Полный текст (1 410 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
باسمه فيقال لهم الجلاليّة، كما تعرف الأحمديّة «٥٤» بالعراق، والحيدريّة «٥٥» بخراسان، وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام للوارد والصادر «٥٦» .
حكاية [الشيخ الشاعر]
يذكر أنّه كان في ابتداء امره فقيها مدرّسا يجتمع اليه الطلبة بمدرسته بقونية فدخل يوما إلى المدرسة رجل يبيع الحلواء وعلى رأسه طبق منها، وهي مقطوعة قطعا، يبيع القطعة منها بفلس، فلمّا أتى مجلس التدريس، قال له الشيخ: هات طبقك! فأخذ الحلوانيّ قطعة منه وأعطاها للشيخ فأخذها الشيخ بيده وأكلها، فخرج الحلوانيّ ولم يطعم أحدا سوى الشيخ فخرج الشيخ في اتباعه، وترك التدريس «٥٧» ، فأبطأ على الطلبة، وطال انتظارهم ايّاه فخرجوا في طلبه، فلم يعرفوا له مستقرّا.
ثمّ إنّه عاد إليهم بعد أعوام وتولّه وصار لا ينطق الّا بالشعر الفارسيّ المنغلق الذي لا يفهم، فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألّفوا منه كتابا سمّوه المثنوي «٥٨» ، وأهل تلك البلاد يعظّمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلّمونه ويقرءونه بزواياهم في ليالي الجمعات، وفي هذه المدينة أيضا قبر الفقيه أحمد الذي يذكر أنّه كان معلّم جلال الدين المذكور.
ثمّ سافرنا إلى مدينة اللّارندة «٥٩» وهي بفتح الراء التي بعد الألف واللام واسكان النون وفتح الدال المهمل، مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين.
стр. 562
ذكر سلطان اللّارندة .
وسلطانها الملك بدر الدين بن قرمان «٦٠» ، بفتح القاف والراء، وكانت قبله لشقيقه موسى فنزل عنها للملك الناصر وعوّضه عنها بعوض وبعث إليها أميرا وعسكرا «٦١» ثم تغلّب عليها السلطان بدر الدين وبنى بها دار مملكته واستقام أمره بها.
ولقيت هذا السلطان خارج المدينة وهو عائد من تصيّده فنزلت له عن دابّتي فنزل هو عن دابّته وسلّمت عليه وأقبل عليّ، ومن عادة ملوك هذه البلاد أنه إذا نزل لهم الوارد عن دابته نزلوا له وأعجبهم فعله، وزادوا في إكرامه، وإن سلّم عليهم راكبا ساءهم ذلك ولم يرضهم ويكون سببا لحرمان الوارد! وقد جرى لي ذلك مع بعضهم، وسأذكره، ولمّا سلّمت عليه وركب سألني عن حالي وعن مقدمي ودخلت معه المدينة، فأمر بإنزالي أحسن نزل، وكان يبعث الطعام الكثير والفاكهة والحلواء في طيافير الفضّة، والشمع، وكسا، وأركب وأحسن، ولم يطل مقامنا عنده.
وانصرفنا إلى مدينة أقصرا «٦٢» ، وضبطها بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الصاد المهمل والراء، وهي من أحسن بلاد الروم وأتقنها، تحفّ بها العيون الجارية والبساتين من كل ناحية، ويشقّ المدينة ثلاثة أنهار ويجري الماء بدورها، وفيها الأشجار ود والي العنب، وداخلها بساتين كثيرة، وتصنع بها البسط المنسوبة إليها من صوف الغنم لا مثل لها في بلد من البلاد «٦٣» ومنها تحمل إلى الشام ومصر والعراق والهند والصين وبلاد الأتراك.
стр. 563
وهذه المدينة في طاعة ملك العراق، ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن الأمير أرتنا، وأرتنا هو النائب عن ملك العراق فيما تغلّب عليه من بلاد الروم، وهذا الشريف من الفتيان وله طائفة كثيرة وأكرمنا اكراما متناهيا وفعل أفعال من تقدّمه.
ثم رحلنا إلى مدينة نكدة «٦٤» ، وضبط اسمها بفتح النون واسكان الكاف ودال مهمل مفتوح، وهي من بلاد ملك العراق، مدينة كبيرة كثيرة العمارة قد تخرّب بعضها ويشقّها النهر المعروف بالنّهر الاسود، وهو من كبار الأنهار عليه ثلاث قناطير، إحداها بداخل المدينة وثنتان بخارجها، وعليه النواعير بالداخل والخارج منها تسقي البساتين. والفواكه بها كثيرة، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي جاروق، وهو الأمير بها فأكرمنا على عادة الفتيان، وأقمنا بها ثلاثا.
وسرنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية «٦٥» وهي من بلاد صاحب العراق وهي إحدى المدن العظام بهذا الإقليم، بها عسكر أهل العراق، وإحدى خواتين الأمير علاء الدين أرتنا المذكور وهي من أكرم الخواتين وأفضلهنّ، ولها نسبة من ملك العراق وتدعى أغا «٦٦» ، بفتح الهمزة والغين المعجم، ومعنى أغا الكبير، وكلّ من بينه وبين السلطان نسبة يدعى بذلك، واسمها طغى خاتون، ودخلنا اليها فقامت لنا وأحسنت السلام والكلام، وأمرت بإحضار الطعام، فأكلنا ولمّا انصرفنا بعثت لنا بفرس مسرّج ملجم وخلعة ودراهم مع أحد غلمانها واعتذرت.
ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى الأخي أمير عليّ، وهو أمير كبير من كبار الأخيّة بهذه البلاد، وله طائفة تتبعه من وجوه المدينة وكبرائها «٦٧» وزاويته من أحسن الزوايا فرشا وقناديل وطعاما كثيرا وإتقانا، والكبراء من أصحابه وغيرهم يجتمعون كل ليلة عنده ويفعلون في كرامة الوارد أضعاف ما يفعله سواهم.
стр. 564
مدينة القيسارية
стр. 565
ومن عوائد هذه البلاد أنّه ما كان منها ليس به سلطان فالأخي هو الحاكم به «٦٨» ، وهو يركب الوارد ويكسوه ويحسن إليه على قدره، وترتيبه في أمره ونهيه وركوبه ترتيب الملوك.
ثمّ سافرنا إلى مدينة سيواس «٦٩» ، وضبط بكسر السين المهمل وياء مدّ وآخره سين مهمل، وهي من بلاد ملك العراق، وأعظم ماله بهذا الإقليم من البلاد، وبها منزل أمرائه وعمّاله، مدينة حسنة العمارة واسعة الشوارع، أسواقها غاصّة بالناس وبها دار مثل المدرسة تسمّى دار السيادة «٧٠» لا ينزلها الّا الشرفاء، ونقيبهم ساكن بها وتجرى لهم فيها مدّة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزوّدون إذا انصرفوا.
ولمّا قدمنا إلى هذه المدينة خرج إلى لقائنا أصحاب الفتى أخي احمد بجقجي، وجق بالتّركية السكّين، وهذا منسوب إليه، والجيمان منه معقودان بينهما قاف، وباؤه مكسورة.
وكانوا جماعة منهم الركبان والمشاة، ثم لقينا بعدهم أصحاب الفتى أخي جلبى، وهو من كبار الأخية، وطبقته أعلى من طبقة أخي بجقجي، فطلبوا أن ننزل عندهم فلم يمكن لي ذلك لسبق الأولين، ودخلنا المدينة معهم جميعا وهم يتفاخرون والذين سبقوا إلينا قد فرحوا أشدّ الفرح بنزولنا عندهم، ثم كان من صنيعهم في الطعام والحمّام والمبيت مثل صنيع من تقدّم وأقمنا عندهم ثلاثة في أحسن ضيافة ثم أتانا القاضي وجماعة من الطلبة ومعهم خيل الأمير علاء الدين أرتنا نائب ملك العراق ببلاد الروم فركبنا إليه واستقبلنا الأمير إلى دهليز داره فسلّم علينا ورحبّ، وكان فصيح اللسان بالعربية، وسألني عن العراقين وإصبهان وشيراز وكرمان «٧١» وعن السلطان أتابك وبلاد الشام ومصر وسلاطين التركمان، وكان مراده أن أشكر الكريم منهم وأذمّ البخيل فلم أفعل ذلك،! بل شكرت الجميع فسرّ بذلك منّي، وشكرني عليه ثم
стр. 566
مدينة سيواس
стр. 567
أحضر الطعام فأكلنا وقال: تكونون في ضيافتي، فقال له الفتى أخي جلبى، إنّهم لم ينزلوا بعد بزاويتي، فليكونوا عندي وضيافتك تصلهم، فقال: افعل، فانتقلنا إلى زاويته وأقمنا بها ستّا في ضيافته وفي ضيافة الأمير، ثم بعث الامير بفرس وكسوة ودراهم، وكتب لنوّابه بالبلاد أن يضيفونا ويكرّمونا ويزوّدونا.
