Полный текст (1 410 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وببلاد الصين السكر الكثير مما يضاهي المصريّ بل يفضله! والأعناب والإجاص وكنت أظن أن الاجاص العثماني الذي بدمشق لا نظير له حتى رأيت الإجاص الذي بالصين، وبها البطيخ العجيب، يشبه بطّيخ خوارزم وأصفهان، وكل ما ببلادنا من الفواكه فإن بها ما هو مثله وأحسن منه، والقمح بها كثير جدا ولم أر قمحا أطيب منه وكذلك العدس والحمص.
ذكر الفخار الصيني
وأما الفخار الصّيني فلا يصنع منها إلا بمدينة الزيتون «٣٥» وبصين كلان «٣٦» ، وهو من تراب جبال هناك تقد فيه النار كالفحم، وسنذكر ذلك، ويضيفون إليه حجارة عندهم ويوقدون النار عليها ثلاثة أيام، ثم يصبون عليها الماء فيعود الجميع ترابا، ثم يخمرونه فالجيّد منه ما خمّر شهرا كاملا ولا يزاد على ذلك، والدّون ما خمر عشرة أيام وهو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمنا، ويحمل الى الهند وسائر الاقاليم حتى يصل إلى بلادنا بالمغرب وهو أبدع أنواع الفخار!
ذكر دجاج الصين
ودجاج الصين وديوكها ضخمة جدا أضخم من الإوز عندنا «٣٧» وبيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الإوز عندنا، وأما الإوز عندهم فلا ضخامة لها، ولقد اشترينا دجاجة فأردنا طبخها فلم يسع لحمها في برمة واحدة فجعلناه في برمتين.
ويكون الدّيك بها على قدر النّعامة وربّما انتتف ريشه فيبقى بضعة حمراء، وأول ما رأيت الديك الصيني بمدينة كولم، فظننته نعامة وعجبت منه، فقال لي صاحبه: إن ببلاد الصين ما هو أعظم منه، فلما وصلت إلى الصين رأيت مصداق ما أخبرني به من ذلك.
стр. 947
بمتحف كينشيهوانك تقف على هذه الصور من الفخّار
стр. 948
ذكر بعض من أحوال أهل الصين .
وأهل الصين كفار يعبدون الاصنام ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود «٣٨» ، وملك الصين تتري من ذرية تنكيزخان «٣٩» ، وفي كلّ مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم، ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها، وهم معظّمون محترمون، وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب ويبيعونها في أسواقهم، وهم أهل رفاهية وسعة عيش إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس، وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة وعليه جبة قطن خشنة.
وجميع «٤٠» أهل الصّين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضة، ولكل واحد منهم عكاز يعتمد عليه في المشي، ويقولون: هو الرّجل الثالثة!! والحرير عندهم كثير جدا لان الدود تتعلق بالثمار وتأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤنة ولذلك كثر وهو لباس الفقراء والمساكين بها، ولولا التّجار لما كانت له قيمة، ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالاثواب الكثيرة من الحرير.
وعادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب والفضة قطعا تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه وما دونه، ويجعل ذلك على باب داره، ومن كان له خمس قطع منها جعل في أصبعه خاتما، ومن كانت له عشر جعل خاتمين، ومن كان له خمس عشرة سمّوه:
السّتي، بفتح السين المهمل وكسر التاء المعلوة، وهو بمعنى الكارمي بمصر «٤١» ، ويسمون
стр. 949
جانب من سوقهم في بكين حيث يباع كل شيء ...
стр. 950
القطعة الواحدة منها بركالة «٤٢» ، بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف واللام.
ذكر دراهم الكاغد التي بها يبيعون ويشترون
وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم، وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه وانما يبيعهم وشراءهم بقطع كاغد، كل قطعة منها قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها بالشت «٤٣» ، بباء موحدة وألف ولام مكسور وشين معجم مسكن وتاء معلوة، وهو يمعنى الدينار عندنا «٤٤» وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكّة عندنا فأخذ عوضها جددا ودفع تلك، ولا يعطي على ذلك أجرة ولا سواها «٤٥» ، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الامراء، وإذا مضى الانسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ويشتري به ما أراد.
ذكر التراب الذي يوقدونه مكان الفحم
وجميع أهل الصين «٤٦» والخطا «٤٧» إنما فحمهم تراب عندهم منعقد كالطّفل عندنا
стр. 951
عملة صينية من القرن الرابع عشر (انظر التعليق رقم ٤٤ من ج ٤ ص ٢٦٠)
стр. 952
نماذج من العملة الصينية على عهد زيارة ابن بطوطة للصين
стр. 953
ولونه لون الطّفل، تأتي الفيلة بالأحمال منه فيقطعونه قطعا على قدر قطع الفحم عندنا ويشعلون النار فيه فيقد كالفحم وهو أشد حرارة من نار الفحم، وإذا صار رمادا عجنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية، ولا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى، ومن هذا التّراب يصنعون أواني الفخار الصيني ويضيفون إليه حجارة سواه كما ذكرناه «٤٨» .
ذكر ما خصوا به من إحكام الصناعات
وأهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات، وأشدهم إتقانا فيها «٤٩» ، وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم. فان لهم فيه اقتدارا عظيما، ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قطّ مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق! ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النّقاشين ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي، ونحن على زيّ العراقيين فلما عدت من القصر عشيا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطىء شيئا من شبهه، وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك وأنهم أتوا إلى القصر ونحن به فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ.
قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية ساپور ذي الاكتاف ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكّرا، وحضر وليمة صنعها ملكهم وكانت صورته على بعض الأواني فنظر إليها بعض خدّام قيصر فانطبعت على صورة سابور، فقال لملكه: إن
стр. 954
هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس، فكان الأمر على ما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب «٥٠» .
ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب
وعادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السّفر صعد اليه صاحب البحر وكتّابه وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدام والبحرية، وحينئذ يباح لهم السفر فإذا عاد الجنك إلى الصين صعدوا إليه أيضا وقابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس فإن فقدوا أحدا ممن قيدوه طلبوا صاحب الجنك به، فإما أن ياتي ببرهان على موته أو فراره أو غير ذلك مما يحدث عليه، وإلّا أخذ فيه، فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفسيرا بجميع ما فيه من السلع قليلها وكثيرها ثم ينزل من فيه، ويجلس حفّاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم، فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم عاد الجنك بجميع ما فيه مالا للمخزن «٥١» ، وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد من بلاد الكفار ولا المسلمين إلا بالصين اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه، وهو أن من عثر على سلعة له قد غاب على مغرمها أغرم أحد عشر مغرما، ثم رفع السلطان ذلك لما رفع المغارم.
ذكر عادتهم في منع التجار عن الفساد .
وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خيّر في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معيّن، أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله وضمّنه التاجر المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فان وجد شيء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمّنه، وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه، وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه، فإن أراد التّسري اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وانفق عليهما.
стр. 955
والجواري رخيصات الأثمان إلا أن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم وليس ذلك عيبا عندهم، غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم ولا يمنعون أيضا منه إن اختاروه، وكذلك إن أراد التزوّج تزوّج، وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه! ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا فانّها أرض فساد وحسن فائت!!
ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق
وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالا للمسافر، فإن الانسان يسافر منفردا مسيرة تسعة اشهر وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقا عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسلمين وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم فإذا كان بعد الصبح، جاء ومعه كاتبه فدعا كل انسان باسمه، وكتب بها تفسيرا، وبعث معهم من يوصّلهم إلى المنزل الثاني له وياتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، وإن لم يفعل طلبه بهم، وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق.
وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد وخصوصا الدجاج والإوز، وأما الغنم فهي قليلة عندهم.
ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا اليها مدينة الزّيتون «٥٢» ، وهذه المدينة ليس بها زيتون ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند، ولكنه اسم وضع عليها، وهي مدينة عظيمة كبيرة تصنع بها ثياب الكمخا، والأطلس «٥٣» ، وتعرف بالنسبة إليها، وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية، ومرساها من أعظم مراسي الدنيا
стр. 956
أو هو أعظمها، رأيت به نحو مائة جنك كبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة، وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنّهر الأعظم.
وهذه «٥٤» المدينة وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان والأرض، وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا «٥٥» ! وبهذا عظمت بلادهم، والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة. وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الامير الذي توجه إلى الهند رسولا بالهدية، ومضى في صحبتنا وغرق به الجنك، فسلّم علي وعرف صاحب الديوان بي «٥٦» فأنزلني في منزل حسن، وجاء إليّ قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي وهو من الأفاضل الكرماء وشيخ الاسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني، وهو من الصلحاء وجاء إليّ كبار التجار فيهم شرف الدين التبريزي أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند وأحسنهم معاملة، حافظ القرآن مكثر للتلاوة.
وهؤلاء التّجار لسكناهم في بلاد الكفار إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح، وقالوا: جاء من أرض الإسلام، وله يعطون زكوات أموالهم فيعود غنيا كواحد منهم.
وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد «٥٧» ، وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني «٥٨» ، ولما عرف صاحب
стр. 957
البيوت محاطة بالحدائق على نحو ما كان بسجلماسة
стр. 958
الديوان أخباري كتب إلي القان، وهو ملكهم الأعظم «٥٩» ، يخبره بقدومي من جهة ملك الهند فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني إلى بلاد الصين وهم يسمونها صين «٦٠» كلان، لأشاهد تلك البلاد، وهي في عمالته بخلال ما يعود جواب القان، فأجاب إلى ذلك، وبعث معي من أصحابه من يوصلني.
وركبت في النّهر في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية إلّا أن الجذّافين يجذفون فيه قياما، ومعهم، في وسط المركب الركاب في المقدم والمؤخر، ويظلّلون على المركب بثياب تصنع من نبات ببلادهم يشبه الكتان، وليس به، وهو أرقّ من القنب.
وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يوما «٦١» وفي كل يوم ترسو عند الزوال بقرية نشتري بها ما نحتاج إليه ونصلّي الظهر ثم ننزل بالعشي إلى أخرى وهكذا إلى أن وصلنا إلى مدينة صين كلان بفتح الكاف، وهي مدينة صين الصّين، وبها يصنع الفخار، وبالزيتون أيضا، وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر، ويسمونه مجمع البحرين «٦٢» ، وهي من أكبر المدن وأحسنها أسواقا، ومن أعظم أسواقها سوق الفخار، ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين، وإلى الهند واليمن، وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب داخل كل باب أسطوان ومصاطب يقعد عليها الساكنون بها، وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان وأهل الزّمانات ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة، وكذلك فيما بين الأبواب كلّها وفي داخلها المارستان للمرضى والمطبخة لطبخ الاغذية وفيها الاطباء والخدام.
وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسّب لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا حال له، وعمّر هذه الكنيسة بعض ملوكهم وجعل هذه المدينة وما اليها من القرى والبساتين وقفا عليها، وصورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة، وهم يعبدونها.
стр. 959
كانطون في القرن السابع عشر
стр. 960
وفي بعض جهات هذه المدينة «٦٣» بلدة المسلمين، لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق ولهم قاض وشيخ، ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلّها راجعة اليه، وقاض يقضي بينهم. وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري، وهو أحد الفضلاء الأكابر ذوي الاموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يوما، وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى عليّ، وكلّ يوم يصنعون دعوة جديدة ويأتون اليها بالعشّارين «٦٤» الحسان والمغنين. وليس وراء هذه المدينة مدينة لا للكفار ولا للمسلمين، وبينها وبين سدّ ياجوج وماجوج «٦٥» ستون يوما فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحّالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم «٦٦» ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها. ولم أر بتلك البلاد من رأى السد ولا من رأى من رآه.
حكاية عجيبة
ولما كنت بصين كلان سمعت أن بها شيخا كبيرا قد أناف على مائتي سنة، وأنه لا يأكل ولا يشرب، ولا يحدث، ولا يباشر النساء مع قوته التامة، وأنه ساكن في غار بخارجها
стр. 961
سور الصين العظيم
стр. 962
يتعبد فيه، فتوجهت إلى الغار، فرأيته على بابه وهو نحيف شديد الحمرة، عليه أثر العبادة ولا لحية له فسلّمت عليه فأمسك بيدي وشمّها، وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا كما نحن من طرفها الآخر!! ثم قال لي: لقد رأيت عجبا، أتذكر يوم قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة والرجل الذي كان جالسا بين الاصنام وأعطاك عشرة دنانير من الذهب؟ فقلت:
نعم! فقال: أنا هو! فقبّلت يده، وفكّر ساعة، ثم دخل الغار فلم يخرج إلينا، وكأنه ظهر منه النّدم على ما تكلّم به، فتعجبنا ودخلنا الغار عليه فلم نجده ووجدنا بعض أصحابه ومعه جملة بوالشت من الكاغد «٦٧» ، فقال: هذه ضيافتكم، فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل، فقال:
لو أقمتم عشر سنين لم تروه، فإن عادته إذا إطلع أحد على سرّ من أسراره لا يراه بعده، ولا تحسب أنه غاب عنك بل هو حاضر معك، فعجبت من ذلك وانصرفت، فأعلمت القاضي وشيخ الاسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من ياتي اليه من الغرباء ولا يعلم أحد من ينتحله من الأديان! والذي ظننتموه أحد أصحابه هو هو. وأخبروني أنه كان غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة، وكان السلاطين والأمراء والكبراء يأتونه زائرين فيعطيهم التّحف على أقدارهم، ويأتيه الفقراء كلّ يوم فيعطي لكل أحد على قدره، وليس في الغار الذي هو به ما يقع عليه البصر! وأنه يحدث عن السنين الماضية، ويذكر النبي ﷺ ، ويقول: لو كنت معه لنصرته، ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب بأحسن الذكر ويثنى عليهما ويلعن يزيد ابن معاوية ويقع في معاوية.
وحدثوني «٦٨» عنه بأمور كثيرة، وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه بالغار فأخذ بيدي فخيل لي أني في قصر عظيم وأنه قاعد فيه على سرير وفوق رأسه تاج وعن جانبيه الوصائف الحسان والفواكه تتساقط في أنهار هنالك وتخيّلت أني أخذت تفاحة لآكلها. فإذا أنا بالغار وبين يديه، وهو يضحك مني وأصابني مرض شديد لازمني شهورا فلم أعد إليه.
وأهل تلك البلاد يعتقدون أنه مسلم، ولكن لم يره أحد يصلي، وأما الصيام فهو صائم أبدا، وقال لي القاضي ذكرت له الصلاة في بعض الأيام، فقال لي: أتدري أنت ما أصنع؟
إن صلاتي غير صلاتك! وأخباره كلّها غريبة، وفي اليوم الثاني من لقائه سافرت راجعا إلى مدينة الزيتون، وبعد وصولي إليها بأيام جاء أمر القان بوصولي إلى حضرته على البر
стр. 963
تذكار يخلد وصول البعثة الإسلامية للصّين
стр. 964
والكرامة «٦٩» إن شئت في النهر والّا ففي البر فاخترت السفر في النهر فجهزوا لي مركبا حسنا من المراكب المعدة لركوب الأمراء، وبعث الأمير معنا أصحابه ووجه لنا الامير والقاضي والتجار المسلمون أزوادا كثيرة، وسرنا في الضيافة نتغدّى بقرية ونتعشى بأخرى، فوصلنا بعد سفر عشرة أيام الى مدينة قنجنفو «٧٠» ، وضبط اسمها بفتح القاف وسكون النون وفتح الجيم وسكون النون الاخر وضم الفاء وواو. مدينة كبيرة حسنة في بسيط أفيح، والبساتين محدقة بها فكأنها غوطة دمشق، وعند وصولنا خرج إلينا القاضي وشيخ الاسلام والتجار ومعهم الأعلام والطبول والأبواق والأنفار وأهل الطرب وأتونا بالخيل فركبنا ومشوا بين أيدينا، لم يركب معنا غير القاضي والشيخ، وخرج أمير البلد وخدامه، وضيف السلطان عندهم معظم أشد التعظيم، ودخلنا المدينة ولها أربعة أسوار يسكن ما بين السور الاول والثاني عبيد السّلطان من حراس المدينة وسمّارها ويسمون البصوانان «٧١» بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهمل وواو وألف ونون والف ونون، ويسكن ما بين السور الثاني والثالث الجنود المركبون والامير الحاكم على البلد، ويسكن داخل السور الثالث المسلمون، وهنالك نزلنا عند شيخهم ظهير الدين القرلاني، بضم القاف وسكون الراء، ويسكن داخل السور الرابع الصينيون، وهو أعظم المدن الأربعة ومقدار ما بين كلّ باب منها والذي يليه ثلاثة أميال وأربعة ولكل إنسان كما ذكرناه بستانه وداره وأرضه.
