Полный текст (1 410 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وجعل به ابنه ابراهيم، ويقال: إنّه ايضا يأكل ما كان يأكله صاحبه، على أن أهل بلاد الروم كلها لا ينكرون أكلها، ولقد مررت يوما على باب الجامع بصنوب، وبخارجه دكاكين يقعد الناس عليها، فرأيت نفرا من كبار الأجناد وبين ايديهم خديم لهم بيده شكّارة مملوّة بشيء يشبه الحنّاء وأحدهم ياخذ منها بملعقة ويأكل وأنا أنظر إليه ولا علم لي بما في الشكّارة فسألت من كان معي فأخبرني أنه الحشيش «١٥٦» ! وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب الأمير بها ومعلّمه ويعرف بابن عبد الرزّاق.
لما دخلنا هذه المدينة رءانا أهلها ونحن نصلي مسبلي أيدينا، وهم حنفيّة لا يعرفون مذهب مالك، ولا كيفية صلاته، والمختار من مذهبه هو إسبال اليدين، وكان بعضهم يرى الروافض بالحجاز والعراق يصلّون مسبلي أيديهم، فاتّهمونا بمذهبهم وسألونا عن ذلك فأخبرناهم انّنا على مذهب مالك فلم يقنعوا بذلك منّا واستقرّت التّهمة في نفوسهم حتى بعث إلينا نائب السلطان بأرنب وأوصى بعض خدامه أن يلازمنا حتى يرى ما نفعله به فذبحناه وأكلناه، وانصرف الخديم اليه وأعلمه بذلك فحينئذ زالت عنّا التهمة، وبعثوا لنا بالضيافة، والروافض لا يأكلون الأرنب! وبعد أربعة أيام من وصولنا إلى صنوب، توفيت أمّ الأمير إبراهيم بها فخرجت في جنازتها، وخرج ابنها على قدميه كاشفا شعره، وكذلك الأمراء والمماليك وثيابهم مقلوبة، وامّا القاضي والخطيب والفقهاء فإنهم قلبوا ثيابهم ولم يكشفوا، بل جعلوا عليها مناديل من الصوف الأسود عوضا عن العمائم، وأقاموا يطعمون الطعام أربعين يوما، وهي مدة العزاء عندهم.
стр. 597
الفصل الثامن القفجق بلاد السلطان محمد أوزبك خان
من صنوب عبر البحر الأسود إلى الكرش حيث يوجد الجنويون من القرم إلى محلة السلطان أوزبك على متن العربات مع السلطان محمد أوزبك أحد الملوك السبعة لعالم ابن بطوطة خصوصية الأميرة طيطغلي! أرض الشمال وبلاد الظلمة مراسيم الأوزبك في العيد من مدينة الحاج ترخان إلى القسطنطينية صحبة الأميرة وصف القسطنطينية العودة إلى حضرة السلطان عبر اتل (فولكا) في مناخ قارس
стр. 598
خريطة جنوبي روسيا
стр. 599
وكانت اقامتنا بهذه المدينة نحو أربعين يوما ننتظر تيسير السّفر في البحر إلى مدينة القرم «١» ، فاكترينا مركبا للروم وأقمنا أحد عشر يوما ننتظر مساعدة الريح، ثم ركبنا البحر، فلما توسطناه بعد ثلاث، هال علينا واشتدّ بنا الأمر، ورأينا الهلاك عيّانا وكنت بالطّارمة ومعي رجل من أهل المغرب يسمّى أبا بكر، فأمرته أن يصعد إلى أعلى المركب لينظر كيف البحر، ففعل ذلك، وأتاني بالطّارمة، فقال لي: أستودعكم الله! ودهمنا من الهول ما لم يعهد مثله، ثم تغيرت الريح وردّتنا إلى مقربة من مدينة صنوب التي خرجنا منها، وأراد بعض التجار النزول إلى مرساها فمنعت صاحب المركب من إنزاله.
ثم استقامت الريح وسافرنا فلمّا توسطنا البحر هال علينا وجرى لنا مثل المرّة الأولى، ثم ساعدت الريح ورأينا جبال البرّ وقصدنا مرسى يسمّى الكرش «٢» ، فأردنا دخوله، فأشار الينا أناس كانوا بالجبل: أن لا تدخلوا، فخفنا على أنفسنا وظنّنا أن هنالك أجفانا للعدوّ، فرجعنا مع البرّ فلما قاربناه، قلت لصاحب المركب: أريد أن أنزل هاهنا، فأنزلني بالساحل، ورأيت كنيسة «٣» فقصدتها فوجدت بها راهبا ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربيّ عليه عمامة متقلّد سيفا وبيده رمح وبين يديه سراج يقد: فقلت للراهب ما هذه الصورة؟ فقال: هذه صورة النبيّ على «٤» فعجبت من قوله، وبتنا تلك الليلة بالكنيسة وطبخنا دجاجا فلم نستطع أكلها إذ كانت ممّا استصحبناه في المركب، ورائحة البحر قد غلبت على كل ما كان فيه، وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق، «٥»
стр. 600
والدّشت، بالشين المعجم والتاء المثناة، بلسان الترك هو الصحراء وهذه الصحراء خضرة نضرة لا شجر بها ولا جبل ولا ثنيّة ولا حطب، وإنّما يوقدون الأرواث ويسمّونها التّزك، بالزاي المفتوح، فترى كبراءهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم، ولا يسافر في هذه الصحراء إلّا في العجل، وهي مسيرة ستة أشهر، ثلاثة في بلاد السلطان محمد أوزبك، وثلاثة في بلاد غيره.
ولمّا كان الغد من يوم وصولنا إلى هذه المرسى توجه بعض التجار من أصحابنا إلى من بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق، وهم على دين النصرانيّة «٦» ، فاكترى منهم عجلة يجرّها الفرس، فركبناها ووصلنا إلى مدينة الكفا، واسمها بكاف وفاء مفتوحتين، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفّة البحر يسكنها النصارى، واكثرهم الجنويّون «٧» ، ولهم أمير يعرف بالدّمدير، ونزلنا منها بمسجد المسلمين.
حكاية [أصوات النواقيس]
ولمّا نزلنا بهذا المسجد أقمنا به ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية، ولم أكن سمعتها قط «٨» ، فهالني ذلك وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرءوا القرآن ويذكروا الله ويؤذّنوا، ففعلوا ذلك فإذا برجل قد دخل علينا وعليه الدرع والسلاح فسلّم علينا واستفهمناه عن شأنه، فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك، وقال: لما سمعت القراءة والآذان خفت عليكم فجئت كما ترون، ثم انصرف عنّا، وما رأينا إلّا خيرا، ولما كان من الغد جاء إلينا الأخي وصنع طعاما فأكلنا عنده وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق، وكلّهم كفار، ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسى عجيبا به نحو مائتي مركب ما بين حربيّ وسفريّ صغير وكبير،
стр. 601
وهو من مراسي الدنيا الشهيرة، ثم اكترينا عجلة وسافرنا إلى مدينة القرم «٩» ، وهي بكسر القاف وفتح الراء، مدينة كبيرة حسنة من بلاد السلطان المعظّم محمد أوزبك خان وعليها أمير من قبله اسمه تلكتمور «١٠» ، وضبط اسمه بتاء مثناة مضمومة ولام مضموم وكاف مسكن وتاء كالأولي مضمومة وميم مضمومة وواو وراء وكان أحد خدّام هذا الأمير قد صحبنا في طريقنا فعرّفه بقدومنا، فبعث إليّ مع إمامه سعد الدين بفرس، ونزلنا بزاوية شيخها زاده الخراساني، فأكرمنا هذا الشيخ ورحّب بنا وأحسن الينا وهو معظم عندهم، ورأيت الناس يأتون للسلام عليه من قاض وخطيب وفقيه وسواهم.
وأخبرني هذا الشيخ زاده أنّ بخارج هذه المدينة راهبا من النصارى في دير يتعبد به ويكثر الصوم، وانّه انتهى إلى أن يواصل أربعين يوما ثم يفطر على حبّة فول، وانّه يكاشف بالأمور، ورغب منّي أن أصحبه في التوجه إليه فأبيت ثمّ ندمت بعد ذلك على أن لم أكن رأيته وعرفت حقيقة أمره.
ولقيت بهذه المدينة قاضيها الاعظم شمس الدين السايليّ قاضي الحنفية، ولقيت بها قاضي الشافعية وهو يسمى بخضر والفقيه المدرس علاء الدين الأصيّ، وخطيب الشافعية أبا بكر، وهو الذي يخطب بالمسجد الجامع الذي عمّره الملك الناصر «١١» ﵀ بهذه المدينة، والشيخ الحكيم الصالح مظفّر الدين، وكان من الروم فأسلم وحسن إسلامه والشيخ الصالح العابد مظهر الدين وهو من الفقهاء المعظّمين.
وكان الأمير تلكتمور مريضا فدخلنا عليه فأكرمنا وأحسن إلينا، وكان على وشك
стр. 602
التوجه إلى مدينة السّرا حضرة السلطان محمد أوزبك فعملت على السير في صحبته واشتريت العجلات برسم ذلك.
ذكر العجلات التي يسافر عليها بهذه البلاد .