وسافرنا إلى مدينة أماصبية، «٧٢» وضبط اسمها بفتح الهمزة والميم والف وصاد مهمل مكسور وياء آخر الحروف مفتوحة، مدينة كبيرة حسنة ذات أنهار وبساتين وأشجار وفواكه كثيرة وعلى أنهارها النواعير تسقى جنّاتها ودورها، وهي فسيحة الشوارع والأسواق، وملكها لصاحب العراق، وبقرب منها بلدة سونسى «٧٣» ، وضبط اسمها بضم السين المهمل وواو مدّ ونون مضموم وسين مهمل مفتوح، وهي لصاحب العراق أيضا، وبها سكنى أولاد وليّ الله تعالى أبي العبّاس أحمد الرفاعي، منهم الشيخ عزّ الدين، وهو الآن شيخ الرواق، وصاحب سجّادة الرفاعي، واخوته الشيخ عليّ والشيخ ابراهيم والشيخ يحيى أولاد الشيخ أحمد كوجك، ومعناه الصغير، ابن تاج الدين الرفاعي «٧٤» ونزلنا بزاويتهم، ورأينا لهم الفضل على من سواهم.
ثم سافرنا إلى مدينة كمش «٧٥» وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم، وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة عامرة يأتيها التجار من العراق والشام، وبها معادن الفضّة، وعلى مسيرة يومين منها جبال شامخة «٧٦» وعرة لم أصل إليها، ونزلنا منها بزاوية الأخي مجد الدين، وأقمنا بها ثلاثا في ضيافته، وفعل أفعال من قبله، وجاء إلينا نائب الامير أرتنا وبعث بضيافة وزاد.
стр. 568
الجسر والقلعة- مدينة أماصية
стр. 569
وانصرفنا عن تلك البلاد فوصلنا إلى أرزنجان «٧٧» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة واسكان الراء وفتح الزاي وسكون النون وجيم وألف ونون، وهي من بلاد صاحب العراق مدينة كبيرة عامرة وأكثر سكّانها الأرمن «٧٨» والمسلمون يتكلّمون بها بالتركية، ولها أسواق حسنة الترتيب ويصنع بها ثياب حسان تنسب إليها، وفيها معادن النحاس ويصنعون منه الأواني والبياسيس التي ذكرناها، وهي شبه المنار عندنا، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي نظام الدين، وهي من أحسن الزوايا وهو ايضا من خيار الفتيان وكبارهم أضافنا أحسن ضيافة.
وانصرفنا إلى مدينة أرز الروم «٧٩» ، وهي من بلاد ملك العراق كبيرة الساحة خرب أكثرها بسبب فتنة وقعت بين طائفتين من التركمان بها، ويشقّها ثلاثة أنهار، وفي أكثر دورها بساتين فيها الأشجار والدّوالي، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخى طومان وهو كبير السّن يقال: إنه أناف على مائة وثلاثين سنة، ورأيته يتصرّف على قدميه متوكئا على عصا، ثابت الذهن مواظبا للصلاة في أوقاتها. لم ينكر من نفسه شيئا، إلا أنّه لا يستطيع الصوم، خدمنا بنفسه في الطعام، وخدمنا أولاده في الحمّام، وأردنا الانصراف عنه ثاني يوم نزولنا فشقّ عليه ذلك وأبى منه، وقال: إن فعلتم نقصتم حرمتي، وانّما اقلّ الضيافة ثلاث، فأقمنا لديه ثلاثة.
ثم انصرفنا إلى مدينة برگي «٨٠» وضبط اسمها بباء موحدة مكسورة وكاف معقود مكسور بينهما راء مسكن، ووصلنا إليها بعد العصر فلقينا رجلا من أهلها فسألناه عن زاوية الأخي بها، فقال أنا أدلكم عليها فاتّبعناه فذهب بنا إلى منزل نفسه في بستان له، فأنزلنا
стр. 570
بأعلى سطح بيته والأشجار مظلّلة له وذلك أوان الحرّ الشديد، وأتى الينا بأنواع الفاكهة، واحسن في ضيافته وعلّف دوابنا، وبتنا عنده تلك الليلة، وكنّا قد تعرّفنا أن بهذه المدينة مدرّسا فاضلا يسمّى بمحي الدين، فأتى بنا ذلك الرجل الذي بتنا عنده وكان من الطلبة إلى المدرسة، وإذا بالمدرّس قد أقبل راكبا على بغلة فارهة، ومماليكه وخدّامه عن جانبيه، والطلبة بين يديه وعليه ثياب مفرّجة حسان مطرّزة بالذهب فسلّمنا عليه فرحّب بنا وأحسن السلام والكلام وأمسك بيدي وأجلسني إلى جانبه، ثم جاء القاضي عزّ الدين فرشتى، ومعنى فرشتى الملك، لقّب بذلك لدينه وعفافه وفضله، فقعد عن يمين المدرّس وأخذ في تدريس العلوم الأصليّة والفرعيّة ثم لمّا فرغ من ذلك أتى دويرة بالمدرسة فأمر بفرشها وأنزلني فيها وبعث ضيافة حافلة ثم وجّه عني بعد المغرب فمضيت إليه فوجدته في مجلس ببستان له وهنالك صهريج ماء ينحدر اليه الماء من خصّة رخام أبيض يدور بها القاشانيّ، وبين يديه جملة من الطلبة، ومماليكه وخدّامه وقوف عن جانبيه وهو قاعد على مرتبة عليها أنطاع منقوشة حسنة فخلته لمّا شاهدته ملكا من الملوك، فقام إليّ واستقبلني وأخذ بيدي واجلسني إلى جانبه على مرتبته وأتي بالطعام فاكلنا وانصرفنا إلى المدرسة.
وذكر لي بعض الطلبة أنّ جميع من حضر تلك الليلة من الطلبة عند المدرّس، فعادتهم الحضور لطعامه كلّ ليلة، وكتب هذا المدرّس إلى السلطان بخبرنا وأثنى في كتابه، والسلطان في جبل هنالك يصيّف فيه لاجل شدّة الحرّ وذلك الجبل بارد وعادته أن يصيّف فيه «٨١» .
ذكر سلطان برگي
وهو السلطان محمّد بن ايدين «٨٢» ، من خيار السلاطين، وكرمائهم وفضلائهم ولمّا بعث إليه المدرّس يعلّمه بخبري وجّه نائبه إليّ لآتيه، فأشار عليّ المدرّس أن أقيم حتّى يبعث عنّي ثانية، وكان المدرّس إذ ذاك قد خرجت برجله قرحة لا يستطيع الركوب بسببها وانقطع عن المدرسة، ثمّ إن السلطان بعث في طلبي ثانية فشقّ ذلك على المدرّس، فقال: أنا لا أستطيع الركوب ومن غرضي التوجّه معك لأقرر لدى السلطان ما يجب لك، ثم إنّه تحامل ولفّ على رجله خرقا وركب ولم يضع رجله في الركاب، وركبت أنا وأصحابي وصعدنا إلى الجبل في طريق قد نحتت وسوّيت فوصلنا إلى موضع السلطان عند الزوال، فنزلنا على نهر ماء تحت ظلال شجر الجوز، وصادفنا السلطان في قلق وشغل بال بسبب فرار ابنه الأصغر
стр. 571
المكيفات أيام زمان!
стр. 572
سليمان «٨٣» عنه إلى صهره السلطان أرخان بك، فلمّا بلغه خبر وصولنا بعث إلينا ولديه خضربك وعمربك، «٨٤» فسلّما على الفقيه، وأمرهما بالسلام عليّ ففعلا ذلك وسألاني عن حالي ومقدمي، وانصرفا وبعث إليّ ببيت يسمّى عندهم الخرقة «٨٥» وهو عصيّ من الخشب تجمع شبه القبّة، وتجعل عليها اللبود ويفتح أعلاه لدخول الضوء والريح مثل البادهنج، ويسد متى أحتيج إلى سدّه، وأتوا بالفرش ففرشوه، وقعد الفقيه وقعدت معه وأصحابه وأصحابي خارج البيت تحت ظلال شجر الجوز، وذلك الموضع شديد البرد، ومات لي تلك الليلة فرس من شدّة البرد! ولمّا كان من الغد ركب المدرّس إلى السلطان وتكلّم في شأني بما اقتضته فضائله، ثم عاد إليّ وأعلمني بذلك، وبعد ساعة وجه السلطان في طلبنا معا فجئنا إلى منزله ووجدناه قائما فسلّمنا عليه، وقعد الفقيه عن يمينه وأنا ممّا يلي الفقيه فسألني عن حالي ومقدمي وسألني عن الحجاز ومصر والشام واليمن والعراقين وبلاد الأعاجم، ثم حضر الطعام فأكلنا وانصرفنا وبعث الأرز والدقيق والسمن في كروش الأغنام، وكذلك فعل الترك، وأقمنا على تلك الحال أيّاما يبعث عنّا في كلّ يوم فنحضر طعامه، وأتى يوما إلينا بعد الظهر وقعد الفقيه في صدر المجلس وأنا عن يساره وقعد السلطان عن يمين الفقيه وذلك لعزّة الفقهاء عند الترك، وطلب منّي أن أكتب له أحاديث من حديث رسول الله ﷺ «٨٦» فكتبتها له وعرضها الفقيه عليه في تلك الساعة، فأمره أن يكتب له شرحها باللّسان التركيّ، ثم قام فخرج ورأى الخدّام يطبخون لنا الطعام تحت ظلال الجوز بغير أبزار ولا خضر، فأمر بعقاب صاحب خزانته وبعث بالإبزار والسمن.
