Полный текст (1 410 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الهبي «٢٠» ، وهم طائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصعداء «٢١» ولهم فضل وكرم واطعام لابناء السبيل، ويعينون الحجّاج ويركبونهم في مراكبهم، ويزوّدونهم من أموالهم وقد عرفوا بذلك واشتهروا به، وكثّر الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فعل الخير.
وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلّا الشيخ بدر الدين النقّاس الساكن ببلدة القحمة «٢٢» ، فله مثل ذلك من الماثر والائثار.
وأقمنا بالسّرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين، ثمّ رحلنا إلى مرسى الحادث «٢٣» ولم ننزل به، ثم إلى مرسى الأبواب «٢٤» ثم إلى مدينة زبيد، «٢٥» مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها،
стр. 492
أمام قاضي صعدة من مقامة الحريري السابعة والثلاثين مدينة زبيد
стр. 493
واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره وهي برّيّة لا شطّيّة إحدى قواعد بلاد اليمن، وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، مدينة كبيرة كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه، أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور ولنسائها الحسن الفائق الفائت وهي وادي الحصيب الذي يذكر في بعض الآثار أنّ رسول الله ﷺ قال لمعاذ في وصيّته: يا معاذ إذا جئت وادي الحصيب فهرول!! «٢٦» ولأهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة «٢٧» ، وذلك انّهم يخرجون في أيّام البسر والرّطب في كلّ سبت إلى حدائق النخل، ولا يبقى بالمدينة أحد من أهلها ولا من الغرباء، ويخرج أهل الطرب وأهل الاسواق لبيع الفواكه والحلاوات، وتخرج النساء ممتطيات الجمال في المحامل، ولهنّ مع ما ذكرناه من الجمال الفائت الاخلاق الحسنة والمكارم «٢٨» ، وللغريب عندهنّ مزيّة ولا يمتنعن من تزوّجه كما يفعله نساء بلادنا، فإذا أراد السفر خرجت معه وودّعته وإن كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى أن يرجع أبوه ولا تطالبه في أيّام الغيبة بنفقة ولا كسوة ولا سواها وإذا كان مقيما فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة لاكنّهنّ لا يخرجن عن بلدهنّ أبدا ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه على أن تخرج عن بلدها لم تفعل.
وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق، ولقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمّد الصنعانيّ، والفقيه الصوفي المحقّق أبا العباس الأبيانيّ، والفقيه المحدّث أبا عليّ الزّبيديّ، ونزلت في جوارهم فأكرموني وأضافوني، ودخلت حدائقهم واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبد الرحمن الصوفي أحد
стр. 494
فضلاء اليمن ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن العجيل اليمنيّ «٢٩» وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات.
كرامة، ذكروا أنّ فقهاء الزيديّة وكبراءهم أتوا مرّة إلى زيارة الشيخ أحمد بن العجيل فجلس لهم خارج الزاوية واستقبلهم أصحابه ولم يبرح الشيخ عن موضعه فسلّموا عليه وصافحهم ورحّب بهم ووقع بينهم الكلام في مسألة القدر «٣٠» ، وكانوا يقولون: أن لا قدر، وان المكلّف يخلق أفعاله، فقال لهم الشيخ: فإن كان الأمر على ما تقولون فقوموا عن مكانكم هذا فأرادوا القيام، فلم يستطيعوا، وتركهم الشيخ على حالهم ودخل الزاوية، وأقاموا كذلك واشتدّ بهم الحرّ ولحقهم وهج الشمس وضجّوا ممّا نزل بهم، فدخل اصحاب الشيخ إليه وقالوا له إن هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد، فخرج عليهم الشيخ فأخذ بأيديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحقّ وترك مذهبهم السّيء، وأدخلهم زاويته فاقاموا في ضيافته ثلاثا وانصرفوا إلى بلادهم.
وخرجت لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها: غسانة «٣١» خارج زبيد، ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل «٣٢» فأضافني وبتّ عنده، وزرت ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثا، وسافرت في صحبته إلى زيارة الفقيه أبي الحسن الزيلعيّ «٣٣» ، وهو من كبار الصالحين ويقدم حجّاج اليمن اذا توجّهوا للحجّ، وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه
стр. 495
ويحترمونه. فوصلنا إلى جبله «٣٤» وهي بلدة صغيرة حسنة ذات نخل وفواكه وأنهار، فلمّا سمع الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ بقدوم الشيخ أبي الوليد استقبله وأنزله بزاويته وسلّمت عليه معه، وأقمنا عنده ثلاثة أيّام في خير مقام، ثم انصرفنا وبعث معنا أحد الفقراء فتوجّهنا إلى مدينة تعزّ حضرة ملك اليمن، وضبط اسمها بفتح التاء المعلوّة وكسر العين المهملة وزاء، وهي من أحسن مدن اليمن واعظمها، وأهلها ذوو تجبّر وتكبّر وفظاظة، وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك، وهي ثلاث محلّات إحداها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمّى باسم لا أذكره، والثانية يسكنها الأمراء والأجناد، وتسمّى عدينة، والثالثة يسكنها عامّة الناس وبها السوق العظمى، وتسمّى المحالب «٣٥» .
ذكر سلطان اليمن
وهو السلطان المجاهد نور الدين «٣٦» عليّ ابن السلطان المؤيد هزبر الدين داوود بن السلطان المظفّر يوسف بن عليّ ابن رسول، شهر جدّه برسول لان أحد خلفاء بني العبّاس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميرا، ثم استقلّ اولاده بالملك. وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه، وكنت لمّا وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي بعثه الشيخ الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ
стр. 496
مدينة جبله مدينة تعز
стр. 497
في صحبتي، قصد بي إلى قاضي القضاة الإمام المحدّث صفيّ الدين الطبريّ المكّي «٣٧» فسلمنا عليه ورحّب بنا وأقمنا بداره في ضيافته ثلاثا، فلمّا كان في اليوم الرابع وهو يوم الخميس، وفيه يجلس السلطان لعامّة الناس دخل بي عليه فسلّمت عليه، وكيفيّة السلام عليه أن يمسّ الانسان الأرض بسبّابته، ثمّ يرفعها إلى رأسه، ويقول: ادام الله عزّك، ففعلت كمثل ما فعله القاضي، وقعد القاضي عن يمين الملك، وأمرني فقعدت بين يديه فسألني عن بلادي وعن مولانا أمير المسلمين جواد الأجواد أبي سعيد ﵁ «٣٨» ، وعن ملك مصر وملك العراق وملك اللّور، فأجبته عمّا سأل من أحوالهم وكان وزيره بين يديه فأمره بإكرامي وإنزالي.
