٠» ، فلمّا نزلنا منى أخذت في الراحة والاستقلال من مرضى، ولمّا انقضى الحجّ أقمت مجاورا بمكّة تلك السّنة وكان بها الأمير علاء الدين بن هلال مشيّد الدّواوين مقيما لعمارة دار الوضوء بظاهر العطّارين من باب بني شيبة، وجاور في تلك السنة من المصريّين جماعة من كبراء كبرائهم منهم تاج الدّين بن الكويك «٢٩١» ، ونور الدين القاضي «٢٩٢» ، وزين الدين بن الاصيل، وابن الخليليّ «٢٩٣» ، وناصر الدين الأسيوطيّ،

стр. 480

وسكنت تلك السنة بالمدرسة المظفّريّة، وعافاني الله من مرضي فكنت في أنعم عيش وتفرّغت للطواف والعبادة والاعتمار. وأتى في أثناء تلك السنة حجّاج الصعيد وقدم معهم الشيخ الصالح نجم الدين الأصفونيّ «٢٩٤» ، وهي أوّل حجّة حجّها، والاخوان علاء الدين عليّ، وسراج الدين عمر ابنا القاضي الصالح نجم الدين البالسيّ قاضي «٢٩٥» مصر، وجماعة غيرهم وفي منتصف ذي القعدة وصل الامير سيف الدين يلملك، وهو من الفضلاء، ووصل في صحبته جماعة من أهل طنجة بلدي حرسها الله، منهم الفقيه أبو عبد الله محمد ابن القاضي أبي العبّاس ابن القاضي الخطيب أبي القاسم الجراويّ، والفقيه أبو عبد الله بن عطاء الله، والفقيه أبو محمد عبد الله الحضريّ، والفقيه أبو عبد الله المرسى، وأبو العبّاس ابن الفقيه أبي عليّ البلنسيّ، وأبو محمد بن القابلة وأبو الحسن البياريّ وأبو العبّاس ابن تافوت وأبو الصبر أيّوب الفخّار، وأحمد ابن حكّامة، ومن أهل قصر المجاز «٢٩٦» الفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن القاضي أبي العبّاس ابن خلوف، ومن أهل القصر الكبير «٢٩٧» الفقيه أبو محمد بن مسلم وأبو اسحاق ابراهيم بن يحيى وولده. ووصل في تلك السنة الامير سيف الدين تقزدمور من الخاصّكية «٢٩٨» ، والأمير

стр. 481

موسى بن قرمان «٢٩٩» ، والقاضي فخر الدين ناظر «٣٠٠» الجيش كاتب المماليك، والتاج اسحاق، والسّت حدق مربية «٣٠١» الملك الناصر، وكانت لهم صدقات عميمة بالحرم الشريف واكثرهم صدقة القاضي فخر الدين. وكانت وقفتنا في تلك السنة في يوم الجمعة من عام ثمانية وعشرين «٣٠٢» ، وفي هذه السنة وصل أحمد بن الأمير رميثة «٣٠٣» ومبارك بن الأمير عطيفة «٣٠٤» من العراق صحبة الأمير محمد الحويح والشيخ زاده الحرباويّ، والشيخ دانيال «٣٠٥» ، وأتوا بصدقات عظيمة للمجاورين وأهل مكّة، من قبل السلطان أبي سعيد ملك العراق، وفي تلك السنة ذكر اسمه في الخطبة بعد ذكر الملك الناصر ودعوا له بأعلى قبّة زمزم وذكروا بعده سلطان اليمن الملك المجاهد نور الدين «٣٠٦» ، ولم يوافق الامير عطيفة على ذلك، وبعث شقيقه منصورا ليعلم الملك الناصر بذلك، فأمر رميثة بردّه فردّ، فبعثه ثانية على طريق جدّة حتى أعلم الملك الناصر بذلك، ووقفنا تلك السنة وهي سنة تسع وعشرين يوم الثلاثاء «٣٠٧» .