وطالت إقامتنا بذلك الجبل فأدركني الملل، وأردت الانصراف وكان الفقيه أيضا قد ملّ من المقام هنالك فبعث إلى السلطان يخبره أني أريد السفر، فلمّا كان من الغد، بعث السلطان نائبه فتكلم مع المدرّس بالتركيّة، ولم أكن إذ ذاك أفهمها، فأجابه عن كلامه
стр. 573
وانصرف فقال لي المدرّس: أتدري ماذا قال؟ قلت: لا أعرف ما قال، قال: إن السلطان بعث إليّ ليسئلني: ماذا يعطيك؟ فقلت له؟ عنده الذهب والفضّة والخيل والعبيد فليعطيه ما أحبّ من ذلك، فذهب إلى السلطان ثم عاد إلينا فقال: إن السلطان يأمر أن تقيما هنا اليوم وتنزلا معه غدا إلى داره بالمدينة.
فلمّا كان من الغد بعث فرسا جيّدا من مراكبه، ونزل ونحن معه إلى المدينة فخرج الناس لاستقباله، وفيهم القاضي المذكور آنفا وسواه ودخل السلطان ونحن معه فلمّا نزل بباب داره ذهب مع المدرّس إلى ناحية المدرسة، فدعا بنا وأمرنا بالدخول معه إلى داره فلمّا وصلنا إلى دهليز الدّار وجدنا من خدّامه نحو عشرين، صورهم فائقة الحسن، وعليهم ثياب الحرير، وشعورهم مفروقة مرسلة، وألوانهم ساطعة البياض مشربة بحمرة، فقلت للفقيه: ما هذه الصور الحسان؟ فقال: هؤلاء فتيان روميون، وصعدنا مع السلطان درجا كثيرة إلى أن انتهينا إلى مجلس حسن في وسطه صهريج ماء وعلى كلّ ركن من أركانه صورة سبع من نحاس يمجّ الماء من فيه، وتدور بهذا المجلس مصاطب متّصلة مفروشة، وفوق إحداها مرتبة السلطان، فلمّا انتهينا اليها نحّى السلطان مرتبته بيده، وقعد معنا على الأنطاع وقعد الفقيه عن يمينه، والقاضي ممّا يلي الفقيه وأنا ممّا يلي القاضي، وقعد القرّاء أسفل المصطبة والقرّاء لا يفارقونه حيث كان من مجالسه ثم جاءوا بصحاف من الذهب والفضّة مملوّة بالجلّاب المحلول، قد عصر فيه ماء الليمون وجعل فيه كعكات صغار مقسومة، وفيها ملاعق ذهب وفضّة، وجاءوا معها بصحاف فيها مثل ذلك، وفيها ملاعق خشب فمن تورّع استعمل صحاف الصينيّ وملاعق الخشب، وتكلّمت بشكر السلطان، وأثنيت على الفقيه وبالغت في ذلك فاعجب ذلك السلطان وسرّه.
حكاية [الطبيب اليهودي]
وفي أثناء قعودنا مع السلطان أتى شيخ على رأسه عمامة لها ذؤابة فسلّم عليه، وقام له القاضي والفقيه وقعد أمام السلطان فوق المصطبة والقراء أسفل منه فقلت للفقيه: من هذا الشيخ؟ فضحك وسكت، ثم أعدت السؤال، فقال لي: هذا يهوديّ طبيب، وكلّنا محتاج اليه!
стр. 574
فلأجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له، فأخذني ما حدث وقدم من الامتعاض «٨٧» ، فقلت لليهوديّ: يا ملعون بن ملعون، كيف تجلس فوق قرّاء القرآن وانت يهوديّ؟ وشتمته، ورفعت صوتي فعجب السلطان، وسأل عن معنى كلامي فاخبره الفقيه به، وغضب اليهوديّ فخرج عن المجلس في أسوأ حال، ولمّا انصرفنا قال لي الفقيه: أحسنت بارك الله فيك إن أحدا سواك لا يتجاسر عن مخاطبته بذلك ولقد عرّفته بنفسه!
حكاية أخرى [الحجر النازل من السماء]
وسألني السلطان في هذا المجلس، فقال لي: هل رأيت قطّ حجرا نزل من السماء؟
فقلت: ما رأيت ذلك ولا سمعت به. فقال لي: إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من السماء، ثم دعا رجالا وأمرهم أن يأتوا بالحجر فاتوا بحجر أسود أصمّ شديد الصّلابة له بريق، قدّرت أنّ زنته تبلغ قنطارا وأمر السلطان باحضار القطّاعين فحضر أربعة منهم، فأمرهم أن يضربوه فضربوا عليه ضربة رجل واحد أربع مرّات بمطارق الحديد فلم يؤثّروا فيه شيئا، فعجبت من أمره وأمر بردّه إلى حيث كان.
وفي ثالث يوم من دخولنا إلى المدينة مع السلطان صنع صنيعا عظيما ودعا الفقهاء والمشايخ واعيان العسكر ووجوه أهل المدينة فطعموا وقرأ القرّاء القرآن، بالأصوات الحسان، وعدنا إلى منزلنا بالمدرسة وكان يوجّه الطعام والفاكهة، والحلواء والشّمع في كلّ ليلة، ثم بعث إليّ مائة مثقال ذهبا والف درهم وكسوة كاملة وفرسا ومملوكا روميا يسمّى ميخائيل، وبعث لكلّ من أصحابي كسوة ودراهم، كلّ هذا بمشاركة المدرّس محيي الدّين جزاه الله تعالى خيرا، وودّعنا وانصرفنا وكانت مدّة مقامنا عنده بالجبل والمدينة أربعة عشر يوما.
стр. 575
ثم قصدنا مدينة تيرة «٨٨» وهي من بلاد هذا السلطان، وضبط اسمها بكسر التاء المعلوّة وياء مدّ وراء، مدينة حسنة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي محمّد، وهو من كبار الصالحين صائم الدهر، وله أصحاب على طريقته فأضافنا ودعا لنا، وسرنا إلى مدينة أيا سلوق «٨٩» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة والياء آخر الحروف وسين مهمل مضموم ولام مضموم وآخره قاف، مدينة كبيرة قديمة معظّمة عند الروم وفيها كنيسة كبيرة مبنيّة بالحجارة الضخمة، ويكون طول الحجر منها عشر أذرع فما دونها منحوتة أبدع نحت والمسجد الجامع بهذه المدينة من أبدع مساجد الدنيا لا نظير له في الحسن، وكان كنيسة للروم ومعظّمة عندهم يقصدونها من البلاد، فلمّا فتحت هذه المدينة جعلها المسلمون مسجدا جامعا «٩٠» ، وحيطانه من الرخام الملوّن وفرشه الرخام الابيض وهو مسقّف بالرصاص وفيه إحدى عشرة قبّة منوّعة، وفي وسط كل قبّة صهريج ماء، والنهر يشقّه «٩١» ، وعن جانبي النهر الأشجار المختلفة الأجناس ودوالي العنب ومعرّشات الياسمين، وله خمسة عشر بابا، وأمير هذه المدينة خضر بك بن السلطان محمد بن ايدين، وقد كنت رايته عند أبيه ببركي، ثم لقيته بهذه المدينة خارجها فسلّمت عليه وأنا راكب، فكره ذلك منّي، وكان سبب حرماني لديه، فإنّ عادتهم إذا نزل لهم الوارد نزلوا له وأعجبهم ذلك، ولم يبعث إليّ ثوبا واحدا من الحرير المذهّب يسمّونه النّخ «٩٢» ، بفتح النون وخاء معجم، واشتريت بهذه المدينة جارية روميّة بكرا بأربعين دينارا ذهبا.
ثم «٩٣» سرنا إلى مدينة يزمير «٩٤» ، وضبط اسمها بياء آخر الحروف مفتوحة وزاي مسكّن وميم مكسورة وياء مدّ وراء، مدينة كبيرة على ساحل البحر معظمها خراب، ولها قلعة
стр. 576
جامع أياسلوق
стр. 577
متّصلة بأعلاها نزلنا منها بزاوية الشيخ يعقوب، وهو من الاحمديّة صالح فاضل، ولقينا بخارجها الشيخ عزّ الدين بن أحمد الرفاعيّ ومعه: زاده الأخلاطيّ، من كبار المشايخ، ومعه مائة فقير من المولّهين، وقد ضرب لهم الأمير الأخبية وصنع لهم الشيخ يعقوب ضيافة وحضرتها، واجتمعت بهم، وأمير هذه المدينة عمر بك بن السلطان محمّد بن آيدين المذكور آنفا، وسكناه بقلعتها، وكان حين قدومنا عند أبيه، ثم قدم بعد خمس من نزولنا بها فكان من مكارمه أن أتى إليّ بالزاوية فسلّم عليّ واعتذر، وبعث ضيافة عظيمة وأعطاني بعد ذلك مملوكا روميّا خماسيّا اسمه نقوله، وثوبين من الكمخا «٩٥» وهي ثياب حرير تصنع ببغداد وتبريز وبنيسابور وبالصين وذكر لي الفقيه الذي يؤمّ به أنّ الامير لم يبق له مملوك سوى ذلك المملوك الذي أعطاني بسبب كرمه ﵀، وأعطى أيضا للشيخ عزّ الدين ثلاثة أفراس مجهّزة وآنية فضّة كبيرة تسمّى عندهم المشربة مملوّة دراهم، وثيابا من الملفّ والمرعزّ والقدسيّ «٩٦» ، والكمخا وجواري وغلمانا.