وهم يسمون العجلة عربة، بعين مهملة وراء وباء موحدة مفتوحات، وهي عجلات تكون للواحدة منهنّ أربع بكرات «١٢» كبار، ومنها ما يجرّه فرسان ومنها ما يجرّه أكثر من ذلك، وتجرّها أيضا البقر والجمال على حال العربة في ثقلها أو خفّتها، والذي يخدم العربة يركب أحد الأفراس التي تجرّها ويكون عليه سرج، وفي يده سوط يحرّكها للمشي، وعود كبير يصوّبها به إذا عاجت عن القصد، ويجعل على العربة شبه قبّة من قضبان خشب مربوط بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق وهي خفيفة الحمل وتكسى باللّبد أو بالملفّ، ويكون فيها طيقان مشبكة، ويرى الذي بداخلها الناس ولا يرونه، ويتقلّب فيها كما يحبّ وينام، ويأكل ويقرأ ويكتب وهو في حال سيره والتي تحمل الأثقال والأزواد وخزائن الأطعمة من هذه العربات يكون عليها شبه البيت كما ذكرنا، وعليه قفل.
وجهّزت لمّا أردت السفر عربة لركوبي مغشاة باللّبد، ومعي بها جارية لي وعربة صغيرة لرفيقي عفيف الدين التوزريّ، وعجلة كبيرة لسائر الأصحاب يجرّها ثلاثة من الجمال يركب أحدها خادم العربة، وسرنا في صحبة الأمير تلكتمور وأخيه عيسى وولديه قطلودمور وصاروبك، وسافر أيضا معه في هذه الوجهة أمامه سعد الدّين والخطيب أبو بكر والقاضي شمس الدين والفقيه شرف الدين موسى والمعرّف علاء الدين، وخطّة هذا المعرف أن يكون بين يدي الأمير في مجلسه، فإذا أتى القاضي يقف له هذا المعرّف ويقول بصوت عال: بسم الله، سيدنا ومولانا قاضي القضاة والحكّام، مبيّن الفتاوي والأحكام، بسم الله، وإذا أتى فقيه معظّم أو رجل مشار إليه قال: بسم الله، سيدنا فلان الدين، بسم الله فيتهيأ من كان حاضرا لدخول الداخل، ويقوم إليه ويفسح له في المجلس. وعادة الأتراك أن يسيروا في هذه الصحراء سيرا كسير الحجّاج في درب الحجاز، يرحلون بعد صلاة الصبح وينزلون ضحى، ويرحلون بعد الظهر وينزلون عشيا، وإذا نزلوا حلّوا الخيل والإبل والبقر عن العربات وسرّحوها للرعي ليلا ونهارا ولا يعلف أحد دابّة لا السلطان ولا غيره.
стр. 603
العجلات التي يسافر عليها بهذه البلاد الرسم عن أبير كرومبي مجلة ناسيونال جيوگرافيك دجنبر ١٩٩١
стр. 604
وخاصيّة هذه الصحراء أن نباتها يقوم مقام الشعير للدوابّ، وليست لغيرها من البلاد هذه الخاصية، ولذلك كثرت الدّواب بها، ودوابّهم لا رعاة لها ولا حرّاس، وذلك لشدّة أحكامهم في السرقة، وحكمهم فيها أنّه من وجد عنده فرس مسروق كلّف أن يردّه إلى صاحبه ويعطيه معه تسعة مثله، فإن لم يقدر على ذلك أخذ أولاده في ذلك، فإن لم يكن له أولاد، دبح كما تذبح الشاة «١٣» ! وهؤلاء الأتراك لا يأكلون الخبز ولا الطّعام الغليظ، وانّما يصنعون طعاما من شيء عندهم شبه أنلي يسمونه الدّوقي «١٤» ، بدال مهمل مضموم وواو وقاف مكسور معقود، يجعلون على النار الماء فإذا غلى صبّوا عليه شيئا من هذا الدّوقي، وإن كان عندهم لحم قطعوه قطعا صغارا وطبخوه معه، ثم يجعل لكلّ رجل نصيبه في صفحة ويصبّون عليه اللّبن الرائب وشربون عليه لبن الخيل، وهم يسمّونه القمزّ «١٥» ، بكسر القاف والميم والزاي المشدّد، وهم أهل قوّة وشدة وحسن مزاج.
ويستعملون في بعض الأوقات طعاما يسمونه البورخاني، وهو عجين يقطعونه قطيعات صغارا ويثقبون أوساطها ويجعلونها في قدر، فإذا طبخت صبّوا عليها اللّبن الرائب وشربوها، ولهم نبيد يصنعونه من حبّ الدّوقي الذي تقدم ذكره، وهم يرون أكل الحلواء عيبا! ولقد حضرت يوما عند السلطان أوزبك في رمضان فأحضرت لحوم الخيل وهي أكثر ما يأكلون من اللّحم ولحوم الأغنام والرشتا، وهو شبه الإطرية يطبخ ويشرب باللبن، وأتيته تلك الليلة بطبق حلواء صنعها بعض أصحابي فقدّمتها بين يديه فجعل إصبعه عليها وجعله على فيه، ولم يزد على ذلك. وأخبرني الأمير تلكتمور أنّ أحد الكبار من مماليك هذا السلطان، وله من أولاده وأولاد أولاده نحو أربعين ولدا، قال له السلطان يوما: كل الحلواء واعتقكم جميعا فأبى! وقال: لو قتلتني ما أكلتها!!
стр. 605
ولما خرجنا من مدينة القرم نزلنا بزاوية الأمير تلكتمور في موضع يعرف بسججان، فبعث إليّ أن أحضر عنده فركبت إليه، وكان لي فرس معدّ لركوبي يقوده خديم العربة فإذا أردت ركوبه ركبته، وأتيت الزاوية فوجدت الأمير قد صنع بها طعاما كثيرا فيه الخبز ثم أتوا بماء أبيض في صحاف صغار، فشرب القوم منه، وكان الشيخ مظفر الدين يلي الأمير في مجلسه، وأنا إليه فقلت له: ما هذا؟ فقال هذا ماء الدّهن، فلم أفهم ما قال، فذقته فوجدت له حموضة فتركته، فلما خرجت سألت عنه فقالوا: هو نبيذ يصنعونه من حبّ الدوقي، وهم حنفيّة المذهب والنبيذ عندهم حلال، ويسمّون هذا النبيذ المصنوع من الدّواقي: البوزة، «١٦» بضم الباء الموحدة وواو مدّ وزاي مفتوح، وإنّما قال لي الشيخ مظفر الدين: ماء الدّخن «١٧» ولسانه فيه اللكنة الأعجمية فظننت إنّه يقول ماء الدّهن. وبعد مسيرة ثمانية عشر منزلا من مدينة القرم وصلنا إلى ماء كثير نخوضه يوما «١٨» كاملا، وإذا كثر خوض الدواب والعربات في هذا الماء اشتدّ وحله، وزاد صعوبة فذهب الأمير إلى راحلتي وقدّمني أمامه مع بعض خدّامه، وكتب لي كتابا إلى أمير أزاق «١٩» يعلمه أنّي أريد القدوم على الملك، ويحضّه على إكرامي، وسرنا حتى انتهينا إلى ماء آخر نخوضه نصف يوم، سرنا بعده ثلاثا ووصلنا إلى مدينة أزاق، وضبط اسمها بفتح الهمزة والزاي وآخره قاف، وهي على ساحل البحر حسنة العمارة، يقصدها الجنويّون وغيرهم بالتّجارات. وبها من الفتيان أخي بجقجي، وهو من العظماء يطعم الوارد والصادر.
ولما وصل كتاب الأمير تلكتمور إلى أمير أزاق، وهو محمد خوارجه الخوارزمي «٢٠»
стр. 606
خرج إلى استقبالي ومعه القاضي والطلبة وأخرج الطعام فلما سلّمنا عليه نزلنا بموضع أكلنا فيه، ووصلنا إلى المدينة ونزلنا بخارجها بمقربة من رابطة هنالك تنسب للخضر وإلياس ﵉، وخرج شيخ من أهل أزاق يسمى برجب النّهر ملكي، نسبة إلى قرية بالعراق «٢١» ، فأضافنا بزاوية له ضيافة حسنة، وبعد يومين من قدومنا قدم الأمير تلكتمور وخرج الأمير محمد للقائه ومعه القاضي والطلبة، وأعدّوا له الضيافات، وضربوا ثلاث قباب متّصلا بعضها ببعض إحداها من الحرير الملوّن عجيبة، والثنتان من الكتّان، وأداروا عليها سرّاجة، وهي المسمّى عندنا أفراج «٢٢» ، وخارجها الدّهليز، وهو على هيئة البرج عندنا.
ولمّا نزل الأمير بسطت بين يديه شقا الحرير يمشي عليها، فكان من مكارمه وفضله أن قدّمني أمامه ليرى ذلك الأمير منزلتي عنده ثم وصلنا إلى الخباء الأولى وهي المعدّة لجلوسه، وفي صدرها كرسي من الخشب لجلوسه كبير مرصّع وعليه مرتبة حسنة فقدّمني الأمير أمامه، وقدم الشّيخ مظفّر الدين، وصعد هو فجلس فيما بيننا ونحن جميعا على المرتبة، وجلس قاضيه وخطيبه وقاضي هذه المدينة وطلبتها عن يسار الكرسي على فرش فاخرة، ووقف ولدا الأمير تلكتمور وأخوه والأمير محمد وأولاده في الخدمة، ثم أتوا بالأطعمة من لحوم الخيل وسواها وأتوا بألبان الخيل، ثم بالبوزة، وبعد الفراغ من الطعام قرأ القرّاء بالأصوات الحسان، ثم نصب منبر وصعده الواعظ، وجلس القرّاء بين يديه وخطب خطبة بليغة ودعا للسلطان وللأمير وللحاضرين، ويقول ذلك بالعربيّ ثم يفسّره لهم بالتركيّ، وفي أثناء ذلك يكرّر القراء آيات من القرآن بترجيع عجيب، ثم أخذوا في الغناء يغنّون بالعربيّ،
стр. 607
ويسمّونه القوال «٢٣» ، ثم بالفارسيّ والتركي ويسمونه الملمّع «٢٤» ، ثم أتو بطعام آخر، ولم يزالوا على ذلك إلى العشيّ، وكلما أردت الخروج منعني الأمير، ثم جاءوا بكسوة للأمير وكسى لولديه وأخيه وللشيخ مظفر الدّين ولي، وأتوا بعشرة أفراس للأمير ولأخيه ولولديه بستة أفراس ولكل كبير من أصحابه بفرس ولي بفرس، والخيل بهذه البلاد كثير جدا، وثمنها نزر قيمة الجيّد منها خمسون درهما أو ستّون من دراهمهم، وذلك صرف دينار من دنانيرنا أو نحوه، وهذه الخيل هي التي تعرف بمصر بالأكاديش «٢٥» ، ومنها معاشهم وهي ببلادهم كالغنم ببلادنا بل أكثر فيكون للتّركي منهم آلاف منها.
