Полный текст (1 410 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
السلطان أيام صغره دخلا على ملك الهند، وقالا له: يا خوند عالم، هذا السلطان طرمشيرين قد وصل وصح أنه هو، وهاهنا من قومه نحو أربعين ألفا «٦٤» وولده وصهره أرأيت إن اجتمعوا عليه ما يكون من العمل؟! فوقع هذا الكلام بموقع منه عظيم، وأمر أن يوتي بطرمشيرين معجّلا، فلما دخل عليه أمر بالخدمة كسائر الواردين ولم يعظم، وقال له السلطان: يا ماذر كاني، وهي شتمة قبيحة، كيف تكذب وتقول إنك طرمشيرين وطرمشيرين قد قتل، وهذا خادم تربته عندنا، والله لولا المعرة لقتلتك! ولكن أعطوه خمسة آلاف دينار وأذهبوا به إلى دار بشاي أغل واخته ولدي طرمشيرين، وقولوا لهم إن هذا الكاذب يزعم أنه والدكم فدخل عليهم فعرفوه وبات عندهم، والحرّاس يحرسونه، وأخرج بالغد وخافوا أن يهلكوا بسببه فأنكروه ونفي عن بلاد الهند والسند، فسلك طريق كيج ومكران، وأهل البلاد يكرمونه ويضيفونه ويهادونه، ووصل إلى شيراز فأكرمه سلطانها أبو إسحاق وأجرى له كفايته.
ولما دخلت عند وصولي من الهند إلى مدينة شيراز ذكر لي أنه باق بها وأردت لقاءه ولم أفعل لأنه كان في دار لا يدخل إليه أحد إلا بإذن من السلطان أبي إسحاق فخفت ممّا يتوقّع بسبب ذلك ثم ندمت على عدم لقائه!!
رجع الحديث إلى بوزن
وذلك أنه لما ملك ضيّق على المسلمين وظلم الرعية وأباح للنّصارى واليهود عمارة كنائسهم، فضجّ المسلمون من ذلك وتربصوا به الدوائر واتصل خبره بخليل بن السلطان اليسور المهزوم على خراسان «٦٥» فقصد ملك هراة وهو السلطان حسين بن السلطان غياث
стр. 667
الدين الغوري «٦٦» فأعلمه بما كان في نفسه وسأل منه الإعانة بالعساكر والمال على أن يشاطره ملكه إذا استقام له، فبعث معه الملك حسين عسكرا عظيما، وبين هراة والتّرمذ تسعة أيام فلما سمع أمراء الإسلام بقدوم خليل تلقّوه بالسمع والطاعة والرغبة في جهاد العدو.
وكان «٦٧» أول قادم عليه علاء الملك خذاوند زاده صاحب ترمذ «٦٨» ، وهو أمير كبير شريف حسينى النسب، فأتاه في أربعة آلاف من المسلمين، فسرّ به وولّاه وزارته وفوّض إليه أمره وكان من الأبطال وجاء الأمراء من كل ناحية واجتمعوا على خليل والتقى مع بوزون، فمالت العساكر إلى خليل واسلموا بوزون وأتوا به أسيرا فقتله خنقا بأوتار القسّي، وتلك عادة لهم أنهم لا يقتلون من كان من أبناء الملك إلا خنقا! واستقام الملك لخليل.
وعرض عساكره بسمرقند فكانوا ثمانين ألفا عليهم وعلى خيلهم الدروع «٦٩» ، فصرف العسكر الذي جاء به من هراة، وقصد بلاد المالق، فقدم التتر على أنفسهم واحدا منهم، ولقوه على مسيرة ثلاث من المالق بمقربة من أطراز «٧٠» وحمى القتال وصبر الفريقان فحمل الأمير خذاوند زاده وزيره في عشرين ألفا من المسلمين حملة لم يثبت لها التّتر، فانهزموا واشتدّ فيهم القتل، وأقام خليل بالمالق ثلاثا وخرج إلى استيصال من بقى من التتر، فأذعنوا له بالطاعة وجاز إلى تخوم الخطا والصين، وفتح مدينة قراقرم ومدينة بش بالغ «٧١» ، وبعث إليه سلطان الخطا بالعساكر، ثم وقع بينهما الصلح وعظم أمر خليل وهابته الملوك وأظهر العدل ورتب العساكر بالمالق وترك بها وزيره خذاوند زاده، وانصرف إلى سمرقند وبخاري.
стр. 668
ثم إن الترك أرادوا الفتنة وسعوا إلى خليل بوزيره المذكور وزعموا أنه يريد الثورة، ويقول: إنه أحق بالملك لقرابته من النبي ﷺ وكرمه وشجاعته! فبعث واليا إلى المالق عوضا عنه وأمره أن يقدم عليه في نفر يسير من أصحابه، فلما قدم عليه قتله عند وصوله من غير تتبث، فكان ذلك سبب خراب ملكه! وكان خليل لما عظم أمره بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهّزه بالعساكر والمال فكتب إليه أن يخطب في بلاده باسمه، ويضرب الدنانير والدراهم على سكته فغاظ ذلك الملك حسينا وأنف منه، وأجابه بأقبح جواب فتجهز خليل لقتاله فلم توافقه عساكر الإسلام، ورأوه باغيا عليه وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك ورنا والتقى الجمعان، فانهزم خليل وأوتي به إلى الملك حسين أسيرا فمنّ عليه بالبقاء وجعله في دار، وأعطاه جارية وأجرى عليه النفقة، وعلى هذه الحال تركته عنده في أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند «٧٢» .
ولنعد إلى ما كنا بسبيله: ولما ودّعت السلطان طرمشيرين سافرت إلى مدينة سمرقند «٧٣» ، وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا. مبنية على شاطئ واد يعرف بوادي القصّارين عليه النواعير تسقي البساتين، وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج، ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات.
وكانت على شاطئه قصور عظيمة وعمارة تنبيء عن علوّ همم أهلها، فدثر أكثر ذلك، وكذلك المدينة خرب كثير منها ولا سور لها ولا أبواب عليها، وفي داخلها البساتين.
стр. 669
وأهل سمرقند لهم مكارم أخلاق ومحبة في الغريب وهم خير من أهل بخارى، وبخارج سمرقند قبر قثم ابن العباس «٧٤» بن عبد المطلب رضي الله عن العباس وعن ابنه وهو المستشهد حين فتحها، ويخرج أهل سمرقند كلّ ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته، والتتر يأتون لزيارته، وينذرون له النذور العظيمة ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير فيصرّف ذلك في النفقة على الوارد والصادر ولخدام الزاوية والقبر المبارك وعليه قبة قائمة على أربع أرجل، ومع كلّ رجل ساريتان من الرخام منها الخضر والسّود والبيض والحمر، وحيطان القبة بالرخام المجزّع المنقوش بالذهب، وسقفها مصنوع بالرصاص، وعلى القبة خشب الآبنوس المرصع مكسو الأركان بالفضة وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة، وفرش القبة بالصوف والقطن «٧٥» وخارجها نهر كبير يشقّ الزّاوية التي هنالك وعلى حافّتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين، وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر، ولم يغيّر التتر أيام كفرهم شيئا من حال هذا الموضع المبارك بل كانوا يتبرّكون به لما يرون له من الآيات، وكان الناظر «٧٦» في كل حال هذا الضريح المبارك وما يليه. حين نزولنا به، الأمير غياث الدّين محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن يوسف بن الخليفة المستنصر بالله العباسي، وقدّمه لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق وهو الآن عند ملك الهند، وسيأتي ذكره.
ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان «٧٧» ، وهو من الفضلاء ذوي المكارم، وسافر إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركته منيته بمدنية ملتان قاعدة بلاد السند
стр. 670
حكاية [ملك الهند]
لما مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر «٧٨» بأمره إلى السلطان ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه فأخترم دون ذلك، فلمّا بلغ الخبر إلى الملك أمر أن يبعث إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير، لا أذكره الآن، وأمر أن يعطي لأصحابه ما كان يعطي لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة.
ولملك الهند في كل بلد من بلاده صاحب الخبر يكتب له بكل ما يجري في ذلك البلد من الأمور وبمن يرد عليه من الواردين، وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد ورد، وكتبوا اسمه ونعته وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه وهيئته من الجلوس والماكل وجميع شؤونه وتصرفاته، وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارف بجميع حاله فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه! وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف «٧٩» ، وإليها ينسب أبو حفص عمر النسفي «٨٠» مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافية بين الفقهاء الأربعة «٨١» ﵃. ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ «٨٢» التي ينسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي «٨٣» ، مؤلف الجامع الكبير في السنن، وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق
стр. 671
تخرقها الأنهار، وبها البساتين الكثيرة والعنب، والسفرجل بها كثير متناهي الطيب، واللحوم بها كثيرة، وكذلك الألبان، وأهلها يغسلون رؤوسهم في الحمام باللّبن عوضا من الطّفل «٨٤» ويكون عند كل صاحب الحمام أوعية كبار مملوءة لبنا، فإذا دخل الرجل الحمام أخذ منها في إناء صغير فغسل رأسه وهو يرطب الشعر ويصلقه! وأهل الهند يجعلون في رؤوسهم زيت السّمسم، ويسمونه السيراج ويغسلون الشعر بعده بالطفل فينعم الجسم ويصقل الشعر ويطيله وبذلك طالت لحي أهل الهند ومن سكن معهم! وكانت مدينة التّرمذ القديمة مبنية على شاطىء جيحون فلما خربها تنكيز بنيت هذه الحديثة على ميلين من النهر، وكان نزولنا بها بزاوية الشيخ الصالح عزيزان، من كبار المشايخ وكرمائهم، كثير المال والرباع والبساتين ينفق على الوارد والصادر من ماله.