وكان هذا الأمير كريما صالحا كثير الجهاد «٩٧» ، وله أجفان غزويّة يضرب بها على نواحي القسطنطينية العظمى فيسبي ويغنم ويفني ذلك كرما وجودا، ثمّ يعود إلى الجهاد إلى أن اشتدّت على الروم وطأته فرفعوا أمرهم إلى البابه، فأمر نصارى جنوه وافرانسه بغزوه فغزوه وجهّز جيشا من رومه وطرقوا مدينته ليلا في عدد كثير من الأجفان وملكوا المرسى والمدينة، ونزل إليهم الأمير عمر من القلعة فقاتلهم، فاستشهد هو وجماعة من ناسه «٩٨» ، واستقرّ النّصاري بالبلد ولم يقدروا على القلعة لمنعتها.
стр. 578
مدينة يزمير
стр. 579
ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة مغنيسيّة «٩٩» وضبط اسمها بميم مفتوحة وغين معجمة مسكنة ونون مكسورة وياء مدّ وسين مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مشدّده، نزلنا بها عشيّ يوم عرفة «١٠٠» بزاوية رجل من الفتيان وهي مدينة كبيرة حسنة في سفح جبل وبسيطها كثير الأنهار والعيون والبساتين والفواكه.
ذكر سلطان مغنيسيّة
وسلطانها يسمى صاروخان «١٠١» ، ولمّا وصلنا إلى هذه البلدة وجدناه بتربة ولده، وكان قد توفّى منذ أشهر فكان هو وأم الولد ليلة العيد «١٠٢» وصبيحتها بتربته، والولد قد صبّر وجعل في تابوت خشب مغشى بالحديد المقزدر وعلّق في قبّة لا سقف لها «١٠٣» لأن تذهب رائحته، وحينئذ تسقّف القبّة ويجعل تابوته ظاهرا على وجه الارض، وتجعل ثيابه عليه، وهكذا رأيت غيره أيضا من الملوك فعل. وسلّمنا عليه بذلك الموضع وصلّينا معه صلاة العيد، وعدنا إلى الزاوية فأخذ الغلام الذي كان لي أفراسنا وتوجّه مع غلام لبعض الأصحاب برسم سقيها، فأبطأ، ثم لمّا كان العشيّ لم يظهر لهما أثر، وكان بهذه المدينة الفقيه المدرّس الفاضل مصلح الدين، فركب معي إلى السلطان وأعلمناه بذلك فبعث في طلبهما فلم يوجدا واشتغل الناس في عيدهم وقصدا مدينة للكفار على ساحل البحر تسمّى فوجة «١٠٤» على مسيرة يوم من مغنيسيّة، وهؤلاء الكفار في بلد حصين، وهم يبعثون هديّة في كلّ سنة إلى سلطان مغنيسيّة فيقنع منهم بها لحصانة بلدهم، فلمّا كان بعد الظهر أتى بهما بعض الأتراك وبالأفراس وذكروا أنّهما اجتازا بهم عشيّة النهار، فانكروا أمرهما واشتدّوا عليهما حتى أقرّا بما عزما عليه من الفرار!
стр. 580
مدينة برصى
стр. 581
ثمّ سافرنا من مغنيسيّة وبتنا ليلة عند قوم من التركمان قد نزلوا في مرعى لهم ولم نجد عندهم ما نعلف دوابّنا تلك الليلة، وبات أصحابنا يحترسون مداولة بينهم خوف السرقة، فأتت نوبة الفقيه عفيف الدين التّوزري فسمعته يقرأ سورة البقرة «١٠٥» ، فقلت له: إذا أردت النوم فأعلمني لأنظر من يحترس ثم نمت فما أيقظني الّا الصباح، وقد ذهب السرّاق بفرس لي كان يركبه عفيف الدين بسرجه ولجامه وكان من جياد الخيل اشتريته بأيا سلوق.
ثم رحلنا من الغد فوصلنا إلى مدينة برغمة «١٠٦» ، وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة وراء مسكنة وغين معجمة مفتوحة وميم مفتوحة، مدينة خربة لها قلعة عظيمة منيعة بأعلى جبل، ويقال: إن أفلاطون الحكيم من أهل هذه المدينة وداره تشتهر باسمه إلى الآن «١٠٧» ، ونزلنا منها بزاوية فقير من الأحمديّة، ثمّ جاء أحد كبراء المدينة فنقلنا إلى داره وأكرمنا إكراما كثيرا.
ذكر سلطان برغمة
وسلطانها يسمّى يخشي خان «١٠٨» ، بكسر الشين، وخان عندهم هم السلطان، ويخشي بياء آخر الحروف وخاء معجم وشين معجم مكسور، ومعناه: جيّد، صادفناه في مصيف له فأعلم بقدومنا فبعث بضيافة وثوب قدسيّ، ثم اكترينا من يدلّنا على الطريق وسرنا في جبال شامخة وعرة إلى أن وصلنا إلى مدينة بلي كسري «١٠٩» ، وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة ولام مكسور وياء مدّ وكاف مفتوح وسين مهمل مسكن وراء مكسور وياء، مدينة حسنة كثيرة العمارة مليحة الأسواق، ولا جامع لها يجمّع فيه، وأرادوا بناء جامع خارجها متّصل بها فبنوا حيطانه ولم يجعلوا له سقفا وصاروا يصلّون به ويجمّعون تحت ظلال الأشجار ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى أخي سنان وهو من أفاضلهم وأتى إلينا قاضيها وخطيبها الفقيه موسى.
стр. 582
ذكر سلطان بلي كسري
ويسمى دمور خان «١١٠» ، ولا خير فيه، وأبوه هو الذي بنى هذه المدينة وكثرت عمارتها بمن لا خير في مدّة ابنه هذا، والنّاس على دين الملك، ورأيته، وبعث إليّ ثوب حرير، واشتريت بهذه المدينة جارية رومية تسمّى مرغليطة.
ثم سرنا إلى مدينة برصى «١١١» ، وضبط اسمها بضم الباء الموحدة واسكان الراء وفتح الصاد المهمل، مدينة كبيرة عظيمة حسنة الأسواق فسيحة الشوارع تحفّها البساتين من جميع جهاتها والعيون الجارية، وبخارجها نهر ماء شديد «١١٢» الحرارة يصبّ في بركة عظيمة، وقد بنى عليها بيتان: أحدهما للرجال والآخر للنساء، والمرضى يستشفون بهذه الحمّة ويأتون اليها من أقاصي البلاد.
وهنالك زاوية للواردين ينزلون بها ويطعمون مدّة مقامهم وهي ثلاثة أيام، عمّر هذه الزاوية أحد ملوك التركمان، ونزلنا في هذه المدينة بزاوية الفتى أخي شمس الدين «١١٣» من كبار الفتيان، ووافقنا عنده يوم عاشوراء «١١٤» فصنع طعاما كثيرا ودعا وجوه العسكر وأهل المدينة ليلا وأفطروا عنده، وقرأ القرّاء بالأصوات الحسنة، وحضر الفقيه الواعظ مجد الدين القونويّ. ووعظ وذكّر وأحسن، ثم أخذوا في السماع والرقص وكانت ليلة عظيمة الشأن، وهذا الواعظ من الصالحين يصوم الدهر ولا يفطر إلّا في كلّ ثلاثة أيّام ولا يأكل إلا من كدّ يمينه ويقال: إنّه لم يأكل طعام احد قطّ ولا منزل له ولا متاع إلا ما يستتر به ولا ينام إلا في المقبرة، ويعظ في المجالس ويذكّر، فيتوب على يديه في كلّ مجلس الجماعة من الناس، وطلبته بعد هذه الليلة فلم أجده، وأتيت الجبّانة فلم أجده، ويقال: إنّه ياتيها بعد هجوع الناس.
стр. 583
حكاية [الفقير الصيّاح]
لمّا حضرنا ليلة عاشوراء بزاوية شمس الدين وعظ بها مجد الدين من آخر الليل فصاح أحد الفقراء صيحة غشى عليه منها، فصبّوا عليه ماء الورد فلم يفق، فأعادوا عليه ذلك فلم يفق واختلف الناس فيه، فمن قائل: إنّه ميّت، ومن قائل: إنّه مغشي عليه، وأتم الواعظ كلامه وقرأ القراء وصلّينا الصبح وطلعت الشمس، فأختبروا حال الرجل فوجدوه فارق الدنيا، ﵀، فاشتغلوا بغسله وتكفينه، وكنت فيمن حضر الصلاة عليه ودفنه.