ومن عادة الترك المستوطنين تلك البلاد، أصحاب الخيل، انّهم يضعون في العربات التي تركب فيها نساؤهم قطعة لبد في طول الشبر مربوطة إلى عود رقيق في طول الذراع في ركن العربة ويجعل لكلّ ألف فرس قطعة، ورأيت منهم من يكون له عشرة قطع، ومن له دون ذلك، تحمل هذه الخيل إلى بلاد الهند فيكون في الرفقة منها ستّة آلاف وما فوقها ومادونها، لكل تاجر المائة والمائتان فما دون ذلك وما فوقه، ويستأجر التّاجر لكل خمسين منها راعيا يقوم عليها ويرعاها كالغنم، ويسمّى عندهم القشيّ «٢٦» ، ويركب أحدها وبيده عصى طويلة فيها حبل، فإذا أراد أن يقبض على فرس منها حاذاه بالفرس الذي هو راكبه ورمى الحبل في عنقه وجذبه فيركبه ويترك الآخر للرعي، وإذا وصلوا بها إلى أرض السند أطعموها العلف لأن نبات أرض السند لا يقوم مقام الشّعير ويموت لهم منها الكثير ويسرق، ويغرمون عليها بأرض السند سبعة دنانير فضّة على الفرس بموضع يقال له ششنقار «٢٧» ، ويغرمون عليها بملتان قاعدة بلاد السند، وكانوا فيما تقدّم يغرمون ربع ما يجلبونه، فرفع ملك الهند إلى السلطان محمد ذلك، وأمر أن يؤخذ من تجار المسلمين الزّكاة، ومن تجار الكفار العشر،
стр. 608
ومع ذلك يبقى للتجار فيها فضل كبير لأنهم يبيعون الرخيص منها ببلاد الهند بمائة دينار دراهم، وصرفها من الذهب المغربي خمسة وعشرون دينارا، وربّما باعوها بضعف ذلك وضعفيه.
والجياد منها تساوي خمسمائة دينار، وأكثر من ذلك، وأهل الهند لا يبتاعونها للجري والسّبق لأنهم يلبسون في الحرب الدروع ويدرّعون الخيل، وإنّما يبتغون قوة الخيل واتّساع خطاها، والخيل التي يبتغونها للسبق تجلب إليهم من اليمن وعمان وفارس، ويباع الفرس منها بألف دينار إلى أربعة آلاف.
ولما سافر الأمير تلكتمور عن هذه المدينة أقمت بعده ثلاثة أيّام حتى جهّز لي الأمير محمد خواجه آلات سفري وسافرت إلى مدينة الماجر، وهي بفتح الميم والف وجيم مفتوح معقود وراء، مدينة كبيرة من أحسن مدن التّرك على نهر كبير، وبها البساتين والفواكه الكثيرة «٢٨» ، ونزلنا منها بزاوية الشيخ الصالح العابد المعمّر محمد البطائحي من بطائح العراق، وكان خليفة الشيخ أحمد الرفاعي ﵁، وفي زاويته نحو سبعين من فقراء العرب والفرس والترك والروم، منهم المتزوج والعزب وعيشهم من الفتوح، ولأهل تلك البلاد اعتقاد حسن في الفقراء، وفي كلّ ليلة ياتون إلى الزاوية بالخيل والبقر والغنم، ويأتي السلطان والخواتين لزيارة الشيخ والتّبرّك به، ويجزلون الإحسان ويعطون العطاء الكثير وخصوصا النساء فإنهم يكثرن الصدقة ويتحرّين أفعال الخير.
وصلّينا بمدينة الماجر صلاة الجمعة فلما قضيت الصلاة صعد الواعظ عزّ الدين المنبر، وهو من فقهاء بخاري وفضلائها وله جماعة من الطلبة، والقرّاء يقرءون بين يديه، ووعظ وذكّر وأمير المدينة حاضر وكبراؤها فقام الشيخ محمد البطائحيّ فقال: إن الفقيه الواعظ يريد السفر، ونريد له زوّادة، ثم خلع فرجيّة مرعز كانت عليه، وقال: هذه منّي إليه فكان الحاضرون بين من خلع ثوبه ومن أعطى فرسا ومن أعطى دراهم، واجتمع له كثير من ذلك كله.
ورأيت بقيساريّة هذه المدينة يهوديا سلّم عليّ وكلّمني بالعربي، فسألته عن بلاده فذكر أنّه من بلاد الأندلس وأنّه قدم منها في البرّ، ولم يسلك بحرا، وأتى على طريق القسطنطينية
стр. 609
العظمى وبلاد الروس وبلاد الجركس «٢٩» ، وذكر أن عهده بالأندلس منذ أربعة اشهر، وأخبرني التجار المسافرون الذين لهم المعرفة بذلك بصحّة مقالة.
ورأيت بهذه البلاد عجبا من تعظيم النساء عندهم وهنّ أعلى شأنا من الرجال، فأما نساء الأمراء فكانت أوّل رؤيتي لهنّ عند خروجي من القرم رؤية الخاتون زوجة الأمير سلطيه في عربة لها، وكلّها مجلّلة بالملف الأزرق الطيب، وطيقان البيت مفتوحة وأبوابه، وبين يديها أربع جوار فاتنات الحسن، بديعات اللّباس وخلفها جملة من العربات فيها جوار يتبعنها، ولمّا قربت من منزل الأمير نزلت عن العربة إلى الارض ونزل معها نحو ثلاثين من الجواري يرفعن أذيالها، ولأثوابها عرى تأخذ كل جارية بعروة ويرفعن الأذيال عن الأرض من كلّ جانب، ومشت كذلك متبخترة فلمّا وصلت إلى الأمير قام إليها وسلّم عليها وأجلسها إلى جانبه، ودار بها جواريها، وجاءوا بروايا القمزّ فصبّت منه في قدح وجلست على ركبتيها قدّام الأمير وناولته القدح، فشرب ثمّ سقت أخاه، وسقاها الأمير، وحضر الطعام فأكلت معه وأعطاها كسوة وانصرفت، وعلى هذا الترتيب نساء الأمراء، وسنذكر نساء الملك فيما بعد.
وأمّا نساء الباعة والسوقة فرأيتهنّ، وإحداهنّ تكون في العربة والخيل تجرّهن، وبين يديها الثلاث والأربع من الجواري يرفعن أذيالها وعلى رأسها البغطاق «٣٠» ، وهو أقروف «٣١» ، مرصّع بالجوهر، وفي أعلاه ريش الطواويس، وتكون طيقان البيت مفتحة، وهي بادية الوجه لأنّ نساء الأتراك لا يحتجبن، وتأتي إحداهن على هذا الترتيب ومعها عبيدها بالغنم واللبن فتبيعه من النّاس بالسلع العطريّة، وربّما كان مع المرأة منهن زوجها فيظنّه من يراه بعض خدّامها، ولا يكون عليه من الثياب الا فروة من جلد الغنم وفي رأسه قلنسوة تناسب ذلك يسمونها الكلا.
стр. 610
صورة من بلاد الجركس عن تأليف محمد خير حغندوقة
стр. 611
وتجهّزنا «٣٢» من مدينة الماجر نقصد معسكر السلطان وكان على أربعة أيام من الماجر بموضع يقال له بش دغ «٣٣» ، ومعنى بش عندهم خمسة وهو بكسر الباء، وشين معجم، ومعنى دغ الجبل، وهو بفتح الدال المهمل وغين معجم، وبهذه الجبال الخمسة عين ماء حارّ «٣٤» يغتسل منها الاتراك ويزعمون أنّه من اغتسل منها لم تصبه عاهة مرض! وارتحلنا إلى موضع المحلّة فوصلناه أوّل يوم من رمضان فوجدنا المحلة قد رحلت، فعدنا إلى الموضع الذي رحلنا منه لأن المحلة تنزل بالقرب منه، فضربت بيتي على تل هنالك وركّزت العلم أمام البيت وجعلت الخيل والعربات وراء ذلك، وأقبلت المحلّة وهم يسمونها الأردو. وبضمّ الهمزة «٣٥» ، فرأينا مدينة عظيمة تسير بأهلها فيها المساجد والأسواق ودخان المطبخ صاعد في الهواء، وهم يطبخون في حال رحيلهم، والعربات تجرّها الخيل بهم فإذا بلغوا المنزل نزّلوا البيوت عن العربات وجعلوها على الأرض وهي خفيفة المحمل، وكذلك يصنعون بالمساجد والحوانيت، واجتاز بنا خواتين السلطان، كلّ واحدة بناسها على حدة، ولمّا اجتازت الرابعة منهن وهي بنت الأمير عيسى بك، وسنذكرها، رأت البيت بأعلى التل والعلم أمامه، وهو علامة الوارد، فبعثت الفتيان والجواري فسلّموا عليّ وبلّغوا سلامها إليّ وهي واقفة تنتظرهم فبعثت اليها هديّة مع بعض أصحابي ومع معرّف الأمير تلكتمور فقبلتها تبركّا، وأمرت أن أنزل في جوارها وانصرفت وأقبل السلطان فنزل في محلّته على حدة.
