Полный текст (1 410 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وأقمت بهذه المدينة مع علاء الملك خمسة أيام ثم أحسن في الزاد وانصرفت عنه إلى مدينة بكار «٢٣» ، بفتح الباء الموحدة، وهي مدينة حسنة يشقها خليج من نهر السند، وفي وسط ذلك الخليج زاوية حسنة فيها الطعام للوارد والصادر عمّرها كشلوخان أيام ولايته على بلاد السند، وسيقع ذكره.
ولقيت بهذه المدينة الفقيه الإمام صدر الدين الحنفي، ولقيت بها قاضيها المسمى بأبي حنيفة، ولقيت بها الشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي وهو من المعمّرين: ذكر لي أن سنه يزيد على مائة وعشرين عاما.
ثم سافرت من مدينة بكار فوصلت إلى مدينة أوجه «٢٤» ، وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم، وهي مدينة كبيرة على نهر السند، لها أسواق حسنة وعمارة جيدة، وكان الأمير بها إذ ذاك الملك الفاضل الشريف جلال الدين الكيجي أحد الشجعان الكرماء، وبهذه المدينة توفي بعد سقطة سقطها عن فرسه.
مكرمة لهذا الملك
ونشأت بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة، وتأكدت بيننا الصحبة والمحبة، واجتمعنا بحضرة دهلي، فلما سافر السلطان إلى دولة أباد، كما سنذكره، وأمرني بالإقامة بالحضرة، قال لي جلال الدين، إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة، والسلطان تطول غيبته فخذ قريتي واستغلها حتى أعود، ففعلت ذلك واستغللت منها نحو خمسة آلاف دينار جزاه الله أحسن جزائه.
ولقيت بمدينة أوجه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي «٢٥» ، وألبسني الخرقة، وهو من كبار الصالحين ولم يزل الثوب الذي ألبسنيه معي إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر «٢٦» .
стр. 702
ثم سافرت من مدينة أوجة إلى مدينة ملتان «٢٧» ، وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة، وهي قاعدة بلاد لسند ومسكن أمير أمرائه، وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال منها الوادي المعروف بخسروآباد، وهو من الأودية الكبار لا يجاز إلا في المركب «٢٨» ، وبه يبحث عن أمتعة المجتازين أشد البحث، وتفتش رحالهم، وكانت عادتهم في حين وصولنا إليها أن يأخذوا الرّبع من كل ما يجلبه التجار ويأخذوا على كل فرس سبعة دنانير مغرما، ثم بعد وصولنا للهند بسنتين رفع السلطان تلك المغارم «٢٩» ، وأمر أن لا يوخذ من الناس إلا الزكاة والعشر لما بايع للخليفة أبي العباس العباسي.
ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفتشت الرحال عظم عليّ تفتيش رحلي لأنه لم يكن فيه طائل، وكان يظهر في أعين الناس كبيرا فكنت أكره أن يطّلع عليه، ومن لطف الله تعالى أن وصل أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر أن لا يعرض لي ببحث ولا تفتيش فكان كذلك، فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه.
وبتنا تلك الليلة على شاطىء الوادي، وقدم علينا في صبيحتها ملك البريد واسمه دهقان وهو سمرقندي الأصل، وهو الذي يكتب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها وما يحدث بها ومن يصل إليها، فتعرفت به، ودخلت في صحبته إلى أمير ملتان.
ذكر أمير ملتان وترتيب حاله
وأمير ملتان هو قطب الملك من كبار الأمراء وفضلائهم، ولما دخلت عليه قام إليّ وصافحني وأجلسني إلى جانبه، وأهديت له مملوكا وفرسا وشيئا من الزّبيب واللوز وهو من أعظم ما يهدى إليهم لأنه ليس ببلادهم، وإنما يجلب من خراسان.
стр. 703
وكان جلوس هذا الأمير على دكانة كبيرة، عليها البسط وعلى مقربة منه القاضي، ويسمى سالار، والخطيب ولا أذكر اسمه، وعن يمينه ويساره أمراء الأجناد وأهل السلاح وقوف على رأسه والعساكر تعرض بين يديه.
وهنالك قسيّ كثيرة، فإذا أتى من يريد أن يثبت في العسكر راميا أعطى قوسا من تلك القسي ينزع فيها، وهي متفاوتة في الشدة فعلى قدر نزعه يكون مرتّبه، ومن أراد أن يثبّت فارسا فهنالك طبلة منصوبة فيجري فرسه ويرميها برمحه، وهنالك أيضا خاتم معلّق من حائط صغير فيجري فرسه حتى يحاذيه، فإن رفعه برمحه فهو الجيّد عندهم، ومن أراد أن يثبّت راميا فارسا فهنالك كرة موضوعة في الأرض فيجري فرسه ويرميها، وعلى قدر ما يظهر من الإنسان في ذلك من الإصابة يكون مرتّبه.
ولما دخلنا على هذا الأمير وسلّمنا عليه كما ذكرناه أمر بإنزالنا في دار خارج المدينة هي لأصحاب الشيخ العابد ركن الدين الذي تقدم ذكره، وعادتهم أن لا يضيفوا أحدا حتى يأتي أمر السلطان بتضييفه.
ذكر من اجتمعت به في هذه المدينة من الغرباء الوافدين على حضرة ملك الهند .
فمنهم خذاوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ، قدم بأهله وولده، ثم ورد عليه بها إخوته عماد الدين وضياء الدين وبرهان الدين، ومنهم مبارك شاه أحد كبار سمرقند، ومنهم أرن بغا أحد كبار بخارى، ومنهم ملك زاده ابن أخت خذاوند زاده، ومنهم بدر الدين الفصّال، وكل واحد من هؤلاء معه أصحابه وخدّامه واتباعه.
ولما مضى من وصولنا إلى ملتان شهران وصل أحد حجّاب السلطان وهو شمس الدين البوشنجي والملك محمد الهروي الكتوال «٣٠» ، بعثهما السلطان لاستقبال خذاوند زاده وقدم معهم ثلاثة من الفتيان بعثتهم المخدومة جهان، وهي أم السلطان، لاستقبال زوجة خذاوند زاده المذكور وأتوا بالخلع لهما ولأولادهما ولتجهيز من قدم من الوفود، وأتوا جميعا إليّ وسألوني: لماذا قدمت؟ فأخبرتهم أني قدمت للإقامة في خدمة خوند عالم وهو السلطان وبهذا يدعى في بلاده.
стр. 704
وكان أمر أن لا يترك أحد ممن يأتي من خراسان يدخل بلاد الهند إلا إن كان برسم الإقامة، فلما أعلمتهم أني قدمت للإقامة استدعوا القاضي والعدول وكتبوا عقدا عليّ وعلى من أراد الإقامة من أصحابي وأبى بعضهم من ذلك.
وتجهّزنا للسفر إلى الحضرة، وبين ملتان وبينها مسيرة أربعين يوما في عمارة متصلة وأخرج الحاجب وصاحبه الذي بعث معه ما يحتاج إليه في ضيافة قوام الدين واستصحبوا من ملتان نحو عشرين طبّاخا وكان الحاجب يتقدم ليلا إلى كل منزل، فيجهّز الطعام وسواه فما يصل خذاوند زاده حتى يكون الطّعام متيسّرا، وينزل كل واحد ممن ذكرناهم من الوفود على حدة بمضاربه وأصحابه، وربّما حضروا الطعام الذي يصنع لخذاوند زاده، ولم أحضره أنا إلا مرة واحدة.
وترتيب ذلك الطعام أنهم يجعلون الخبز، وخبزهم الرّقاق، وهو شبه الجراديق، ويقطعون اللّحم المشوي قطعا كبارا بحيث تكون الشاة أربع قطع أو ستّا، ويجعلون أمام كل رجل قطعة ويجعلون أقراصا مصنوعة بالسّمن تشبه الخبز المشرّك «٣١» ببلادنا، ويجعلون في وسطها الحلواء الصّابونية «٣٢» ، ويغطون كل قرص منها برغيف حلواء يسمونه الخشتي ومعناه الأجري، مصنوع من الدقيق والسكر والسمن، ثم يجعلون اللحم المطبوخ بالسمن والبصل والزنجبيل الأخضر في صحاف صينية، ثم يجعلون شيئا يسمونه سموسك «٣٣» ، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوع في جوف رقاقة مقلوّة بالسمن، يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعا، ثم يجعلون الأرز المطبوخ بالسمن وعليه الدجاج، ثم يجعلون لقيمات القاضي ويسمونها الهاشمي ثم يجعلون القاهرية.
ويقف الحاجب على السّماط قبل الأكل ويخدم إلى الجهة التي فيها السلطان، ويخدم جميع من حضر لخدمته، والخدمة عندهم حطّ الرأس نحو الركوع، فإذا فعلوا ذلك جلسوا
стр. 705
للأكل، ويوتى بأقداح الذهب والفضة والزجاج مملوءة بماء النبات، وهو الجلّاب محلولا في الماء، ويسمون ذلك الشّربة، ويشربونه قبل الطعام، ثم يقول الحاجب بسم الله فعند ذلك يشرعون في الأكل فإذا أكلوا أتوا بأكواز الفقّاع «٣٤» ، فإذا شربوه أتوا بالتّنبول والفوفل، وقد تقدم ذكرهما، فإذا أخذوا التنبول والفوفل قال الحاجب: بسم الله فيقومون ويخدمون مثل خدمتهم أولا وينصرفون.
وسافرنا من مدينة ملتان، وهم يجرون هذا الترتيب على حسب ما سطّرناه إلى أن وصلنا إلى بلاد الهند، وكان أول بلد دخلناه مدينة أبوهر «٣٥» ، بفتح الهاء، وهي أول تلك البلاد الهندية، صغيرة حسنة كثيرة العمارة، ذات أنهار وأشجار.
وليس هنالك من أشجار بلادنا شيء ما عدا النّبق (٣٦) ، لكنه عندهم عظيم الجرم، وتكون الحبة منه بمقدار حبة العفص، شديد الحلاوة، ولهم أشجار كثيرة ليس يوجد منها شيء ببلادنا ولا بسواها!
ذكر أشجار بلاد الهند وفواكهها .
فمنها العنبة «٣٦» ، بفتح العين وسكون النون وفتح الباء الموحدة، وهي شجرة تشبه أشجار النارنج إلا أنها أعظم أجراما وأكثر أوراقا وظلها أكثر الظلال غير أنه ثقيل، فمن نام تحته وعك، وثمرها على قدر الإجاص الكبير، فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه وجعلوا عليه الملح وصيّروه كما يصيّر اللّيم «٣٧» والليمون ببلادنا، وكذلك يصيّرون
стр. 706
أيضا الزنجبيل الأخضر، وعناقيد الفلفل ويأكلون ذلك مع الطعام يأخذون بإثر كل لقمة يسيرا من هذه المملوحات، فإذا نضجت العنبة في أوان الخريف، إصفرّت حباتها فأكلوها كالتفاح، فبعضهم يقطعها بالسكّين، وبعضهم يمصها مصّا، وهي حلوة يمازج حلاوتها يسير حموضة، ولها نواة كبيرة يزرعونها فتنبت منها الأشجار كما تزرع نوى النارنج وغيرها.