حكاية [قوام الدّين السبتي]
وبينما أنا يوما في دار ظهير الدين القرلاني إذا بمركب قوام الدين السّبتي، فعجبت من اسمه! ودخل إليّ، فلما حصلت المؤانسة بعد السلام سنح لي أني أعرفه، فأطلت النظر
стр. 965
إليه فقال: أراك تنظر إلي نظر من يعرفني، فقلت له: من أيّ البلاد أنت؟ فقال من سبتة! فقلت له: وأنا من طنجة! فجدد السّلام عليّ وبكى حتى بكيت لبكائه!! فقلت له: هل دخلت بلاد الهند؟ فقال لي: نعم دخلت حضرة دهلي، فلما قال لي ذلك تذكّرت له، وقلت: أأنت البشري؟ قال: نعم! وكان وصل إلى دهلي مع خاله أبي القاسم المرسى وهو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه، من حداق الطلبة، يحفظ الموطأ «٧٢» وكنت أعلمت سلطان الهند بأمره فأعطاه ثلاث آلاف دينار وطلب منه الإقامة عنده فأبى، وكان قصده بلاد الصين فعظم شأنه بها واكتسب الأموال الطائلة.
أخبرني أن له نحو خمسين غلاما، ومثلهم من الجواري وأهدى إلي منهم غلامين وجاريتين وتحفا كثيرة، ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان، «٧٣» فيا بعد ما بينهما! وكانت إقامتي بقنجنفو خمسة عشر يوما، وسافرت منها، وبلاد الصين على ما فيها من الحسن لم تكن تعجبني، بل كان خاطري شديد التغير بسبب غلبة الكفر عليها، فمتى خرجت عن منزلي رأيت المناكير الكثيرة، فأقلقني ذلك حتى كنت ألازم المنزل فلا أخرج إلا لضرورة، وكنت إذا رأيت المسلمين بها فكأنّي لقيت أهلي وأقاربي! ومن تمام فضيلة هذا الفقيه البشري أن سافر معي لما رحلت عن قنجنفو أربعة أيام حتى وصلت إلى مدينة بيوم قطلو «٧٤» ، وهي بباء موحدة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وواو مفتوحة وميم وقاف مضموم وطاء مسكنة ولام مضموم وواو، مدينة صغيرة يسكنها الصينيون من جند وسوقة، وليس بها للمسلمين إلا أربعة من الدور، وأهلها من جهة الفقيه المذكور، ونزلنا بدار أحدهم وأقمنا عنده ثلاثة أيام ثم ودعت الفقيه وانصرفت فركبت النّهر على العادة نتغدّى بقرية ونتعشى بأخرى إلى أن وصلنا بعد سبعة عشر يوما منها إلى
стр. 966
مدينة الخنسا «٧٥» ، واسمها على نحو اسم الخنساء الشاعرة، ولا أدري أعربي هو أم وافق العربي؟ وهذه المدينة أكبر مدينة رأيتها على وجه الأرض، طولها مسيرة ثلاثة أيام يرحل المسافر فيها وينزل، وهي على ما ذكرناه من ترتيب عمارة الصين، كلّ أحد له بستانه وداره، وهي منقسمة إلى ستّ مدن سنذكرها، وعند وصولنا إليها خرج إلينا قاضيها أفخر الدين وشيخ الاسلام بها وأولاد عثمان بن عفان المصري، وهم كبراء المسلمين بها «٧٦» ومعهم علم أبيض والاطبال والأنفار والابواق وخرج أميرها في موكبه. ودخلنا المدينة وهي ست مدن على كل مدينة سور، ومحدق بالجميع سور واحد، فأول مدينة منها يسكنها حراس المدينة وأميرهم، حدثني القاضي وسواه أنهم اثنا عشر الفا في زمام العسكرية وبتنا ليلة دخولنا في دار أميرهم.
وفي اليوم الثاني دخلنا المدينة الثانية على باب يعرف بباب اليهود «٧٧» ، ويسكن بها اليهود والنصارى والترك عبدة الشمس، وهم كثير وأمير هذه المدينة من أهل الصّين، وبتنا عنده الليلة الثانية.
стр. 967
وفي اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة، ويسكنها المسلمون، ومدينتهم حسنة وأسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام، وبها المساجد والمؤذنون، سمعناهم يؤذنون بالظهر عند دخولنا ونزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري، وكان أحد التّجار الكبار استحسن هذه المدينة فاستوطنها، وعرفت بالنسبة اليه وأورث عقبه بها الجاه والحرمة، وهم على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء والإعانة للمحتاجين، ولهم زاوية تعرف بالعثمانية، حسنة العمارة لها أوقاف كثيرة، وبها طائفة من الصوفية، وبنى عثمان المذكور المسجد الجامع بهذه المدينة، ووقف عليه وعلى الزاوية أوقافا عظيمة وعدد المسلمين بهذه المدينة كثير وكانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوما فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة، ولا يزالون يحتفلون في أطعمتهم ويركبون معنا كلّ يوم للنزهة في أقطار المدينة.