وترتيب قعود هذا الملك أنّه يجلس فوق دكّانة مفروشة مزيّنة بثياب الحرير، وعن يمينه ويساره أهل السلاح، ويليه منهم أصحاب السيوف والدّرق، ويليهم أصحاب القسيّ، وبين يديهم في الميمنة والميسرة الحاجب، وأرباب الدولة وكاتب السرّ وأمير جندار على رأسه، والشاوشيّة، وهم من الجنادرة وقوف على بعد، فإذا قعد السلطان صاحوا صيحة واحدة:
بسم الله، فإذا قام فعلوا مثل ذالك، فيعلم جميع من بالمشور وقت قيامه ووقت قعوده، فإذا استوى قاعدا دخل كلّ من عادته أن يسلّم عليه فسلّم ووقف حيث رسم له في الميمنة أو الميسرة لا يتعدّى أحد موضعه ولا يقعد إلّا من أمر بالقعود. ويقول السلطان للأمير جندار:
مر فلانا يقعد، فيتقدّم ذلك المأمور بالقعود عن موقفه قليلا، ويقعد على بساط هنالك بين أيدي القائمين في الميمنة والميسرة، ثم يوتي بالطعام، وهو طعامان طعام العامّة وطعام الخاصّة، فأمّا الطعام الخاصّ فيأكل منه السلطان وقاضي القضاة والكبار من الشرفاء ومن الفقهاء والضيوف وأمّا الطعام العامّ فيأكل منه سائر الشرفاء والفقهاء والقضاة والمشايخ والأمراء ووجوه الأجناد، ومجلس كلّ انسان للطعام معيّن لا يتعدّاه، ولا يزاحم أحد منهم أحدا. وعلى هذا الترتيب سواء هو ترتيب ملك الهند في طعامه، فلا أعلم هل أن سلاطين الهند أخذوا ذلك عن سلاطين اليمن أم سلاطين اليمن أخذوه عن سلاطين الهند.
стр. 498
معصرة السمسم في صنعاء لقد كان لسبأ في مساكنهم آية ...
стр. 499
وأقمت في ضيافة سلطان اليمن أيّاما، وأحسن إليّ وأركبني، وانصرفت مسافرا إلى مدينة صنعاء «٣٩» ، وهي قاعدة بلاد اليمن الأولى، مدينة كبيرة حسنة العمارة بناؤها بالأجرّ والجصّ، كثيرة الأشجار والفواكه والزرع معتدلة الهواء طيّبة الماء، ومن الغريب أن المطر ببلاد الهند واليمن والحبشة إنّما ينزل في أيام القيظ، وأكثر ما يكون نزوله بعد الظهر «٤٠» من كلّ يوم في ذلك الأوان، فالمسافرون يستعجلون عند الزوال لئلّا يصيبهم المطر، وأهل المدينة ينصرفون إلى منازلهم لأن امطارها وابلة متدفّقة.
ومدينة صنعاء مفروشة كلّها فإذا نزل المطر غسل جميع أزقّتها وأنقاها وجامع صنعاء من أحسن الجوامع، وفيه قبر نبيّ من الأنبياء ﵈.
ثمّ سافرت منها إلى مدينة عدن «٤١» مرسى بلاد اليمن على ساحل البحر الاعظم، والجبال تحفّ بها ولا مدخل اليها الّا من جانب واحد، وهي مدينة كبيرة ولا زرع بها ولا شجر ولا ماء، وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيّام المطر «٤٢» والماء على بعد منها فربّما منعته العرب وحالوا بين أهل المدينة وبينه حتّى يصانعوهم بالمال والثياب، وهي شديدة الحرّ،
стр. 500
صهاريج عدن ورد ذكرها عند ابن بطوطة وقبله عند ابن المجاور قلعة صيرة- عدن
стр. 501
وهي مرسى أهل الهند تأتي إليها المراكب العظيمة من كنباية وتانة، وكولم، وقالقوط، وفندرانية، والشاليات، ومنجرور، وفاكنور، وهنور، وسندابور، وغيرها «٤٣» ، وتجار الهند ساكنون بها وتجار مصر ايضا.
وأهل عدن ما بين تجار وما بين حمّالين وصيّادين للسّمك وللتجار منهم أموال عريضة وربّما يكون لأحدهم المركب العظيم بجميع ما فيه لا يشاركه فيه غيره لسعة ما بين يديه من الأموال، ولهم في ذلك تفاخر ومباهاة.
حكاية [كبش يعتق عبدا]
ذكر لي أن بعضهم «٤٤» بعث غلاما له ليشتري له كبشا وبعث اخر منهم غلاما له برسم ذلك أيضا، فاتّفق أنّه لم يكن بالسوق في ذلك اليوم إلّا كبش واحد فوقعت المزايدة فيه بين الغلامين، فانتهى ثمنه إلى أربع مائة دينار، فأخذه أحدهما، وقال: إنّ رأس مالي أربع مائة دينار، فإن أعطاني مولاي ثمنه فحسن والّا دفعت فيه رأس مالي ونصرت نفسي وغلبت صاحبي، وذهب بالكبش إلى سيّده فلمّا عرف سيّده بالقضية أعتقه وأعطاه الف دينار وعاد الآخر إلى سيّده خائبا فضربه وأخذ ماله ونفاه عنه! ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفأريّ. فكان يحضر طعامه في كلّ ليلة نحو عشرين من التجار، وله غلمان وخدّام أكثر من ذلك، ومع هذا كلّه فهم أهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق يحسنون إلى الغريب ويؤثرون على الفقير، ويعطون حقّ الله من الزكاة على ما يجب، ولقيت بهذه المدينة قاضيها الصالح سالم بن عبد الله الهنديّ، وكان والده من العبيد الحمّالين واشتغل ابنه بالعلم فرأس وساد، وهو من خيار القضاة وفضلائهم، أقمت في ضيافته أيّاما.
стр. 502
وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيّام «٤٥» ووصلت إلى مدينة زيلع «٤٦» وهي مدينة البربرة، وهم طائفة من السودان «٤٧» شافعيّة المذهب وبلادهم مسيرة شهرين أوّلها زيلع وآخرها مقدشو، ومواشيهم الجمال ولهم أغنام مشهورة السّمن.
وأهل زيلع سود الألوان وأكثرهم رافضة، وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة إلّا أنّها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا، وسبب نتنها كثرة سمكها ودماء الإبل التي ينحرونها في الأزقّة. ولمّا وصلنا إليها اخترنا المبيت بالبحر على شدّة هوله ولم نبت بها لقذرها.
стр. 503
ثم سافرنا منها في البحر خمس عشرة ليلة، ووصلنا مقدشو٤»
، وضبط اسمها بفتح الميم واسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم واسكان الواو. وهي مدينة متناهية في الكبر، وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم، ولهم أغنام كثيرة وأهلها تجار أقوياء وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها، ومنها تحمل إلى ديار مصر وغيرها «٤٩» .
ومن عادة أهل هذه المدينة أنّه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابق، وهي القوارب الصغار إليه، ويكون في كل صنبوق جماعة من شبّان أهلها فيأتي كلّ واحد منهم بطبق مغطّى، فيه الطعام فيقدّمه لتاجر من تجار الركب، ويقول: هذا نزيلي، وكذلك يفعل كلّ واحد منهم، ولا ينزل التاجر من المركب إلّا إلى دار نزيله من هؤلاء الشبّان الّا من كان كثير التردّد إلى البلد وحصلت له معرفة أهله فانه ينزل حيث شاء فإذا نزل عند نزيله باع له ما عنده واشترى له، ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله فذلك البيع مردود عندهم، ولهم منفعة في ذلك.
ولمّا صعد الشبان إلى المركب الذي كنت فيه جاء إليّ بعضهم، فقال له أصحابي: ليس هذا بتاجر وإنما هو فقيه! فصاح بأصحابه وقال لهم: هذا نزيل القاضي، وكان فيهم أحد أصحاب القاضي فعرّفه بذلك، فأتى إلى ساحل البحر في جملة من الطلبة، وبعث إليّ أحدهم فنزلت أنا وأصحابي وسلّمت على القاضي وأصحابه، وقال لي: بسم الله نتوجّه للسلام على الشيخ، فقلت: ومن الشيخ؟ فقال: السلطان، وعادتهم ان يقولوا للسلطان الشيخ، فقلت له:
إذا نزلت توجّهت إليه، فقال لي: إن العادة إذا جاء الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتّى يرى السلطان، فذهبت معهم إليه كما طلبوا.