واجتمعت قبل وصولي إلى هذه المدينة بصاحبها علاء الملك خذاوند زاده، وكتب لي إليها بالضيافة، فكانت تحمل إلينا أيام مقامنا بها في كلّ يوم، ولقيت أيضا قاضيها قوام الدين وهو متوجه لرؤية السلطان طرمشيرين وطالب للاذن له في السفر إلى بلاد الهند، وسيأتي ذكر لقائي له بعد ذلك ولأخويه ضياء الدين وبرهان الدين بملتان، وسفرنا جميعا إلى الهند، وذكر أخويه الآخرين عماد الدين وسيف الدين، ولقاءي لهما بحضرة ملك الهند، وذكر ولديه وقدومهما على ملك الهند بعد قتل أبيهما وتزويجهما ببنتي الوزير خواجه جهان وما جرى في ذلك كله إن شاء الله تعالى! ثم أجزنا نهر جيحون إلى بلاد خراسان، وسرنا بعد انصرافنا من ترمذ وإجازة الوادي يوما ونصف يوم في صحراء ورمال لا عمارة بها إلى مدينة بلخ «٨٥» ، وهي خاوية على
стр. 672
عروشها غير عامرة، ومن رآها ظنها عامرة لإتقان بنائها وكانت ضخمة فسيحة، ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتى الآن ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللّازورد، والناس ينسبون اللّازورد إلى خراسان، وانما يجلب من جبال بدخشان التي ينسب إليها الياقوت البدخشى، والعامة يقولون: البلخش «٨٦» ، وسياتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وخرب هذه المدينة تنكيز اللّعين وهدم من مسجدها نحو الثّلث بسبب كنز ذكر له أنه تحت سارية من سواريه، وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها، ومسجد رباط الفتح بالمغرب «٨٧» يشبهه في عظم سواريه، ومسجد بلخ أجمل منه في سوي «٨٨» ذلك.
حكاية [أميرة تبني مسجدا]
ذكر لي بعض أهل التاريخ أن مسجد بلخ بنته امرأة كان زوجها أميرا بلخ لبني العباس يسمّى داود بن علي «٨٩» ، فاتفق أن الخليفة غضب مرة على أهل بلخ لحادث أحدثوه فبعث إليهم من يغرمهم مغرما فادحا، فلما بلغ إلى بلخ أتى نساؤها وصبيانها إلى تلك المرأة
стр. 673
التي بنت المسجد، وهي زوج أميرهم، وشكوا حالهم وما لحقهم من هذا المغرم، فبعثت إلى الأمير الذي قدم برسم تغريمهم بثوب لها مرصع بالجواهر قيمته أكثر مما أمر بتغريمه، فقالت له: اذهب بهذا الثوب إلى الخليفة، فقد أعطيته صدقة عن أهل بلخ لضعف حالهم.
فذهب به إلى الخليفة وألقى الثوب بين يديه وقصّ عليه القصة فخجل الخليفة وقال: أتكون المرأة أكرم منا؟ وأمره برفع المغرم عن أهل بلخ، وبالعودة إليها ليردّ للمرأة ثوبها، واسقط عن أهل بلخ خراج سنة! فعاد الأمير إلى بلخ وأتى منزل المرأة وقص عليها مقالة الخليفة ورد عليها الثوب، فقالت له: أوقع بصر الخليفة على هذا الثوب؟ قال: نعم، قالت: لا ألبس ثوبا وقع عليه بصر غير ذي محرم مني!! وأمرت ببيعه، فبني منه المسجد والزاوية ورباط في مقابلته مبنيّ بالكذّان، وهو عامر حتى الآن، وفضل من الثوب مقدار ثلثه فذكر أنها أمرت بدفنه تحت بعض سواري المسجد ليكون هنالك متيسّرا إن احتيج إليه خرّج، فأخبر تنكيز بهذه الحكاية فأمر بهدم سواري المسجد فهدم منها نحو الثلث ولم يجد شيئا فترك الباقي على حاله، وبخارج بلخ قبر يذكر أنه قبر عكّاشة بن محصن الأسدي صاحب رسول الله ﷺ تسليما الذي يدخل الجنة بلا حساب «٩٠» ، وعليه زاوية معظمة بها كان نزولنا، وبخارجها بركة ماء عجيبة عليها شجرة جوز عظيمة ينزل الواردون في الصيف تحت ظلالها.
وشيخ هذه الزاوية يعرف بالحاجّ خرد، وهو الصغير، من الفضلاء، وركب معنا وأرانا مزارات هذه المدينة منها قبر حزقيل «٩١» النبي ﵇ وعليه قبة حسنة، وزرنا بها أيضا قبورا كثيرة من قبور الصالحين لا أذكرها الآن، ووقفنا على دار ابراهيم بن أدهم «٩٢» ﵁، وهي دار ضخمة مبنية بالصّخر الأبيض الذي يشبه الكذّان، وكان زرع الزاوية مختزنا بها وقد سدّت عليه، فلم ندخلها وهي بمقربة من المسجد الجامع.
стр. 674
ثم سافرنا من مدينة بلخ فسرنا في جبال قوه استان «٩٣» سبعة أيام وهي قرى كثيرة عامرة، بها المياه الجارية والأشجار المورقة، وأكثرها شجر التين، وبها زوايا كثيرة فيها الصالحون المنقطعون إلى الله تعالى، وبعد ذلك كان وصولنا إلى مدينة هرات وهي أكبر المدن العامرة بخراسان.
ومدن خراسان العظيمة أربع ثنتان عامرتان وهما: هرات ونيسابور «٩٤» وثنتان خربتان: وهما بلخ ومرو «٩٥» ، ومدينة هرات كبيرة عظيمة كثيرة العمارة ولأهلها صلاح وعفاف وديانة، وهم على مذهب الامام أبي حنيفة ﵁، وبلدهم طاهر من الفساد.
стр. 675
ذكر سلطان هرات
وهو السلطان المعظم حسين بن السلطان غياث الدين الغوري «٩٦» صاحب الشجاعة المأثورة والتأييد والسعادة، ظهر له من إنجاد الله تعالى وتأييده في موطنين اثنين ما يقضي منه العجب: احدهما عند ملاقاة جيشه للسلطان خليل الذي بغى عليه وكان منتهى امره حصوله أسيرا في يديه.
والموطن الثاني عند ملاقاته بنفسه لمسعود سلطان الرافضة وكان منتهى أمره تبديده وفراره وذهاب ملكه وولى السلطان حسين الملك بعد أخيه المعروف بالحافظ وولى أخوه بعد أبيه غياث الدين «٩٧» .
حكاية الرافضة
كان بخراسان رجلان: أحدهما يسمى بمسعود والآخر يسمى بمحمد وكان لهما خمسة من الأصحاب، وهم من الفتّاك ويعرفون بالعراق بالشطّار ويعرفون بخرسان بسرابدالان «٩٨» ويعرفون بالمغرب بالصّقورة، فاتفق سبعتهم على الفساد وقطع الطرق وسلب
стр. 676
الأموال وشاع خبرهم وسكنوا جبلا منيعا بمقربة من مدينة بيهق وتسمى أيضا مدينة سبزار «٩٩» ، وكانوا يكمنون بالنهار ويخرجون بالليل والعشى، فيضربون على القرى ويقطعون الطرق ويأخذون الأموال، وانثال عليهم أشباههم من أهل الشر والفساد فكثر عددهم واشتدّت شوكتهم وهابهم الناس وضربوا على مدينة بيهق فملكوها، ثم ملكوا سواها من المدن واكتسبوا الأموال وجنّدوا الجنود، وركبوا الخيل وتسمى مسعود بالسلطان وصار العبيد يفرّون عن مواليهم إليه، فكلّ عبد فرّ منهم يعطيه الفرس والمال، وان ظهرت له شجاعة أمره على جماعة، فعظم جيشه واستفحل أمره وتمذهب جميعهم بمذهب الرفض وطمحوا إلى استيصال أهل السنة بخراسان وأن يجعلوها كلمة واحدة رافضيّة.
وكان «١٠٠» بمشهد طوس شيخ من الرافضة يسمى بحسن «١٠١» ، وهو عندهم من الصلحاء فوافقهم على ذلك وسمّوه بالخليفة، وأمرهم بالعدل فأظهروه حتى كانت الدراهم والدّنانير تسقط في معسكرهم فلا يلتقطها أحد حتى يأتي ربّها فيأخذها! وغلبوا على نيسابور.