ومنها الشّكي والبركي «٣٨» ، بفتح الشين المعجم وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة وكسر الكاف أيضا، وهي أشجار عادية أوراقها كأوراق الجوز، وثمرها يخرج من أصل الشجرة فما اتصل منه بالأرض فهو البركي وحلاوته أشد ومطعمه أطيب، وما كان فوق ذلك فهو الشكّي، وثمره يشبه القرع الكبار، وجلوده تشبه جلود البقر، فإذا اصفرّ في أوان الخريف، قطعوه وشقّوه فيكون في داخل كلّ حبّة المائة والمائتان فما بين ذلك من حبات تشبه الخيار، بين كل حبة وحبة صفاق أصفر اللون، ولكل حبة نواة تشبه الفول الكبير، وإذا شويت تلك النواة أو طبخت يكون طعمها كطعم الفول، إذ ليس يوجد هنالك، ويدخرون هذه النّوى في التراب الأحمر فتبقى إلى سنة أخرى، وهذا الشّكي والبركي هو خير فاكهة ببلاد الهند.
ومنها التّندو، بفتح التاء المثناة وسكون النون وضم الدال، وهو ثمر شجر الآبنوس، وحباته في قدر حبات المشمش ولونها، شديد الحلاوة.
ومنها الجمون «٣٩» ، بضم الجيم المعقودة، وأشجاره عادية، ويشبه ثمره الزيتون وهو أسود اللّون ونواه واحدة كالزيتون.
ومنها النارنج الحلو، وهو عندهم كثير، وأما النّارنج الحامض فعزيز الوجود، ومنه صنف ثالث يكون بين الحلو والحامض وثمره على قدر اللّيم وهو طيب جدا وكنت يعجبني أكله!.
ومنها المهوا «٤٠» ، بفتح الميم والواو، وأشجاره عادية وأوراقه كأوراق الجوز إلا أن فيها حمرة وصفرة، وثمره مثل الإجاص الصغير، شديد الحلاوة، وفي أعلى كل حبة منه حبة صغيرة بمقدار حبة العنب مجوفة وطعمها كطعم العنب، إلا أن الإكثار من أكلها يحدث في الرأس صداعا.
стр. 707
ومن العجب أن هذه الحبوب إذا يبست في الشمس كان مطعمها كمطعم التين، وكنت آكلها عوضا من التين إذ لا يوجد ببلاد الهند، وهم يسمون هذه الحبة الأنكور، بفتح الهمزة وسكون النون وضم الكاف المعقودة والواو والراء، وتفسيره بلسانهم: العنب.
والعنب بأرض الهند عزيز جدا ولا يكون بها إلا في مواضع بحضرة دهلي وببلاد. «٤١»
ويثمر مرتين في السنة، ونوى هذا الثمر يصنعون منه الزيت ويستصبحون به.
ومن فواكههم فاكهة يسمونها كسيرا «٤٢» ، بفتح الكاف وكسر السين المهمل وياء مدّ وراء، يحفرون عليها الأرض وهي شديدة الحلاوة تشبه القسطل.
وببلاد الهند من فواكه بلادنا الرّمان، ويثمر مرتين في السنة ورأيته ببلاد جزائر ذيبة المهل لا ينقطع له ثمر، وهم يسمونه أنار، بفتح الهمزة والنون، وأظن هو الأصل في تسمية الجلّنار فإن جل بالفارسية الزهر، وأنار: الرمان.
ذكر الحبوب التي يزرعها أهل الهند ويقتاتون بها
وأهل الهند يزدرعون مرتين في السنة، فإذا نزل المطر عندهم في أوان القيظ زرعوا الزرع الخريفي وحصدوه بعد ستين يوما من زراعته، ومن هذه الحبوب الخريفية عندهم الكذرو «٤٣» ، بضم الكاف وسكون الذال المعجم وضم الراء وبعدها واو، وهو نوع من الدّخن، وهذا الكذرو هو أكثر الحبوب عندهم. ومنها القال، بالقاف، وهو شبه أنلي.
ومنها الشاماخ، بالشين والخاء المعجمين، وهو أصغر حبّا من القال، وربما نبت هذا الشاماخ من غير زراعة، وهو طعام الصالحين وأهل الورع والفقراء والمساكين، يخرجون
стр. 708
لجمع ما نبت منه من غير زراعة، فيمسك أحدهم قفة كبيرة بيساره وتكون بيمناه مقرعة يضرب بها الزرع فيسقط في القفة، فيجمعون منه ما يقتاتون به جميع السنة.
وحب هذا الشاماخ صغير جدا، وإذا جمع جعل في الشمس ثم يدق في مهاريس الخشب فيطير قشره، ويبقى لبّه أبيض ويصنعون منه عصيدة يطبخونها بحليب الجواميس، وهي أطيب من خبزه، وكنت آكلها كثيرا ببلاد الهند وتعجبني. ومنها الماش «٤٤» وهو نوع من الجلبان.
ومنها المنج «٤٥» ، بميم مضموم ونون وجيم، وهو نوع من الماش إلا أن حبوبه مستطيلة، ولونه صافي الخضرة، ويطبخون المنج مع الأرز ويأكلونه بالسمن، ويسمونه كشري بالكاف والشين المعجم والراء «٤٦» ، وعليه يفطرون في كل يوم وهو عندهم كالحريرة ببلاد المغرب «٤٧» ، ومنها اللوبيا «٤٨» وهي نوع من الفول.
ومنها الموت «٤٩» ، بضم الميم وهو مثل الكذرو المذكور إلا أن حبوبه أصفر وهو من علف الدوابّ عندهم، وتسمن الدواب بأكله.
والشعير عندهم لا قوة له، وإنما علف الدواب من هذا الموت أو الحمص يجرشونه ويبلّونه بالماء ويطعمونه الدواب، ويطعمونها عوضا من القصيل أوراق الماش بعد أن تسقى الدابة السمن عشرة أيام في كل ليلة ثلاثة أرطال أو أربعة ولا تركب في تلك الأيام، وبعد ذلك يطعمونها أوراق الماش كما ذكرنا شهرا أو نحوه.
стр. 709
وهذا الحبوب التي ذكرناها هي الخريفية، وإذا حصدوها بعد ستين يوما من زراعتها ازدرعوا الحبوب الربيعية وهي القمح والشعير والحمص والعدس وتكون زراعتها في الأرض التي كانت الحبوب الخريفية مزدرعة فيها وبلادهم كريمة، طيبة التربة.
وأما الأرز فإنهم يزدرعونه ثلاث مرات في السنة، وهو من أكثر الحبوب عندهم، ويزدرعون السمسم، وقصب السكر مع الحبوب الخريفية التي تقدم ذكرها.
ولنعد إلى ما كنا بسبيله فأقول سافرنا من مدينة أبوهر في صحراء مسيرة يوم في أطرافها جبال منيعة يسكنها كفار الهنود وربما قطعوا الطريق، وأهل بلاد الهند أكثرهم كفار، فمنهم رعية تحت ذمة المسلمين يسكنون القرى ويكون عليهم حاكم من المسلمين يقدمه العامل أو الخديم «٥٠» الذي تكون القرية في إقطاعه.
ومنهم عصاة محاربون يمتنعون بالجبال ويقطعون الطريق.
ذكر غزوة لنا بهذا الطريق وهي أول غزوة شهدتها ببلاد الهند
ولما أردنا السفر من مدينة أبوهر خرج الناس منها أول النهار وأقمت بها إلى نصف النهار في لمّة من أصحابي، ثم خرجنا ونحن اثنان وعشرون فارسا منهم عرب ومنهم أعاجم، فخرج علينا في تلك الصحراء ثمانون رجلا من الكفار وفارسان، وكان أصحابي ذوي نجدة وغناء، فقاتلناهم أشد القتال، فقتلنا أحد الفارسين منهم وغنمنا فرسه، وقتلنا من رجالهم نحو اثنى عشر رجلا، وأصابتني نشّابة، وأصابت فرسي نشابة ثانية، ومنّ الله بالسلامة منها، لأن نشّابهم لا قوة لها، وجرح لأحد أصحابنا فرس عوّضناه له بفرس الكافر وذبحنا فرسه المجروح، فأكله الترك من أصحابنا، وأوصلنا تلك الرءوس إلى حصن أبي بكهر «٥١» فعلّقناها على سوره ووصلنا في نصف الليل إلى حصن أبي بكهر المذكور وضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وفتح الهاء وآخره راء.
стр. 710
وسافرنا منه فوصلنا بعد يومين إلى مدينة أجودهن «٥٢» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الجيم وفتح الدال المهمل والهاء وآخره نون، مدينة صغيرة هي للشيخ الصالح فريد الدين البذاوني «٥٣» الذي أخبرني الشيخ الصالح الولي برهان الدين الأعرج بالاسكندرية أني سألقاه، فلقيته والحمد لله، وهو شيخ ملك الهند وأنعم عليه بهذه المدينة.
وهذا الشيخ مبتلى بالوسواس، والعياذ بالله، فلا يصافح أحدا ولا يدنو منه، وإذا ألصق ثوبه بثوب أحد غسل ثوبه! دخلت زاويته ولقيته وأبلغته سلام الشيخ برهان الدين فعجب، وقال: أنا دون ذلك، ولقيت ولديه الفاضلين معز الدين «٥٤» وهو أكبرهما، ولما مات أبوه تولى الشياخة بعده. وعلم الدين «٥٥» ، وزرت قبر جده القطب الصالح فريد الدين البذاوني منسوبا إلى مدينة بذاون بلد السّنبل «٥٦» ، وهي بفتح الباء الموحدة والذال المعجم وضم الواو وآخرها نون، ولما أردت الانصراف عن هذه المدينة قال لي علم الدين، لا بدّ لك من رؤية والدي، فرأيته، وهو في أعلى سطح له، وعليه ثياب بيض وعمامة لها ذوابة، وهي مائلة إلى جانب ودعا لي وبعث إليّ بسكر ونبات.