стр. 482

ولمّا انقضى الحجّ أقمت مجاورا بمكّة حرسها الله سنة ثلاثين، وفي موسمها وقعت الفتنة بين أمير مكّة عطيفة وبين ايدمور أمير جندار الناصريّ «٣٠٨» وسبب ذلك أنّ تجارا من أهل اليمن سرقوا، فتشكّوا إلى أيد مور بذلك، فقال ايدمور أمير لمبارك بن الامير عطيفة أيت بهؤلاء السرّاق! فقال: لا أعرفهم فكيف نأتي بهم؟ وبعد فأهل اليمن تحت حكمنا، ولا حكم عليهم لك، إن سرق لأهل مصر والشام شيء فاطلبني به، فشتمه أيدمور وقال له: يا قوّاد! تقول لي هكذا! وضربه على صدره، فسقط ووقعت عمامته عن رأسه، وغضب له عبيده، وركب أيدمور يريد عسكره، فلحقه مبارك وعبيده فقتلوه وقتلوا ولده، ووقعت الفتنة بالحرم، وكان به أمير أحمد ابن عمّ الملك الناصر. «٣٠٩» ورمى الترك بالنشّاب فقتلوا امرأة قيل إنها كانت تحرّض أهل مكّة على القتال، وركب من بالركب من الأتراك واميرهم خاصّ ترك، فخرج إليهم القاضي والأئمة والمجاورون وفوق رؤوسهم المصاحف وحاولوا الصلح ودخل الحجّاج مكّة فأخذوا مالهم بها، وانصرفوا إلى مصر. وبلغ الخبر إلى الملك الناصر فشقّ عليه وبعث العساكر إلى مكّة ففرّ الأمير عطيفة وابنه مبارك وخرج أخوه رميثة وأولاده إلى وادي نخلة فلما وصل العسكر إلى مكّة بعث الامير رميثة أحد أولاده يطلب له الأمان ولولده فأمنوا وأتى رميثة وكفنه في يده إلى الامير فخلع عليه، وسلّمت إليه مكّة وعاد العسكر إلى مصر. وكان الملك الناصر ﵀ حليما فاضلا.

стр. 483

الفصل السادس بين المحيط الهندي والخليج الفارسي مغادرة جدّة في اتجاه اليمن من جزيرة سواكن إلى مدينة حلي في زبيد عاصمة الجمال والكمال التقاليد بين الهند واليمن صهاريج عدن التاريخية إلى زيلع ومقدشو- جزيرة منبسي- كلوا حضر موت- وشبه سكان المنطقة بصنهاجة المغاربة عمان الكبرى- بين قلهات وهرمز ... مغاصات اللؤلؤ وبلاد البحرين من البحرين إلى القطيف أداؤه مناسك الحج لعام ٧٣٢

стр. 484

خريطة بين المحيط الهندي والخليج الفارسي

стр. 485

[جنوب الجزيرة- شرق افريقيا- الخليج] فخرجت في تلك الأيّام من مكّة شرفها الله تعالى قاصدا بلاد اليمن فوصلت إلى حدّة «١» ، بالحاء المهمل المفتوح، وهي نصف الطريف ما بين مكّة وجدّة بالجيم المضموم، ثمّ وصلت إلى جدّة «٢» وهي بلدة قديمة على ساحل البحر يقال إنها من عمارة «٣» الفرس وبخارجها مصانع قديمة وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد، يتّصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة «٤» وكانت هذه السنة قليلة المطر وكان الماء يجلب إلى جدّة على مسيرة يوم وكان الحجّاج يسألون الماء من أصحاب البيوت. حكاية [الأعمى والخاتم] ومن غريب ما اتّفق لي بجدّة انّه وقف على بابي سائل أعمى يطلب الماء يقوده غلام فسلّم عليّ وسمّاني باسمي وأخذ بيدي ولم أكن عرفته قطّ ولا عرفني، فعجبت من شأنه ثم أمسك إصبعي بيده، وقال اين الفتخة؟ وهي الخاتم، وكنت حين خروجي من مكّة قد لقيني بعض الفقراء وسألني، ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء، فدفعت له خاتمي، فلما سألني عنه

