← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وعلى ساحل هذا الخليج الثالث مدينة الفنيكة «٨٥» واسمها بفاء مفتوحة ونون وياء مدّ وكاف مفتوح، وهي صغيرة لاكنّها حسنة مانعة، وكنائسها وديارها حسان، والأنهار تخرقها والبساتين تحفّها، ويدّخر بها العنب والاجّاص والتفاح والسفرجل من السنة إلى الأخرى، وأقمنا بهذه المدينة ثلاثا والخاتون في قصر لأبيها هنالك، ثمّ قدم أخوها شقيقها واسمه كفالي قراس «٨٦» في خمسة آلاف فارس شاكّين في السلاح، ولما أرادوا لقاء الخاتون ركب أخوها المذكور فرسا أشهب ولبس ثيابا بيضا، وجعل على رأسه مظلا مكلّلا بالجواهر، وجعل عن يمينه خمسة من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم لابسين البياض أيضا، وعليهم مظلّات مزركشة بالذهب وجعل بين يديه مائة من المشّائين، ومائة فارس قد أسبغوا الدروع على أنفسهم وخيلهم، وكلّ واحد منهم يقود فرسا مسرجا مدرعا عليه شكّة فارس من البيضة المجوهرة والدرع والتركش والقوس والسيف وبيده رمح في طرف رأسه راية واكثر تلك الرماح مكسوّة بصفائح الذهب والفضة، وتلك الخيل المقودة هي مراكب ابن السلطان، وقسّم فرسانه على أفواج، كلّ فوج فارس، ولهم أمير قد قدّم أمامه عشرة من الفرسان شاكّين في السلاح، وكل واحد منهم يقود فرسا وخلفه عشرة من العلامات ملوّنة بأيدي عشرة من الفرسان، وعشرة أطبال يتقلدها عشرة من الفرسان ومعهم ستة يضربون الأبواق والأنفار والصّرنايات وهي الغيطات. وركبت «٨٧» الخاتون في مماليكها وجواريها وفتيانها وخدامها وهم نحو خمسمائة عليهم ثياب الحرير المزركشة بالذهب المرصّعة وعلى الخاتون حلّة يقال لها النّخ، ويقال لها أيضا النسيج، مرصّعة بالجوهر وعلى رأسها تاج مرصع، وفرسها مجلّل بجل حرير، مزركش بالذهب، وفي يديه ورجليه خلاخل الذّهب، وفي عنقه قلائد مرصّعة وعظم السرج مسكوّ ذهبا مكلّل جوهرا. وكان التقاؤهما في بسيط من الأرض على نحو ميل من البلد، وترجل لها أخوها لأنه أصغر سنّا منها وقبّل ركابها، وقبّلت رأسه، وترجل الأمراء وأولاد الملوك وقبّلوا جميعا ركابها، وانصرفت مع أخيها.

стр. 632

وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى مدينة كبيرة على ساحل البحر لا أثبت الآن اسمها «٨٨» ذات أنهار وأشجار، نزلنا بخارجها، ووصل أخو الخاتون وليّ العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع، وعلى رأسه تاج وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم وقد رتّب فرسانه على ترتيب أخيه سواء إلّا أنّ الحفل أعظم والجمع أكثر، وتلاقت معه أخته في مثل زيّها الأول وترجّلا جميعا وأوتي بخباء حرير فدخلا فيه، فلا أعلم كيفية سلامهما! ونزلنا على عشرة أميال من القسطنطينية. فلما كان بالغد خرج أهلها من رجال ونساء وصبيان ركبانا ومشاة في أحسن زيّ وأجمل لباس وضربت عند الصبح الأطبال والأبواق والأنفار، وركبت العساكر، وخرج السلطان وزوجته أمّ هذه الخاتون وأرباب الدولة والخوّاص وعلى رأس الملك رواق يحمله جملة من الفرسان ورجال بأيديهم عصّي طوال في أعلى كل عصي شبه كرة من جلد يرفعون بها الرّواق، وفي وسط الرواق مثل القبّة يرفعها الفرسان بالعصيّ. ولما أقبل السلطان اختلطت العساكر وكثر العجاج، ولم أقدر على الدخول فيما بينهم، فلزمت أثقال الخاتون وأصحابها خوفا على نفسي، وذكر لي أنّها لمّا قربت من أبويها ترجلت وقبلت الأرض بين أيديهما ثم قبلت حافري فرسيهما! وفعل كبار أصحابها مثل فعلها في ذلك. وكان دخولنا «٨٩» عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى، وقد ضربوا نواقيسهم حتى ارتجّت الآفاق لاختلاط أصواتها، ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به نحو مائة رجل معهم قائد لهم فوق دكّانة، وسمعتهم يقولون: سراكنو!

стр. 633

سراكنو «٩٠» ومعناه: المسلمون، ومنعونا من الدخول، فقال لهم أصحاب الخاتون إنهم من جهتنا، فقالوا: لا يدخلون إلا بالإذن! فأقمنا بالباب وذهب بعض أصحاب الخاتون فبعث من أعلمها بذلك، وهي بين يدي والدها، فذكرت له شأننا، فأمر بدخولنا وعيّن لنا دارا بمقربة من دار الخاتون، وكتب لنا امرا بأن لا نعترض حيث نذهب من المدينة، ونودي بذلك في الأسواق وأقمنا بالدار ثلاثا تبعث إلينا الضيافة من الدقيق والخبز والغنم والدجاج والسّمن والفاكهة والحوت والدراهم والفرش وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان. ذكر سلطان القسطنطينية واسمه تكفور «٩١» بفتح التاء المثناة وسكون الكاف وضم الفاء وواو وراء، ابن السلطان جرجيس وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة لكنّه تزهّد وترهّب وانقطع للعبادة في الكنائس وترك الملك لولده، وسنذكره. وفي اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بعثت إليّ الخاتون الفتى سنبل الهندي فأخذ بيدي وأدخلني إلى القصر «٩٢» فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف، بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة، فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى سنبل، ودخل، ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين ففتّشوني لئلّا يكون معي سكّين! وقال لي القائد: تلك عادة لهم لا بدّ من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاصّ أو عامّ غريب أو بلديّ وكذلك الفعل بأرض الهند.

стр. 634

ثم لما فتّشوني قام الموكّل بالباب فأخد بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال: أمسك اثنان بكمّي واثنان من ورائي فدخلوا بي إلى مشور كبير حيطانه بالفسيفساء قد نقش فيها صوّر المخلوقات من الحيوانات والجماد، وفي وسطه ساقية ماء ومن جهتها الأشجار والناس واقفون يمينا ويسارا، سكوتا لا يتكلم أحد منهم، وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف أسلمني أولئك الأربعة إليهم فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون وأشار اليهم رجل فتقدّموا بى وكان أحدهم يهوديّا، فقال لي بالعربي: لا تخف فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد، وأنا التّرجمان، وأصلي من بلاد الشام فسألته: كيف أسلّم؟ فقال: قل السلام عليكم. ثم وصلت إلى قبّة عظيمة والسلطان على سريره وزوجته أمّ هذه الخاتون «٩٣» بين يديه، وأسفل السرير الخاتون وإخوتها وعن يمينه ستّة رجال، وعن يساره أربعة وعلى رأسه أربعة، وكلّهم بالسلاح، فأشار إليّ قبل السلام والوصول إليه بالجلوس هنيهة ليسكن روعي! ففعلت ذلك، ثم وصلت إليه فسلّمت عليه وأشار إليّ أن أجلس فلم أفعل! وسألني عن بيت المقدس وعن الصخرة المقدّسة وعن القمامة «٩٤» وعن مهد عيسى، وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل ﵇ ثم عن دمشق ومصر والعراق وبلاد الروم، فأجبته عن ذلك كلّه، واليهوديّ يترجم بيني وبينه، فأعجبه كلامي، وقال لأولاده: أكرموا هذا الرجل وامّنوه، ثمّ خلع عليّ خلعة، وأمر لي بفرس مسرج ملجم ومظلّة من التي يجعلها الملك فوق رأسه، وهي علامة الأمان، وطلبت منه أن يعيّن من يركب معي بالمدينة في كلّ يوم حتى أشاهد عجائبها وغرائبها وأذكرها في بلادي، فعيّن لي ذلك. ومن العوائد عندهم أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به في أسواق المدينة بالأبواق والإنفار والأطبال ليراه الناس، وأكثر ما يفعل ذلك بالأتراك الذين يأتون من بلاد السلطان أوزبك لئلا يؤذون فطافوا بي في الأسواق.

