Полный текст (1 410 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
للسلطان وزاوية للوارد والصادر. فلا يفتقر الفقير إلى حمل زاد في ذلك الطريق! ولما خرج السلطان قطب الدين في هذه الحركة «٦٠» اتّفق بعض الأمراء على الخلاف عليه وتولية ولد أخيه خضر خان المسجون «٦١» ، وسنّه نحو عشرة أعوام، وكان مع السلطان، فبلغ السلطان ذلك، فأخذ ابن أخيه المذكور، وأمسك برجليه، وضرب برأسه إلى الحجارة حتّى نثر دماغه، وبعث أحد الأمراء ويسمى ملك شاه إلى كاليور حيث أبو هذا الولد وأعمامه وأمره بقتلهم جميعا! فحدّثني القاضي زين الدين مبارك قاضي هذا الحصن، قال: قدم علينا ملك شاه ضحوة يوم وكنت عند خضر خان بمحبسه، فلما سمع بقدومه خاف وتغيّر لونه، ودخل عليه الأمير فقال له: فيما جئت؟ قال: في حاجة خوند عالم، فقال له: نفسي سالمة؟ فقال: نعم، وخرج عنه واستحضر الكتوال، وهو صاحب الحصن والمفردين وهم الزماميّون، وكانوا ثلاثمائة رجل وبعث عنّي وعن العدول واستظهر بأمر السلطان فقرأوه وأتوا إلى شهاب الدّين المخلوع فضربوا عنقه وهو متثبّت غير جزع، ثم ضربوا عنق أبي بكر خان وشادي خان، ولما أتوا ليضربوا عنق خضر خان فزع وذهل، وكانت أمّه معه فسدّوا الباب دونها وقتلوه، وسحبوهم جميعا في حفرة دون تكفين ولا غسل، وأخرجوا بعد سنين فدفنوا بمقابر آبائهم، وعاشت أمّ خضر خان مدّة ورأيتها بمكة سنة ثمان وعشرين.
وحصن كاليور «٦٢» هذا في رأس شاهق كأنّه منحوت من الصخر لا يحاذيه جبل، وبداخله جباب الماء ونحو عشرين بئرا، عليها الأسوار مضافة إلى الحصن، منصوبا عليها المجانيق والرّعادات، ويصعد إلى الحصن في طريق متّسعة يصعدها الفيل والفرس، وعند باب الحصن صورة فيل منحوت من الحجر، وعليه صورة فيّال، وإذا رءاه الإنسان على البعد لم يشكّ أنّه فيل حقيقة، وأسفل الحصن مدينة حسنة مبنية كلّها بالحجارة البيض المنحوتة مساجدها ودورها، ولا خشب فيها ما عدا الأبواب، وكذلك دار الملك بها، والقباب والمجالس
стр. 737
وأكثر سوقتها كفّار، وفيها ستّماية فارس من جيش السلطان لا يزالون في جهاد لأنّها بين الكفّار.
ولما قتل قطب الدين اخوته واستقل بالملك فلم يبق من ينازعه ولا من يخالف عليه، بعث الله تعالى عليه خاصّته الحظيّ لديه أكبر أمرائه وأعظمهم منزلة عنده ناصر الدين خسرو خان ففتك به وقتله واستقلّ بملكه الّا أنّ مدّته لم تطل في الملك فبعث الله عليه أيضا من قتله بعد خلعه وهو السلطان تغلق، حسبما يشرح ذلك كلّه مستوفى إن شاء الله تعالى إثر هذا ونسطره.
ذكر السلطان خسرو خان ناصر الدين
وكان خسرو خان من أكبر أمراء قطب الدين «٦٣» ، وهو شجاع حسن الصورة وكان فتح بلاد جند يري «٦٤» وبلاد المعبر، وهي من أخصب بلاد الهند، وبينهما وبين دهلي مسيرة ستّة أشهر، وكان قطب الدين يحبّه حبّا شديدا ويؤثره، فجّر ذلك حتفه على يديه، وكان لقطب الدين معلّم يسمى قاضي خان صدر الجهان «٦٥» ، وهو أكبر أمرائه، وكليت دار وهو صاحب مفاتيح القصر، وعادته أن يبيت كلّ ليلة على باب السلطان ومعه أهل النوبة وهم ألف رجل يبيتون مناوبة بين أربع ليال ويكونون صفّين فيما بين أبواب القصر وسلاح كل واحد منهم بين يديه فلا يدخل أحد إلّا فيما بين سماطيهم، وإذا تمّ الليل أتى أهل نوبة النهار.
ولأهل النّوبة امراء وكتّاب يتطوّفون عليهم ويكتبون من غاب منهم أو حضر، وكان معلم السلطان قاضي خان يكره أفعال خسرو خان ويسؤه ما يراه من إيثاره لكفّار الهنود وميله إليهم. وأصله منهم، ولا يزال يلقي ذلك إلى السلطان فلا يسمع منه، ويقول له: دعه وما يريد، لما أراد الله من قتله على يديه، فلما كان في بعض الأيام قال خسرو خان للسلطان: إنّ جماعة من الهنود يريدون أن يسلموا، ومن عادتهم بتلك البلاد أنّ الهندي إذا أراد الإسلام
стр. 738
أدخل إلى السلطان فيكسوه كسوة حسنة ويعطيه قلادة وأساور من ذهب على قدره، فقال له السلطان: ائتني بهم! فقال: إنهم يستحيون أن يدخلوا إليك نهارا لأجل أقربائهم وأهل ملّتهم، فقال له: ائتني بهم ليلا! فجمع خسرو خان جماعة من شجعان الهنود وكبرائهم فيهم أخوه خان خانان «٦٦» ، وذلك أوان الحرّ، والسلطان ينام فوق سطح القصر، ولا يكون عنده في ذلك الوقت إلّا بعض الفتيان، فلما دخلوا الأبواب الأربعة، وهم شاكّون في السلاح، ووصلوا إلى الباب الخامس وعليه قاضي خان، أنكر شأنهم وأحسّ بالشر فمنعهم من الدخول، وقال: لا بدّ أن أسمع من خوند عالم بنفسي الإذن في دخولهم، وحينئذ يدخلون، فلما منعهم من الدخول هجموا عليه فقتلوه، وعلت الضجّة بالباب فقال السلطان: ما هذا؟
فقال خسرو خان: هم الهنود الذين أتوا ليسلموا، فمنعهم قاضي خان من الدخول، وزاد الضّجيج فخاف السلطان، وقام يريد الدّخول إلى القصر وكان بابه مسدودا والفتيان عنده، فقرع الباب واحتضنه خسرو خان من خلفه، وكان السلطان أقوى منه فصرعه، ودخل الهنود، فقال لهم خسرو خان: هوذا فوقي فاقتلوه! فقتلوه وقطعوا رأسه ورموا به من سطح القصر إلى صحنه «٦٧» .
وبعث خسرو خان من حينه عن الأمراء والملوك، وهم لا يعلمون بما اتّفق، فكلّما دخلت طائفة وجدوه على سرير الملك، فبايعوه، ولما أصبح أعلن بأمره وكتب المراسم وهي الأوامر إلى جميع البلاد، وبعث لكلّ أمير خلعة فطاعوا له جميعا واذعنوا إلا تغلق شاه والد السلطان محمد شاه، وكان اذ ذاك أميرا بدبّال بور «٦٨» من بلاد السند، فلما وصلته خلعة خسرو خان طرحها بالأرض وجلس فوقها وبعث إليه أخاه خان خانان فهزمه، ثم آل أمره إلى أن قتله كما سنشرحه في أخبار تغلق.
ولما ملك خسرو خان آثر الهنود «٦٩» وأظهر أمورا منكرة منها النهى عن ذبح البقر
стр. 739
على قاعدة كفّار الهنود فإنهم لا يجيزون ذبحها، وجزاء من ذبحها عندهم أن يخاط في جلدها ويحرق! وهم يعظمون البقر ويشربون أبوالها للبركة والاستشفاء إذا مرضوا، ويلطخون بيوتهم وحيطانهم بأرواثها، وكان ذلك ممّا بغّض خسرو خان إلى المسلمين وأمالهم عنه إلى تغلق، فلم تطل مدة ولايته، ولا امتدّت ايام ملكه، كما سنذكره.
ذكر السلطان غياث الدين تغلق شاه
وضبط اسمه بضم التاء المعلوة وسكون الغين المعجم وضم اللام وآخره قاف، حدّثني الشيخ الامام الصالح العالم العامل العابد ركن الدين ابن الشيخ الصالح شمس الدين أبي عبد الله بن الولي الإمام العالم العابد بهاء الدين زكرياء القرشي الملتاني، بزاويته منها، أنّ السلطان تغلق كان من الأتراك المعروفين بالقرونة «٧٠» ، بفتح القاف والراء وسكون الواو وفتح النون، وهم قاطنون بالجبال التي بين بلاد السند والترك، وكان ضعيف الحال، فقدم بلاد السند في خدمة بعض التّجار. وكان كلوانيا له، والكلواني، بضم الكاف المعقودة هو راعي الخيل، وذلك على أيام السلطان علاء الدين، وأمير السند إذ ذاك أخوه أولو خان «٧١» ، بضم الهمزة واللام، فخدمه تغلق وتعلّق بجانبه فرتّبه في البيادة «٧٢» ، بكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف، وهم الرّجالة، ثم ظهرت نجابته فأثبت في الفرسان، ثم كان من الامراء الصّغار وجعله أولو خان أمير خيله، ثم كان بعد من الأمراء الكبار وسمّى بالملك الغازي.
ورأيت مكتوبا على مقصورة الجامع بملتان، وهو الذي أمر بعملها: إنّي قاتلت التتر تسعا وعشرين مرة فهزمتهم فحينئذ سمّيت بالملك الغازي «٧٣» .
ولما ولى قطب الدين ولّاه مدينة دبال بور وعمالتها، وهي بكسر الدال المهمل وفتح الباء الموحدة، وجعل ولده الذي هو الآن سلطان الهند أمير خيله، وكان يسمى جونة، بفتح الجيم
стр. 740
والنون، ولما ملك تسمّى بمحمد شاه، ثم لمّا قتل قطب الدين وولى خسرو خان أبقاه على امارة الخيل، فلما أراد تغلق الخلاف كان له ثلاثمائة من أصحابه الذين يعتمد عليهم في القتال، وكتب إلى كشلو خان «٧٤» ، وهو يومئذ بملتان وبينها وبين دبال بور ثلاثة أيام يطلب منه القيام بنصرته ويذكّره نعمة قطب الدين ويحرّضه على طلب ثاره.
وكان ولد كشلو خان بدهلي فكتب إلى تغلق أنّه لو كان ولدي عندي لأعنتك على ما تريد، فكتب تغلق إلى ولده محمد شاه يعلمه بما عزم عليه، ويأمره أن يفرّ إليه، ويستصحب معه ولد كشلو خان، فأراد ولده الحيلة على خسرو خان وتمّت له كما أراد، فقال له: إنّ الخيل قد سمنت وتبدّنت وهي تحتاج اليراق «٧٥» ، وهو التّضمير، فإذن له في تضميرها، فكان يركب كلّ يوم في أصحابه فيسير بها الساعة والساعتين والثلاث، واستمر إلى أربع ساعات إلى أن غاب يوما إلى وقت الزوال، وذلك وقت طعامهم فأمر السلطان بالركوب في طلبه، فلم يوجد له خبر ولحق بأبيه واستصحب معه ولد كشلو خان، وحينئذ أظهر تغلق الخلاف وجمع العساكر وخرج معه كشلو خان في أصحابه وبعث السلطان أخاه خان خانان لقتالهما فهزماه شرّ هزيمة، وفرّ عسكره إليهما ورجع خان خانان إلى أخيه وقتل أصحابه، وأخذت خزاينه وأمواله.