وكان هذا الفقير يسمى الصيّاح وذكروا إنه كان يتعبّد بغار هنالك في جبل فمتى علم أن الواعظ مجد الدين يعظ قصده وحضر وعظه، ولم يأكل طعام أحد فإذا وعظ مجد الدين يصيح ويغشى عليه، ثم يفيق فيتوضأ ويصلّي ركعتين، ثم إذا سمع الواعظ صاح، يفعل ذلك مرارا في الليلة ويسمّى الصيّاح لأجل ذلك وكان أعذر اليد والرجل، لا قدرة له على الخدمة، وكانت له والدة تقوته من غزلها فلمّا توفيّت اقتات بنبات الأرض.
ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح عبد الله المصريّ السايح وهو من الصالحين، جال الأرض إلّا أنّه لم يدخل الصين ولا جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان، وقد زدّت عليه بدخول هذه الأقاليم!
ذكر سلطان برصى [الملك الثاني في الامبراطورية العثمانية]
وسلطانها اختيار الدين أرخان بك، وأرخان بضمّ الهمزة وخاء معجم، ابن السلطان عثمان جوق، وجوق بجيم معقود مضموم وآخره قاف، وتفسيره بالتركية الصغير «١١٥» ، وهذا السلطان، أكبر ملوك التركمان، وأكثرهم مالا وبلادا وعسكرا، له من الحصون ما يقارب مائة حصن، وهو في أكثر أوقاته لا يزال يطوف عليها ويقيم بكلّ حصن منها أيّاما لإصلاح شؤونه وتفقّد حاله، ويقال: إنه لم يقم قطّ شهرا كاملا ببلد، ويقاتل الكفار ويحاصرهم، ووالده
стр. 584
هو الذي استفتح مدينة برصى من أيدي الروم وقبره بمسجدها، وكان مسجدها كنيسة للنصارى «١١٦» .
ويذكر (١١٦) أنه حاصر مدينة يزنيك نحو عشرين سنة ومات قبل فتحها فحاصرها ولده، هذا الذي ذكرناه ثنتى عشر سنة وافتتحها «١١٧» ، وبها كان لقاءى له «١١٨» وبعث إليّ بدراهم كثيرة.
ثم سافرنا إلى مدينة يزنيك، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وكسر النون وياء مدّ وكاف، وبتنا قبل الوصول إليها ليلة بقرية تدعى كرله «١١٩» بزاوية فتى من الأخية، ثم سرنا من هذه القرية يوما كاملا في أنهار ماء على جوانبها أشجار الرمّان الحلو والحامض، ثم وصلنا إلى بحيرة ماء تنبت القصب على ثمانية أميال من يزنيك لا يستطاع دخولها الا على طريق واحد مثل الجسر لا يسلك عليها إلا فارس واحد «١٢٠» ، وبذلك امتنعت هذه المدينة.
والبحيرة محيطة بها من جميع الجهات وهي خاوية على عروشها لا يسكن بها الا أناس قليلون من خدّام السلطان «١٢١» ، وبها زوجته بيلون خاتون «١٢٢» ، وهي الحاكمة عليهم،
стр. 585
يزنيك- الجامع الأخضر والباب البيزنطي
стр. 586
امرأة صالحة فاضلة، وعلى المدينة أسوار أربعة بين كل سوريين خندق فيه الماء «١٢٣» ، ويدخل إليها على جسور خشب متى أرادوا رفعها رفعوها، وبداخل المدينة البساتين والدور والأرض والمزارع، فلكل إنسان داره ومزرعته وبستانه مجموعة، وشرابها من أبار بها قريبة، وبها من جميع أصناف الفواكه والجوز، والقسطل عندهم كثير جدّا رخيص الثمن، ويسمّون القسطل قسطنة بالنون، والجوز القوز بالقاف، وبها العنب العذاري «١٢٤» لم أر مثله في سواها متناهي الحلاوة عظيم الجرم صافي اللون رقيق القشر، للحبّة منه نواة واحدة، أنزلنا بهذه المدينة الفقيه الامام الحاجّ المجاور علاء الدين السلطانيوكي، وهو من الفضلاء الكرماء، ما جئت قطّ إلى زيارته الّا أحضر الطعام وصورته حسنة وسيرته أحسن وتوجه معي إلى الخاتون المذكورة فأكرمت وافاضت واحسنت.
وبعد قدومنا بأيام وصل إلى هذه المدينة السلطان أرخان بك الذي ذكرناه، وأقمت بهذه المدينة نحو أربعين يوما بسبب مرض فرس لي، فلما طال عليّ المكث تركته وانصرفت، ومعي ثلاثة من أصحابي وجارية وغلمان، وليس معنا من يحسن اللسان التركي ويترجم عنّا، وكان لنا ترجمان فارقنا بهذه المدينة.
ثم خرجنا منها فبتنا بقرية يقال لها: مكجا «١٢٥» ، بفتح الميم والكاف والجيم، بتنا عند فقيه بها أكرمنا وأضافنا، وسافرنا من عنده وتقدّمتنا امرأة من الترك على فرس ومعها خديم لها، وهي قاصدة مدينة ينجا «١٢٦» ، ونحن في اتباع أثرها، فوصلت إلى واد كبير يقال له سقريّ، كأنّه نسب إلى سقر أعاذنا الله منها «١٢٧» ، فذهبت تجوز الوادي، فلما توسطته كادت الدابة تغرق بها و؟ رمتها عن ظهرها، وأراد الخديم الذي كان معها استخلاصها فذهب الوادي بهما معا، وكان في عدوة الوادي قوم رموا بأنفسهم في أثرهما سباحة فاخرجوا المرأة وبها من الحياة رمق، ووجدوا الرجل قد قضى نحبه، ﵀.
وأخبرنا أولئك الناس أن المعدّية اسفل من ذلك الموضع فتوجهنا إليها وهي أربع خشبات مربوطة بالحبال، يجعلون عليها سروج الدواب والمتاع ويجذبها الرجال من العدوة
стр. 587
الأخرى، ويركب عليها الناس، وتجاز الدواب سباحة وكذلك فعلنا ووصلنا تلك الليلة إلى كاوية «١٢٨» واسمها على مثال فاعلة، من الكيّ، نزلنا منها بزاوية أحد الأخية فكلّمناه بالعربية فلم يفهم عنّا، وكلّمنا بالتركيّة فلم نفهم عنه! فقال: اطلبوا الفقيه فإنّه يعرف العربية فأتى الفقيه فكلّمنا بالفارسيّة وكلّمناه بالعربية، فلم يفهمها منّا فقال للفتى: إيشان عربيّ كهنا ميقوان ومن عربيّ نوميد انم، وإيشان، معناه: هؤلاء، وكهنا: قديم، وميقوان: يقولون، ومن أنا، ونو: جديد. وميدا نم: نعرف وانّما أراد الفقيه بهذا الكلام ستر نفسه عن الفضيحة حين ظنّوا أنّه يعرف اللسان العربيّ وهو لا يعرفه فقال لهم: هؤلاء يتكلّمون بالكلام العربيّ القديم وأنا لا أعرف الّا العربيّ الجديد! فظنّ الفتى أن الأمر على ما قاله الفقيه، ونفعنا ذلك عنده، وبالغ في إكرامنا وقال: هؤلاء تجب كرامتهم لأنهم يتكلمون باللسان العربي القديم! وهو لسان النبي ﷺ وأصحابه، ولم نفهم كلام الفقيه إذا ذاك لاكني حفظت لفظه، فلما تعلمت اللسان الفارسي فهمت مراده، وبتنا تلك الليلة بالزاوية، وبعث معنا دليلا إلى ينجا، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وكسر النون وجيم، بلدة كبيرة حسنة بحثنا بها عن زاوية الأخي فوجدنا أحد الفقراء المولّهين، فقلت له: هذه زاوية الأخي؟ فقال لي: نعم فسررت عند ذلك اذ وجدت من يفهم اللسان العربي، فلما اختبرته أبرز الغيب انّه لا يعرف من اللسان العربي الا كلمة نعم خاصّة! وانزلنا بالزاوية وجاء إلينا أحد الطلبة بطعام ولم يكن الأخي حاضرا، وحصل الأنس بهذا الطالب، ولم يكن يعرف اللسان العربي لاكنه تفضّل وتكلّم مع نائب البلدة، فأعطاني فارسا من أصحابه وتوجه معنا إلى كينوك «١٢٩» ، وضبط اسمها بفتح الكاف وسكون الياء وضم النون، وهي بلدة صغيرة يسكنها كفار الرّوم تحت ذمّة المسلمين، وليس بها غير بيت واحد من المسلمين وهم الحكّام عليهم، وهي من بلاد السلطان أرخان بك، فنزلنا بدار عجوز كافرة وذلك إبّان الثلج والشتاء، فأحسنّا إليها وبتنا عندها تلك الليلة.