стр. 635

ذكر المدينة [القسطنطينية] وهي متناهية في الكبر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم فيه المدّ والجزر على شكل وادي سلا من بلاد المغرب، وكانت عليه فيما تقدم قنطرة مبنيّة، فخربت، وهو الآن يعبر في القوارب، واسم هذا النهر أبسمي «٩٥» بفتح الهمزة واسكان الباء الموحدة وضمّ السين المهمل وكسر الميم وياء مدّ، وأحد القسمين من المدينة يسمى إصطنبول «٩٦» بفتح الهمزة واسكان الصاد وفتح الطاء المهملتين وسكون النون وضمّ الباء الموحدة وواو مدّ ولام، وهو بالعدوة الشرقيّة من النّهر، وفيه سكنى السّلطان وأرباب دولته، وسائر الناس وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح، متّسعة، وأهل كلّ صناعة على حدة لا يشاركهم سواهم، وعلى كلّ سوق أبواب تسدّ عليه بالليل، وأكثر الصنّاع والباعة بها النساء. والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر وفي أعلاه قلعة صغيرة وقصر السلطان، والسور يحيط بهذا الجبل، وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر وفيه نحو ثلاث عشرة قرية عامرة، والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة وأمّا القسم الثاني منها فيسمى الغلطة «٩٧» ، بغين معجمة ولام وطاء مهمل مفتوحات، وهو بالعدوة الغربيّة من النهر، شبيه برباط الفتح في قربه من النهر، وهذا القسم خاصّ بنصارى الافرنج يسكنونه، وهم أصناف فمنهم الجنويّون، والبنادقة وأهل رومة، وأهل افرانسه، وحكمهم إلى ملك القسطنطينية يقدّم عليهم منهم من يرتضونه، ويسمّونه القمص «٩٨» ، وعليهم وظيفة في كلّ عام لملك القسطنطينية، وربّما استعصوا عليه فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابة، وجميعهم أهل تجارة، ومرساهم من أعظم المراسي، رأيت به نحو مائة

стр. 636

اسطانبول عن المكتبة الوطنية بباريز رقم ٦٧٩٥٩

стр. 637

الكنيسة العظمى

стр. 638

جفن من القراقر وسواها من الكبار، وامّا الصغار فلا تحصى كثرة، وأسواق هذا القسم حسنة الّا أنّ الأقذار غالبة عليها ويشقّها نهر صغير قذر نجس وكنائسهم قذرة لا خير فيها! ذكر الكنيسة العظمى . وانما نذكر خارجها، وامّا داخلها فلم أشاهده «٩٩» ، وهي تسمى عندهم أياصوفيا بفتح الهمزة والياء آخر الحروف والف وصاد مضموم وواو ومدّ وفاء مكسورة وياء كالأولى والف، ويذكر أنها من بناء آصف بن برخياء، وهو ابن خالة سليمان «١٠٠» ﵇، وهي من أعظم كنائس الروم وعليها سور يطيف بها، فكأنّها مدينة، وأبوابها ثلاثة عشر بابا، ولها حرم ميل عليه باب كبير ولا يمنع أحد من دخوله، وقد دخلته مع والد الملك الذي يقع ذكره، وهو شبه مشور مسطّح بالرخام، وتشقّه ساقية تخرج من الكنيسة لها حائطان مرتفعان نحو ذراع، مصنوعان بالرّخام المجزّع المنقوش بأحسن صنعة، والأشجار منتظمة عن جهتي الساقية. ومن باب الكنيسة إلى باب هذا المشور معرّش من الخشب مرتفع، عليه دوالي العنب وفي أسفله الياسمين والرّياحين، وخارج باب هذه المشور قبّة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدّام ذلك الباب، وعن يمين القبّة مصاطب وحوانيت أكثرها من الخشب يجلس بها قضاتهم وكتّاب دواوينهم «١٠١» ، وفي وسط تلك الحوانيت قبّة خشب يصعد إليها على درج خشب، وفيها كرسي كبير مطبق بالملفّ يجلس فوقه قاضيهم، وسنذكره، وعن يسار القبة التي على باب هذا المشور سوق العطّارين.

стр. 639

والساقية التي ذكرناها تنقسم قسمين: أحدهما يمرّ بسوق العطارين، والآخر يمر بالسوق حيث القضاة والكتّاب، وعلى باب الكنيسة سقائف يجلس بها خدامها، الذين يقمّون طرقها، ويوقدون سرجها، ويغلقون أبوابها، ولا يدعون أحدا يدخلها حتى يسجد للصليب الأعظم عندهم الذي يزعمون أنه بقية من الخشبة التي صلّب عليها شبيه عيسى ﵇ وهو على باب الكنيسة مجعول في جعبة ذهب طولها نحو عشرة أذرع وقد عرّضوا عليها جعبة ذهب مثلها حتى صارت صليبا. وهذا الباب مصفّح بصفائح الفضة والذهب وحلقتاه من الذهب الخالص، وذكر لي أن عدد من بهذه الكنيسة من الرهبان والقسيسين ينتهي إلى آلاف «١٠٢» ، وأنّ بعضهم من ذريّة الحواريّين، وأن بداخلها كنيسة مختصّة بالنساء فيها من الابكار المنقطعات للعبادة أزيد من ألف، وأما القواعد من النساء فاكثر من ذلك كلّه. ومن عادة الملك وأرباب دولته وسائر الناس أن يأتوا كلّ يوم صباحا إلى زيارة هذه الكنيسة، وياتي إليها البابة مرة في السنة، وإذا كان على مسيرة أربعة أميال «١٠٣» من البلد يخرج الملك إلى لقائه ويترجل له وعند دخوله المدينة يمشي بين يديه على قدميه ويأتيه صباحا ومساء للسلام عليه طول مقامه بالقسطنطينية حتى ينصرف. ذكر المانستارات بقسطنطينية والمانستار «١٠٤» على مثل لفظ المارستان إلا أن نونه متقدّمة وراءه متأخرة، وهو عندهم شبه الزاوية عند المسلمين، وهذه المانستارات بها كثيرة، فمنها مانستار عمّره الملك جرجيس والد ملك القسطنطينية، وسنذكره، وهو بخارج إصطنبول مقابل الغلطة، ومنها مانستاران خارج الكنيسة العظمى عن يمين الداخل إليها، وهما في داخل بستان يشقهما نهر ماء وأحدهما للرجال والآخر للنساء وفي كلّ واحد منهما كنيسة ويدور بهما البيوت

стр. 640

للمتعبدين والمتعبدات، وقد حبس على كل واحد منهما أحباس لكسوة المتعبدين ونفقتهم، بناهما أحد الملوك. ومنها مانستاران عن يسار الداخل إلى الكنيسة العظمى على مثل هاذين الآخرين «١٠٥» ، ويطيف بهما بيوت وأحدهما يسكنه العميان، والثاني يسكنه الشيوخ الذين لا يستطيعون الخدمة ممّن بلغ الستين «١٠٦» أو نحوها، ولكل واحد منهم كسوته ونفقته من أوقاف معيّنة لذلك. وفي داخل كل ما نستار منها دويرة لتعبّد الملك الذي بناه، وأكثر هؤلاء الملوك إذا بلغ الستين أو السبعين بنى مانستار ولبس المسوح، وهي ثياب الشّعر وقلّد ولده الملك واشتغل بالعبادة حتّى يموت. وهم يختفلون في بناء هذه المانستارات ويعملونها بالرخام والفسيفساء وهي كثيرة بهذه المدينة. ودخلت مع الرومي الذي عيّنه الملك للركوب معي إلى ما نستار يشقّه نهر وفيه كنيسة فيها نحو خمسماية بكر، عليهن المسموح، ورءوسهنّ محلوقة فيها قلانيس اللّبد، ولهنّ جمال فائق وعليهن أثر العبادة! وقد قعد صبيّ على منبر يقرأ لهن الإنجيل بصوت لم أسمع قط أحسن منه، وحوله ثمانية من الصبيان على منابر ومعهم قسّيسهم، فلما قرأ هذا الصبيّ قرأ صبيّ آخر. وقال لي الرّومي: إن هؤلاء البنات من بنات الملوك ووهبن أنفسهنّ لخدمة هذه الكنيسة، وكذلك الصبيان القرّاء، ولهم كنيسة أخرى خارج تلك الكنيسة. ودخلت معه أيضا إلى كنيسة في بستان فوجدنا بها نحو خمسمائة بكر أو أزيد، وصبيّ يقرأ لهنّ على منبر، وجماعة صبيان معه على منابر مثل الأوّلين، فقال لي الرومي: هؤلاء بنات الوزراء والأمراء يتعبدن بهذه الكنيسة. ودخلت معه إلى كنائس فيها أبكار من وجوه أهل البلد، وإلى كنائس فيها العجائز والقواعد من النساء وإلى كنائس فيها الرهبان يكون في الكنيسة منها مائة رجل وأكثر وأقلّ.

стр. 641

وأكثر أهل هذه المدينة رهبان ومتعبدون وقسّيسون وكنائسها لا تحصى كثرة وأهل المدينة من جنديّ وغيره صغير وكبير يجعلون على رؤوسهم المظلّات الكبار شتاء وصيفا والنساء لهنّ عمائم كبار. ذكر الملك المترهّب جرجيس وهذا الملك ولّى الملك لابنه وانقطع للعبادة، وبنى مانستارا كما ذكرناه خارج المدينة على ساحلها، وكنت يوما مع الرومي المعيّن للركوب معي فإذا بهذا الملك ماشيا على قدميه وعليه المسوح وعلى رأسه قلنسوة لبد وله لحية بيضاء طويلة ووجه حسن عليه أثر العبادة وخلفه وامامه جماعة من الرهبان، وبيده عكاز، وفي عنقه سبحة فلما رءاه الرومي نزل، وقال لي: انزل! فهذا والد الملك، «١٠٧» فلمّا سلّم عليه الرومي سأله عنّي، ثم وقف وبعث عنّي فجئت إليه فأخذ بيدي، وقال لذلك الرومي، وكان يعرف اللسان العربي: قل لهذا السراكنو «١٠٨» ، يعني المسلم، أنا أصافح اليد التي دخلت بيت المقدّس والرّجل التي مشت داخل الصخرة والكنيسة العظمى التي تسمّى قمامة وبيت لحم، وجعل يده على قدمي ومسح بها وجهه فعجبت من اعتقادهم فيمن دخل تلك المواضع من غير ملّتهم! ثم أخذ بيدي ومشيت معه فسألني عن بيت المقدس ومن فيه من النصارى، وأطال السؤال، ودخلت معه إلى حرم الكنيسة الذي وصفناه آنفا ولمّا قارب الباب الأعظم خرجت جماعة من القسيسين والرهبان للسلام عليه، وهو من كبارهم في الرهبانيّة، ولما رءاهم أرسل يدي، فقلت له: أريد الدخول معك إلى الكنيسة، فقال للترجمان: قل له لابد لداخلها من السجود للصّليب الأعظم فإنّ هذا ممّا سنّته الأوائل ولا يمكن خلافه! فتركته ودخل وحده ولم أره بعدها. ذكر قاضي القسطنطينية . ولمّا فارقت الملك المترهب المذكور دخلت سوق الكتّاب فرءاني القاضي فبعث إليّ أحد