стр. 711
ذكر أهل الهند الذين يحرقون أنفسهم بالنار
ولما انصرفت عن هذا الشيخ رأيت الناس يهرعون من عسكرنا ومعهم بعض أصحابنا، فسألتهم: ما الخبر؟ فأخبروا أن كافرا من الهنود مات وأججت النار لحرقه، وامرأته تحرق نفسها معه، ولما احترقا جاء أصحابي وأخبروا أنها عانقت الميت حتى احترقت معه، وبعد ذلك كنت في تلك البلاد أرى المرأة من كفار الهنود متزينة راكبة والناس يتبعونها من مسلم وكافر، والأطبال والأبواق بين يديها ومعها البراهمة وهم كبراء الهنود، وإذا كان ذلك ببلاد السلطان استأذنوا السلطان في إحراقها فيأذن لهم فيحرقونها «٥٧» .
ثم اتفق بعد مدة أني كنت بمدينة أكثر سكانها الكفار تعرف بأمجرى «٥٨» ، وأميرها مسلم من سامرة السّند، وعلى مقربة منها الكفار العصاة، فقطعوا الطريق يوما وخرج الأمير المسلم لقتالهم وخرجت معه رعيته من المسلمين والكفار، ووقع بينهم قتال شديد مات فيه من رعية الكفار سبعة نفر، وكان لثلاثة منهم ثلاث زوجات فاتفقن على إحراق أنفسهن، وإحراق المرأة بعد زوجها عندهم أمر مندوب إليه، غير واجب، لكن من أحرقت نفسها بعد زوجها أحرز أهل بيتها شرفا بذلك ونسبوا إلى الوفاء، ومن لم تحرق نفسها لبست خشن الثياب، وأقامت عند أهلها بائسة ممتهنة لعدم وفائها، ولكنها لا تكره على إحراق نفسها، ولما تعاهدت النسوة الثلاث اللاتي ذكرناهن على إحراق أنفسهن أقمن قبل ذلك ثلاثة أيام في غناء وطرب وأكل وشرب كأنهن يودعن الدنيا، ويأتي إليهن النساء من كل جهة، وفي صبيحة اليوم الرابع أتيت كل واحدة منهن بفرس، فركبته وهي متزينة متعطرة وفي يمناها جوزة نارجيل تلعب بها، وفي يسراها مرآة تنظر فيها وجهها، والبراهمة يحفون بها وأقاربها معها وبين يديها الأطبال والأبواق والأنفار، وكل إنسان من الكفار يقول لها: أبلغي السلام إلى أبي أو أخي أو أمي أو صاحبي! وهي تقول: نعم، وتضحك إليهم، وركبت مع أصحابي لأرى كيفية صنعهن في الاحتراق، فسرنا معهن نحو ثلاثة أميال وانتهينا إلى موضع مظلم كثير المياه والأشجار متكاثف الظلال، وبين أشجاره أربع قباب في كل قبة صنم من الحجارة، وبين القباب صهريج ماء قد تكاثفت عليه الظلال وتزاحمت الأشجار، فلا تتخلّلها الشمس فكأن ذلك الموضع بقعة من بقع جهنم، أعاذنا الله منها، ولما وصلنا إلى تلك القباب، نزلن إلى
стр. 712
الصهريج وانغمسن فيه وجرّدن ما عليهن من ثياب وحليّ فتصدقن به وأتيت كل واحدة منهنّ بثوب قطن خشن غير مخيط فربطت بعضه على وسطها وبعضه على رأسها وكتفيها والنيران قد أضرمت على قرب من ذلك الصهريج في موضع منخفض وصبّ عليها روغن كنجت «٥٩» وهو زيت الجلجلان، فزاد في اشتعالها وهناك نحو خمسة عشر رجلا بأيديهم حزم من الحطب الرقيق ومعهم نحو عشرة بأيديهم خشب كبار، وأهل الأطبال والأبواق وقوف ينتظرون مجىء المرأة، وقد حجبت النار بملحفة يمسكها الرجال بأيديهم لئلّا يدهشها النظر إليها، فرأيت إحداهن لما وصلت إلى تلك الملحفة نزعتها من أيدي الرجال بعنف، وقالت لهم «٦٠» :
مارا مى ترسانى أز أطش من مى دانم أو آطش آست رها كني مارا، وهي تضحك، ومعنى هذا الكلام: أبالنّار تخوفونني؟ أنا أعلم أنها نار محرقة! ثم جمعت يديها على رأسها خدمة للنار ورمت بنفسها فيها، وعند ذلك ضربت الأطبال والأنفار والأبواق ورمى الرجال ما بأيديهم من الحطب عليها، وجعل الآخرون تلك الخشب من فوقها لئلّا تتحرك، وارتفعت الأصوات وكثر الضجيج، ولما رأيت ذلك كدت أسقط عن فرسي لولا أصحابي تداركوني بالماء، فغسلوا وجهي وانصرفت! وكذلك يفعل أهل الهند أيضا في الغرق يغرق كثير منهم أنفسهم في نهر الكنك «٦١» وهو الذي إليه يحجون، وفيه يرمى برماد هؤلاء المحرقين، وهم يقولون إنه من الجنة، وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه، يقول لمن حضره: لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كساي «٦٢» ، وكساي بضم الكاف والسين المهمل، اسم الله ، بلسانهم، ثم يغرق نفسه، فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في البحر المذكور.
ولنعد إلى كلامنا الأول فنقول: سافرنا من مدينة أجودهّن، فوصلنا بعد مسيرة أربعة أيام منها إلى مدينة سرستي «٦٣» . وضبط اسمها بسينين مفتوحين بينهما راء ساكنة ثم تاء
стр. 713
مثناة مكسورة وياء، مدينة كبيرة كثيرة الأرز، وأرزها طيب ومنها يحمل إلى حضرة دهلي ولها مجبى كثير جدا، أخبرني الحاجب شمس الدين البوشنجي بمقداره وأنسيته.
ثم سافرنا منها إلى مدينة حانسي «٦٤» ، وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وألف ونون ساكن وسين مهمل مكسورة وياء، وهي من أحسن المدن وأتقنها وأكثرها عمارة، ولها سور عظيم ذكروا أن بانيه رجل من كبار سلاطين الكفار يسمى توره، بضم التاء المعلوة وفتح الراء وله عندهم حكايات وأخبار، ومن هذه المدينة هو «٦٥» كمال الدين صدر الجهان، قاضي قضاة الهند، وأخوه قطلوخان معلم السلطان وأخواهما نظام الدين وشمس الدين الذي انقطع إلى الله وجاور بمكة حتى مات.
ثم سافرنا من حانسي فوصلنا بعد يومين إلى مسعود أباد «٦٦» ، وهي على عشرة أميال من حضرة دهلي، وأقمنا بها ثلاثة أيام، وحانسى ومسعود أباد، هما للملك المعظم هوشنج، بضم الهاء وفتح الشين المعجم وسكون النون وبعدها جيم، ابن الملك كمال كرك بكافين معقودين أولاهما مضمومة، ومعناها الذّيب، وسيأتي ذكره.
وكان سلطان الهند الذي قصدنا حضرته غائبا عنها بناحية مدينة قنوج «٦٧» ، وبينها وبين حضرة دهلي عشرة أيام، وكانت بالحضرة والدته وتدعى المخدومة جهان، وجهان اسم الدنيا، وكان بها أيضا وزيره خواجه جهان المسمى بأحمد بن إياس، الرومي الأصل «٦٨» فبعث الوزير إلينا أصحابه ليتلقونا، وعيّن للقاء كل واحد منا من كان من صنفه، فكان من الذين عيّنهم للقاءي الشيخ البسطامي والشريف المازندراني، وهو حاجب الغرباء، والفقيه علاء الدين الملتاني المعروف بقنّره، بضم القاف وفتح النون وتشديدها، وكتب إلى السلطان بخبرنا وبعث الكتاب مع الدّاوة وهي بريد الرجّالة، حسبما ذكرناه، فوصل إلى السلطان، وأتاه الجواب في تلك الأيام الثلاثة التي أقمناها بمسعود أباد.
стр. 714
وبعد تلك الأيام خرج إلى لقائنا القضاة والفقهاء والمشايخ وبعض الأمراء، وهم يسمون الأمراء ملوكا، فحيث يقول أهل ديار مصر وغيرها الأمير يقولون هم الملك، وخرج إلى لقائنا الشيخ ظهير الدين الزنجاني وهو كبير المنزلة عند السلطان.
ثم رحلنا من مسعود أباد فنزلنا بمقربة من قرية تسمى بّالم «٦٩» ، بفتح الباء المعقودة وفتح اللام، وهي للسيد الشريف ناصر الدين مطهّر الأوهري «٧٠» أحد ندماء السلطان وممن له عنده الحظوة التامة.
وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى حضرة دهلي قاعدة بلاد الهند وضبط اسمها بكسر الدال المهمل وسكون الهاء وكسر اللام، وهي المدينة العظيمة الشأن، الضخمة، الجامعة بين الحسن والحصانة وعليها السور الذي لا يعلم له في بلاد الدينا نظير وهي أعظم مدن الهند بل مدن الإسلام كلها بالمشرق.
ذكر وصفها
ومدينة دهلي كبيرة الساحة، كثيرة العمارة وهي الآن أربع مدن متجاورات متصلات.
إحداها: المسماة بهذا الاسم دهلي وهي القديمة، من بناء الكفار، وكان افتتاحها سنة أربع وثمانين وخمسمائة «٧١» .
والثانية: تسمى سيري، بكسر السين المهمل والراء وبينهما ياء مد، وتسمى أيضا دار الخلافة «٧٢» ، وهي التي أعطاها السلطان لغياث الدين حفيد الخليفة المستنصر العباسي لما قدم عليه، وبها كان سكنى السلطان علاء الدين وابنه قطب الدين، وسنذكرهما.
стр. 715
والثالثة: تسمى تغلق أباد «٧٣» باسم بانيها السلطان تغلق والد سلطان الهند الذي قدمنا عليه، وكان سبب بنائه لها أنه وقف يوما بين يدي السلطان قطب الدين فقال له: يا خوند عالم، كان ينبغي أن تبني هنا مدينة، فقال له السلطان متهكما: إذا كنت سلطانا فابنها، فكان من قدر الله أن كان سلطانا فبناها وسماها باسمه! والرابعة: تسمى جهان پناه «٧٤» وهي مختصة بسكنى السلطان محمد شاه، ملك الهند الآن الذي قدمنا عليه، وهو الذي بناها وكان أراد أن يضم هذه المدن الأربع تحت سور واحد فبنى منه بعضا وترك بناء باقيه لعظم ما يلزم في بنائه.
ذكر سور دهلي وأبوابها .