стр. 504
ذكر سلطان مقدشو
وسلطان مقدشو، كما ذكرناه، إنما يقولون له الشيخ واسمه أبو بكر بن الشيخ «٥٠» عمر، وهو في الأصل من البربرة وكلامه بالمقدشيّ، ويعرف اللسان العربيّ، ومن عوائده أنه متى وصل مركب يصعد إليه صنبوق السلطان، فيسأل عن المركب من أين قدم، ومن صاحبه، ومن ربّانه، وهو الرايس، وما وسقه، ومن قدم فيه من التجار وغيرهم، فيعرف بذلك كلّه ويعرض على السلطان، فمن استحقّ أن ينزله عنده أنزله.
ولمّا وصلت مع القاضي المذكور، وهو يعرف بابن البرهان المصريّ الاصل «٥١» ، إلى دار السلطان خرج بعض الفتيان فسلّم على القاضي، فقال له: بلّغ الامانة وعرّف مولانا الشيخ أن هذا الرجل قد وصل من أرض الحجاز، فبلّغ ثم عاد وأتى بطبق فيه أوراق التنبول «٥٢» والفوفل، فأعطاني عشرة أوراق مع قليل من الفوفل، وأعطى للقاضي كذلك، وأعطى لأصحابي ولطلبة القاضي ما بقى في الطبق وجاء بقمقم من ماء الورد الدمشقّي فسكب عليّ وعلى القاضي، وقال: إن مولانا أمر أن ينزل بدار الطلبة وهي دار معدّة لضيافة الطلبة، فأخذ القاضي بيدي، وجئنا إلى تلك الدار وهي بمقربة من دار الشيخ مفروشة مرتّبة بما تحتاج إليه ثمّ أتى بالطعام من دار الشيخ ومعه أحد وزرائه وهو الموكّل بالضيوف، فقال:
مولانا يسلّم عليكم ويقول لكم: قدمتم خير مقدم، ثم وضع الطعام، فأكلنا وطعامهم الأرز المطبوخ بالسّمن يجعلونه في صحفة خشب كبيرة ويجعلون فوقه صحاف الكوشان «٥٣» ، وهو الإدام من الدجاج واللحم والحوت والبقول، ويطبخون الموز قبل نضجه في اللبن الحليب،
стр. 505
ويجعلونه في صحفة، ويجعلون اللبن المريّب في صحفة، ويجعلون عليه الليمون المصيّر «٥٤» ، وعناقيد الفلفل المصيّر المخلّل والمملوح، والزنجبيل الأخضر، والعنبا، وهي مثل التفّاح، ولكن لها نواة، وهي، إذا نضجت، شديدة الحلاوة، وتؤكل كالفاكهة وقبل نضجها حامضة كالليمون، يصيّرونها في الخلّ، وهم إذا أكلوا لقمة من الأرز أكلوا بعدها من هذه الموالح والمخلّلات، والواحد من أهل مقدشو يأكل قدر ما تاكله الجماعة منّا، عادة لهم وهم في نهاية من ضخامة الجسوم وسمنها، ثم لمّا طعمنا انصرف عنّا القاضي، وأقمنا ثلاثة أيام يوتي إلينا بالطعام ثلاث مرّات في اليوم وتلك عادتهم، فلمّا كان في اليوم الرابع وهو يوم الجمعة جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ وأتوني بكسوة، وكسوتهم فوطة خزّيشدّها الإنسان في وسطه عوض السّراويل فانّهم لا يعرفونها، ودرّاعة من المقطع المصريّ معلمة، وفرجيّة «٥٥» من القدسي «٥٦» مبطّنة وعمامة مصريّة معلمة، وأتو لأصحابي بكسى تناسبهم واتينا الجامع فصلّينا خلف المقصورة «٥٧» ، فلما خرج الشيخ من باب المقصورة سلّمت عليه مع القاضي، فرحّب وتكلّم بلسانهم مع القاضي، ثم قال باللسان العربيّ: قدمت خير مقدم، وشرّفت بلادنا وانستنا، وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده وهو مدفون هنالك فقرأ ودعا ثم جاء الوزراء والأمراء ووجوه الاجناد فسلّموا، وعادتهم في السلام كعادة أهل اليمن: يضع سبّابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه ويقول: أدام الله عزّك، ثم خرج الشيخ من باب المسجد فلبس نعليه وأمر القاضي أن ينتعل وأمرني أن أنتعل، وتوجّه إلى منزله ماشيا وهو
стр. 506
بالقرب من المسجد ومشى الناس كلّهم حفاة ورفعت فوق رأسه أربع قباب «٥٨» من الحرير الملوّن، وعلى كل قبّة صورة طائر من ذهب.
وكان لباسه في ذلك اليوم فرجيّة قدسي «٥٩» أخضر تحتها من ثياب مصر وطروحاتها «٦٠» الحسان، وهو متقلّد بفوطة حرير معتّم بعمامة كبيرة، وضربت بين يديه الطبول والأبواق والأنفار، وأمراء الأجناد أمامه وخلفه، والقاضي والفقهاء والشرفاء معه، ودخل إلى مشوره على تلك الهيئة، وقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد في سقيفة هنالك، وفرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه، والفقهاء والشرفاء معه، ولم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر، فلمّا صلّوا العصر مع الشيخ أتى جميع الأجناد ووقفوا صفوفا على قدر مراتبهم، ثم ضربت الأطبال والأنفار والصّرنايات وعند ضربها لا يتحرّك أحد ولا يتزحزح عن مقامه، ومن كان ماشيا وقف فلم يتحرّك إلى خلف ولا إلى أمام «٦١» ، فإذا افرغ من ضرب الطّبلخانة «٦٢» سلّموا بأصابعهم كما ذكرنا وانصرفوا.
وتلك عادة لهم في كل يوم جمعة وإذا كان يوم السبت ياتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار، ويدخل القاضي والفقهاء والشرفاء والصالحون والمشايخ والحجّاج إلى المشور الثاني فيقعدون على دكاكين خشب معدّة لذلك، ويكون القاضي على دكّانة وحده، وكلّ صنف على دكّانة تخصّهم لا يشاركهم فيها سواهم، ثم يجلس الشيخ بمجلسه ويبعث عن القاضي فيجلس عن يساره ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه وسائرهم يسلّمون وينصرفون، ثم يدخل الشرفاء فيقعد كبراؤهم بين يديه ويسلّم سائرهم وينصرفون، وإن كانوا ضيوفا جلسوا عن يمينه، ثم يدخل المشايخ والحجّاج فيجلس كبراؤهم ويسلم سائرهم وينصرفون، ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد طائفة بعد طائفة أخرى فيسلّمون وينصرفون ويؤتى بالطعام فيأكل بين يدي الشيخ القاضي والشرفاء ومن كان قاعدا بالمجلس، ويأكل الشيخ معهم، وإن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث عنه فأكل
стр. 507
اطلال المسجد الأعظم في كلوة (I.B.In BLACK AFRICA)
стр. 508
معهم ويأكل سائر الناس بدار الطعام وأكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ ثم يدخل الشيخ إلى داره ويقعد القاضي والوزراء وكاتب السرّ وأربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس وأهل الشكايات، فما كان متعلّقا بالأحكام الشرعيّة حكم فيه القاضي وما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى وهم الوزراء والأمراء، وما كان مفتقرا إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه فيه فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره وتلك عادتهم دائما.