стр. 612
ذكر السلطان المعظّم محمد أوزبك خان «٣٦» .
واسمه محمد أوزبك بضم الهمزة وواو وزاي مسكن وباء موحدة مفتوحة، ومعنى خان عندهم السلطان، وهذا السلطان عظيم المملكة، شديد القوّة، كبير الشأن رفيع المكان، قاهر لأعداء الله أهل قسطنطينية العظمى، مجتهد في جهادهم وبلاده متّسعة، ومدنه عظيمة، منها الكفا والقرم والماجر وأزاق وسرداق «٣٧» وخوارزم، وحضرته السرّا.
وهو «٣٨» أحد الملوك السبعة الذين هم كبراء ملوك الدنيا وعظماؤها، وهم مولانا أمير المومنين ظلّ الله في أرضه إمام الطائفة المنصورة الذين لا يزالون ظاهرين على الحقّ إلى قيام الساعة أيّد الله أمره، وأعزّ نصره «٣٩» ، وسلطان مصر والشام، وسلطان العراقين، والسلطان أوزبك هذا، وسلطان بلاد تركستان وما وراء النهر وسلطان الهند، وسلطان الصين «٤٠» .
ويكون هذا السلطان، إذا سافر في محلة على حدة معه مماليكه وأرباب دولته، وتكون كلّ خاتون من خواتينه على حدة في محلتها، فإذا أراد أن يكون عند واحدة منهن بعث إليها يعلمها بذلك فتتهيأ له، وله في قعوده وسفره وأموره ترتيب عجيب بديع.
стр. 613
ومن عادته أن يجلس يوم الجمعة بعد الصلاة في قبة تسمى قبة الذهب: مزينة بديعة وهي من قضبان خشب مكسوة بصفائح الذّهب، وفي وسطها سرير من خشب مكسوّ بصفائح الفضّة المذهّبة، وقوائمه فضّة خالصة ورؤوسها مرصّعة بالجواهر، ويقعد السلطان على السرير وعلى يمينه الخاتون طيطغلي، وتليها الخاتون كبك وعلى يساره الخاتون بيلون، وتليها الخاتون أردجي، ويقف أسفل السرير عن اليمين ولد السلطان تين بك وعن الشمال ولده الثاني: جان بك، وتجلس بين يديه ابنته إيت كجكج، وإذا أتت إحداهن قام لها السلطان وأخذ بيدها حتى تصعد على السرير، وأمّا طيطغلي وهي الملكة وأحظاهنّ عنده فإنه يستقبلها إلى باب القبّة فيسلّم عليها، ويأخذ بيدها فإذا صعدت على السّرير وجلست، حينئذ يجلس السلطان، وهذا كلّه على أعين الناس دون احتجاب! ويأتي بعد ذلك كبار الأمراء، فتنصب لهم كراسيّهم عن اليمين والشمال، وكل إنسان منهم إذا أتى مجلس السلطان يأتي معه غلام بكرسيه، ويقف بين يدي السلطان أبناء الملوك من بني عمّه وإخوته وأقاربه ويقف في مقابلتهم عند باب القبّة أولاد الأمراء الكبار، ويقف خلفهم وجوه العساكر عن يمين وشمال، ثم يدخل النّاس للسلام، الأمثل فالأمثل: ثلاثة ثلاثة، فيسلمون وينصرفون فيجلسون على بعد، فإذا كان بعد صلاة العصر انصرفت الملكة من الخواتين، ثم ينصرفون فيجلسون على بعد، فإذا كان بعد صلاة العصر انصرفت الملكة من الخواتين، ثم ينصرف سائرهن فيتبعنها إلى محلّتها، فإذا دخلت إليها انصرفت كلّ واحدة إلى محلتها راكبة عربتها، ومع كل واحدة نحو خمسين جارية، راكبات على الخيل! وأمام العربة نحو عشرين من قواعد النساء راكبات على الخيل فيما بين الفتيان والعربة وخلف الجميع نحو مائة مملوك من الصبيان، وأمام الفتيان نحو مائة من المماليك الكبار ركبانا، ومثلهم مشاة بأيديهم القضبان والسيوف مشدودة على أوساطهم وهم بين الفرسان والفتيان، وهكذا ترتيب كلّ خاتون منهن في انصرافها ومجيئها.
وكان نزولي من المحلة في جوار ولد السلطان جان بك الذي يقع ذكره فيما بعد، وفي الغد من يوم وصولي دخلت إلى السلطان بعد صلاة العصر، وقد جمع المشايخ والقضاة والفقهاء والشرفاء والفقراء، وقد صنع طعاما كثيرا وأفطرنا بمحضره، وتكلّم السيد الشريف نقيب الشرفاء ابن عبد الحميد والقاضي حمزة في شأني بالخير، وأشاروا على السلطان بإكرامي.
وهؤلاء الأتراك لا يعرفون إنزال الوارد ولا إجراء النفقة وانّما يبعثون له الغنم والخيل للذّبح وروايا القمزّ، وتلك كرامتهم، وبعد هذا بأيام صلّيت صلاة العصر مع السلطان، فلما أردت الانصراف أمرني بالقعود، وجاءوا بالطّعام من المشروبات كما يصنع من الدّوقي ثم
стр. 614
باللّحوم المسلوقة من الغنمي والخيلي، وفي تلك الليلة أتيت السلطان بطبق حلواء فجعل اصبعه عليه وجعله على فيه ولم يزد على ذلك!
ذكر الخواتين وتربيتهن
وكلّ خاتون منهن تركب في عربة وللبيت الذي تكون فيه قبّة من الفضّة المموّهة بالذهب أو من الخشب المرصّع، وتكون الخيل التي تجرّ عربتها مجلّلة بأثواب الحرير المذهّب، وخديم العربة الذي يركب أحد الخيل فتى يدعى القشي «٤١» ، والخاتون قاعدة في عربتها وعن يمينها امرأة من القواعد تسمى أولو خاتون «٤٢» ، بضم الهمزة واللام، ومعنى ذلك الوزيرة، وعن شمالها امرأة من القواعد ايضا تسمى كجك خاتون، بضم الكاف والجيم، ومعنى ذلك الحاجبة، وبين يديها ستّ من الجواري الصغار يقال لهن: البنات، فائقات الجمال، متناهيات الكمال، ومن ورائها ثنتان مثلهنّ، تستند إليهنّ، وعلى رأس الخاتون البغطاق، وهو مثل التاج الصغير مكلل بالجواهر وبأعلاه ريش الطواويس وعليها ثياب حرير مرصّعة بالجوهر شبه المنوت «٤٣» التي يلبسها الروم، وعلى رأس الوزيرة والحاجبة مقنعة حرير، مزركشة الحواشي بالذّهب والجوهر، وعلى رأس كلّ واحدة من البنات الكلا وهو شبه الأقروف، وفي أعلاه دائرة ذهب مرصّعة بالجوهر وريش الطواويس من فوقها وعلى كلّ واحدة ثوب حرير مذهب يسمى النّخّ، ويكون بين يدي الخاتون عشرة أو خمسة عشر من الفتيان الرّوميين والهنديّين، وقد لبسوا ثياب الحرير المذهب المرصعة بالجواهر، وبيد كلّ واحد منهم عمود ذهب أو فضّة أو يكون من عود ملبس بهما وخلف عربة الخاتون نحو مائة عربة في كل عربة الثلاث والأربع من الجواري الكبار والصغار، ثيابهن الحرير وعلى رؤوسهن الكلا، وخلف هذه العربات نحو ثلاثمائة عربة تجرها الجمال والبقر تحمل خزائن الخاتون وأموالها وثيابها وأثاثها وطعامها ومع كلّ عربة غلام موكّل بها متزوج بجارية من الجواري التي ذكرنا، فإن العادة عندهم أنّه لا يدخل بين الجواري من الغلمان الّا من كان له بينهن زوجة! وكل خاتون فهي على هذا الترتيب ولنذكرهن على الانفراد.
стр. 615
ذكر الخاتون الكبرى
والخاتون الكبرى: هي الملكة أم ولدي السلطان جان بك وتين بك وسنذكرهما، وليست أم ابنته ايت كججك، وامها كانت الملكة قبل هذه واسم هذه الخاتون طيطغلي «٤٤» بفتح الطاء المهملة الأولى واسكان الياء آخر الحروف وضم الطاء الثانية واسكان الغين المعجمة وكسر الام وياء مدّ، وهي أحظى نساء هذا السلطان عنده، وعندها يبيت أكثر لياليه ويعظمها الناس بسبب تعظيمه لها، وإلا فهي أبخل الخواتين! وحدّثني من اعتمده من العارفين بأخبار هذه الملكة أنّ السلطان يحبّها للخاصيّة التي فيها، وهي أنّه يجدها كلّ ليلة كأنّها بكر (٤٥) !! وذكر لي غيره أنها من سلالة المرأة التي يذكر أن الملك زال عن سليمان ﵇ بسببها، ولما عاد إليه ملكه أمر أن توضع بصحراء قفجق «٤٥» ، وأن رحم هذه الخاتون شبه الحلقة خلقة، وكذلك كلّ من هو من نسل المرأة المذكورة، ولم أر بصحراء قفجق ولا غيرها من أخبر أنّه رأى امرأة على هذه الصورة ولا سمع بها الّا هذه الخاتون! اللهمّ الّا أنّ بعض أهل الصين أخبرني أنّ بالصين صنفا من نسائها على هذه الصورة ولم يقع بيدي ذلك ولا عرفت له حقيقة!!.