стр. 642

أعوانه، فسأل الرومي الذي معي، فقال له: إنه من طلبة المسلمين، فلما عاد إليه وأخبره بذلك، بعث إليّ أحد أصحابه، وهم يسمون القاضي النّجشي كفالي، فقال لي: النّجشي كفالي «١٠٩» يدعوك فصعدت إليه إلى القبة التي تقدم ذكرها فرأيت شيخا حسن الوجه واللمّة، عليه لباس الرهبان وهو الملفّ الاسود، وبين يديه نحو عشرة من الكتّاب يكتبون فقام إليّ وقام أصحابه وقال: أنت ضيف الملك، ويجب علينا إكرامك وسألني عن بيت المقدس والشام ومصر وأطال الكلام، وكثر عليه الازدحام، وقال لي: لابدّ لك أن تاتي إلى داري فأضيفك، فانصرفت عنه ولم ألقه بعد. ذكر الانصراف عن القسطنطينية ولمّا ظهر لمن كان في صحبة الخاتون من الأتراك أنها على دين أبيها وراغبة في المقام معه طلبوا منها الإذن في العودة إلى بلادهم، فأذنت لهم وأعطتهم عطاء جزيلا وبعثت معهم من يوصلهم إلى بلادهم أميرا يسمى ساروجه الصغير في خمسمائة فارس، وبعثت عنّي فأعطتني ثلاثماية دينار من ذهبهم، وهم يسمونه البربرة «١١٠» ، وليس بالطيب، وألفي درهم بندقيّة، وشقّة ملفّ من عمل البنات، وهو أجود أنواعه، وعشرة أثواب من حرير وكتّان وصوف وفرسين، وذلك من عطاء أبيها وأوصت بي ساروجة وودّعتها وانصرفت، وكانت مدّة مقامي عندهم شهرا وستّة أيّام. وسافرنا «١١١» صحبة ساروجة فكان يكرمني حتى وصلنا إلى آخر بلادهم حيث تركنا أصحابنا وعرباتنا فركبنا العربات ودخلنا البريّة ووصل ساروجة معنا إلى مدينة باب سلطوق وأقام بها ثلاثا في الضيافة وانصرف إلى بلاده وذلك في اشتداد البرد، وكنت ألبس ثلاث فروات وسراويل أحدهما مبطّن، وفي رجلي خفّ من صوف وفوقه خفّ مبطن بثوب كتّان

стр. 643

وفوقه خفّ من البرغالي «١١٢» ، وهو جلد الفرس مبطن بجلد ذيب، وكنت أتوضأ بالماء الحارّ بمقربة من النار فما تقطر من الماء قطرة إلّا جمدت لحينها! وإذا غسلت وجهي يصل الماء إلى لحيتي فيجمد، فأحرّكها فيسقط منها شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب، وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما عليّ من الثياب حتى يركبني أصحابي! ثم «١١٣» وصلت إلى مدينة الحاجّ ترخان حيث فارقنا السلطان أوزبك فوجدناه قد رحل واستقرّ بحضرة ملكه، فسافرنا على نها إتل وما يليه من المياه ثلاثا وهي جامدة، وكنّا إذا احتجنا الماء قطعنا قطعا من الجليد وجعلنا في القدر حتى يصير ماء فنشرب منه ونطبخ به!! ووصلنا إلى مدينة السّرا، وضبط اسمها بسين مهمل وراء مفتوحين وألف وتعرف بسرا بركة «١١٤» ، وهي حضرة السلطان أوزبك، ودخلنا على السّلطان فسألنا عن كيفيّة سفرنا وعن ملك الروم، ومدينته فأعلمناه، وأمر بإجراء النفقة علينا وأنزلنا. ومدينة السّرا من أحسن المدن متناهية الكبر في بسيط من الأرض تغصّ بأهلها كثرة، حسنة الأسواق، متّسعة الشوارع، وركبنا يوما مع بعض كبرائها وغرضنا التطوّف عليها ومعرفة مقدارها، وكان منزلنا في طرف منها فركبنا منه غدوة فما وصلنا لآخرها إلّا بعد الزوال فصلّينا الظهر، وأكلنا طعاما فما وصلنا إلى المنزل إلا عند المغرب، ومشينا يوما عرضها ذاهبين وراجعين في نصف يوم، وذلك في عمارة متّصلة الدور لا خراب فيها ولا بساتين وفيها ثلاثة عشر مسجدا لإقامة الجمعة: أحدها للشافعية، وأمّا المساجد سوى ذلك فكثير جدا وفيها طوائف من الناس منهم المغل، وهم أهل البلاد، والسلاطين، وبعضهم مسلمون، ومنهم الآص «١١٥» وهم مسلمون، ومنهم القفجق، والجركس والرّوس، والروم، وهم

стр. 644

نصارى، وكلّ طائفة تسكن محلّة على حدة، فيها أسواقها والتجار والغرباء من أهل العراقين ومصر والشام وغيرها ساكنون بمحلّة عليها سور احتياطا على أموال التجار، وقصر السلطان بها يسمّى ألطون طاش، وألطون بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الطاء المهمل، وواو مدّ ونون، ومعناه الذّهب، وطاش بفتح الطاء المهمل وشين معجم، ومعناه رأس «١١٦» . وقاضي هذه الحضرة بدر الدين الأعرج من خيار القضاة وبها من مدرّسي الشافعيّة الفقيه الإمام الفاضل صدر الدين سليمان اللكزي «١١٧» أحد الفضلاء، وبها من المالكيّة شمس الدين المصريّ، وهو ممّن يطعن في ديانته، وبها زاوية الصالح الحاجّ نظام الدين أضافنا بها وأكرمنا، وبها زاوية الفقيه الإمام العالم نعمان الدّين الخوارزمي، رأيته بها وهو من فضلاء المشايخ، حسن الأخلاق كريم النفس شديد التواضع شديد السّطوة على أهل الدنيا، ياتي إليه السلطان أوزبك زائرا في كلّ جمعة، فلا يستقبله ولا يقوم إليه ويقعد السلطان بين يديه ويكلّمه ألطف كلام، ويتواضع له، والشيخ بضدّ ذلك! وفعله مع الفقراء والمساكين والواردين خلاف فعله مع السلطان فإنه يتواضع لهم ويكلمهم بألطف كلام ويكرمهم وأكرمني جزاه الله خيرا وبعث إليّ بغلام تركيّ وشاهدت له بركة. ذكر كرامة له كنت أردت السفر من السّرا إلى خوارزم، فنهاني عن ذلك، وقال لي، اقم أيّاما، وحينئذ تسافر، فنازعتني النفس، ووجدت رفقة كبيرة آخذة في السفر، فيهم تجار أعرفهم، فاتّفقت معهم على السفر في صحبتهم، وذكرت له ذلك، فقال لي: لابدّ لك من الإقامة، فعزمت على السفر، فأبق لي غلام أقمت بسببه، وهاذه من الكرامات الظاهرة، ولمّا كان بعد ثلاث وجد بعض أصحابي ذلك الغلام الآبق بمدينة الحاجّ ترخان فجاء به إليّ فحينئذ سافرت إلى خوارزم، وبينها وبين حضرة السرا صحراء مسيرة أربعين يوما لا تسافر فيها الخيل لقلّة الكلأ وإنّما تجرّ العربات بها الجمال.

стр. 645

[المجلد الثالث] الفصل التاسع آسيا الوسطى الاتجاه إلى خوارزم عبر سراجوق أولية التتر وتخريباتهم أخبار علاء الدّين طرمشرين سلطان تركستان وما وراء النهر مدينة سمرقند ... بين مسجد بلخ وجامع رباط الفتح! مدينة هرات وسلطانها والحديث عن السنة والشيعة من الجام إلى بسطام وداع خراسان إلى بلاد الهند.

стр. 646

فسرنا من السّرا عشرة أيام، فوصلنا إلى مدينة سراجوق، وجوق بضم الجيم المعقود وواو وقاف، ومعنى جوق صغير، فكأنهم قالوا: سرا الصغيرة، وهي على شاطىء نهر كبير زخّار يقال له ألوصو بضم الهمزة واللام وواو ومد وضم الصاد المهمل وواو، ومعناه الماء الكبير «١» وعليه جسر من قوارب كجسر بغداد، وإلى هذه المدينة انتهى سفرنا بالخيل التي تجر العربات وبعناها بها بحساب أربعة دنانير دراهم للفرس وأقل من ذلك لأجل ضعفها ورخصها بهذه المدينة واكترينا الجمال لجر العربات. وبهذه المدينة زاوية لرجل صالح معمّر من الترك، يقال له أطا بفتح الهمزة والطاء المهمل، ومعناها الوالد، أضافنا بها ودعالنا، وأضافنا أيضا قاضيها ولا أعرف اسمه، ثم سرنا منها ثلاثين يوما سيرا جادّا لا ننزل إلا ساعتين إحداهما عند الضحى والأخرى عند المغرب، وتكون الإقامة قدر ما يطبخون الدّوقي ويشربونه، وهو يطبخ من غلية واحدة ويكون معهم الخليع «٢» من اللحم، يجعلونه عليه ويصبون عليه اللّبن، وكل إنسان إنما ينام أو يأكل في عربته حال السير. وكان لي في عربتي ثلاث من الجواري، ومن عادة المسافرين في هذه البريّة الإسراع لقلّة أعشابها، والجمال التي تقطعها يهلك معظمها وما يبقى منها لا ينتفع به إلا في سنة أخرى بعد أن يسمن والماء في هذه البرية في مناهل معلومة بعد اليومين والثلاثة، وهو ماء المطر والحسيان.