وركبوا معي يوما فدخلنا إلى المدينة الرابعة وهي دار الإمارة وبها سكنى الامير الكبير قرطى. ولما «٧٨» دخلنا من بابها ذهب عني أصحابي ولقيني الوزير وذهب بي إلى دار الامير الكبير قرطي فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي «٧٩» ما قد ذكرته.
وهذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان وخدامه وهي أحسن المدن الستّ، ويشقها أنهار ثلاثة: أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم وتأتي فيه القوارب الصّغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام وأحجار الوقد، وفيه السفن للنّزهة، والمشور في وسط هذه المدينة، وهو كبير جدّا، ودار الإمارة في وسطه وهو يحف بها من جميع الجهات، وفيه سقائف فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب. وأخبرني الأمير قرطى أن عددهم الف وستمائة معلّم، كل واحد منهم يتبعه الثلاثة والاربعة من المتعلمين وهم أجمعون عبيد القان، وفي أرجلهم القيود، ومساكنهم خارج القصر، ويباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة دون الخروج على بابها، ويعرضون كلّ يوم على الأمير مائة مائة، فان نقص أحدهم طلب به أميره! وعادتهم أنه اذا خدم احدهم عشر سنين فكّ عنه قيده، وكان يخيّر النّظرين إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد، وإما أن يسير حيث شاء من بلاد القان ولا يخرج عنها، وإذا بلغ سنّه خمسين عاما أعتق من الأشغال وأنفق عليه، وكذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو
стр. 968
نحوها من سواهم، ومن بلغ ستين سنة عدوّه كالصّبي فلم تجر عليه الاحكام «٨٠» ! والشيوخ بالصين يعظمون تعظيما كثيرا ويسمى أحدهم أطا، ومعناه الوالد.
ذكر الامير الكبير قرطي
وضبط اسمه بضم القاف وسكون الراء وفتح الطاء المهمل وسكون الياء، وهو أمير أمراء الصين أضافنا بداره وصنع الدعوة ويسمّونها الطّوى «٨١» ، بضم الطاء المهمل وفتح الواو، وحضرها كبار المدينة وأتى بالطباخين المسلمين فذبحوا وطبخوا الطعام، وكان هذا الامير على عظمته يناولنا الطعام بيده ويقطع اللحم بيده، وأقمنا في ضيافته ثلاثة أيام، وبعث ولده معنا إلى الخليج فركبنا في سفينة تشبه الحرّاقة، وركب ابن الامير في أخرى ومعه اهل الطرب وأهل الموسيقى، وكانوا يغنون بالصّيني وبالعربي وبالفارسي وكان ابن الامير معجبا بالغناء الفارسي فغنوا شعرا منه وأمرهم بتكريره مرارا حتى حفظته من أفواههم (٨٢) وله تلحين عجيب وهو.
تا دل بمهرت داده أم در بحر فكر افتاده أم ... جون در نماز ايستاده كويي بمحرابم دري «٨٢»
واجتمعت بتلك الخليج من السفن طائفة كبيرة لهم القلاع الملونة ومظلّات الحرير وسفنهم منقوشة أبدع نقش، وجعلوا يتحاملون ويترامون بالنارنج والليمون، وعدنا بالعشى الى دار الامير فبتنا بها وحضر أهل الطرب فغنّوا بأنواع من الغناء العجيب.
стр. 969
لقطات من ضريح سعدي في شيراز عن مجموعة آثار معماري- سازمان جغرافيا نيروهاي مسلح
стр. 970
حكاية المشعوذ
وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذة، وهو من عبيد القان، فقال له الامير: أرنا من عجائبك! فأخذ كرة خشب لها ثقب، فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار، ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد، فلما لم يبق من السير في يده إلا يسير أمر متعلّما له فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا، فدعاه فلم يجبه ثلاثا فأخذ سكينا بيده كالمعتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضا! ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم بجسده ثم برأسه، ثم هبط وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم، فقبّل الأرض بين يدي الامير، وكلمه بالصيني، وأمر له الامير بشيء، ثم إنه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض وركضه برجله فقام سويّا! فعجبت منه، وأصابني خفقان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك، فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت.
وكان القاضي أفخر الدين إلى جانبي فقال لي: والله ما كان من صعود ولا نزول ولا قطع عضو، وإنما ذلك شعوذة! وفي غد تلك الليلة دخلنا من باب المدينة الخامسة وهي أكبر المدن يسكنها عامة الناس، وأسواقها حسان وبها الحذّاق بالصنائع وبها تصنع الثياب الخنساوية، ومن عجيب ما يصنعون بها أطباقا يسمونها الدّست «٨٣» ، وهي من القصب وقد ألصقت قطعه أبدع إلصاق ودهنت بصبغ أحمر مشرق، وتكون هذه الأطباق عشرة واحدا في جوف آخر رقّتها تظهر لرائيها كأنها طبق واحد ويصنعون غطاء يغطي جميعها ويصنعون من هذا القصب صحافا، ومن عجائبها أن تقع من العلوّ فلا تنكسر ويجعل فيها الطعام السخن فلا يتغيّر صباغها ولا يحول، وتجلب من هنالك إلى الهند وخراسان وسواها.