وقصد تغلق حضرة دهلي وخرج إليه خسرو خان في عساكره ونزل بخارج دهلي بموضع يعرف بآصياأباد «٧٦» ومعنى ذلك رحى الرّيح، وأمر بالخزائن ففتحت وأعطى الأموال بالبدر، لا بوزن ولا عدد، ووقع اللقاء بينه وبين تغلق وقاتلت الهنود أشدّ قتال، وانهزمت عساكر تغلق ونهبت محلّته وانفرد في أصحابه الأقدمين الثلاثمائة فقال لهم: إلى أين الفرار؟ حيثما أدركنا قتلنا، واشتغلت عساكر خسرو خان بالنّهب وتفرّقوا عنه، ولم يبق معه إلا قليل فقصد تغلق وأصحابه موقفه، والسلطان هنالك يعرف بالشّطر الذي يرفع فوق رأسه وهو الذي يسمى بديار مصر القبّة والطّير، ويرفع بها في الأعياد، وأما بالهند والصين
стр. 741
فلا يفارق السلطان في سفر ولا حضر فلما قصده تغلق وأصحابه حمى القتال بينهم وبين الهنود وانهزم أصحاب السلطان ولم يبق معه أحد وهرب فنزل عن فرسه ورمى بثيابه وسلاحه وبقى في قميص واحد وأرسل شعره بين كتفيه كما يفعل فقراء الهند، ودخل بستانا هنالك واجتمع الناس على تغلق وقصد المدينة فأتاه الكتوال بالمفاتيح ودخل القصر ونزل بناحية منه، وقال لكشلو خان: أنت تكون السلطان، فقال كشلو خان: بل أنت تكون السلطان وتنازعا فقال له كشلو خان: فإن أبيت أن تكون سلطانا فيتولى ولدك، فكره هذا وقبل حينئذ وقعد على سرير الملك وبايعه الخاص والعام، ولما كان بعد ثلاث اشتدّ الجوع بخسرو خان وهو مختف بالبستان فخرج وطاف به فوجد القيّم فسأله طعاما فلم يكن عنده فأعطاه خاتمه وقال: اذهب فارهنه في طعام. فلما ذهب بالخاتم إلى السوق أنكر الناس أمره ورفعوه إلى الشّحنة، وهو الحاكم، فأدخله على السلطان تغلق فأعلمه بمن دفع إليه الخاتم، فبعث ولده محمدا ليأتي به، فقبض عليه وأتاه به راكبا على تتو، بتائين مثناتين أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة وهو البرذون، فلما مثل بين يديه، قال له: إني جائع فائتني بالطعام، فأمر له بالشربة ثم بالطعام ثم بالفقّاع ثم بالتّنبول، فلما أكل قام قائما وقال:
ياتغلق إفعل معي فعل الملوك ولا تفضحني! فقال له: لك ذلك وأمر به فضربت رقبته، وذلك في الموضع الذي قتل هو به قطب الذين، ورمى برأسه وجسده من أعلى السطح كما فعل هو برأس قطب الدين، وبعد ذلك أمر بغسله وتكفينه ودفن في مقبرته واستقام الملك لتغلق أربعة أعوام وكان عادلا فاضلا.
ذكر ما رامه ولده من القيام عليه فلم يتمّ له ذلك .
ولما استقرّ تغلق بدار الملك بعث ولده محمدا ليفتح بلاد التّلنگ «٧٧» ، وضبطها بكسر التاء المعلوة واللام وسكون النون وكاف معقود، وهي على مسيرة ثلاثة أشهر من مدينة دهلي، وبعث معه عسكرا عظيما فيه كبار الأمراء مثل الملك تمور، بفتح التاء المعلوة وضم الميم، وآخره راء، ومثل الملك تكين بكسر التاء المعلوة والكاف وآخره نون، ومثل ملك كافور المهر دار بضم الميم ومثل ملك «٧٨» بيرم، بالباء الموحدة مفتوحة، والياء آخر الحروف، والراء مفتوحة، وسواهم، فلما بلغ إلى أرض التّلنك أراد المخالفة، وكان له نديم من الفقهاء الشعراء يعرف بعبيد فأمره أن يلقى إلى الناس أنّ السلطان تغلق توفى، وظنّه أنّ الناس يبايعونه مسرعين
стр. 742
إذا سمعوا ذلك، فلما ألقى ذلك إلى الناس أنكره الأمراء، وضرب كلّ واحد منهم طبله وخالف، فلم يبق معه من أحد، وأرادوا قتله فمنهم منه ملك تمور، وقام دونه ففرّ إلى أبيه في عشرة من الفرسان سمّاهم ياران موافق، معناه الأصحاب الموافقون فأعطاه أبوه الأموال والعساكر وأمره بالعود إلى التلنگ «٧٩» فعاد إليها، وعلم أبوه بما كان أراد، فقتل الفقيه عبيدا، وأمر بملك كافور المهردار فضرب له عمود في الأرض محدود الطرف وركّز في عنقه حتى خرج من جنبه طرفه ورأسه إلى أسفل وترك على تلك الحال وفرّ من بقى من الأمراء إلى السلطان شمس الدين ابن السلطان ناصر الدين بن السلطان غياث الدين بلبن واستقرّوا عنده.
ذكر مسير تغلق إلى بلاد اللكنوتي وما اتّصل بذلك إلى وفاته .
وأقام الأمراء الهاربون عند السلطان شمس الدين «٨٠» ، ثم إن شمس الدين توفي وعهد لولده شهاب الدين فجلس مجلس أبيه، ثم غلب عليه أخوه الأصغر غياث الدين بهادور بوره، ومعناه بالهندية: الأسود، واستولى على الملك وقتل أخاه قطلوخان وساير إخوته وفرّ شهاب الدّين وناصر الدين منهم إلى تغلق فتجهز معهما بنفسه لقتال أخيهما وخلّف ولده محمدا نائبا عنه في ملكه وجدّ السير إلى بلاد اللكنوتي، فتغلب عليها وأسر سلطانها غياث الدين بهادور، وقدم به أسيرا إلى حضرته.
وكان «٨١» بمدينة دهلي الولي نظام الدّين البذاوني «٨٢» ولا يزال محمد شاه ابن السلطان يتردّد إليه ويعظم خدّامه، ويسأله الدعاء، وكان يأخذ الشيخ حال تغلب عليه، فقال
стр. 743
ابن السلطان لخدامه: إذا كان الشيخ في حاله الذي تغلب عليه فأعلموني بذلك، فلما أخذته الحال أعلموه فدخل عليه، فلما رآه الشيخ قال: وهبنا لك الملك. ثم توفّى الشيخ في أيام غيبة السلطان، فحمل ابنه محمد نعشه على كاهله فبلغ ذلك أباه فانكره وتوعده، وكان قد رابته منه أمور ونقم عليه استكثاره من شراء المماليك واجزاله العطايا واستجلابه قلوب الناس فزاد حنقه عليه وبلغه أنّ المنجّمين زعموا أنّه لا يدخل مدينة دهلي بعد سفره ذلك، فتوعدهم «٨٣» ! ولما عاد من سفره وقرب من الحضرة أمر ولده أن يبني له قصرا وهم يسمونه الكشك بضم الكاف وشين معجم مسكن، على واد هنالك يسمى أفغان بور «٨٤» ، فبناه في ثلاثة أيام وجعل أكثر بنائه بالخشب مرتفعا على الأرض قائما على سواري خشب وأحكمه بهندسة تولّى النظر فيها الملك زاده المعروف بعد ذلك بخواجة جهان، واسمه أحمد بن إياس كبير وزراء السلطان محمد «٨٥» ، وكان إذ ذاك شحنة العمارة، وكانت الحكمة التي اخترعوها فيه أنّه متى وطئت الفيلة جهة منه وقع ذلك القصر وسقط.
ونزل السلطان بالقصر وأطعم الناس وتفرقوا واستأذنه ولده في أن يعرض الفيلة بين يديه وهي مزيّنة فأذن له.
وحدّثني الشيخ ركن الدين أنّه كان يومئذ مع السلطان ومعهما ولد السلطان المؤثر لديه محمود فجاء محمد ابن السلطان، فقال للشيخ: ياخوند! هذا وقت العصر، انزل فصلّ! قال لي الشيخ: فنزلت وأتى بالأفيال من جهة واحدة حسبما دبّروه، فلما وطئتها سقط الكشك على السلطان وولده محمود قال الشيخ فسمعت الضّجة فعدت ولم اصلّ فوجدت الكشك قد سقط، فأمر ابنه أن يوتي بالفؤس والمساحي للحفر عنه، وأشار بالإبطاء، فلم يؤت بهما إلّا وقد غربت الشمس فحفروا، ووجدوا السلطان قد حنا ظهره على ولده ليقيه الموت! فزعم بعضهم أنّه أخرج ميّتا وزعم بعضهم أنّه أخرج حيّا، فأجهز عليه، وحمل ليلا إلى مقبرته التي بناها بخارج البلدة المسمّاة باسمه تغلق أباد فدفن بها.
стр. 744
وقد «٨٦» ذكرنا السبب في بنائه لهذه المدينة وبها كانت خزائن تغلق وقصوره، وبها القصر الأعظم الذي جعل قراميده مذهّبة، فإذا طلعت الشمس كان لها نور عظيم وبصيص يمنع البصر من إدامة النظر اليها، واختزن بها الأموال الكثيرة.
ويذكر أنّه بنى صهريجا وأفرغ فيه الذهب إفراغا فكان قطعة واحدة فصرف جميع ذلك ولده محمد شاه لما ولى، وبسبب ما ذكرناه من هندسة الوزير خواجة جهان في بناء الكشك الذي سقط على تغلق كانت حظوته عند ولده محمد شاه وايثاره لديه فلم يكن أحد يدانيه في المنزلة لديه ولا يبلغ مرتبته عنده من الوزراء ولا غيرهم....
стр. 745
الفصل الثاني عشر السلطان محمد ابن تغلق
مشور السلطان وعاداته كرم السلطان وجوده قدوم ابن الخليفة على السلطان وأخباره ابن بطوطة يترك ولده أحمد عند الأمير غياث الدين ابن الخليفة العباسي فماذا عن مصير الولد؟
تزويج أخت السلطان وبنتي وزيره تواضع السلطان وفتكه في ذات الوقت! قتل القائمين على السلطان قيام عين الملك على السلطان قيام الأفغان على السلطان
стр. 746
.. ذكر السلطان أبي المجاهد محمد شاه بن السلطان غياث الدين تغلق شاه ملك الهند والسند الذي قدمنا عليه ولما مات السلطان تغلق استولى ابنه محمد على الملك من غير منازع له ولا مخالف عليه، وقد قدمنا أنه كان اسمه جونة، فلما ملك تسمى بمحمد، واكتنى بأبي المجاهد «١» ، وكل ما ذكرت من شأن سلاطين الهند فهو مما أخبرت به وتلقيته أو معظمه من الشيخ كمال الدين بن البرهان الغزنوي قاضي القضاة (٢) وأما أخبار هذا الملك فمعظمها مما شاهدته أيام كوني ببلاده.
ذكر وصفه
وهذا الملك أحبّ الناس في إسداء العطايا وإراقة الدماء، فلا يخلو بابه عن فقير يغنى أو حي يقتل! وقد شهرت في الناس حكاياته في الكرم والشجاعة، وحكاياته في الفتك والبطش بذوي الجنايات، وهو أشد الناس مع ذلك تواضعا وأكثرهم إظهارا للعدل والحق، وشعائر الدين عنده محفوظة، وله اشتداد «في أمر الصلاة والعقوبة على تركها، وهو من الملوك الذين اطّردت سعادتهم وخرق المعتاد يمن نقيبتهم، ولكن الأغلب عليه الكرم، وسنذكر من أخباره فيه عجائب لم يسمع بمثلها عمّن تقدمه، وأنا أشهد بالله وملائكته ورسله أن جميع ما أنقله عنه من الكرم الخارق للعادة حقّ يقين وكفى بالله شهيدا.