وهذه البلدة لا شجر بها ولا دوالي العنب، ولا يزرع بها الّا الزعفران، وأتتنا هذه العجوز بزعفران كثير وظنّت أننا تجار نشتريه منها! ولما كان الصباح ركبنا وأتانا الفارس الذي بعثه الفتى معنا من كاوية فبعث معنا فارسا غيره ليوصلنا إلى مدينة مطرني، وقد وقع في تلك الليلة ثلج كثير عفّى الطرق، فتقدّمنا ذلك الفارس فاتّبعنا أثره إلى أن وصلنا في نصف النهار إلى قرية للتركمان، فاتوا بطعام فأكلنا منه وكلّمهم ذلك الفارس، فركب معنا أحدهم وسلك بنا أو عارا وجبالا ومجرى ماء تكرّر لنا جوازه أزيد من ثلاثين مرّة، فلمّا خلصنا
стр. 588
من ذلك، قال لنا ذلك الفارس: أعطوني شيئا من الدراهم، فقلنا له: إذا وصلنا إلى المدينة نعطيك ونرضيك، فلم يرض ذلك منّا أو لم يفهم عنّا، فأخذ قوسا لبعض أصحابي ومضى غير بعيد، ثم رجع فردّ إلينا القوس، فأعطيته شيئا من الدراهم فأخذها وهرب عنّا وتركنا لا نعرف أين نقصد، ولا طريق يظهر لنا، فكنّا نتلمّح أثر الطريق تحت الثلج، ونسلكه إلى أن بلغنا عند غروب الشمس إلى جبل يظهر الطريق به لكثرة الحجارة، فخفت الهلاك على نفسي ومن معي، وتوقعت نزول الثلج ليلا، ولا عمارة هنالك، فإن نزلنا عن الدوابّ هلكنا وإن سرينا ليلتنا لا نعرف أين نتوجّه! وكان لي فرس من الجياد فعلمت على الخلاص، وقلت في نفسي: إذا سلمت لعلّي أحتال في سلامة أصحابي، فكان كذلك واستودعتهم الله تعالى وسرت.
وأهل تلك البلاد يبنون على القبور بيوتا من الخشب يظنّ رائيها أنها عمارة فيجدها قبورا، فظهر لي منها كثير فلما كان بعد العشاء وصلت إلى بيوت، فقلت: اللهمّ اجعلها عامرة، فوجدتها عامرة، ووفّقني الله تعالى إلى باب دار فرأيت عليه شيخا فكلّمته بالعربي فكلّمني بالتركي وأشار إليّ بالدخول فاخبرته بشأن أصحابي، فلم يفهم عنّي، وكان من لطف الله أن تلك الدار زاوية للفقراء والواقف بالباب شيخها فلمّا سمع الفقراء الذين بداخل الزاوية كلامي مع الشيخ، خرج بعضهم، وكانت بيني وبينه معرفة، فسلّم عليّ، وأخبرته خبر أصحابي وأشرت إليه بأن يمضي مع الفقراء لاستخلاص الأصحاب، ففعلوا ذلك وتوجّهوا معي إلى أصحابي وجئنا جميعا إلى الزاوية، وحمدنا الله تعالى على السلامة! وكانت ليلة جمعة، فاجتمع أهل القرية وقطعوا ليلتهم بذكر الله تعالى، وأتى كلّ منهم بما تيسّر له من الطعام وارتفعت المشقّة، ورحلنا عند الصباح فوصلنا إلى مدينة مطرني «١٣٠» عند صلاة الجمعة، وضبط اسمها بضم الميم والطاء المهملة واسكان الراء وكسر النون وياء مدّ، فنزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية، وبها جماعة من المسافرين ولم نجد مربطا للدواب فصلينا الجمعة ونحن في قلق لكثرة الثلج والبرد وعدم المربط، فلقينا أحد الحجّاج من أهلها فسلّم علينا، وكان يعرف اللسان العربي، فسررت برؤيته وطلبت منه أن يدلّنا على مربط للدواب بالكراء، فقال: امّا ربطها في منزل فلا يتأتّي لأن أبواب دور هذه البلدة صغار لا تدخل عليها الدّواب، ولا كني أدلكم على سقيفة بالسوق يربط فيها المسافرون دوابّهم، والذين يأتون لحضور السوق، فدلّنا عليها وربطنا بها دوابنا، ونزل أحد الاصحاب بحانوت خال ازاءها ليحرس الدواب.
стр. 589
وكان من غريب ما اتّفق لنا أنّي بعثت أحد الخدّام ليشتري التّبن للدواب، وبعثت أحدهم يشتري السمن، فأتى أحدهما بالتبن، وأتى الآخر دون شيء وهو يضحك، فسألناه عن سبب ضحكه فقال إنّا وقفنا على دكّان بالسوق، فطلبنا منه السمن فأشار الينا بالوقوف، وكلّم ولدا له فدفعنا له الدراهم فأبطأ ساعة وأتى بالتبن فأخذناه منه وقلنا له: إنّا نريد السمن، فقال: هذا السمن، وأبرز الغيب أنهم يقولون للتبن سمن بلسان الترك! وأما السمن فيسمّى عندهم روغان!! «١٣١» .
ولمّا اجتمعنا بهذا الحاجّ الذي يعرف اللسان العربي رغبنا منه أن يسافر معنا إلى قصطمونية، وبينها وبين هذه البلدة مسيرة عشر، وكسوته ثوبا مصريا من ثيابي وأعطيته نفقة تركها لعياله، وعيّنت له دابّة لركوبه ووعدته الخير وسافر معنا فظهر لنا من حاله أنّه صاحب مال كثير وله ديون على الناس غير أنّه ساقط الهمّة خسيس الطبع سيء الأفعال! وكنا نعطيه الدراهم لنفقتنا فيأخذ ما يفضل من الخبز ويشتري به الأبزار والخضر والملح ويمسك ثمن ذلك لنفسه! وذكر لي أنه كان يسرق من دراهم النفقة دون ذلك، وكنا نحتمله لما كنا نكابده من عدم المعرفة بلسان الترك، وانتهت حاله إلى أن فضحناه، وكنا نقول له في آخر النهار: يا حاجّ كم سرقت اليوم من النفقة؟ فيقول: كذا! فنضحك منه ونرضى بذلك!! ومن أفعاله الخسيسة أنه مات لنا فرس في بعض المنازل فتولى سلخ جلده بيده وباعه، ومنها أنّا نزلنا ليلة عند أخت له في بعض القرى فجاءت بطعام وفاكهة من الإجّاص والتفّاح والمشمش والخوخ كلّها ميبّسة وتجعل في الماء حتى ترطب فتوكل ويشرب ماؤها، فأردنا أن نحسن إليها، فعلم بذلك فقال: لا تعطوها شيئا وأعطوا ذلك لي، فأعطيناه ارضاء له، وأعطيناها إحسانا في خفية بحيث لم يعلم بذلك! ثم وصلنا إلى مدينة بولي «١٣٢» وضبط اسمها بباء موحدة مضمومة وكسر اللام، ولما انتهينا إلى قريب منها وجدنا واديا يظهر في رأى العين صغيرا فلما دخله بعض أصحابنا وجدوه شديد الجرية والانزعاج فجازوه جميعا، وبقيت جارية صغيرة خافوا من تجويزها، وكان فرسي خيرا من أفراسهم فأردفتها، وأخذت في جواز الوادي فلمّا توسطته وقع بي الفرس ووقعت الجارية فأخرجها أصحابي وبها رمق، وخلّصت أنا.
стр. 590
ودخلنا المدينة فقصدنا زاوية أحد الفتيان الأخية، ومن عوائدهم أنه لا تزال النار موقودة في زواياهم أيام الشتاء أبدا يجعلون في كل ركن من أركان الزاوية موقدا للنار ويصنعون لها منافس يصعد منها الدخان ولا يؤذي الزاوية، ويسمونها البخاريّ واحدها بخيريّ.
قال ابن جزي: وقد احسن صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحليّ «١٣٣» في قوله في التورية، وتذكّرته بذكر البخيريّ:
إنّ البخيريّ مذّ فارقتموه غدا ... يحثي الرّماد على كانونه التّرب
لو شئتم انّه يمسي أبا لهب ... جاءت بغالكم حمّالة الحطب «١٣٤»
رجع. قال: فلمّا دخلنا الزاوية وجدنا النار موقدة فنزعت ثيابي ولبست ثيابا سواها واصطليت بالنار، وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك، فلله درّهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشدّ إئثارهم، وأعظم شفقتهم على الغريب، وألطفهم بالوارد، وأحبّهم فيه وأجملهم احتفالا بأمره! فليس قدوم الانسان الغريب عليهم الّا كقدومه على أحبّ أهله إليه! وبتنا تلك الليلة بحال رضيّة، ثم رحلنا بالغداة فوصلنا إلى مدينة كردي بولي «١٣٥» ، وضبط اسمها بكاف معقودة وفتح الراء والدال المهمل وسكون الياء وباء موحدة مضمومة وواو مدّ ولام مكسورة وياء، وهي مدينة كبيرة في بسيط من الأرض حسنة متّسعة الشوارع والأسواق من أشدّ البلاد بردا، وهي محلّات مفترقة. كل محلة تسكنها طائفة لا يخالطهم غيرهم.
