← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ذكر سلطان عمان وسلطانها عربيّ من قبيلة الأزد بن الغوث، ويعرف بأبي محمّد بن نبهان «١١٥» ، وابو محمّد عندهم سمة لكلّ سلطان يلي عمان، كما هي أتابك عند ملوك اللور، وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلسه هنالك ولا حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحد من الدخول إليه من غريب أو غيره، ويكرم الضيف على عادة العرب، ويعيّن له الضيّافة ويعطيه على قدره. وله أخلاق حسنة ويؤكل على مائدته لحم الحمار الأنسيّ، ويباع بالسوق لأنّهم قائلون بتحليله، ولا كنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره، ومن «١١٦» مدن عمان مدينة زكى «١١٧» ، لم أدخلها، وهي على ما ذكر لي مدينة عظيمة، ومنها القريّات وشبا وكلبا وخور فكّان وصحار «١١٨» ، وكلّها ذات أنهار وحدائق وأشجار نخل، واكثر هذه البلاد في عمالة هرمز «١١٩» .

стр. 527

خورفكان شمال إمارة الفجيرة ولكنها تابعة لإمارة الشارقة- البحار والجبال!

стр. 528

حكاية [السلطان المتساهل] كنت يوما عند هذا السلطان أبي محمّد بن نبهان فأتته امرأة صغيرة السّن حسنة الصورة بادية الوجه فوقفت بين يديه، وقالت له يا أبا محمّد! طغى الشيطان في رأسي، فقال لها اذهبي واطردي الشيطان، فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد، فقال لها: اذهبي فافعلي ما شئت، فذكر لي لمّا انصرفت عنه أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها، وإن قتلوها قتلوا بها لأنّها في جوار السلطان! ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، وهرمز بلاد على ساحل البحر، وتسمّى أيضا موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ «١٢٠» ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة، وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون، بفتح الجيم والراء وآخرها نون، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقين، وفارس وخراسان، وبهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم، وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الدّراني «١٢١» ، ومنه يصنعون الأواني للزينة، والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب اليهم من البصرة، وعمان، ويقولون بلسانهم (خرما وماهي لوت بادشاهي) «١٢٢» معناه بالعربي: التّمر والسمك طعام الملوك!! والماء في هذه الجزيرة له قيمة وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة يجتمع فيها ماء المطر، وهي على بعد من المدينة ويأتون إليها بالقرب فيملأونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر ويوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة، ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنّه رابية، وعيناه كأنهما بابان «١٢٣» ، فترى الناس يدخلون من أحدهما ويخرجون من الأخرى!

стр. 529

ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقصراني، وأصله من بلاد الروم «١٢٤» ، فأضافني وزارني وألبسني ثوبا، وأعطاني كمر الصحبة وهو يحتبى به فيعين الجالس فيكون كأنّه مستند، وأكثر فقراء العجم يتقلّدونه. وعلى «١٢٥» ستّة أميال من هذه المدينة مزار ينسب إلى الخضر وإلياس ﵉، يذكر انهما يصلّيان فيه، وظهرت له بركات وبراهين، وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والمصادر، وأقمنا عنده يوما، وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة قد نحت غارا لسكناه، فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له فيها جارية، وله عبيد خارج الغار يرعون بقرا له وغنما وكان هذا الرجل من كبار التّجار فحجّ البيت، وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة، ودفع ماله لرجل من إخوانه يتجر له به، وبتنا عنده ليلة فأحسن القرى وأجمل، رضي الله تعالى عنه، وسيمة الخير والعبادة لائحة عليه. ذكر سلطان هرمز وهو السلطان قطب الدين تمتهن «١٢٦» بن طوران شاه، وضبط اسمه بقتح التاءين المعلوّتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون، وهو من كرماء السلاطين كثير التواضع، حسن الأخلاق، وعادته أن ياتي لزيارة كلّ من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقّه. ولمّا دخلنا جزيرته وجدناه متهيئا للحرب مشغولا بها مع ابني أخيه نظام الدين «١٢٧» ،

стр. 530

فكان في كل ليلة يتيسّر للقتال، والغلاء مستول على الجزيرة، فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب. وأقمنا عنده ستّة عشر يوما، فلمّا أردنا الانصراف قلت لبعض الأصحاب كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان؟ فجئنا دار الوزير وكانت في جوار الزاوية التي نزلت بها، فقلت له: إنّي أريد السلام على الملك، فقال: بسم الله، وأخذ بيدي، فذهب بي إلى داره وهي على ساحل البحر والأجفان مجلسة عندها، فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة دنسة، وعلى رأسه عمامة وهو مشدود الوسط بمنديل، فسلم عليه الوزير وسلمت عليه، ولم أعرف أنه الملك وكان إلى جانبه ابن اخته وهو علي شاه بن جلال الدين الكيجي «١٢٨» ، وكانت بيني وبينه معرفة، فأنشأت أحادثه وأنا لا أعرف الملك فعرّفني الوزير بذلك، فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن اخته دونه، واعتذرت إليه، ثم قام فدخل داره وتبعه الأمراء والوزراء وأرباب الدولة ودخلت مع الوزير، فوجدناه قاعدا على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدّلها، وفي يده سبحة جوهر لم تر العيون مثلها لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه ١٢» ، فجلس أحد الأمراء إلى جانبه وجلست إلى جانب ذلك الأمير، وسألني عن حالي ومقدمي وعمّن لقيته من الملوك فأخبرته بذلك، وحضر الطعام فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم، ثم قام فوادعته وانصرفت. وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه ركب البحر مرّة من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدّمناه، فخالف عليه أخوه نظام الدين، ودعى لنفسه وبايعه أهل الجزيرة، وبايعته العساكر «١٣٠» ، فخاف قطب

стр. 531

من أنواع المراكب في المنطقة

стр. 532

الدّين على نفسه وركب البحر إلى مدينة قلهات التي تقدّم ذكرها وهي من جملة بلاده، فأقام بها شهورا وجهّز المراكب وأتى الجزيرة فقاتله أهلها مع أخيه وهزموه وعاد إلى قلهات، وفعل ذلك مرارا فلم تكن له حيلة الّا أن راسل بعض نساء أخيه فسمّته ومات! وأتى هو إلى الجزيرة فدخلها وفرّ ابنا أخيه بالخزائن والأموال والعساكر إلى جزيرة قيس حيث مغاص الجوهر وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند ويغيرون على بلاده البحريّة حتى تخرّب معظمها. ثم سافرنا من مدينة جرون برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال فلمّا عدّينا البحر اكترينا دوابّ من التّركمان وهم سكّان تلك البلاد ولا يسافر فيها إلّا معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق، وفيها صحراء مسيرة أربع ويقطع بها لصوص الأعراب، وتهبّ فيها ريح السموم في شهري تموز وحزيران «١٣١» ، فمن صادفته فيها قتلته، ولقد ذكر لي أن الرجل إذا قتلته تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كلّ عضو منه عن سائر الأعضاء، وبها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح وكنّا نسافر فيها باللّيل فإذا طلعت الشمس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أمّ غيلان ونرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس، وفي هذه الصحراء وما والاها كان يقطع (الطريق) ، جمال اللّك الشهير الاسم هنالك. حكاية [فقراء مدينة لار] كان جمال اللّك من أهل سجستان أعجميّ الاصل «١٣٢» ، واللّك بضم اللّام معناه الأقطع، وكانت يده قطعت في بعض حروبه، وكانت له جماعة كثيرة من فرسان الأعراب والأعاجم يقطع بهم الطرق، وكان يبنى الزوايا ويطعم الوارد والصادر من الأموال التي يسلبها للنّاس، ويقال: إنه كان يدعو أن لا يسلط إلّا على من لا يزكّي ماله! وأقام على ذلك