وبعث إليهم السلطان طغتيمور بالعساكر فهزموها ثم بعث إليهم نائبه أرغون شاه «١٠٢» فهزموه وأسروه ومنّوا عليه، ثم غزاهم طغيتمور بنفسه في خمسين ألفا من التتر
стр. 677
فهزموه وملكوا البلاد وتغلّبوا على سرخس والزاوه وطوس، وهي من أعظم بلاد خراسان وجعلوا خليفتهم بمشهد علي بن موسى الرّضى «١٠٣» ، وتغلبوا على مدينة الجام، ونزلوا بخارجها وهم قاصدون مدينة هرات، وبينها وبينهم مسيرة ستّ.
فلما بلغ ذلك الملك حسينا جمع الأمراء والعساكر وأهل المدينة واستشارهم: هل يقيمون حتّى يأتي القوم أو يمضون إليهم فيناجزونهم، فوقع إجماعهم على الخروج اليهم وهم قبيلة واحدة يسمون الغورية، ويقال: إنهم منسوبون إلى غور الشام، وأن أصلهم منه «١٠٤» ، فتجهزوا أجمعون واجتمعوا من أطراف البلاد وهم ساكنون بالقرى وبصحراء مرغيس «١٠٥» ، وهي مسيرة أربع لا يزال عشبها أخضر ترعى منه ماشيتهم وخيلهم، وأكثر شجرها الفستق ومنها يحمل إلى أرض العراق، وعضدهم أهل مدينة سمنان «١٠٦» ، ونفروا جميعا إلى الرافضة وهم مائة وعشرون ألفا ما بين رجّالة وفرسان، ويقودهم الملك حسين، واجتمعت الرافضة في مائة وخمسين ألفا من الفرسان، وكانت الملاقاة بصحراء بوشنج «١٠٧» ، وصبر
стр. 678
الفريقان معا ثم كانت الدائرة على الرافضة، وفر سلطانهم مسعود، وثبت خليفتهم حسن في عشرين ألفا حتى قتل وقتل أكثرهم وأسر منهم نحو أربعة آلاف «١٠٨» .
وذكر لي بعض من حضر هذه الوقيعة أن ابتداء القتال كان في وقت الضّحى وكانت الهزيمة عند الزوال، ونزل الملك حسين بعد الظهر فصلى. وأتي بالطعام، فكان هو وكبراء أصحابه يأكلون وسائرهم يضربون أعناق الأسرى، وعاد إلى حضرته بعد هذا الفتح العظيم، وقد نصّر الله السنّة على يديه وأطفأ نار الفتنة. وكانت هذه الوقيعة بعد خروجي من الهند عام ثمانية وأربعين «١٠٩» .
ونشأ بهرات رجل من الزهاد الصلحاء الفضلاء، واسمه نظام الدين مولانا «١١٠» وكان أهل هرات يحبونه ويرجعون إلى قوله وكان يعظهم ويذكّرهم وتوافقوا معه على تغيير المنكر وتعاقد معهم على ذلك خطيب المدينة المعروف بملك ورنا، وهو ابن عم الملك حسين ومتزوج بزوجة والده، وهو من أحسن الناس صورة وسيرة، والملك يخافه على نفسه وسنذكر خبره وكانوا متى علموا بمنكر ولو كان عند الملك غيّروه.
حكاية [منكر بدار الملك]
ذكر لي أنهم تعرّفوا يوما أن بدار الملك حسين منكرا فاجتمعوا لتغييره وتحصّن منهم بداخل داره، فاجتمعوا على الباب في ستة آلاف رجل فخاف منهم، فاستحضر الفقيه وكبار البلد وكان قد شرب الخمر فأقاموا عليه الحدّ بداخل قصره وانصرفوا عنه!
стр. 679
حكاية هي سبب قتل الفقيه نظام الدين المذكور
كانت الأتراك المجاورون لمدينة هرات الساكنون بالصحراء وملكهم طغيتمور، الذي مر ذكره، وهم نحو خمسين ألفا يخافهم الملك حسين ويهدي لهم الهدايا في كلّ سنة ويداريهم وذلك قبل هزيمته للرّافضة، وأما بعد هزيمته للرافضة فتغلب عليهم، ومن عادة هؤلاء الأتراك التردّد إلى مدينة هرات، وربما شربوا بها الخمر وأتاهم بعضهم وهو سكران فكان نظام الدّين يحد من وجد منهم سكرانا.
وهؤلاء الأتراك أهل نجدة وبأس ولا يزالون يضربون على بلاد الهند فيسبون ويقتلون، وربما سبوا بعض المسلمات اللاتي يكنّ بأرض الهند ما بين الكفار، فإذا خرجوا بهنّ إلى خراسان يطلق نظام الدين المسلمات من أيدي التّرك، وعلامة النسوة المسلمات بأرض الهند ترك ثقب الأذن! والكافرات أذانهن مثقوبات، فاتفق مرة أن أميرا من أمراء الترك يسمّى تمور الطي سبى امرءة وكلف بها كلفا شديدا فذكرت أنها مسلمة، فانتزعها الفقيه من يده، فبلغ ذلك من التركي مبلغا عظيما وركب في آلاف من أصحابه وأغار على خيل هرات وهي في مراعاها بصحراء مرغيس واحتملوها فلم يتركوا لأهل هرات ما يركبون ولا يحلبون، وصعدوا بها إلى جبل هنالك، فبعث إليهم رسولا يطلب منهم ردّ ما أخذوه من الماشية والخيل ويذكّرهم العهد الذي بينهم، فأجابوا بأنهم لا يردّون ذلك حتى يمكّنوا من الفقيه نظام الدين، فقال السلطان: لا سبيل إلى هذا!! وكان الشيخ أبو أحمد الجشتي حفيد الشيخ مودود الجشتي «١١١» ، له بخراسان شأن عظيم وقوله معتبر لديهم، فركب في جماعة خيل من أصحابه ومماليكه، فقال: أنا أحمل الفقيه نظام الدين معي إلى الترك ليرضوا بذلك، ثم أردّه، فكأنّ الناس مالوا إلى قوله، ورأى الفقيه نظام الدين اتّفاقهم على ذلك فركب مع الشيخ أبي أحمد ووصل إلى الترك فقام إليه الأمير تمور الطي، وقال له: أنت أخذت امرأتي منّي، وضربه بدبوسه فكسر دماغه فخرّ ميّتا! فسقط في أيدي الشيخ أبي أحمد وانصرف من هنالك إلى بلده وردّ الترك ما كانوا أخذوه من الخيل والماشية!!
стр. 680
وبعد مدة قدم ذلك التركي الذي قتل الفقيه على مدينة هرات فلقيه جماعة من أصحاب الفقيه فتقدموا إليه كأنّهم مسلمون عليه وتحت ثيابهم السيوف فقتلوه وفرّ أصحابه!! ولما كان بعد هذا بعث الملك حسين ابن عمه ملك ورنا الذي كان رفيق الفقيه نظام الدين في تغيير المنكر رسولا إلى ملك سجستان «١١٢» فلما حصل بها بعث إليه أن يقيم هنالك ولا يعود إليه فقصد بلاد الهند ولقيته وأنا خارج منها بمدينة سيوستان من السند «١١٣» .
وهو أحد الفضلاء وفي طبعه حبّ الرياسة والصيد والبزاة والخيل والمماليك والأصحاب واللباس الملوكي الفاخر، ومن كان على هذا الترتيب فإنه لا يصلح حاله بأرض الهند، فكان من أمره أن ملك الهند ولّاه بلدا صغيرا وقتله به بعض أهل هرات المقيمين بالهند! بسبب جارية، وقيل إن ملك الهند دس عليه من قتله بسعي الملك حسين في ذلك ولأجله خدم الملك حسين ملك الهند وأعطاه مدينة بكّار «١١٤» من بلاد السند ومجباها خمسون ألفا من دنانير الذهب في كل سنة.
ولنعد إلى ما كنا بسبيله فنقول: سافرنا من هرات إلى مدينة الجام «١١٥» ، وهي متوسطة حسنة، ذات بساتين وأشجار وعيون كثيرة وأنهار، وأكثر شجرها التوت، والحرير بها كثير، وهي تنسب إلى الولي العابد الزاهد شهاب الدين أحمد الجام «١١٦» ، وسنذكر حكايته، وحفيده الشيخ أحمد المعروف بزاده الذي قتله ملك الهند، والمدينة الآن لأولاده، وهي محرّرة من قبل السلطان، ولهم بها نعمة وثروة.
стр. 681
وذكر لي من أثق به أنّ السلطان أبا سعيد ملك العراق قدم خراسان مرة ونزل على هذه المدينة وبها زاوية الشيخ، فأضافه ضيافة عظيمة وأعطى لكل خباء بمحلته رأس غنم، ولكل أربعة رجال رأس غنم، ولكل دابة بالمحلة من فرس وبغل وحمار علف ليلة فلم يبق في المحلة حيوان إلا وصلته ضيافة.