стр. 647

ثم لما سلكنا هذه البرية وقطعناها، كما ذكرناها، وصلنا إلى خوارزم «٣» ، وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة، والشوارع الفسيحة، والعمارة الكثيرة، والمحاسن الأثيرة، وهي ترتج بسكانها لكثرتهم، وتموج بهم موج البحر، ولقد ركبت بها يوما ودخلت السوق فلمّا توسطته، وبلغت منتهى الزحام في موضع يقال له الشّور «٤» ، بفتح الشين المعجم واسكان الواو، لم أستطع أن أجوز ذلك الموضع لكثرة الازدحام، وأردت الرجوع فما أمكنني لكثرة الناس، فبقيت متحيّرا وبعد جهد شديد رجعت. وذكر لي بعض الناس أن تلك السوق يخفّ زحامها يوم الجمعة لأنهم يسدّون سوق القيسارية وغيرها من الأسواق، فركبت يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة، وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك، وله فيه أمير كبير يسمى قطلودمور «٥» ، وهو الذي عمّر هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة، وأما المسجد فعمرته زوجته الخاتون الصالحة ترابك «٦» . بضم التاء المعلوة وفتح الراء وألف وبك بفتح الموحدة والكاف. وبخوارزم مارستان له طبيب شامي يعرف بالصهيوني نسبة إلى صهيون من بلاد

стр. 648

الشام، ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقا من أهل خوارزم، ولا أكرم نفوسا ولا أحبّ في الغرباء «٧» . ولهم عادة جميلة لم أرها لغيرها، وهي أن المؤذنين بالمساجد يطوف كلّ واحد منهم على دور جيران مسجده معلما لهم بحضور الصلاة «٨» ، فمن لم يحضر الصلاة مع الإمام ضربه الامام بمحضر الجماعة، وفي كل مسجد درّة معلقة برسم ذلك، ويغرم خمسة دنانير تنفق في مصالح المسجد، أو تطعم للفقراء والمساكين، ويذكرون أن هذه العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان. وبخارج خوارزم نهر جيحون أحد الأنهار الأربعة التي من الجنة «٩» ، وهو يجمد في أوان البرد كما يجمد نهر إتل: ويسلك الناس عليه، وتبقى مدة جموده خمسة أشهر «١٠» . وربما سلكوا عليه عند أخذه في الذوبان فهلكوا! ويسافر فيه في أيام الصيف بالمراكب إلى ترمذ ويجلبون منها القمح والشعير، وهي مسيرة عشر للمنحدر. وبخارج خوارزم زاوية مبنية على تربة الشيخ نجم الدين الكبرا، وكان من كبار الصالحين «١١» ، وفيها الطعام للوارد والصادر، وشيخها المدرس سيف الدين ابن عصبة من

стр. 649

كبار أهل خوارزم، وبها أيضا زاوية شيخها الصالح المجاور جلال الدين السمرقندي من كبار الصالحين أضافنا بها، وبخارجها قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري «١٢» وعليه قبّة، وزمخشر: قرية على مسافة أربعة أميال من خوارزم، ولما أتيت هذه المدينة نزلت بخارجها وتوجّه بعض أصحابي إلى القاضي الصدر أبي حفص عمر البكري «١٣» ، فبعث إلي نائبه نور الاسلام فسلّم علي، ثم عاد إليه ثم أتى القاضي في جماعة من أصحابه فسلّم عليّ، وهو فتى حدث السن، كبير الفعال وله نائبان أحدهما نور الإسلام المذكور والآخر نور الدين الكرماني من كبار الفقهاء، وهو الشديد في أحكامه، القوي في ذات الله تعالى. ولما حصل الاجتماع بالقاضي، قال لي: إن هذه المدينة كثيرة الزحام ودخولكم نهارا لا يتأتى، وسيأتي إليكم نور الإسلام لتدخلوا معه من آخر الليل ففعلنا ذلك ونزلنا بمدرسة جديدة ليس بها أحد، ولما كان بعد صلاة الصبح أتى إلينا القاضي المذكور، ومعه من كبار المدينة جماعة منهم مولانا همام الدين ومولانا زين الدين المقدسي، ومولانا رضي الدين يحيى، ومولانا فضل الله الرّضوي، ومولانا جلال الدين العمادي، ومولانا شمس الدين السّنجري إمام أميرها، وهم أهل مكارم وفضائل، والغالب على مذهبهم الاعتزال «١٤» لاكنهم لا يظهرونه لأن السلطان أوزبك وأميره على هذه المدينة قطلودمور من أهل السنة. وكنت أيام إقامتي بها أصلّي الجمعة مع القاضي أبي حفص عمر المذكور بمسجده، فإذا فرغت الصلاة ذهبت معه إلى داره وهي قريبة من المسجد فأدخل معه إلى مجلسه وهو من أبدع المجالس فيه الفرش الحافلة وحيطانه مكسوة بالملفّ وفيه طيقان كثيرة، وفي كل طاق منها أواني الفضة المموّهة بالذهب والأواني العراقية، وكذلك عادة أهل تلك البلاد أن يصنعوا في بيوتهم، ثم يأتي بالطعام الكثير، وهو من أهل الرفاهية والمال الكثير والرّباع وهو سلف الأمير قطلودمور متزوج بأخت امرأته واسمها جيجا أغا، وبهذه المدينة جماعة من الوعاظ والمذكّرين أكبرهم مولانا زين الدين المقدسي والخطيب مولانا حسام الدين المشّاطي الخطيب المصقع أحد الخطباء الأربعة الذين لم أسمع في الدنيا أحسن منهم.

стр. 650

وأمير خوارزم هو الأمير الكبير قطلودمور، وقطلو بضم القاف وسكون الطاء المهمل وضم اللام، ودمور بضم الدال المهمل والميم وواو مد وراء، ومعنى اسمه الحديد المبارك، لأن قطلو هو المبارك ودمور هو الحديد، وهذا الأمير ابن خالة السلطان المعظم محمد أوزبك، وأكبر أمرائه وهو واليه على خراسان، وولده هارون بك متزوج بابنة السلطان المذكور التي أمها الملكة طيطغلي المتقدم ذكرها، وامرأته الخاتون ترابك صاحبة المكارم الشهيرة. ولما أتاني القاضي مسلّما عليّ كما ذكرته، قال لي: إن الأمير قد علم بقدومك وبه بقية مرض يمنعه من الإتيان إليك، فركبت مع القاضي إلى زيارته وأتينا داره فدخلنا مشورا صغيرا فيه قبة خشب مزخرفة قد كسيت حيطانها بالملفّ الملوّن، وسقفها بالحرير المذهب والأمير على فرش له من الحرير وقد غطّى رجليه لما بهما من النقرس، وهي علة فاشية في الترك، فسلمت عليه وأجلسني إلى جانبه، وقعد القاضي والفقهاء وسألني عن سلطانه الملك محمد أوزبك وعن الخاتون بيلون وعن أبيها، وعن مدينة القسطنطينية فأعلمته بذلك كلّه ثم أوتي بالموايد فيها الطعام من الدجاج المشوية والكراكي وأفراخ الحمام وخبز معجون بالسّمن يسمونه الكليجا «١٥» والكعك والحلوى، ثم أوتي بموائد أخرى فيها الفواكه من الرمان المحبب، في أوان الذهب والفضة، ومعه ملاعق الذهب، وبعضه في أواني الزجاج العراقي، ومعه ملاعق الخشب، ومن العنب والبطيخ العجيب. ومن عوائد هذا الأمير أن يأتي القاضي في كلّ يوم إلى مشوره فيجلس بمجلس معدّ له ومعه الفقهاء وكتابه ويجلس في مقابلته أحد الأمراء الكبراء ومعه ثمانية من كبراء أمراء الترك وشيوخهم يسمّون الأرغجية «١٦» ويتحاكم الناس إليهم، فما كان من القضايا الشرعية حكم فيها القاضي، وما كان من سواها حكم فيها أولئك الأمراء، وأحكامهم مضبوطة عادلة لأنهم لا يتّهمون بميل ولا يقبلون رشوة. ولما عدنا إلى المدرسة بعد الجلوس مع الأمير بعث إلينا الأرز والدقيق والغنم والسمن والأبزار وأحمال الحطب. وتلك البلاد كلّها لا يعرف بها الفحم وكذلك الهند وخراسان وبلاد العجم.