стр. 533

دهرا، وكان يغير هو وفرسانه ويسلكون براريّ لا يعرفها سواهم ويدفنون بها قرب الماء ورواياه، فإذا تبعهم عسكر السلطان دخلوا الصحراء واستخرجوا المياه ويرجع العسكر عنهم خوفا من الهلاك. وأقام على هذه الحالة مدّة لا يقدر عليه ملك العراق ولا غيره ثم تاب وتعبّد حتى مات، وقبره يزار ببلاده. وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كوراستان «١٣٣» ، وضبط اسمه بفتح الكاف واسكان الواو وراء، وهو بلد صغير فيه الأنهار والبساتين وهو شديد الحرّ، ثمّ سرنا منه ثلاثة أيام في صحراء مثل التي تقدّمت ووصلنا إلى مدينة لار «١٣٤» ، وآخر اسمها راء، مدينة كبيرة كثيرة العيون والمياه المطّردة والبساتين، ولها أسواق حسان، ونزلنا منها بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمّد «١٣٥» ، وهو الذي قصدنا زيارته بخنج بال، وبهذه الزاوية ولده أبو زيد عبد الرحمن، ومعه جماعة من الفقراء، ومن عادتهم أنهم يجتمعون بالزاوية بعد صلاة العصر من كل يوم، ثم يطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كلّ دار الرغيف والرغيفان فيطعمون منها الوارد والصادر. وأهل الدور قد ألفوا ذلك فهم يجعلونه في جملة قوتهم ويعدّونه لهم إعانة على إطعام الطعام، وفي كل ليلة جمعة يجتمع بهذه الزاوية فقراء المدينة وصلحاؤها ويأتي كلّ منهم بما تيسّر له من الدراهم فيجمعونها وينفقونها تلك الليلة، ويبيتون في عبادة من الصلاة والذكر والتلاوة وينصرفون بعد صلاة الصبح. ذكر سلطان لار وبهذه المدينة سلطان يسمى بجلال الدين، تركماني الأصل، بعث إلينا بضيافة ولم

стр. 534

نجتمع به ولا رأيناه، ثم سافرنا إلى مدينة خنج بال «١٣٦» ، وضبط اسمها بضمّ الخاء المعجم، وقد يعوّض منه هاء واسكان النون وضم الجيم وباء معقودة والف ولام، وبها سكنى الشيخ أبي دلف الذي قصدنا زيارته وبزاويته نزلنا، ولمّا دخلت الزاوية رأيته قاعدا بناحية منها على التراب وعليه جبّة صوف خضراء بالية وعلى رأسه عمامة صوف سوداء فسلّمت عليه فأحسن الردّ، وسألني عن مقدمي وبلادي وأنزلني، وكان يبعث إليّ الطعام والفاكهة مع ولد له من الصالحين كثير الخشوع والتواضع صائم الدّهر كثير الصلاة، ولهذا الشيخ أبي دلف شأن عجيب، وأمر غريب، فإنّ نفقته في هذه الزاوية عظيمة، وهو يعطي العطاء الجزيل ويكسوا الناس ويركبهم الخيل، ويحسن لكل وارد وصادر، ولم أر في تلك البلاد مثله ولا يعلم له جهة إلا ما يصله من الإخوان والأصحاب، حتى زعم كثير من الناس أنه ينفق من الكون! وفي زاويته المذكورة قبر الشيخ الوليّ الصالح القطب دانيال «١٣٧» ، وله اسم بتلك البلاد شهير، وشأن في الولاية كبير، وعلى قبره قبّة عظيمة بناها السلطان قطب الدين تهمتن بن طوران شاه وأقمت عند الشيخ أبي دلف يوما واحدا لاستعجال الرفقة التي كنت في صحبتها، وسمعت أن بالمدينة خنج بال المذكورة زاوية فيها جملة من الصالحين المتعبّدين فرحت إليها بالعشيّ وسلّمت على شيخهم وعليهم ورأيت جماعة مباركة قد اثّرت فيهم العبادة، فهم صفر الألوان نحاف الجسوم كثير والبكاء غزير والدّموع وعند وصولي إليهم أتوا بالطعام، فقال كبيرهم: أدعوا لي ولدي محمدا، وكان معتزلا في بعض نواحي الزاوية فجاء الينا الولد وهو كأنّما خرج من قبر ممّا نهكته العبادة، فسلّم وقعد، فقال له أبوه: يا بنيّ شارك هؤلاء الواردين في الأكل تنل من بركاتهم، وكان صائما فأفطر معنا، وهم شافعيّة المذهب، فلمّا فرغنا من أكل الطعام دعوا لنا وانصرفنا.

стр. 535

ثم سافرنا منها إلى مدينة قيس وتسمى ايضا بسيراف «١٣٨» ، وهي على ساحل بحر الهند المتّصل ببحر اليمن وفارس وعدادها في كور فارس، مدينة لها انفساح وسعة طيّبة البقعة في دورها بساتين عجيبة فيها الرياحين والأشجار الناضرة، وشرب أهلها من عيون منبعثة من جبالها، وهم عجم من الفرس أشراف، وفيهم طائفة من عرب بني سفّاف «١٣٩» ، وهم الذين يغوصون على الجوهر. ذكر مغاص الجوهر ومغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الواردي العظيم، فإذا كان شهر إبريل وشهر مايه تأتى إليه القوارب الكثيرة فيها الغوّاصون وتجار فارس والبحرين والقطيف ويجعل الغوّاص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيأ يكسوه من عظم الغيلم، وهي السلحفاة، ويصنع من هذا العظم أيضا شكلا شبه المقراض يشدّه على أنفه، ثم

стр. 536

الغوص البحث عن اللؤلؤ- عن مجلة (الوثيقة) البحرينية

стр. 537

الغوص للبحث عن اللؤلؤ- عن مجلة الشراع والمجذاف (أبو ظبي)

стр. 538

يربط حبلا في وسطه، ويغوص ويتفاوتون في الصبر في الماء، فمنهم من يصبر السّاعة «١٤٠» والسّاعتين فما دون ذلك، فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك فيما بين الأحجار الصّغار مثبتا في الرمل فيقتلعه بيده أو يقطعه بحديدة عنده معدّة لذلك ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه فإذا ضاق نفسه حرّك الحبل، فيحسّ به الرجل الممسك للحبل على الساحل فيرفعه إلى القارب فتوخذ منه المخلاة ويفتح الصّدف فيوجد في أجوافها قطع لحم تقطع بحديدة، فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جواهر فيجمع جميعها من صغير وكبير فيأخذ السلطان خمسه «١٤١» ، والباقي يشتريه التّجار الحاضرون بتلك القوارب وأكثرهم يكون له الدين على الغوّاصين فياخذ الجوهر في دينه أو ما وجب له منه.