حكاية الشيخ شهاب الدين الذي تنسب إليه مدينة الجام
يذكر أنه كان صاحب راحة مكثرا من الشّرب، وكان له من الندماء نحو ستين وكانت لهم عادة أن يجتمعوا يوما في منزل كل واحد منهم فتدور النّوبة على أحدهم بعد شهرين، وبقوا على ذلك مدة، ثم إنّ النوبة وصلت يوما إلى الشيخ شهاب الدين فعقد التوبة ليلة النوبة، وعزم على إصلاح حاله مع ربّه، وقال في نفسه: إن قلت لأصحابي إني قد تبت قبل اجتماعهم عندي ظنوا ذلك عجزا عن مؤنتهم، فأحضر ما كان يحضر مثله قبل من مأكول ومشروب، وجعل الخمر في الزقاق، وحضر أصحابه فلما أرادوا الشرب فتحوا زقّا فذاقه أحدهم فوجده حلوا، ثم فتحوا ثانيا فوجدوه كذلك، ثم ثالثا فوجدوه كذلك، فكلّموا الشيخ في ذلك فخرج لهم عن حقيقة أمره، وصدقهم سنّ بكره «١١٧» ، وعرفهم بتوبته، وقال لهم: والله ما هذا إلا الشّراب الذي كنتم تشربونه في ما تقدم! وتابوا جميعا إلى الله تعالى، وبنوا تلك الزاوية وانقطعوا بها لعبادة الله تعالى، وظهر لهذا الشيخ كثير من الكرامات والمكاشفات.
ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس «١١٨» وهي من أكبر بلاد خراسان وأعظمها، بلد الإمام الشهير أبي حامد الغزالي «١١٩» ﵁، وبها قبره، ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا «١٢٠» وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي
стр. 682
زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «١٢١» ﵃، وهي أيضا مدينة كبيرة ضخمة كثيرة الفواكه والمياه والأرحاء الطاحنة، وكان بها الطاهر محمد شاه والطاهر عندهم بمعنى النقيب عند أهل مصر والشام والعراق، وأهل الهند والسند وتركستان يقولون: السيد الأجل «١٢٢» .
وكان أيضا بهذا المشهد القاضي الشريف جلال الدين لقيته بأرض الهند والشريف عليّ، وولداه أمير هندو ودولة شاه «١٢٣» وصحبوني من التّرمذ إلى بلاد الهند وكانوا من الفضلاء.
والمشهد المكرم عليه قبّة عظيمة في داخل زاوية وتجاورها مدرسة ومسجد، وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني، وعلى القبر دكانة خشب ملبّسة بصفائح الفضة، وعليه قناديل فضة معلقة، وعتبة باب القبة فضة وعلى بابها ستر حرير مذهب، وهي مبسوطة بأنواع البسط وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد أمير المؤمنين «١٢٤» ﵁ وعليه دكانة يضعون عليها الشمعدانات، التي يعرفها أهل المغرب بالحسك، والمنائر، وإذا دخل الرافضي للزيارة ضرب قبر الرشيد برجله وسلّم على الرضا!! ثم سافرنا رى مدينة سرخس «١٢٥» وإليها ينسب الشيخ الصالح لقمان السرخسي «١٢٦» ﵁.
стр. 683
ثم سافرنا منها إلى مدينة زاوة «١٢٧» ، وهي مدينة الشيخ الصالح قطب الدين حيدر «١٢٨» ، وإليه تنتسب طائفة الحيدرية من الفقراء، وهم الذين يجعلون حلق الحديد في أيديهم وأعناقهم وآذانهم ويجعلونها أيضا في ذكورهم حتى لا يتأتى لهم النكاح!! ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة نيسابور «١٢٩» ، وهي إحدى المدن الأربع التي هي قواعد خراسان ويقال لها دمشق الصغيرة لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحسنها وتخترقها أربعة من الأنهار، وأسواقها حسنة متّسعة ومسجدها بديع وهو في وسط السوق ويليه أربع من المدارس يجري بها الماء الغزير، وفيها من الطلبة خلق كثير يقرءون القرآن والفقه وهي من حسان مدارس تلك البلاد.
ومدارس خراسان والعراقين ودمشق وبغداد ومصر، وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن فكلها تقصر عن المدرسة التي عمّرها مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله المجاهد في سبيل الله عالم الملوك وواسطة عقد الخلفاء العادلين أبو عنان وصل الله سعده ونصر
стр. 684
جنده وهي التي عند القصبة من حضرة فاس حرسها الله تعالى فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعا، ونقش الجص بها لا قدرة لأهل المشرق عليه «١٣٠» ويصنع بنيسابور ثياب «١٣١» الحرير من النخ والكمخاء وغيرها، وتحمل منها إلى الهند، وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم القطب العابد قطب الدين النيسابوري أحد الوعاظ العلماء الصالحين، نزلت عنده فأحسن القرى وأكرم، ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.
كرامة له
كنت قد اشتريت بنيسابور غلاما تركيّا فرآه معي، فقال لي: هذا الغلام لا يصلح لك فبعه، فقلت له: نعم، وبعث الغلام في غد ذلك اليوم، واشتراه بعض التجار، ووادعت الشيخ وانصرفت، فلما حللت بمدينة بسطام كتب إلي بعض أصحابي من نيسابور وذكر أنّ الغلام المذكور قتل بعض أولاد الأتراك وقتل به! وهذه كرامة واضحة لهذا الشيخ ﵁ «١٣٢» .
وسافرت من نيسابور إلى مدينة بسطام «١٣٣» التي ينسب إليها الشيخ العارف أبو
стр. 685
يزيد البسطامي ١٣»
الشهير ﵁، وبهذه المدينة قبره ومعه في قبة واحدة أحد أولاد جعفر الصادق «١٣٥» ﵁، وببسطام أيضا قبر الشيخ الصالح الولي أبي الحسن الخرقاني.
وكان «١٣٦» نزولي من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي زيد البسطامي، ﵁ ثم سافرت من هذه المدينة على طريق هند خير «١٣٧» إلى قندوس «١٣٨» وبغلان «١٣٩» ، وهي
стр. 686
قرى فيها مشايخ وصالحون، وبها البساتين والأنهار فنزلنا بقندوس على نهر ماء به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر، يسمّى بشير سيّاه ومعنى ذلك الأسد الأسود، وأضافنا بها والي تلك الأرض، وهو من أهل الموصل، وسكناه ببستان عظيم هنالك، وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوما لرعي الجمال والخيل، وبها مراعي طيبة وأعشاب كثيرة، والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الامير بزنطيه «١٤٠» ، وقد قدمنا أن أحكام الترك في من سرق فرسا أن يعطي معه تسعة مثله، فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أولاده، فإن لم يكن له أولاده ذبح ذبح الشاة! والناس يتركون دوابّهم مهملة دون راع بعد أن يسم كلّ واحد دوابه في أفخاذها، وكذلك فعلنا في هذه البلاد! واتفق أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها، ففقدنا منها ثلاثة أفراس، ولما كان بعض نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا، خوفا على أنفسهم من الأحكام.
وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين لما عسى أن يقع بالليل، ففقدنا الفرسين ذات ليلة، وسافرنا من هنالك، وبعد اثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا.
وكان أيضا من أسباب إقامتنا خوف الثلج، فإن بأثناء الطريق جبلا يقال له هندوكوش «١٤١» ومعناه قاتل الهنود، لأنّ العبيد والجواري الذين يوتي بهم من بلاد الهند يموت هنالك الكثير منهم لشدّة البرد وكثرة الثلج، وهو مسيرة يوم كامل، وأقمنا حتى تمكّن دخول الحرّ «١٤٢» ، وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب، وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال وتطأ عليها لئلا تغرق في الثلج! ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأندر «١٤٣» ، وكانت هنالك فيما تقدم مدينة عفى رسمها،
стр. 687
ونزلنا عنده وأكرمنا، وكان متى غسلنا أيدينا من الطعام يشرب الماء الذي غسلناها به لحسن اعتقاده وفضله، وسافر معنا إلى أن صعدنا جبل هندوكوش المذكور ووجدنا بهذا الجبل عين ماء حارة فغسلنا منها وجوهنا فتقشرت وتألّمنا لذلك! ثم نزلنا بموضع يعرف ببنج هير «١٤٤» ، ومعنى بنج خمسة، وهير الجبل، فمعناه خمسة جبال، وكانت هنالك مدينة حسنة كثيرة العمارة على نهر عظيم أزرق كأنه بحر ينزل من جبال بدخشان، وبهذه الجبال يوجد الياقوت الذي يعرفه الناس بالبلخش، وخرب هذه البلاد تنكيز ملك التتر فلم تعمر بعد، وبهذه المدينة مزار الشيخ سعيد المكي وهو معظّم عندهم.