وأعلم أن بعض مآثره من ذلك لا يسع في عقل كثير من الناس ويعدّونه من قبيل المستحيل عادة ولاكّن شيئا عاينته وعرفته صحته وأخذت بحظ وافر منه لا يسعني الا قول الحق فيه، وأكثر ذلك ثابت بالتواتر «٢» في بلاد المشرق.
стр. 747
ذكر أبوابه ومشوره وترتيب ذلك:
ودار السلطان بدهلي تسمى دار سرا، بفتح السين المهمل والراء، ولها أبواب كثيرة «٣» ، فأما الباب الأول فعليه جملة من الرجال موكلون به ويقعد به أهل الأنفار والأبواق والصّرنايات، فإذا جاء أمير كبير ضربوها ويقولون في ضربهم: جاء فلان! جاء فلان! وكذلك أيضا في البابين: الثاني والثالث، وبخارج الباب الأول دكاكين يقعد عليها الجلادون وهم الذين يقتلون الناس، فإن العادة عندهم أنه متى أمر السلطان بقتل أحد قتل على باب المشور، ويبقى هنالك ثلاثا، وبين البابين الأول والثاني دهليز كبير فيه دكاكين مبنية من جهتيه يقعد عليها أهل النوبة من حفاظ الأبواب.
وأما الباب الثاني فيقعد عليه البوابون الموكلون به، وبينه وبين الباب الثالث دكانة كبيرة يقعد عليها نقيب النقباء «٤» ، وبين يديه عمود ذهب يمسكه بيده على رأسه كلاه من الذهب مجوهرة في أعلاها ريش الطواويس «٥» والنقباء بين يديه، وعلى راس كل واحد منهم شاشية مذهبة، وفي وسطه منطقة وبيده سوط نصابه من ذهب أو فضة، ويفضي هذا الباب الثاني إلى مشور كبير متسع يقعد به الناس.
وأما الباب الثالث فعليه دكاكين يقعد فيها كتاب الباب، ومن عوائدهم أن لا يدخل على هذا الباب أحد إلا من عينه السلطان لذلك، ويعين لكل إنسان عددا من أصحابه وناسه يدخلون معه، وكل من ياتي إلى هذا الباب يكتب الكتاب أن فلانا جاء في الساعة الأولى أو الثانية أو ما بعدهما من الساعات إلى آخر النهار، ويطالع السلطان بذلك بعد العشاء الآخرة ويكتبون أيضا بكل ما يحدث بالباب من الأمور، وقد عين من أبناء الملوك «٦» من يوصل كل ما يكتبونه إلى السلطان.
стр. 748
ومن عوائدهم أيضا أنه من غاب عن دار السلطان «٧» ثلاثة أيام فصاعدا لعذر أو لغير عذر فلا يدخل هذا الباب بعدها إلا بإذن من السلطان، فإن كان له عذر من مرض أو غيره قدّم بين يديه هدية مما يناسبه إهداؤها إلى السلطان، وكذلك أيضا القادمون من الأسفار، فالفقيه يهدي المصحف والكتاب وشبهه. والفقير يهدى المصلّى والسبحة والمسواك ونحوها، والأمراء ومن أشبههم يهدون الخيل والجمال والسلاح، وهذا الباب الثالث يفضي إلى المشور الهايل الفسيح الساحة المسمى هزار أسطون بفتح الهاء والزاي وألف وراء، ومعنى ذلك ألف سارية، وهي سواري من خشب مدهونة عليها سقف خشب منقوشة أبدع نقش يجلس الناس تحتها، وبهذا المشور بجلس السلطان الجلوس العام.
ذكر ترتيب جلوسه للناس:
وأكثر جلوسه بعد العصر وربما جلس أول النهار، وجلوسه على مصطبة مفروشة بالبياض، فوقها مرتبة، ويجعل خلف ظهره مخدة كبيرة، وعن يمينه متكأ وعن يساره مثل ذلك، وقعوده كجلوس الإنسان للتشهد في الصلاة، وهو جلوس أهل الهند كلهم، فإذا جلس وقف أمامه الوزير، ووقف الكتاب خلف الوزير وخلفهم الحجاب، وكبير الحجاب هو فيروز ملك ابن عم السلطان ونائبه «٨» ، وهو أدنى الحجاب من السلطان، ثم يتلوه خاص حاجب، ثم يتلوه نائب خاص حاجب، ووكيل الدار ونايبه، وشرف الحجاب، وسيد الحجاب، وجماعة تحت أيديهم، ثم يتلو الحجاب النقباء وهم نحو مائة.
وعند جلوس السلطان ينادي الحجاب والنقباء بأعلى أصواتهم: بسم الله، ثم يقف على رأس السلطان الملك الكبير قبوله «٩» وبيه المذبّة يشرد بها الذباب، ويقف مائة من السّلحدارية «١٠» عن يمين السلطان، ومثلهم عن يساره بأيديهم الدرق والسيوف والقسّى، ويقف في الميمنة والميسرة بطول المشور قاضي القضاة، ويليه خطيب الخطباء، ثم سائر القضاة، ثم كبار الفقهاء، ثم كبار الشرفاء، ثم المشايخ «١١» ، ثم إخوة السلطان وأصهاره، ثم الأمراء الكبار، ثم كبار الأعزة، وهم الغرباء ثم القواد.
ثم يوتى بستين فرسا مسرجة ملجمة بجهازات سلطانية، فمنها ما هو بشعار الخلافة، وهي التي لجمها ودوايرها من الحرير الأسود المذهب، ومنها ما يكون ذلك من
стр. 749
الحرير الأبيض المذهب، ولا يركب بذلك غير السلطان، فيوقف النصف من هذه الخيل عن اليمين والنصف عن الشمال، بحيث يراها السلطان ثم يوتى بخمسين فيلا مزينة بثياب الحرير والذهب مكسوة أنيابها بالحديد إعدادا لقتل أهل الجرائم، وعلى عنق كل فيل فيّاله وبيده شبه الطبرزين من الحديد، يؤدبه به ويقوّمه لما يراد منه «١٢» .
على ظهر كل فيل شبه الصندوق العظيم يسع عشرين من المقاتلة وأكثر من ذلك ودونه، على حسب ضخامة الفيل وعظم جرمه، ويكون في أركان ذلك الصندوق أربعة أعلام مركوزة، وتلك الفيلة معلّمة أن تخدم السلطان وتحط رؤسها فإذا خدمت، قال الحجاب: بسم الله، بأصوات عالية، ويوقف أيضا نصفها عن اليمين ونصفها عن الشمال خلف الرجال الواقفين وكلّ من يأتي الناس المعيّنين للوقوف في الميمنة والميسرة يخدم عند موقف الحجّاب، ويقول الحجاب، بسم الله، ويكون ارتفاع أصواتهم بقدر ارتفاع صيت الذي يخدم فإذا خدم انصرف إلى موقفه من الميمنة أو الميسرة لا يتعداه أبدا. ومن كان من كفار الهنود يخدم، ويقول له الحجاب والنقباء: هداك الله، ويقف عبيد السلطان من وراء الناس كلهم بأيديهم الترسة والسيوف فلا يمكن أحدا الدخول بينهم إلا بين يدي الحجاب القائمين بين يدي السلطان.
ذكر دخول الغرباء وأصحاب الهدايا إليه:
وإن كان بالباب أحد ممن قدم على السلطان بهدية دخل الحجاب إلى السلطان على ترتيبهم يقدمهم أمير حاجب ونائبه خلفه، ثم خاص حاجب ونائبه خلفه، ثم وكيل الدار ونائبه خلفه، ثم سيد الحجاب وشرف الحجاب، ويخدمون في ثلاثة مواضع، ويعلمون السلطان بمن في الباب، فإذا أمرهم أن ياتوا به جعلوا الهدية التي ساقها بأيدي الرجال يقومون بها أمام الناس بحيث يراها السلطان ويستدعي صاحبها فيخدم قبل الوصول إلى السلطان ثلاث مرات، ثم يخدم عند موقف الحجاب، فإن كان رجلا كبيرا وقف في صف أمير حاجب، وإلا وقف خلفه، ويخاطبه السلطان بنفسه ألطف خطاب، ويرحب به، وإن كان ممن يستحق التعظيم فإنه يصافحه أو يعانقه، ويطلب بعض هديته، فتحضر بين يديه فإن كانت من السلاح أو الثياب قلّبها بيده، وأظهر استحسانها جبرا لخاطر مهديها وإيناسا له ورفقا به وخلع عليه وأمر له بمال لغسل رأسه «١٣» على عادتهم في ذلك بمقدار ما يستحقه المهدي.
стр. 750
ذكر دخول هدايا عمّاله إليه:
وإذا أتى العمال «١٤» بالهدايا والأموال المجتمعة من مجابي البلاد صنعوا الأواني من الذهب والفضة مثل الطسوت والأباريق وسواها وصنعوا من الذهب والفضة قطعا شبه الآجر يسمونها الخشت، بكسر الخاء المعجبة وسكون الشين المعجم وتاء معلوة، ويقف الفراشون وهم عبيد السلطان صفا والهدية بأيديهم، كل واحد منهم ممسك قطعة ثم يقدم الفيلة إن كان في الهدية شيء منها ثم الخيل المسرجة الملجمة ثم البغال ثم الجمال عليها الأموال.
ولقد رأيت الوزير خواجة جهان قدم هديته ذات يوم حين قدم السلطان من دولة آباد ولقيه بها في ظاهر مدينة بيّانة «١٥» ، فأدخلت الهدية إليه على هذه الترتيب، ورأيت في جملتها صينية مملوة بأحجار الياقوت وصينية مملوة بأحجار الزمرد وصينية مملوة باللؤلؤ الفاخر، وكان حاجي كاون «١٦» ابن عم السلطان أبي سعيد ملك العراق حاضرا عنده حين ذلك فأعطاه حظا منها، وسيذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ذكر خروجه للعيدين وما يتصل بذلك:
وإذا كانت ليلة العيد بعث السلطان إلى الملوك والخواص وأرباب الدولة والأعزّة والكتاب والحجّاب والنقباء والقواد والعبيد وأهل الأخبار الخلع التي تعمهم جميعا. فإذا كانت صبيحة العيد زينت الفيلة كلها بالحرير والذهب والجواهر، ويكون منها ستة عشر فيلا لا يركبها أحد إنما هي مختصّة بركوب السلطان ويرفع عليها ستة عشر شطرا من الحرير مرصعة بالجوهر، قائمة كل شطر منها ذهب خالص، وعلى كلّ فيل مرتبة حرير مرصعة بالجواهر، ويركب السلطان فيلا منها، وترفع أمامه الغاشية، وهي ستارة سرجه «١٧» ، وتكون مرصعة بأنفس الجواهر ويمشي بين يديه عبيده ومماليكه وكل واحد منهم تكون على رأسه شاشية ذهب وعلى وسطه منطقة ذهب، وبعضهم يرصعها بالجوهر ويمشي بين يديه
стр. 751
أيضا النقباء، وهم نحو ثلاثمائة، وعلى رأس كل واحد منهم أقروف «١٨» ذهب، وعلى وسطه منطقة ذهب، وفي يده مقرعة نصابها ذهب.