стр. 539

ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين «١٤٢» وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤنة يحفر عليه بالأيدي فيوجد «١٤٣» ، وبها حدائق النخل والرمّان والأترج ويزرع بها القطن، وهي شديدة الحرّ كثيرة الرمال، وربّما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه الرمال وانقطع فلا يوصل من عمان اليها الّا في البحر. وبالقرب منها جبلان عظيمان، يسمى أحدهما بكسير، وهو في غربيّها ويسمى الآخر بعوير وهو في شرقيّها وبهما ضرب المثل فقيل: كسير وعوير، وكلّ غير خير «١٤٤» ، ثم سافرنا إلى مدينة القطيف «١٤٥» ، وضبط اسمها بضم القاف كأنّه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضيّة غلاة يظهرون

стр. 540

لو عاش ابن بطوطة لرأى الجسر العظيم الذي يربط بين البحرين والحجاز قلعة الرفاع بالبحرين بناها الشيخ سلمان ابن أحمد آل خليفة قبل عام ١٨١٦

стр. 541

الرفض جهارا لا يتّقون أحدا: ويقول مؤذّنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أنّ عليّا ولىّ الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل ويزيد بعد التكبير الأخير: محمّد وعليّ خير البشر، من خالفهما فقد كفر. ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر «١٤٦» وتسمّع الآن بالحسا بفتح الحاء والسين واهمالهما، وهي التي يضرب المثل بها فيقال: كجالب التّمر إلى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها، ومنه يعلفون دوابّهم وأهلها عرب وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أقصى «١٤٧» . ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتسمى أيضا بحجر «١٤٨» ، بفتح الحاء المهمل واسكان الجيم، مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار يسكنها طوائف من العرب من بني «١٤٩» حنيفة وهي بلدهم قديما، واميرهم طفيل بن غانم. ثم سافرت منها في صحبة هذا

стр. 542

الأمير برسم الحج، وذلك في سنة ثنتين وثلاثين، فوصلت إلى مكّة شرّفها الله تعالى، وحجّ في تلك السنة الملك الناصر سلطان مصر ﵀ وجملة من امرائه، وهي آخر حجّة حجّها، وأجزل الإحسان لأهل الحرمين الشريفين وللمجاورين وفيها قتل الملك الناصر أمير احمد الذي يذكر أنّه ولده وقتل أيضا كبير أمرائه بكتمور الساقي «١٥٠» . حكاية [مقتل أمير أحمد] ذكر أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية، فلمّا أراد الدنوّ منها قالت له: إنّي حامل من الملك الناصر، فاعتزلها، وولدت ولدا سمّاه بأمير احمد ونشأ في حجره، فظهرت نجابته واشتهر بابن الملك الناصر، فلمّا كان في هذه الحجّة تعاهدا على الفتك بالملك الناصر، وأن يتولى أمير أحمد الملك وحمل بكتمور معه العلامات والطبول والكسوات والأموال فنمى الخبر إلى الملك الناصر فبعث عن أمير أحمد في يوم شديد الحرّ فدخل عليه وبين يديه أقداح الشرب فشرب الملك الناصر قدحا وناول أمير احمد قدحا ثانيا فيه السمّ فشربه، وأمر بالرّحيل في تلك الساعة ليشغل الوقت، فرحل النّاس ولم يبلغوا المنزل حتى مات أمير أحمد فاكترث بكتمور لموته وقطع أثوابه وامتنع من الطعام والشراب، وبلغ خبره إلى الملك الناصر فأتاه بنفسه ولا طفه وسلّاه وأخذ قدحا فيه سمّ فناوله إيّاه وقال له: بحياتي عليك ألا شربت فبردّت نار قلبك! فشربه ومات من حينه، ووجد عنده خلع السلطنة والأموال فتحقّق ما نسب اليه من الفتك بالملك الناصر.

стр. 543

الفصل السابع آسيا الصّغرى من جدة إلى عيذاب- مصر- الشام. من اللّاذقية إلى (الأناضول) - جماعة الفتيان الأخيّة. في مدينة لاذق وفي قونية. من قونية إلى قيسارية- أرزنجان الأرمن. مدينة بركي حيث اجتمع بطبيب يهودي بمجلس السلطان! حديث عن البطل عمر أمير يزمير. برصى وسلطانها أرخان بك بن عثمان الذي ينسب إليه العثمانيون في بولي حيث رأى الموقد لأول مرة! اجتماعه في يزنيك بالسلطان أرخان وزوجته بيلون خاتون. من قصطمونية إلى شبه جزيرة صنوب على البحر الأسود.

стр. 544

خريطة آسيا الصغرى

стр. 545

ولمّا انقضى الحجّ توجّهت إلى جدّة برسم ركوب البحر إلى اليمن والهند، فلم يقض لي ذلك ولا تأتّى لي رفيق. وأقمت بجدة نحو أربعين يوما وكان بها مركب لرجل يعرف بعبد الله التونسي يروم السّفر إلى القصير من عمالة قوص «١» فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني ولا طابت نفسي بالسفر فيه، وكان ذلك لطفا من الله تعالى فانّه سافر فلمّا توسّط البحر غرق بموضع يقال له: رأس أبي محمد «٢» فخرج صاحبه وبعض التجار في العشاريّ بعد جهد عظيم وأشرفوا على الهلاك وهلك بعضهم وغرق سائر الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجّاج! ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب فردّتنا الريح إلى مرسى يعرف برأس دوائر، وسافرنا منه في البرّ مع البجاة فسلكنا صحراء كثيرة النّعام والغزلان فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة «٣» ووردنا ماء يعرف بمفرور وماء يعرف بالجديد، ونفد زادنا فاشترينا من قوم من البجاة، وجدناهم بالفلاة، أغناما وتززّدنا لحومها. ورأيت بهذه الفلاة صبيا من العرب كلّمني باللّسان العربيّ وأخبرني أن البجاة أسروه وزعم أنّه منذ عام لم يأكل طعاما، إنّما يقتات بلبن الإبل. ونفد لنا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه ولم يبق لنا زاد، وكان عندي نحو حمل من التمر الصّيحاني والبرنيّ «٤» برسم الهديّة لأصحابي، ففرقته على الرفقة وتزوّدناه ثلاثا.