وفي غد اجتماعي بالسلطان دخلت إلى هذه الخاتون وهي قاعدة فيما بين عشر من النساء القواعد كأنّهنّ خديمات لها وبين يديها نحو خمسين جارية صغارا يسمون البنات، وبين أيديهن طيافير الذهب والفضّة مملوّة بحبّ الملوك وهنّ ينقينه، وبين يدي الخاتون صينيّة ذهب مملوة منه وهي تنقّيه، فسلّمنا عليها وكان في جملة أصحابي قارئ يقرأ القرآن على طريقة المصريّين بطريقة حسنة وصوت طيّب، فقرأ ثم أمرت أن يوتى بالقمز فأوتي به في أقداح خشب لطاف خفاف، فأخذت القدح بيدها وناولتني إيّاه وتلك نهاية الكرامة عندهم، ولم
стр. 616
مشهد للخواتين
стр. 617
أكن شربت القمزّ قبلها، ولا كن لم يمكنني إلّا قبوله! وذقته ولا خير فيه، ودفعته لأحد أصحابي، وسألتني عن كثير من حال سفرنا، فأجبناها، ثم انصرفنا عنها، وكان ابتداؤنا بها لأجل عظمتها عند الملك!
ذكر الخاتون الثانية التي تلي الملكة
واسمها كبك خاتون، بفتح الكاف الأولى وفتح الباء الموحدة، ومعناه بالتركية النّخالة، وهي بنت الأمير نغطى، واسمه بنون وغين معجمة وطاء مهملة مفتوحات وياء مسكنة، وأبوها حيّ مبتلى بعلة النّقرس، وقد رأيته، وفي غد دخولنا على الملكة دخلنا على هذه الخاتون فوجدناها على مرتبة تقرأ في المصحف الكريم وبين يديها نحو عشر من النساء القواعد ونحو عشرين من البنات يطرّزن ثيابا فسلّمنا عليها وأحسنت في السلام والكلام، وقرأ قارئنا فاستحسنته، وأمرت بالقمز فأحضر وناولتني القدح بيدها كمثل ما فعلته الملكة وانصرفنا عنها.
ذكر الخاتون الثالثة
واسمها بيلون بباء موحدة وياء آخر الحروف كلاهما مفتوح ولام مضموم وواو ومدّ ونون، وهي بنت ملك القسطنطينية العظمى السلطان تكفور «٤٦» ودخلنا على هذه الخاتون وهي قاعدة على سرير مرصّع وقوائمه فضّة وبين يديها نحو مائة جارية: روميّات وتركيّات ونوبيّات، منهن قائمات وقاعدات، والفتيان على رأسها، والحجّاب بين يديها من رجال الروم، فسألت عن حالنا ومقدمنا وبعد أوطاننا، وبكت ومسحت وجهها بمنديل كان بين يديها رقّة
стр. 618
منها وشفقة، وأمرت بالطعام فأحضر وأكلنا بين يديها وهي تنظر إلينا ولمّا أردنا الانصراف، قالت: لا تنقطعوا عنّا وتردّدوا إلينا وطالعونا بحوائجكم: وأظهرت مكارم الاخلاق وبعثت في أثرنا بطعام وخبز كثير وسمن وغنم ودراهم وكسوة جيّدة وثلاثة من جياد الخيل وعشرة من سائرها، ومع هذه الخاتون كان سفري إلى القسطنطينية العظمى كما نذكره بعد.
ذكر الخاتون الرابعة
واسمها أردجا بضمّ الهمزة واسكان الراء وضم الدال المهمل وجيم والف، وأرد بلسانهم المحلّة، وسمّيت بذلك لولادتها في المحلّة، وهي بنت الأمير الكبير عيسى بك أمير الألوس «٤٧» بضمّ الهمزة واللام، ومعناه أمير الأمراء، وأدركته حيّا وهو متزوج ببنت السلطان ايت كججك، وهذه الخاتون من أفضل الخواتين وألطفهنّ شمائل وأشفقهنّ، وهي التي بعثت إليّ لمّا رأت بيتي على التل عند جواز المحلة كما قدّمناه، دخلنا عليها فرأينا من حسن خلقها وكرم نفسها ما لا مزيد عليه، أمرت بالطعام فأكلنا بين يديها، ودعت بالقمز فشرب أصحابنا، وسألت عن حالنا، فأجبناها، ودخلنا أيضا إلى أختها زوجة الأمير علي بن أرزق.
ذكر بنت السّلطان المعظّم أوزبك
واسمها إيت كججك، وايت بكسر الهمزة وياء مدّ وتاء مثناة وكججك بضم الكاف وضم الجيمين، ومعنى اسمها الكلب الصغير، فإنّ إيت هو الكلب، وكججك هو الصغير «٤٨» وقد قدّمنا أنّ الترك يسمون بالفأل، كما تفعل العرب، وتوجهنا إلى هذه الخاتون بنت الملك وهي في محلة منفردة على نحو ستّة أميال من محلة والدها فأمرت بإحضار الفقهاء والقضاة والسيد الشريف ابن عبد الحميد وجماعة الطلبة والمشائح والفقراء، وحضر زوجها الأمير عيسى الذي بنته زوجة السلطان، فقعد معها على فراش واحد وهو معتلّ بالنّقرس فلا يستطيع التصرّف على قدميه ولا ركوب الفرس وانّما يركب العربة، وإذا أراد الدخول على السلطان أنزله خدّامه وأدخلوه إلى المجلس محمولا، وعلى هذه الصورة رأيت أيضا الأمير نغطي، وهو أبو الخاتون الثانية، وهذه العلّة فاشية في هؤلاء الأتراك، ورأينا من هذه الخاتون
стр. 619
بنت السلطان من المكارم وحسن الأخلاق ما لم نره من سواها وأجزلت الاحسان وافضلت جزاها الله خيرا.
ذكر ولديّ السلطان
وهما شقيقان، وأمهما جميعا طيطغلي التي قدّمنا ذكرها والأكبر منهما اسمه تين بك «٤٩» ، بتاء معلوّة وياء مدّ ونون مفتوحة، بك معناه الأمير، وتين معناه الجسد، فكأن اسمه أمير الجسد، واسم أخيه جان بك بفتح الجيم وكسر النون، ومعنى جان: «٥٠» الروح فكأنّه يسمّى أمير الروح، ولكل واحد منها محلة على حدة، وكان تين بك من أجمل خلق الله صورة وعهد له أبوه بالملك، وكانت له الحظوة والتشريف عنده، ولم يرد الله ذلك، فإنه لمّا مات أبوه ولّي يسيرا، ثم قتل لأمور قبيحة جرت له، وولى أخوه جان بك وهو خير منه وأفضل.
وكان السيّد الشريف ابن عبد الحميد هو الذي تولّى تربية جان بك، وأشار عليّ هو والقاضي حمزة والإمام بدر الدين القومي والإمام المقرئ حسام الدين البخاريّ وسواهم حين قدومي أن يكون نزولي بمحلة جان بك المذكور لفضله ففعلت ذلك.
ذكر سفري إلى مدينة بلغار
وكنت سمعت بمدينة بلغار «٥١» فأردت التوجه إليها لأرى ما ذكر عنها من انتهاء قصر الليل بها، وقصر النهار في عكس ذلك الفصل، وكان بينها وبين محلّة السلطان مسيرة
стр. 620
عشر، فطلبت منه من يوصلني إليها فبعث معي من أوصلني إليها وردّني إليه ووصلتها في رمضان فلمّا صلينا المغرب أفطرنا وأذّن العشاء في أثناء إفطارنا فصلّينا وصلينا التراويح والشفع والوتر وطلع الفجر إثر ذلك، وكذلك يقصر النهار بها في فصل قصره أيضا وأقمت بها ثلاثا.
ذكر أرض الظلمة
وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة والدخول اليها من بلغار، وبينهما مسيرة أربعين يوما «٥٢» ، ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤنة فيه وقلة الجدوى، والسفر إليها لا يكون إلّا في عجلات صغار، تجرّها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت قدم الآدميّ ولا حافر الدابّة فيها، والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها في الجليد، ولا يدخلها إلّا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها موقرة بطعامه وشرابه وحطبه «٥٣» فإنّها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر. والدليل بتلك الأرض هو الكلب «٥٤» الذي قد سار فيها مرارا كثيرة، وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها، وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب ويكون هو المقدّم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفت وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره، وإذا حضر الطعام أطعم الكلاب أوّلا قبل بني آدم والّا غضب الكلب وفرّ وترك صاحبه للتلف! فإذا كملت للمسافرين بهذه الفلاة أربعون مرحلة نزلوا عند الظّلمة وترك كلّ واحد منهم ما جاء به من المتاع هنالك، وعادوا إلى منزلهم المعتاد فإذا كان من الغد عادوا لتفقّد متاعهم فيجدون بإزائه من السمّور والسّنجاب والقاقم، فإن أرضى صاحب المتاع ما وجده إزاء متاعه أخذوه وإن لم يرضه تركه فيزيدونه، وربّما رفعوا متاعهم أعني أهل الظلمة، وتركوا متاع التجار، وهكذا بيعهم وشراؤهم ولا يعلم الذين يتوجهون إلى هنالك من يبايعهم ويشاريهم أمن الجنّ أم من الإنس ولا يرون أحدا!
стр. 621
والقاقم «٥٥» : هو أحسن أنواع الفراء وتساوي الفروة منه ببلاد الهند ألف دينار وصرفها من ذهبنا مائتان وخمسون، وهي شديدة البياض من جلد حيوان صغير في طول الشبر وذنبه طويل يتركونه في الفروة على حاله، والسمّور دون ذلك تساوي الفروة منه أربعمائة دينار فما دونها.