стр. 651

وأما الصين فيوقدون فيها حجارة تشتعل فيها النار كما تشتعل في الفحم «١٧» ثم إذا صارت رمادا عجنوه بالماء وجففوه للشمس وطبخوا بها ثانية كذلك حتّى يتلاشى. حكاية ومكرمة لهذا القاضي والأمير . صلّيت في بعض أيام الجمع على عادتي بمسجد القاضي أبي حفص، فقال لي: إن الأمير أمر لك بخمسمائة درهم وأمر أن يصنع لك دعوة ينفق فيها خمسمائة درهم أخرى يحضرها المشايخ والفقهاء والوجوه، فلما أمر بذلك قلت له: أيها الأمير تصنع دعوة يأكل من حضرها لقمة أو لقمتين، لو جعلت له جميع المال كان أحسن له للنفع، فقال: أفعل ذلك، وقد أمر لك بالالف كاملة!! ثم بعثها الامير صحبة إمامه شمس الدين السنجري في خريطة يحملها غلامه، وصرفها من الذهب المغربي ثلاثماية دينار «١٨» . وكنت قد اشتريت ذلك اليوم فرسا أدهم اللون بخمسة وثلاثين دينارا دراهم وركبته في ذهابي إلى المسجد فما أعطيت ثمنه إلا من تلك الالف! وتكاثرت عندي الخيل بعد ذلك حتى انتهت إلى عدد لا أذكره خفية مكذّب يكذّب به! ولم تزل حالي في الزيادة حتى دخلت أرض الهند، وكانت عندي خيل كثيرة لا كنّي كنت أفضل هذا الفرس وأوثره وأربطه أمام الخيل، وبقي عندي إلى انقضاء ثلاث سنين، ولما هلك تغيرت حالي وبعثت إلي الخاتون جيجا أغا امرأة القاضي مائة دينار دراهم وصنعت لي أختها ترابك زوجة الأمير دعوة جمعت لها الفقهاء ووجوه المدينة بزاويتها التي بنتها وفيها الطعام للوارد والصادر وبعثت إلي بفروة سمّور وفرس جيد، وهي من أفضل النساء وأصلحهن وأكرمهن جزاها الله خيرا. حكاية [الخاتون المتقشفة] ولما انفصلت من الدعوة التي صنعت لي هذه الخاتون وخرجت عن الزاوية تعرضت لي بالباب امرأة عليها ثياب دنسة وعلى رأسها مقنعة ومعها نسوة لا أذكر عددهن فسلّمت عليّ

стр. 652

فرددت ﵍، ولم أقف معها ولا التفت إليها، فلما خرجت أدركني بعض الناس، وقال لي: إن المرأة التي سلمت عليك هي الخاتون، فخجلت عند ذلك وأردت الرجوع إليها فوجدتها قد انصرفت فأبلغت إليها السلام مع بعض خدّامها واعتذرت عما كان منّى لعدم معرفتي لها! ذكر بطيخ خوارزم وبطيخ خوارزم لا نظير له في بلاد الدنيا شرقا ولا غربا إلا ما كان من بطيخ بخاري، يليه بطيخ إصفهان، وقشره أخضر، وباطنه أحمر، وهو صادق الحلاوة، وفيه صلابة. ومن العجائب أنّه يقدّد وييبس في الشمس ويجعل في القواصر كما يصنع عندنا بالشّريحة والتّين المالقي «١٩» ، ويحمل من خوارزم إلى أقصى بلاد الهند والصين، وليس في جميع الفواكه اليابسة أطيب منه! وكنت أيام إقامتي بدهلي من الهند متى قدم المسافرون بعثت من يشتري لي منهم قديد البطيخ، وكان ملك الهند إذا أوتي إليه بشيء منه بعث إليّ به لما يعلم من محبّتي فيه، ومن عادته أنه يطرف الغرباء بفواكه بلادهم ويتفقدهم بذلك. حكاية [التاجر الكريم] كان قد صحبني من مدينة السّرا إلى خوارزم شريف من أهل كربلاء يسمى علي بن منصور، وكان من التجار فكنت أكلّفه أن يشتري لي الثياب وسواها، فكان يشتري لي الثوب بعشرة دنانير ويقول اشتريته بثمانية، ويحاسبني بالثمانية ويدفع الدينارين من ماله وأنا لا علم لي بفعله إلى أن تعرفت ذلك على ألسنة الناس، وكان مع ذلك قد أسلفني دنانير فلمّا وصل إليّ إحسان أمير خوارزم رددت إليه ما أسلفنيه، وأردت أن أحسن بعده إليه مكافأة لأفعاله الحسنة، فأبى ذلك وحلف أن لا يفعل، وأردت أن أحسن إلى فتى كان له اسمه كافور فحلف أن لا أفعل، وكان أكرم من لقيته من العراقيين. وعزم على السفر معي إلى بلاد الهند ثم إن جماعة من أهل بلده وصلوا إلى خوارزم برسم السفر إلى الصين فأخذ في السفر معهم، فقلت له في ذلك، فقال: هؤلاء أهل بلدي

стр. 653

يعودون إلى أهلي وأقاربي ويذكرون أنّي سافرت إلى أرض الهند برسم الكدية فيكون سبّة، وعلي لا أفعل ذلك. وسافر معهم إلى الصين فبلغني بعد وأنا بأرض الهند، أنه لما بلغ إلى مدينة المالق «٢٠» وهي آخر البلاد التي من عمالة ما وراء النهر، وأول بلاد الصين، أقام بها وبعث فتى له بما كان عنده من المتاع فأبطأ الفتى عليه وفي أثناء ذلك وصل من بلده بعض التجار ونزل معه في فندق واحد فطلب منه الشريف أن يسلفه شيئا بخلال ما يصل فتاه، فلم يفعل، ثم أكّد قبح ما صنع في عدم التوسعة على الشريف بأن أراد الزيادة عليه في المسكن الذي كان له بالفندق، فبلغ ذلك الشريف فاغتم منه ودخل إلى بيته فذبح نفسه «٢١» فأدرك وبه رمق، واتهموا غلاما كان له بقتله، فقال لهم: لا تظلموه فإني أنا فعلت ذلك بنفسي ومات من يومه غفر الله له! وكان قد حكى لي عن نفسه أنه أخذ مرة من بعض تجار دمشق ستة آلاف درهم قراضا فلقيه ذلك التاجر بمدينة حماة من أرض الشام فطلبه بالمال، وكان قد باع ما اشترى به من المتاع بالدّين فاستحيى من صاحب المال، ودخل إلى بيته وربط عمامته بسقف البيت وأراد أن يخنق نفسه، وكان في أجله تأخير فتذكّر صاحبا له من الصيارفة فقصده وذكر له القضية فسلفه مالا دفعه للتاجر. ولما أردت السفر من خوارزم اكتريت جمالا واشتريت محارة «٢٢» وكان عديلي بها عفيف الدّين التوزري، وركب الخدّام بعض الخيل، وجلّلنا باقيها لأجل البرد ودخلنا البرية التي بين خوارزم وبخاري، وهي مسيرة ثمانية عشر يوما في رمال لا عمارة بها إلا بلدة واحدة، فودعت الأمير قطلودمور وخلع عليّ خلعة، وخلع علي القاضي أخرى وخرج مع الفقهاء لوداعي، وسرنا أربعة أيام، ووصلنا إلى مدينة ألكات «٢٣» وليس بهذه الطريق عمارة

стр. 654

سواها، وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون اللام وآخره وتاء مثناه، وهي صغيرة حسنة نزلنا خارجا على بركة ماء قد جمدت من البرد فكان الصبيان يلعبون فوقها ويزلقون عليها. وسمع بقدومي قاضي ألكات، ويسمى صدر الشريعة وكنت قد لقيته بدار قاضي خوارزم فجاء إلي مسلّما مع الطلبة، وشيخ المدينة الصالح العابد محمود الخيوقي «٢٤» ، ثم عرض عليّ القاضي الوصول إلى أمير تلك المدينة، فقال له الشيخ محمود: القادم ينبغي له أن يزار «٢٥» . وان كانت لنا همة نذهب إلى أمير المدينة وناتي به ففعلوا ذلك، وأتى الأمير بعد ساعة في أصحابه وخدامه فسلّمنا عليه، وكان غرضنا تعجيل السفر، فطلب منا الإقامة، وصنع دعوة جمع لها الفقهاء ووجوه العساكر وسواهم ووقف الشعراء يمدحونه، وأعطاني كسوة وفرسا جيدا، وسرنا على الطريق المعروفة بسيبايه «٢٦» وفي تلك الصحراء مسيرة ست دون ماء. ووصلنا بعد ذلك إلى بلدة وبكنة «٢٧» ، وضبط اسمها بفتح الواو واسكان الباء الموحدة وكاف ونون، وهي على مسيرة يوم واحد من بخارى بلدة حسنة ذات أنهار وبساتين وهم يدّخرون العنب من سنة إلى سنة، وعندهم فاكهة يسمونها العلوّ «٢٨» بالعين المهملة وتشديد اللام، فييبّسونه ويجلبه الناس إلى الهند والصين، ويجعل عليه الماء ويشرب ماؤه، وهو أيام

стр. 655

كونه أخضر حلو فإذا يبس صار فيه يسير حموضة ولحميته كثيرة ولم أر مثله بالأندلس ولا بالمغرب ولا بالشام. ثم سرنا في بساتين متصلة وأنهار وأشجار وعمارة يوما كاملا، ووصلنا إلى مدينة بخارى «٢٩» التي ينسب إليها أمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري «٣٠» ، وهذه المدينة كانت قاعدة ما وراء نهر جيحون «٣١» من البلاد، وخرّبها اللعين تنكيز التتري «٣٢» جدّ ملوك العراق، فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل، وأهلها أذلّاء، وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها لاشتهارهم بالتعصّب ودعوى الباطل وانكار الحق، وليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئا من العلم ولا من له عناية به!!