стр. 546

وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دوائر وصلنا إلى عيذاب «٥» وكان قد تقدّم إليها بعض الرفقة فتلقّانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أيّاما واكترينا الجمال، وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم ووردنا ماء يعرف بالجنيب وحللنا بحميثرا حيث قبر وليّ الله تعالى أبي الحسن الشاذليّ، وحصلت لنا زيارته ثانية وبتنا في جواره، ثم وصلنا إلى قرية العطواني وهي على ضفّة النيل مقابلة لمدينة أدفو من الصعيد الأعلى وأجزنا النيل إلى مدينة إسنا، ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى الأقصر، وزرنا الشيخ أبا الحجاج الأقصري ثانية، ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا، وزرنا الشيخ عبد الرحيم القنّاوي ثانية، ثم إلى مدينة هو ثم إلى مدينة أخميم، ثم إلى مدينة أسيوط ثم إلى مدينة منفلوط ثم إلى مدينة منلوي، ثم إلى مدينة الأشمونين، ثم إلى مدينة منية ابن خصيب ثم إلى مدينة البهنسة ثم إلى مدينة بوش ثم إلى مدينة منية القائد، وقد تقدّم لنا ذكر هذه البلاد، ثم إلى مصر وأقمت بها أيّاما، وسافرت على طريق بلبيس إلى الشام ورافقني الحاجّ عبد الله بن أبي بكر بن الفرحان التوزريّ، ولم يزل في صحبتي سنين إلى أن خرجنا من بلاد الهند، فتوفّى بسندابور وسنذكر ذلك، فوصلنا إلى مدينة غزّة ثم إلى مدينة الخليل ﵇ وتكرّرت لنا زيارته، ثمّ إلى بيت المقدّس ثم إلى مدينة الرّملة، ثم إلى مدينة عكّا ثم إلى مدينة طرابلس ثم إلى مدينة جبلة، وزرنا إبراهيم بن أدهم ﵁ ثانية، ثم إلى مدينة اللاذقية، وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد كلّها. ومن اللاذقية ركبنا في قرقورة كبيرة «٦» للجنويين يسمّى صاحبها بمرتلمين «٧» وقصدنا برّ التّركيّة المعروف ببلاد الروم، وانّما نسبت إلى الروم لأنّها كانت بلادهم في القديم، ومنها الروم الأقدمون واليونانية «٨» ، ثم استفتحها المسلمون، وبها الآن كثير من النصارى

стр. 547

تحت ذمّة المسلمين من التركمان «٩» ، وسرنا في البحر عشرا بريح طيّبة، وأكرمنا النّصرانيّ ولم يأخذ منّا نولا «١٠» ، وفي العاشر وصلنا إلى مدينة العلايا «١١» ، وهي أول بلاد الروم. وهذا الاقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله فيه ما تفرّق من المحاسن في البلاد، فأهله أجمل الناس صورا وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم واكثر خلق الله شفقة، ولذلك يقال البركة في الشام والشفقة في الروم، وانّما عني به أهل هذه البلاد، وكنّا متى نزلنا بهذه البلاد زاوية أو دارا يتفقّد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء، وهنّ لا يحتجبن فإذا سافرنا عنهم ودّعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا، وترى النساء باكيات، لفراقنا متأسفات. ومن عادتهم بتلك البلاد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة يعدّون فيه ما يقوتهم سائرها، فكان رجالهم يأتون الينا بالخبز الحار في يوم خبزه ومعه الإدام الطيّب إطرافا لنا بذلك، ويقولون لنا: إنّ النساء بعثن هذا إليكم وهنّ يطلبن منكم الدعاء. وجميع أهل هذه البلاد على مذهب الامام أبي حنيفة ﵁ مقيمين على السّنّة لا قدرىّ فيهم ولا رافضيّ ولا معتزلي ولا خارجيّ ولا مبتدع، وتلك فضيلة خصّهم الله تعالى بها إلّا أنّهم ياكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك. ومدينة العلايا التي ذكرناها كبيرة على ساحل البحر يسكنها التّركمان، وينزلها تجار مصر واسكندريّة والشام، وهي كثيرة الخشب ومنها يحمل إلى اسكندرية ودمياط ويحمل

стр. 548

منها إلى سائر بلاد مصر ولها قلعة بأعلاها «١٢» عجيبة منيعة بناها السلطان المعظم علاء الدين الروميّ، ولقيت بهذه المدينة قاضيها جلال الدين الأرزنجانيّ، وصعد معي إلى القلعة يوم الجمعة فصلّينا بها، وأضافني وأكرمني وأضافني أيضا بها شمس الدين بن الرجيحاني الذي توفّى أبوه علاء الدين بمالي من بلاد السودان. ذكر سلطان العلايا وفي يوم السبت ركب معي القاضي جلال الدين وتوجّهنا إلى لقاء ملك العلايا، وهو يوسف بك «١٣» ومعنى بك: الملك، ابن قرمان بفتح القاف والراء، ومسكنه على عشر أميال من المدينة فوجدناه قاعدا على الساحل وحده فوق رابية هنالك والأمراء والوزراء أسفل منه والأجناد عن يمينه ويساره وهو مخضوب الشّعر بالسواد فسلّمت عليه، وسألني عن مقدمي فأخبرته عمّا سأل وانصرفت عنه، وبعث إليّ إحسانا. وسافرت من هنالك إلى مدينة أنطالية «١٤» وضبط اسمها بفتح الهمزة واسكان النون وفتح الطاء المهمل والف ولام مكسور وياء كآخر الحروف، وامّا التي بالشام هي أنطاكية على وزنها إلا أن الكاف عوّض عن اللّام، وهي من أحسن المدن متناهية في اتّساع الساحة والضخامة أجمل ما يرى من البلاد وأكثره عمارة وأحسنه ترتيبا، وكل فرقة من سكّانها منفردة بأنفسها عن الفرقة الأخرى، فتجار النصارى ماكثون منها بالموضع المعروف بالميناء «١٥» وعليهم سور تسدّ أبوابه عليهم ليلا، وعند صلاة الجمعة، والروم الذين كانوا أهلها قديما ساكنون بموضع آخر منفردين به، وعليهم أيضا سور، واليهود في موضع آخر وعليهم سور، والملك وأهل دولته ومماليكه يسكنون ببلدة عليها أيضا سور يحيط بها، ويفرّق بينها وبين ما

стр. 549

ذكرناه من الفرق، وسائر الناس من المسلمين يسكنون المدينة العظمى، وبها مسجد جامع ومدرسة وحمّامات كثيرة وأسواق ضخمة مرتّبة بأبدع ترتيب، وعليها سور عظيم يحيط بها، وبجميع المواضع التي ذكرناها، وفيها البساتين الكثيرة والفواكه الطّيبة والمشمش العجيب المسمّى عندهم بقمر الدين، وفي نواته لوز حلو وهو ييبس ويحمل إلى ديار مصر، وهو بها مستطرف، وفيها عيون الماء الطيّب العذب الشديد البرودة في أيّام الصيف. ونزلنا من هذه المدينة بمدرستها، وشيخها شهاب الدين الحمويّ، ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالأصوات الحسان بعد العصر من كلّ يوم في المسجد الجامع وفي المدرسة أيضا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عمّ «١٦» . ذكر الأخيّة الفتيان «١٧» . واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلّم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التّركمانيّة الروميّة في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظّلمة، وقتل الشّرط ومن لحق بهم من أهل الشرّ. والأخي عندهم: رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبّان الأعزاب والمتجرّدين ويقدّمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوّة «١٨» أيضا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسّرج، وما يحتاج اليه من آلات، ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معائشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك ممّا ينفق في الزّاوية، فإذا ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنّوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدوّ، وأتوا بعد العصر إلى مقدّمهم بما اجتمع لهم. ويسمّون بالفتيان، ويسمّى مقدّمهم كما ذكرنا الأخي، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالا منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وإصفهان إلّا أنّ هؤلاء أحبّ في الوارد والصادر وأعظم اكراما له وشفقة عليه. وفي الثاني من يوم وصولنا إلى هذه المدينة أتى أحد هؤلاء