ولما دخلنا هذه المدينة بتنا ليلة في ضيافة أميرها، وبالغد دخلنا من باب يسمى كشتي بانان إلى المدينة السادسة، ويسكنها البحرية والصيادون والجلافطة والنجارون، ويدعون داد
стр. 971
رسم للسحرة بالصّين عام ١٦٨١ عن بيكينگام في المجلد الرابع للترجمة الإنجليزية
стр. 972
كاران والإصباهية وهم الرّماة والپيادة، وهم الرّجّال «٨٤» ، وجميعهم عبيد السلطان، ولا يسكن معهم سواهم، وعددهم كثير.
وهذه المدينة على ساحل النّهر الأعظم بتنا بها ليلة في ضيافة أميرها، وجهّز لنا الأمير قرطى مركبا، بما يحتاج اليه من زاد وسواه، وبعث معنا أصحابه برسم التّضييف، وسافرنا من هذه المدينة، وهي آخر أعمال الصين، ودخلنا إلى بلاد الخطا «٨٥» ، بكسر الخاء المعجم وطاء مهمل وهي أحسن بلاد الدنيا عمارة، ولا يكون في جميعها موضع غير معمور فإنه إن بقى موضع غير معمور طلب أهله أو من يواليهم بخراجه، والبساتين والقرى والمزارع منتظمة بجانبي هذا النهر من مدينة الخنسا إلى مدينة خان بالق، وذلك مسيرة أربعة وستين يوما، وليس بها أحد من المسلمين إلا من كان خاطرا غير مقيم، لأنها ليست بدار مقام، وليس بها مدينة مجتمعة «٨٦» ، وإنما هي قرى وبسائط فيها الزرع والفواكه والسكر، ولم أر في الدنيا مثلها غير مسيرة أربعة أيام من الأنبار إلى عانة. وكنا كلّ ليلة ننزل بالقرى لأجل الضيافة حتى وصلنا إلى مدينة خان بالق، وضبط اسمها بخاء معجم والف ونون مسكن وباء معقودة وألف ولام مكسور وقاف، وتسمى أيضا خانقو «٨٧» ، بخاء معجم ونون مكسور وقاف وواو، وهي حضرة القان، والقان هو سلطانهم الأعظم الذي مملكته بلاد الصين والخطا، ولما وصلنا إليها أرسينا على عشرة أميال منها على العادة عندهم، وكتب إلى أمراء البحر
стр. 973
بخبرنا، فأذنوا لنا في دخول مرساها فدخلناه، ثم نزلنا إلى المدينة، وهي من أعظم مدن الدنيا وليست على ترتيب بلاد الصّين في كون البساتين داخلها، وإنما هي كسائر البلاد والبساتين بخارجها، ومدينة السلطان في وسطها كالقصبة، حسبما نذكره.
ونزلت عند الشيخ برهان الدين الصاغرجي، وهو الذي بعث إليه ملك الهند بأربعين ألف دينار واستدعاه، فأخذ الدنانير وقضى بها دينه، وأبى أن يسير إليه «٨٨» ! وقدم على بلاد الصين فقدّمه القان على جميع المسلمين الذين ببلاده وخاطبه بصدر الجهان.
ذكر سلطان الصين والخطا الملقب بالقان .
والقان عندهم سمة لكل من يلي الملك: ملك الأقطار، كمثل ما يسمى كلّ من ملك بلاد اللّور بآتابك «٨٩» ، واسمه بّاشاي «٩٠» بفتح الباء المعقودة والشين المعجمة وسكون الياء، وليس للكفار على وجه الأرض مملكة أعظم من مملكته.
ذكر قصره [القان]
وقصره في وسط المدينة المختصة بسكناه، وأكثر عمارته بالخشب المنقوش، وله ترتيب عجيب، وعليه سبعة أبواب فالباب الأول منها يجلس به الكتوال، وهو أمير البوابين وله مصاطب مرتفعة عن يمين الباب ويساره، وفيها المماليك البرددارية، وهم حفاظ باب القصر، وعددهم خمسمائة رجل، وأخبرت أنهم كانوا فيما تقدم الف رجل، والباب الثاني يجلس عليه النّزدارية، بالنون والزاي، وهم أصحاب الرماح وعددهم خمسمائة، والباب الرابع يجلس عليه التّغدارية بالتاء المثناة والغين المعجم، وهم أصحاب السّيوف والترسنة. والباب الخامس فيه ديوان الوزارة، وبه سقائف كثيرة، فالسّقيفة العظمى يقعد بها الوزير على مرتبة هائلة مرتفعة، ويسمون ذلك الموضع المسند، وبين يدي الوزير دواة عظيمة من الذهب، وتقابل هذه السقيفة سقيفة كاتب السر، وعن يمينها سقيفة كتاب الرسائل، وعن يمين الوزير سقيفة كتّاب الأشغال، وتقابل هذه السقائف سقائف أربع إحداها تسمى ديوان الإشراف يقعد بها المشرف، والثانية سقيفة ديوان المستخرج وأميرها من كبار الامراء، والمستخرج هو ما يبقى قبل العمال، وقبل الأمراء من إقطاعاتهم، والثالثة ديوان الغوث، ويجلس فيها أحد الامراء
стр. 974
بنايات صينية
стр. 975
الكبار ومعه الفقهاء والكتاب فمن لحقته مظلمة استغاث بهم، والرابعة: ديوان البريد يجلس فيها أمير الإخباريين، والباب السادس من أبواب القصر يجلس عليه الجندارية وأميرهم الأعظم، والباب السابع يجلس عليه الفتيان، ولهم ثلاث سقائف: إحداها سقيفة الحبشان منهم، والثانية سقيفة الهنود والثالثة سقيفة الصّينيين، ولكل طائفة منهم أمير من الصينيين «٩١» .