ثم ركبت البحر من مدينة مقدشو متوجّها إلى بلاد السواحل «٦٣» قاصدا مدينة كلوا من بلاد الزنوج «٦٤» ، فوصلنا إلى جزيرة منبسى، وضبط اسمها ميم مفتوحة ونون مسكّن وباء موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح وياء، وهي جزيرة كبيرة «٦٥» بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا برّ ولها أشجار الموز والليمون والأترج، ولهم فاكهة يسمّونها الجمّون «٦٦» وهي شبه الزيتون ولها نوى كنواه إلّا أنها شديدة الحلاوة، ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة وانّما يجلب اليهم من السواحل، وأكثر طعامهم الموز والسمك، وهم شافعيّة المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان، وعلى كلّ باب من أبواب المساجد البئر والثنتان، وعمق أبارهم ذراع أو ذراعان، فيستقون منها الماء بقدح خشب قد غرز فيه عود رقيق في طول الذراع والأرض حول البئر والمسجد مسطّحة، فمن أراد دخول المسجد غسل رجليه، ودخل، ويكون على بابه قطعة حصير غليظ يمسح بها رجليه، ومن أراد الوضوء أمسك القدح بين فخذيه، وصبّ على يديه، وتوضأ وجميع الناس يمشون حفاة الأقدام.
стр. 509
وبتنا بهذه الجزيرة ليلة وركبنا البحر إلى مدينة كلوا «٦٧» ، وضبط اسمها بضم الكاف واسكان اللام وفتح الواو، وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر اهلها الزنوج المستحكمو السواد، ولهم شرطات في وجوههم كما هي في وجوه اللّيميين من جناوة «٦٨» ، وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة «٦٩» على مسيرة نصف شهر من مدينة كلو، وأن بين سفالة ويوفي من بلاد اللّميين مسيرة شهر، ومن يوفى يوتى بالتبر إلى سفالة «٧٠» .
ومدينة كلوا من أحسن المدن واتقنها عمارة، وكلّها بالخشب وسقف بيوتها الدّيس ٧»
، والأمطار بها كثيرة وهم أهل جهاد لأنّهم في برّ واحد متّصل مع كفار الزنوج والغالب عليهم الدين والصلاح وهم شافعيّة المذهب.
стр. 510
ذكر سلطان كلوا
وكان سلطانها في عهد دخولي إليها أبو المظفّر حسن، ويكنّى أيضا أبا المواهب «٧٢» لكثرة مواهبه ومكارمه، وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعيّنة في كتاب الله تعالى «٧٣» ، ويجعل نصيب ذوي القربى في خزانة على حدة «٧٤» ، فإذا جاءه الشرفاء دفعه إليهم.
وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها، ورأيت عنده من شرفاء الحجاز جماعة منهم محمد بن جمّاز، ومنصور بن لبيدة بن أبي نمّى، ومحمد بن شميلة بن أبي نمى، ولقيت بمقدشو تبل بن كبيش بن جماز «٧٥» ، وهو يريد القدوم عليه، وهذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء وياكل معهم ويعظّم أهل الدين والشرف.
حكاية من مكارمه
حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلاة قاصدا إلى داره فتعرّض له أحد الفقراء اليمنيّين، فقال له: أبا المواهب، فقال: لبّيك يا فقير ما حاجتك؟ قال: أعطني هذه الثياب التي عليك، فقال له: نعم أعطيكها، قال: الساعة، قال: نعم الساعة، فرجع إلى المسجد ودخل بيت الخطيب فلبس ثيابا سواها وخلع تلك الثياب وقال للفقير: ادخل فخذها فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه، وأخذ ابنه وليّ عهده تلك الكسوة من الفقير وعوّضه عنها بعشرة من العبيد، وبلغ السلطان ما كان من شكر الناس له على ذلك فأمر للفقير أيضا بعشرة رؤس من الرقيق وحملين من العاج، ومعظم عطاياهم العاج «٧٦» ، وقلّما يعطون
стр. 511
الذهب ولمّا توفّى هذا السلطان الفاضل الكريم رحمة الله عليه ولّى أخوه داوود «٧٧» فكان على الضدّ من ذلك، إذا أتاه سائل، يقول له: مات الذي كان يعطي ولم يترك من بعده ما يعطى! ويقيم الوفود عنده الشهور الكثيرة وحينئذ يعطيهم القليل حتّى انقطع الوافدون عن بابه.
وركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ظفار «٧٨» الحموض، وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم والفاء واخره راء مبنيّة على الكسر، وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهنديّ، ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند «٧٩» ، ويقطع البحر فيما بينها وبين بلاد الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل، وقد قطعته مرّة من قالقوط من بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوما بالريح الطيّبة لم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار.
وبين ظفار وعدن في البرّ مسيرة شهر في صحراء، وبينها وبين عمان عشرون يوما، ومدينة ظفار في صحراء منقطعة لا قرية بها «٨٠» ولا عمالة لها، والسوق خارج المدينة بربض يعرف بالحرجاء «٨١» ، وهي من أقذر الأسواق وأشدّها نتنا وأكثرها ذبابا، لكثرة ما يباع بها من الثمرات والسمك، وأكثر سمكها النوع المعروف بالسّردين، وهو بها في النهاية من
стр. 512
السمن، ومن العجائب أن دوابّهم إنّما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم «٨٢» ولم أر ذلك في سواها.
وأكثر باعتها الخدم وهنّ يلبسن السواد، وزرع أهلها الذّرة وهم يسقونها من أبار بعيدة الماء وكيفيّة سقيهم انّهم يصنعون دلوا كبيرة ويجعلون لها حبالا كثيرة، ويتحزّم بكلّ حبل عبد أو خادم، ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر ويصبّونها في صهريج يسقون منه، ولهم قمح يسمّونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السّلت، والأرز يجلب إليهم من بلاد الهند وهو أكثر طعامهم، ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير، ولا تنفق في سواها «٨٣» ، وهم أهل تجارة لا عيش لهم الّا منها. ومن عادتهم أنّه إذا وصل مركب من بلاد الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل وصعدوا في صنبوق إلى المركب ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله وللربّان وهو الرئيس وللكراني. وهو كاتب المركب ويؤتى اليهم بثلاثة أفراس فيركبونها وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلّمون على الوزير وأمير جندار. وتبعث الضيافة لكلّ من بالمركب ثلاثا وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان وهم يفعلون ذالك استجلابا لأصحاب المراكب، وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبّة للغرباء ولباسهم القطن، وهو يجلب إليهم من بلاد الهند، ويشدّون الفوط في أوساطهم عوض السراول واكثرهم يشدّ فوطة في وسطه ويجعل فوق ظهره أخرى من شدّة الحرّ ويغتسلون مرّات في اليوم وهي كثيرة المساجد، ولهم في كلّ مسجد مطاهر كثيرة معدّة للاغتسال، ويصنع بها ثياب من الحرير والقطن والكتّان حسان جدّا.
والغالب على أهلها رجالا ونساء المرض المعروف بداء الفيل، وهو انتفاخ القدمين واكثر رجالهم مبتلون بالأدر والعياذ بالله.
ومن عوائدهم الحسنة التصافح في المسجد إثر صلاة الصبح والعصر، يستند أهل الصفّ الأول إلى القبلة ويصافحهم الذين يلونهم، وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة يتصافحون أجمعون.