стр. 550

رقصة الدراويش إلى الآن

стр. 551

الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحمويّ وتكلّم معه باللّسان التركيّ، ولم أكن يومئذ أفهمه «١٩» ، وكان عليه أثواب خلقة وعلى رأسه قلنسوة لبد، فقال لي الشيخ: أتعلم ما يقول هذا الرجل؟ لا أعلم ما قال، فقال لي أنّه يدعوك إلى ضيافته أنت واصحابك فعجبت منه وقلت له نعم، فلمّا انصرف، قلت للشيخ: هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلّفه، فضحك الشيخ، وقال لي: هذا أحد شيوخ الفتيان الأخيّة، وهو من الخرّازين، وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قد قدّموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة وما يجتمع لهم بالنّهار أنفقوه بالليل. فلمّا صلّيت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته فوجدنا زاوية حسنة مفروشة بالبسط الروميّة الحسان، وبها الكثير من ثريّات الزجاج العراقي. وفي المجلس خمسة من البياسيس والبيسوس شبه المنارة من النحاس له أرجل ثلاث وعلى رأسه شبه جلّاس من النحاس وفي وسطه أنبوب للفتيلة، ويملأ من الشّحم المذاب، وإلى جانبه آنية نحاس ملأى بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل، وأحدهم موكّل بها، ويسمّى عندهم الجراجي «٢٠» . وقد اصطفّ في المجلس جماعة من الشبّان ولباسهم الأقبية «٢١» ، وفي أرجلهم الأخفاف، وكل واحد منهم متحزّم، على وسطه سكّين في طول ذراعين، وعلى رؤسهم قلانس «٢٢» بيض من الصوف، بأعلى كلّ قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض أصبعين، فإذا استقرّ بهم المجلس نزع كلّ واحد منهم قلنسوة ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه

стр. 552

قلنسوة أخرى من الزّردخانيّ «٢٣» ، وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين. ولمّا استقرّ بنا المجلس عندهم أتو بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء ثم أخذوا في الغناء والرقص، فراقنا حالهم وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم. ذكر سلطان أنطاليا وسلطانها خضر بك بن يوسف بك «٢٤» ، وجدناه عند وصولنا إليها عليلا، فدخلنا عليه بداره وهو في فراش المرض فكلّمنا بألطف كلام وأحسنه وودّعناه وبعث إلينا بإحسان، وسافرنا إلى بلدة بردور «٢٥» وضبط اسمها بضم الباء الموحدة واسكان الراء وضم الدال المهمل وواو وراء، وهي بلدة صغيرة كثيرة البساتين والأنهار، ولها قلعة في رأس جبل شاهق نزلنا بدار خطيبها واجتمعت الأخيّة، وأرادوا نزولنا عندهم، فأبى عليهم الخطيب فصنعوا لنا ضيافة في بستان لأحدهم وذهبوا بنا إليها فكان من العجائب إظهارهم السرور بنا والاستبشار والفرح. وهم لا يعرفون لساننا ونحن لا نعرف لسانهم ولا ترجمان فيما بيننا، وأقمنا عندهم يوما وانصرفنا.

стр. 553

ثم سافرنا من هذه البلدة إلى بلدة سبرتا «٢٦» وضبط اسمها بفتح السين المهمل والباء الموحدة واسكان الراء وفتح التاء المعلوّة وألف، وهي بلدة حسنة العمارة والأسواق كثيرة البساتين والأنهار، لها قلعة في جبل شامخ وصلناها بالعشيّ، ونزلنا عند قاضيها، وسافرنا منها إلى مدينة أكريدور «٢٧» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الراء وياء مدّ ودال مهمل مضموم وواو مدّ وراء، مدينة عظيمة كثيرة العمارة، حسنة الأسواق ذات أنهار وأشجار وبساتين ولها بحيرة عذبة الماء يسافر المركب فيها يومين إلى أقشهر وبقشهر وغيرهما من البلاد والقرى «٢٨» ونزلنا منها بمدرسة تقابل الجامع الأعظم بها المدرس العالم الحاجّ المجاور الفاضل مصلح الدين، قرأ بالدّيار المصرّيّة والشام وسكن العراق مدّة وهو فصيح اللسان، حسن البيان، أطروفة من طرف الزمان، أكرمنا غاية الاكرام، وقام بحقّنا أحسن قيام. ذكر سلطان أكريدور وسلطانها أبو إسحاق بك بن الدّنداربك «٢٩» ، من كبار سلاطين تلك البلاد سكن ديار مصر أيّام أبيه، وحج، وله سير حسنة، ومن عادته أنه يأتي كل يوم إلى صلاة العصر بالمسجد الجامع فإذا قضيت صلاة العصر استند إلى جدار القبلة وقعد القرّاء بين يديه على مصطبة خشب عالية فقرأوا سورة الفتح والملك وعمّ، بأصوات حسان فعّالة في النفوس تخشع لها القلوب وتقشعرّ الجلود وتدمع العيون، ثم ينصرف إلى داره، وأظلّنا عنده شهر رمضان «٣٠» فكان يقعد في كلّ ليلة منه على فراش لاصق بالأرض من غير سرير، ويستند