ووصلنا إلى جبل بشاي «١٤٥» ، وضبطه بفتح الباء المعقودة والشين المعجم وألف وباء ساكنة، وبه زاوية الشيخ الصالح أطا أولياء، وأطا بفتح الهمزة معناه بالتركية الاب، وأولياء باللسان العربي، فمعناه أبو الأولياء، ويسمّى أيضا سيصد صاله. وسيصد بسين مهمل مكسورة وياء مد وصاد مهمل مفتوح ودال مهمل ومعناه بالفارسية ثلاثمائة، وصاله بفتح الصاد المهمل واللام معناه عام، وهم يذكرون أن عمره ثلاثمائة وخمسون عاما ولهم فيه اعتقاد حسن وياتون لزيارته من البلاد والقرى ويقصده السلاطين والخواتين، وأكرمنا وأضافنا، ونزلنا على نهر عند زاويته، ودخلنا إليه فسلّمت عليه وعانقني وجسمه رطب لم أر ألين منه، ويظنّ رائيه أن عمره خمسون سنة، وذكر لي أنه في كلّ مايه سنة ينبت له الشعر والأسنان، وأنه رأى أبارهم الذي قبره بملتان من السند وسألته عن رواية حديث، فأخبرني بحكايات وشككت في حاله والله أعلم بصدقه.
ثم سافرنا إلى برون «١٤٦» ، وضبطها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخرها نون، وفيها لقيت الأمير برنطيه، وضبط اسمه بضم الباء وضم الراء وسكون النون
стр. 688
وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكّن وهاء، وأحسن إليّ وأكرمني.
وكتب إلى نوابه بمدينة غزنة في إكرامي، وقد تقدم ذكره وذكر ما أعطي من البسطة في الجسم، وكان عنده جماعة من المشايخ والفقراء أهل الزوايا.
ثم سافرنا إلى قرية الجرخ، وضبط اسمها بفتح الجيم المعقود وإسكان الراء وخاء معجم، وهي كبيرة لها بساتين كثيرة، وفواكهها طيبة «١٤٧» قدمناها في أيام الصيف ووجدنا بها جماعة من الفقراء والطلبة، وصلّينا بها الجمعة وأضافنا أميرها محمد الجرخي، ولقيته بعد ذلك بالهند ثم سافرنا إلى مدينة غزنة «١٤٨» ، وهي بلد السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين الشهير الاسم، وكان من كبار السلاطين يلقب يمين الدولة، وكان كثير الغزو إلى بلاد الهند وفتح بها المدائن والحصون، وقبره بهذه المدينة، عليه زاوية، وقد خرب معظم هذه البلدة ولم يبق منها إلا يسير، وكانت كبيرة وهي شديدة البرد، والساكنون بها يخرجون عنها أيام البرد إلى مدينة القندهار «١٤٩» . وهي كبيرة مخصبة ولم أدخلها وبينهما مسيرة ثلاث.
стр. 689
ونزلنا بخارج غزنة في قرية هنالك على نهر ماء تحت قلعتها وأكرمنا أميرها مرذك أغا «١٥٠» ، ومرذك بفتح الميم وسكون الراء وفتح الذال المعجم ومعناه الصغير، وأغا بفتح الهمزة والغين المعجم ومعناه الكبير الأصل، ثم سافرنا «١٥١» إلى كابل وكانت فيما سلف مدينة عظيمة «١٥٢» ، وبها الآن قرية يسكنها طائفة من الأعاجم يقال لهم الأفغان، ولهم جبال وشعاب، وشوكة قوية، وأكثرهم قطّاع الطريق، وجبلهم الكبير يسمى كوه سليمان «١٥٣» ، ويذكر أن نبي الله سليمان ﵇ صعد ذلك الجبل، فنظر إلى أرض الهند وهي مظلمة فرجع ولم يدخلها فسمي الجبل به، وفيه يسكن ملك الأفغان.
وبكابل زاوية الشيخ إسماعيل الأفغاني «١٥٤» تلميذ الشيخ عبّاس من كبار الأولياء، ومنها رحلنا إلى كرماش «١٥٥» ، وهي حصين بين جبلين تقطع به الأفغان، وكنا حين جوازنا عليه، نقاتلهم وهم بسفح الجبل ونرميهم بالنّشاب فيفرون، وكانت رفقتنا مخفّة، ومعهم نحو أربعة آلاف فرس، وكانت لي جمال انقطعت عن القافلة لأجلها، ومعي جماعة بعضهم من الأفغان، وطرحنا بعض الزاد، وتركنا أحمال الجمال التي أعيت بالطريق، وعادت إليها خيلنا بالغد فاحتملتها.
стр. 690
ووصلنا إلى القافلة بعد العشاء الآخرة فبتنا بمنزل ششنغار «١٥٦» ، وهي آخر العمارة مما يلي بلاد الترك.
ومن هنالك دخلنا البرية الكبرى وهي مسيرة خمس عشرة «١٥٧» ، لا تدخل إلّا في فصل واحد وهو بعد نزول المطر بأرض السند والهند وذلك في أوائل شهر يوليه، وتهب في هذه البرية ريح السموم القاتلة التي تعفّن الجسوم حتى أن الرجل إذا مات تفسخ أعضاؤه، وقد ذكرنا أن هذه الريح تهبّ أيضا في البرية بين هرمز وشيراز. «١٥٨»
وكانت تقدمت أمامنا رفقة كبيرة فيها خذاوند زاده قاضي التّرمذ فمات لهم جمال وخيل كثيرة، ووصلت رفقتنا سالمة بحمد الله تعالى إلى بنج آب «١٥٩» ، وهو ماء السند، وبنج بفتح الباء الموحدة وسكون النون والجيم ومعناه الماء، فمعنى ذلك الأودية الخمسة، وهي تصبّ في النهر الأعظم وتسقي تلك النواحي وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
وكان وصولنا لهذا النهر سلخ ذي الحجة، واستهل علينا تلك الليلة هلال المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، «١٦٠» ومن هنالك كتب المخبرون بخبرنا إلى أرض الهند وعرّفوا ملكها بكيفية أحوالنا.
وهاهنا ينتهي بنا الكلام في هذا السفر والحمد لله رب العالمين.
стр. 691
الفصل العاشر الطريق إلى دهلي
الوصول إلى بنج آب من بنج آب إلى سيوستان مدينة سيوستان من سيوستان إلى ملتان من ملتان إلى أبوهر الزراعة في الهند من أبوهر إلى أجودهن من أجودهن إلى دهلي
стр. 692
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه
[مقدمة]
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة ﵀ «١» :
ولما كان بتاريخ الغرّة من شهر الله المحرم مفتتح عام أربعة وثلاثين وسبعمائة وصلنا إلى وادي السند المعروف ببنج آب «٢» ، ومعنى ذلك: المياه الخمسة، وهذا الوادي من أعظم أودية الدنيا وهو يفيض في أوان الحرّ فيزرع أهل تلك البلاد على فيضه كما يفعل أهل الديار المصرية في فيض النيل، وهذا الوادي هو أول عمالة السلطان المعظّم محمد شاه ملك الهند والسند، ولما وصلنا إلى هذا النهر جاء إلينا أصحاب الأخبار الموكّلون بذلك وكتبوا بخبرنا إلى قطب الملك أمير مدينة ملتان وكان أمير أمراء السند على هذا العهد مملوك السلطان يسمى سرتيز، وهو عرض المماليك، وبين يديه تعرض عساكر السلطان، ومعنى اسمه: الحادّ الرأس، لأن سر بفتح السين المهملة وسكون الراء وهو الرأس، وتيز بتاء معلوة وياء مدّ وزاي معناه: الحادّ، وكان في حين قدومنا بمدينة سيوستان من السند، وبينها وبين ملتان مسيرة
стр. 693
عشرة أيام، وبين بلاد السند وحضرة السلطان مدينة دهلي مسيرة خمسين يوما، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان من بلاد السند يصل الكتاب إليه في خمسة أيام بسبب البريد
ذكر البريد
والبريد ببلاد الهند صنفان: فأما بريد الخيل فيسمون الولاق «٣» بضم الواو وآخره قاف، وهو خيل تكون للسلطان في كل مسافة أربعة أميال، وأما بريد الرجّالة فيكون في مسافة الميل الواحد منه ثلاث رتب، ويسمونها الدّاوة «٤» بالدال المهمل والواو، والدّاوة هي ثلث ميل، والميل عندهم يسمى الكروه «٥» بضم الكاف والراء، وترتيب ذلك أن يكون في كلّ ثلث ميل قرية معمورة، ويكون بخارجها ثلاث قباب، يقعد فيها الرجال مستعدّين للحركة قد شدّوا أوساطهم، وعند كلّ واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين بأعلاها جلاجل نحاس، فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده، والمقرعة ذات الجلاجل باليد الأخرى، وخرج يشتد بمنتهى جهده فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا له، فإذا وصلهم أخذ أحدهم الكتاب من يده ومر بأقصى جهده وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الدّاوة الأخرى ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه.