стр. 513
ومن خوّاصّ هذه المدينة وعجائبها انّه لا يقصدها أحد بسوء الّا عاد عليه مكروه وحيل بينه وبينها، وذكر لي أن السلطان قطب الدين تمتهن بن طوران شاه صاحب هرمز نازلها مرّة في البرّ والبحر فأرسل الله سبحانه عليه ريحا عاصفا كسرت مراكبه ورجع عن حصارها وصالح ملكها «٨٤» ، وكذلك ذكر لي أن الملك المجاهد سلطان اليمن «٨٥» عيّن ابن عمّ له بعسكر كبير برسم انتزاعها من يد ملكها، وهو أيضا ابن عمّه فلمّا خرج ذلك الأمير عن داره سقط عليه حائط وعلى جماعة من أصحابه فهلكوا جميعا ورجع الملك عن رأيه وترك حصارها وطلبها.
ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم نزلت بدار الخطيب بمسجدها الاعظم وهو عيسى بن عليّ، كبير القدر، كريم النفس فكان له جوار مسمّيات بأسماء خدم المغرب: إحداهنّ اسمها بخيت والأخرى زاد المال ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها.
وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون العمائم، وفي كلّ دار من دورهم سجّادة الخوص معلّقة في البيت يصلّي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب، وأكلهم الذرة وهذا التشابه كلّه ممّا يقوّي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير «٨٦» .
وبقرب من هذه المدينة بين بساتينها زاوية الشيخ الصالح العابد أبي محمّد بن أبي بكر «٨٧» عيسى من أهل ظفار، وهذه الزاوية معظمة عندهم يأتون إليها غدوّا وعشيّا، ويستجيرون بها فإذا دخلها المستجير لم يقدر السلطان عليه، رأيت بها شخصا ذكر لي أن له بها مدّة سنين مستجيرا لم يتعرّض له السلطان، وفي الأيّام التي كنت بها استجار بها كاتب السلطان وأقام فيها حتّى وقع بينهما الصلح.
стр. 514
أتيت هذه الزاوية فبتّ بها في ضيافة الشيخين أبي العبّاس أحمد وأبي عبد الله محمد ابني الشيخ أبي بكر المذكور وشاهدت لهما فضلا عظيما، ولمّا غسلنا أيدينا من الطعام أخذ أبو العباس منهما ذلك الماء الذي غسلنا به فشرب منه، وبعث الخادم بباقيه إلى أهله وأولاده فشربوه، وكذلك يفعلون بمن يتوسّمون فيه الخير من الواردين عليهم، وكذلك أضافني قاضيها الصالح أبو هاشم عبد الملك الزّبيديّ وكان يتولّى خدمتي وغسل يدي بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره.
وبمقربة من هذه الزاوية تربة سلف السلطان الملك المغيث «٨٨» ، وهي معظمة عندهم ويستجير بها من طلب حاجة فتقضى له.
ومن عادة الجند أنّه إذا تمّ الشهر ولم يأخذوا أرزاقهم استجاروا بهذه التربة وأقاموا في جوارها إلى أن يعطوا أرزاقهم، وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الأحقاف «٨٩» ، وهي منازل عاد «٩٠» ، وهنالك زاوية ومسجد علي ساحل البحر وحوله قرية لصيّادي السمك وفي الزاوية قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر «٩١» عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ذكرت أن بمسجد دمشق موضعا عليه مكتوب هذا قبر هود ابن عابر، والأشبه أن يكون قبره بالأحقاف لأنّها بلاده والله أعلم.
ولهذه المدينة بساتين فيها موز كثير كبير الجرم، وزنت بمحضري حبّة منه فكان وزنها ثنتى عشرة أوقية، وهو طيّب المطعم شديد الحلاوة، وبها أيضا التنبول والنارجيل المعروف
стр. 515
بجوز الهند ولا يكونان إلا ببلاد الهند، وبمدينة ظفار هذه، لشبهها بالهند وقربها منها، اللهمّ الّا في مدينة زبيد في بستان السلطان شجيرات من النارجيل، واذ قد وقع ذكر التنبول والنارجيل فلنذكرهما ولنذكر خصائصهما.
ذكر التنبول
والتنبول «٩٢» شجر يغرس كما تغرس دوالي العنب ويصنع له معرّشات من القصب كما يصنع لدوالي العنب أو يغرس في مجاورة شجر النّارجيل فيصعد فيها كما تصعد الدّوالي، وكما يصعد الفلفل، ولا ثمر للتنبول وانّما المقصود منه ورقه وهو يشبه ورق العلّيق، وأطيبه الأصفر، وتجتنى أوراقه في كلّ يوم، وأهل الهند يعظمون التنبول تعظيما شديدا، وإذا أتى الرجل دار صاحبه فأعطاه خمس ورقات منه فكأنّما أعطاه الدنيا وما فيها! لا سيّما إن كان أميرا أو كبيرا، واعطاؤه عندهم أعظم شأنا وأدلّ على كرامة من اعطاء الفضّة والذهب! وكيفيّة استعماله أن يوخذ قبله الفوفل، وهو شبه جوز الطيب فيكسر حتّى يصير أطرافا صغارا ويجعله الإنسان في فمه ويعلكه، ثمّ يأخذ ورق التنبول فيجعل عليها شيئا من النّورة ويمضغها مع الفوفل، وخاصّيته أنّه يطيب النكهة ويذهب بروائح الفم ويهضم الطعام ويقطع ضرر شرب الماء على الريق، ويفرح أكله ويعين على الجماع ويجعله الإنسان عند رأسه ليلا فإذا استيقظ من نومه أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه فيذهب بما في فمه من رائحة كريهة، ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والأمراء ببلاد الهند لا يأكلن غيره وسنذكره عند ذكر بلاد الهند.
ذكر النارجيل
وهو جوز الهند وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأنا وأعجبها أمرا، وشجره شبه شجرة النخل لا فرق بينهما إلا أنّ هذه تثمر جوزا، وتلك تثمر تمرا، وجوزها يشبه رأس ابن آدم لان فيها شبه العينين والفم وداخلها شبه الدّماغ إذا كانت خضراء، وعليها ليف شبه
стр. 516
الشعر وهم يصنعون منه حبالا يخيطون بها المراكب عوضا عن مسامير الحديد، ويصنعون منه الحبال للمراكب، والجوزة منها وخصوصا التي بجزائر ذيبة المهل تكون بمقدار رأس الآدميّ.
ويزعمون أنّ حكيما من حكماء الهند في غابر الزمان كان متّصلا بملك من الملوك ومعظّما لديه، وكان للملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة، فقال الحكيم للملك: إن رأس هذا الوزير إذا قطع ودفن تخرج منه نخلة تثمر بتمر عظيم يعود نفعه على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا فقال له الملك: فإن لم يظهر من رأس الوزير ما ذكرته؟ قال: إن لم يظهر فاصنع برأسي كما صنعت برأسه! فأمر الملك برأس الوزير فقطع وأخذه الحكيم، وغرس نواة تمر في دماغه، وعالجها حتّى صارت شجرة وأثمرت بهذه الجوز! وهذه الحكاية من الأكاذيب ولاكن ذكرناها لشهرتها عندهم.
ومن خواصّ هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السّمن والزيادة في حمرة الوجه، وأمّا الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب، ومن عجائبه أنّه يكون في ابتداء أمره أخضر فمن قطع بالسّكين قطعة من قشرة وفتح رأس الجوزة شرب منها ماء في النهاية من الحلاوة والبرودة، ومزاجه حارّ معين على الباءة فإذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرّد بها ما في داخل الجوزة من الطّعم، فيكون طعمه كطعم البيضة إذا شويت ولم يتمّ نضجها كلّ التمام، ويتغذّى به، ومنه كان غدائي أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدّة من عام ونصف عام.