ذكر سلطانها
وهو السّلطان شاه بك «١٣٦» من متوسطي سلاطين هذه البلاد، حسن الصورة والسيرة جميل الخلق، قليل العطاء، صلّينا بهذه المدينة صلاة الجمعة، ونزلنا بزاوية منها،
стр. 591
ولقيت بها الخطيب الفقيه شمس الدين الدمشقي الحنبلي، وهو مستوطنها منذ سنين، وله بها أولاد، وهو فقيه هذا السلطان وخطيبه ومسموع الكلام عنده، ودخل علينا هذا الفقيه بالزاوية فأعلمنا أن السلطان قد جاء لزيارتنا فشكرته على فعله، واستقبلت السلطان فسلّمت عليه، وجلس فسألني عن حالي، وعن مقدمي وعمّن لقيته من السلاطين، فأخبرته بذلك كلّه، وأقام ساعة ثمّ انصرف، وبعث بدابّة مسرجة وكسوة.
وانصرفنا إلى مدينة برلو، «١٣٧» وضبط اسمها بضمّ الباء الموحدة واسكان الراء وضم اللام، وهي مدينة صغيرة على تلّ تحتها خندق ولها قلعة بأعلى شاهق نزلنا منها بمدرسة فيها حسنة، وكان الحاج الذي سافر معنا يعرف مدرّسها وطلبتها ويحضر معهم الدرس، وهو، على علّاته، من الطلبة حنفيّ المذهب، ودعانا أمير هذه البلدة وهو عليّ بك بن السلطان المكرّم سليمان پادشاه ملك قصطمونية، وسنذكره، فصعدنا إليه إلى القلعة فسلّمنا عليه فرحّب بنا، وأكرمنا، وسألني عن أسفاري وحالي فأجبته عن ذلك، وأجلسني إلى جانبه، وحضر قاضيه وكاتبه الحاجب علاء الدين محمد، وهو من كبار الكتّاب وحضر الطعام فأكلنا، ثم قرأ القراء بأصوات مبكية وألحان عجيبة وانصرفنا.
وسافرنا بالغد إلى مدينة قصطمونية «١٣٨» ، وضبط اسمها بقاف مفتوح وصاد مهمل مسكن وطاء مهمل مفتوح وميم مضمومة وواو ونون مكسورة وياء آخر الحروف، وهي من أعظم المدن وأحسنها كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار نزلنا منها بزاوية شيخ يعرف بالأطرش لثقل سمعه، ورأيت منه عجبا، وهو أن أحد الطلبة كان يكتب له في الهواء وتارة في الأرض بأصبعه «١٣٩» ، فيفهم عنه، ويجيبه، ويحكي له بذلك الحكايات فيفهمها وأقمنا بهذه المدينة نحو أربعين يوما فكنّا نشتري طابق اللحم الغنميّ السمين بدرهمين ونشتري خبزا بدرهمين فيكفينا ليومنا ونحن عشرة، ونشتري حلواء العسل بدرهمين فتكفينا أجمعين ونشتري جوزا بدرهم وقسطلا بمثله، فنأكل منها أجمعون ويفضل باقيها ونشتري حمل الحطب بدرهم واحد، وذلك أوان البرد الشديد، ولم أر في البلاد مدينة أرخص أسعارا منها.
стр. 592
ولقيت بها الشيخ الامام العالم المفتي المدرس تاج الدين السلطانيوكي من كبار العلماء، قرأ بالعراقين وتبريز واستوطنها مدّة وقرأ بدمشق وجاور بالحرمين قديما.
ولقيت بها العالم المدرس صدر الدين سليمان الفنيكي، من أهل فنيكة «١٤٠» من بلاد الروم، وأضافني بمدرسته التي بسوق الخيل «١٤١» ولقيت بها الشيخ المعمّر الصالح دادا أمير علي دخلت عليه بزاويته بمقربة من سوق الخيل فوجدته ملقى على ظهره فأجلسه بعض خدامه ورفع بعضهم حاجبيه عن عينيه ففتحهما، وكلمني بالعربي الفصيح، وقال قدمت خير مقدم وسألته عن عمره فقال: كنت من أصحاب الخليفة المستنصر بالله وتوفّى وأنا ابن ثلاثين سنة وعمري الآن مائة وثلاث وستّون سنة «١٤٢» ، فطلبت منه الدعاء لي وانصرفت.
ذكر سلطان قصطمونية
وهو السلطان المكرم سليمان پادشاه، واسمه بباء معقودة والف ودال مسكن، وهو كبير السن ينيف على سبعين سنة، حسن الوجه طويل اللّمة «١٤٣» صاحب وقار وهيبة، يجالسه الفقهاء والصلحاء دخلت عليه بمجلسه فأجلسني إلى جانبه وسألني عن حالي ومقدمي وعن الحرمين الشريفين ومصر والشام، فأجبته وأمر بإنزالي على قرب منه، وأعطاني ذلك اليوم فرسا عتيقا قرطاسيّ اللون وكسوة وعيّن لي نفقة وعلفا وأمر لي بعد ذلك بقمح وشعير نفّد لي في قرية من قرى المدينة على مسيرة نصف يوم منها، فلم أجد من يشتريه لرخص الأسعار فاعطيته للحاج الذي كان في صحبتنا.
стр. 593
ومن عادة هذا السلطان أن يجلس كلّ يوم بمجلسه بعد صلاة العصر ويوتى بالطعام فتفتح الأبواب ولا يمنع أحد من حضريّ أو بدويّ، أو غريب أو مسافر من الأكل، ويجلس في أول النهار جلوسا خاصّا، ويأتي ابنه فيقبّل يديه، وينصرف إلى مجلس له، ويأتي أرباب الدولة فيأكلون عنده وينصرفون.
ومن عادته في يوم الجمعة أن يركب إلى المسجد، وهو بعيد عن داره، والمسجد المذكور هو ثلاث طبقات من الخشب، فيصلّي السلطان وأرباب دولته والقاضي والفقهاء ووجوه الأجناد في الطبقة السفلى، ويصلي أفندي «١٤٤» ، وهو أخو السلطان، وأصحابه وخدّامه وبعض أهل المدينة في الطبقة الوسطى، ويصلي ابن السلطان وليّ عهده وهو أصغر أولاده، ويسمى الجواد «١٤٥» ، وأصحابه ومماليكه وخدامه وسائر الناس في الطبقة العليا، ويجتمع القراء فيقعدون حلقة أمام المحراب، يقعد معهم الخطيب والقاضي ويكون السلطان بازاء المحراب ويقرءون سورة الكهف «١٤٦» بأصوات حسان ويكرّرون الآيات بترتيب عجيب، فإذا فرغوا من قراءتها صعد الخطيب المنبر فخطب ثم صلّى، فإذا فرغوا من الصلاة تنفّلوا وقرأ القارئ بين يدي السلطان عشرا وانصرف السلطان ومن معه، ثم يقرأ القارئ بين يدي أخي السلطان، فإذا أتمّ قراءته انصرف هو ومن معه، ثم يقرأ القارئ بين يدي ابن السلطان، فإذا فرغ من قراءته قام المعرّف، وهو المذكّر «١٤٧» فيمدح السلطان بشعر تركيّ ويمدح ابنه ويدعو لهما وينصرف، ويأتي ابن الملك إلى دار أبيه بعد أن يقبل يد عمّه في طريقه، وعمّه واقف في انتظاره ثم يدخلان إلى السلطان فيتقدم أخوه ويقبّل يده ويجلس بين يديه، ثم يأتي ابنه فيقبّل يده وينصرف إلى مجلسه فيقعد به مع ناسه، فإذا حانت صلاة العصر صلوها جميعا وقبل أخو السلطان يده وانصرف عنه فلا يعود اليه إلّا في الجمعة الأخرى وامّا الولد فإنّه يأتي كلّ يوم غدوة كما ذكرناه.
ثو سافرنا من هذه المدينة ونزلنا في زاوية عظيمة بإحدى القرى من أحسن زاوية
стр. 594
رأيتها في تلك البلاد، بناها أمير كبير تاب إلى الله تعالى يسمّى فخر الدين «١٤٨» وجعل النظر فيها لولده والإشراف لمن أقام بالزاوية من الفقراء، وفوائد القرية وقف عليها، وبنى بازاء الزاوية حمّاما للسبيل يدخله الوارد والصادر من غير شئ يلزمه وبنى سوقا بالقرية ووقفه على المسجد الجامع وعيّن من أوقاف هذه الزاوية لكلّ فقير يرد من الحرمين الشريفين أو من الشام ومصر والعراقين وخراسان وسواها كسوة كاملة ومائة درهم يوم قدومه وثلاثماية درهم يوم سفره والنفقة أيّام مقامه، وهي الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء، ولكل فقير من بلاد الروم عشرة دراهم وضيافة ثلاثة أيّام.
ثم انصرفنا وبتنا ليلة بزاوية في جبل شامخ لا عمارة فيه عمّرها بعض الفتيان الأخيّة، ويعرف بنظام الدين من أهل قصطمونية ووقف عليها قرية ينفق خراجها على الوارد والصادر بهذه الزاوية.
وسافرنا من هذه الزاوية إلى مدينة صنوب «١٤٩» ، وضبط اسمها بفتح الصاد وضمّ النون وآخره باء، وهي مدينة حافلة جمعت بين التحصين والتحسين، يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلا واحدة وهي جهة الشرق، ولها هنالك باب واحد لا يدخل إليها أحد إلا بإذن أميرها إبراهيم بك «١٥٠» ابن السلطان سليمان پادشاه الذي ذكرناه.