والسور المحيط بمدينة دهلي لا يوجد له نظير، عرض حائطه إحدى عشرة ذراعا، وفيه بيوت يسكنها السمّار وحفّاظ الأبواب، وفيها مخازن للطعام ويسمونها الأنبارات «٧٥» ومخازن للعدد ومخازن للمجانيق، والرّعادات «٧٦» ، ويبقى الزرع بها مدة طائلة، لا يتغير ولا تطرقه آفة. ولقد شاهدت الأرزّ يخرج من بعض تلك المخازن ولونه قد اسودّ، ولكن طعمه طيب، ورأيت أيضا الكذرو يخرج منها، وكل ذلك من اختزان السلطان بلبن منذ تسعين سنة، ويمشي في داخل السور الفرسان والرجال من أول المدينة إلى آخرها وفيه طيقان مفتحة إلى جهة المدينة يدخل منها الضوء، وأسفل هذا لسور مبني بالحجارة وأعلاه بالآجر وابراجه كثيرة متقاربة.
ولهذه المدينة ثمانية وعشرون بابا، وهم يسمون الباب دروازة، فمنها دروازة
стр. 716
بذاون «٧٧» وهي الكبرى، ودروازة المندوي «٧٨» ، وبها رحبة الزرع، ودروازة جل «٧٩» ، بضم الجيم، وهي موضع البساتين ودروازة شاه، اسم رجل، ودروازة بالم «٨٠» ، اسم قرية قد ذكرناها، ودروازة نجيب اسم رجل، ودروازة كمال كذلك، ودروازة غزنة «٨١» نسبة إلى مدينة غزنة التي في طرف خراسان، وبخارجها مصلّى العيد وبعض المقابر، ودروازة البجالصة «٨٢» ، بفتح الباء والجيم والصاد المهمل.
وبخارج هذه الدروازة مقابر دهلي، وهي مقبرة حسنة يبنون بها القباب، ولا بد عند كل قبر من محراب وإن كان لا قبة له، ويزرعون بها الأشجار المزهرة مثل قل شنبه وريبول «٨٣» . والنّسرين وسواها، والازاهير هنالك لا تنقطع في فصل من الفصول.
ذكر جامع دهلى
وجامع دهلى كبير الساحة «٨٤» حيطانة وسقفه وفرشه كلّ ذلك من الحجارة البيض المنحوتة أبدع نحت، ملصقة بالرصاص أتقن إلصاق، ولا خشبة به أصلا، وفيه ثلاث عشرة قبة من حجارة، ومنبره أيضا من الحجر، وله أربعة من الصحون، وفي وسط الجامع العمود الهائل «٨٥» الذي لا يدرى من أي المعادن هو.
стр. 717
ذكر لي بعض حكمائهم أنه يسمى هفت جوش «٨٦» ، بفتح الهاء وسكون الفاء وتاء معلوة وجيم مضموم وآخره شين معجم، ومعنى ذلك، سبعة معادن، وأنه مؤلّف منها، وقد جلى من هذا العمود مقدار السبّابة ولذلك المجلوّ منه بريق عظيم، ولا يؤثر فيه الحديد، وطوله ثلاثون ذراعا، وأدرنا به عمامة فكان الذي أحاط بدائرته منها ثماني أذرع.
وعند الباب الشرقي من أبواب المسجد صنمان كبيران جدا من النحاس مطروحان بالأرض، قد ألصقا بالحجارة ويطأ عليهما كلّ داخل إلى المسجد أو خارج منه «٨٧» .
وكان موضع هذا المسجد بذخانة، وهو بيت الأصنام «٨٨» ، فلما افتتحت جعل مسجدا.
وفي الصحن الشمالي من المسجد الصومعة التي لا نظير لها في بلاد الإسلام، وهي مبنية بالحجارة الحمر خلافا لحجارة سائر المسجد فإنها بيض، وحجارة الصومعة منقوشة، وهي سامية الارتفاع، وفحلها من الرخام الأبيض الناصع وتفافيحها من الذهب الخالص، وسعة ممرّها بحيث تصعد فيه الفيلة «٨٩» .
حدثني من اثق به أنه رأى الفيل حين بنيت يصعد بالحجارة إلى أعلاها، وهي من بناء السلطان معز الدين بن ناصر الدين ابن السلطان غياث الدين بلبن «٩٠» .
стр. 718
وأراد السلطان أن يبني بالصحن الغربي صومعة أعظم منها فبنى مقدار الثلث منها واخترم دون تمامها «٩١» وأراد السلطان محمد اتمامها ثم ترك ذلك تشاؤما.
وهذه الصومعة من عجائب الدنيا في ضخامتها وسعة ممرها بحيث تصعده ثلاثة من الفيلة متقارنة، وهذا الثلث المبني منها مساو لارتفاع جميع الصومعة التي ذكرنا أنها بالصحن الشمالي.
وصعدتّها مرة فرأيت معظم دور المدينة، وعاينت الأسوار على ارتفاعها وسموّها منحطة، وظهر لي الناس في أسفلها كأنهم الصبيان الصغار، ويظهر لنا ظرها من أسفلها أن ارتفاعها ليس بذلك لعظم جرمها وسعتها! وكان السلطان قطب الدين أراد أن يبني أيضا مسجدا جامعا بسيري المسماة دار الخلافة، فلم يتم منه غير الحائط القبلي والمحراب، وبناؤه بالحجارة البيض والسود والحمر والخضر، ولو كمل لم يكن له مثل في البلاد، وأراد السلطان محمد إتمامه وبعث عرفاء البناء ليقدروا النفقة فيه فزعموا أنه ينفق في اتمامه خمسة وثلاثون لكا، فترك ذلك استكثارا له، وأخبرني بعض خواصه أنه لم يتركه استكثارا لكنه تشاءم به لما كان السلطان قطب الدين قد قتل قبل تمامه.
ذكر الحوضين العظيمين بخارجها
وبخارج دهلي الحوض العظيم المنسوب إلى السلطان شمس الدين للمش «٩٢» ومنه يشرب أهل المدينة، وهو بالقرب من مصلاها، وماؤه يجتمع من ماء المطر، وطوله نحو ميلين وعرضه على النصف من طوله، والجهة الغربية منه من ناحية المصلى مبنية بالحجارة مصنوعة أمثال الدكاكين بعضها أعلى من بعض وتحت كل دكان درج ينزل عليها إلى الماء وبجانب كل دكان قبة حجارة فيها مجالس للمتنزهين والمتفرجين، وفي وسط الحوض قبة عظيمة من الحجارة المنقوشة مجعولة طبقتين، فإذا كثر الماء في الحوض لم يكن سبيل إليها إلا في القوارب، فإذا قل الماء دخل إليها الناس وداخلها مسجد، وفي أكثر الأوقات يقيم
стр. 719
بها الفقراء المنقطعون إلى الله المتوكلون عليه، وإذا جف الماء في جوانب هذا الحوض زرع فيها قصب السكر والخيار والقتاء والبطيخ الأخضر «٩٣» والأصفر وهو شديد الحلاوة صغير الجرم.
وفيما بين دهلي ودار الخلافة حوض الخاصّ «٩٤» ، وهو أكبر من حوض السلطان شمس الدين وعلى جوانبه نحو أربعين قبة ويسكن حوله أهل الطرب. وموضعهم يسمى طرب آباد، ولهم سوق «هناك من أعظم الأسواق ومسجد» جامع ومساجد سواه كثيرة.
وأخبرت أن النساء المغنيات الساكنات هناك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات ويؤم بهن الأئمة، وعددهن كثير، وكذلك الرجال المغنّون، ولقد شاهدت الرجال أهل الطرب في عرس الأمير سيف الدين غدا ابن مهنّى لكل واحد منهم مصلّى تحت ركبته فإذا سمع الآذان قام فتوضأ وصلّى.
ذكر بعض مزاراتها
فمنها قبر الشيخ الصالح قطب الدين بختيار الكعكي «٩٥» ، وهو ظاهر البركة كثير التعظيم، وسبب تسمية هذا الشيخ بالكعكي أنه كان إذا أتاه الذين عليهم الدّيون شاكين من الفقر أو القلة أو الذين لهم البنات ولا يجدون ما يجهزونهن به إلى أزواجهن يعطى من أتاه منهم كعكة من الذهب أو من الفضة، حتى عرف من أجل ذلك بالكعكي، ﵀، ومنها قبر الفقيه الفاضل نور الدين الكرلاني، بضم الكاف وسكون الراء، والنون، ومنها قبر الفقيه علاء الدين الكرماني «٩٦» نسبة إلى كرمان، وهو ظاهر البركة ساطع النور ومكانه يظهر قبلة المصلّي، وبذلك الموضع قبور رجال صالحين كثير، نفع الله تعالى بهم.
стр. 720
ذكر بعض علمائها وصلحائها
فمنهم الشيخ الصالح العالم محمود الكبّا «٩٧» ، بالباء الموحدة، وهو من كبار الصالحين، والناس يزعمون أنه ينفق من الكون لأنه لا مال له ظاهرا، وهو يطعم الوارد والصادر ويعطي الذهب والدراهم والأثواب، وظهرت له كرامات كثيرة واشتهر بها، رأيته مرات كثيرة وحصلت لي بركته، ومنهم الشيخ الصالح العالم علاء الدين النّيلي «٩٨» ، كأنه منسوب إلى نيل مصر، والله أعلم، كان من أصحاب الشيخ العالم الصالح نظام الدين البذاوني، وهو يعظ الناس في يوم كل جمعة فيتوب كثير منهم بين يديه، ويحلقون رؤسهم ويتواجدون ويغشى على بعضهم.
حكاية [قتيل خوف العذاب]
شاهدته في بعض لأيام وهو يعظ، فقرأ القارئ بين يديه: «يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهّل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد «٩٩» » ثم كررها الفقيه علاء الدين فصاح أحد الفقراء من ناحية المسجد صيحة عظيمة، فأعاد الشيخ الآية فصاح الفقير ثانية ووقع ميّتا! وكنت فيمن صلّى عليه وحضر جنازته.
ومنهم الشيخ الصالح العالم صدر الدين الكهراني «١٠٠» ، بضم الكاف وسكون الهاء وراء ونون، وكان يصوم الدّهر ويقوم الليل وتجرد عن الدنيا جميعا ونبذها، ولباسه عباءة، ويزوره السلطان وأهل الدولة، وربما احتجب عنهم فرغب السلطان منه أن يقطعه قرى يطعم منها الفقراء والواردين، فأبى ذلك، وزاره يوما وأتى إليه بعشرة آلاف دينار فلم يقبلها، وذكروا أنه لا يفطر إلا بعد ثلاث، وأنه قيل له في ذلك، فقال: لا أفطر حتى اضطرّ فتحلّ لي الميتة.
стр. 721
ومنهم الإمام الصالح العالم العابد الورع الخاشع فريد دهره ووحيد عصره، كمال الدين عبد الله الغاري، بالغين المعجم والراء، نسبة إلى غار كان يسكنه خارج دهلي بمقربة من زاوية الشيخ نظام الدين البذاوني، زرته بهذا الغار ثلاث مرات «١٠١» .