стр. 554

إلى مخدّة كبيرة، ويجلس الفقيه مصلح الدين إلى جانبه، وأجلس إلى جانب الفقيه، ويلينا أرباب دولته وأمراء حضرته ثم يؤتي بالطعام، فيكون أوّل ما يفطر عليه ثريد في صحفة صغيرة، عليه العدس مسقى بالسمن والسكّر، ويقدّمون الثريد تبرّكا، ويقولون: إن النبيّ ﷺ فضّله على سائر الطعام فنحن نبدأ لتفضيل النبيّ له، ثم يؤتى بسائر الأطعمة، وهكذا فعلهم في جميع ليالي رمضان. وتوفّى في بعض تلك الأيام ولد السلطان فلم «٣١» يزيدوا على بكاء الرحمة كما يفعله أهل مصر والشام خلافا لما قدّمناه من فعل أهل اللّور حين مات ولد سلطانهم، فلمّا دفن أقام السلطان والطلبة ثلاثة أيّام يخرجون إلى قبره بعد صلاة الصبح، وفي ثاني يوم من دفنه خرجت مع الناس فرءاني السلطان ماشيا على رجليّ فبعث لي بفرس واعتذر فلمّا وصلت المدرسة بعثت الفرس فردّه وقال إنّما أعطيته عطيّة لا عاريّة وبعث إليّ بكسوة ودراهم، فانصرفنا إلى مدينة قل حصار «٣٢» ، وضبط اسمها بضمّ القاف واسكان اللام ثم حاء مهمل مكسور وصاد مهمل وآخره راء، مدينة صغيرة بها المياه من كل جانب قد نبتت فيها القصب فلا طريق لها إلّا طريق كالجسر مهيأ ما بين القصب والمياه لا يسع إلّا فارسا واحدا، والمدينة على تلّ في وسط المياه منيعة لا يقدر عليها ونزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخيّة بها. ذكر سلطان قل حصار . وسلطانها محمّد جلبي، وجلبي بجيم معقود ولام مفتوحين وباء موحدة وياء، وتفسيره بلسان الروم سيّدي «٣٣» ، وهو أخو السلطان أبي إسحاق ملك أكريدور، ولمّا وصلنا لمدينته كان غائبا عنها فأقمنا بها أيّاما ثم قدم فأكرمنا وأركبنا وزوّدنا وانصرفنا على طريق قرا أغاج «٣٤» ، وقرا بفتح القاف تفسيره أسود، وأغاج بفتح الهمزة والغين المعجم وآخره جيم تفسيره الخشب، وهي صحراء خضرة يسكنها التركمان، وبعث معنا السلطان فرسانا يبلّغوننا إلى مدينة لاذق، بسبب أن هذه الصحراء يقطع الطريق فيها طائفة يقال لهم

стр. 555

الجرميان «٣٥» يذكر انهم من ذرّية يزيد بن معاوية ولهم مدينة يقال لها كوتاهية فعصمنا الله منهم. ووصلنا إلى مدينة لاذق، وهي بكسر الذال المعجم وبعده قاف، وتسمّى أيضا ذون غزله «٣٦» ، وتفسيره بلد الخنازير، وهي من أبدع المدن وأضخمها، وفيها سبعة من المساجد لإقامة الجمعة ولها البساتين الرائقة، والأنهار المطرّدة، والعيون المنبعة، وأسواقها حسان، وتصنع بها ثياب قطن معلمة بالذهب لا مثل لها، تطول أعمارها لصحّة قطنها وقوّة غزلها، وهذه الثياب معروفة بالنسبة إليها، وأكثر الصنّاع بها نساء الروم، وبها من الروم كثير تحت الذمّة، وعليهم وظائف للسلطان من الجزية وسواها. وعلامة الروم بها القلانس الطوال، منها الحمر والبيض ونساء الروم لهنّ عمائم كبار، وأهل هذه المدينة لا يغيّرون المنكر بل كذلك أهل الاقليم كلّه، وهم يشترون الجواري الروميّات الحسان ويتركونهنّ للفساد، وكلّ واحدة عليها وظيف لمالكها تؤدّيه له، وسمعت هنالك أنّ الجواري يدخلن الحمّام مع الرجال، فمن أراد الفساد فعل ذلك بالحمّام من غير منكر عليه، وذكر لي انّ القاضي بها له جوار على هذه الصورة! وعند دخولنا لهذه المدينة مررنا بسوق لها فنزل إلينا رجال من حوانيتهم واخذوا بأعنّة خيلنا، ونازعهم في ذلك رجال آخرون، وطال بينهم النزاع حتّى سلّ بعضهم السكاكين، ونحن لا نعلم ما يقولون، فخفنا منهم وظنّنا أنّهم الجرميان الذين يقطعون الطرق، وان تلك مدينتهم، وحسبنا أنّهم يريدون نهبنا، ثم بعث الله لنا رجلا حاجّا يعرف اللسان العربيّ فسألته عن مرادهم منّا، فقال: إنهم من الفتيان وان الذين سبقوا الينا أوّلا هم أصحاب

стр. 556

الفتى أخي سنان والآخرون أصحاب الفتى أخي طومان «٣٧» ، وكل طائفة ترغب أن يكون نزولكم عندهم، فعجبنا من كرم نفوسهم، ثم وقع بينهم الصلح على المقارعة، فمن كانت قرعته نزلنا عنده أوّلا، فوقعت قرعة أخي سنان، وبلغه ذلك، فأتى إلينا في جماعة من أصحابه فسلّموا علينا ونزلنا بزاوية له وأتى بانواع الطعام ثم ذهب بنا إلى الحمّام، ودخل معنا وتولّى خدمتي بنفسه، وتولّى أصحابه خدمة أصحابي يخدم الثلاثة والأربعة الواحد منهم، ثم خرجنا من الحمّام فاتوا بطعام عظيم وحلواء وفاكهة كثيرة. وبعد الفراغ من الاكل قرأ القراء آيات من الكتاب العزيز، ثم اخذوا في السماع والرقص واعلموا السلطان بخبرنا، فلمّا كان من الغد بعث في طلبنا بالعشيّ، فتوجهنا إليه وإلى ولده كما نذكره، ثم عدنا إلى الزاوية فألفينا الأخى طومان وأصحابه في انتظارنا فذهبوا بنا إلى زاويتهم، ففعلوا في الطعام والحمّام مثل أصحابهم وزادوا عليهم أن صبّوا علينا ماء الورد صبّا بعد خروجنا من الحمّام ثم مضوا بنا إلى الزاوية ففعلوا أيضا من الاحتفال في الأطعمة والحلواء والفاكهة وقراءة القرآن بعد الفراغ من الأكل ثم السماع والرقص كمثل ما فعله أصحابهم أو احسن وأقمنا عندهم بالزاوية أيّاما. ذكر سلطان لاذق وهو سلطان يننج بك «٣٨» واسمه بياء آخر الحروف مفتوحة ثم نونين اولاهما مفتوحة والثانية مسكنة وجيم، وهو من كبار سلاطين بلاد الروم ولمّا نزلنا بزاوية أخي سنان كما قدّمناه، بعث الينا الواعظ المذكّر العالم علاء الدين القسطمونيّ، واستصحب معه خيلا بعددنا، وذلك في شهر رمضان فتوجّهنا إليه وسلّمنا عليه. ومن عادة ملوك هذه البلاد التواضع للواردين ولين الكلام وقلّة العطاء فصلّينا معه المغرب وحضر طعامه فأفطرنا عنده، وانصرفنا وبعث الينا بدراهم ثم بعث عنّا ولده مراد بك وكان ساكنا في بستان خارج المدينة، وذلك في ابّان الفاكهة وبعث أيضا خيلا على عددنا كما فعله أبوه فأتينا بستانه وأقمنا عنده تلك الليلة وكان له فقيه يترجم بيننا وبينه، ثم انصرفنا غدوة.