стр. 656

ذكر أولية التّتر وتخريبهم بخارى وسواها . كان تنكيز خان «٣٣» حدّاد بأرض الخطا «٣٤» ، وكان له كرم نفس وقوة وبسطة في الجسم، وكان يجمع الناس ويطعمهم، ثم صارت له جماعة فقدموه على أنفسهم، وغلب على بلده وقوي واشتدت شوكته واستفحل أمره فغلب على ملك الخطا، ثم على ملك الصين، وعظمت جيوشه وتغلب على بلاد الختن وكاشخر والمالق. وكان «٣٥» جلال الدين سنجر بن خوارزم شاه ملك خوارزم وخراسان وما وراء النهر «٣٦» له قوة عظيمة وشوكة، فهابه تنكيز وأحجم عنه ولم يتعرض له فاتّفق أن بعث تنكيز تجارا بأمتعة الصين والخطا من الثياب الحريرية وسواها إلى بلدة أطرار «٣٧» ، بضم الهمزة، وهي

стр. 657

آخر عمالة جلال الدين، فبعث إليه عامله عليها معلما بذلك واستأذنه ما يفعل في أمرهم فكتب إليه يأمره أن يأخذ أموالهم ويمثل بهم، ويقطع أعضاءهم ويردّهم إلى بلادهم لما أراد الله تعالى من شقاء أهل بلاد المشرق ومحنتهم رأيا فائلا وتدبيرا سيئا مشئوما، فلما فعل ذلك تجهز تنكيز بنفسه في عساكر لا تحصى كثرة برسم غزو بلاد الإسلام، فلما سمع عامل أطرار بحركته بعث الجواسيس ليأتوه بخبره فذكر أن أحدهم دخل محلّة بعض أمراء تنكيز في صورة سائل فلم يجد من يطعمه، ونزل إلى جانب رجل منهم فلم ير عنده زادا، ولا أطعمه شيئا، فلما أمسى أخرج مصرانا يابسة عنده، فبلّها بالماء، وفصد فرسه وملاها بدمه وعقدها وشواها بالنار، فكانت طعامه! فعاد إلى أطرار فأخبر عاملها بأمرهم وأعلمه أن لا طاقة لأحد بقتالهم فاستمد ملكه جلال الدين فأمدّه بستين ألفا زيادة على من كان عنده من العساكر، فلما وقع القتال هزمهم تنكيز ودخل مدينة أطرار بالسيف وقتل الرجال وسبى الذراري. وأتى جلال الدين بنفسه لمحاربته فكانت بينهم وقائع لا يعلم في الإسلام مثلها «٣٨» ، وآل الأمر إلى أن تملك تنكيز ما وراء النهر وخرّب بخارى وسمرقند وترمذ. وعبر النهر، وهو نهر جيحون، إلى مدينة بلخ فتملكها ثم إلى الباميان فتملّكها وأوغل في بلاد خراسان وعراق العجم «٣٩» ، فثار عليه المسلمون في بلخ، وفيما وراء النهر، فكرّ عليهم ودخل بلخ بالسيف وتركها خاوية على عروشها «٤٠» ، ثم فعل مثل ذلك في ترمذ فخربت، ولم تعمر بعد، ولكنها بنيت مدينة على ميلين منها هي التي تسمى اليوم ترمذ، وقتل أهل الباميان وهدمها باسرها إلا صومعة جامعها، وعفا عن أهل بخارى وسمرقند ثم عاد بعد ذلك إلى العراق «٤١» وانتهى

стр. 658

أمر التتر حتى دخلوا حضرة الإسلام ودار الخلافة بغداد بالسيف وذبحوا الخليفة المستعصم بالله العباسي ﵀! قال ابن جزي: أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات ابن الحاج «٤٢» أعزه الله قال سمعت الخطيب أبا عبد الله بن رشيد يقول: لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج من علماء العراق ومعه ابن أخ له فتفاوضنا الحديث، فقال لي: هلك في فتنة التتر بالعراق أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم، ولم يبق منهم غيري وغير ذلك، وأشار إلى ابن أخيه! رجع، قال ونزلنا من بخارى بربضها المعروف بفتح أباد «٤٣» ، حيث قبر الشيخ العالم العابد الزاهد سيف الدين الباخرزي «٤٤» ، وكان من كبراء الأولياء وهذه الزاوية المنسوبة لهذا الشيخ حيث نزلنا عضيمة لها أوقاف ضخمة يطعم منها الوارد والصادر، وشيخها من ذريته وهو الحاج السيّاح يحيى الباخرزي وأضافني هذا الشيخ بداره، وجمع وجوه أهل المدينة وقرأ القراء بالأصوات الحسان، ووعظ الواعظ، وغنّوا بالتركي والفارسي على طريقة حسنة، ومرت لنا هنالك ليلة بديعة من أعجب الليالي ولقيت بها الفقيه العالم الفاضل صدر الشريعة وكان قد قدم من هران وهو من الصلحاء الفضلاء «٤٥» ، وزرت ببخارى قبر الامام العالم أبى

стр. 659

عبد الله البخاري مصنف الجامع الصحيح شيخ المسلمين ﵁ مكتوب: هذا قبر محمد بن اسماعيل البخاري وقد صنّف من الكتب كذا وكذا «٤٦» وكذلك على قبور علماء بخاري أسماؤهم وأسماء تصانيفهم وكنت قيّدت من ذلك كثيرا وضاع مني في جملة ما ضاع لي لما سلبني كفّار الهند في البحر!! ثم سافرنا من بخاري قاصدين معسكر السلطان الصالح المعظم علاء الدين طرمشيرين، وسنذكره، فمررنا على نخشب «٤٧» البلدة التي ينسب إليها الشيخ أبو تراب النخشبي «٤٨» ، وهي صغيرة تحفّ بها البساتين والمياه، ونزلنا بخارجها بدار لأميرها، وكان عندي جارية قد قاربت الولادة، وكنت أردت حملها إلى سمرقند لتلد بها فاتفق أنها كانت في المحمل فوضع المحمل على الجمل، وسافر أصحابنا من الليل وهي معهم، والزاد وغيره من أسبابي، وأقمت أنا حتى ارتحل نهارا مع بعض من معي، فسلكوا طريقا وسلكت طريقا سواها فوصلنا عشية النهار إلى محلة السلطان المذكور وقد جعنا ونزلنا على بعد من السوق واشترى بعض أصحابنا ما سدّ جوعتنا وأعارنا بعض التجار خباء بتنا به تلك الليلة. ومضى أصحابنا من الغد في البحث عن الجمال وباقي الأصحاب فوجدوهم عشيا وجاءوا بهم وكان السلطان غائبا عن المحلة في الصيد فاجتمعت بنائبه الأمير تقبغا، فأنزلني بقرب مسجده وأعطاني خرقة وهي شبه الخباء، وقد ذكرنا صفتها في ما تقدم، فجعلت

стр. 660

الجارية في تلك الخرقة فولدت تلك الليلة مولودا وأخبروني أنه ولد ذكر ولم يكن كذلك، فلما كان بعد العقيقة أخبرني بعض الأصحاب أن المولود بنت، فاستحضرت الجواري، فسألتهن، فأخبرنني بذلك، وكانت هذه البنت مولودة في طالع سعد، فرأيت كل ما يسرني ويرضيني منذ ولدت وتوفيت بعد وصولي إلى الهند بشهرين، وسيذكر ذلك، واجتمعت بهذه المحلة بالشيخ الفقيه العابد مولانا حسام الدين الياغي بالياء آخر الحروف والغين المعجمة ومعناه بالتركية الثائر وهو من أهل أطرار، وبالشيخ حسن صهر السلطان. ذكر سلطان ما وراء النهر وهو السلطان المعظم علاء الدين طرمشيرين «٤٩» ، وضبط اسمه بفتح الطاء المهمل وسكون الراء وفتح الميم وكسر الشين المعجم وياء مد وراء مكسور وياء مد ثانية ونون، وهو عظيم المقدار كثير الجيوش والعساكر ضخم المملكة شديد القوة، عادل الحكم، وبلاده متوسطة بين أربعة من ملوك الدنيا الكبار، وهم ملك الصين، وملك الهند، وملك العراق، والملك أوزبك، وكلهم يهادونه ويعظمونه ويكرمونه، وولي الملك بعد أخيه الجكاطي «٥٠» ، وضبط اسمه بفتح الجيم المعقودة والكاف والطاء المهمل وسكون الياء، وكان الجكاطي هذا كافرا، وولي بعد أخيه الأكبر كبك «٥١» وكان كبك هذا كافرا أيضا لكنه كان عادل الحكم منصفا للمظلومين يكرم المسلمين ويعظمهم. حكاية [الملك كبك والواعظ] يذكر أن هذا الملك كبك تكلم يوما مع الفقيه الواعظ المذكّر بدر الدين الميداني، فقال له: أنت تقول إن الله ذكر كلّ شيء في كتابه العزيز؟ قال: نعم، فقال: أين اسمي فيه؟ فقال:

стр. 661

هو في قوله تعالي: في أي صورة ما شاء ركّبك «٥٢» ! فأعجبه ذلك! وقال: يخشي، ومعناه بالتركية: جيد فأكرمه إكراما كثيرا وزاد في تعظيم المسلمين!! حكاية [عن عدل كبك] ومن أحكام كبك ما ذكر أن امرأة شكت له أحد الأمراء، وذكرت أنها فقيرة ذات أولاد، وكان لها لبن تقوتهم بثمنه فاغتصبه ذلك الأمير وشربه، فقال لها: أنا أوسّطه! فإن خرج اللّبن من جوفه مضى لسبيله وإلا وسّطتك بعده! فقالت المرأة قد حلّلته ولا أطلبه بشيء! فأمر به فوسّط فخرج اللبن من بطنه! ولنعد لذكر السلطان طرمشيرين، ولما أقمت بالمحلة، وهم يسمونها الأردو، أياما ذهبت يوما لصلاة الصبح بالمسجد على عادتي، فلما صليت ذكر لي بعض الناس أن السلطان بالمسجد، فلما قام عن مصلاه تقدمت للسلام عليه، وقام الشيخ حسن والفقيه حسام الدين الياغي وأعلماه بحالي وقدومي منذ أيام فقال لي بالتركية: خش ميسن يخشي ميسن: قطلو إيوسن، ومعنى خش ميسن في عافية أنت، ومعنى يخشي ميسن: جيّد أنت. ومعنى قطلو إيوسن: مبارك قدومك! وكان عليه في ذلك الحين قبا قدسي أخضر وعلى رأسه شاشية مثله، ثم انصرف إلى مجلسه راجلا والناس يتعرّضون له للشكايات فيقف لكل مشتك منهم صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى. ثم بعث عني فوصلت إليه وهو في خرقة، والناس خارجها ميمنة وميسرة، والأمراء منهم على الكراسي وأصحابهم وقوف على رؤوسهم وبين أيديهم، وسائر الجند قد جلسوا صفوفا وأمام كل واحد منهم سلاحه، وهم أهل النوبة، يقعدون هنالك إلى العصر، وياتي آخرون فيقعدون إلى آخر الليل، وقد صنعت هنالك سقائف من ثياب القطن يكونون بها. ولما دخلت إلى الملك بداخل الخرقة وجدته جالسا على كرسي شبه المنبر مكسو بالحرير المزركش بالذهب وداخل الخرقة ملبّس بثياب الحرير المذهب، والتاج المرصع بالجوهر واليواقيت معلّق فوق رأس السلطان، بينه وبين رأسه قدر ذراع «٥٣» ، والأمراء الكبار على الكراسي عن يمينه ويساره، وأولاد الكلوك بأيديهم المذابّ بين يديه، وعند باب الخرقة النائب