ومن عجائبه أنه يصنع منه الزيت والحليب والعسل، فامّا كيفيّة صناعة العسل منه فإنّ خدّام النخل منه، ويسمّونه الفازانية «٩٣» ، يصعدون إلى النخلة غدوا وعشيّا إذا ارادوا أخذ مائها الذي يصنعون منه العسل، وهم يسمّونه الأطواق، فيقطعون العذق الذي يخرج منه الثمر ويتركون منه مقدار إصبعين، ويربطون عليه قدرا صغيرة فيقطر فيها الماء الذي يسيل من العذق، فإذا ربطها غدوة وصعد إليها عشيّا ومعه قدحان من قشر الجوز المذكور، احدهما مملوء ماء فيصبّ ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر، وينجر من العذق قليلا، ويربط عليه القدر ثانية، ثم يفعل غدوة كفعله عشيّا، فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع منه الربّ «٩٤» فيصير
стр. 517
عسلا عظيم النفع طيّبا فيشتريه تجار الهند واليمن والصين، ويحملونه إلى بلادهم ويصنعون منه الحلواء.
وأمّا كيفيّة صنع الحليب منه فإنّ بكلّ دار شبه الكرسيّ تجلس فوقه المرأة ويكون بيدها عصا في أحد طرفيها حديدة مشرفة، فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديدة، ويجرشون ما في باطن الجوزة، وكلّ ما ينزل منها يجتمع في صحفة حتّى لا يبقى في داخل الجوزة شيء، ثمّ يمرس ذلك الجريش بالماء فيصير كلون الحليب بياضا ويكون طعمه كطعم الحليب، ويأتدم به الناس، وأمّا كيفيّة صنع الزيت فانّهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره، فيزيلون قشره ويقطعونه قطعا ويجعل في الشمس فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته وبه يستصحبون ويأتدمون به ويجعله النساء في شعورهنّ وهو عظيم النفع.
ذكر سلطان ظفار
وهو السلطان الملك المغيث ابن الملك الفائز ابن عمّ ملك اليمن «٩٥» ، وكان أبوه أميرا على ظفار من قبل صاحب اليمن، وله عليه هديّة يبعثها له في كلّ سنة، ثمّ استبدّ الملك المغيث بملكها وامتنع من إرسال الهديّة، وكان من عزم ملك اليمن على محاربته وتعيين ابن عمّه لذلك ووقوع الحائط عليه ما ذكرناه آنفا.
وللسلطان قصر بداخل المدينة يسمّى «٩٦» الحصن، عظيم فسيح والجامع بازائه ومن عادته أن تضرب الطبول والبوقات والأنفار والصّرنايات على بابه كلّ يوم بعد صلاة العصر، وفي كل يوم اثنين وخميس تأتي العساكر إلى بابه فيقفون خارج المشور ساعة، وينصرفون والسلطان لا يخرج ولا يراه أحد إلّا في يوم الجمعة، فيخرج للصلاة، ثمّ يعود إلى داره ولا يمنع أحدا من دخول المشور وأمير جندار قاعد على بابه وإليه ينتهي كلّ صاحب حاجة أو شكاية، وهو يطالع السلطان ويأتيه الجواب للحين.
وإذا أراد السلطان الركوب خرجت مراكبه من القصر وسلاحه ومماليكه إلى خارج المدينة، وأتى بجمل عليه محمل مستور بستر أبيض منقوش بالذهب، فيركب السلطان ونديمه
стр. 518
في المحمل بحيث لا يرى وإذا خرج إلى بستانه وأحبّ ركوب الفرس ركبه ونزل عن الجمل.
وعادته أن لا يعارضه أحد في طريقه لرؤيته ولا لشكاية ولا غيرها، ومن تعرّض لذلك ضرب أشدّ الضرب فتجد الناس إذا سمعوا بخروج السلطان فرّوا عن الطريق وتحاموها.
ووزير هذا السلطان الفقيه محمّد العدنيّ، وكان معلّم صبيان فعلّم هذا السلطان القراءة والكتابة وعاهده على أن يستوزره إن ملك، فلمّا ملك استوزره فلم يكن يحسنها، فكان الاسم له والحكم لغيره! ومن هذه المدينة ركبنا البحر نريد عمان في مركب صغير لرجل يعرف بعليّ بن ادريس المصيريّ، من أهل جزيرة مصيرة، وفي الثاني لركوبنا نزلنا بمرسى حاسك «٩٧» ، وبه ناس من العرب صيّادون للسمك ساكنون هنالك، وعندهم شجر الكندر «٩٨» ، وهو رقيق الورق، وإذا شرّطت الورقة منه قطر منها ماء شبه اللبن، ثم عاد صمغا، وذلك الصمغ هو اللّبان، وهو كثير جدّا هنالك، ولا معيشة لأهل ذلك المرسى الّا من صيد السمك، وسمكهم يعرف باللّخم، بخاء معجم مفتوح، وهو شبيه كلب البحر، يشرح ويقدّد ويقتات به وبيوتهم من عظام السمك وسقفها من جلود الجمال.
وسرنا من مرسى حاسك أربعة أيّام ووصلنا إلى جبل لمعان «٩٩» ، بضمّ اللام، وهو في وسط البحر، وبأعلاه رابطة مبنيّة بالحجارة وسقفها من عظام السمك وبخارجها غدير ماء يجتمع من المطر.
стр. 519
شجرة حصالبان كما وقفت عليها في ظفار- عمان بخور اللبان- صناعة تقليدية بعمان لاستخراج أجود أنواع العطور
стр. 520
ذكر وليّ لقيناه بهذه الجبل
ولمّا أرسينا تحت هذا الجبل صعدناه إلى هذه الرابطة، فوجدنا بها شيخا نائما، فسلّمنا عليه فاستيقظ، وأشار بردّ السلام فكلّمناه، فلم يكلّمنا وكان يحرّك رأسه فأتاه أهل المركب بطعام فأبى أن يقبله فطلبنا منه الدعاء فكان يحرّك شفتيه ولا نعلم ما يقول وعليه مرقّعة وقلنسوة لبد وليس معه ركوة ولا إبريق ولا عكّاز ولا نعل، وقال أهل المركب: إنهم ما رأوه قط بهذا الجبل.
وأقمنا تلك الليلة بساحل هذا الجبل، وصلّينا معه العصر والمغرب، وجئناه بطعام فردّه، وأقام يصلّي إلى العشاء الآخرة ثمّ أذّن وصلينا معه، وكان حسن الصوت بالقراءة مجيدا لها، ولمّا فرغ من صلاة العشاء الآخرة، أومأ إلينا بالانصراف فودّعناه وانصرفنا ونحن نعجب من أمره، ثم إني أردت الرجوع اليه لمّا انصرفنا، فلمّا دنوت منه هبته وغلب عليّ الخوف، ورجع إليّ أصحابي فانصرفت معهم وركبنا البحر ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة الطير «١٠٠» وليست بها عمارة فأرسينا وصعدنا إليها فوجدناها ملآنة بطيور تشبه الشقاشق «١٠١» ، إلّا أنها أعظم منها وجاءت الناس ببيض تلك الطيور فطبخوها وأكلوها واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها.