ويركب قاضي القضاة صدر الجهان كمال الدين الغزنوي، وقاضي القضاة صدر الجهان ناصر الدين الخوارزمي «١٩» ، وسائر القضاة وكبار الأعزة من الخراسانيين والعراقيين والشاميين والمصريين والمغاربة «٢٠» ، كل واحد منهم على فيل، وجميع الغرباء عندهم يسمون الخراسانيين، ويركب المؤذنون أيضا على الفيلة وهم يكبرون، ويخرج السلطان من باب القصر على هذا الترتيب، والعساكر تنتظره، كل أمير بفوجه على حدة، معه طبوله وأعلامه فيقدم السلطان وأمامه من ذكرناه من المشاة، وأمامهم القضاة والمؤذنون يذكرون الله تعالى، وخلف السلطان مراتبه «٢١» ، وهي الأعلام والطبول والأبواق والأنفار والصّرنايات، وخلفهم جميع أهل دخلته، ثم يتلوهم أخو السلطان مبارك خان «٢٢» بمراتبه وعساكره، ثم يليه ابن أخ السلطان بهرام خان «٢٣» بمراتبه وعساكره، ثم يليه ابن عمه ملك فيروز بمراتبه وعساكره، ثم يليه الوزير بمراتبه وعساكره، ثم يليه الملك مجير بن ذي الرجا «٢٤» بمراتبه وعساكره ثم يليه الملك الكبير قبولة بمراتبه وعساكره.
وهذا الملك كبير القدر عنده، عظيم الجاه، كثير المال، اخبرني صاحب ديوانه، ثقة الملك علاء الدين على المصري المعروف بابن الشّرابشي أن نفقته ونفقة عبيده ومرتباتهم ستة وثلاثون لكا في السنة «٢٥» .
стр. 752
ثم يليه الملك نكبيه «٢٦» بمراتبه وعساكره، ثم يليه الملك بغرة بمراتبه وعساكره ثم يليه الملك مخلص بمراتبه وعساكره «٢٧» ، ثم يليه الملك قطب الملك بمراتبه وعساكره، وهؤلاء هم الأمراء الكبار الذين لا يفارقون السلطان وهم الذين يركبون معه يوم العيد بالمراتب، ويركب غيرهم من الأمراء دون مراتب.
وجميع من يركب في ذلك اليوم يكون مدرّعا هو وفرسه، وأكثرهم مماليك السلطان فإذا وصل السلطان إلى باب المصلى وقف على بابه وأمر بدخول القضاة وكبار الأمراء وكبار الأعزة، ثم نزل السلطان، ويصلي الإمام ويخطب فإن كان عيد الأضحى أتى السلطان بجمل فنحره برمح يسمونه النّيزة، بكسر النون وفتح الزاي، بعد أن يجعل على ثيابه فوطة حرير توقيا من الدم ثم يركب الفيل يعود إلى قصره.
ذكر جلوسه يوم العيد وذكر المبخرة العظمى والسرير الأعظم
ويفرش القصر يوم العيد ويزين بأبدع الزينة وتضرب الباركة «٢٨» على المشور كله، وهي خيمة عظيمة تقوم على أعمدة ضخام كثيرة وتحفها القباب من كل ناحية، ويصنع شبه أشجار من حرير ملون فيها شبه الأزهار، ويجعل منها ثلاثة صفوف بالمشور، ويجعل بين كل شجرتين كرسي ذهب عليه مرتبة مغطاة وينصب السرير الأعظم في صدر المشور، وهو من الذهب الخالص كله، مرصع القوائم بالجواهر، وطوله ثلاثة وعشرون شبرا وعرضه نحو النصف من ذلك، وهو منفصل وتجمع قطعه فتتصل، وكل قطعة منه يحملها جملة رجال لثقل الذهب وتجعل فوقه المرتبة ويرفع الشطر المرصع بالجواهر على رأس السلطان.
وعند ما يصعد على السرير ينادي الحجاب والنقباء بأصوات عالية: بسم الله، ثم يتقدم الناس للسلام، فأولهم القضاة والخطباء والعلماء والمشايخ وإخوة السلطان وأقاربه وأصهاره، ثم الأعزة، ثم الوزير ثم أمراء العساكر، ثم شيوخ المماليك، ثم كبار الأجناد، يسلم واحد إثر واحد من غير تزاحم ولا تدافع.
ومن عوائدهم في يوم العيد أن كل من بيده قرية منعم بها عليه يأتي بدنانير ذهب مصرورة في خرقة مكتوبا عليها اسمه فيلقيها في طست ذهب هنالك، فيجتمع منها مال عظيم يعطيه السلطان لمن شاء! فإذا فرغ الناس من السلام وضع لهم الطعام على حسب مراتبهم.
стр. 753
وينصب في ذلك اليوم المبخرة العظمى وهي شبه برج من خالص الذهب منفصلة، فإذا أرادوا اتصالها وصلوها، وتحمل القطعة الواحدة منها جملة من الرجال، وفي داخلها ثلاثة بيوت يدخل فيها المبخرون يوقدون العود القمارى، «٢٩» والقاقلى «٣٠» ، والعنبر الأشهب والجاوي «٣١» ، حتى يعم دخانها المشور كله!! ويكون بأيدي الفتيان براميل الذهب والفضة مملوة بماء الورد وماء الزهر يصبونه على الناس صبا، وهذا السرير وهذه المبخرة لا يخرجان إلا في العيدين خاصة، ويجلس السلطان في بقية أيام العيد على سرير ذهب دون ذلك وتنصب باركة بعيدة «٣٢» ، لها ثلاثة أبواب يجلس السلطان في داخلها ويقف على الباب الأول منها عماد الملك سرتيز «٣٣» ، وعلى الباب الثاني الملك نكبية وعلى الباب الثالث يوسف بغرة ويقف عن اليمين أمراء المماليك السّلحدارية، وعن اليسار كذلك، ويقف الناس على مراتبهم وشحنة الباركة ملك طغي بيده عصا ذهب وبيد نائبه عصا فضة يرتبان الناس ويسويان الصفوف، ويقف الوزير والكتاب خلفه ويقف الحجاب والنقباء، ثم يأتي أهل الطرب فأولهم بنات ملوك الكفار من الهنود المسبيات في تلك السنة فيغنين ويرقصن ويهبهن السلطان للأمراء والأعزة! ثم يأتي بعدهن سائر بنات الكفار فيغنين و ١٦١١٥٩ ١٦١ ويهبهن لإخوانه وأقاربه وأصهاره وأبناء الملوك! ويكون جلوس السلطان لذلك بعد العصر، ثم يجلس في اليوم الذي بعده بعد العصر أيضا على ذلك الترتيب، ويوتي بالمغنيات فيغنين ويرقصن ويهبهن الأمراء المماليك! وفي اليوم الثالث يزوج أقاربه وينعم عليهم، وفي اليوم الرابع يعتق العبيد، وفي اليوم الخامس يعتق الجواري وفي اليوم السادس يزوج العبيد بالجواري، وفي اليوم السابع يعطي الصدقات ويكثر منها.
стр. 754
ذكر ترتيبه إذا قدم من سفره
وإذا قدم السلطان من أسفاره زينت الفيلة ورفعت على ستة عشر فيلا منها ستة عشر شطرا، منها مزركش، ومنها مرصع، وحملت أمامه الغاشية وهي الستارة المرصعة بالجوهر النفيس، وتصنع قباب من الخشب مقسومة على طبقات، وتكسى بثياب الحرير، ويكون في كل طبقة الجواري المغنيات عليهن أجمل لباس وأحسن حلية، ومنهن رواقص ويجعل في وسط كل قبة حوض كبير مصنوع من الجلود مملو بماء الجلّاب محلولا بالماء يشرب منه جميع الناس من وارد وصادر وبلدي أو غريب، وكل من يشرب منه يعطي التنبول والفوفل.
ويكون ما بين القباب مفروشا بثياب الحرير يطأ عليها مركب السلطان وتزين حيطان الشارع الذي يمر به من باب المدينة إلى باب القصر بثياب الحرير، ويمشي أمامه المشاة من عبيده وهم آلاف، وتكون الأفواج والعساكر خلفه.
ورأيت في بعض قدماته على الحضرة وقد نصبت ثلاث أو أربع من الرعادات الصغار على الفيلة ترمي بالدنانير والدراهم على الناس فيلتقطونها من حين دخوله إلى المدينة حتى وصل إلى قصره «٣٤» .
ذكر ترتيب الطعام الخاص
والطعام بدار السلطان على صنفين: طعام الخاص وطعام العام، فأما الخاص فهو طعام السلطان الذي يأكل منه، وعادته أن يأكل في مجلسه مع الحاضرين، ويحضر لذلك الأمراء الخواص وأمير حاجب ابن عم السلطان، وعماد الملك سرتيز وأمير مجلس، ومن شاء السلطان تشريفه أو تكريمه من الأعزة أو كبار الأمراء دعاه، فأكل معهم، وربما أراد أيضا تشريف أحد من الحاضرين فأخذ إحدى الصحاف بيده وجعل عليها خبزة ويعطيه إياها، فيأخذها المعطى ويجعلها على كفه اليسرى، ويخدم بيده اليمنى إلى الأرض، وربما بعث من ذلك الطعام إلى من هو غائب عن المجلس فيخدم كما يصنع الحاضر ويأكله مع من حضره. وقد حضرت مرات لهذا الطعام الخاص فرأيت جملة الذين يحضرون له نحو عشرين رجلا.
стр. 755
ذكر ترتيب الطعام العام
وأما الطعام العام فيوتى به من المطبخ وأمامه النقباء يصيحون: بسم الله، ونقيب النقباء أمامهم بيده عمود ذهب، ونائبه معه بيده عمود فضة، فإذا دخلوا من الباب الرابع وسمع من بالمشور أصواتهم قاموا قياما أجمعين ولا يبقى أحد قاعدا إلا السلطان وحده، فإذا وضع الطعام بالأرض اصطف النقباء صفا ووقف أميرهم أمامهم وتكلم بكلام يمدح فيه السلطان ويثني عليه، ثم يخدم النقباء لخدمته، ويخدم جميع من بالمشور من كبير وصغير.
وعادتهم أنه من سمع كلام نقيب النقباء حين ذلك وقف إن كان ماشيا ولزم موقفه إن كان واقفا ولا يتحرك أحد ولا يتزحزح عن مقامه حتى يفرغ ذلك الكلام، ثم يتكلم أيضا نائبه كلاما نحو ذلك ويخدم ويخدم النقباء وجميع الناس مرة ثانية، وحينئذ يجلسون ويكتب كتّاب الباب معرّفين بحضور الطعام، وإن كان السلطان قد علم بحضوره ويعطى المكتوب لصبي من أبناء الملوك موكل بذلك، فيأتي به إلى السلطان، فإذا قرأه عين من شاء من كبار الأمراء لترتيب الناس وإطعامهم.
وطعامهم الرقاق والشواء والأقراص ذات الجوانب المملوّة بالحلواء، والأرز، والدجاج والسموسك «٣٥» .
وقد ذكرنا ذلك وفسرنا ترتيبه. وعادتهم أن يكون في صدر سماط الطعام القضاة والخطباء والفقهاء والشرفاء والمشايخ، ثم أقارب السلطان ثم الأمراء الكبار ثم سائر الناس، ولا يقعد أحد إلا في موضع معين له فلا يكون بينهم تزاحم البتة. فإذا جلسوا أتى الشّربداريّة، وهم السقاة بأيديهم أواني الذهب والفضة والنحاس والزجاج مملوة بالنبات المحلول بالماء فيشربون ذلك قبل الطعام، فإذا شربوا، قال الحجاب: بسم الله، ثم يشرعون في الأكل ويجعل أمام كل إنسان من جميع ما يحتوي عليه السماط يأكل منه وحده، ولا يأكل أحد مع أحد في صحفة واحدة، فإذا فرغوا من الأكل أتوا بالفقاع «٣٦» في أكواز القصدير فإذا أخذوه قال الحجاب: بسم الله، ثم يوتى بأطباق التنبول والفوفل فيعطي كل إنسان غرفة من الفوفل المهشوم وخمس عشرة ورقة من التنبول مجموعة مربوطة بخيط حرير أحمر، فإذا أخذ الناس التنبول قال الحجاب: بسم الله، فيقومون جميعا ويخدم الأمير المعين للإطعام،
стр. 756
ويخدمون لخدمته، ثم ينصرفون، وطعامهم مرتان في اليوم إحداهما قبل الظهر والأخرى بعد العصر.