ذكر خروج القان لقتال ابن عمه وقتله
ولما وصلنا حضرة خان بالق وجدنا القان غائبا عنها إذ ذاك وخرج للقاء ابن عمه فيروز «٩٢» القائم عليه بناحية قراقرم وبش بالغ من بلاد الخطا «٩٣» وبينها وبين الحضرة مسيرة ثلاثة أشهر عامرة.
وأخبرني صدر الجهان برهان الدين الصاغرجي أن القان لما جمع الجيوش وحشد الحشود، اجتمع عليه من الفرسان مائة فوج، كل فوج منها عشرة آلاف فارس، وأميرهم يسمى أمير طومان «٩٤» وكان خواصّ السلطان وأهل دخلته خمسين ألفا زائدا إلى ذلك، وكانت الرّجالة خمسمائة الف، ولما خرج خالف عليه أكثر الأمراء واتفقوا على خلعه لأنه كان قد غيّر أحكام اليساق «٩٥» ، وهي الأحكام التي وضعها تنكيز خان جدّهم الذي خرب بلاد الإسلام، فمضوا إلى ابن عمه القائم، وكتبوا إلى القان أن يخلع نفسه وتكون مدينة الخنسا إقطاعا له فأبى ذلك وقاتلهم فانهزم وقتل «٩٦» .
وبعد أيام من وصولنا إلى حضرته ورد الخبر بذلك، فزيّنت المدينة وضربت الطبول والابواق والأنفار وأستعمل اللعب والطرب مدة شهر ثم جيىء بالقان المقتول وبنحو مائة من
стр. 976
المقتولين بني عمه وأقاربه وخواصه فحفر للقان ناووس «٩٧» عظيم، وهو بيت تحت الأرض، وفرش بأحسن الفرش، وجعل فيه القان بسلاحه وجعل معه ما كان في داره من أواني الذهب، والفضة وجعل معه أربع من الجواري، وستة من خواص المماليك، ومعهم أواني شراب، وبنى باب البيت وجعل فوقه التّراب حتى صار كالتّل العظيم، ثم جاءوا بأربعة أفراس فأجاروها عند قبره حتى وقفت ونصبوا خشبا على القبر وعلقوها عليه بعد أن دخّلوا في دبر كلّ فرس خشبة حتى خرجت من فمه، وجعل أقارب القان المذكورين في نواويس ومعهم سلاحهم وأواني دورهم وصلّبوا على قبور كبارهم، وكانوا عشرة، ثلاثة من الخيل على كل قبر، وعلى قبور الباقين فرسا «٩٨» فرسا.
وكان هذا اليوم يوما مشهودا لم يتخلف عنه أحد من الرّجال ولا النساء المسلمين والكفار، وقد لبسوا أجمعين ثياب العزاء وهي الطيالسة البيض للكفار والثياب البيض للمسلمين، وأقام خواتين القان وخواصه في الأخبية على قبره أربعين يوما، وبعضهم يزيد على ذلك إلى سنة، وصنعت هنالك سوق يباع فيها ما يحتاجون اليه من طعام وسواه.
وهذه الأفعال لا أذكر أمة تفعلها سواهم في هذا العصر فأما الكفار من الهنود وأهل الصين فيحرقون موتاهم، وسواهم من الأمم يدفنون الميت ولا يجعلون معه احدا، لكن أخبرني الثقات ببلاد السودان أن الكفار منهم اذا مات ملكهم صنعوا له ناووسا، وأدخلوا معه بعض خواصه وخدامه وثلاثين من أبناء كبارهم وبناتهم بعد أن يكسروا أيديهم وأرجلهم ويجعلون معهم أواني الشراب.
وأخبرني بعض كبار مسوّفة ممن يسكن بلاد كوبر مع «٩٩» مع السودان واختصه سلطانهم، انه كان له ولد، فلما مات سلطانهم أرادوا أن يدخلوا ولده مع من أدخلوه من أولادهم قال: فقلت لهم كيف تفعلون ذلك وليس على دينكم ولا من ولدكم وفديته منه بمال عريض! ولما قتل القان كما ذكرناه واستولى ابن عمه فيروز على الملك اختار أن تكون حضرته مدينة قراقرم، وضبطها بفتح القاف الأولى والراء وضم الثانية وضم الراء الثانية،
стр. 977
صورة لطير خيالي يحمل الإنسان!
стр. 978
لقربها من بلاد بني عمه ملوك تركستان وما وراء النهر، ثم خالفت عليه الامراء ممن لم يحضر لقتل القان وقطعوا الطرق وعظمت الفتن «١٠٠» .