стр. 486

هذا الأعمى قلت له أعطيته لفقير، فقال: ارجع في طلبه فإنّ فيه أسماء مكتوبة فيها سرّ من الأسرار، فطال تعجّبي منه ومن معرفته بذلك كلّه، والله أعلم بحاله. وبجدّه جامع يعرف بجامع الآبنوس «٥» معروف البركة يستجاب فيه الدعاء، وكان الامير بها أبا يعقوب بن عبد الرزّاق وقاضيها وخطيبها الفقيه عبد الله من أهل مكّة شافعيّ المذهب، وإذا كان يوم الجمعة واجتمع الناس للصلاة أتى المؤذّن وعدّ أهل جدّة المقيمين بها، فإن كملوا أربعين خطب وصلّى بهم الجمعة وان لم يبلغ عددهم أربعين صلّى ظهرا أربعا، ولا يعتبر من ليس من أهلها وان كانوا عددا كثيرا «٦» . ثم ركبنا من جدّة في مركب يسمّونه الجلبة «٧» وكان لرشيد الدين الألفي اليمنيّ الحبشيّ الأصل، وركب الشريف منصور بن أبى نمّى «٨» في جلبة أخرى ورغب منّي أن أكون معه فلم أفعل لكونه كان معه في جلبته الجمال فخفت من ذلك، ولم أكن ركبت البحر قبلها وكان هنالك جملة من أهل اليمن قد جعلوا ازوادهم وامتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر. حكاية [الدّراهم المخبوءة بالعديلة] ولمّا ركبنا البحر أمر الشريف منصور أحد غلمانه أن يأتيه بعديلة دقيق، وهي نصف حمل، وبطّة سمن يأخذهما من جلب أهل اليمن، فأخذهما وأتى بهما إليه فأتاني التّجار باكين، وذكروا لي أن في جوف تلك العديلة عشرة الاف درهم نقرة، ورغبوا منّي أن أكلّمه في ردّها وأن يأخذ سواها، فأتيته وكلّمته في ذلك وقلت له: إنّ للتجار في جوف هذه العديلة شيئا، فقال: إن كان سكرا فلا أردّه اليهم، وان كان سوى ذلك فهو لهم، ففتحوها فوجدوا

стр. 487

نموذج من الفن التصويري عند العرب يذكرنا في الكثير من المشاهد التي يصفها ابن بطوطة في رحلته ... الصورة تمثل مركبا من إحدى مقامات الحريري: المقامة ٣٩. ليننگراد المعهد الشرقي لأكاديمية العلوم.

стр. 488

الدراهم فردّها عليهم، وقال لي: لو كان عجلان ما ردّها، وعجلان هو ابن أخيه رميثة، وكان قد دخل في تلك الأيام دار تاجر من أهل دمشق قاصدا لليمن فذهب بمعظم ما كان فيها، وعجلان هو أمير مكّة على هذا العهد، وقد صلح حاله واظهر العدل والفضل. ثم سافرنا في هذا البحر بالرّيح الطّيبة يومين وتغيّرت الرّيح بعد ذالك وصدّتنا عن السبيل التي قصدناها ودخلت أمواج البحر معنا في المركب واشتدّ الميد بالناس ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر، فيما بين عيذاب وسواكن «٩» ، فنزلنا به ووجدانا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد، وفيه كثير من قشور بيض النّعام مملوّة ماء فشربنا منه وطبخنا. ورأيت بذلك المرسى عجبا وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به وقد امتلأ سمكا. كلّ سمكة منها قدر الذراع ويعرفونه بالبوريّ، فطبخ منه الناس كثيرا واشتووا وقصدت إلينا طائفة من البجاة، وهم سكّان تلك الأرض سود الألوان لباسهم الملاحف الصفر ويشدّون على رءوسهم عصائب حمرا في عرض الإصبع «١٠» ، وهم أهل نجدة وشجاعة وسلاحهم الرّماح والسيوف ولهم جمال يسمونها الصّهب يركبونها بالسروج، فاكترينا منهم الجمال وسافرنا معهم في برّيّة كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها فهي تأنس بالآدميّ ولا تنفر منه. وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حيّ من العرب يعرفون بأولاد كاهل مختلطين بالبجاة عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرة سواكن وهي على نحو ستّة اميال من البرّ «١١» ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب اليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر وهي جزيرة كبيرة وبها لحوم النّعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى

стр. 489

عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكّة وحبوبهم الجرجور وهو نوع من الذرة كبير الحبّ يجلب منها ايضا إلى مكّة. ذكر سلطانها وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي اليها الشريف زيد بن أبي نمّى «١٢» وأبوه أمير مكّة وأخواه أميراها بعده، وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدّم ذكرهما، وصارت إليه من قبل البجاة فانّهم أخواله، ومعه عسكر من البجاة وأولاد كاهل وعرب جهينة. وركبنا «١٣» البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن، وهذا البحر لا يسافر فيه بالليل لكثرة أحجاره وانّما يسافرون فيه من طلوع الشمس إلى غروبها ويرسون وينزلون إلى البرّ، فإذا كان الصباح صعدوا إلى المركب وهم يسمّون رئيس المركب الرّبان «١٤» ، ولا يزال أبدا في مقدم المركب ينبّه صاحب السكّان «١٥» على الأحجار، وهم يسمّونها النّبات. وبعد ستّة أيّام من خروجنا عن جزيرة سواكن وصلنا إلى مدينة حلي «١٦» ، وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وكسر اللام وتخفيفها، وتعرف باسم ابن يعقوب وكان من سلاطين

стр. 490

اليمن ساكنا بها قديما وهي كبيرة حسنة العمارة يسكنها طائفتان من العرب وهم بنو حرام وبنو كنانة «١٧» ، وجامع هذه المدينة من أحسن الجوامع وفيه جماعة من الفقراء المنقطعين إلى العبادة منهم الشيخ الصالح العابد الزاهد قبولة الهنديّ من كبار الصالحين، لباسه مرقّعة وقلنوسة لبد، وله خلوة متّصلة بالمسجد فرشها الرمل، لا حصير بها ولا بساط، ولم أر بها حين لقاءي له شيئا الا إبريق الوضوء، وسفرة من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة، وصحيفة فيها ملح وصعتر، فإذا جاءه أحد قدّم بين يديه ذلك، ويسمع به أصحابه فيأتي كلّ واحد منهم بما حضره من غير تكلّف شيء وإذا صلّوا العصر اجتمعوا للذّكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب وإذا صلّوا المغرب أخذ كلّ واحد منهم موقفه للتنفّل فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذّكر إلى ثلث الليل ثم انصرفوا ويعودون في أوّل الثلث الثالث إلى المسجد، فيتهجّدون إلى الصبح ثم يذكرون إلى أن تحين صلاة الإشراق فينصرفون بعد صلاتها.، منهم من يقيم إلى أن يصلّي صلاة الضّحى بالمسجد، وهذا دأبهم أبدا ولقد كنت أردت الاقامة معهم باقي عمري فلم أوفق لذلك والله تعالى يتداركنا بلطفه وتوفيقه! ذكر سلطان حلي وسلطانها عامر بن ذؤيب من بني كنانة «١٨» وهو من الفضلاء الأدباء الشعراء صحبته من مكّة إلى جدّة وكان حجّ في سنة ثلاثين، ولمّا قدمت مدينته أنزلني وأكرمني وأقمت في ضيافته أيّاما وركبت البحر في مركب له فوصلت إلى بلدة السرجة «١٩» ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل واسكان الرّاء وفتح الجيم، بلدة صغيرة يسكنها جماعة من أولاد

стр. 491

الهبي «٢٠» ، وهم طائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصعداء «٢١» ولهم فضل وكرم واطعام لابناء السبيل، ويعينون الحجّاج ويركبونهم في مراكبهم، ويزوّدونهم من أموالهم وقد عرفوا بذلك واشتهروا به، وكثّر الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فعل الخير. وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلّا الشيخ بدر الدين النقّاس الساكن ببلدة القحمة «٢٢» ، فله مثل ذلك من الماثر والائثار. وأقمنا بالسّرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين، ثمّ رحلنا إلى مرسى الحادث «٢٣» ولم ننزل به، ثم إلى مرسى الأبواب «٢٤» ثم إلى مدينة زبيد، «٢٥» مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها،