كرامة له
كان لي غلام فأبق مني، وألفيته بيد رجل من الترك، فذهبت إلى انتزاعه من يده فقال لي الشيخ: إن هذا الغلام لا يصلح لك فلا تأخذه، وكان التركي راغبا في المصالحة فصالحته بمائة دينار أخذتها منه وتركته له، فلما كان بعد ستة أشهر قتل سيده وأتي به السلطان، فأمر بتسليمه لأولاد سيده، فقتلوه.
ولما شاهدت لهذا الشيخ هذه الكرامة، انقطعت إليه ولازمته، وتركت الدنيا ووهبت جميع ما كان عندي للفقراء والمساكين وأقمت عنده «١٠٢» مدة فكنت أراه يواصل عشرة أيام وعشرين يوما، ويقوم أكثر الليل حتى بعث عني السلطان ونشبت في الدنيا ثانية، والله تعالى يختم بالخير، وسأذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى وبكيفية رجوعي إلى الدنيا (١٠١) .
стр. 722
الفصل الحادي عشر فتح دهلي ومن تداولها من الملوك
وصف مدينة دهلي أولياء وصلحاء دهلي السلطان شمس الدين للمش (iletmish) وأبناؤه السلطانة رضية بنت شمس الدّين ...
السلطان غياث الدين بلبن وحفيده السلطان خسرو خان ناصر الدّين السلطان غياث الدّين تغلق.
стр. 723
ذكر فتح دهلي ومن تداولها من الملوك:
حدثني الفقيه الإمام العلامة قاضي القضاة بالهند والسند كمال الدين محمد بن البرهان الغزنوي «١» ، الملقّب بصدر الجهان، أن مدينة دهلي افتتحت من أيدي الكفار في سنة أربع وثمانين وخمسمائة «٢» ، وقد قرأت أنا ذلك مكتوبا على محراب الجامع الأعظم بها، وأخبرني أيضا أنها افتتحت على يد الأمير قطب الدين أيبك «٣» ، واسمه بفتح الهمزة وسكون الياء، آخر الحروف، وفتح الباء الموحدة، وكان يلقب سپاه سالار، ومعناه مقدّم الجيوش، وهو أحد مماليك السلطان المعظم شهاب الدين محمد بن سام الغوري، ملك غزنة وخراسان «٤» المتغلب على ملك ابراهيم «٥» بن السلطان الغازي محمود بن سبكتيكين الذي ابتدأ فتح الهند.
وكان السلطان شهاب الدين المذكور بعث الأمير قطب الدين بعسكر عظيم ففتح الله عليه مدينة لاهور «٦» وسكنها وعظم شأنه، وسعي به إلى السلطان وألقى إليه جلساؤه أنه
стр. 724
يريد الانفراد بملك الهند، وأنه قد عصى وخالف، وبلغ هذا الخبر إلى قطب الدين فبادر بنفسه وقدم على غزنة ليلا ودخل على السلطان ولا علم عند الذين وشوا به إليه فلما كان بالغد قعد السلطان على سريره، واقعد أيبك تحت السرير بحيث لا يظهر، وجاء النّدماء والخواص الذين سعوا به فلما استقرّ بهم الجلوس، وسألهم السلطان عن شأن أيبك، فذكروا له: أنه عصى وخالف وقالوا: قد صحّ عندنا أنه ادّعى الملك لنفسه، فضرب السلطان سريره برجله وصفق بيديه، وقال: يا أيبك! قال: لبّيك، وخرج عليهم وسقط في أيديهم، وفزعوا إلى تقبيل الأرض، فقال لهم السلطان: قد غفرت لكم هذه الزّلّة وإياكم والعودة إلى الكلام في أيبك «٧» ، وأمره أن يعود إلى بلاد الهند فعاد إليها وفتح مدينة دهلي وسواها، واستقرّ بها الإسلام إلى هذا العهد وأقام قطب الدين بها إلى أن توفّى.
ذكر السلطان شمس الدين للمش «٨»
وضبط اسمه بفتح اللام الأولى وسكون الثانية وكسر الميم وشين معجم، وهو أول من ولي الملك بمدينة دهلي مستقلا به، وكان قبل تملّكه مملوكا للأمير قطب الدين أيبك وصاحب عسكره ونائبا عنه فلما مات قطب الدين أيبك استبد بالملك، وأخذ الناس بالبيعة فأتاه الفقهاء يقدمهم قاضي القضاة إذ ذاك وجيه الدين الكاساني، فدخلوا عليه وقعدوا بين يديه، وقعد القاضي إلى جانبه على العادة وفهم السلطان عنهم ما أرادوا أن يكلّموه به فرفع طرف البساط الذي هو قاعد عليه وأخرج لهم عقدا يتضمن عتقه، فقرأه القاضي والفقهاء وبايعوه جميعا واستقل بالملك، وكانت مدّته عشرين «٩» سنة، وكان عادلا صالحا فاضلا.
ومن مآثره أنه اشتد في رد المظالم وإنصاف المظلومين وأمر أن يلبس كلّ مظلوم ثوبا مصبوغا، وأهل الهند جميعا يلبسون البياض، فكان متى قعد للناس أو ركب فرأى أحدا عليه ثوب مصبوغ نظر في قضيته وإنصافه ممن ظلمه، ثم إنه أعيا في ذلك، فقال: إنّ بعض الناس تجري عليهم المظالم باللّيل وأريد تعجيل إنصافهم، فجعل على باب قصره أسدين
стр. 725
مصورين من الرخام موضوعين على برجين هنالك، وفي أعناقهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلا فيحرّك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه «١٠» ! ولما توفي السلطان شمس الدين خلّف من الأولاد الذّكور ثلاثة وهم: ركن الدين الوالي بعده، ومعزّ الدين، وناصر الدين وبنتا تسمى رضية هي شقيقة معز الدين منهم فتولى بعده ركن الدين كما ذكرناه «١١» .
ذكر السلطان ركن الدين بن السلطان شمس الدين .
ولما بويع ركن الدين بعد موت أبيه افتتح أمره بالتعدّي على أخيه معزّ الدين فقتله «١٢» وكانت رضية شقيقته، فأنكرت ذلك عليه فأراد قتلها فلما كان في بعض أيام الجمع، فخرج ركن الدين إلى الصلاة «١٣» ، فصعدت رضية على سطح القصر القديم المجاور للجامع الأعظم، وهو يسمى دولة خانة ولبست عليها ثياب المظلومين، وتعرضت للناس وكلّمتهم من أعلى السطح وقالت لهم: إن أخي قتل أخاه، وهو يريد قتلي معه، وذكرتهم أيام أبيها وفعله الخير وإحسانه إليهم، فثاروا عند ذلك إلى السلطان ركن الدين وهو في المسجد، فقبضوا عليه وأتوا به إليها، فقالت لهم: القاتل يقتل، فقتلوه قصاصا بأخيه وكان أخوهما ناصر الدين صغيرا فاتّفق الناس على تولية رضية.
ذكر السلطانة رضية
ولما قتل ركن الدّين اجتمعت العساكر على تولية أخته رضية فولّوها الملك واستقلت فيه أربع سنين، وكانت تركب بالقوس والترگش والقربان «١٤» كما يركب الرجال ولا تستر وجهها،
стр. 726
ثم إنها اتّهمت بعبد لها من الحبشة «١٥» ، فاتفق الناس على خلعها وتزويجها، فخلعت وزوجت من بعض أقاربها وولى الملك أخوها ناصر الدين «١٦» .
ذكر السلطان ناصر الدين بن السلطان شمس الدّين .
ولما خلعت رضية ولّي ناصر الدين أخوها الأصغر، واستقلّ بالملك مدة، ثم إن رضية وزوجها خالفا عليه «١٧» ، وركبا في مماليكهما ومن تبعهما من أهل الفساد وتهيأ لقتاله، وخرج ناصر الدين ومعه مملوكه النائب عنه غياث الدين بلبن متولّى الملك بعده فوقع اللقاء وانهزم عسكر رضية وفرت بنفسها فأدركها الجوع وأجهدها الإعياء، فقصدت حرّاثا رأته يحرث الأرض، فطلبت منه ما تأكله فأعطاها كسرة خبز فأكلتها وغلب عليها النوم، وكانت في زي الرّجال، فلما نامت نظر إليها الحراث وهي نائمة فرأى تحت ثيابها قباء مرصّعا، فعلم أنها امرأة فقتلها، وسلبها وطرد فرسها ودفنها في فدّانه، وأخذ بعض ثيابها فذهب إلى السوق يبيعها، فأنكر أهل السوق شأنه وأتوا به الشّحنة «١٨» ، وهو الحاكم، فضربه، فأقرّ بقتلها، ودلّهم على مدفنها فاستخرجوها وغسلوها وكفّنوها، ودفنت هنالك، وبنيّ عليها قبّة، وقبرها الآن يزار ويتبرك به وهو على شاطئ النهر الكبير المعروف بنهر الجون «١٩» على مسافة فرسخ واحد من المدينة.
واستقل ناصر الدّين بالملك بعدها واستقام له الأمر عشرين سنة وكان ملكا صالحا،
стр. 727
ينسخ نسخا من الكتاب العزيز، ويبيعها فيقتات بثمنها «٢٠» ! وقد وقفني القاضي كمال الدين على مصحف بخطه متقن محكم الكتابة، ثم إن نائبه غياث الدين بلبن قتله وملك بعده «٢١» ، ولبلبن هذا خبر ظريف نذكره.
ذكر السلطان غياث الدين بلبن
وضبط اسمه بباءين موحدتين بينهما لام والجميع مفتوحات وآخره نون، ولما قتل بلبن مولاه السلطان ناصر الدين استقل بالملك بعده عشرين سنة، وقد كان قبلها نائبا له عشرين سنة أخرى، وكان من خيار السلاطين عادلا حليما٢»
فاضلا ومن مكارمه أنه بنى دارا وسمّاها دار الآمن. فمن دخلها من أهل الديون قضي دينه، ومن دخلها خائفا أمن ومن دخلها وقد قتل أحدا أرضى عنه أولياء المقتول، ومن دخلها من ذوي الجنايات أرضى أيضا من يطلبه، وبتلك الدار دفن لما مات وقد زرت قبره «٢٣» .
حكايته الغريبة:
يذكر أن أحد الفقراء ببخارى رأى بها بلبن هذا وكان قصيرا حقيرا ذميما، فقال له:
يا تركك! وهي لفظة تعرب عن الاحتقار، فقال له لبّيك يا خوند! فأعجبه كلامه، فقال له:
أشتر لي من هذا الرّمان، وأشار إلى رمان يباع بالسوق، فقال له: نعم، وأخرج فليسات لم يكن عنده سواها، واشترى له من ذلك الرمان، فلما أخذها الفقير، قال له: وهبناك ملك الهند، فقبّل بلبن يد نفسه وقال: قبلت ورضيت! واستقرّ ذلك في ضميره.