وخاصيّة هذه الجلود أنّه لا يدخلها القمل، وأمراء الصين وكبارها يجعلون منه الجلد الواحد متّصلا بفرواتهم عند العنق، وكذلك تجار فارس والعراقين.
وعدت من مدينة بلغار مع الأمير الذي بعثه السلطان في صحبتي فوجدت محلّة السلطان على الموضع ببش دغ وذلك في الثامن والعشرين من رمضان وحضرت معه صلاة العيد وصادف يوم العيد يوم الجمعة «٥٦» .
ذكر تربيتهم في العيد
ولمّا كان صباح يوم العيد ركب السلطان في عساكره العظيمة، وركبت كلّ خاتون عربتها ومعها عساكرها وركبت بنت السلطان والتاج على رأسها إذ هي الملكة على الحقيقة ورثت الملك من أمّها «٥٧» ، وركب أولاد السلطان كلّ واحد في عسكره.
وكان قد قدم لحضور العيد قاضي القضاة شهاب الدين السايليّ، ومعه جماعة من الفقهاء والمشايخ، فركبوا وركب القاضي حمزة والامام بدر الدين القوامي والشريف ابن عبد الحميد، وكان ركوب هؤلاء الفقهاء مع تين بك ولي عهد السلطان ومعهم الأطبال والأعلام، فصلّى بهم القاضي شهاب الدين وخطب أحسن خطبة، وركب السلطان وانتهى إلى برج خشب يسمّى عندهم الكشك «٥٨» ، فجلس فيه ومعه خواتينه، ونصب برج ثان دونه فجلس فيه وليّ عهده وابنته صاحبة التاج ونصب برجان دونهما عن يمينه وشماله فيهما أبناء السلطان
стр. 622
وأقاربه ونصبت الكراسي للأمراء وأبناء الملوك، وتسمّى الصّندليات «٥٩» عن يمين البرج وشماله، فجلس كل واحد على كرسيّه.
ثمّ نصبت طبلات للرمي لكل أمير طومان ٦»
طبلة مختصّة به، وأمير طومان عندهم هو الذي يركب له عشرة آلاف، فكان الحاضرون من أمراء طومان سبعة عشر يقودون مائة وسبعين ألفا، وعسكره أكثر من ذلك، ونصب لكل أمير شبه منبر فقعد عليه وأصحابه يلعبون بين يديه فكانوا على ذلك ساعة.
ثمّ أتي بالخلع فخلعت على كل أمير خلعة وعندما يلبسها يأتي إلى أسفل برج السلطان، فيخدم، وخدمته أن يمسّ الأرض بركبته اليمنى ويمدّ رجله عليها والأخرى قائمة.
ثم يؤتي بفرس مسرج ملجم فيرفع حافره ويقبّل فيه الأمير ويقوده بنفسه إلى كرسيه، وهنالك يركبه ويقف مع عسكره ويفعل هذا الفعل كلّ أمير منهم، ثم ينزل السلطان عن البرج ويركب الفرس وعن يمينه ابنه وليّ العهد، وتليه بنته الملكة إيت كججك، وعن يساره ابنه الثاني، وبين يديه الخواتين الأربع في عربات مكسوّة بأثواب الحرير المذهّب، والخيل التي تجرّها مجلّلة بالحرير المذهّب، وينزل جميع الأمراء الكبار والصغار وابناء الملوك والوزراء والحجّاب وأرباب الدولة فيمشون بين يدي السلطان على أقدامهم إلى أن يصل إلى الوطاق «٦١» ، والوطاق بكسر الواو وهو أفراج، وقد نصبت هنالك باركة «٦٢» عظيمة، والباركة عندهم بيت كبير له أربعة أعمدة من الخشب مكسوّة بصفائح الفضة المموّهة بالذهب، وفي أعلى كلّ عمود جامور من الفضّة المذهّبة له بريق وشعاع وتظهر هذه الباركة على بعد كأنّها تنيّة، ويوضع عن يمينها ويسارها سقائف من القطن والكتّان، ويفرش ذلك كلّه بفرش الحرير، وينصب في وسط الباركة السرير الأعظم، وهم يسمونه التّخت «٦٣» ، وهو من خشب مرصّع وأعواده مكسوّة بصفائح مذهّبة، وقوائمه من الفضة الخالصة المموّهة، وفوقه فرش عظيم.
وفي وسط هذا السرير الأعظم مرتبة يجلس بها السلطان والخاتون الكبرى وعن يمينه مرتبة جلست بها بنته ايت كججك ومعها الخاتون أردجا، وعن يساره مرتبة جلست بها
стр. 623
الخاتون بيلون، ومعها الخاتون كبك، ونصب عن يمين السرير كرسي قعد عليه تين بك ولد السلطان، ونصب عن شماله كرسي قعد عليه جان بك ولده الثاني، ونصبت كراسي عن اليمين والشمال جلس فوقها أبناء الملوك والأمراء الكبار، ثم الأمراء الصغار مثل أمراء هزارة «٦٤» ، وهم الذين يقودون ألفا.
ثم أتي بالطعام على موائد الذهب والفضّة وكلّ مائدة يحملها أربعة رجال وأكثر من ذلك، وطعامهم لحوم الخيل والغنم مسلوقة، وتوضع بين يدي كلّ أمير مائدة وياتي الباورجي «٦٥» ، وهو مقطّع اللحم وعليه ثياب حرير وقد ربط عليها فوطة حرير وفي حزامه جملة سكاكين في أغمادها، ويكون لكلّ أمير باورجي، فإذا قدّمت المائدة قعد بين يدي أميره، ويؤتى بصحفة صغيرة من الذهب أو الفضّة فيها ملح محلول بالماء فيقطع الباروجي اللّحم قطعا صغارا. ولهم في ذلك صنعة في قطع اللحم مختلطا بالعظم فإنهم لا يأكلون منه إلّا ما اختلط بالعظم.
ثم يؤتي بأواني الذهب والفضّة للشرب، وأكثر شربهم نبيذ العسل وهم حنفيّة المذهب يحلّلون النبيذ، فإذا أراد السلطان أن يشرب أخذت بنته القدح بيدها، وخدمت برجلها، ثم ناولته القدح فشرب ثم تأخذ قدحا آخر فتناوله للخاتون الكبرى، فتشرب منه ثم تناول لسائر الخواتين على ترتيبهنّ، ثم يأخذ وليّ العهد القدح ويخدم ويناوله أباه فيشرب ثم يناول الخواتين ثم أخته ويخدم لجميعهن، ثم يقوم الولد الثاني فيأخذ القدح ويسقي أخاه له ثم يقوم الأمراء الكبار فيسقي كلّ واحد منهم وليّ العهد، ويخدم له ثم يقوم أبناء الملوك فيسقي كلّ واحد منهم هذا الابن الثاني ويخدم له، ثم يقوم الأمراء الصغار فيسقون أبناء الملوك.
ويغنّون أثناء ذلك بالملالية «٦٦» وكانت قد نصبت قبّة كبيرة أيضا إزاء المسجد للقاضي والخطيب والشريف وسائر الفقهاء والمشايخ، وأنا معهم فأوتينا بموائد الذهب والفضة، يحمل كلّ واحدة أربعة من كبار الأتراك، ولا يتصرف في ذلك اليوم بين يدي السلطان إلّا الكبار فيأمرهم برفع ما أراد من الموائد إلى من أراد فكان من الفقهاء من أكل، ومنهم من تورّع من الأكل في الموائد الفضّة والذّهب. ورأيت مدّ البصر عن اليمين والشمال
стр. 624
من العربات عليها روايا القمزّ فأمر السلطان بتفريقها على الناس، فأتوا إلىّ بعربة منها فأعطيتها لجيراني من الأتراك، ثم أتينا المسجد ننتظر صلاة الجمعة فأبطأ السلطان، فمن قائل إنّه لا يأتي لأن السّكر قد غلب عليه، ومن قائل إنّه لا يترك الجمعة، فلمّا كان بعد تمكّن الوقت أتى وهو يتمايل! فسلم على السيد الشريف وتبسّم له وكان يخاطبه بآطا، وهو الأب بلسان التّركية، ثم صلّينا الجمعة وانصرف الناس إلى منازلهم وانصرف السلطان إلى الباركة، فبقي على حاله إلى صلاة العصر ثم انصرف الناس أجمعون وبقي مع الملك تلك الليلة خواتينه وبنته.
ثم كان رحيلنا مع السلطان والمحلّة لمّا انقضى العيد فوصلنا إلى مدينة الحاجّ ترخان «٦٧» ، ومعنى ترخان عندهم: الموضع المحرّر من المغارم، وهو بفتح التاء المثناة وسكون الراء وفتح الخاء المعجم وآخره نون، والمنسوب اليه هذه المدينة هو حاجّ من الصالحين، تركي نزل بموضعها وحرّر له السلطان ذلك الموضع فصار قرية، ثم عظمت وتمدّنت، وهي من أحسن المدن عظيمة الأسواق مبنيّة على نهر إتل «٦٨» ، وهو من أنهار الدنيا الكبار، وهنالك يقيم السلطان حتّى يشتدّ البرد ويجمد هذا النهر، وتجمد المياه المتّصلة به، ثم يأمر أهل تلك البلاد فيأتون بآلاف من أحمال التبن فيجعلونها على الجليد المنعقد فوق النهر، والتبن هنالك لا تأكله الدواب، لأنّه يضرّها، وكذلك ببلاد الهند، وانّما أكلها الحشيش الأخضر لخصب البلاد، ويسافرون بالعربات فوق هذا النهر، والمياه المتصلة به ثلاث مراحل، وربّما جازت القوافل فوقه مع آخر فصل الشتاء فيغرقون ويهلكون.