ذكر بعض أخباره في الجود والكرم
وإنما أذكر منها ما حضرته وشاهدته وعاينته، ويعلم الله تعالى صدق ما أقول، وكفى به شهيدا مع أن الذي أحكيه مستفيض متواتر، والبلاد التي تقرب من أرض الهند كاليمن وخراسان وفارس مملوة بأخباره يعلمونها حقيقة ولا سيما جوده على الغرباء فإنه يفضلهم على أهل الهند، ويؤثرهم ويجزل لهم الإحسان ويسبغ عليهم الإنعام ويوليهم الخطط الرفيعة ويوليهم المواهب العظيمة، ومن إحسانه إليهم أن سماهم الأعزة ومنع من أن يدعون الغرباء وقال: إن الإنسان إذا دعى غريبا انكسر خاطره وتغير حاله وسأذكر بعضا مما يحصى «٣٧» من عطاياه الجزيلة ومواهبه إن شاء الله تعالى.
ذكر عطائه لشهاب الدين الكازروني التاجر وحكايته
كان شهاب الدين هذا صديقا لملك التجار الكازروني الملقب ببرويز، وكان السلطان قد اقطع ملك التجار مدينة كنباية، ووعده أن يوليه الوزارة فبعث إلى صديقه شهاب الدين ليقدم عليه، فأتاه، وأعدّ هدية للسلطان وهي سراجة من الملفّ المقطوع المزين بورقة الذهب، وصيوان مما يناسبها، وخباء وتابع، وخبا «٣٨» راحة، كل ذلك من الملف المزين وبغال كثيرة، فلما قدم شهاب الدين بهذه الهدية على صاحبه ملك التجار وجده آخذا في القدوم على الحضرة بما اجتمع عنده من مجابي بلاده وبهدية للسلطان.
وعلم الوزير خواجة جهان بما وعده به السلطان من ولاية الوزارة فغار من ذلك، وقلق بسببه، وكانت بلاد كنباية والجزرات قبل تلك المدة في ولاية الوزير، ولأهلها تعلق بجانبه وانقطاع إليه، وتخدّم له، وأكثرهم كفار وبعضهم عصاة يمتنعون بالجبال، فدس الوزير إليهم أن يضربوا على ملك التجار إذا خرج إلى الحضرة، فلما خرج بالخزائن والأموال ومعه شهاب الدين بهديته نزلوا يوما عند الضحى على عادتهم، وتفرقت العساكر، ونام أكثرهم فضرب عليهم الكفار في جمع عظيم، فقلتوا ملك التجار وسلبوا الأموال والخزائن وهدية
стр. 757
شهاب الدين ونجا هو بنفسه، وكتب المخبرون إلى السلطان بذلك فأمر أن يعطي شهاب الدين من مجبي بلاد نهروالة «٣٩» ثلاثين ألف دينار ويعود إلى بلاده، فعرض عليه ذلك، فأبى من قبوله، وقال: ما قصدي إلا رؤية السلطان وتقبيل الأرض بين يديه، فكتبوا إلى السلطان بذلك، فأعجبه قوله وأمر بوصوله إلى الحضرة مكرما.
وصادف يوم دخوله على السلطان يوم دخولنا نحن عليه، فخلع علينا جميعا وأمر بإنزالنا وأعطى شهاب الدين عطاء جزيلا، فلما كان بعد ذلك أمر بستة آلاف تنكه كما سنذكره، وسأل في ذلك اليوم عن شهاب الدين: أين هو؟ فقال له بهاء الدين بن الفلكي:
ياخوند عالم نميدانم معناه. ما ندري، ثم قال له: شنيدم، زحمت داره معناه سمعت أن به مرضا، فقال له السلطان بروهمين زمان، در خزانة يك لك تنكه، زريكري وبيش أوببري تادل أو خش شود، معناه: إمش الساعة إلى الخزانة وخذ منها مائة ألف تنكه من الذهب واحملها إليه حتى يبقى خاطره طيبا، ففعل ذلك، فأعطاه إياها، وأمر السلطان أن يشترى بها ما أحب من السلع الهندية ولا يشتري أحد من الناس شيئا حتى يتجهز هو، وأمر له بثلاثة مراكب مجهزة من آلاتها، ومن مرتّب البحرية وزادهم ليسافر فيها، فسافر ونزل بجزيرة هرمز وبنى بها دارا عظيمة، رايتها بعد ذلك.
ورأيت أيضا شهاب الدين وقد فنى جميع ما كان عنده وهو بشيراز يستجدي سلطانها أبا اسحاق وهكذا مال هذه البلاد الهندية! قلما يخرج أحد به منها إلا النادر، وإذا خرج به ووصل إلى غيرها من البلاد بعث الله عليه آفة تفني ما بيده كمثل ما اتفق لشهاب الدين هذا فإنه أخذ له في الفتنة التي كانت بين ملك هرمز وابني أخيه جميع ما عنده وخرج سليبا من ماله!!
стр. 758
ذكر عطائه لشيخ الشيوخ ركن الدين
وكان السلطان قد بعث هدية إلى الخليفة بديار مصر أبي العباس، وطلب له أن يبعث له أمر التقدمة على بلاد الهند والسند اعتقادا منه في الخلافة «٤٠» فبعث إليه الخليفة أبو العباس ما طلبه مع شيخ الشيوخ بديار مصر ركن الدين، فلما قدم عليه بالغ إكرامه وأعطاه عطاء جزلا، وكان يقوم له متى دخل عليه ويعظمه، ثم صرفه وأعطاه أموالا طائلة.
وفي جملة ما أعطاه جملة من صفائح الخيل ومساميرها، كل ذلك من الذهب الخاص، وقال له: إذا نزلت من البحر فأنعل أفراسك بها، فتوجه إلى كنباية ليركب البحر منها إلى بلاد اليمن فوقعت قضية خروج القاضي جلال الدين وأخذه مال ابن الكولمي فأخذ أيضا ما كان لشيخ الشيوخ، وفر بنفسه مع ابن الكولميّ إلى السلطان، فلما رءاه السلطان قال له مما زحا: آمدي كزر بري بادكري صنم خري زرنبري وسرنهي: معناه جئت لتحمل الذهب تاكله مع الصور الحسان، فلا تحمل ذهبا، ورأسك تخليه هاهنا، قال له ذلك على معنى الانبساط، ثم قال له: اجمع خاطرك فيها أنا سائر إلى المخالفين، وأعطيك أضعاف ما أخذوه لك.
وبلغني بعد انفصالي عن بلاد الهند أنه وفّى له بما وعده وأخلف له جميع ما ضاع منه وأنه وصل بذلك إلى ديار مصر.
ذكر عطائه للواعظ الترمذي ناصر الدين
وكان هذا الفقيه الواعظ قدم على السلطان وأقام تحت إحسانه مدة عام ثم أحب الرجوع إلى وطنه فأذن له في ذلك، ولم يكن سمع كلامه ووعظه، فلما خرج السلطان يقصد بلاد المعبر «٤١» أحب سماعه قبل انصرافه فأمر أن يهيّأ له منبر من الصندل الأبيض
стр. 759
المقاصريّ «٤٢» وجعلت مساميره وصفائحه من الذهب وألصق بأعلاه حجر ياقوت عظيم، وخلع على ناصر الدين خلعة عباسية سوداء «٤٣» مذهبة مرصعة بالجوهر وعمامة مثلها ونصب له المنبر بداخل السراجة وهي أفراج، وقعد السلطان على سريره والخواص عن يمينه ويساره وأخذ القضاة والفقهاء والأمراء مجالسهم، فخطب خطبة بليغة ووعظ وذكّر، ولم يكن فيما فعله طائل! لاكن سعادته ساعدته! فلما نزل عن المنبر قام السلطان إليه وعانقه وأركبه على فيل وأمر جميع من حضر أن يمشوا بين يديه، وكنت في جملتهم، إلى سراجة ضربت له مقابلة سراجة السلطان، جميعها من الحرير الملون وصيوانها من الحرير، وخباؤها أيضا كذلك فجلس وجلسنا معه «٤٤» .
وكان بجانب من السراجة أواني الذهب التي أعطاه السلطان إياها، وذلك تنّور كبير بحيث يسع في جوفه الرجل القاعد، وقدران اثنان وصحاف لا أذكر عددها، وجملة أكواز وركوة وتميسندة، ومائدة لها أربعة أرجل، ومحمل للكتب، كل ذلك من ذهب خالص، ورفع عماد الدين السّمنانّي «٤٥» وتدين من أوتاد السراجة أحدهما نحاس والآخر مقصدر يوهم بذلك أنهما من ذهب وفضة، ولم يكونا إلا كما ذكرنا! وقد كان أعطاه حين قدومه مائة ألف دينار دراهم ومئين من العبيد سرّح بعضهم وحمل بعضهم.
ذكر عطائه لعبد العزيز الأردويلي .
وكان عبد العزيز هذا فقيها محدّثا قرأ بدمشق على تقي الدين بن تيمية وبرهان الدين بن البركح وجمال الدين المزي، وشمس الدين الذهبي «٤٦» وغيرهم، ثم قدم على السلطان فأحسن إليه وأكرمه.
واتفق يوما أنه سرد عليه أحاديث في فضل العباس وابنه رضى الله عنهما، وشيئا من مآثر الخلفاء أولادهما، فأعجب ذلك السلطان لحبه في بني العباس وقبل قدمي الفقيه
стр. 760
وأمر أن يوتي بصينية ذهب فيها ألفا تنكه فصبها عليه بيده، وقال: هي لك مع الصينية، وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم.
ذكر عطائه لشمس الدين الأندكانيّ
وكان الفقيه شمس الدين الأندكانيّ حكيما شاعرا مطبوعا فمدح السلطان بقصيدة باللسان الفارسي وكان عدد أبياتها سبعة وعشرين بيتا فأعطاه لكل بيت منها ألف دينار دراهم وهذا أعظم مما يحكى عن المتقدمين الدين كانوا يعطون على بيت شعر ألف درهم وهو عشر عطاء السلطان!
ذكر عطائه لعضد الدين الشّونكاري
وكان عضد الدين فقيها إماما فاضلا كبير القدر عظيم الصيت شهير الذكر ببلاده، فبلغت السلطان أخباره وسمع بمآثره فبعث إليه إلى بلده شونكارة «٤٧» عشرة آلاف دينار دراهم، ولم يره قط ولا وفد عليه.
ذكر عطائه للقاضي مجد الدين
ولما بلغه أيضا خبر القاضي العالم الصالح ذي الكرامة الشهيرة مجد الدين قاضي شيراز الذي سطرنا أخباره في السفر الأول «٤٨» ، وسيمر بعض خبره بعد هذا أيضا بعث إليه إلى مدينة شيراز صحبة الشيخ زاده الدمشقي عشرة آلاف دينار دراهم.