وهذا البريد أسرع من بريد الخيل، وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند، من فواكه خراسان، يجعلونها في الأطباق ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان، وكذلك يحملون أيضا الكبار من ذوي الجنايات، يجعلون الرجل منهم على سرير ويرفعونه فوق رؤوسهم ويسيرون به شدا، وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان إذا كان بدولة أباد، يحملونه من نهر الكنك الذي تحجّ الهنود إليه.
وهو على مسيرة أربعين يوما منها، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده، استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك وعرّفوه أنه ورد رجل صورته كذا، ولباسه كذا، وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخدامه ودوابه وترتيب حاله في حركته وسكونه، وجميع تصرفاته لا يغادرون من ذلك كلّه شيئا، فإذا وصل الوارد إلى مدينة ملتان وهي قاعدة بلاد
стр. 694
السند أقام بها حتى ينفذ أمر السلطان بقدومه، وما يجرى له من الضيافة وإنما يكرم الإنسان على قدر ما يظهر من أفعاله وتصرفاته وهمته إذ لا يعرف هنالك، ما حسبه ولا آباؤه.
ومن عادة ملك الهند السلطان أبي المجاهد محمد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب الرفيعة، ومعظم خواصه وحجابه ووزرائه وقضاته وأصهاره غرباء، ونفّذ أمره بأن يسمى الغرباء في بلاده بالأعزّة «٦» ، فصار لهم ذلك اسما علما، ولا بدّ لكّل قادم على هذا الملك من هدية يهديها إليه، ويقدمها وسيلة بين يديه، فيكافيه السلطان عليها بأضعاف مضاعفة، وسيمرّ من ذكر هدايا الغرباء إليه كثير.
ولما تعوّد الناس ذلك منه صار التجار الذين ببلاد السند والهند يعطون لكل قادم على السلطان الآلاف من الدنانير دينا، ويجهّزونه بما يريد أن يهديه إليه أو يتصرف فيه لنفسه من الدوابّ للركوب والجمال والأمتعة ويخدمونه بأموالهم وأنفسهم، ويقفون بين يديه كالحشم، فإذا وصل السلطان أعطاه العطاء الجزيل فقضى ديونهم، ووفاهم حقوقهم، فنفقت تجارتهم، وكثرت أرباحهم، وصار لهم ذلك عادة مستمرة.
ولما وصلت إلى بلاد السند سلكت ذلك المنهج واشتريت من التجار الخيل والجمال والمماليك وغير ذلك، ولقد اشتريت من تاجر عراقي من أهل تكريت يعرف بمحمد الدوري بمدينة غزنة نحو ثلاثين فرسا وجملا عليه حمل من النّشاب فإنه مما يهدى إلى السلطان، وذهب التاجر المذكور إلى خراسان، ثم عاد إلى الهند، وهنالك تقاضى مني ماله واستفاد بسببي فائدة عظيمة وعاد من كبار التجار، ولقيته بمدينة حلب بعد سنين كثيرة وقد سلبني الكفار مما كان بيدي فلم ألق منه خيرا.
ذكر الكركدّن
ولما أجزنا نهر السند المعروف ببنج آب دخلنا غيضة قصب لسلوك الطريق، لأنه في وسطها، فخرج علينا الكركدن، وصورته أنه حيوان أسود اللون، عظيم الجرم رأسه كبير،
стр. 695
متفاوت الضخامة، ولذلك يضرب به المثل فيقال: الكركدن، رأس بلا بدن، وهو دون الفيل، ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف، وله قرن واحد، بين عينيه، طوله نحو ثلاثة أذرع، وعرضه نحو شبر، ولما خرج علينا عارضه بعض الفرسان في طريقه، فضرب الفرس الذي كان تحته بقرنه فأنفذ فخذه وصرعه، وعاد إلى الغيضة، فلم نقدر عليه! وقد رأيت الكركدن مرة ثانية في هذه الطريق بعد صلاة العصر وهو يرعى نبات الأرض، فلما قصدناه هرب منا، ورأيته مرة أخرى ونحن مع ملك الهند، دخلنا غيضة قصب، وركب السلطان على الفيل وركبنا معه الفيلة، ودخلت الرّجالة والفرسان فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسه إلى المحلة.
وسرنا من نهر السّند يومين، ووصلنا إلى مدينة جناني «٧» ، وضبط اسمها بفتح الجيم والنون الأولى وكسر الثانية، مدينة كبيرة حسنة على ساحل نهر السند لها أسواق مليحة، وسكانها طائفة يقال لهم: السّامرة «٨» ، استوطنوها قديما واستقر بها أسلافهم، حين فتحها على أيام الحجاج بن يوسف حسبما أثبت المؤرخون في فتح السند، وأخبرني الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد ركن الدين بن الشيخ الفقيه الصالح شمس الدين بن الشيخ الإمام العابد الزاهد بهاء الدّين زكرياء «٩» القرشي، وهو أحد الثلاثة الذين أخبرني الشيخ الولي الصالح برهان الدين الأعرج بمدينة الإسكندرية أني سألقاهم في رحلتي فلقيتهم، والحمد لله أن جدّه الأعلى كان يسمى بمحمد بن قاسم القرشي «١٠» ، وشهد فتح السند في العسكر الذي بعثه لذلك الحجاج بن يوسف أيام إمارته على العراق وأقام بها وتكاثرت ذرّيته.
стр. 696
وهؤلاء الطائفة المعروفون بالسامرة لا يأكلون مع أحد ولا ينظر إليهم أحد حين يأكلون ولا يصاهرون أحدا من غيرهم ولا يصاهر إليهم أحد وكان لهم في هذا العهد أمير يسمى ونار بضم الواو وفتح النون، وسنذكر خبره.
ثم سافرنا من مدينة جناني إلى أن وصلنا إلى مدينة سيوستان «١١» ، وضبط اسمها بكسر السين الأول المهمل وياء مد وواو مفتوح وسين مكسور وتاء معلوة وآخره نون، وهي مدينة كبيرة وخارجها صحراء ورمال، ولا شجر بها إلا شجر أم غيلان، ولا يزرع على نهرها شيء ما عدا البطيخ، وطعامهم الذرة والجلبّان، ويسمونه المشنك «١٢» ، بميم وشين معجم مضمومين ونون مسكن، ومنه يصنعون الخبز، وهي كثيرة السمك والألبان الجاموسية، وأهلها يأكلون السّقنقور وهي دوبيّة شبيهة بأم جبين التي يسميها المغاربة حنيشة الجنّة إلا أنها لا ذنب لها، ورأيتهم يحفرون الرمل ويستخرجونها منه، ويشقون بطنها ويرمون بما فيه، ويحشونه بالكركم، وهم يسمونه زردشوبة «١٣» ، ومعناه العود الأصفر، وهو عندهم، عوض الزعفران، ولما رأيت تلك الدّويبة، وهم يأكلونها، استقذرتها فلم آكلها! ودخلنا هذه المدينة في احتدام القيظ، وحرّها شديد «١٤» ، فكان أصحابي يقعدون عريانين، يجعل أحدهم فوطة على وسطه، وفوطة على كتفيه مبلولة بالماء فما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة فيبلها مرة أخرى، وهكذا أبدا.
ولقيت بهذه المدينة خطيبها المعروف بالشيباني وأراني كتاب أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ لجدّه الأعلى بخطابة هذه المدينة، وهم يتوارثونها من ذلك العهد إلى الآن ونص الكتاب: هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لفلان
стр. 697
وتاريخه سنة تسع وتسعين «١٥» ، وعليه مكتوب بخط أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: الحمد لله وحده «١٦» ، على ما أخبرني الخطيب المذكور.
ولقيت بها أيضا الشيخ المعمّر محمد البغدادي، وهو بالزاوية التي على قبر الشيخ الصالح عثمان المرندي وذكر أن عمره يزيد على مائة وأربعين سنة، وأنه حضر لقتل المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس ﵃ لما قتله الكافر هلاون بن تنكيز التّتري، وهذا الشيخ على كبر سنه قوي الجثّة يتصرف على قدميه.
* حكاية [الجلود المصلوبة] :
كان يسكن بهذه المدينة الأمير ونار السامري الذي تقدم والأمير قيصر الرّومي، وهما في خدمة السلطان ومعهما نحو ألف وثمانمائة فارس، وكان يسكن بها كافر من الهنود اسمه رتن، بفتح الراء وبفتح التاء المعلوة والنون، وهومن الحذّاق بالحساب والكتابة، فوفد على ملك الهند مع بعض الأمراء فاستحسنه السلطان وسماه عظيم السند، وولاه بتلك البلاد وأقطعه سيوستان وأعمالها، وأعطاه المراتب، وهي الأطبال والعلامات كما يعطي كبار الأمراء.