ولمّا وصلنا مدينة الحاجّ ترخان رغبت الخاتون بيلون ابنة ملك الروم من السلطان أن ياذن لها في زيارة أبيها لتضع حملها عنده وتعود إليه، فأذن لها ورغبت منه أن يأذن لي في التوجّه صحبتها لمشاهدة القسطنطينية العظمى، فمنعني خوفا عليّ فلاطفته وقلت له: إنّما أدخلها في حرمتك وجوارك فلا أخاف من أحد! فأذن لي وودّعناه ووصلني بألف وخمسمائة دينار وخلعة وأفراس كثيرة وأعطتني كلّ خاتون منهنّ سبائك الفضة، وهم يسمّونها الصّوم،
стр. 625
من وسائل النقل في الصحراء
стр. 626
بفتح الصاد المهمل، واحدتها صومة «٦٩» ، وأعطت بنته أكثر منهنّ وكستي وأركبتني، واجتمع لي من الخيل والثياب وفروات السنجاب والسّمور جملة.
ذكر سفري إلى القسطنطينية
وسافرنا في العاشر من شوّال «٧٠» في صحبة الخاتون بيلون وتحت حرمتها، ورحل السلطان في تشييعها مرحلة ورجع هو والملكة ووليّ عهده، وسافر سائر الخواتين في صحبتها مرحلة ثانية، ثم رجعن، وسافر صحبتها الأمير بيدرة في خمسة آلاف من عسكره «٧١» .
وكان عسكر الخاتون نحو خمسمائة فارس منهم خدّمها من المماليك والروم نحو مائتين والباقون من التّرك، وكان معها من الجواري نحو مائتين أكثرهنّ روميات، وكان لها من العربات نحو أربعمائة عربة ونحو ألفي فرس لجرّها وللركوب، ونحو ثلاثمائة من البقر ومائتين من الجمال لجرّها، وكان معها من الفتيان الروميين عشرة، ومن الهنديّين مثلهم، وقائدهم الأكبر يسمّى بسنبل الهندي، وقائد الروميين يسمى بميخائيل، ويقول له الأتراك لؤلؤ، وهو من الشجعان الكبار وتركت أكثر جواريها وأثقالها بمحلة السلطان إذ كانت قد توجّهت برسم الزيارة ووضع الحمل.
وتوجهنا إلى مدينة أكك «٧٢» ، وهي بضم الهمزة وفتح الكاف الأولى، مدينة متوسطة حسنة العمارة كثيرة الخيرات شديدة البرد وبينها وبين السّرا حضرة السلطان مسيرة عشر،
стр. 627
منظر يقرب لموكب الأميرة التركية وهي في طريقها إلى القسطنطينية
стр. 628
وعلى مسيرة يوم من هذه المدينة جبال الرّوس وهم نصارى شقر الشعور زرق العيون قباح الصور، أهل غدر، وعندهم معادن الفضّة «٧٣» ، ومن بلادهم يوتي بالصّوم، وهي سبائك الفضّة التي بها يباع ويشترى في هذه البلاد ووزن الصّومة منها خمس أواقي.
ثم وصلنا بعد عشر من هذه المدينة إلى مدينة سرداق «٧٤» وضبط اسمها بضم السين المهمل وسكون الراء وفتح الدال المهمل وآخره قاف، وهي من مدن دشت قفجق على ساحل البحر، ومرساها من أعظم المراسي وأحسنها، وبخارجها البساتين والمياه وينزلها الترك وطائفة من الروم تحت ذمّتهم، وهم أهل الصنائع، وأكثر بيوتها خشب، وكانت هذه المدينة كبيرة فخرب معظمها بسبب فتنة وقعت بين الروم والترك، وكانت الغلبة للرّوم فانتصر للترك أصحابهم وقتلوا الروم شرّ قتله ونفوا أكثرهم وبقي بعضهم تحت الذمّة إلى الآن.
وكانت «٧٥» الضيافة تحمل إلى الخاتون في كلّ منزل من تلك البلاد من الخيل والغنم والبقر والدّوقي والقمزّ وألبان البقر والغنم، والسّفر في هذه البلاد مضحى ومعشى، وكل أمير بتلك البلاد يصحب الخاتون بعساكره إلى آخر حدّ بلاده تعظيما لها، لا خوفا عليها، لأن تلك البلاد آمنة.
ثم وصلنا إلى البلدة المعروفة باسم بابا سلطوق «٧٦» ، وبابا عندهم بمعناها عند البربر سواء «٧٧» ، إلّا أنّهم يفخّمون الباء وسلطوق بفتح السين المهمل واسكان اللام وضمّ الطاء
стр. 629
المهمل وآخره قاف، ويذكرون أن سلطوق هذا كان مكاشفا لاكن يذكر عنه أشياء ينكرها الشرع، وهذه البلدة آخر بلاد الأتراك، وبينها وبين أوّل عمالة الرّوم ثمانية عشر يوما في بريّة غير معمورة، منها ثمانية أيّام لا ماء بها، يتزوّد لها الماء، ويحمل في الرّوايا والقرب على العربات، وكان دخولنا اليها في أيام البرد، فلم نحتج إلى كثير من الماء «٧٨» ، والأتراك يرفعون الألبان في القرب ويخلطونها بالدّوقي المطبوخ، ويشربونها فلا يعطشون.
وأخذنا من هذه البلدة في الاستعداد للبريّة، واحتجت إلى زيادة أفراس فأتيت الخاتون فأعلمتها بذلك، وكنت أسلّم عليها صباحا ومساء ومتى أتتها ضيافة تبعث إليّ بالفرسين والثلاثة وبالغنم، فكنت أترك الخيل لا أذبحها وكان من معي من الغلمان والخدّام يأكلون من أصحابنا الأتراك فاجتمع لي نحو خمسين فرسا، وأمرت لي الخاتون بخمسة عشر فرسا وأمرت وكيلها ساروجة الرومي «٧٩» أن يختارها سمانا من خيل المطبخ، وقالت: لا تخف فإن احتجت إلى غيرها زدناك!! ودخلنا البرية في منتصف ذي القعدة «٨٠» ، فكان سيرنا من يوم فارقنا السلطان إلى أول البرية تسعة عشر يوما، وإقامتنا خمسة، ورحلنا من هذه البريّة ثمانية عشر يوما مضحى ومعشى، وما رأينا إلّا خيرا، والحمد لله.
ثم وصلنا بعد ذلك إلى حصن مهتولي «٨١» ، وهو أول عمالة الروم، وضبط اسمه بفتح
стр. 630
الميم وسكون الهاء وضم التاء المعلوّة وواو مدّ ولام مكسور وياء، وكانت الروم قد سمعت بقدوم هذه الخاتون على بلادها فوصلها إلى هذا الحصن كفالي نقوله «٨٢» الرومي في عسكر عظيم وضيافة عظيمة وجاءت الخواتين والدايات من دار أبيها ملك القسطنطينية.
وبين مهتولي والقسطنطينية مسيرة اثنين وعشرين يوما إلى الخليج وستة منه إلى القسطنطينية، ولا يسافر من هذا الحصن إلا بالخيل والبغال، وتترك العربات به لأجل الوعر والجبال، وجاء كفالي المذكور ببغال كثيرة وبعثت إليّ الخاتون بستة منها وأوصت أمير ذلك الحصن بمن تركته من أصحابي وغلماني مع العربات والأثقال، فأمر لهم بدار، ورجع الأمير بيدرة بعساكره، ولم يسافر مع الخاتون إلا ناسها، وتركت مسجدها بهذا الحصن وارتفع حكم الآذان!! وكان يؤتى إليها بالخمور في الضيافة فتشربها وبالخنازير، وأخبرني بعض خواصّها أنها أكلتها ولم يبق معها من يصلّي الا بعض الأتراك كان يصلي معنا، وتغيّرت البواطن لدخولنا في بلاد الكفر، ولاكن الخاتون أوصت الأمير كفالي بإكرامي، ولقد ضرب مرة بعض مماليكه لما ضحك من صلاتنا! ثم وصلنا حصن مسلمة بن عبد الملك «٨٣» وهو بفسح جبل على نهر زخّار يقال له أصطفيلي، ولم يبق من هذا الحصن إلّا آثاره، وبخارجه قرية كبيرة، ثم سرنا يومين ووصلنا إلى الخليج «٨٤» وعلى ساحلة قرية كبيرة فوجدنا فيه المدّ، فأقمنا حتى كان الجزر وخضناه، وعرضه نحو ميلين ومشينا أربعة أميال في رمال ووصلنا الخليج الثاني فخضناه وعرضه نحو ثلاثة أميال، ثم مشينا نحو ميلين في حجارة ورمل ووصلنا الخليج الثالث، وقد ابتدأ المدّ فتعبنا فيه وعرضه ميل واحد، فعرض الخليج كله مائيّة ويابسة اثنا عشر ميلا، وتصير ماء كلها في أيام المطر فلا تخاض إلّا في القوارب.