ذكر رجوعي إلى الصين ثم إلى الهند
ولما وقع الخلاف وتسعّرت الفتن أشار عليّ الشيخ برهان الدين وسواه أن أعود إلى الصين قبل تمكن الفتن، ووقفوا معي إلى نائب السلطان فيروز فبعث معي ثلاثة من أصحابه وكتب لي بالضيافة، وسرنا منحدرين في النهر الى الخنسا ثم إلى قنجنفو، ثم إلى الزيتون فلما وصلتها وجدت الجنوك على السفر الى الهند «١٠١» ، وفي جملتها جنك للملك الظاهر صاحب الجاوة، أهله مسلمون وعرفني وكيله، وسرّ بقدومي، وصادفنا الريح الطيّبة عشرة أيام، ولما قاربنا بلاد طوالسى تغيرت الريح، وأظلم الجو وكثر المطر، وأقمنا عشرة أيام لا نرى الشمس، ثم دخلنا بحرا لا نعرفه وخاف أهل الجنك فأرادوا الرجوع إلى الصين فلم يتمكن ذلك وأقمنا اثنين وأربعين يوما لا نعرف في أي البحار نحن!
ذكر الرّخ
ولما كان في اليوم الثالث والاربعين ظهر لنا بعد طلوع الفجر جبل في البحر بيننا وبينه نحو عشرين ميلا والريح تحملنا الى صوبه، فعجب البحرية، وقالوا: لسنا بقرب من البر، ولا يعهد في البحر جبل، وان اضطرتنا الريح اليه هلكنا، فلجأ الناس الى التضرّع والإخلاص وجدّدوا التوبة، وابتهلنا الى الله بالدعاء وتوسلنا بنبيه ﷺ ، ونذر التجار الصدقات الكثيرة، وكتبتها لهم في زمام بخطي، وسكنت الريح بعض سكون، ثم رأينا ذلك
стр. 979
الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر فعجبنا من ذلك، ورأيت البحرية يبكون، ويودع بعضهم بعضا. فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: إن الذي تخيلناه جبلا هو الرّخ، وان رءآنا أهلكنا، وبيننا إذ ذاك وبينه أقل من عشرة أميال، ثم إن الله تعالى منّ علينا بريح طيبة صرفتنا عن صوبه فلم نره ولا عرفنا حقيقة صورته «١٠٢» . وبعد شهرين من ذلك اليوم، وصلنا إلى الجاوة، ونزلنا إلى سمطرة فوجدنا سلطانها الملك الظاهر قد قدم من غزاة له وجاء بسبّي كثير فبعث لي جاريتين وغلامين، وأنزلني على العادة وحضرت إعراس ولده مع بنت أخيه «١٠٣» .
ذكر أعراس ولد الملك الظاهر
وشاهدت يوم الجلوة، فرأيتهم قد نصبوا في وسط المشور منبرا كبيرا وكسوة بثياب الحرير، وجاءت العروس من داخل القصر على قدميها بادية الوجه ومعها نحو أربعين من الخواتين يرفعن أذيالها من نساء السلطان وأمرائه ووزرائه وكلّهن باديات الوجوه ينظر اليهن كلّ من حضر من رفيع أو وضيع. وليست تلك بعادة لهن إلا في الأعراس خاصة.
وصعدت العروس المنبر وبين يديها أهل الطرب رجالا ونساء يلعبون ويغنون، ثم جاء الزوج على فيل مزين، على ظهره سرير وفوقه قبة شبيه البوجة «١٠٤» ، والتاج على رأس العروس المذكور، عن يمينه ويساره نحو مائة من أبناء الملوك والامراء قد لبسوا البياض وركبوا الخيل المزيّنة، وعلى رؤوسهم الشواشي المرصّعة وهم أتراب العروس ليس فيهم ذو لحية ونثرت الدنانير والدراهم على الناس عند دخوله.
وقعد السلطان بمنظرة له يشاهد ذلك ونزل ابنه فقبّل رجله وصعد المنبر إلى العروس فقامت إليه وقبّلت يده «١٠٥» ، وجلس إلى جانبها والخواتين يروّحن عليها، وجاءوا بالفوفل
стр. 980
لقطات من جاوة
стр. 981
والتنبول، فأخذه الزّوج بيده وجعل منه في فمها ثم أخذت هي بيدها وجعلت في فمه، ثم أخذ الزوج بفمه ورقة تنبول وجعلها في فمها، وذلك كله على أعين الناس، ثم فعلت هي كفعله، ثم وضع عليها الستر ورفع المنبر وهما فيه إلى داخل القصر وأكل الناس وانصرفوا.
ثم لما كان في الغد جمع الناس وجدّد له أبوه ولاية العهد وبايعه الناس وأعطاهم العطاء الجزل من الثياب والذهب.
стр. 982
لقطات من جاوة مع شكرنا لأم سليمان ...
стр. 983
لقطات من سمطرة
стр. 984
رسم لقبرية السلطان الملك محمد الظاهر (؟) وهذا نص ما فيها:
«هذا قبر السعيد الشهيد المرحوم السلطان بن السلطان الملك الظاهر شمس الدنيا والدّين محمد بن الملك الصالح، توفي ليلة الأحد ثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة السادس والعشرين وسبعمائة من الهجرة النّبوية» وبهذه المناسبة نجدد شكرنا للزميل فان كونينكسفيلد ... عن الأصل من مكتبة (Bijgewerkte) جزء IV ص ٢٣٠- ٣٠٧
стр. 985
الفصل السادس عشر العودة إلى المغرب
من الجاوة إلى قالقوط العدول عن فكرة الرجوع للهند أخذ الطريق إلى ظفار محرم ٧٤٨- يناير ١٣٤٧ من البصرة إلى دمشق من دمشق إلى القاهرة من القاهرة إلى الحجاز لأداء الحجة السادسة من الحجاز إلى مصر فتونس من تازة إلى فاس والمثول بين يدي السلطان أبي عنان ذكر بعض مآثر ومناقب أبي عنان
следующие страницы →