ذكر عطائه لبرهان الدين الصاغرجي
وكان برهان الدين أحد الوعاظ الأئمة، كثير الإيثار باذلا لما يملكه حتى إنه كثيرا ما ياخذ الديون ويؤثر على الناس، فبلغ خبره إلى السلطان فبعث إليه أربعين ألف دينار، وطلب منه أن يصل إلى حضرته فقبل الدنانير وقضى دينه، وتوجه إلى بلاد الخطا وأبى أن يصل
стр. 761
إليه وقال: لا أمضي إلى سلطان يقف العلماء بين يديه «٤٩»
ذكر عطائه لحاجي كاون وحكايته
وكان حاجي كاون ابن عم السلطان أبي سعيد ملك العراق وكان أخوه موسى ملكا ببعض بلاد العراق «٥٠» ، فوفد حاجي كاون على السلطان فأكرم مثواه وأعطاه العطاء الجزل، ورأيته يوما وقد أتى الوزير خواجه جهان بهديته وكان منها ثلاث صينيات إحداها مملوة يواقيت، والأخرى مملوة زمردا والأخرى مملوة جوهرا، وكان حاجي كاون حاضرا فأعطاه من ذلك حظا جزيلا ثم إنه أعطاه أيضا مالا عريضا، ومضى يريد العراق فوجد أخاه قد توفى. وولى مكانه سليمان «٥١» خان، فطلب إرث أخيه وادّعى الملك وبايعته العساكر وقصد بلاد فارس ونزل بمدينة شونكارة التي بها الإمام عضد الدين الذي تقدم ذكره آنفا، فلما نزل بخارجها تأخر شيوخها عن الخروج إليه ساعة ثم خرجوا، فقال لهم: ما منعكم عن تعجيل الخروج إلى مبايعتنا، فاعتذروا له، فلم يقبل منهم، وقال لأهل سلاحه: قلج تخار معناه جردوا السيوف، فجردوها وضربوا أعناقهم، وكانوا جماعة كبيرة، فسمع من يجاور هذه المدينة من الأمراء بما فعله، فغضبوا لذلك وكتبوا إلى شمس الدين السّمناني «٥٢» ، وهو من الأمراء الفقهاء الكبار فأعلموه بما جرى على أهل شونكارة، وطلبوا منه الإعانة على قتاله فتجرد في عساكره واجتمع أهل البلاد طالبين بثأر من قتله حاجي كاون من المشايخ، وضربوا على عسكره ليلا فهزموه وكان هو بقصر المدينة «٥٣» ، فأحاطوا به فاختفى في بيت الطهارة فعثروا عليه وقطعوا رأسه وبعثوا به إلى سليمان خان وفرقوا أعضاءه على البلاد تشفيا منه!
стр. 762
ذكر قدوم ابن الخليفة عليه وأخباره
وكان الأمير غياث الدين محمد بن عبد القاهر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المستنصر بالله العباسي البغدادي «٥٤» قد وفد على السلطان علاء الدين طرمشيرين ملك ما وراء النهر فأكرمه، وأعطاه الزاوية التي على قبر قثم بن العباس ﵄ «٥٥» واستوطن بها أعواما، ثم لما سمع بمحبة السلطان في بني العباس وقيامه بدعوتهم أحب القدوم عليه، وبعث له برسولين، أحدهما صاحبه القديم محمد بن أبي الشّرفي الحرباوي، والثاني محمد الهمداني الصوفي فقدما على السلطان، وكان ناصر الدين الترمذي، الذي تقدم ذكره، قد لقى غياث الدين ببغداد وشهد لديه البغداديون بصحة نسبه، فشهد هو عند السلطان بذلك فلما وصل رسولاه إلى السلطان أعطاهما خمسة آلاف دينار وبعث معهما ثلاثين ألف دينار إلى غياث الدين ليتزورد بها إليه وكتب له كتابا بخط يده يعظمه فيه ويسأل منه القدوم عليه.
فلما وصله الكتاب رحل إليه، فلما وصل إلى بلاد السند، وكتب المخبرون بقدومه بعث السلطان من يستقبله على العادة، ثم وصل إلى سرستي بعث أيضا لاستقباله صدر الجهان قاضي القضاة كمال الدين الغزنوي وجماعة من الفقهاء ثم بعث الأمراء لاستقباله فلما نزل بمسعود آباد خارج الحضرة خرج السلطان بنفسه لاستقباله فلما التقيا ترجّل غياث الدين فترجل له السلطان وخدم، فخدم له السلطان، وكان قد استصحب هدية في جملتها ثياب، فأخذ السلطان آحد الأثواب وجعله على كتفه، وخدم كما يفعل الناس معه. ثم قدمت الخيل، فأخذ السلطان أحدها بيده وقدمه له، وحلف أن يركب وامسك بركابه حتى ركب ثم ركب السلطان وسايره والشطر يظلهما معا. وأخذ التنبول بيده وأعطاه إياه، وهذا أعظم ما أكرمه به، فإنه لا يفعله مع واحد، وقال له: لولا أني بايعت الخليفة أبا العباس (٥٥) لبايعتك! فقال له غياث الدين وأنا أيضا على تلك البيعة، وقال له غياث الدين: قال رسول الله ﷺ تسليما: من أحيي أرضا مواتا فهي له، وأنت احييتنا، فجاوبه السلطان بألطف جواب وأبره.
стр. 763
ولما وصلا إلى السراجة المعدة لنزول السلطان أنزله فيها، وضرب للسلطان غيرها، وباتا تلك الليلة بخارج الحضرة، فلما كان بالغد دخلا إلى دار الملك وأنزله بالمدينة المعروفة بسيري، وبدار الخلافة أيضا في القصر الذي بناه علاء الدين الخلجي وابنه قطب الدين، وأمر السلطان جميع الأمراء أن يمضوا معه إليه وأعد له فيه جميع ما يحتاج إليه من أواني الذهب والفضة حتى كان من جملتها مغتسل يغتسل فيه من ذهب، وبعث له أربعمائة ألف دينار غسل الرأس على العادة، وبعث له جملة من الفتيان والخدم والجواري، وعين له عن نفقته في كل يوم ثلاثمائة دينار، وبعث له زيادة إليها عددا من الموائد بالطعام الخاص، وأعطاه جميع مدينة سيري إقطاعا وجميع ما احتوت عليه من الدور وما يتصل بها من بساتين المخزن وأرضه وأعطاه مائة قرية وأعطاه حكم البلاد الشرقية المضافة لدهلى وأعطاه ثلاثين بغلة بالسروج المذهبة ويكون علفها من المخزن، وأمره أن لا ينزل عن دابته إذا أتى دار السلطان إلا في موضع خاص لا يدخله أحد راكبا سوى السلطان وأمر الناس جميعا من كبير وصغير أن يخدموا له كما يخدمون للسلطان! وإذا دخل على السلطان ينزل له عن سريره، وإن كان على الكرسي قام قائما وخدم كل واحد منهما لصاحبه، ويجلس مع السلطان على بساط واحد، وإذا قام قام السلطان لقيامه وخدم كل واحد منهما، وإذا انصرف إلى خارج المجلس جعل له بساط يقعد عليه ما شاء، ثم ينصرف، يفعل هذا مرتين في اليوم.
حكاية من تعظيمه إياه
وفي أثناء مقامه بدهلى قدم الوزير من بلاد بنجالة فأمر السلطان كبار الأمراء أن يخرجوا إلى استقباله ثم خرج بنفسه إلى استقباله وعظمه تعظيما كثيرا وصنعت القباب بالمدينة كما تصنع للسلطان إذا قدم وخرج ابن الخليفة للقائه أيضا والفقهاء والقضاة والأعيان، فلما عاد السلطان لقصره قال للوزير: امض إلى دار المخدوم زاده، وبذلك يدعوه، ومعنى ذلك ابن المخدوم، فسار الوزير إليه، وأهدى له ألفي تنكة من الذهب وأثوابا كثيرة وحضر الأمير قبولة وغيره من كبار الأمراء وحضرت أنا لذلك.
حكاية نحوها [عن لطف السلطان وكرمه]
وفد على السلطان ملك غزنة المسمّى ببهرام «٥٦» وكان بينه وبين ابن الخليفة عداوة
стр. 764
قديمة فأمر السلطان بإنزاله ببعض دور مدينة سيري التي لابن الخليفة، وأمر أن تبنى له بها دار، فبلغ ذلك ابن الخليفة فغضب منه ومضى إلى دار السلطان فجلس على البساط الذي عادته الجلوس عليه، وبعث عن الوزير فقال له: سلم على خوند عالم، وقل له إن جميع ما أعطانيه هو بمنزلي لم أتصرف في شيء منه بل زاد عندي ونما وأنا أقيم معكم، وقام وانصرف! فسأل الوزير بعض أصحابه عن سبب هذا، فاعلمه أن سببه أمر السلطان ببناء الدار لملك غزنة في مدينة سيري، فدخل الوزير على السلطان فأعلمه بذلك فركب من حينه في عشرة من ناسه وأتى منزل ابن الخليفة فاستأذن عليه ونزل عن فرسه خارج القصر حيث ينزل الناس فتلقاه واعتذر له، فقبل عذره. وقال له السلطان: والله ما أعلم أنك راض عني حتى تضع قدمك على عنقي! فقال له: هذا ما لا أفعله ولو قتلت، فقال له السلطان وحق رأسي لا بد لك من ذلك! ثم وضع رأسه في الأرض وأخذ الملك الكبير قبولة رجل ابن الخليفة بيده فوضعها على عنق السلطان ثم قام وقال: الآن علمت أنك راض عني وطاب قلبي! وهذه حكاية غريبة لم يسمع بمثلها عن ملك، ولقد حضرته يوم عيد وقد جاءه الملك الكبير بثلاث خلع من عند السلطان مفرّجة، قد جعل مكان عقد الحرير التي تغلق بها حبات جوهر في قدر البندق الكبير، وأقام الملك الكبير ببابه حتى نزل من قصره، فكساه إياها والذي أعطاه هو مالا يحصره العد ولا يحيط به الحد، وابن الخليفة مع ذلك كلّه أبخل خلق الله تعالى! وله في البخل أخبار عجيبة يعجب منها سامعها وكأنه كان من البخل بمنزلة السلطان من الكرم ولنذكر بعض أخباره في ذلك.
حكايات من بخل ابن الخليفة
وكانت بيني وبينه مودة، وكنت كثير التردد إلى منزله، وعنده تركت ولدا لي سميته أحمد لما سافرت، ولا أدري ما فعل الله به «٥٧» ، فقلت له يوما: لم تأكل وحدك ولا تجمع أصحابك على الطعام؟ فقال لي: لا أستطيع أن أنظر إليهم على كثرتهم وهم ياكلون طعامي! فكان يأكل وحده ويعطي صاحبه محمد بن أبي الشرفي من الطعام لمن أحب ويتصرف في باقيه!!
стр. 765
وكنت أتردد إليه فأرى دهليز قصره الذي يسكن به مظلما لا سراج به. ورأيته مرارا يجمع الاعواد الصغار من الحطب بداخل بستانه، وقد ملأ منها مخازن، فكلمته في ذلك، فقال لي: يحتاج إليها.
وكان يخدم أصحابه ومماليكه وفتيانه في خدمة البستان وبنائه ويقول: لا أرضى أن ياكلوا طعامي وهم لا يخدمون. وكان عليّ مرة دين، فطلبت به فقال لي في بعض الأيام:
والله قد هممت أن أؤدى عنك دينك فلم تسمح نفسي بذلك ولا ساعدتني عليه!!
حكاية [ عن شحه]
حدّثني مرة قال: خرجت من بغداد وأنا رابع أربعة: أحدهم محمد بن أبي الشرفي صاحبه، ونحن على أقدامنا ولا زاد عندنا، فنزلنا على عين ماء ببعض القرى فوجد أحدنا في العين درهما، فقلنا: وما نصنع بدرهم؟ فاتفقنا على أن نشتري به خبزا فبعثنا أحدنا لشرائه، فأبى الخباز بتلك القرية أن يبيع الخبز وحده وإنما يبيع خبزا بقيراط وتبنا بقيراط، فاشترى منه الخبز والتبن فطرحنا التّبن إذ لا دابة لنا تأكله، وقسمنا الخبز لقمة لقمة! وقد انتهى حالي اليوم إلى ما تراه، فقلت له: ينبغي أن تحمد الله على ما أولاك وتؤثر على الفقراء والمساكين وتتصدق، فقال: لا أستطيع ذلك! ولم أره قط يجود بشيء ولا يفعل معروفا، ونعوذ بالله من الشح!