стр. 492

أمام قاضي صعدة من مقامة الحريري السابعة والثلاثين مدينة زبيد

стр. 493

واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره وهي برّيّة لا شطّيّة إحدى قواعد بلاد اليمن، وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، مدينة كبيرة كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه، أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور ولنسائها الحسن الفائق الفائت وهي وادي الحصيب الذي يذكر في بعض الآثار أنّ رسول الله ﷺ قال لمعاذ في وصيّته: يا معاذ إذا جئت وادي الحصيب فهرول!! «٢٦» ولأهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة «٢٧» ، وذلك انّهم يخرجون في أيّام البسر والرّطب في كلّ سبت إلى حدائق النخل، ولا يبقى بالمدينة أحد من أهلها ولا من الغرباء، ويخرج أهل الطرب وأهل الاسواق لبيع الفواكه والحلاوات، وتخرج النساء ممتطيات الجمال في المحامل، ولهنّ مع ما ذكرناه من الجمال الفائت الاخلاق الحسنة والمكارم «٢٨» ، وللغريب عندهنّ مزيّة ولا يمتنعن من تزوّجه كما يفعله نساء بلادنا، فإذا أراد السفر خرجت معه وودّعته وإن كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى أن يرجع أبوه ولا تطالبه في أيّام الغيبة بنفقة ولا كسوة ولا سواها وإذا كان مقيما فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة لاكنّهنّ لا يخرجن عن بلدهنّ أبدا ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه على أن تخرج عن بلدها لم تفعل. وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق، ولقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمّد الصنعانيّ، والفقيه الصوفي المحقّق أبا العباس الأبيانيّ، والفقيه المحدّث أبا عليّ الزّبيديّ، ونزلت في جوارهم فأكرموني وأضافوني، ودخلت حدائقهم واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبد الرحمن الصوفي أحد

стр. 494

فضلاء اليمن ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن العجيل اليمنيّ «٢٩» وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات. كرامة، ذكروا أنّ فقهاء الزيديّة وكبراءهم أتوا مرّة إلى زيارة الشيخ أحمد بن العجيل فجلس لهم خارج الزاوية واستقبلهم أصحابه ولم يبرح الشيخ عن موضعه فسلّموا عليه وصافحهم ورحّب بهم ووقع بينهم الكلام في مسألة القدر «٣٠» ، وكانوا يقولون: أن لا قدر، وان المكلّف يخلق أفعاله، فقال لهم الشيخ: فإن كان الأمر على ما تقولون فقوموا عن مكانكم هذا فأرادوا القيام، فلم يستطيعوا، وتركهم الشيخ على حالهم ودخل الزاوية، وأقاموا كذلك واشتدّ بهم الحرّ ولحقهم وهج الشمس وضجّوا ممّا نزل بهم، فدخل اصحاب الشيخ إليه وقالوا له إن هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد، فخرج عليهم الشيخ فأخذ بأيديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحقّ وترك مذهبهم السّيء، وأدخلهم زاويته فاقاموا في ضيافته ثلاثا وانصرفوا إلى بلادهم. وخرجت لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها: غسانة «٣١» خارج زبيد، ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل «٣٢» فأضافني وبتّ عنده، وزرت ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثا، وسافرت في صحبته إلى زيارة الفقيه أبي الحسن الزيلعيّ «٣٣» ، وهو من كبار الصالحين ويقدم حجّاج اليمن اذا توجّهوا للحجّ، وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه

стр. 495

ويحترمونه. فوصلنا إلى جبله «٣٤» وهي بلدة صغيرة حسنة ذات نخل وفواكه وأنهار، فلمّا سمع الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ بقدوم الشيخ أبي الوليد استقبله وأنزله بزاويته وسلّمت عليه معه، وأقمنا عنده ثلاثة أيّام في خير مقام، ثم انصرفنا وبعث معنا أحد الفقراء فتوجّهنا إلى مدينة تعزّ حضرة ملك اليمن، وضبط اسمها بفتح التاء المعلوّة وكسر العين المهملة وزاء، وهي من أحسن مدن اليمن واعظمها، وأهلها ذوو تجبّر وتكبّر وفظاظة، وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك، وهي ثلاث محلّات إحداها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمّى باسم لا أذكره، والثانية يسكنها الأمراء والأجناد، وتسمّى عدينة، والثالثة يسكنها عامّة الناس وبها السوق العظمى، وتسمّى المحالب «٣٥» . ذكر سلطان اليمن وهو السلطان المجاهد نور الدين «٣٦» عليّ ابن السلطان المؤيد هزبر الدين داوود بن السلطان المظفّر يوسف بن عليّ ابن رسول، شهر جدّه برسول لان أحد خلفاء بني العبّاس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميرا، ثم استقلّ اولاده بالملك. وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه، وكنت لمّا وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي بعثه الشيخ الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ
следующие страницы →