واتّفق أن بعث السلطان شمس الدين للمش تاجرا يشتري له المماليك بسمرقند
стр. 728
وبخارى وترمذ، فاشترى مائة مملوك كان من جملتهم بلبن، فلما دخل بالمماليك على السلطان أعجبه جميعهم إلا بلبن لما ذكرناه من ذمامته، فقال: لا أقبل هذا، فقال له بلبن: يا خوند عالم، لمن اشتريت هؤلاء المماليك؟ فضحك منه، وقال: اشتريتهم لنفسي، فقال له: اشترني أنا لله ! فقال: نعم وقبله وجعله في جملة المماليك فاحتقر شأنه وجعل في السقّائين، وكان أهل المعرفة بعلم النجوم يقولون للسلطان شمس الدين: إن أحد مماليكك يأخذ الملك من يد ابنك، ويستولي عليه. ولا يزالون يلقون له ذلك، وهو لا يلتفت إلى أقوالهم لصلاحه وعدله إلى أن ذكروا ذلك للخاتون الكبرى أمّ أولاده، فذكرت له ذلك، وأثّر في نفسه، وبعث عن المنجّمين، فقال: أتعرفون المملوك الذي يأخذ ملك ابني إذا رأيتموه؟ فقالوا له نعم، عندنا علامة نعرفه بها، فأمر السلطان بعرض مماليكه وجلس لذلك، فعرضوا بين يديه طبقة طبقة والمنجّمون ينظرون إليهم، ويقولون: لم نره بعد، وحان وقت الزوال فقال السقّاءون بعضهم لبعض: إنا قد جعنا فلنجمع شيئا من الدراهم ونبعث أحدنا إلى السوق ليشتري لنا ما نأكله، فجمعوا الدراهم وبعثوا بها بلبن إذ لم يكن فيهم أحقر منه، فلم يجد بالسوق ما أرادوه، فتوجه إلى سوق أخرى وأبطأ، وجاءت نوبة السقّائين في العرض، وهو لم يأت بعد، فأخذوا زقّه وماعونه وجعلوهما على كاهل صبيّ وعرضوه على أنه بلبن، فلما نودي باسمه جاز الصبي بين أيديهم، وانقضى العرض ولم ير المنجمون الصّورة التي طلبوبها، وجاء بلبن بعد تمام العرض لما أراد الله من إنفاذ قضائه «٢٤» ، ثم إنه ظهرت نجابته فجعل أمين السقائين ثم صار من جملة الأجناد ثم من الأمراء.
ثم تزوج السلطان ناصر الدين بنته قبل أن يلي الملك، فلما ولي الملك جعله نائبا عنه مدة عشرين سنة ثم قتله بلبن واستولى على ملكه عشرين سنة أخرى كما تقدم ذكر ذلك! وكان للسلطان بلبن ولدان: أحدهما الخان الشهيد ولي عهده، وكان واليا لأبيه ببلاد السند ساكنا بمدينة ملتان وقتل في حرب له مع التتر «٢٥» وترك ولدين كى قباد، وكى خسرو «٢٦» ، وولد السلطان بلبن الثاني يسمى ناصر الدين وكان واليا لأبيه ببلاد اللكنوتي «٢٧»
стр. 729
وبنجالة، فلما استشهد الخان الشهيد جعل السلطان بلبن العهد إلى ولده كي خسرو وعدل به عن ابن نفسه ناصر الدين، وكان لناصر الدين أيضا ولد ساكن بحضرة دهلي مع جده غياث الدين يسمّى معز الدين وهو الذي تولّى الملك بعد جده في خبر عجيب نذكره، وأبوه إذ ذاك حيّ كما ذكرناه.
ذكر السلطان معز الدين بن ناصر الدين بن السلطان غياث الدين بلبن:
ولما توفي السلطان غياث الدين ليلا، وابنه ناصر الدين غائب ببلاد اللكنوتي، وجعل العهد لابن ابنه الشهيد كي خسرو حسبما قصصناه كان ملك الأمراء نائب السلطان غياث الدين «٢٨» عدوّا لكي خسرو فأدار عليه حيلة تمت له، وهي أنه كتب بيعة دلّس فيها على خطوط الأمراء الكبار بأنهم بايعوا معز الدين حفيد السلطان بلبن ودخل على كي خسرو كالمتنصّح له فقال له: إن الأمراء قد بايعوا ابن عمك وأخاف عليك منهم فقال له: كي خسرو: فما الحيلة؟ قال أنج بنفسك هاربا إلى بلاد السند، فقال: وكيف الخروج والأبواب مسدودة؟ فقال له: إن المفاتيح بيدي وأنا أفتح لك، فشكره على ذلك وقبّل يده، فقال له:
اركب الآن، فركب في خاصته ومماليكه وفتح له الباب وأخرجه، وسدّ في أثره، واستأذن «٢٩» على معز الدين فبايعه، فقال: كيف لي بذلك وولاية العهد لابن عمّي؟ فأعلمه بما أدار عليه من الحيلة وبإخراجه فشكره على ذلك، ومضى به إلى دار الملك وبعث عن الأمراء والخواص فبايعوه ليلا، فلما أصبح بايعه سائر الناس، واستقام له الملك.
وكان أبوه حيا ببلاد بنجالة واللّكنوتي، فاتصل به الخبر، فقال: أنا وارث الملك، وكيف يلي ابني الملك ويستقلّ به وأنا بقيد الحياة؟ فتجهز في جيوشه قاصدا حضرة دهلي وتجهز ولده في جيوشه أيضا قاصدا لمدافعته عنها فتوافيا معا بمدينة كرا «٣٠» ، وهي على ساحل نهر الكنك الذي تحج الهنود إليه، فنزل ناصر الدين على شاطئه مما يلي كرا ونزل ولده السلطان معزّ الدين مما يلي الجهة الأخرى والنّهر بينهما وعزما على القتال، ثم إن الله تعالى أراد حقن دماء المسلمين فالقى في قلب ناصر الدين الرحمة لابنه، وقال: إذا ملك ولدي فذلك شرف لي وأنا أحقّ أن أرغب في ذلك، وألقى في قلب السلطان معز الدين الضّراعة لأبيه
стр. 730
فركب كل واحد منهما في مركب منفردا عن جيوشه والتقيا في وسط النهر فقبّل السّلطان رجل أبيه، واعتذر له فقال له أبوه: قد وهبتك ملكي ووليتك، وبايعه وأراد الرجوع لبلاده، فقال له ابنه: لا بدّ لك من الوصول إلى بلادي فمضى معه إلى دهلي «٣١» ، ودخل القصر وأقعده أبوه على سرير الملك، ووقف بين يديه وسمّي ذلك اللّقاء الذي كان بينهما بالنّهر لقاء السعدين، لما كان فيه من حقن الدماء وتواهب الملك والتجافي عن المنازعة، وأكثرت الشعراء في ذلك، وعاد ناصر الدين إلى بلاده. فمات بها بعد سنين وترك بها ذرية منهم غياث الدين بها دور «٣٢» الذي أسره السلطان تغلق، وأطلقه ابنه محمد بعد وفاته، واستقام الملك لمعز الدين أربعة أعوام بعد ذلك كانت كالأعياد «٣٣» . رأيت بعض من أدركها يصف خيراتها ورخص أسعارها وجود معز الدين وكرمه، وهو الذي بنى الصّومعة بالصحن الشمالي من جامع دهلي، ولا نظير لها في البلاد.
وحكى لي بعض أهل الهند أن معز الدين كان يكثر النكاح والشرب فاعترته علّة أعجز الأطباء دواؤها ويبس أحد شقّيه، فقام عليه نائبه جلال الدين فيروز شاه الخلجي «٣٤» ، بفتح الخاء المعجم واللام والجيم.
ذكر السلطان جلال الدين
ولما اعترى السلطان معز الدين ما ذكرناه من يبس أحد شقّيه، خالف عليه نائبه جلال الدين ما ذكرناه من يبس أحد شيّه خالف عليه نائبه جلال الدين وخرج إلى ظاهر المدينة فوقف على تلّ هنالك بجانب قبّة تعرف بقبة الجيشاني، فبعث معز الدين الأمراء لقتاله، فكان كل من يبعثه منهم يبايع جلال الدين، ويدخل في جملته، ثم دخل المدينة وحصره في القصر ثلاثة أيام.
وحدّثني من شاهد ذلك أن السلطان معز الدين أصابه الجوع في تلك الأيام، فلم يجد ما يأكله، فبعث إليه أحد الشرفاء من جيرانه ما أقام أوده، ودخل عليه قصر فقتل، وولى بعده
стр. 731
جلال الدين وكان حليما فاضلا، وحلمه أدّاه إلى القتل، كما سنذكره، واستقام له الملك سنين «٣٥» ، وبني القصر المعروف باسمه «٣٦» ، وهو الّذي أعطاه السلطان محمد لصهره الأمير غدا بن مهنّى لما زوّجه بأخته، وسيذكر ذلك، فكان للسلطان جلال الدين ولد اسمه ركن الدين، وابن أخ اسمه علاء الدين زوّجه بابنته، وولّاه مدينة كرا ومانكبور ونواحيها «٣٧» ، وهي من أخصب بلاد الهند، كثيرة القمح والأرز والسكّر، وتصنع بها الثياب الرفيعة، ومنها تجلب إلى دهلي وبينهما مسيرة ثمانية عشر يوما.
وكانت زوجة علاء الدين تؤذيه فلا يزال يشكوها إلى عمه السلطان جلال الدين حتى وقعت الوحشة بينهما بسببها، وكان علاء الدين شهما شجاعا مظفرا منصورا، وحبّ الملك ثابت في نفسه إلّا أنّه لم يكن له مال إلّا ما يستفيده بسيفه من غنائم الكفّار، فاتفق أنّه ذهب مرّة إلى الغزو ببلاد الدّويقير «٣٨» ، وتسمى بلاد الكتكة أيضا، وسنذكرها، وهي كرسيّ بلاد المالوة والمرهتة «٣٩» ، وكان سلطانها أكبر سلاطين الكفار فعثرت بعلاء الدين في تلك الغزوة دابّة له عند حجر، فسمع له طنينا، فأمر بالحفر هنالك فوجد تحته كنزا عظيما «٤٠» ،
стр. 732
ففرّقه في أصحابه ووصل إلى الدّويقير فأذعن له سلطانها بالطاعة ومكّنه من المدينة من غير حرب، وأهدى له هدايا عظيمة فرجع إلى مدينة كرا، ولم يبعث إلى عمّه شيئا من الغنائم فأغرى النّاس عمّه به، فبعث عنه فامتنع من الوصول اليه، فقال السلطان جلال الدين: أنا أذهب إليه واتي به فإنه محلّ ولدي، فتجهّز في عساكره وطوى المراحل حتى حلّ بساحل مدينة كرا حيث نزل السلطان معز الدين لما خرج إلى لقاء أبيه ناصر الدين، وركب النهر برسم الوصول إلى ابن أخيه وركب ابن أخيه أيضا في مركب ثان عازما على الفتك به وقال لأصحابه: إذا أنا عانقته فاقتلوه، فلما التقيا وسط النهر عانقه ابن أخيه، وقتله أصحابه كما وعدهم واحتوى على ملكه وعساكره «٤١» .