стр. 662

والوزير والحاجب، وصاحب العلامة «٥٤» وهم يسمونه آل طمغى، وآل بفتح الهمزة: معناه الأحمر، وطمغى بفتح الطاء المهمل وسكون الميم والغين المعجم المفتوح، ومعناه العلامة. وقام إليّ أربعتهم حين دخولي، ودخلوا معي فسلمت عليه وسألني، وصاحب- يترجم بيني وبينه، وعن مكة والمدينة والقدس شرفها الله وعن مدينة الخليل ﵇ وعن دمشق ومصر والملك الناصر عن العراقين وملكهما وبلاد الاعاجم، ثم أذّن المؤذن بالظهر فانصرفنا وكنا نحضر معه الصلوات، وذلك أيام البرد الشديد المهلك، فكان لا يترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ويقعد للذكر بالتركية بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وياتي إليه كلّ من في المسجد فيصافحه ويشد بيده على يده، وكذلك يفعلون في صلاة العصر، وكان إذا أوتي بهدية من زبيب أو تمر، والتمر عزيز عندهم وهم يتبرّكون به، يعطي منها بيده لكلّ من في المسجد. حكاية [فضائل السلطان طرمشيرين] ومن فضائل هذا الملك أنه حضرت صلاة العصر يوما ولم يحضر السلطان فجاء أحد فتيانه بسجادة ووضعها قبالة المحراب حيث جرت عادته أن يصلي، وقال للإمام حسام الدين الياغي: إن مولانا يريد أن تنتظره بالصلاة قليلا ريثما يتوضأ فقام الامام المذكور، وقال: نماز، ومعناه الصلاة، برأي خذا أو برأي طرمشيرين؟ أي الصّلاة لله أو لطرمشيرين؟ ثم أمر المؤذن بإقامة الصلاة وجاء السلطان وقد صلّي منها ركعتان، فصلى الركعتين الآخرتين حيث انتهى به القيام، وذلك في الموضع الذي تكون به أنعلة الناس عند باب المسجد، وقضى ما فاته وقام إلى الإمام ليصافحه وهو يضحك وجلس قبالة المحراب والشيخ الإمام إلى جانبه وأنا إلى جانب الإمام فقال لي: إذا مشيت إلى بلادك فحدّث أنّ فقيرا من فقراء الأعاجم يفعل هكذا مع سلطان الترك!! وكان هذا الشيخ يعظ الناس في كلّ جمعة ويأمر السلطان بالمعروف وينهاه عن المنكر وعن الظلم ويغلّظ عليه القول والسلطان ينصت لكلامه ويبكي، وكان لا يقبل من عطاء السّلطان شيئا ولم يأكل قط من طعامه ولا لبس من ثيابه.

стр. 663

وكان هذا الشيخ من عباد الله الصالحين وكنت كثيرا ما أرى عليه قباء قطن مبطنا بالقطن، محشوا به وقد بلى وتمزّق، وعلى رأسه قلنسوّة لبد يساوي مثلها قيراطا «٥٥» ولا عمامة عليه، فقلت له في بعض الأيام: يا سيدي ما هذا القباء الذي أنت لابسه إنه ليس يجيد، فقال لي: يا ولدي ليس هذا القباء لي وانما لابنتي فرغبت منه أن يأخذ بعض ثيابي فقال: عاهدت الله منذ خمسين سنة، أن لا أقبل من أحد شيئا ولو كنت اقبل من أحد لقبلت منك! ولما عزمت على السّفر بعد مقامي عند هذا السلطان أربعة وخمسين يوما أعطاني السلطان سبعمائة دينار دراهم وفروة سمّور تساوي مائة دينار طلبتها منه لأجل البرد ولما ذكرتها له، أخذ أكمامي وجعل يقبّلها بيده تواضعا منه وفضلا وحسن خلق، وأعطاني فرسين وجملين، ولما أردت وداعه أدركته في أثناء طريقه إلى متصيّده، وكان اليوم شديد البرد جدّا، فو الله ما قدرت على أن أنطق بكلمة لشدة البرد! ففهم ذلك، وضحك وأعطاني يده وانصرفت. وبعد سنتين من وصولي إلى أرض الهند بلغنا الخبر بأن الملأ من قومه وأمرائه اجتمعوا بأقصى بلاده المجاورة للصين، وهناك عساكره وبايعوا ابن عمّ له اسمه بوزن أغلي «٥٦» وكلّ من كان من أبناء الملوك فهم يسمّونه أغلي «٥٧» ، بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر اللام، وبوزن بضم الباء الموحدة وضم الزاي، وكان مسلما إلا أنه فاسد الدّين سيء السيرة، وسبب بيعتهم له وخلعهم لطرمشيرين، أن طرمشيرين خالف أحكام جدهم تنكيز اللعين الذي خرب بلاد الإسلام، وقد تقدّم ذكره، وكان تنكيز ألّف كتابا في أحكامه

стр. 664

يسمى اليساق «٥٨» ، بفتح الياء آخر الحروف والسين المهمل وآخره قاف، وعندهم أنّه من خالف أحكام هذا الكتاب فخلعه واجب، ومن جملة أحكامه أنهم يجتمعون يوما في السنة يسمونه الطّوّي «٥٩» ومعناه يوم الضيافة، ويأتي أولاد تنكيز والأمراء من أطراف البلاد ويحضر الخواتين وكبار الأجناد، وإن كان سلطانهم قد غير شيئا من تلك الأحكام، يقوم إليه كبراؤهم فيقولون له: غيّرت كذا وغيرت كذا وفعلت كذا وقد وجب خلعك، ويأخذون بيده ويقيمونه عن سرير الملك ويقعدون غيره من أبناء تنكيز، وان كان أحد الأمراء الكبار أذنب ذنبا في بلاده حكموا عليه بما يستحقه!! وكان السلطان طرمشيرين قد أبطل حكم هذا اليوم ومحا رسمه فأنكروه عليه أشد الانكار، وأنكروا عليه أيضا كونه أقام أربع سنين فيما يلي خراسان من بلاده، ولم يصل إلى الجهة التي توالي الصين، والعادة أنّ الملك يقصد تلك الجهة في كلّ سنة فيختبر أحوالها وحال الجند بها لأن أصل ملكهم منها، ودار الملك هي مدينة المالق «٦٠» ، فلما بايعوا بوزن أتى في عسكر عظيم وخاف طرمشيرين على نفسه من أمرائه ولم يأمنهم فركب في خمسة عشر فارسا يريد بلاد غزنة، وهي من عمالته، وواليها كبير أمرائه وصاحب سرّه برنطيه، وهذا الأمير محبّ في الاسلام والمسلمين قد عمر في عمالته نحو أربعين زاوية فيها الطعام للوارد والصادر وتحت يده العساكر العظيمة ولم أر قط فيمن رأيته من الآدميّين بجميع بلاد الدنيا أعظم خلقة منه! فلما عبر نهر جيحون، وقصد طريق بلخ رآه بعض الأتراك من أصحاب ينقي

стр. 665

ابن أخيه كبك «٦١» ، وكان السلطان طرمشيرين المذكور قتل أخاه كبك المذكور وبقى ابنه ينقي ببلخ فلما أعلمه التركي بخبره، قال: ما فرّ إلا لأمر حدث عليه، فركب في أصحابه وقبض عليه وسجنه، ووصل بوزن إلى سمرقند وبخارى فبايعه الناس وجاءه ينقي بطرمشيرين، فيذكر أنه لما وصل إلى نسف بخارج سمرقند قتل هنالك ودفن بها «٦٢» ، وخدم تربته الشيخ شمس الدين كردن بريدا، وقيل: إنه لم يقتل كما سندكره، وكردن بكاف معقودة وراء مسكن ودال مهمل مفتوح ونون، معناه المقطوع، ويسمى بذلك لضربة كانت في عنقه، وقد رأيته بأرض الهند ويقع ذكره فيما بعد. ولما ملك بوزن هرب ابن السلطان طرمشيرين وهو بشاي أغل واخته وزوجها فيروز إلى ملك الهند فعظّمهم وأنزلهم منزلة علية بسبب ما كان بينه وبين طرمشيرين من الود والمكاتبة والمهاداة، وكان يخاطبه بالأخ، ثم بعد ذلك أتى رجل من أرض السند وادّعى أنه هو طرمشيرين واختلف الناس فيه، فسمع بذلك عماد الملك سرتيز غلام ملك الهند، ووالي بلاد السند، ويسمّى ملك عرض، وهو الذي تعرض بين يديه عساكر الهند وإليه أمرها، ومقرّه بملتان قاعدة السند، فبعث إليه بعض الأتراك العارفين به، فعادوا إليه وأخبروه أنه هو طرمشيرين حقا، فأمر له بالسّراجة، وهي أفراج، فضرب خارج المدينة ورتّب له ما يرتب لمثله وخرج لاستقباله، وترجّل له وسلّم عليه وأتى في خدمته إلى السّراجة، فدخلها راكبا كعادة الملوك ولم يشك أحد أنّه هو وبعث إلى ملك الهند بخبره فبعث إليه الأمراء يستقبلونه بالضيافات، وكان في خدمة ملك الهند حكيم ممن خدم طرمشيرين فيما تقدم، وهو كبير الحكماء بالهند، فقال للملك: أنا أتوجه إليه وأعرف حقيقة أمره، فإني كنت عالجت له دمّلا تحت ركبته وبقى أثره، وبه أعرفه فأتى إليه ذلك الحكيم واستقبله مع الأمراء ودخل عليه ولازمه لسابقته وأخذ يغمز رجليه وكشف عن الأثر فشتمه، وقال له: تريد أن تنظر إلى الدّمل الذي عالجته، ها هو ذا، وأراه أثره فتحقق أنه هو، وعاد إلى ملك الهند فأعلمه بذلك. ثم إن الوزير خواجه جهان أحمد بن إياس، وكبير الأمراء قطلوخان «٦٣» معلم