стр. 631
وعلى ساحل هذا الخليج الثالث مدينة الفنيكة «٨٥» واسمها بفاء مفتوحة ونون وياء مدّ وكاف مفتوح، وهي صغيرة لاكنّها حسنة مانعة، وكنائسها وديارها حسان، والأنهار تخرقها والبساتين تحفّها، ويدّخر بها العنب والاجّاص والتفاح والسفرجل من السنة إلى الأخرى، وأقمنا بهذه المدينة ثلاثا والخاتون في قصر لأبيها هنالك، ثمّ قدم أخوها شقيقها واسمه كفالي قراس «٨٦» في خمسة آلاف فارس شاكّين في السلاح، ولما أرادوا لقاء الخاتون ركب أخوها المذكور فرسا أشهب ولبس ثيابا بيضا، وجعل على رأسه مظلا مكلّلا بالجواهر، وجعل عن يمينه خمسة من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم لابسين البياض أيضا، وعليهم مظلّات مزركشة بالذهب وجعل بين يديه مائة من المشّائين، ومائة فارس قد أسبغوا الدروع على أنفسهم وخيلهم، وكلّ واحد منهم يقود فرسا مسرجا مدرعا عليه شكّة فارس من البيضة المجوهرة والدرع والتركش والقوس والسيف وبيده رمح في طرف رأسه راية واكثر تلك الرماح مكسوّة بصفائح الذهب والفضة، وتلك الخيل المقودة هي مراكب ابن السلطان، وقسّم فرسانه على أفواج، كلّ فوج فارس، ولهم أمير قد قدّم أمامه عشرة من الفرسان شاكّين في السلاح، وكل واحد منهم يقود فرسا وخلفه عشرة من العلامات ملوّنة بأيدي عشرة من الفرسان، وعشرة أطبال يتقلدها عشرة من الفرسان ومعهم ستة يضربون الأبواق والأنفار والصّرنايات وهي الغيطات.
وركبت «٨٧» الخاتون في مماليكها وجواريها وفتيانها وخدامها وهم نحو خمسمائة عليهم ثياب الحرير المزركشة بالذهب المرصّعة وعلى الخاتون حلّة يقال لها النّخ، ويقال لها أيضا النسيج، مرصّعة بالجوهر وعلى رأسها تاج مرصع، وفرسها مجلّل بجل حرير، مزركش بالذهب، وفي يديه ورجليه خلاخل الذّهب، وفي عنقه قلائد مرصّعة وعظم السرج مسكوّ ذهبا مكلّل جوهرا.
وكان التقاؤهما في بسيط من الأرض على نحو ميل من البلد، وترجل لها أخوها لأنه أصغر سنّا منها وقبّل ركابها، وقبّلت رأسه، وترجل الأمراء وأولاد الملوك وقبّلوا جميعا ركابها، وانصرفت مع أخيها.
стр. 632
وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى مدينة كبيرة على ساحل البحر لا أثبت الآن اسمها «٨٨» ذات أنهار وأشجار، نزلنا بخارجها، ووصل أخو الخاتون وليّ العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع، وعلى رأسه تاج وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم وقد رتّب فرسانه على ترتيب أخيه سواء إلّا أنّ الحفل أعظم والجمع أكثر، وتلاقت معه أخته في مثل زيّها الأول وترجّلا جميعا وأوتي بخباء حرير فدخلا فيه، فلا أعلم كيفية سلامهما! ونزلنا على عشرة أميال من القسطنطينية.
فلما كان بالغد خرج أهلها من رجال ونساء وصبيان ركبانا ومشاة في أحسن زيّ وأجمل لباس وضربت عند الصبح الأطبال والأبواق والأنفار، وركبت العساكر، وخرج السلطان وزوجته أمّ هذه الخاتون وأرباب الدولة والخوّاص وعلى رأس الملك رواق يحمله جملة من الفرسان ورجال بأيديهم عصّي طوال في أعلى كل عصي شبه كرة من جلد يرفعون بها الرّواق، وفي وسط الرواق مثل القبّة يرفعها الفرسان بالعصيّ.
ولما أقبل السلطان اختلطت العساكر وكثر العجاج، ولم أقدر على الدخول فيما بينهم، فلزمت أثقال الخاتون وأصحابها خوفا على نفسي، وذكر لي أنّها لمّا قربت من أبويها ترجلت وقبلت الأرض بين أيديهما ثم قبلت حافري فرسيهما! وفعل كبار أصحابها مثل فعلها في ذلك.
وكان دخولنا «٨٩» عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى، وقد ضربوا نواقيسهم حتى ارتجّت الآفاق لاختلاط أصواتها، ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به نحو مائة رجل معهم قائد لهم فوق دكّانة، وسمعتهم يقولون: سراكنو!
стр. 633
سراكنو «٩٠» ومعناه: المسلمون، ومنعونا من الدخول، فقال لهم أصحاب الخاتون إنهم من جهتنا، فقالوا: لا يدخلون إلا بالإذن! فأقمنا بالباب وذهب بعض أصحاب الخاتون فبعث من أعلمها بذلك، وهي بين يدي والدها، فذكرت له شأننا، فأمر بدخولنا وعيّن لنا دارا بمقربة من دار الخاتون، وكتب لنا امرا بأن لا نعترض حيث نذهب من المدينة، ونودي بذلك في الأسواق وأقمنا بالدار ثلاثا تبعث إلينا الضيافة من الدقيق والخبز والغنم والدجاج والسّمن والفاكهة والحوت والدراهم والفرش وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان.
ذكر سلطان القسطنطينية
واسمه تكفور «٩١» بفتح التاء المثناة وسكون الكاف وضم الفاء وواو وراء، ابن السلطان جرجيس وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة لكنّه تزهّد وترهّب وانقطع للعبادة في الكنائس وترك الملك لولده، وسنذكره. وفي اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بعثت إليّ الخاتون الفتى سنبل الهندي فأخذ بيدي وأدخلني إلى القصر «٩٢» فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف، بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة، فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى سنبل، ودخل، ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين ففتّشوني لئلّا يكون معي سكّين! وقال لي القائد: تلك عادة لهم لا بدّ من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاصّ أو عامّ غريب أو بلديّ وكذلك الفعل بأرض الهند.
стр. 634
ثم لما فتّشوني قام الموكّل بالباب فأخد بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال:
أمسك اثنان بكمّي واثنان من ورائي فدخلوا بي إلى مشور كبير حيطانه بالفسيفساء قد نقش فيها صوّر المخلوقات من الحيوانات والجماد، وفي وسطه ساقية ماء ومن جهتها الأشجار والناس واقفون يمينا ويسارا، سكوتا لا يتكلم أحد منهم، وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف أسلمني أولئك الأربعة إليهم فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون وأشار اليهم رجل فتقدّموا بى وكان أحدهم يهوديّا، فقال لي بالعربي: لا تخف فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد، وأنا التّرجمان، وأصلي من بلاد الشام فسألته: كيف أسلّم؟ فقال: قل السلام عليكم.
ثم وصلت إلى قبّة عظيمة والسلطان على سريره وزوجته أمّ هذه الخاتون «٩٣» بين يديه، وأسفل السرير الخاتون وإخوتها وعن يمينه ستّة رجال، وعن يساره أربعة وعلى رأسه أربعة، وكلّهم بالسلاح، فأشار إليّ قبل السلام والوصول إليه بالجلوس هنيهة ليسكن روعي! ففعلت ذلك، ثم وصلت إليه فسلّمت عليه وأشار إليّ أن أجلس فلم أفعل! وسألني عن بيت المقدس وعن الصخرة المقدّسة وعن القمامة «٩٤» وعن مهد عيسى، وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل ﵇ ثم عن دمشق ومصر والعراق وبلاد الروم، فأجبته عن ذلك كلّه، واليهوديّ يترجم بيني وبينه، فأعجبه كلامي، وقال لأولاده: أكرموا هذا الرجل وامّنوه، ثمّ خلع عليّ خلعة، وأمر لي بفرس مسرج ملجم ومظلّة من التي يجعلها الملك فوق رأسه، وهي علامة الأمان، وطلبت منه أن يعيّن من يركب معي بالمدينة في كلّ يوم حتى أشاهد عجائبها وغرائبها وأذكرها في بلادي، فعيّن لي ذلك.
ومن العوائد عندهم أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به في أسواق المدينة بالأبواق والإنفار والأطبال ليراه الناس، وأكثر ما يفعل ذلك بالأتراك الذين يأتون من بلاد السلطان أوزبك لئلا يؤذون فطافوا بي في الأسواق.
стр. 635
ذكر المدينة [القسطنطينية]
وهي متناهية في الكبر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم فيه المدّ والجزر على شكل وادي سلا من بلاد المغرب، وكانت عليه فيما تقدم قنطرة مبنيّة، فخربت، وهو الآن يعبر في القوارب، واسم هذا النهر أبسمي «٩٥» بفتح الهمزة واسكان الباء الموحدة وضمّ السين المهمل وكسر الميم وياء مدّ، وأحد القسمين من المدينة يسمى إصطنبول «٩٦» بفتح الهمزة واسكان الصاد وفتح الطاء المهملتين وسكون النون وضمّ الباء الموحدة وواو مدّ ولام، وهو بالعدوة الشرقيّة من النّهر، وفيه سكنى السّلطان وأرباب دولته، وسائر الناس وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح، متّسعة، وأهل كلّ صناعة على حدة لا يشاركهم سواهم، وعلى كلّ سوق أبواب تسدّ عليه بالليل، وأكثر الصنّاع والباعة بها النساء.
والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر وفي أعلاه قلعة صغيرة وقصر السلطان، والسور يحيط بهذا الجبل، وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر وفيه نحو ثلاث عشرة قرية عامرة، والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة وأمّا القسم الثاني منها فيسمى الغلطة «٩٧» ، بغين معجمة ولام وطاء مهمل مفتوحات، وهو بالعدوة الغربيّة من النهر، شبيه برباط الفتح في قربه من النهر، وهذا القسم خاصّ بنصارى الافرنج يسكنونه، وهم أصناف فمنهم الجنويّون، والبنادقة وأهل رومة، وأهل افرانسه، وحكمهم إلى ملك القسطنطينية يقدّم عليهم منهم من يرتضونه، ويسمّونه القمص «٩٨» ، وعليهم وظيفة في كلّ عام لملك القسطنطينية، وربّما استعصوا عليه فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابة، وجميعهم أهل تجارة، ومرساهم من أعظم المراسي، رأيت به نحو مائة
следующие страницы →