ذكر السلطان علاء الدين محمد شاه الخلجي .
ولما قتل عمّه استقلّ بالملك وفرّ إليه أكثر عساكر عمه وعاد بعضهم إلى دهلي واجتمعوا على ركن الدين «٤٢» وخرج إلى دفاعه فهربوا جميعا إلى السلطان علاء الدين وفرّ ركن الدين إلى السند ودخل علاء الدين دار الملك واستقام له الأمر عشرين سنة، وكان من خيار السلاطين، وأهل الهند يثنون عليه كثيرا، وكان يتفقّد أمور الرعيّة بنفسه ويسئل عن أسعارهم، ويحضر المحتسب «٤٣» ، وهم يسمونه الرئيس في كلّ يوم برسم ذلك، ويذكر أنه سأله يوما عن سبب غلاء اللّحم، فأخبره أن ذلك لكثرة المغرم على البقر في الرّتب، فأمر برفع ذلك وأمر باحضار التّجار وأعطاهم الأموال، وقال لهم: اشتروا بها البقر والغنم وبيعوها ويرتفع ثمنها لبيت المال، ويكون لكم أجرة على بيعها، ففعلوا ذلك، وفعل مثل هذا في الأثواب التي يوتي بها من دولة أباد.
وكان إذا غلا ثمن الزّرع فتح المخازن وباع الزّرع حتّى يرخص السعر، ويذكر أنّ السعر ارتفع ذات مرة فأمر ببيع الزرع بثمن عيّنه فامتنع الناس من بيعه بذلك الثمن فأمر أن
стр. 733
لا يبيع أحد زرعا غير زرع المخزن، وباع للناس ستّة أشهر فخاف المحتكرون فساد زرعهم بالسوس فرغبوا أن يؤذن لهم في البيع فأذن لهم على أن باعوه بأقلّ من القيمة الأولى التي امتنعوا من بيعه «٤٤» بها.
وكان لا يركب لجمعة ولا عيد ولا سواهما، وسبب ذلك أنه كان له ابن أخ يسمّى سليمان شاه «٤٥» ، وكان يحبّه ويعظّمه، فركب يوما إلى الصيد وهو معه وأضمر في نفسه أن يفعل به ما فعل هو بعمّه جلال الدين من الفتك، فلما نزل للغداء رماه بنشّابة فصرعه وغطّاه بعض عبيده بترس وأتى ابن أخيه ليجهز عليه فقال له العبيد: إنه قد مات فصدّقهم، وركب فدخل القصر على الحرم، وأفاق السلطان علاء الدين من غشيته وركب واجتمعت العساكر عليه، وفرّ ابن أخيه فأدرك وأوتي به إليه فقتله، وكان بعد ذلك لا يركب.
وكان له من الأولاد خضر خان، وشادي خان، وأبو بكر خان، ومبارك خان، وهو قطب الدين الذي ولى الملك وشهاب الدين، وكان قطب الدين مهتضما عنده، ناقص الحظّ، قليل الحظوة. وأعطى جميع إخوته المراتب وهي الأعلام والأطبال، ولم يعطه شيئا وقال له يوما: لا بدّ أن أعطيك مثل ما أعطيت إخوتك، فقال له: الله هو الذي يعطيني! فهال أباه هذا الكلام، وفزع منه.
ثم إنّ السلطان أصابه المرض الذي مات منه، وكانت زوجته أم ولده خضر خان، وتسمى ماه حق، والماه القمر بلسانهم «٤٦» ، لها أخ يسمى سنجر، فعاهدت أخاها على تمليك ولدها خضر خان «٤٧» ، وعلم بذلك ملك نائب أكبر أمراء السلطان وكان
стр. 734
يسمّى الألفي «٤٨» ، لأن السلطان اشتراه بألف تنكة، وهي ألفان وخمسمائة من دنانير المغرب «٤٩» ، فوشى إلى السلطان بما اتّفقوا عليه، فقال لخواصّه: إذا دخل عليّ سنجر فإنّي معطيه ثوبا، فإذا لبسه فأمسكوا بأكمامه واضربوا به الأرض وأذبحوه، فلما دخل عليه فعلوا ذلك وقتلوه! وكان خضر خان غائبا بموضع يقال له سندبت «٥٠» على مسيرة يوم من دهلي، توجّه لزيارة شهداء مدفونين به لنذر كان عليه أن يمشي تلك المسافة راجلا ويدعو لوالده بالراحة، فلما بلغه أنّ أباه قتل خاله حزن عليه حزنا شديدا ومزّق جيبه، وتلك عادة لأهل الهند يفعلونها إذا مات لهم من يعزّ عليهم، فبلغ والده ما فعله، فكره ذلك فلما دخل عليه عنّفه ولامه، وأمر به فقيّدت يداه ورجلاه وسلّمه لملك نايب المذكور، وأمره أن يذهب به إلى حصن كاليور «٥١» ، وضبطه بفتح الكاف المعقودة وكسر اللام وضم الياء آخر الحروف وآخر راء، ويقال له أيضا كيالير بزيادة ياء ثانية، وهو حصن منقطع بين كفّار الهنود منيع على مسيرة عشر من دهلى، وقد سكنته أنا مدّة فلما أوصله إلى هذا الحصن سلّمه للكتوال وهو أمير الحصن، وللمفردين «٥٢» وهم الزّماميّون «٥٣» وقال لهم: لا تقولوا: هذا ابن السلطان فتكرموه، إنّما هو أعدى عدوّ له فاحفظوه كما يحفظ العدوّ! ثمّ إنّ المرض اشتدّ بالسلطان، فقال لملك نايب ابعث من ياتي بابني خضر خان لأولّيه العهد، فقال له: نعم وماطله بذلك، فمتى سأله عنه، قال هو ذا يصل إلى أن توفى السلطان، ﵀.
ذكر ابنه السلطان شهاب الدين
ولما توفي السلطان علاء الدين أقعد ملك نايب ابنه الأصغر شهاب الدين على سرير
стр. 735
«٥٤» الملك، وبايعه الناس وتغلب ملك نايب عليه، وسمل أعين أبي بكر خان وشادي خان، وبعث بهما إلى كاليور، وأمر بسمل عيني أخيهما خضر خان المسجون هنالك، وسجنوا وسجن قطب الدين لاكنّه لم يسمل عينيه، وكان للسلطان علاء الدين مملوكان من خواصّه، يسمّى أحدهما ببشير، والآخر بمبشّر، فبعثت عنهما الخاتون الكبرى زوجة علاء الدين، وهي بنت السلطان معز الدين «٥٥» فذكرتهما بنعمة مولاهما وقالت: إنّ هذا الفتى نايب ملك قد فعل في أولادي ما تعلمانه، وإنه يريد أن يقتل قطب الدين، فقالا لها: سترين ما نفعل، وكانت عادتهما أنّ يبيتا عند نايب ملك، ويدخلا عليه بالسلاح، فدخلا عليه تلك الليلة، وهو في بيت من الخشب مكسوّ بالملف يسمونه الخرمقة «٥٦» ينام فيه أيام المطر فوق سطح القصر، فاتّفق أنه أخذ السيف من يد أحدهما فقلّبه وردّه إليه فضربه به المملوك، وثنّى عليه صاحبه واحتزّا رأسه وأتيا به إلى محبس قطب الدين فرمياه بين يديه وأخرجاه فدخل على أخيه شهاب الدين وأقام بين يديه أياما كأنّه نايب له ثم عزم على خلعه فخلعه «٥٧» .
ذكر السلطان قطب الدين ابن السلطان علاء الدين
وخلع قطب الدين أخاه شهاب الدين وقطع إصبعه وبعث به إلى كاليور فحبس مع إخوته، واستقام الملك لقطب الدين، ثمّ إنّه بعد ذلك خرج من حضرة دهلي إلى دولة أباد، وهي على مسيرة أربعين يوما منها والطريق بينهما تكنفه الأشجار من الصفصاف وسواه فكأنّ الماشي به في بستان، وفي كلّ ميل منه ثلاث داوات، وهي البريد، وقد ذكرنا ترتيبه، وفي كلّ داوة جميع ما يحتاج المسافر إليه فكأنّه يمشي في سوق مسيرة الأربعين يوما، وكذلك يتّصل الطريق إلى بلاد التّلنك «٥٨» والمعبر «٥٩» مسيرة ستّة أشهر، وفي كل منزلة قصر
стр. 736
للسلطان وزاوية للوارد والصادر. فلا يفتقر الفقير إلى حمل زاد في ذلك الطريق! ولما خرج السلطان قطب الدين في هذه الحركة «٦٠» اتّفق بعض الأمراء على الخلاف عليه وتولية ولد أخيه خضر خان المسجون «٦١» ، وسنّه نحو عشرة أعوام، وكان مع السلطان، فبلغ السلطان ذلك، فأخذ ابن أخيه المذكور، وأمسك برجليه، وضرب برأسه إلى الحجارة حتّى نثر دماغه، وبعث أحد الأمراء ويسمى ملك شاه إلى كاليور حيث أبو هذا الولد وأعمامه وأمره بقتلهم جميعا! فحدّثني القاضي زين الدين مبارك قاضي هذا الحصن، قال: قدم علينا ملك شاه ضحوة يوم وكنت عند خضر خان بمحبسه، فلما سمع بقدومه خاف وتغيّر لونه، ودخل عليه الأمير فقال له: فيما جئت؟ قال: في حاجة خوند عالم، فقال له: نفسي سالمة؟ فقال: نعم، وخرج عنه واستحضر الكتوال، وهو صاحب الحصن والمفردين وهم الزماميّون، وكانوا ثلاثمائة رجل وبعث عنّي وعن العدول واستظهر بأمر السلطان فقرأوه وأتوا إلى شهاب الدّين المخلوع فضربوا عنقه وهو متثبّت غير جزع، ثم ضربوا عنق أبي بكر خان وشادي خان، ولما أتوا ليضربوا عنق خضر خان فزع وذهل، وكانت أمّه معه فسدّوا الباب دونها وقتلوه، وسحبوهم جميعا في حفرة دون تكفين ولا غسل، وأخرجوا بعد سنين فدفنوا بمقابر آبائهم، وعاشت أمّ خضر خان مدّة ورأيتها بمكة سنة ثمان وعشرين.