ولما أستوذن لنا عليه دخلنا البلد ونزلنا بزاوية عزّ الدين أخي جلبي، وهي خارج باب البحر، ومن هنالك يصعد إلى جبل داخل في البحر، كمينا سبتة «١٥١» ، فيه البساتين والمزارع والمياه وأكثر فواكهه التين والعنب وهو جبل مانع لا يستطاع الصعود إليه، وفيه إحدى عشرة قرية يسكنها كفار الروم تحت ذمّة المسلمين وبأعلاه رابطة تنسب للخضر وإلياس عليهما
стр. 595
السلام لا تخلو عن متعبد وعندها عين ماء، والدعاء فيها مستجاب وبسفح هذا الجبل قبر الوليّ الصالح الصحابي بلال الحبشي «١٥٢» ، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر.
والمسجد الجامع بمدينة صنوب من أحسن المساجد وفي وسطه بركة ماء عليها قبّة تقلّها أربع أرجل ومع كل رجل ساريتان من الرخام وفوقها مجلس يصعد له على درج خشب وذاك من عمارة السلطان بروانه ابن السلطان علاء الدين الروميّ، وكان يصلي الجمعة بأعلى تلك القبة وملك بعد ابنه غازي جلبي، فلما مات تغلب عليها السلطان سليمان المذكور «١٥٣» ، وكان غازي جلبي المذكور شجاعا مقدما، ووهبه الله خاصيّة في الصبر تحت الماء وفي قوّة السباحة «١٥٤» ، وكان يسافر في الأجفان الحربيّة لحرب الروم، فإذا كانت الملاقاة واشتغل الناس بالقتال غاص تحت الماء وبيده آلة حديد يخرق بها أجفان العدو فلا يشعرون بما حلّ بهم حتى يدهمهم الغرق، وطرقت مرسى بلده مرّة أجفان للعدو فخرقها وأسر من كان فيها! «١٥٥» وكانت فيه كفاية لا كفاء لها إلّا أنهم يذكرون انّه كان يكثر أكل الحشيش، وبسببه مات فإنه خرج يوما للتصيد وكان مولعا به فاتبع غرالة ودخلت له بين أشجار وزاد في ركض فرسه فعارضته شجرة فضربت رأسه فشدّخته فمات، وتغلب السلطان سليمان على البلد
стр. 596
وجعل به ابنه ابراهيم، ويقال: إنّه ايضا يأكل ما كان يأكله صاحبه، على أن أهل بلاد الروم كلها لا ينكرون أكلها، ولقد مررت يوما على باب الجامع بصنوب، وبخارجه دكاكين يقعد الناس عليها، فرأيت نفرا من كبار الأجناد وبين ايديهم خديم لهم بيده شكّارة مملوّة بشيء يشبه الحنّاء وأحدهم ياخذ منها بملعقة ويأكل وأنا أنظر إليه ولا علم لي بما في الشكّارة فسألت من كان معي فأخبرني أنه الحشيش «١٥٦» ! وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب الأمير بها ومعلّمه ويعرف بابن عبد الرزّاق.
لما دخلنا هذه المدينة رءانا أهلها ونحن نصلي مسبلي أيدينا، وهم حنفيّة لا يعرفون مذهب مالك، ولا كيفية صلاته، والمختار من مذهبه هو إسبال اليدين، وكان بعضهم يرى الروافض بالحجاز والعراق يصلّون مسبلي أيديهم، فاتّهمونا بمذهبهم وسألونا عن ذلك فأخبرناهم انّنا على مذهب مالك فلم يقنعوا بذلك منّا واستقرّت التّهمة في نفوسهم حتى بعث إلينا نائب السلطان بأرنب وأوصى بعض خدامه أن يلازمنا حتى يرى ما نفعله به فذبحناه وأكلناه، وانصرف الخديم اليه وأعلمه بذلك فحينئذ زالت عنّا التهمة، وبعثوا لنا بالضيافة، والروافض لا يأكلون الأرنب! وبعد أربعة أيام من وصولنا إلى صنوب، توفيت أمّ الأمير إبراهيم بها فخرجت في جنازتها، وخرج ابنها على قدميه كاشفا شعره، وكذلك الأمراء والمماليك وثيابهم مقلوبة، وامّا القاضي والخطيب والفقهاء فإنهم قلبوا ثيابهم ولم يكشفوا، بل جعلوا عليها مناديل من الصوف الأسود عوضا عن العمائم، وأقاموا يطعمون الطعام أربعين يوما، وهي مدة العزاء عندهم.
стр. 597
الفصل الثامن القفجق بلاد السلطان محمد أوزبك خان
من صنوب عبر البحر الأسود إلى الكرش حيث يوجد الجنويون من القرم إلى محلة السلطان أوزبك على متن العربات مع السلطان محمد أوزبك أحد الملوك السبعة لعالم ابن بطوطة خصوصية الأميرة طيطغلي! أرض الشمال وبلاد الظلمة مراسيم الأوزبك في العيد من مدينة الحاج ترخان إلى القسطنطينية صحبة الأميرة وصف القسطنطينية العودة إلى حضرة السلطان عبر اتل (فولكا) في مناخ قارس
стр. 598
خريطة جنوبي روسيا
стр. 599
وكانت اقامتنا بهذه المدينة نحو أربعين يوما ننتظر تيسير السّفر في البحر إلى مدينة القرم «١» ، فاكترينا مركبا للروم وأقمنا أحد عشر يوما ننتظر مساعدة الريح، ثم ركبنا البحر، فلما توسطناه بعد ثلاث، هال علينا واشتدّ بنا الأمر، ورأينا الهلاك عيّانا وكنت بالطّارمة ومعي رجل من أهل المغرب يسمّى أبا بكر، فأمرته أن يصعد إلى أعلى المركب لينظر كيف البحر، ففعل ذلك، وأتاني بالطّارمة، فقال لي: أستودعكم الله! ودهمنا من الهول ما لم يعهد مثله، ثم تغيرت الريح وردّتنا إلى مقربة من مدينة صنوب التي خرجنا منها، وأراد بعض التجار النزول إلى مرساها فمنعت صاحب المركب من إنزاله.
ثم استقامت الريح وسافرنا فلمّا توسطنا البحر هال علينا وجرى لنا مثل المرّة الأولى، ثم ساعدت الريح ورأينا جبال البرّ وقصدنا مرسى يسمّى الكرش «٢» ، فأردنا دخوله، فأشار الينا أناس كانوا بالجبل: أن لا تدخلوا، فخفنا على أنفسنا وظنّنا أن هنالك أجفانا للعدوّ، فرجعنا مع البرّ فلما قاربناه، قلت لصاحب المركب: أريد أن أنزل هاهنا، فأنزلني بالساحل، ورأيت كنيسة «٣» فقصدتها فوجدت بها راهبا ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربيّ عليه عمامة متقلّد سيفا وبيده رمح وبين يديه سراج يقد: فقلت للراهب ما هذه الصورة؟ فقال: هذه صورة النبيّ على «٤» فعجبت من قوله، وبتنا تلك الليلة بالكنيسة وطبخنا دجاجا فلم نستطع أكلها إذ كانت ممّا استصحبناه في المركب، ورائحة البحر قد غلبت على كل ما كان فيه، وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق، «٥»
стр. 600
والدّشت، بالشين المعجم والتاء المثناة، بلسان الترك هو الصحراء وهذه الصحراء خضرة نضرة لا شجر بها ولا جبل ولا ثنيّة ولا حطب، وإنّما يوقدون الأرواث ويسمّونها التّزك، بالزاي المفتوح، فترى كبراءهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم، ولا يسافر في هذه الصحراء إلّا في العجل، وهي مسيرة ستة أشهر، ثلاثة في بلاد السلطان محمد أوزبك، وثلاثة في بلاد غيره.
ولمّا كان الغد من يوم وصولنا إلى هذه المرسى توجه بعض التجار من أصحابنا إلى من بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق، وهم على دين النصرانيّة «٦» ، فاكترى منهم عجلة يجرّها الفرس، فركبناها ووصلنا إلى مدينة الكفا، واسمها بكاف وفاء مفتوحتين، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفّة البحر يسكنها النصارى، واكثرهم الجنويّون «٧» ، ولهم أمير يعرف بالدّمدير، ونزلنا منها بمسجد المسلمين.
حكاية [أصوات النواقيس]
ولمّا نزلنا بهذا المسجد أقمنا به ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية، ولم أكن سمعتها قط «٨» ، فهالني ذلك وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرءوا القرآن ويذكروا الله ويؤذّنوا، ففعلوا ذلك فإذا برجل قد دخل علينا وعليه الدرع والسلاح فسلّم علينا واستفهمناه عن شأنه، فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك، وقال: لما سمعت القراءة والآذان خفت عليكم فجئت كما ترون، ثم انصرف عنّا، وما رأينا إلّا خيرا، ولما كان من الغد جاء إلينا الأخي وصنع طعاما فأكلنا عنده وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق، وكلّهم كفار، ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسى عجيبا به نحو مائتي مركب ما بين حربيّ وسفريّ صغير وكبير،
следующие страницы →