وكان يجالسني تاجر من أهل جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم فرأيته يأكل معهم تلك الطيور فأنكرت ذلك عليه فاشتدّ خجله، وقال لي: ظننت أنّهم ذبحوها، وانقطع عنّي بعد ذلك من الخجل فكان لا يقربني حتى أدعو به.
وكان طعامي في تلك الأيّام بذلك المركب التمر والسمك، وكانوا يصطادون بالغدّ وو العشيّ سمكا يسمّى بالفارسية شيرماهي «١٠٢» ومعناه أسد السمك، لأن شير هو الاسد،
стр. 521
إلى جانب السردين هناك أنواع للأسماك الأخرى التي تتميز بها المنطقة ...
стр. 522
وماهي: السمك وهو يشبه الحوت المسمّى عندنا بتازّرت وهم يقطّعونه قطعا ويشوونه ويعطون كلّ من في المركب قطعة لا يفضّلون أحدا على أحد، ولا صاحب المركب ولا سواه، ويأكلونه بالتمر وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار فلمّا نفدا كنت أقتات من تلك السمك في جملتهم، وعيّدنا عيد الأضحى «١٠٣» على ظهر البحر وهبّت علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر ودامت إلى طلوع الشمس وكادت تغرّقنا.
كرامة [للحاج خضر]
وكان معنا في المركب حاجّ من أهل الهند يسمّى بخضر، ويدعى بمولانا لأنّه يحفظ القرآن ويحسن الكتابة، فلمّا رأى هول البحر لفّ رأسه بعباءة كانت له وتناوم، فلمّا فرّج الله ما نزل بنا، قلت له يا مولانا خضر، كيف رأيت؟ قال: قد كنت عند الهول أفتح عيني أنظر هل أرى الملائكة الذين يقبضون الأرواح جاءوا فلا أراهم، فأقول: الحمد لله، لو كان الغرق لأتوا لقبض الأرواح، ثمّ اغلق عيني، ثمّ أفتحها فأنظر كذلك إلى أن فرّج الله عنّا! وكان قد تقدّمنا مركب لبعض التجار فغرق ولم ينج منه الا رجل واحد خرج عوما بعد جهد شديد، وأكلت في ذلك المركب نوعا من الطعام لم آكله قبله ولا بعده، صنعه بعض تجار عمان وهو من الذرة، طبخها من غير طحن وصبّ عليها السّيلان وهو عسل التمر وأكلناه.
ثم وصلنا إلى جزيرة مصيرة «١٠٤» التي منها صاحب المركب الذي كنّا فيه وهي على لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث، جزيرة كبيرة لا عيش لأهلها الّا من السمك ولم ننزل إليها لبعد مرساها عن الساحل، وكنت قد كرهتهم لمّا رأيتهم ياكلون الطّير من غير ذكاة، وأقمنا بها يوما، وتوجّه صاحب المركب فيه إلى داره وعاد إلينا، ثمّ سرنا يوما وليلة فوصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور «١٠٥» ، ورأينا منها مدينة قلهات في سفح
стр. 523
جبل فخيل لنا أنها قرية، وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله، فلمّا ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها، وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب، فسألت عن طريقها فأخبرت أنّي أصل اليها عند العصر، فاكتريت أحد البحريّين ليدلّني عن طريقها، وصحبني خضر الهنديّ الذي تقدّم ذكره وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم، وأخذت أثوابا كانت لي، فدفعتها لذلك الدليل ليكفيني مؤنة حملها وحملت في يدي رمحا، فإذا ذلك الدليل يحبّ أن يستولي على أثوابي! فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر فيه المدّ والجزر فاراد عبوره بالثياب، فقلت له: إنّما تعبر وحدك وتترك الثياب عندنا فإن قدرنا على الجواز والّا صعدنا نطلب المجاز، فرجع ثمّ رأينا رجالا جاوزوه عوما فتحقّقنا أنّه كان قصده أن يغرّقنا ويذهب بالثياب فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطى، وكنت أهزّ الرمح فهابني ذلك الدليل، وصعدنا حتّى وجدنا مجازا، ثمّ خرجنا إلي صحراء لا ماء بها وعطشنا واشتدّ بنا الأمر فبعث الله لنا فارسا في جماعة من أصحابه، وبيد أحدهم ركوة ماء، فسقاني وسقى صاحبي، وذهبنا نحسب المدينة قريبة منّا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة.
فلمّا كان العشيّ أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن ساحله حجارة فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب، فقلت له: إنّما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبينها وبين البحر نحو ميل، فلمّا أظلم الليل، قال لنا: إن المدينة قريبة منّا، فتعالوا نمشي حتّى نبيت بخارجها إلى الصباح، فخفت أن يتعرّض لنا أحد في طريقنا، ولم أحقّق مقدار ما بقى إليها، فقلت له: إنّما الحقّ أن نخرج عن الطريق فننام، فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله.
وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك، فخفت أن يكونوا لصوصا وقلت التستّر أولى، وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك، فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة من شجر أمّ غيلان، وقد أعييت وأدركني الجهد، لاكنّي أظهرت قوّة وتجلّدا خوف الدّليل، وأمّا صاحبي فمريض لا قوّة له، فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي، وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي، وأمسكت الرمح بيدي، ورقد صاحبي، ورقد الدّليل، وبقيت ساهرا، فكلّما تحرّك الدّليل كلّمته وأريته أنّي مستيقظ ولم نزل كذلك حتّى أصبح، فخرجنا إلى الطّريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة، فبعثت الدليل ليأتينا بماء، وأخذ صاحبي الثياب.
وكان بيننا وبين المدينة مهاو وخنادق، فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحرّ، ثمّ وصلنا إلى مدينة قلهات، وضبط اسمها بفتح القاف واسكان اللام وآخرة تاء مثنّاة، فأتيناها ونحن
стр. 524
في جهد عظيم، وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتّى كاد الدم أن يخرج من تحت أظفارها، فلمّا وصلنا باب المدينة كان ختام المشقّة أن قال لنا الموكّل بالباب: لابدّ لك أن تذهب معي إلى أمير المدينة ليعرف قضيّتك، ومن أين قدمت فذهبت معه إليه فرأيته فاضلا حسن الأخلاق، وسألني عن حالي وأنزلني وأقمت عنده ستّة أيّام لا قدرة لي فيها على النّهوض على قدمي لما لحقها من الآلام.
ومدينة قلهات على الساحل «١٠٦» ، وهي حسنة الأسواق، ولها مسجد من أحسن المساجد حيطانه بالقاشانيّ وهو شبه الزلّيج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى وهو من عمارة الصّالحة بيبي مريم «١٠٧» ، ومعنى بيبي عندهم الحرّة، وأكلت بهذه المدينة سمكا لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم وكنت أفضله على جميع اللحوم فلا آكل سواه وهم يشوونه على ورق الشجر ويجعلونه على الأرز ويأكلونه.
والأرز يجلب إليهم من أرض الهند، وهم أهل تجارة، ومعيشتهم ممّا يأتي اليهم في البحر الهنديّ، وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشدّ الفرح، وكلامهم ليس بالفصيح مع أنّهم عرب، وكلّ كلمة يتكلّمون بها يصلونها بلا، فيقولون مثلا تأكل لا؟ تمشي لا؟ تفعل كذا لا؟
«١٠٨» ، وأكثرهم خوارج لا كنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمتهن ملك «١٠٩» هرمز، وهو من أهل السنّة، وبمقربة من قلهات قرية طيبي «١١٠» ،
стр. 525
واسمها على نحو اسم الطّيب إذا أضافه المتكلّم لنفسه، وهي من أجمل القرى وأبدعها حسنا ذات أنهار جارية، واشجار ناضرة، وبساتين كثيرة، ومنها تجلب الفواكه إلى قلهات، وبها الموز المعروف بالمرواري، والمرواريّ بالفارسية هو الجوهريّ وهو كثير بها، ويجلب منها إلى هرمز وسواها، وبها أيضا التنبول لا كن ورقته صغيرة والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان «١١١» .