стр. 557

وأظلّنا عيد الفطر بهذه البلدة «٣٩» فخرجنا إلى المصلّى وخرج السلطان في عساكره والفتيان الأخية، كلهم بالأسلحة، ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار، وبعضهم يفاخر بعضا ويباهيه في حسن الهيأة، وكمال الشّكّة، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز، فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدّقون بها وبالخبز، ويكون خروجهم أوّلا إلى المقابر، ومنها إلى المصلّى ولمّا صلّينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله وحضر الطعام فجعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماط على حدة وجعل للفقراء والمساكين سماط على حدة، ولا يردّ عن بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني، وأقمنا بهذه البلدة مدّة بسبب مخاوف الطريق، ثم تهيّأت رفقة فسافرنا معهم يوما وبعض ليلة، ووصلنا إلى حصن طواس «٤٠» ، واسمه بفتح الطاء وتخفيف الواو وآخره سين مهمل، وهو حصن كبير، ويذكر أنّ صهيبا صاحب رسول الله ﷺ ورضي الله عنه من أهل هذا الحصن «٤١» ، وكان مبيتنا بخارجه، ووصلنا بالغد إلى بابه فسألنا أهله من أعلى السور عن مقدمنا، فأخبرناهم، وحينئذ خرج أمير الحصن إلياس بك «٤٢» في عسكره ليختبر نواحي الحصن والطريق خوفا من إغارة السرّاق على الماشية، فلمّا طافوا بجهاته خرجت مواشيهم، وهكذا فعلهم أبدا. ونزلنا من هذا الحصن بربضه في زاوية رجل فقير، وبعث الينا أمير الحصن بضيافة وزاد، وسافرنا منه إلى مغلة «٤٣» ، وضبط اسمها بضم الميم واسكان الغين المعجم وفتح اللام، ونزلنا بزاوية أحد المشايخ بها، وكان من الكرماء الفضلاء يكثّر الدخول علينا بزاويته ولا يدخل إلّا بطعام أو فاكهة أو حلواء، ولقينا بهذه البلدة ابراهيم بك ولد سلطان مدينة ميلاس وسنذكره، فأكرمنا وكسانا ثم سافرنا إلى مدينة ميلاس «٤٤» وضبط اسمها بكسر الميم وياء

стр. 558

مدّ وآخره سين مهمل، وهي من أحسن بلاد الروم وأضخمها، كثيرة الفواكه والبساتين والمياه، نزلنا منها بزاوية أحد الفتيان الأخيّة ففعل أضعاف ما فعله من قبله من الكرامة والضيافة ودخول الحمّام وغير ذلك من حميد الأفعال، وجميل الأعمال. ولقينا بمدينة ميلاس رجلا صالحا معمّرا يسمّى بابا الششتريّ «٤٥» ذكروا أنّ عمره يزيد على مائة وخمسين سنة وله قوّة وحركة وعقله ثابت وذهنه جيّد دعى لنا وحصلت لنا بركته. ذكر سلطان ميلاس . وهو السلطان المكرّم شجاع الدين أرخان بك بن المنتشا «٤٦» ، وضبط اسمه بضمّ الهمزة واسكان الراء وخاء معجم وآخره نون، وهو من خيار الملوك حسن الصورة والسيرة جلساؤه الفقهاء، وهم معظّمون لديه، وببابه منهم جماعة، منهم الفقيه الخوارزميّ عارف بالفنون فاضل، وكان السلطان في أيام لقائي له واجدا عليه بسبب رحلته إلى مدينة أيا سلوق ووصوله إلى سلطانها وقبول ما أعطاه، فسأل منّي هذا الفقيه: أن أتكلّم عند الملك في شأنه بما يذهب ما في خاطره فأثنيت عليه عند السلطان وذكرت ما علمته من علمه وفضله، ولم أزل به حتى ذهب ما كان يجده عليه، وأحسن إلينا هذا السلطان وأركبنا وزوّدنا. وسكناه في مدينة برجين وهي، قريبة من ميلاس بينهما ميلان «٤٧» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة واسكان الراء وجيم وياء مدّ وآخره نون، وهي جديدة على تلّ هنالك، بها العمارات الحسنة والمساجد، وكان قد بنى بها مسجدا جامعا لم يتمّ بناؤه «٤٨» بعد، وبهذه البلدة لقيناه، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي عليّ، ثم انصرفنا بعد ما أحسن إلينا كما

стр. 559

قدّمناه إلى مدينة قونية «٤٩» وضبط اسمها بضم القاف وواو مدّ ونون مسكن وياء آخر الحروف، مدينة عظيمة حسنة العمارة كثيرة المياه والأنهار والبساتين والفواكه، وبها المشمش المسمّى بقمر الدين وقد تقدّم ذكره ويحمل منه أيضا إلى ديار مصر والشام، وشوارعها متّسعة جدّا، وأسواقها بديعة الترتيب وأهل كل صناعة على حدة، ويقال: إن هذه المدينة من بناء الاسكندر، وهي من بلاد السلطان بدر الدين بن قرمان، وسنذكره، وقد تغلّب عليها صاحب العراق في بعض الأوقات لقربها من بلاده التي بهذا الإقليم، نزلنا منها بزاوية قاضيها، ويعرف بابن قلم شاه «٥٠» ، وهو من الفتيان وزاويته من أعظم الزاويا، وله طائفة كبيرة من التلاميذ، ولهم في الفتوّة سند يتّصل إلى أمير المومنين عليّ بن أبي طالب «٥١» ﵇ ولباسها عندهم السّراويل «٥٢» كما تلبس الصوفيّة الخرقة. وكان صنيع هذا القاضي في إكرامنا وضيافتنا أعظم من صنيع من قبله وأجمل، وبعث ولده عوضا منه لدخول الحمّام معنا، وبهذه المدينة تربة الشيخ الإمام الصالح القطب جلال الدين المعروف بمولانا «٥٣» ، وكان كبير القدر، وبأرض الروم طائفة ينتمون اليه ويعرفون

стр. 560

لقطات من مدينة قونية حيث ضريح منولانا جلال الدّين الرومي

стр. 561

باسمه فيقال لهم الجلاليّة، كما تعرف الأحمديّة «٥٤» بالعراق، والحيدريّة «٥٥» بخراسان، وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام للوارد والصادر «٥٦» . حكاية [الشيخ الشاعر] يذكر أنّه كان في ابتداء امره فقيها مدرّسا يجتمع اليه الطلبة بمدرسته بقونية فدخل يوما إلى المدرسة رجل يبيع الحلواء وعلى رأسه طبق منها، وهي مقطوعة قطعا، يبيع القطعة منها بفلس، فلمّا أتى مجلس التدريس، قال له الشيخ: هات طبقك! فأخذ الحلوانيّ قطعة منه وأعطاها للشيخ فأخذها الشيخ بيده وأكلها، فخرج الحلوانيّ ولم يطعم أحدا سوى الشيخ فخرج الشيخ في اتباعه، وترك التدريس «٥٧» ، فأبطأ على الطلبة، وطال انتظارهم ايّاه فخرجوا في طلبه، فلم يعرفوا له مستقرّا. ثمّ إنّه عاد إليهم بعد أعوام وتولّه وصار لا ينطق الّا بالشعر الفارسيّ المنغلق الذي لا يفهم، فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألّفوا منه كتابا سمّوه المثنوي «٥٨» ، وأهل تلك البلاد يعظّمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلّمونه ويقرءونه بزواياهم في ليالي الجمعات، وفي هذه المدينة أيضا قبر الفقيه أحمد الذي يذكر أنّه كان معلّم جلال الدين المذكور. ثمّ سافرنا إلى مدينة اللّارندة «٥٩» وهي بفتح الراء التي بعد الألف واللام واسكان النون وفتح الدال المهمل، مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين.