стр. 666

السلطان أيام صغره دخلا على ملك الهند، وقالا له: يا خوند عالم، هذا السلطان طرمشيرين قد وصل وصح أنه هو، وهاهنا من قومه نحو أربعين ألفا «٦٤» وولده وصهره أرأيت إن اجتمعوا عليه ما يكون من العمل؟! فوقع هذا الكلام بموقع منه عظيم، وأمر أن يوتي بطرمشيرين معجّلا، فلما دخل عليه أمر بالخدمة كسائر الواردين ولم يعظم، وقال له السلطان: يا ماذر كاني، وهي شتمة قبيحة، كيف تكذب وتقول إنك طرمشيرين وطرمشيرين قد قتل، وهذا خادم تربته عندنا، والله لولا المعرة لقتلتك! ولكن أعطوه خمسة آلاف دينار وأذهبوا به إلى دار بشاي أغل واخته ولدي طرمشيرين، وقولوا لهم إن هذا الكاذب يزعم أنه والدكم فدخل عليهم فعرفوه وبات عندهم، والحرّاس يحرسونه، وأخرج بالغد وخافوا أن يهلكوا بسببه فأنكروه ونفي عن بلاد الهند والسند، فسلك طريق كيج ومكران، وأهل البلاد يكرمونه ويضيفونه ويهادونه، ووصل إلى شيراز فأكرمه سلطانها أبو إسحاق وأجرى له كفايته. ولما دخلت عند وصولي من الهند إلى مدينة شيراز ذكر لي أنه باق بها وأردت لقاءه ولم أفعل لأنه كان في دار لا يدخل إليه أحد إلا بإذن من السلطان أبي إسحاق فخفت ممّا يتوقّع بسبب ذلك ثم ندمت على عدم لقائه!! رجع الحديث إلى بوزن وذلك أنه لما ملك ضيّق على المسلمين وظلم الرعية وأباح للنّصارى واليهود عمارة كنائسهم، فضجّ المسلمون من ذلك وتربصوا به الدوائر واتصل خبره بخليل بن السلطان اليسور المهزوم على خراسان «٦٥» فقصد ملك هراة وهو السلطان حسين بن السلطان غياث

стр. 667

الدين الغوري «٦٦» فأعلمه بما كان في نفسه وسأل منه الإعانة بالعساكر والمال على أن يشاطره ملكه إذا استقام له، فبعث معه الملك حسين عسكرا عظيما، وبين هراة والتّرمذ تسعة أيام فلما سمع أمراء الإسلام بقدوم خليل تلقّوه بالسمع والطاعة والرغبة في جهاد العدو. وكان «٦٧» أول قادم عليه علاء الملك خذاوند زاده صاحب ترمذ «٦٨» ، وهو أمير كبير شريف حسينى النسب، فأتاه في أربعة آلاف من المسلمين، فسرّ به وولّاه وزارته وفوّض إليه أمره وكان من الأبطال وجاء الأمراء من كل ناحية واجتمعوا على خليل والتقى مع بوزون، فمالت العساكر إلى خليل واسلموا بوزون وأتوا به أسيرا فقتله خنقا بأوتار القسّي، وتلك عادة لهم أنهم لا يقتلون من كان من أبناء الملك إلا خنقا! واستقام الملك لخليل. وعرض عساكره بسمرقند فكانوا ثمانين ألفا عليهم وعلى خيلهم الدروع «٦٩» ، فصرف العسكر الذي جاء به من هراة، وقصد بلاد المالق، فقدم التتر على أنفسهم واحدا منهم، ولقوه على مسيرة ثلاث من المالق بمقربة من أطراز «٧٠» وحمى القتال وصبر الفريقان فحمل الأمير خذاوند زاده وزيره في عشرين ألفا من المسلمين حملة لم يثبت لها التّتر، فانهزموا واشتدّ فيهم القتل، وأقام خليل بالمالق ثلاثا وخرج إلى استيصال من بقى من التتر، فأذعنوا له بالطاعة وجاز إلى تخوم الخطا والصين، وفتح مدينة قراقرم ومدينة بش بالغ «٧١» ، وبعث إليه سلطان الخطا بالعساكر، ثم وقع بينهما الصلح وعظم أمر خليل وهابته الملوك وأظهر العدل ورتب العساكر بالمالق وترك بها وزيره خذاوند زاده، وانصرف إلى سمرقند وبخاري.

стр. 668

ثم إن الترك أرادوا الفتنة وسعوا إلى خليل بوزيره المذكور وزعموا أنه يريد الثورة، ويقول: إنه أحق بالملك لقرابته من النبي ﷺ وكرمه وشجاعته! فبعث واليا إلى المالق عوضا عنه وأمره أن يقدم عليه في نفر يسير من أصحابه، فلما قدم عليه قتله عند وصوله من غير تتبث، فكان ذلك سبب خراب ملكه! وكان خليل لما عظم أمره بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهّزه بالعساكر والمال فكتب إليه أن يخطب في بلاده باسمه، ويضرب الدنانير والدراهم على سكته فغاظ ذلك الملك حسينا وأنف منه، وأجابه بأقبح جواب فتجهز خليل لقتاله فلم توافقه عساكر الإسلام، ورأوه باغيا عليه وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك ورنا والتقى الجمعان، فانهزم خليل وأوتي به إلى الملك حسين أسيرا فمنّ عليه بالبقاء وجعله في دار، وأعطاه جارية وأجرى عليه النفقة، وعلى هذه الحال تركته عنده في أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند «٧٢» . ولنعد إلى ما كنا بسبيله: ولما ودّعت السلطان طرمشيرين سافرت إلى مدينة سمرقند «٧٣» ، وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا. مبنية على شاطئ واد يعرف بوادي القصّارين عليه النواعير تسقي البساتين، وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج، ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات. وكانت على شاطئه قصور عظيمة وعمارة تنبيء عن علوّ همم أهلها، فدثر أكثر ذلك، وكذلك المدينة خرب كثير منها ولا سور لها ولا أبواب عليها، وفي داخلها البساتين.

стр. 669

وأهل سمرقند لهم مكارم أخلاق ومحبة في الغريب وهم خير من أهل بخارى، وبخارج سمرقند قبر قثم ابن العباس «٧٤» بن عبد المطلب رضي الله عن العباس وعن ابنه وهو المستشهد حين فتحها، ويخرج أهل سمرقند كلّ ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته، والتتر يأتون لزيارته، وينذرون له النذور العظيمة ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير فيصرّف ذلك في النفقة على الوارد والصادر ولخدام الزاوية والقبر المبارك وعليه قبة قائمة على أربع أرجل، ومع كلّ رجل ساريتان من الرخام منها الخضر والسّود والبيض والحمر، وحيطان القبة بالرخام المجزّع المنقوش بالذهب، وسقفها مصنوع بالرصاص، وعلى القبة خشب الآبنوس المرصع مكسو الأركان بالفضة وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة، وفرش القبة بالصوف والقطن «٧٥» وخارجها نهر كبير يشقّ الزّاوية التي هنالك وعلى حافّتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين، وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر، ولم يغيّر التتر أيام كفرهم شيئا من حال هذا الموضع المبارك بل كانوا يتبرّكون به لما يرون له من الآيات، وكان الناظر «٧٦» في كل حال هذا الضريح المبارك وما يليه. حين نزولنا به، الأمير غياث الدّين محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن يوسف بن الخليفة المستنصر بالله العباسي، وقدّمه لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق وهو الآن عند ملك الهند، وسيأتي ذكره. ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان «٧٧» ، وهو من الفضلاء ذوي المكارم، وسافر إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركته منيته بمدنية ملتان قاعدة بلاد السند

стр. 670

حكاية [ملك الهند] لما مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر «٧٨» بأمره إلى السلطان ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه فأخترم دون ذلك، فلمّا بلغ الخبر إلى الملك أمر أن يبعث إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير، لا أذكره الآن، وأمر أن يعطي لأصحابه ما كان يعطي لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة. ولملك الهند في كل بلد من بلاده صاحب الخبر يكتب له بكل ما يجري في ذلك البلد من الأمور وبمن يرد عليه من الواردين، وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد ورد، وكتبوا اسمه ونعته وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه وهيئته من الجلوس والماكل وجميع شؤونه وتصرفاته، وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارف بجميع حاله فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه! وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف «٧٩» ، وإليها ينسب أبو حفص عمر النسفي «٨٠» مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافية بين الفقهاء الأربعة «٨١» ﵃. ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ «٨٢» التي ينسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي «٨٣» ، مؤلف الجامع الكبير في السنن، وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق
следующие страницы →