حكاية
كنت يوما ببغداد بعد عودتي من بلاد الهند وأنا قاعد على باب المدرسة المستنصرية التي بناها جده أمير المؤمنين المستنصر «٥٨» ، ﵁، فرأيت شابا. ضعيف الحال يشتد خلف رجل خارج عن المدرسة، فقال لي بعض الطلبة: هذا الشاب الذي تراه هو ابن الأمير محمد حفيد الخليفة المستنصر الذي ببلاد الهند، فدعوته، فقلت له، إني قدمت من بلاد الهند وأني أعرفك بخبر أبيك!! فقال: قد جاءني خبره في هذه الأيام، ومضى يشتد خلف الرجل، فسألت عن الرجل فقيل لي: هو الناظر في الحبس، وهذا الشاب هو إمام ببعض المساجد، وله على ذلك أجرة درهم واحد في اليوم، وهو يطلب أجرته من الرجل، فطال عجبي منه، والله لو بعث إليه جوهرة من الجواهر التي في الخلع الواصلة إليه من السلطان لأغناه بها، ونعوذ بالله من مثل هذه الحال.
стр. 766
ذكر ما أعطاه السلطان للأمير سيف الدين غدا بن هبة الله بن مهنّى أمير عرب الشام .
ولما قدم هذا الأمير «٥٩» على السلطان أكرم مثواه وأنزله بقصر السلطان جلال الدين داخل مدينة دهلى، ويعرف بكشك لعل، ومعناه القصر الأحمر، وهو قصر عظيم فيه مشور كبير جدا ودهليز هائل، على بابه قبة «٦٠» تشرف على هذا المشور، وعلى المشور الثاني الذي يدخل منه إلى القصر، وكان السلطان جلال الدين يقعد بها وتلعب الكرة بين يديه في هذا المشور، وقد دخلت هذا القصر عند نزوله به فرأيته مملوا أثاثا وفرشا وبسطا وغيرها، وذلك كله متمزق، لا منتفع فيه، فإن عادتهم بالهند أن يتركوا قصر السلطان إذا مات بجميع ما فيه لا يعرضون له ويبنى المتولي بعده قصرا لنفسه، ولما دخلته طفت به وصعدت إلى أعلاه، فكانت لي فيه عبرة نشأت عنها عبرة وكان معي الفقيه الطيب الأديب جمال الدين المغربي الغرناطي الأصل البجائي المولد، مستوطن بلاد الهند قدمها مع أبيه، وله بها أولاد، فانشدني عند ما عايناه،
سلاطينهم سل الطّين عنهم ... فالرؤوس العظام صارت عظاما! «٦١»
وبهذا القصر كانت وليمة عرسه كما نذكره، وكان السلطان شديد المحبة في العرب مؤثرا لهم معترفا بفضائلهم فلما وصله الأمير أجزل له العطاء وأحسن إليه إحسانا عظيما، وأعطاه مرة، وقد قدمت عليه، هدية أعظم ملك البايزيدي «٦٢» من بلاد مانكبور أحد عشر فرسا من عتاق الخيل وأعطاه مرة أخرى عشرة من الخيل مسرجة بالسروج المذهبة عليها اللجم المذهّبة ثم زوجه بعد ذلك بأخته فيروز خوندة.
ذكر تزوج الأمير سيف الدين بأخت السلطان
ولما أمر السلطان بتزويج أخته للأمير غدا عيّن للقيام بشأن الوليمة ونفقاتها الملك فتح
стр. 767
الله المعروف بشونويس، بشين معجم مفتوح وواوين أولهما مسكن والآخر مسكور بينهما نون وآخره سين مهمل، وعيّنني لملازمة الأمير غذا والكون معه في تلك الأيام، فأتى الملك فتح الله بالصّيوانات فظلل بها المشورين بالقصر الأحمر المذكور، وضرب في كل واحد منهما قبة ضخمة جدا وفرش ذلك بالفرش الحسان، وأتى شمس الدين التبريزي أمير المطربين ومعه الرجال المغنون والنساء المغنيات والرواقص وكلهن مماليك السلطان، وأحضر الطباخين والخبازين والشوائين والحلوانّيين والشّربدارية والتنبول داران، وذبحت الأنعام والطيور، وأقاموا يطعمون الناس خمسة عشر يوما ويحضر الأمراء الكبار والأعزة ليلا ونهارا.
فلما كان قبل ليلة الزفاف بليلتين جاء الخواتين من دار السلطان ليلا إلى هذا القصر فزينه وفرّشنه بأحسن الفرش واستحضرن الأمير سيف الدين وكان عربيا غريبا لا قرابة له فحففن به، وأجلسنه على مرتبة معينة له، وكان السلطان قد أمر أن تكون ربيبته أم أخيه مبارك خان مقام أم الأمير غدا، وأن تكون امرأة أخرى من الخواتين مقام أخته وأخرى مقام عمته وأخرى مقام خالته حتى يكون كأنه بين أهله «٦٣» !! ولما أجلسنه على المرتبة جعلن له الحناء في يديه ورجليه «٦٤» ، وقام باقيهن على رأسه يغنّين ويرقصن، وانصرفن إلى قصر الزفاف وأقام هو مع خواص أصحابه، وعين السلطان جماعة من الأمراء يكونون من جهته وجماعة يكونون من جهة الزوجة، وعادتهم أن تقف الجماعة التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به جلوتها على زوجها، وياتي الزوج بجماعته فلا يدخلون إلا إن غلبوا أصحاب الزوجة أو يعطونهم الآلاف من الدنانير إن لم يقدروا عليهم!! ولما كان بعد المغرب أتي إليه بخلعة حرير زرقاء مزركشة مرصعة قد غلبت الجواهر عليها فلا يظهر لونها مما عليها من الجوهر، وبشاشية مثل ذلك، ولم أر قط مثل ذلك، ولم
стр. 768
أر قط خلعة أجمل من هذه الخلعة، وقد رأيت ما خلعه السلطان على سائر أصهاره مثل ابن ملك الملوك عماد الدين السّمناني، وابن ملك العلماء وابن شيخ الإسلام وابن صدر جهان البخاري، فلم يكن فيها مثل هذه.
ثم ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده، وفي يد كلّ واحد منهم عصى قد أعدها، وصنعوا شبه إكليل من الياسمين والنّسرين وريبول «٦٥» ، وله رفرف «٦٦» يغطي وجه المتكلل به وصدره، وأتوا به الأمير ليجعله على رأسه، فأبى من ذلك، وكان من عرب البادية، لا عهد له بأمور الملك والحضر! فحاولته وحلفت عليه حتى جعله على رأسه وأتى باب الصّرف ويسمونه باب الحرم «٦٧» ، وعليه جماعة الزوجة فحمل عليهم بأصحابه حملة عربية وصرعوا كل من عارضهم فغلبوا عليهم، ولم يكن لجماعة الزوجة من ثبات! وبلغ ذلك السلطان فأعجبه فعله، ودخل إلى المشور وقد جعلت العروس فوق منبر عال مزين بالديباج مرصع بالجوهر والمشور ملآن بالنساء والمطربات قد أحضرن أنواع الآلات المطربة وكلهنّ وقوف على قدم إجلالا له وتعظيما، فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر فنزل وخدم عند أول درجة منه، وقامت العروس قائمة حتى صعد فأعطته التنبول بيدها فأخذه وجلس تحت الدرجة التي وقفت بها، ونثرت دنانير الذهب على رؤوس الحاضرين من أصحابه، ولقطتها النساء والمغنيات يغنين حينئذ، والأطبال والأبواق والأنفار تضرب خارج الباب.
ثم قام الأمير وأخذ بيد زوجته ونزل وهي تتبعه، فركب فرسه يطأ به الفرش والبسط، ونثرت «٦٨» الدنانير عليه وعلى أصحابه، وجعلت العروس في محفة وحملها العبيد على أعناقهم إلى قصره، والخواتين بين يديها راكبات وغيرهن من النساء ماشيات، وإذا مرّوا بدار أمير أو كبير خرج إليهم ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قدر همته حتى أوصلوها إلى قصرها.
стр. 769
ولما كان بالغد بعثت العروس إلى جميع أصحاب زوجها الثياب والدنانير والدراهم، وأعطى السلطان لكل واحد منهم فرسا مسرجا ملجما وبدرة دراهم من ألف دينار إلى مائتي دينار، وأعطى الملك فتح الله للخواتين ثياب الحرير المنوعة والبدر، وكذلك لأهل الطرب، وعادتهم ببلاد الهند أن لا يعطي أحد شيئا لأهل الطرب، إنما يعطيهم صاحب العرس، وأطعم الناس جميعا ذلك اليوم، وانقضى العرس، وأمر السلطان أن يعطي الأمير غذا بلاد المالوة والجزرات وكنباية ونهروالة «٦٩» ، وجعل فتح الله المذكور نائبا عنه عليها، وعظّمه تعظيما شديدا، وكان عربيا جافيا، فلم يقدّر ذلك وغلب عليه جفاء البادية فأداه ذلك إلى النكبة بعد عشرين ليلة من زفافه!!
ذكر سجن الأمير غدا
ولما كان بعد عشرين يوما من زفافه اتفق أنه وصل إلى دار السلطان فأراد الدخول فمنعه أمير البرد داريّه «٧٠» ، وهم الخواص من البوابين، فلم يسمع منه وأراد التقحّم فامسك البواب بدبّوقته، وهي الضّفيرة، ورده، فضربه الأمير بعصى كانت هنالك حتى أدماه! وكان هذا المضروب من كبار الأمراء يعرف أبوه بقاضي غزنة، وهو من ذرية السلطان محمود بن سبكتكين، والسلطان يخاطبه بالأب ويخاطب ابنه هذا بالأخ، فدخل على السلطان والدم على ثيابه، فأخبره بما صنع الأمير غذا ففكر السلطان هنيهة، ثم قال له: القاضي يفصل بينكما، وتلك جريمة لا يغفرها السلطان لأحد من ناسه، ولا بد من الموت عليها، وإنما احتملته لغربته!! وكان القاضي كمال الدين بالمشور، فأمر السلطان الملك تترأن «٧١» يقف معهما عند القاضي، وكان تتر حاجّا مجاورا يحسن العربية، فحضر معهما، وقال للأمير: أنت ضربته أو قل لا! قصد أن يعلّمه الحجّة، وكان سيف الدين جاهلا مغترا، فقال: نعم أنا ضربته، وأتى والد المضروب فرام الإصلاح بينهما، فلم يقبل سيف الدين، فأمر القاضي
стр. 770
بسجنه تلك الليلة، فو الله ما بعثت له زوجته فراشا ينام عليه، ولا سألت عنه خوفا من السلطان، وخاف أصحابه فودعوا أموالهم! وأردت زيارته بالسجن، فلقيني بعض الأمراء وفهم عني أني أريد زيارته، فقال لي:
أو نسيت؟ وذكرني بقضية اتفقت لي في زيارة الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام، وكيف أراد السلطان قتلي على ذلك حسبما يقع ذكره «٧٢» فرجعت ولم أزوره! وتخلص الأمير غذا عند الظهر من سجنه، فأظهر السلطان إهماله، وأضرب عما كان أمر له بولايته وأراد نفيه! وكان للسلطان صهر يسمى بمغيث ابن ملك الملوك (٧٢) ، وكانت أخت السلطان تشكوه لأخيها إلى أن ماتت، فذكر جواريها أنها ماتت بسبب قهره لها، وكان في نسبه مغمز، فكتب السلطان بخطه: يجلى اللقيط، يعنيه، ثم كتب: ويجلى موش خوار، معناه: آكل الفئران! يعني بذلك الأمير غذا، لأن عرب البادية يأكلون اليربوع وهو شبه الفأر «٧٣» ! وأمر بإخراجهما، فجاءه النقباء ليخرجوه، فأراد دخول داره ووداع أهله، فترادف النقباء في طلبه، فخرج باكيا! وتوجهت حين ذلك إلى دار السلطان فبتّ بها فسألني عن مبيتي بعض الأمراء، فقلت له جئت لأتكلم في الأمير سيف الدين حتى يرد ولا ينفي، فقال: لا يكون ذلك، فقلت له: والله لأبيتنّ بدار السلطان ولو بلغ مبيتي مائة ليلة حتى يردّ، فبلغ ذلك السلطان فأمر برده وأمره أن يكون في خدمة الأمير ملك قبولة اللّاهوريّ، فأقام أربعة أعوام في خدمته يركب لركوبه ويسافر لسفره حتى تأدّب وتهذب! ثم أعاده السلطان إلى ما كان عليه أولا وأقطعه البلاد وقدمه على العساكر ورفع قدره.