стр. 562

ذكر سلطان اللّارندة . وسلطانها الملك بدر الدين بن قرمان «٦٠» ، بفتح القاف والراء، وكانت قبله لشقيقه موسى فنزل عنها للملك الناصر وعوّضه عنها بعوض وبعث إليها أميرا وعسكرا «٦١» ثم تغلّب عليها السلطان بدر الدين وبنى بها دار مملكته واستقام أمره بها. ولقيت هذا السلطان خارج المدينة وهو عائد من تصيّده فنزلت له عن دابّتي فنزل هو عن دابّته وسلّمت عليه وأقبل عليّ، ومن عادة ملوك هذه البلاد أنه إذا نزل لهم الوارد عن دابته نزلوا له وأعجبهم فعله، وزادوا في إكرامه، وإن سلّم عليهم راكبا ساءهم ذلك ولم يرضهم ويكون سببا لحرمان الوارد! وقد جرى لي ذلك مع بعضهم، وسأذكره، ولمّا سلّمت عليه وركب سألني عن حالي وعن مقدمي ودخلت معه المدينة، فأمر بإنزالي أحسن نزل، وكان يبعث الطعام الكثير والفاكهة والحلواء في طيافير الفضّة، والشمع، وكسا، وأركب وأحسن، ولم يطل مقامنا عنده. وانصرفنا إلى مدينة أقصرا «٦٢» ، وضبطها بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الصاد المهمل والراء، وهي من أحسن بلاد الروم وأتقنها، تحفّ بها العيون الجارية والبساتين من كل ناحية، ويشقّ المدينة ثلاثة أنهار ويجري الماء بدورها، وفيها الأشجار ود والي العنب، وداخلها بساتين كثيرة، وتصنع بها البسط المنسوبة إليها من صوف الغنم لا مثل لها في بلد من البلاد «٦٣» ومنها تحمل إلى الشام ومصر والعراق والهند والصين وبلاد الأتراك.

стр. 563

وهذه المدينة في طاعة ملك العراق، ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن الأمير أرتنا، وأرتنا هو النائب عن ملك العراق فيما تغلّب عليه من بلاد الروم، وهذا الشريف من الفتيان وله طائفة كثيرة وأكرمنا اكراما متناهيا وفعل أفعال من تقدّمه. ثم رحلنا إلى مدينة نكدة «٦٤» ، وضبط اسمها بفتح النون واسكان الكاف ودال مهمل مفتوح، وهي من بلاد ملك العراق، مدينة كبيرة كثيرة العمارة قد تخرّب بعضها ويشقّها النهر المعروف بالنّهر الاسود، وهو من كبار الأنهار عليه ثلاث قناطير، إحداها بداخل المدينة وثنتان بخارجها، وعليه النواعير بالداخل والخارج منها تسقي البساتين. والفواكه بها كثيرة، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي جاروق، وهو الأمير بها فأكرمنا على عادة الفتيان، وأقمنا بها ثلاثا. وسرنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية «٦٥» وهي من بلاد صاحب العراق وهي إحدى المدن العظام بهذا الإقليم، بها عسكر أهل العراق، وإحدى خواتين الأمير علاء الدين أرتنا المذكور وهي من أكرم الخواتين وأفضلهنّ، ولها نسبة من ملك العراق وتدعى أغا «٦٦» ، بفتح الهمزة والغين المعجم، ومعنى أغا الكبير، وكلّ من بينه وبين السلطان نسبة يدعى بذلك، واسمها طغى خاتون، ودخلنا اليها فقامت لنا وأحسنت السلام والكلام، وأمرت بإحضار الطعام، فأكلنا ولمّا انصرفنا بعثت لنا بفرس مسرّج ملجم وخلعة ودراهم مع أحد غلمانها واعتذرت. ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى الأخي أمير عليّ، وهو أمير كبير من كبار الأخيّة بهذه البلاد، وله طائفة تتبعه من وجوه المدينة وكبرائها «٦٧» وزاويته من أحسن الزوايا فرشا وقناديل وطعاما كثيرا وإتقانا، والكبراء من أصحابه وغيرهم يجتمعون كل ليلة عنده ويفعلون في كرامة الوارد أضعاف ما يفعله سواهم.

стр. 564

مدينة القيسارية

стр. 565

ومن عوائد هذه البلاد أنّه ما كان منها ليس به سلطان فالأخي هو الحاكم به «٦٨» ، وهو يركب الوارد ويكسوه ويحسن إليه على قدره، وترتيبه في أمره ونهيه وركوبه ترتيب الملوك. ثمّ سافرنا إلى مدينة سيواس «٦٩» ، وضبط بكسر السين المهمل وياء مدّ وآخره سين مهمل، وهي من بلاد ملك العراق، وأعظم ماله بهذا الإقليم من البلاد، وبها منزل أمرائه وعمّاله، مدينة حسنة العمارة واسعة الشوارع، أسواقها غاصّة بالناس وبها دار مثل المدرسة تسمّى دار السيادة «٧٠» لا ينزلها الّا الشرفاء، ونقيبهم ساكن بها وتجرى لهم فيها مدّة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزوّدون إذا انصرفوا. ولمّا قدمنا إلى هذه المدينة خرج إلى لقائنا أصحاب الفتى أخي احمد بجقجي، وجق بالتّركية السكّين، وهذا منسوب إليه، والجيمان منه معقودان بينهما قاف، وباؤه مكسورة. وكانوا جماعة منهم الركبان والمشاة، ثم لقينا بعدهم أصحاب الفتى أخي جلبى، وهو من كبار الأخية، وطبقته أعلى من طبقة أخي بجقجي، فطلبوا أن ننزل عندهم فلم يمكن لي ذلك لسبق الأولين، ودخلنا المدينة معهم جميعا وهم يتفاخرون والذين سبقوا إلينا قد فرحوا أشدّ الفرح بنزولنا عندهم، ثم كان من صنيعهم في الطعام والحمّام والمبيت مثل صنيع من تقدّم وأقمنا عندهم ثلاثة في أحسن ضيافة ثم أتانا القاضي وجماعة من الطلبة ومعهم خيل الأمير علاء الدين أرتنا نائب ملك العراق ببلاد الروم فركبنا إليه واستقبلنا الأمير إلى دهليز داره فسلّم علينا ورحبّ، وكان فصيح اللسان بالعربية، وسألني عن العراقين وإصبهان وشيراز وكرمان «٧١» وعن السلطان أتابك وبلاد الشام ومصر وسلاطين التركمان، وكان مراده أن أشكر الكريم منهم وأذمّ البخيل فلم أفعل ذلك،! بل شكرت الجميع فسرّ بذلك منّي، وشكرني عليه ثم
следующие страницы →