فلما وصل إلى تلك البلاد عظم على ونار وقيصر وغيرهما تقديم الكافر عليهم فأجمعوا على قتله. فلما كان بعد أيام من قدومه أشاروا عليه بالخروج إلى أحواز المدينة ليتطلّع على أمورها فخرج معهم، فلما جنّ الليل أقاموا ضجة بالمحلة «١٧» وزعموا أن السبع ضرب عليها، وقصدوا مضرب الكافر، فقتلوه وعادوا إلى المدينة، فأخذوا ما كان بها من مال
стр. 698
السلطان وذلك اثنا عشر لكا، واللّك: مائة ألف دينار، وصرف اللّك عشرة آلاف دينار من ذهب الهند، وصرف الدينار الهندي ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب «١٨» ، وقدّموا على أنفسهم ونار المذكور، وسموه ملك فيروز، وقسم الأموال على العسكر، ثم خاف على نفسه لبعده عن قبيلته، وقدم الباقون من العسكر على أنفسهم قيصر الرومي.
واتصل خبرهم بعماد الملك سرتيز مملوك السلطان، وهو يومئذ أمير أمراء السند، وسكناه بملتان، فجمع العساكر وتجهز في البر وفي نهر السند، وبين ملتان وسيوستان عشرة أيام، وخرج إليه قيصر فوقع اللقاء، وانهزم قيصر، ومن معه أشنع هزيمة وتحصنوا بالمدينة، فحصرهم ونصب المجانيق عليهم واشتد الحصار، فطلبوا الأمان بعد أربعين يوما من نزوله عليهم، فأعطاهم الأمان، فلما نزلوا إليه غدرهم وأخذ أموالهم وأمر بقتلهم، فكان كل يوم يضرب أعناق بعضهم، ويوسّط بعضهم، ويسلخ آخرين منهم، ويملأ جلودهم تبنا ويعلقها على السور فكان معظمه عليه تلك الجلود مصلوبة ترعب من ينظر إليها، وجمع رؤوسهم في وسط المدينة فكانت مثل التل هنالك! ونزلت بتلك المدينة إثر هذه الوقيعة بمدرسة فيها كبيرة، وكنت أنام على سطحها فإذا استيقظت من الليل أرى تلك الجلود المصلوبة فتشمئز النفس منها، ولم تطب نفسي بالسكنى بالمدرسة، فانتقلت عنها، وكان الفقيه الفاضل العادل علاء الملك الخراساني المعروف بفصيح الدين قاضي هراة في متقدم التاريخ، قد وفد على ملك الهند فولاه مدينة لاهري وأعمالها من بلاد السند، وحضر هذه الحركة مع عماد الملك سرتيز بمن معه من العساكر فعزمت على السفر معه إلى المدينة لاهري وكان له خمسة عشر مركبا قدم بها في نهر السند تحمل أثقاله فسافرت معه.
ذكر السفر في نهر السند وترتيب ذلك
وكان للفقيه علاء الملك في جملة مراكبه مركب يعرف بالأهورة، بفتح الهمزة والهاء وسكون الواو وفتح الراء، وهي نوع من الطريدة عندنا، إلا أنها أوسع منها وأقصر «١٩» ،
стр. 699
وعلى نصفها معرّش من خشب يصعد له على درج، وفوقه مجلس مهيأ لجلوس الأمير ويجلس أصحابه بين يديه ويقف المماليك يمنة ويسرة والرجال يقذّفون وهم نحو أربعين، ويكون من هذه الأهورة أربعة من المراكب عن يمينها ويسارها اثنان منها فيها مراتب الأمير، وهي العلامات والطبول والأبواق والأنفار والصّرنايات، وهي الغيطات، والآخران فيهما أهل الطرب، فتضرب الطبول والأبواق نوبة، ويغني المغنون نوبة، ولا يزالون كذلك من أول النهار إلى وقت الغداء.
فإذا كان وقت الغداء انضمّت المراكب واتصل بعضها ببعض ووضعت بينهما الإصقالات «٢٠» وأتى أهل الطرب إلى أهورة الأمير فيغنون إلى أن يفرغ من أكله، ثم ياكلون، وإذا انقضى الأكل عادوا إلى مركبهم، وشرعوا أيضا في المسير على ترتيبهم إلى الليل، فإذا كان الليل ضربت المحلة على شاطىء النهر ونزل الأمير إلى مضاربه، ومدّ السّماط وحضر الطعام معظم العسكر، فإذا صلوا العشاء الأخيرة سمر السمّار بالليل نوبا، فإذا أتم أهل النوبة من نوبتهم نادى مناد منهم بصوت عال: يا خوند ملك، قد مضى من الليل كذا من الساعات، ثم يسمر أهل النوبة الأخرى فإذا أتموه نادى مناديهم أيضا معلما بما مرّ من الساعات، فإذا كان الصبح ضربت الأبواق والطبول وصليت صلاة الصبح وأتي بالطعام، فإذا فرغ الأكل أخذوا في المسير، فإن أراد الأمير ركوب النهر ركب على ما ذكرناه من الترتيب، وإن أراد المسير في البرّ ضربت الأطبال والأبواق وتقدم حجابه ثم تلاهم المشّاؤون بين يديه، ويكون بين أيدي الحجاب ستة من الفرسان عند ثلاثة منهم أطبال قد تقلدوها وعند ثلاثة صرّنايات فإذا أقبلوا على قرية أو ما هو من الأرض مرتفع ضربوا تلك الأطبال والصّرنايات، ثم تضرب أطبال العسكر وأبواقه، ويكون عن يمين الحجّاب ويسارهم المغنون ويغنون نوبا، فإذا كان وقت الغداء نزلوا.
وسافرت مع علاء الملك خمسة أيام، ووصلنا إلى موضع ولايته وهو مدينة لاهري،
стр. 700
وضبط اسمها بفتح الهاء وكسر الراء، مدينة حسنة على ساحل البحر الكبير «٢١» ، وبها يصب نهر السند في البحر فيلتقي بها بحران، ولها مرسى عظيم يأتي إليه أهل اليمن وأهل فارس وغيرهم، وبذلك عظمت جباياتها، وكثرت أموالها. أخبرني الأمير علاء الملك المذكور أن مجبا هذه المدينة ستون لكا في السنة، وقد ذكرنا مقدار اللّك، وللأمير من ذلك نم ده يك، ومعناه نصف العشر، وعلى ذلك يعطي السلطان البلاد لعمّاله يأخذون منها لأنفسهم نصف العشر.
ذكر غريبة رأيتها بخارج هذه المدينة .
وركبت يوما مع علاء الملك فانتهينا إلى بسيط من الأرض على مسافة سبعة أميال منها يعرف بتارنا، فرأيت هنالك ما لا يحصره العدّ من الحجارة مثل صور الآدميين والبهائم «٢٢» ، وقد تغير كثير منها ودثرت أشكاله فيبقى منه صورة رأس أو رجل أو سواهما، ومن الحجارة أيضا صور الحبوب من البر والحمّص والفول والعدس، وهنالك آثار سور وجدران دور، ثم رأينا رسم دار فيها بيت من حجارة منحوتة وفي وسطه دكانة حجارة منحوتة كأنها حجر واحد، عليها صورة أدمي إلا أن رأسه طويل، وفمه في جانب من وجهه، ويداه خلف ظهره كالمكتوف.
وهنالك مياه شديدة النتن، وكتابة على بعض الجدران بالهندي، وأخبرني علاء الملك أن أهل التاريخ يزعمون أن هذا الموضع كانت فيه مدينة عظيمة، أكثر أهلها الفساد فمسخوا حجارة! وأن ملكهم هو الذي على الدكانة في الدار التي ذكرناها وهي إلى الآن تسمى دار الملك وأن الكتابة التي في بعض الحيطان هنالك بالهندي هي تاريخ هلاك أهل تلك المدينة وكان ذلك منذ ألف سنة أو نحوها.
стр. 701
وأقمت بهذه المدينة مع علاء الملك خمسة أيام ثم أحسن في الزاد وانصرفت عنه إلى مدينة بكار «٢٣» ، بفتح الباء الموحدة، وهي مدينة حسنة يشقها خليج من نهر السند، وفي وسط ذلك الخليج زاوية حسنة فيها الطعام للوارد والصادر عمّرها كشلوخان أيام ولايته على بلاد السند، وسيقع ذكره.
ولقيت بهذه المدينة الفقيه الإمام صدر الدين الحنفي، ولقيت بها قاضيها المسمى بأبي حنيفة، ولقيت بها الشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي وهو من المعمّرين: ذكر لي أن سنه يزيد على مائة وعشرين عاما.
ثم سافرت من مدينة بكار فوصلت إلى مدينة أوجه «٢٤» ، وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم، وهي مدينة كبيرة على نهر السند، لها أسواق حسنة وعمارة جيدة، وكان الأمير بها إذ ذاك الملك الفاضل الشريف جلال الدين الكيجي أحد الشجعان الكرماء، وبهذه المدينة توفي بعد سقطة سقطها عن فرسه.
مكرمة لهذا الملك
ونشأت بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة، وتأكدت بيننا الصحبة والمحبة، واجتمعنا بحضرة دهلي، فلما سافر السلطان إلى دولة أباد، كما سنذكره، وأمرني بالإقامة بالحضرة، قال لي جلال الدين، إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة، والسلطان تطول غيبته فخذ قريتي واستغلها حتى أعود، ففعلت ذلك واستغللت منها نحو خمسة آلاف دينار جزاه الله أحسن جزائه.