ذكر تزويج السلطان بنتي وزيره لابني خذاوند زاده، قوام الدين الذي قدم معنا عليه .
ولما قدم خذاوند زاده أعطاه السلطان عطاءا جزلا وأحسن إليه إحسانا عظيما وبالغ في إكرامه «٧٤» ثم زوج ولديه من بنتي الوزير خواجة جهان، وكان الوزير اذ ذاك غائبا فأتى
стр. 771
السلطان إلى داره ليلا وحضر عقد النكاح كأنه نائب عن الوزير، ووقف حتى قرأ قاضي القضاة الصداق، والقضاة والأمراء والمشايخ قعود، وأخذ السلطان بيده الأثواب والبدر فجعلها بين يدي القاضي وولدى خذاوند زاده، وقام الأمراء وأبوه أن يجعل السلطان ذلك بين أيديهم بنفسه فأمرهم بالجلوس وأمر بعض كبار الأمراء أن يقوم مقامه وانصرف
حكاية في تواضع السلطان وإنصافه
ادعى عليه رجل من كبار الهنود أنه قتل أخاه من غير موجب ودعاه إلى القاضي فسلّم وخدم، وكان قد أمر القاضي قبل ذلك أنه إذا جاءه إلى مجلسه فلا يقوم ولا يتحرك، فصعد إلى المجلس ووقف بين يدي القاضي فحكم عليه أن يرضى خصمه عن دم أخيه فأرضاه.
حكاية مثلها
وادعى على السلطان مرة رجل من المسلمين أنّ له قبله حقا ماليا فتخاصما في ذلك عند القاضي، فتوجه الحكم على السلطان بإعطاء المال فأعطاه.
حكاية مثلها
وادعى عليه صبي من أبناء الملوك أنه قد ضربه من غير موجب ورفعه إلى القاضي فتوجه الحكم عليه بأن يرضيه بالمال إن قبل ذلك وإلا أمكنه من القصاص، فشاهدته يومئذ وقد عاد لمجلسه واستحضر الصبي وأعطاه عصا، وقال له، وحقّ رأسي لتضربنني كما ضربتك! فأخذ الصبي العصا وضربه بها إحدى وعشرين ضربة حتى رأيت الكلا قد طارت عن رأسه!!
ذكر اشتداده في إقامة الصلاة
وكان السلطان شديدا في إقامة الصلوات آمرا بملازمتها في الجماعات يعاقب على تركها أشد العقاب، ولقد قتل في يوم واحد تسعة نفر على تركها كان أحدهم مغنيا. وكان يبعث الرجال الموكلين بذلك إلى الأسواق فمن وجد بها عند إقامة الصلاة عوقب، حتى انتهى إلى عقاب الستائريين «٧٥» الذين يمسكون دواب الخدام على باب المشور، إذا ضيعوا
стр. 772
الصلاة، وأمر أن يطلب الناس بعلم فرائض الوضوء والصلاة وشروط الإسلام، فكانوا يسألون عن ذلك، فمن لم يحسنه عوقب، وصار الناس يتدارسون ذلك بالمشور والأسواق ويكتبونه!
ذكر اشتداده في إقامة أحكام الشرع
وكان شديدا في إقامة الشرع، ومما فعل في ذلك أن أمر أخاه مبارك خان «٧٦» أن يكون قعوده بالمشور مع قاضي القضاة كمال الدين في قبة مرتفعة هنالك مفروشة بالبسط وللقاضي بها مرتبة تحف بها المخاد كمرتبة السلطان ويقعد أخو السلطان عن يمينه فمن كان عليه حق من كبار الأمراء وامتنع من أدائه لصاحبه يحضره رجال أخي السلطان عند القاضي لينصف منه.
ذكر رفعه للمغارم والمظالم وقعوده لإنصاف المظلومين
ولما كان في سنة إحدى وأربعين «٧٧» أمر السلطان برفع المكوس عن بلاده وأن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة والعشر خاصة وصار يجلس بنفسه للنظر في المظالم في كل يوم اثنين وخميس برحبة أمام المشور «٧٨» . ولا يقف بين يديه في ذلك اليوم إلا أمير حاجب «٧٩» وخاص حاجب «٨٠» وسيد الحجاب وشرف الحجاب «٨١» لا غير، ولا يمنع أحد ممن أراد الشكوى من الوقوف بين يديه.
وعين أربعة من كبار الأمراء يجلسون في الأبواب الأربعة من المشور لأخذ القصص من المشتكين، والرابع منهم هو ابن عمه ملك فيروز، فإن أخذ صاحب الباب الأول الرفع من
стр. 773
الشاكي فحسن، وإلا أخذه الثاني أو الثالث أو الرابع، وإن لم ياخذوه منه مضى به إلى صدر الجهان قاضي المماليك «٨٢» ، فإن أخذه منه وإلا شكا إلى السلطان، فإن صح عنده أنه مضى به إلى أحد منهم فلم ياخذه منه أدبه، وكلما يجتمع من القصص في سائر الأيام يطالع به السلطان بعد العشاء الآخرة.
ذكر إطعامه في الغلاء
ولما استولى القحط على بلاد الهند والسّند «٨٣» واشتد الغلاء حتى بلغ من القمح إلى ستة دنانير «٨٤» ، أمر السلطان أن يعطي لجميع أهل دهلى نفقة ستة أشهر من المخزن بحساب رطل ونصف من أرطال المغرب «٨٥» لكل إنسان في اليوم صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا وخرج الفقهاء والقضاء يكتبون الأزمّة بأهل الحارات، ويحضرون الناس ويعطى لكل واحد عولة ستة أشهر يقتات بها.
ذكر فتكات هذا السلطان وما نقم من أفعاله
وكان على ما قدمنا من تواضعه وإنصافه ورفقه بالمساكين وكرمه الخارق للعادة كثير التجاسر على إراقة الدماء لا يخلو بابه عن مقتول إلا في النادر، وكنت كثيرا ما أرى الناس يقتلون على بابه ويطرحون هنالك، ولقد جئت يوما فنفر بي الفرس، ونظرت إلى قطعة بيضاء في الأرض فقلت ما هذه؟ فقال بعض أصحابي: هي صدر رجل قطع ثلاث قطع! وكان يعاقب على الصغيرة والكبيرة ولا يحترم أحدا من أهل العلم والصلاح والشرف، وفي كل يوم يرد على المشور من المسلسلين والمغلولين والمقيدين مئون، فمن كان للقتل أو للعذاب عذب أو للضرب ضرب، وعادته أن يؤتى كلّ يوم بجميع من في سجنه من الناس إلى المشور ما عدا يوم الجمعة فإنهم لا يخرجون فيه وهو يوم راحتهم يتنظفون فيه ويستريحون أعاذنا الله من البلاء.
стр. 774
ذكر قتله لأخيه
وكان له أخ اسمه مسعود خان وأمه بنت السلطان علاء الدين، وكان من أجمل صورة رأيتها في الدنيا، فاتّهمه بالقيام عليه «٨٦» ، وسأله عن ذلك فأقر خوفا من العذاب فإنه من أنكر ما يدعيه عليه السلطان من مثل ذلك يعذب! فيرى الناس أن القتل أهون عليهم من العذاب فأمر به فضربت عنقه، في وسط السوق وبقى مطروحا هنالك ثلاثة أيام على عادتهم، وكانت أم هذا المقتول قد رجمت في ذلك الموضع قبل ذلك بسنتين لاعترافها بالزّنا فرجمها القاضي كمال الدين.
ذكر قتله لثلاثماية وخمسين رجلا في ساعة واحدة !
وكان مرة عيّن حصّة من العسكر تتوجه مع الملك يوسف بغرة «٨٧» إلى قتال الكفار ببعض الجبال المتصلة بحوز دهلى فخرج يوسف وخرج معه معظم العسكر وتخلف قوم منهم، فكتب يوسف إلى السلطان يعلمه بذلك، فأمر أن يطاف بالمدينة ويقبض على من وجد من أولئك المتخلفين ففعل ذلك وقبض على ثلاثماية وخمسين منهم فأمر بقتلهم أجمعين فقتلوا!
ذكر تعذيبه للشيخ شهاب الدين وقتله
وكان الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام الخراساني الذي تنسب مدينة الجام بخراسان إلى جده حسبما قصصنا ذلك، من كبار المشايخ الصلحاء الفضلاء «٨٨» ، وكان يواصل أربعة عشر يوما، وكان السلطانان قطب الدين وتغلق يعظمانه ويزورانه ويتبركان به، فلما ولى السلطان محمد أراد أن يخدم الشيخ في بعض خدمته، فإن عادته أن يخدم الفقهاء والصلحاء محتجا أن الصدر الأول، ﵃، لم يكونوا يستعملون إلا أهل العلم والصلاح، فامتنع الشيخ شهاب الدين من الخدمة، وشافهه السلطان بذلك في مجلسه العامّ
стр. 775
فأظهر الإباءة والامتناع! «٨٩» فغضب السلطان من ذلك، وأمر الشيخ الفقيه المعظم ضياء الدين السمناني أن ينتف لحيته! فأبى ضياء الدين من ذلك، وقال: لا أفعل هذا، فأمر السلطان بنتف لحية كل واحد منهما! فنتفت! ونفي ضياء الدين إلى بلاد التّلنك، ثم ولاه بعد مدة قضاء ورنكل «٩٠» فمات بها.
ونفى شهاب الدين إلى دولة آباد، فأقام بها سبعة أعوام ثم بعث عنه فأكرمه وعظّمه وجعله على ديوان المستخرج «٩١» ، وهو ديوان بقايا العمّال يستخرجها منهم بالضرب والتنكيل، ثم زاد في تعظيمه وأمر الأمراء أن يأتوا للسلام عليه ويمتثلوا أقواله، ولم يكن أحد في دار السلطان فوقه، ولما انتقل السلطان إلى السكنى على نهر الكنك، وبنى هنالك القصر المعروف بسرك دوار، معناه شبيه الجنة «٩٢» ، وأمر الناس بالبناء هنالك، طلب منه الشيخ شهاب الدين أن يأذن له في الإقامة بالحضرة، فأذن له إلى أرض موات مسافة ستة أميال من دهلى فحفر بها كهفا كبيرا صنع في جوفه البيوت والمخازن والفرن والحمّام وجلب الماء من نهرجون، وعمر تلك الأرض وجمع مالا كثيرا من مستغلها لأنها كانت السنون قاحطة، وأقام هنالك عامين ونصف عام مدة مغيب السلطان.
وكان عبيده يخدمون تلك الأرض نهارا ويدخلون الغار ليلا ويسدّونه على أنفسهم وأنعامهم خوف سرّاق الكفار لأنهم في جبل منيع هنالك، ولما عاد السلطان إلى حضرته استقبله الشيخ ولقيه على سبعة أميال منها فعظّمه السلطان وعانقه عند لقائه، وعاد إلى غاره، ثم بعث عنه بعد أيام فامتنع من إتيانه، فبعث إليه مخلص الملك النّذرباري «٩٣» ، وكان من كبراء الملوك فتلطف له في القول وحذره بطش السلطان فقال له: لا أخدم ظالما أبدا! فعاد مخلص الملك إلى السلطان فأخبره بذلك فأمر أن ياتي به، فأتى به فقال له: أنت القائل:
إني ظالم؟ فقال: نعم أنت ظالم، ومن ظلمك كذا وكذا، وعدّد أمورا، منها تخريبه لمدينة
следующие страницы →