ثمّ قصدنا بلاد عمان فسرنا ستّة أيّام في صحراء ثمّ وصلنا بلاد عمان في اليوم السابع وهي خصبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق نخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس، ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد، وهي مدينة نزوا «١١٢» ، وضبط اسمها بنون مفتوح وزاي مسكن وواو مفتوح، مدينة في سفح جبل تجفّ بها البساتين والأنهار، ولها أسواق حسنة ومساجد معظمة نقيّة، وعادة أهلها انّهم يأكلون في صحون المساجد، ياتي كلّ إنسان بما عنده ويجتمعون للأكل في صحن المسجد، ويأكل معهم الوارد والصادر ولهم نجدة وشجاعة، والحرب قائمة فيما بينهم أبدا وهم إباضيّة المذهب ويصلّون الجمعة ظهرا اربعا «١١٣» فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن ونثر كلاما شبه الخطبة يرضيّ فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعليّ، وهم إذا أرادوا ذكر عليّ ﵁ كنّوا عنه بالرجل فقالوا ذكر عن الرجل أو قال الرجل ويرضّون عن الشقيّ اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة، ونساؤهم يكثرن الفساد ولا غيرة عندهم، ولا إنكار لذلك وسنذكر حكاية إثر هذا ممّا يشهد «١١٤» بذلك.
стр. 526
ذكر سلطان عمان
وسلطانها عربيّ من قبيلة الأزد بن الغوث، ويعرف بأبي محمّد بن نبهان «١١٥» ، وابو محمّد عندهم سمة لكلّ سلطان يلي عمان، كما هي أتابك عند ملوك اللور، وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلسه هنالك ولا حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحد من الدخول إليه من غريب أو غيره، ويكرم الضيف على عادة العرب، ويعيّن له الضيّافة ويعطيه على قدره.
وله أخلاق حسنة ويؤكل على مائدته لحم الحمار الأنسيّ، ويباع بالسوق لأنّهم قائلون بتحليله، ولا كنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره، ومن «١١٦» مدن عمان مدينة زكى «١١٧» ، لم أدخلها، وهي على ما ذكر لي مدينة عظيمة، ومنها القريّات وشبا وكلبا وخور فكّان وصحار «١١٨» ، وكلّها ذات أنهار وحدائق وأشجار نخل، واكثر هذه البلاد في عمالة هرمز «١١٩» .
стр. 527
خورفكان شمال إمارة الفجيرة ولكنها تابعة لإمارة الشارقة- البحار والجبال!
стр. 528
حكاية [السلطان المتساهل]
كنت يوما عند هذا السلطان أبي محمّد بن نبهان فأتته امرأة صغيرة السّن حسنة الصورة بادية الوجه فوقفت بين يديه، وقالت له يا أبا محمّد! طغى الشيطان في رأسي، فقال لها اذهبي واطردي الشيطان، فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد، فقال لها: اذهبي فافعلي ما شئت، فذكر لي لمّا انصرفت عنه أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها، وإن قتلوها قتلوا بها لأنّها في جوار السلطان! ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، وهرمز بلاد على ساحل البحر، وتسمّى أيضا موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ «١٢٠» ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة، وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون، بفتح الجيم والراء وآخرها نون، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقين، وفارس وخراسان، وبهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم، وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الدّراني «١٢١» ، ومنه يصنعون الأواني للزينة، والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب اليهم من البصرة، وعمان، ويقولون بلسانهم (خرما وماهي لوت بادشاهي) «١٢٢» معناه بالعربي:
التّمر والسمك طعام الملوك!! والماء في هذه الجزيرة له قيمة وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة يجتمع فيها ماء المطر، وهي على بعد من المدينة ويأتون إليها بالقرب فيملأونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر ويوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة، ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنّه رابية، وعيناه كأنهما بابان «١٢٣» ، فترى الناس يدخلون من أحدهما ويخرجون من الأخرى!
стр. 529
ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقصراني، وأصله من بلاد الروم «١٢٤» ، فأضافني وزارني وألبسني ثوبا، وأعطاني كمر الصحبة وهو يحتبى به فيعين الجالس فيكون كأنّه مستند، وأكثر فقراء العجم يتقلّدونه.
وعلى «١٢٥» ستّة أميال من هذه المدينة مزار ينسب إلى الخضر وإلياس ﵉، يذكر انهما يصلّيان فيه، وظهرت له بركات وبراهين، وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والمصادر، وأقمنا عنده يوما، وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة قد نحت غارا لسكناه، فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له فيها جارية، وله عبيد خارج الغار يرعون بقرا له وغنما وكان هذا الرجل من كبار التّجار فحجّ البيت، وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة، ودفع ماله لرجل من إخوانه يتجر له به، وبتنا عنده ليلة فأحسن القرى وأجمل، رضي الله تعالى عنه، وسيمة الخير والعبادة لائحة عليه.
ذكر سلطان هرمز
وهو السلطان قطب الدين تمتهن «١٢٦» بن طوران شاه، وضبط اسمه بقتح التاءين المعلوّتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون، وهو من كرماء السلاطين كثير التواضع، حسن الأخلاق، وعادته أن ياتي لزيارة كلّ من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقّه.
ولمّا دخلنا جزيرته وجدناه متهيئا للحرب مشغولا بها مع ابني أخيه نظام الدين «١٢٧» ،
стр. 530
فكان في كل ليلة يتيسّر للقتال، والغلاء مستول على الجزيرة، فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب.
وأقمنا عنده ستّة عشر يوما، فلمّا أردنا الانصراف قلت لبعض الأصحاب كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان؟ فجئنا دار الوزير وكانت في جوار الزاوية التي نزلت بها، فقلت له: إنّي أريد السلام على الملك، فقال: بسم الله، وأخذ بيدي، فذهب بي إلى داره وهي على ساحل البحر والأجفان مجلسة عندها، فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة دنسة، وعلى رأسه عمامة وهو مشدود الوسط بمنديل، فسلم عليه الوزير وسلمت عليه، ولم أعرف أنه الملك وكان إلى جانبه ابن اخته وهو علي شاه بن جلال الدين الكيجي «١٢٨» ، وكانت بيني وبينه معرفة، فأنشأت أحادثه وأنا لا أعرف الملك فعرّفني الوزير بذلك، فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن اخته دونه، واعتذرت إليه، ثم قام فدخل داره وتبعه الأمراء والوزراء وأرباب الدولة ودخلت مع الوزير، فوجدناه قاعدا على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدّلها، وفي يده سبحة جوهر لم تر العيون مثلها لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه ١٢»
، فجلس أحد الأمراء إلى جانبه وجلست إلى جانب ذلك الأمير، وسألني عن حالي ومقدمي وعمّن لقيته من الملوك فأخبرته بذلك، وحضر الطعام فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم، ثم قام فوادعته وانصرفت.
وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه ركب البحر مرّة من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدّمناه، فخالف عليه أخوه نظام الدين، ودعى لنفسه وبايعه أهل الجزيرة، وبايعته العساكر «١٣٠» ، فخاف قطب
следующие страницы →