ولقيت بمدينة أوجه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي «٢٥» ، وألبسني الخرقة، وهو من كبار الصالحين ولم يزل الثوب الذي ألبسنيه معي إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر «٢٦» .
стр. 702
ثم سافرت من مدينة أوجة إلى مدينة ملتان «٢٧» ، وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة، وهي قاعدة بلاد لسند ومسكن أمير أمرائه، وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال منها الوادي المعروف بخسروآباد، وهو من الأودية الكبار لا يجاز إلا في المركب «٢٨» ، وبه يبحث عن أمتعة المجتازين أشد البحث، وتفتش رحالهم، وكانت عادتهم في حين وصولنا إليها أن يأخذوا الرّبع من كل ما يجلبه التجار ويأخذوا على كل فرس سبعة دنانير مغرما، ثم بعد وصولنا للهند بسنتين رفع السلطان تلك المغارم «٢٩» ، وأمر أن لا يوخذ من الناس إلا الزكاة والعشر لما بايع للخليفة أبي العباس العباسي.
ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفتشت الرحال عظم عليّ تفتيش رحلي لأنه لم يكن فيه طائل، وكان يظهر في أعين الناس كبيرا فكنت أكره أن يطّلع عليه، ومن لطف الله تعالى أن وصل أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر أن لا يعرض لي ببحث ولا تفتيش فكان كذلك، فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه.
وبتنا تلك الليلة على شاطىء الوادي، وقدم علينا في صبيحتها ملك البريد واسمه دهقان وهو سمرقندي الأصل، وهو الذي يكتب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها وما يحدث بها ومن يصل إليها، فتعرفت به، ودخلت في صحبته إلى أمير ملتان.
ذكر أمير ملتان وترتيب حاله
وأمير ملتان هو قطب الملك من كبار الأمراء وفضلائهم، ولما دخلت عليه قام إليّ وصافحني وأجلسني إلى جانبه، وأهديت له مملوكا وفرسا وشيئا من الزّبيب واللوز وهو من أعظم ما يهدى إليهم لأنه ليس ببلادهم، وإنما يجلب من خراسان.
стр. 703
وكان جلوس هذا الأمير على دكانة كبيرة، عليها البسط وعلى مقربة منه القاضي، ويسمى سالار، والخطيب ولا أذكر اسمه، وعن يمينه ويساره أمراء الأجناد وأهل السلاح وقوف على رأسه والعساكر تعرض بين يديه.
وهنالك قسيّ كثيرة، فإذا أتى من يريد أن يثبت في العسكر راميا أعطى قوسا من تلك القسي ينزع فيها، وهي متفاوتة في الشدة فعلى قدر نزعه يكون مرتّبه، ومن أراد أن يثبّت فارسا فهنالك طبلة منصوبة فيجري فرسه ويرميها برمحه، وهنالك أيضا خاتم معلّق من حائط صغير فيجري فرسه حتى يحاذيه، فإن رفعه برمحه فهو الجيّد عندهم، ومن أراد أن يثبّت راميا فارسا فهنالك كرة موضوعة في الأرض فيجري فرسه ويرميها، وعلى قدر ما يظهر من الإنسان في ذلك من الإصابة يكون مرتّبه.
ولما دخلنا على هذا الأمير وسلّمنا عليه كما ذكرناه أمر بإنزالنا في دار خارج المدينة هي لأصحاب الشيخ العابد ركن الدين الذي تقدم ذكره، وعادتهم أن لا يضيفوا أحدا حتى يأتي أمر السلطان بتضييفه.
ذكر من اجتمعت به في هذه المدينة من الغرباء الوافدين على حضرة ملك الهند .
فمنهم خذاوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ، قدم بأهله وولده، ثم ورد عليه بها إخوته عماد الدين وضياء الدين وبرهان الدين، ومنهم مبارك شاه أحد كبار سمرقند، ومنهم أرن بغا أحد كبار بخارى، ومنهم ملك زاده ابن أخت خذاوند زاده، ومنهم بدر الدين الفصّال، وكل واحد من هؤلاء معه أصحابه وخدّامه واتباعه.
ولما مضى من وصولنا إلى ملتان شهران وصل أحد حجّاب السلطان وهو شمس الدين البوشنجي والملك محمد الهروي الكتوال «٣٠» ، بعثهما السلطان لاستقبال خذاوند زاده وقدم معهم ثلاثة من الفتيان بعثتهم المخدومة جهان، وهي أم السلطان، لاستقبال زوجة خذاوند زاده المذكور وأتوا بالخلع لهما ولأولادهما ولتجهيز من قدم من الوفود، وأتوا جميعا إليّ وسألوني: لماذا قدمت؟ فأخبرتهم أني قدمت للإقامة في خدمة خوند عالم وهو السلطان وبهذا يدعى في بلاده.
стр. 704
وكان أمر أن لا يترك أحد ممن يأتي من خراسان يدخل بلاد الهند إلا إن كان برسم الإقامة، فلما أعلمتهم أني قدمت للإقامة استدعوا القاضي والعدول وكتبوا عقدا عليّ وعلى من أراد الإقامة من أصحابي وأبى بعضهم من ذلك.
وتجهّزنا للسفر إلى الحضرة، وبين ملتان وبينها مسيرة أربعين يوما في عمارة متصلة وأخرج الحاجب وصاحبه الذي بعث معه ما يحتاج إليه في ضيافة قوام الدين واستصحبوا من ملتان نحو عشرين طبّاخا وكان الحاجب يتقدم ليلا إلى كل منزل، فيجهّز الطعام وسواه فما يصل خذاوند زاده حتى يكون الطّعام متيسّرا، وينزل كل واحد ممن ذكرناهم من الوفود على حدة بمضاربه وأصحابه، وربّما حضروا الطعام الذي يصنع لخذاوند زاده، ولم أحضره أنا إلا مرة واحدة.
وترتيب ذلك الطعام أنهم يجعلون الخبز، وخبزهم الرّقاق، وهو شبه الجراديق، ويقطعون اللّحم المشوي قطعا كبارا بحيث تكون الشاة أربع قطع أو ستّا، ويجعلون أمام كل رجل قطعة ويجعلون أقراصا مصنوعة بالسّمن تشبه الخبز المشرّك «٣١» ببلادنا، ويجعلون في وسطها الحلواء الصّابونية «٣٢» ، ويغطون كل قرص منها برغيف حلواء يسمونه الخشتي ومعناه الأجري، مصنوع من الدقيق والسكر والسمن، ثم يجعلون اللحم المطبوخ بالسمن والبصل والزنجبيل الأخضر في صحاف صينية، ثم يجعلون شيئا يسمونه سموسك «٣٣» ، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوع في جوف رقاقة مقلوّة بالسمن، يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعا، ثم يجعلون الأرز المطبوخ بالسمن وعليه الدجاج، ثم يجعلون لقيمات القاضي ويسمونها الهاشمي ثم يجعلون القاهرية.
ويقف الحاجب على السّماط قبل الأكل ويخدم إلى الجهة التي فيها السلطان، ويخدم جميع من حضر لخدمته، والخدمة عندهم حطّ الرأس نحو الركوع، فإذا فعلوا ذلك جلسوا
стр. 705
للأكل، ويوتى بأقداح الذهب والفضة والزجاج مملوءة بماء النبات، وهو الجلّاب محلولا في الماء، ويسمون ذلك الشّربة، ويشربونه قبل الطعام، ثم يقول الحاجب بسم الله فعند ذلك يشرعون في الأكل فإذا أكلوا أتوا بأكواز الفقّاع «٣٤» ، فإذا شربوه أتوا بالتّنبول والفوفل، وقد تقدم ذكرهما، فإذا أخذوا التنبول والفوفل قال الحاجب: بسم الله فيقومون ويخدمون مثل خدمتهم أولا وينصرفون.
وسافرنا من مدينة ملتان، وهم يجرون هذا الترتيب على حسب ما سطّرناه إلى أن وصلنا إلى بلاد الهند، وكان أول بلد دخلناه مدينة أبوهر «٣٥» ، بفتح الهاء، وهي أول تلك البلاد الهندية، صغيرة حسنة كثيرة العمارة، ذات أنهار وأشجار.
وليس هنالك من أشجار بلادنا شيء ما عدا النّبق (٣٦) ، لكنه عندهم عظيم الجرم، وتكون الحبة منه بمقدار حبة العفص، شديد الحلاوة، ولهم أشجار كثيرة ليس يوجد منها شيء ببلادنا ولا بسواها!
ذكر أشجار بلاد الهند وفواكهها .
فمنها العنبة «٣٦» ، بفتح العين وسكون النون وفتح الباء الموحدة، وهي شجرة تشبه أشجار النارنج إلا أنها أعظم أجراما وأكثر أوراقا وظلها أكثر الظلال غير أنه ثقيل، فمن نام تحته وعك، وثمرها على قدر الإجاص الكبير، فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه وجعلوا عليه الملح وصيّروه كما يصيّر اللّيم «٣٧» والليمون ببلادنا، وكذلك يصيّرون
следующие страницы →