وحصن كاليور «٦٢» هذا في رأس شاهق كأنّه منحوت من الصخر لا يحاذيه جبل، وبداخله جباب الماء ونحو عشرين بئرا، عليها الأسوار مضافة إلى الحصن، منصوبا عليها المجانيق والرّعادات، ويصعد إلى الحصن في طريق متّسعة يصعدها الفيل والفرس، وعند باب الحصن صورة فيل منحوت من الحجر، وعليه صورة فيّال، وإذا رءاه الإنسان على البعد لم يشكّ أنّه فيل حقيقة، وأسفل الحصن مدينة حسنة مبنية كلّها بالحجارة البيض المنحوتة مساجدها ودورها، ولا خشب فيها ما عدا الأبواب، وكذلك دار الملك بها، والقباب والمجالس
стр. 737
وأكثر سوقتها كفّار، وفيها ستّماية فارس من جيش السلطان لا يزالون في جهاد لأنّها بين الكفّار.
ولما قتل قطب الدين اخوته واستقل بالملك فلم يبق من ينازعه ولا من يخالف عليه، بعث الله تعالى عليه خاصّته الحظيّ لديه أكبر أمرائه وأعظمهم منزلة عنده ناصر الدين خسرو خان ففتك به وقتله واستقلّ بملكه الّا أنّ مدّته لم تطل في الملك فبعث الله عليه أيضا من قتله بعد خلعه وهو السلطان تغلق، حسبما يشرح ذلك كلّه مستوفى إن شاء الله تعالى إثر هذا ونسطره.
ذكر السلطان خسرو خان ناصر الدين
وكان خسرو خان من أكبر أمراء قطب الدين «٦٣» ، وهو شجاع حسن الصورة وكان فتح بلاد جند يري «٦٤» وبلاد المعبر، وهي من أخصب بلاد الهند، وبينهما وبين دهلي مسيرة ستّة أشهر، وكان قطب الدين يحبّه حبّا شديدا ويؤثره، فجّر ذلك حتفه على يديه، وكان لقطب الدين معلّم يسمى قاضي خان صدر الجهان «٦٥» ، وهو أكبر أمرائه، وكليت دار وهو صاحب مفاتيح القصر، وعادته أن يبيت كلّ ليلة على باب السلطان ومعه أهل النوبة وهم ألف رجل يبيتون مناوبة بين أربع ليال ويكونون صفّين فيما بين أبواب القصر وسلاح كل واحد منهم بين يديه فلا يدخل أحد إلّا فيما بين سماطيهم، وإذا تمّ الليل أتى أهل نوبة النهار.
ولأهل النّوبة امراء وكتّاب يتطوّفون عليهم ويكتبون من غاب منهم أو حضر، وكان معلم السلطان قاضي خان يكره أفعال خسرو خان ويسؤه ما يراه من إيثاره لكفّار الهنود وميله إليهم. وأصله منهم، ولا يزال يلقي ذلك إلى السلطان فلا يسمع منه، ويقول له: دعه وما يريد، لما أراد الله من قتله على يديه، فلما كان في بعض الأيام قال خسرو خان للسلطان: إنّ جماعة من الهنود يريدون أن يسلموا، ومن عادتهم بتلك البلاد أنّ الهندي إذا أراد الإسلام
стр. 738
أدخل إلى السلطان فيكسوه كسوة حسنة ويعطيه قلادة وأساور من ذهب على قدره، فقال له السلطان: ائتني بهم! فقال: إنهم يستحيون أن يدخلوا إليك نهارا لأجل أقربائهم وأهل ملّتهم، فقال له: ائتني بهم ليلا! فجمع خسرو خان جماعة من شجعان الهنود وكبرائهم فيهم أخوه خان خانان «٦٦» ، وذلك أوان الحرّ، والسلطان ينام فوق سطح القصر، ولا يكون عنده في ذلك الوقت إلّا بعض الفتيان، فلما دخلوا الأبواب الأربعة، وهم شاكّون في السلاح، ووصلوا إلى الباب الخامس وعليه قاضي خان، أنكر شأنهم وأحسّ بالشر فمنعهم من الدخول، وقال: لا بدّ أن أسمع من خوند عالم بنفسي الإذن في دخولهم، وحينئذ يدخلون، فلما منعهم من الدخول هجموا عليه فقتلوه، وعلت الضجّة بالباب فقال السلطان: ما هذا؟
فقال خسرو خان: هم الهنود الذين أتوا ليسلموا، فمنعهم قاضي خان من الدخول، وزاد الضّجيج فخاف السلطان، وقام يريد الدّخول إلى القصر وكان بابه مسدودا والفتيان عنده، فقرع الباب واحتضنه خسرو خان من خلفه، وكان السلطان أقوى منه فصرعه، ودخل الهنود، فقال لهم خسرو خان: هوذا فوقي فاقتلوه! فقتلوه وقطعوا رأسه ورموا به من سطح القصر إلى صحنه «٦٧» .
وبعث خسرو خان من حينه عن الأمراء والملوك، وهم لا يعلمون بما اتّفق، فكلّما دخلت طائفة وجدوه على سرير الملك، فبايعوه، ولما أصبح أعلن بأمره وكتب المراسم وهي الأوامر إلى جميع البلاد، وبعث لكلّ أمير خلعة فطاعوا له جميعا واذعنوا إلا تغلق شاه والد السلطان محمد شاه، وكان اذ ذاك أميرا بدبّال بور «٦٨» من بلاد السند، فلما وصلته خلعة خسرو خان طرحها بالأرض وجلس فوقها وبعث إليه أخاه خان خانان فهزمه، ثم آل أمره إلى أن قتله كما سنشرحه في أخبار تغلق.
ولما ملك خسرو خان آثر الهنود «٦٩» وأظهر أمورا منكرة منها النهى عن ذبح البقر
стр. 739
على قاعدة كفّار الهنود فإنهم لا يجيزون ذبحها، وجزاء من ذبحها عندهم أن يخاط في جلدها ويحرق! وهم يعظمون البقر ويشربون أبوالها للبركة والاستشفاء إذا مرضوا، ويلطخون بيوتهم وحيطانهم بأرواثها، وكان ذلك ممّا بغّض خسرو خان إلى المسلمين وأمالهم عنه إلى تغلق، فلم تطل مدة ولايته، ولا امتدّت ايام ملكه، كما سنذكره.
ذكر السلطان غياث الدين تغلق شاه
وضبط اسمه بضم التاء المعلوة وسكون الغين المعجم وضم اللام وآخره قاف، حدّثني الشيخ الامام الصالح العالم العامل العابد ركن الدين ابن الشيخ الصالح شمس الدين أبي عبد الله بن الولي الإمام العالم العابد بهاء الدين زكرياء القرشي الملتاني، بزاويته منها، أنّ السلطان تغلق كان من الأتراك المعروفين بالقرونة «٧٠» ، بفتح القاف والراء وسكون الواو وفتح النون، وهم قاطنون بالجبال التي بين بلاد السند والترك، وكان ضعيف الحال، فقدم بلاد السند في خدمة بعض التّجار. وكان كلوانيا له، والكلواني، بضم الكاف المعقودة هو راعي الخيل، وذلك على أيام السلطان علاء الدين، وأمير السند إذ ذاك أخوه أولو خان «٧١» ، بضم الهمزة واللام، فخدمه تغلق وتعلّق بجانبه فرتّبه في البيادة «٧٢» ، بكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف، وهم الرّجالة، ثم ظهرت نجابته فأثبت في الفرسان، ثم كان من الامراء الصّغار وجعله أولو خان أمير خيله، ثم كان بعد من الأمراء الكبار وسمّى بالملك الغازي.
ورأيت مكتوبا على مقصورة الجامع بملتان، وهو الذي أمر بعملها: إنّي قاتلت التتر تسعا وعشرين مرة فهزمتهم فحينئذ سمّيت بالملك الغازي «٧٣» .
ولما ولى قطب الدين ولّاه مدينة دبال بور وعمالتها، وهي بكسر الدال المهمل وفتح الباء الموحدة، وجعل ولده الذي هو الآن سلطان الهند أمير خيله، وكان يسمى جونة، بفتح الجيم
стр. 740
والنون، ولما ملك تسمّى بمحمد شاه، ثم لمّا قتل قطب الدين وولى خسرو خان أبقاه على امارة الخيل، فلما أراد تغلق الخلاف كان له ثلاثمائة من أصحابه الذين يعتمد عليهم في القتال، وكتب إلى كشلو خان «٧٤» ، وهو يومئذ بملتان وبينها وبين دبال بور ثلاثة أيام يطلب منه القيام بنصرته ويذكّره نعمة قطب الدين ويحرّضه على طلب ثاره.
وكان ولد كشلو خان بدهلي فكتب إلى تغلق أنّه لو كان ولدي عندي لأعنتك على ما تريد، فكتب تغلق إلى ولده محمد شاه يعلمه بما عزم عليه، ويأمره أن يفرّ إليه، ويستصحب معه ولد كشلو خان، فأراد ولده الحيلة على خسرو خان وتمّت له كما أراد، فقال له: إنّ الخيل قد سمنت وتبدّنت وهي تحتاج اليراق «٧٥» ، وهو التّضمير، فإذن له في تضميرها، فكان يركب كلّ يوم في أصحابه فيسير بها الساعة والساعتين والثلاث، واستمر إلى أربع ساعات إلى أن غاب يوما إلى وقت الزوال، وذلك وقت طعامهم فأمر السلطان بالركوب في طلبه، فلم يوجد له خبر ولحق بأبيه واستصحب معه ولد كشلو خان، وحينئذ أظهر تغلق الخلاف وجمع العساكر وخرج معه كشلو خان في أصحابه وبعث السلطان أخاه خان خانان لقتالهما فهزماه شرّ هزيمة، وفرّ عسكره إليهما ورجع خان خانان إلى أخيه وقتل أصحابه، وأخذت خزاينه وأمواله.
وقصد تغلق حضرة دهلي وخرج إليه خسرو خان في عساكره ونزل بخارج دهلي بموضع يعرف بآصياأباد «٧٦» ومعنى ذلك رحى الرّيح، وأمر بالخزائن ففتحت وأعطى الأموال بالبدر، لا بوزن ولا عدد، ووقع اللقاء بينه وبين تغلق وقاتلت الهنود أشدّ قتال، وانهزمت عساكر تغلق ونهبت محلّته وانفرد في أصحابه الأقدمين الثلاثمائة فقال لهم: إلى أين الفرار؟ حيثما أدركنا قتلنا، واشتغلت عساكر خسرو خان بالنّهب وتفرّقوا عنه، ولم يبق معه إلا قليل فقصد تغلق وأصحابه موقفه، والسلطان هنالك يعرف بالشّطر الذي يرفع فوق رأسه وهو الذي يسمى بديار مصر القبّة والطّير، ويرفع بها في الأعياد، وأما بالهند والصين
следующие страницы →